← Адаб

Адаб · id 11546

المعارك الأدبية

أنور الجندي

Полный текст (707 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

٤- شكيب أرسلان ١: ليس طه حسين في هذا الرأي القائل والمنطق المقلوب إلا مقلدا لمرغليوت أو لغيره من الأوروبيين بسائق عقيدة سخيفة فاشية -وياللأسف- في الشرق وهي أن الأوروبي لا يخطئ أبدًا, وأنه من حيث اخترع الأوروبي سكة الحديد والغواصة والطيارة والسيارة وما أشبه ذلك فلا شك أنه صار يفهم أحسن مما يفهم سيبويه والخليل بن أحمد وليس في الدنيا خطأ أعظم من هذا ولا طيش يفوت هذا الطيش فكل علم له أربابه الذين هم أدرى به. إننا لا ندعي كون الشرقيين أعلم من الغربيين وحاشا أن نقول هذا بل أولئك اليوم على وجه الإجمال أعلم منا لا جدال, ولكن الحقيقة القاتلة هي أن الشرقي يتهم أخاه الشرقي في نقله ويسفهه في عقله ويحتقر رأيه ولا يقبل له قولا لمجرد أنه شرقي حتى إذا اطلع على تأليف أوروبي ولو محشوا بالهذيان تلقى ما فيه نازلا من السماء وعض عليه بالنواجذ وأبى أن يرتاب فيه أو يحاكمه، ومن هنا نشأ ما نحن فيه من الأزمة الأدبية، والاجتماعية واللغوية والتخبط الذي ترانا نتخبطه لأن حقائقنا انقلبت ضلالات بلا سؤال, وضلالات الإفرنج تلقيت حقائق بلا جدال. النظرية الجديدة غير الحقيقة العلمية. الحقائق العلمية ما تزال تتجدد وينقض آخر منها أول. الهوس بقبول الجديد.

стр. 352

مخالفة رأي الجمهور. ليس كل شيء قديم منبوذا وليس كل شيء جديد مرغوبا فيه. أني لا ألوم الدكتور طه حسين الذي قصاراه أن يسرق رأيا لمستشرق أوروبي خالف به جمهور المستشرقين فضلا عن علماء العرب وأن ينتحل هذا الرأي لنفسه متبجحا به. ٥- محمد عبد المطلب ١: سخطت وازوررت لأني أجد ضعفا في أسلوبه العربي وضعف تأليف وخطأ في اللغة وقواعد الإعراب وسخطت وازوررت ثم تنظمت وأوردت إذ رأيت أكبر أستاذ في أكبر معاهد مصر يتردد بين التناقض في الرأي والخطأ الفاحش في الفن. فأما قصور اللفظ فإني وجدت الدكتور يمنح في كل دعوى الشك والتشكيك عجزًا عن الدليل القويم ولا ينتج من المقدمات في أدلته إلا العقيم وما كان الشك والتشكيك يوما عكازًا لأحد من العاجزين، أما التقصير في الاجتهاد فإنك تراه لا يزجر نفسه ولا يكلفها شيئا من الجهد فيستمرئ الكسل عن التحقيق في أقل المواطن كلفة وأيسرها منالا ويتستر بالتعمية في الأسلوب والمراوغة في الجدال والختل في الاستدلال ولو كلف نفسه قليلا لبدا له العلم الصحيح. أما ضعف الأسلوب فإنه يجيئك بالمعنى القليل الهزيل في اللفظ الكثير والتركيب المملول. على أني حائر في الحكمة التي يرمي إليها بافتتاحه القول مغيظًا محنقا

стр. 353

بتصوير الخصومة ولا خصومة ويمعن في اللئوم روبما كان هو الحليم وبعد فإنه خرج من التمهيد الطويل العريض الذي وضع أسلافنا فيه تحت المطرقة وانهال عليهم بلا حرمة ولا مبالاة وتجرد في حقهم من آداب المؤلفين. ٦- عبد ربه مفتاح: تبرأ طه حسين بجواب أرسله إلى مدير الجامعة بعد أن قامت الأمة وقعدت لفعلته الشنيعة، تبرأ الآن من الكفر والإلحاد بعد أن سجله في مؤلفه وأذاعه بين الناس وأفسد به عقول النابتة. ولكن فات دكتور أوربا أن هذا سبيل البراءة والخلاص، وإنما السبيل أن يعلن رجوعه عن هذا الكفر الصريح وأن ينص في غير مواربة ولا لف ولا دوران أن مؤلفه باطل لا يعول عليه. وبخاصة ما يمس منه الدين. أخبرني أيها الدكتور ماذا في كتابك وما الجديد الذي أحدثته فيه، أفكرة التغير والتعديل في الشعر الخاصة وقد رادها قبلك الرواد. ٧- عبد المتعال الصعيدي ١: بين يدي الآن كتاب "مقالة عن الأحلام" لجرجيس صال الإنجليزي معربة عن الإنجليزية بقلم من يدعى هاشما العربي مطبوعة ١٨٩١ يرى فيها ما رأى الدكتور طه في قصة إبراهيم وإسماعيل وينسبه لنفسه على أنه ابتكار من ابتكاراته ورأي من آراءه الجديدة. وهو الذي أقام الدنيا وأقعدها على الأستاذ علام سلامة إذ نقل على لسان العرب ما نقل مما كتبه عن الآداب والأدباء في السياسة الأسبوعية ولم ينسبه إلى صاحبه.

стр. 354

فلماذا استحل الدكتور طه هذه السرقة الفظيعة وهو العالم الذي لا يبارى ولا يليق أن يتهجم على الكتب فيسرق منها وينسب لنفسه. يقول طه حسين "ص٢٩" أمر هذه القصة "قصة إبراهيم وإسماعيل" إذن واضح فهي حديثة العهد ظهرت قبل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب ديني وسياسي, وإذن فيستطيع التاريخ الأدبي واللغوي ألا يحفل بها عندما يريد أن يتعرف أصل اللغة العربية الفصحى. ويقول "هاشم العربي" في كتابه مقالة في الإسلام: "وحقيقة الأمر في قصة إسماعيل أنها دسيسة لفقها قدماء اليهود العرب تزلفا إليهم وتذرعا بهم إلى دفع الروم عن بيت المقدس أو تأسيس مملكة جديدة لهم في بلاد العرب يلجئون إليها". هل يليق يا دكتور أن تنقلب مبشرًا تنقل آراء المبشرين التي يمليها عليهم حقدهم في جامعة علمية. وقال عبد المتعال الصعيدي في كتابه "القضايا الكبرى في الإسلام" ص٣٩١: إن الدكتور طه أجاب في التحقيق بأنه يقرر صدق هجرة إسماعيل ﵇ إلى مكة ويؤمن بقصة بناء الكعبة كما وردت في القرآن ويؤمن بتنزيل القراءات بصفته مسلما معتقدا ولكنه لا يقرها بصفته عالما أديبا وقال: إن عدم إقرارها هو الطريق الوحيد العلمي للوصول إلى حقائق الشعر الجاهلي وتاريخه. وقال: إن الدكتور أنكر القراءات السبع المجمع عليها فزعم أنها ليست

стр. 355

منزلة من الله تعالى. وأن العرب قرأتها كما استطاعت لا كما أوحى الله بها إلى نبيه. ٨- محمد أحمد الغمراوي ١: ظهر كتابه "في الشعر الجاهلي" تحت اسم جديد بعد أن حذف منه وزيد فيه أما المحذوف فيه فهو أكثر تلك الأجزاء التي ثارت من أجلها ثائرة الناس في مصر على صاحب الكتاب فاستعدوا عليه القانون فهذا تحسن في الكتاب من غير شك يرجع الفضل بعض إلى صاحبه -أو إلى النيابة- ولكن المنقود عاد فانبعث بعد أن غير زيه وإن لم يغير من حقيقته "الأدب الجاهلي بدلا من الشعر الجاهلي" فلم نجد بدا من أن نعيد ذلك النقد ونجعله بعد التعديل نواة لنقد أوسع يتناسب مع التضخم في الكتاب المنقود. لم ينتفع صاحب الكتاب بنقد الناقدين على تعدد نقدهم وصوابه، وفي رأينا أن إعراض صاحب الكتاب عن الانتفاع بذلك النقد الكثير الصائب أدل على الروح الذي يحركه والغرض الذي يسعى إليه من كل ما نمق وينمق من زخرف يزعم به التجرد من الهوى والجري على أسلوب العلم الحديث. إن عملية تنقية الكتاب بالحذف لم تقو على تخليصه من كل ما يجافي الدين وإن خلصته فيما يظهر من كل ما يؤاخذ عليه القانون. وخلصته من الواضح الصريح الذي يمكن أن يمتد القلم إليه بالحذف أما المثبت في ثنايا جملة من التهكم الخفي فذلك ما لا يمكن أن يتناول بالحذف إلا أن يحذف أكثر الكتاب. فالكتاب وإن خلص من مثل: "للتوراة أن تحدثنا أن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا".

стр. 356

ومن قوله: "لأمر ما شعروا بالحاجة إلى إثبات أن القرآن كتاب عربي مطابق في ألفاظه للغة العرب", فإنه لم يخلص من مثل: "وفي القرآن سورة تسمى سورة الجن أنبأت أن الجن استمعوا للنبي" ومن مثل قوله: "فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون من صفوة بني هاشم" وهذه القطعة التي وصفتها النيابة بسوء الأدب في حق النبي، وكان ينبغي أن تحذف ومن مثل قوله: "لأمر ما شعروا بالحاجة إلى إثبات أن القرآن كتاب عربي مطابق في ألفاظه للغة العرب", فإن التهكم المستتر طي هذا الكلام وكثير غيره من الكتاب أخفى من أن يستطاع إثباته بالبرهان المنطقي على ما يظهر، على أن هناك على حذف المحذوف ملاحظة جديرة بالذكر هي أن صاحب الكتاب حذف من غير أن يذكر أسباب الحذف. وهذه نقطة لها خطرها فقد جرت سنة العلماء إذا نشروا بحثا ألا يغيروا منه من غير أن يقرنوا التغيير بالتنبيه إلى الأسباب التي دعت إليه خصوصا إذا كان التغيير رجوعا في الظاهر عن رأي كان الباحث قد ارتآه وأذاعه باسم العلم كما وقع من صاحب الكتاب. فحذفه ينفع صاحبه من غير شك لأنه يخلصه من عار ذلك الخطأ ومن كل ما ينطوي تحته من دلالة على مبلغ صاحبه من العلم ولا في غير العلم ما يمنع من التخلص من مثل هذا العار ولكن بشرط واحد هو إقناع المخطئ بأنه قد أخطأ واعترافه بذلك من غير مراوغة ولا غمغمة وصاحب الكتاب لم يعترف وليس هناك ما يدل على أنه اقتنع. إن التجديد في الأدب كالتجديد في العلم لا يمكن أن يقوم إلا على أساس تعاون الحاضر والماضي، سيبنى العقل في حاضره على ما أسس العقل

стр. 357

في ماضيه فإن الحق وحدة قائمة لا يقوم جزء منها إلا على جزء فلن يقوم حق جديد إلا على أساس من حق قديم. القاعدة البسيطة هي التي يمكن العلم بها من تجديد ثرائه وتنميته، وهي القاعدة التي ينبغي أن يسير عليها فيحتفظ بتراثه الكثير القيم فلا يغير منه إلا بقدر ما يجدده وينميه. ولا ننسى أن قد كان للشرق ماض باهر في العلم والأدب والدين والاجتماع هو لنا تراث ينبغي تجديده، وإن هذا التراث منه الحق اليقيني الذي نسي بتطاول العهد وتجديد هذا يكون بالتنقيب عنه وإحيائه وفيه ما هو بين الاحتمال واليقين وتجديد هذا يكون باستعماله وارتقاب الفرص في تمحيصه والترقي به شيئًا فشيئًا إلى مرتبة اليقين. ثم لا تنسى أن كل ما أسلمته إلينا أجيال العلماء من السلف إنما هو في مرتبة الرجحان على أقل تقدير. الرد على نقطة: "نسيان القومية والدين شرط أساسي من شروط البحث العلمي". إنه ذهب إلى أن نسيان القومية والدين شرط أساسي من شروط البحث العلمي، فإن كان أراد بذلك على الباحث ألا يخفى بعض الحق أو يتراخى في استيفاء الدليل العلمي محاباة لقوميته أو إرضاء لعاطفته فقد أصاب. أما إذا كان أراد أن الإنسان لا يستطيع أن يكون ذا عاطفة قومية أو دينية من غير أن يحابي أو يداجي في العلم فقد أخطأ ولم يصب، إن الإنسان يستطيع أن يراعي الدقة العلمية التامة في البحث وهو متذكر دينه كل التذكر ومعتقد صحته كل الاعتقاد. غير مجوز على قرآنه خطأ أو توراته. بل إن التدين

стр. 358

الصحيح يزيد الباحث المخلص إن أمكن حرصًا على الحق واستمساكا به إذا وصل إليه. إن الباحث المتدين بين محبين في الحق: دينه وعلمه, ومبغضين في الباطل: دينه وعلمه، وكذلك فهو يحب الحق مرتين: مرة لدينه ومرة لعلمه, ويبغض الباطل مرتين كذلك, ولا خوف عليه مطلقا أن يخفي بعض الحق أو يدلس في البحث محاباة لدينه، إذ ليس الحق يخاف على دينه ولكنه الباطل، وهو يعلم أن دينه حق. يعلم ذلك علم مستيقن. ويعلم أن العلم قائم على قاعدة استحالة التنافي بين أجزاء الحق، فهو لا يخشى أبدًا أن يكشف البحث الصحيح عن حقيقة تنافي دينه ولذلك يمضي في أبحاثه آمنًا مطمئنا متبعا أقوام الطرق في البحث والتفكير. فالتدين الصحيح والعلم الصحيح ممكن اجتماعهما إذن وكثيرًا ما اجتمعنا, كما أن العاطفة العلمية القوية والعاطفة الدينية القوية لا تتعارضان بل تتضافران في خدمة العلم.

стр. 359

تجدد معركة الشعر الجاهلي: ثم تجددت معركة الشعر الجاهلي مرة أخرى، ولم تكن هذه المرة على صفحات الجرائد وإنما في مجلس النواب, كان ذلك عام ١٩٣٢ حيث وجهت إليه تهم عدم كفايته العلمية عدم كفياته الإدارية، ومحاباته لبعض الأساتذة الأجانب رعاية لجنسياتهم. وصودر كتاب "الأدب الجاهلي" مرة أخرى ١٩/ ٣/ ١٩٣٢ وقامت مظاهرات واضرابات, وكان الدكتور طه قد عاد إلى بث آرائه التغريبية واكتشفت كراسات فيها إلحاد, والمعروف أن تجدد هذه المعركة كان له صلة بالسياسة والحزبية، وقالت جريدة الاتحاد "١٢/ ٣/ ١٩٣٢" التي كان الدكتور رئيس تحريرها قبل ذلك سنوات: إننا إذا وضعنا الدكتور طه حسين موضع التحليل لوجدنا أنه شخصية عادية لا يستحق كل هذا الضجيج، إلا أن الكلف بالشذوذ والشغف بالخروج عما عليه الجماعة من شأنه أن يدعو الناس إلى الأخذ والحد في هذا الشذوذ. فقد كان طه حسين متصلا بحزب الأحرار الدستوريين الذين أيدوا رئيس الحكومة إذ ذاك "إسماعيل صدقي" فلما أنشأ حزب الشعب هاجموه وانضموا إلى الوفد في جبهة لمقاومته, هنالك بدأت الحملة على طه حسين واستغل فيها عنصري الثقافة اللاتينية والثقافة السكسونية وتصارعها في مصر حيث كانت الجامعة هي "البؤرة" التي يتجمع فيها المستشرقون ودعاة التغريب، واتهم طه حسين بأنه كان يمالئ الفرنسيين منهم غير أن الرجل الذي حمل لواء اتهام طه حسين لم يكون رجلا حزبيا وإنما كان رجلا مؤمنا بوطنه صادق الإيمان بالعروبة والإسلام, ذلك هو الدكتور عبد الحميد سعيد, وهذا ملخص حملته. لقد قضت١ على بلادنا موجة من التقليد الغربي. موجة الخروج عن الدين والآداب وقد قام بالتبشير بها جماعة لم يصل نور الإسلام إلى قلوبهم وقد اشتهر الدكتور طه حسين في كتبه ومحاضراته بتلك النزعة اللادينة. وقال: إننا نشاهد الرجل عدوا للدين وتعاليمه يشوه كل ما هو منسوب إليه ومن يتتبع سلسلة حياته العلمية يجدها وحدة، يذهب في كل مسألة تتعلق بالدين الإسلامي مذهب أعداء الدين. وخصومة الألداء، وهناك نقطة ضعف

стр. 360

في حياته أعلنها صديقه الأستاذ المازني في كتابه "قبض الريح" وتلك هي كونه ضريرا قد أثر على آرائه وحكمه على الأشياء. إن ضرر الدكتور طه بعقول الناشئة لم يقف عند الجامعة أو مصر بل جاوزها إلى البلاد العربية المجاورة، وكيف كلف طلبته أن ينتقدوا القرآن ويسجلوا آراءهم في كراسة فيذكروا أن هذه آية ضعيفة، وتلك ركيكة، "تلا فصولا من نوتة لأحد الطلاب استملاها من محاضرات الدكتور طه على الطلبة في القرآن وفيها يحث الدكتور الطلبة على نقد القرآن" ويذكر لهم أن في القرآن أسلوبين مختلفين كل الاختلاف، أحدهما جاف وهو مستمد من البيئة التي نزل فيها "مكة" ففي هذا الأسلوب تهديد ووعيد وزجر, فلما هاجر النبي إلى المدينة تغير الأسلوب بحكم البيئة وأصبح ذلك الأسلوب لينًا. وحث الدكتور طه حسين الطلبة على أن ينظروا إلى القرآن كأي كتاب عادي يجري عليه من النقد العلمي ما يجري عليها وأن يغضوا النظر عن البحث فيه عن قدسيته وعرض طه لفواتح السور وذكر عدة آراء فيها منها قصد التعمية، ومنها أنها كانت في الأصل علامات مميزة لمصاحف الصحابة. ثم قال: هل بعدها نقول: إن طه حسين مسلم وموحد بالله؟ وكان الدكتور قد أعلن في خلال هذه الضجة كلمة قال فيها: "إنني أبعد الناس عن المساس بكرامة الدين الإسلامي" الصحف ٧/ ٣/ ١٩٣٢. وقال: "لقد سمى الدكتور طه ابنه كلود وابنته مرجريت وعمد أبناؤه على نحو ما يفعله المسيحيون". هذا الدكتور مغرم بالشك والتشكيك والطعن على الدين والفسق والفجور والدعوة إليه، وكتاباه في الأدب الجاهلي وحديث الأربعاء محشوان

стр. 361

بالطعن في الدين، والتحريض على الفسق والفجور، ثم أشار إلى تحقيق النيابة معه سنة ١٩٢٦، كيف أن المبادئ التي ضمنها كتابه "في الأدب الجاهلي" ورد منها في كتب بعض المبشرين، وكيف أنه تعرض لنشر المساوئ والعورات عن عصور الإسلام الزاهرة وأغضى عن نشر الفضائل والرجال الأفذاذ الذين بنوا مجد الإسلام، وقال: إن الحكومات التي سكتت عن هذا الرجل وتركته يهدم الأخلاق والآداب ويمثل بالفضيلة لهي شريكة له في إثمه. لقد شاع هنا في البلاد العربية أن هناك صلة بين الدكتور طه وبين دعاة التنصير، يثبت هذا التحقيق الذي أجرته النيابة وهو ينفث سمومه ويحتمي باستقلال الجامعة. وأعيدت إذاعة تقرير لجنة ٢٨ ديسمبر ١٩٢٧ الذي كتبه الغمراوي والعوامري ومحمد عبد المطلب حيث أحصى على بحث الدكتور طه حسين أنه أضاع على العرب المسلمين "١" الوحدة القومية والعاطفة الدينية. "٢" الإيمان بتواتر القرآن وقراءاته وأنها وحي من عند الله. "٣" كرامة السلف من أئمة الدين واللغة. "٤" كرامة الثقة بسيرة النبي في كل ما كتب عنها. "٥" اعتقاد صدق القرآن وتنزهه عن الكذب. "٦" الوحدة الإسلامية. "٧" حرمة الصحابة والتابعين. "٨" تنزيه القرآن من التهكم والازدراء. "٩" تنزيه النبي عن مواطن التهكم والاستخفاف. "١٠" صدق القرآن والنبي فيما أخبر به عن ملة إبراهيم. "١١" براءة القرآن مما رماه به المستشرقون من أعدائه. "١٢" الأدب العام مع الله ورسوله. وقال عبد الحميد سعيد "٦ مارس ١٩٣٣، الأهرام": عرف هذا الرجل بمصادمة آرائه لنصوص القرآن الكريم والعقائد الدينية وقد ظهرت عداوته للإسلام في كثير من تعاليمه وآثاره منها كتاب "الشعر الجاهلي الذي مازال

стр. 362

يدرس في الجامعة تحت اسم "الأدب الجاهلي" ولكن تغيير العنوان لم يغير شيئا من روحه اللادينية فإن السموم التي أراد الدكتور أن ينفثها في كتابه لاتزال ماثلة في كثير من فصوله ومباحثه، كما أنه قد زين للشباب وسائل المجون والفجور في مؤلفه "حديث الأربعاء" ولا يمكن للأمة أن تطمئن إلى وعوده المتكررة بالعدول عن هذا السبيل المعوج فسوابقه لا تشجع على تصديقه، وهذه جامعة أميرية مصرية في أعمال دولة دينها الرسمي الإسلام, ولا نريد مطلقا أن تخفي حركة التعليم بين جدرانها أغراضًا شبيهة بتلك الأغراض المخزية التي بدأت للأمة عيانا من بعض المذاهب الأجنبية التي تتخذ العلم ستارًا للتضليل، فكيف سكتت وزارة المعارف عن ذلك كله ولم تحرك ساكنًا وكيف تسمح أن يكون ذلك الرجل عميدًا لكلية الآداب بالجامعة المصرية بعد أن افتضح أمره وضجت البلاد من خطر تعاليمه وآرائه التي لا تقل عن خطر دعاة التنصير في البلاد.

стр. 363

الفصل الرابع: كتاب "النثر الفني ": بين زكي مبارك وفريد وجدي ولطفي جمعة: يرى الدكتور زكي مبارك أن كتابه "النثر الفني" في القرن الرابع الهجري الذي أصدره سنة ١٩٣٤ والذي كان رسالته في الدكتوراه التي حصل عليها من جامعة السربون سنة ١٩٣٣ هو دعامة مذهبه الأدبي وأشار في مقدمته أنه شغل نفسه به سبع سنين "فإن رآه المنصفون خليقا بأن يغمر قلب مؤلفه بشعاع من نشوة الاعتزاز فهو عصارة لجهود عشرين عاما قضاها في دراسة الأدب العربي والأدب الفرنسي وقال: فإن رأوه أصغر من أن يورث المؤلف شيئا من الزهو فيذكروا أنني ألفته في أعوام سود لقيت فيها من عنت الأيام ما يقصم الظهر ويقصف العمر, فقد كنت أشطر العام شطرين، أقضي شطره الأول في القاهرة حيث أؤدي عملي، وأجني رزقي؛ وأقضي شطره الثاني في باريس كالطير الغريب أحادث العلماء وأستلهم المؤلفين إلى أن ينفذ ما ادخرته أو يكاد، ثم صممت على أن أنقطع إلى الدرس في جامعة باريس حتى أنتصر أو أموت". وقد ردد المؤلف عيوب كتابه فقال: إن من أهمها غلبة النزعة الوجدانية في الرسالة العلمية, واختلاف منهج التأليف في الكتاب وهذا يرجع إلى أن لم يؤلف في عام واحد, وإنما كتبت فصوله في خلال سبع سنين تحول فيها أسلوب المؤلف وعقله وذوقه من حال إلى حال. وقد عرض الكتاب لنقد مرسيه رأس المستشرقين الفرنسيين الذي خالفه زكي مبارك في آرائه عن النثر الفني مخالفة صريحة، وقد غضب مرسيه لذلك وأمر بحذف الفصلين بحجة أنهما لون من الاستطراد لا يوائم الروح الفرنسي في البحث. وصمم مبارك على بقاء الفصلين بحجة أنهما العماد الذي تنهض عليه نظرية نشأة النثر الفني. كما تعرض لمهاجمة الدكتور طه حسين ونقض رأيه وهاجم فكرته التي تدافع عنها. وقد لقيت آراء زكي مبارك معارضة ونقدا متجددين استمرت معاركه شهورًا متعددة، وقد نشر مبارك فصول كتابه في جريدة البلاغ قبل أن يضمها كتابه. وكانت أبرز آراء زكي مبارك التي أثارت النقد هي: أن العرب كانوا على قدر من الحضارة والعلم فلما جاء الإسلام ودفعهم إلى الأمام اندفعوا.

стр. 364

النثر الفني كان موجودًا عند العرب قبل الإسلام. إن العرب الجاهليين كانوا قد دخلوا في تطور نحو ثلاثة قرون قبل البعثة المحمدية. القرآن شاهد من شواهد الشعر الجاهلي. وهذه أهم معالم هذه المعركة: محمد فريد وجدي ١: ١- إن استدلال الدكتور زكي مبارك على وجود ذلك النثر الفني عند العرب بالقرآن لانزال نراه معلولا ولا يصح الإصرار عليه فإنه إن كان القرآن وحيا سماويا أو قبضا وجدانيا من أية طريقة روحانية فلا يجوز الاستدلال به على ما يظهر أن لدى الجاهليين من نثر لانقطاع الصلة بين ما هو إلهي وما هو بشري. وإن كان ليس بنثر ولا بفيض وجداني من طريق روحانية تميزه فلا يجوز الاستدلال به أيضًا في هذا الوطن، لأن هذا الكتاب اعتبرته أمة بأسرها كتابا إلهيا معجزًا للإنس والجن مجتمعين ولشيء لا يعتبر إلهيا ومعجزا إلى هذا الحد إذا كان فوق قدرة الذين يدينون بهذه العقيدة على الأقل. كي يفترض أن يكون لفئام الناس من الأميين نثر فني وهو نقيض الكتابة والتمييز. أليس لو كان لهم شيء من ذلك لكان كتابًا يعتبرونه أساسًا لديانتهم يقدسونه ويحتفظون به ككل أمة متدينة في الأرض، إن الأمة التي ليس لها كتاب مقدس لا يعقل أن يكون لها شيء مكتوب على الإطلاق

стр. 365

وإذا عدم المكتوب فقد عدم النثر الفني ولا يجوز السؤال عنه ولا البحث فيه. ٢- إني لمعجب بالأسلوب العلمي الدقيق وبمهارته في نقل المباحث الأدبية من مجال الظنون والأوهام إلى مجال النظر المباشر المجرد عن الملابسات الدينية والتقاليد. ولسنا ننكر أن سلوك هذه الجادة على وضوحها واستقامتها لا تخلو من الخصال التي تستدرج الباحثين إلى ما لا يتفق والأسلوب الذي يحرصون على تطبيقه فيضربون في متاهاتها بمعزل عن الأعلام العلمية ويكون مثلهم في تصرفهم في تطبيق الأسلوب الأمثل كمثل خصومهم الذين يتخبطون في بحوثهم بغير دليل. وأني أوافق الدكتور زكي مبارك١ على أن حقيقة الحياة الأدبية عند العرب الجاهلية لا يصج أن تؤخذ عن الذين كتبوا فيها من المؤلفين الذين تأثروا بالروح الدينية ونحوا في وضعها نحوا يتفق وروايات رجال ليس مرماهم تقرير الحقائق ولكن الأغرب والزلفى من الحاكمين. ٣- رأى زكي مبارك أن العرب الجاهليين كانوا قد دخلوا في تطور نحو ثلاثة قرون قبل البعثة عارضناه فيه وأثبتنا له أن ثلاثة قرون تمضي في التطور ولا تثمر لذويه توحيد كلمتهم وتعيين غايتهم ولا تبعث فيها داعيا يهيب بهم إلى الأخذ بالأسباب وهو شرط لا محيص من وجوده، إن مثل هذا التطورا لمجرد من جميع مميزاته المعروفة لا يصح القول به في عرف علم الاجتماع فإن من شروط الافتراضات العلمية أن تكون مرجحات وأعلام وإلا لفظت إلى عالم الأوهام٢.

стр. 366

رد زكي مبارك على فريد وجدي ١: يرجع أصل الخلاف إلى رغبتي في نقض ما أصر عليه فريق من المستشرقين وشايعهم عليه الدكتور طه من أن النثر الفني عند العرب لم يعرف إلا في أواخر العصر الأموي حين اتصل العرب بالفرس واليونان، فهو فن اكتسبه العرب بعد الإسلام، ومن رأي المسيو مرسيه أن العرب يدينون في نثرهم إلى اليونان وحجة هؤلاء الباحثين أن العرب قبل الإسلام لم يكن لهم وجود أدبي ولا عقلي وأنه يمكن فقط الاعتراف بأنه كان عندهم شعر؛ لأن الشعر فن ساذج يوجد عند الأمم الهمجية, ولا كذلك النثر فإنه لغة العقل, والعرب في رأيهم كانوا قبل الإسلام يعيشون عيشة أولية لا يعرف فيها كيف تكون طرائق البيان. تلك حجتهم وذلك أصل الخلاف. أما أنا فقد تطلعت إلى تحقيق هذه المسألة منذ سنوات فقد نشر الدكتور طه حسين في مجلة المقتطف سنة ١٩٢٦ مقالًا عن النثر في الخمسين سنة الماضية فقد تكلم عن بداية النثر العربي وتكلم عن المقفع وكيف كان يلحن ويحرف الكلم عن مواضعه؛ لأنه في ظنه كان أول الثائرين ولا يخلو مبتدئ من تعثر واضطراب. فلما ذهبت إلى باريس سنة ١٩٢٧ وجدت المستشرقين يبدءون ويعيدون في هذه المسألة وعرفت أن المسيو مرسيه هو صاحب الرأي القائل بأن العرب أخذوا مناهج النثر عن الفرس؛ لأن أول ثائر عند العرب هو ابن المقفع وكان فارسي الأصل وبعد تأملات طويلة اهتديت إلى أن للنثر العربي أصولا أخرى

стр. 367

غير الأصول الفارسية، وتلك الأصول هي النثر عند الجاهليين وبذلك يكون النثر الأموي نثرًا متطورا عن النثر الجاهلي ولم ينقل نقلا عن نماذج النثر الفارسي ثم بحثت عن الشواهد فرأيت القرآن أفصح شاهد وأصدق دليل. ولما اطمأننت إلى نظريتي أعلنتها للدكتور طه حسين سنة ١٩٢٨ على أنها محاولة, فراعه ذلك ورأى أن نظريته أو نظرية المسيو مرسيه أصبحت في مهب الأعاصير ثم قال في انفعال: "أنت عاوز تكفر". هنالك ابتسمت وقلت: لا بأس من أن يكفر زكي مبارك بسبب نظريته عن النثر الجاهلي فقد كفر أستاذ له من قبل بسبب نظريته عن الشعر الجاهلي وتلك ظاهرة طبيعية فإن الشعر أقدم من النثر كما أن الأستاذ أقدم من التلميذ والكفر درجات بعضها مركب وبعضها بسيط. وكانت بيننا محادثات طويلة حول هذا الموضوع ستنشر بعد حين. وإن كان الدكتور طه غير رأيه قليلا لأن تلميذه أثر فيه أثرا غير قليل. وهذا كلام يشرف الأستاذ أضعاف ما يشرف التلميذ. ثم رجعت إلى المسيو مارسيه فقارعته في باريس مقارعة عنيفة انتهت بإصراره على حذف الفصول التي كتبتها عن نظرية النثر الجاهلي في الرسالة التي قدمتها إلى السربون، وانتهت من جانبي بالإصرار على بقاء تلك الفصول والدفاع عنها أمام هيئة الامتحان وكان لذلك يوم مشهود. وهي نظرية إيمان لا سلبية سيقف مؤرخو الآداب العربية منها موقف التأمل والبحث كلما بدا لهم أن يدرسوا أصول النثر القديم وأنا

стр. 368

مطمئن إلى صحة هذه النظرية واثق بأنها ستجتذب إليها كل خصومها ولو بعد حين. يرى خصوم نظرية النثر الجاهلي أن العرب قبل الإسلام لم يكونوا أهل معارف ولا أهل تفكير، وإنما كانوا يعيشون عيشة فطرية لا تساعد على إنشاء النثر الذي يخاطب العقل، وإن أمكن أن يكون لهم شعر وأن يكون لهم خطب صغيرة وأسجاع وأمثال فذلك لا يستلزم أن يكونوا عرفوا وتخاطبوا به متراسلين. ونحن ننقض هذا الاعتراض ونعلن أن الإسلام كان تاجا لنهضة أدبية وعقلية واجتماعية عند العرب، ونرى أن العرب أعدتهم الأيام للملك والفتح في تطور طويل لا يقدر بأقل من ثلاثة قرون, وفي تلك المدة نشأت عند العرب فنون أدبية منها الشعر والخطابة وهما ليسا موضع جدال ومنها النثر وشاهده القرآن الذي نزل بلغة الجاهليين ليهديهم إلى الصراط المستقيم. ارتضينا لأنفسنا أن نخرج الدين من هذه الهيجاء لنظل في حدود البحث العلمي الدقيق الذي يفرض علينا غض النظر عن الأديان والتقاليد. محمد لطفي جمعة ١: ألا فليعلم الدكتور زكي أن العرب في جاهليتهم كانوا أميين إلى درجة ذات فصول؛ فلم يحفظوا عن طريق الكتابة شيئا يستحق الذكر ويبتعد عن الحقيقة بعدًا شديدا كل من يقول إن الإسلام كان تاجا لنهضة علمية وأدبية وإسلامية وأخلاقية واجتماعية فقد أثبتنا من التاريخ والعلم أن العرب قبل

стр. 369

الإسلام لم يكونوا على شيء من مؤهلات المدنية والنهضة بل كانوا على العكس في حضيض من العصبية الحمقاء والمطامع اللاشعبية، وحب الانتقام والتفريق بين القبائل والاستهزاء بروابط الألفة القومية. رد زكي مبارك على لطفي جمعة ١: ١- قد جدت الحرب بكم فجدوا. هممت أن أسوق إلى الأستاذ ألوانا مما جرى به قلمه من التهكم والسخرية والاستخفاف ولكني بعد لحظات تذكرت أن هذا كاتب سبقني إلى خدمة اللغة العربية بأكثر من عشرين عاما وليس من البر ولا المروءة أن نتعالم على رجال كانوا أساتذة يوم كنا طلابا وتذكرت بعد ذلك أن لي قراء كراما يراقبونني مراقبة شديدة ويحاسبونني على صغار الهفوات. ٢- إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارًا٢: أننا لا نستبيح لأنفسنا تحويل الخصومات العقلية إلى خصومات شخصية ولكن الأستاذ لطفي جمعة عاد فملأ مقاله بعبارات يعرف هو كيف صيغت وكيف بنيت على روح الغدر وأنا عائد إليه وماض في مقارعته ليعلم أنني أصلب عودًا من أولئك الرجال الذين استلانهم فصال في نقدهم وجال وألف على حسابهم الأسفار الطوال "يقصد طه حسين". ولقد استطاع الأستاذ أن يباهي بأنه شغل بهذه الموضوعات قبل اليوم وله فيها أبحاث ودراسات فإني سأريه أن الأدب أصعب مرتقى وأعز منالا.

стр. 370

من أن يمتلك ناصيته من يقرءونه في أوقات الفراغ, ولست بهذا أغض من قيمة الأستاذ فهو رجل قانون ويعرف كما أعرف أن الأدب يقتل من يفرغ له قتلا ذريعا ولا يبقي له من الوقت ومن البال ما يتفوق به في القانون أو غير القانون. وقد تكون حرف المحاماة قد علمت الأستاذ كيف ينقل مذاهب مهنته إلى الدراسات الأدبية التي يحاول أصحابها أن يصبغوها بالصبغة العلمية وتبعدها عن مداورات المحامين الذين يصورون الباطل بصورة الحق حين يشاءون. عبد المتعال الصعيدي ١: إن هذا الشك وتلك الشعوبية التي يجاري فيها زكي مبارك الأستاذ طه حسين قد فرغنا من أمرها معه منذ سنين وعندنا ما هو أهم منها مما لا نحب أن نقطعها إلى إعادة الكلام فيها وأن إعجاز القرآن وإعجاب العرب كان يرجع إلى بلاغته وإنشائه كما يرجع إلى روحه ومعناه. هل القرآن الكريم من شواهد النثر الجاهلي؟ إن عند زكي مبارك مقياس قريب من كلام البشر أنفسهم في عصر القرآن الكريم وعنده خطب الرسول وخطب أصحابها فلماذا لا يأخذ منها شاهدا على النثر الفني ويعقد المشابهة بين كلام البشر في العصرين ويترك كلام الله تعالى. رد زكي مبارك ٢: أما أنا فأمثل مدرسة ثانية، هي المدرسة التي تحكم العقل في كل شيء

стр. 371

وتفرض على الباحث أن ينقد أولا المصادر التي يعتمد عليها وتروضه على إدراك الفرق بين الأذواق والأحاسيس في مختلف العصور الأدبية. ولهذه المدرسة الأدبية أشياع عديدون, ولكني أمتاز من بينهم بميزة ظاهرة هي أنني لا أعرف ما هو الحقد وما هو الضغن ولا أفهم مطلقا كيف تنقلب الخصومات العقلية إلى خصومات شخصية. وفي يقيني أني سأحول النقد الأدبي في مصر تحويلا جديا وخلاصة القول أني لا أتفق مع الأستاذ على الأساس الذي بنى عليه ما ينشئ من النظريات والفروض, وأرى أن المدرسة التي يمثلها لا تتناسب مع الجيل الجديد وللمدرسة الحديثة أشياع عديدون, ولكن أمتاز من بينهم بميزة ظاهرة هي أنني لا أعرف ما هو الحقد وما الضغن ولا أفهم مطلقا كيف تتحول الخصومات العقلية ألى خصومات شخصية يقال فيها هذا لله وهذا للشيطان.

стр. 372

الفصل الخامس: كتاب "أوراق الورد ": بين مصطفى صادق الرافعي ولطفي جمعة وإبراهيم المصري: عندما أصدر "مصطفى صادق الرافعي" أوراق الورد قال: إنه لون جديد من أدب الحب في الأدب العربي لم يكتب من قبل، وعرض في مقدمة مطولة الفن رسائل الحب في الأدب العربي خلص منها إلى أنه استحدث فنا جديدًا في الأدب العربي بكتابه هذا. وقد واجه الرافعي مساجلات متعددة بالنسبة لأسلوبه وفنون كتاباته وكان هذا الكتاب فرصة جديدة لمعارك حول الأسلوب الجديد في الأدب العربي المعاصر. ١- لطفي جمعة ١: صاحب أوراق الورد يريد القارئ على أن يعتقد أن أوراق الورد تكملة على كتابي رسائل الأحزان والسحاب الأحمر، وإن لم يكن بين الكتب الثلاثة رابطة سوى كونها نوعا من الأدب الذي أراد الرافعي أن يظهر به الأسلوب القديم قادرًا على مسابقة الأسلوب الجديد وأنه هو الكاتب العربي القح الصميم الذي لم يغرف من حياض الآداب الأوروبية قادر على الغوص إلى لجج المعاني والظفر بدراري ولآلئ لا تقل عما يظفر به أهل الفرقة الجديدة من المحدثين. إن كنا لانزال نذكر أنه بجانب جمال أسلوبها ونقاء ديباجتها التي قد لا تجاري من حيث الفصاحة والبيان إلا أن المعاني كانت مبهمة وبها بعض الغموض، لقد كان الأسلوب في تلك الكتب يشبه ثوبا واسعًا جميلا مزركشًا ولكن لابسه طفل صغير، وهذا هو الأثر الباقي في ذهننا وربما كان الأثر خاطئًا.

стр. 373

غاية الرافعي أن يظهر اللغة العربية بمظهر القادر على احتواء المعاني وكسوتها بأجمل شكل وأبهى صورة، إذ العبرة في نظره وفي نظر كل كبار الأدباء ليست بغرابة المعنى، ولكن العبرة بجمال الشكل. موضوع الجدل بينه وبين خصومه هو أنه يقول: إنه لا يوجد في العربية قديم وجديد ولكن يوجد أسلوب واحد فصيح من ذاق حلاوته ووصل للقدرة على احتلال ناصيته لا يسلوه ولا يستطيع التخلي عنه مهما أعطي من المزايا. قد وجدنا الأستاذ قد قطع شوطا بعيدًا في التجديد من حيث لا يدري ولعله بذلك أن يعجمهم بممارسة كافة أنواع الأدب بين دفتي هذا الكتاب حتى الشعر المنثور الذي ليس موزونا ولا مقفى. ٢- إبراهيم المصري ١: الأستاذ مصطفى صادق الرافعي ولوع بالأدب العربي وطريقة التأليف العربية تستهويه بالجملة المتماسكة والعبارة المصقولة واللفظ السليم فيشتغل بالعرض عن الجوهر ويصيب من بلاغة القول أضعاف ما يصيب من بلاغة الحياة. وهو غني بالألفاظ غنى يحسد عليه، لا يحفل بالفكرة وتناسبها وعمقها قدر احتفاله بصياغة اللفظ وحلاوته وحسن رنينه. ومن هذه الناحية فهو فنان، فنان مغرم بالشكل الظاهري وتطربك أهازيج أسلوبه، ولكنها لا تنفذ إلى قرارة نفسك ولا تستطيع أن تؤثر في مجرى تفكيرك على أن الرجل يحاول أن يفكر وقد يصادفك في كتابه

стр. 374

الجديد "أوراق الورد" خواطر مبتكرة رائعة ولكن إفراطه في حبك العبارة ونحتها يسوقه إلى تضحية بالفكرة في سبيل اللفظ. والأستاذ مصطفى صادق الرافعي هو دون شك أقرب أدباء الثقافة العربية المحضة إلى روح العصر الحديث، ففي أسلوبه عذوبة وله نصوع وفيه لمحات من الشعر الوجداني الصادق ولولا عبادة اللفظ المشئومة لكان شأنه غير هذا الشأن. ولكن ما حيلته والثقافة الغربية لا تصل إليه واطلاعه لا يجاوز حدود الأدب العربي وبعض الأعمال الأوربية المترجمة. والواقع أن أسلوب الرجل يتمثل في الصراع الدائم بين النزعة الخيالية والنزعة الواقعية الأولى فيه تتغلب على الثانية وهذا سر ضعفه ولكنه لا يلبث أن يهجر الخيال الأجوف يتوخى البساطة والحقيقة حتى يعتدل أسلوبه ويفيض على القارئ بأروع العواطف وأفتن الأنغام. ٣- رد مصطفى الرافعي: أنا أقرر أن البيان في اللغة أسمى وأدق وأظرف من البيان في لغة باريس ولندن وبرلين وغيرها، وليس عندنا عبادة لفظ ولا ألاعيب ألفاظ ولا شيء يسمى استعارة أو مجازا فإن هذه كلمات اصطلحوا عليها بعد الإسلام عند تدوين العلوم ولم يعرفها العرب ولا تعمد صناعتها رجال البيان. إنما البيان العربي فن دقيق يحقق في اللغة ناموس الجمال وطبيعة الوزن. قال لإبراهيم المصري: إن كتابته لا تسمو إلى طبقة الفصيح وهو وأمثاله يعيبون هذه اللغة بما يعجزهم منها كأنها اشتراكية لغوية.

стр. 375

إني لأدعو كتابنا وأدباءنا أن ينبذوا التقيد بآراء كتاب أوربا وأدبائها فهم قوم يصيبون ويخطئون, فإذا قالوا: إن الفن في كتابة الحب "أن ترى فيه قوة هائلة من قوى الغريزة الجامحة العمياء تشترك فيها المادة والروح والعاطفة والشهوة". إن الفن عندنا في كتابة فن إسلامي عربي يقوم على الضمير الطاهر والنزعة الشريفة وعلى الخلق القوي الدال على المروءة والشجاعة وضبط النفس وعلى الإيمان بحق المرأة في الحياة وسموها. وإن كانت ضعيفة فلا يتغفلها الرجل ولا يطلب عزتها ولا ينتفع من ضعفها بل يحميها من نفسه ولا يكون معها كالمفترس يشبع من فريسته ويحيا من قتلها. وقلنا لهم: إن الكتابة عندنا يجب أن تكون لتهذيب النفس الناشئة لا لإسقاطها ولضبط الغريزة الحيوانية لا لإثارتها. وقلنا: إن الكاتب الإسلامي يضع في كتابته عن الحب نفسه لا أغراضه ويحيا بما هو إلهي فيه لا بما هو حيواني منه ويكون كالطبيعة نفسها تظهر للأعين ما بدا من جمال الجسم وتستر عن الأعين ما في داخله. أنا أعرف أن الأستاذ المصري مأخوذ بآراء ديستويفنسكي فهو من أجل ذلك ومن وجهة نظره نظر تقليد ينتقد الحب في أوراق الورد بأنه مجرد فكرة فلسفية أفلاطونية تحلق في سموات الخيال. "ولذلك أنت لا تسمع من خلال سطوره هدير الحب الإنساني الحي" نعم يا صاحبي أنت لا تجد في أوراق الورد قلما مرسلا بالرفث والنخاسة والتعهر ولا تجد فيه مثل قولك أنت في رواية سخرية الميول التي تقول فيها على لسان بطلها: "ألست الرجل الذي تمرغ في حمأة فسقه كتيس مخمور".

стр. 376

كلا يا هذا لا تيس ولا مخمور، التمس هذا ونحوه عند صاحبك ديستويفنسكي الذي يريد أن يقارف أبطاله كل محرم وأن يتمرغوا في حمأة الفسق كالتيوس المخمورة ليتألموا من بعد ذلك, ثم يكون الألم آخر الأمر سموا وروحانية. هذه سخافات دنيئة بعيدة عن الفن تتضع عن قدرة النفس المؤمنة ويجب أن لا يكتب فيها كاتب مسلم ولا كاتب شريف. الفن عندي في الحب أن يبدأ في المرأة ولكنه لا ينتهي فيها. فالمرأة طريقة لا غاية وهي وسيلة لفهم الجمال وإدراكه فيما هو أجمل منها، أي في الوجود نفسه بكل ما فيه، كان الخلود الروحي في الإنسان يحاول بالحب أن يحس معانيه السامية الخالدة. أما أني أرى أن شيوع الكتابة في الحب المادي الفاسق ليس معناه إلا تحول نساء الأمة التي يشيع فيها ذلك إلى بغايا. وهذا هو رأيي وهذا هو الفن عندي. ٤- رسائل الحب في اللغة العربية؛ زكي مبارك: كان الأستاذ محمد علي غريب استكثر على الأستاذ مصطفى الرافعي أن ينكر خلو اللغة العربية من رسائل الحب وقال قد يكون هذا الرأي صائبا فلم ينته إلينا مؤلف كهذا إلا ما تفرق بين أسفار الأدب من بعض الرسائل مما جرى بين المحبين. وقرأت رد الأستاذ الرافعي ونقضه هذه الجملة إذ قال: فأين هذه الرسائل التي تشتت في أسفار الأدب؟ إنها كلمة تكتب في دقيقة ولكن برهانها لا يجيء إلا من عمر طويل يفرق على مكاتب الدنيا في مشارق الأرض ومغاربها.

стр. 377

وأنا أحب أن أقدم للقراء نماذج من رسائل الحب التي عثرت عليها في كتب الأدب بدون أن أبدد عمرا جديدا في طلبها. لقد قرأت كتاب أوراق الورد واستجدته وفي رأيي أن المؤلف لا غضاضة عليه في أن يتنازل عن الأولية في كتابه رسائل الحب فقد كانت للناس أقلام وقلوب منذ مئات السنين.

стр. 378

الفصل السادس: كتاب ثورة الأدب بين فريد وجدي والدكتور هيكل: هذه المعركة نموذج طيب للنقد في الأدب العربي المعاصر، فهي مساجلة خلت من كل عبارات السخرية أو الغرض أو الاندفاع وراء الأهواء، ناقش بها محمد فريد وجدي آراء الدكتور هيكل في كتابه "ثورة الأدب" مناقشة موضوعية هادئة. بحث ١ في ثورة الأدب؛ من فريد وجدي: قال هيكل: الأدب فن جميل غايته تبليغ الناس رسالة ما في الحياة والوجود من حق وجميل بواسطة الكلام, والأديب هو الذي يؤدي هذه الرسالة. فريد وجدي: في رأيي أنا أن هذا التجديد على افتراض صحته ناقص وكان حقه أن يقول: إن غاية الأدب تبليغ الناس ما في الحياة والوجود من حق وباطل وجميل وقبيح وخير وشر، فإن في الحياة والوجود كل ذلك بدليل أن كثيرًا من القطع الأدبية نثرًا وشعرًا قديما وحديثا قد بالغت في الباطل والقبيح والشر إلى حد أن أنكرت معه الحق والجميل والخير معبرة عن مذهب التشاؤميين من الفلاسفة وهذه القطع من الكثرة بحيث لا يمكن أن تعتبر من النادر الذي لا حكم له. وهذا الاقتصار من الدكتور فضلا عن أنه يخل تعريف الأدب فإنه يدمجه في دائرة الفلسفة التفاؤلية فإن غرضها هي أيضًا بيان ما في الوجود من حق

стр. 379

ثم قال: فنحن هنا بإزاء أديبين كبيرين يكتبان في موضوع واحد فيقول أحدهما: إن كل حركة في حياتنا الأدبية اليوم ثورة وإن المحافظين أنفسهم ثائرون على ما يؤيدونه, والآخر يقول: إن حركة مهما كبرت عندنا وعند غيرنا يصح أن تسمى ثورة. ولو سألت أديبا ثالثًا ورابعًا وخامسًا على أن يكتبوا لوجودا وجوها أخرى من الخيال والتلاعب بالألفاظ في تعليل صحة اسمه وفي التدليل على عدم صحته تناقض هذين الرأيين١. -٢- عرض لما ذكره هيكل من أن الأدب في ثورة منذ الثورة العرابية وإلى الاحتلال إلى ثورة ١٩١٩. ثم قال: نحن نخالفه في وجود ثورة أدبية أولا, وتقرر أن هناك نهضة لغوية لا أكثر ولا أقل. وقال: إن أركان الثورة غير مستوفاة وقال: إن الثورة كما عرفها العلم هي انقلاب فجائي يحدث في الأشياء والآراء أو الحكومة فلدينا بموجب هذا التعريف أركان ثلاثة: أولهما الانقلاب والثاني الفجاءة والثالث العنف. ونحن إذا بحثنا فيما نحن بصدده لم نجد واحدًا منها فلم يحدث انقلاب في اللغة فإن ما كان يكتب به الناس على عهد محمد علي هو ما نكتب به اليوم اللهم إلا تعبيرات اقتبسها بعض الكتاب عن اللغات الأوروبية لايزال يعفو عنها كبار الكتاب ويعدونها مجافية لروح البلاغة العربية وكل ما حدث هو ميل هؤلاء الكتاب والكبار عن طريقة الترسل التي كان قد أغرى بها كتاب القرون

стр. 380

الإسلامية الوسطى من الإطالة والتحذلق والتخطيط إلى الطريقة البدوية الصريحة الموجزة التي تهجم بالقارئ على الغرض من أقرب الطرق وأوقعها في النفس. ثم يحدث عن تطور اللغة في عهد عبد الله نديم ومحمد عبده فجرى هؤلاء بالعربية شوطا بعيدًا وعملوا على نشرها بين آحاد الشعب فزادوا في تذوقهم اللغة الصحيحة وتبع ذلك تحسن كثير في اللهجة العلمية. وبينما اللغة تسير سيرًا طبيعيًا "بطيئًا" في هذا الدرب إذا برأي ارتآه بعضهم وعده شرطا أوليا في إنهاض الأمة من الناحية الأدبية، وذلك بإشراكها في كل ثمرات العقول مؤداه توحيد لغتي الكلام والكتابة بالاعتماد على اللغة العامية مستندا في إبداء هذا الرأي على ما حدث لجميع أمم العالم من اتخاذ لهجة الكلام في كل منها لغة للأدب والعلم والدين معا. وإهمال اللغات الرئيسية التي اشتقت تلك اللهجات منها فثار على هذا الرأي بعض الكاتبين وعاونهم العامة أنفسهم بالتقزز منه. وكان السائق إلى هذا الإجماع المحافظة على لغة القرآن وحمياتها من التدهور فيحال بين الناس وبين كتابهم السماوي المعجز. وما هي إلا بضع عشرة مقالة حتى قبع صاحب هذا الرأي في كسر مكتبه ولم يجرؤ على استئناف البحث فيه١. ثم شرح الوسائل إلى تقريب الشقة بين لغة الكتابة ولغة الكلام وهي حروف الكتابة وحروف المطبعة على وجه يكفل عدم اللحن ووجوب النظر في إصلاحها بواسطة جماعة من كبار أهل البصر. ويستند إليهم ابتكار طريقة صالحة لأن يقرأ بها قراءة صحيحة بدون اللجوء إلى معاجم اللغة فإذا كتبت هذه اللغة بحروف تمثل النطق بكلماتها. ثم قال: هذا الداء الناجز الذي فتك باللغة العربية ومزقها شذر مذر

стр. 381

وجميل، وهذا الإدماج لو صح في بيئة لا تزال على حالة السذاجة الأولى فلا يصح في بيئة أخذت من الفلسفة والعلوم بحظ كالبيئة التي نعيش فيها وقد أصبح تحديد منطقة الأدب من الضرورات العقلية للعلة التي ذكرناها. هيكل: الأدب من الفلسفة وفن العلم كالزهرة الجميلة وكالثمرة الناضجة وكالخضرة النضرة من الشجرة الضخمة شجرة الفلسفة. فلكي تكون حقيقة الأدب جميلة ولكي يكشف الأدب للناس عما في الحياة من حق وجميل يجب أن يتغذى ما استطاع من ورد الفلسفة وورد العلم. "فريد وجدي": وفي رأيي أنه لو قال: "الأدب من اللغة الصحيحة المعقولة ومن الخيال العالي الجذاب كالزهرة الجميلة والثمرة الناضجة ولكي تكون مادة الأدب أشهى للمتناول ولكي يكشف الأديب للناس عما في الحياة من حق وباطل وجميل وقبيح وخير وشر يجب أن يتغذى ما استطاع من لباب الفلسفة والعلم". وهذا التعريف أقرب إلى تعريف الأدب النافع، والأدب الصالح, وأجمع لأدواتهما في التعريف الأول, فنحن اليوم لسنا بحاجة إلى التأنقات الكتابية والإطلاقات الخيالية في وضع حدود لمناطق النشاط العقلي ولكن بحاجة ماسة إلى تسمية كل شيء باسمه وقرنه بمميزاته ليقف عند حده. ثم عرض لما كتبه طه حسين عن الكتاب فقال عنه: "وهل حياة الأدب العربي في هذه الأيام إلا ثورة متصلة، كل إنتاجنا الأدبي ثورة حتى الذين يسمون أنفسهم محافظين ويلحون في المحافظة، هؤلاء أنفسهم ثائرون يفرون من القديم الذين يحرصون عليه". وعرض لما قاله المازني: "أؤمن بأن الثورات أكاذيب وأنا أدور بعيني فلا أرى ثورة متصلة ولا منقطعة لا في الأدب ولا في سواه, وإنما أرى خطوات بطيئة طبيعية".

стр. 382

لايزال يفت في عضدها إلى اليوم ويقطع عليها سبيل الاتصال بالعلماء! -٣- قال هيكل: وقد احتدمت معركة القديم والحديث هذه منذ سنين طويلة ونقل المحاربون فيها في ميادين مختلفة، كانت هذه الميادين قبل الحرب العامة، تتناول أساليب الكتابة وتتناول الألفاظ العلمية وغير العلمية إلى يومئذ كانت الغلبة لأنصار تقليد الأدب القديم وكان السجع والإغراب في اختيار الألفاظ بعض ما يمتاز به كتاب العصر. "فريد وجدي": ونحن نرى أن إيراد تاريخ الأدب على هذه الصورة يطمس معالمه, لم تحتدم معركة ما بين قديم وحديث في أساليب الكتابة ولا في نقل الألفاظ العلمية وغير العلمية إلى العربية، ولا كان السجع والإغراب في الألفاظ مميزين للبلاغة العربية ما قبل الحرب العالمية. والذي يعرفه كل مطلع على تاريخ هذه اللغة أن الكتاب كانوا أحرارًا في تخير أساليبهم ولم يحجر على كاتب أسلوبا يتميز به إلا ما كان من استحسان الناس واستهجانهم له شأن أسلوب كتابنا إلى اليوم، نعم أعتبر السجع وجها من وجوه المحسنات اللفظية ولم يقل أحد إنه الأسلوب المميز للبلاغة العربية. وكيف يعقل أن يتشبث أنصار القديم بالسجع والإغراب. وقد قال أئمتهم الأولون بأن السجعة لا بأس بها إن جاءت عفوا ولم يكن بها تكلف. وقد عدوا الإغراب في الألفاظ من العيوب التي تحط من قدر البلاغة، أما الألفاظ العلمية فلم تنشب بسببها لدينا معركة، وكل ما حدث حولها شكوى الكاتبين والمترجمين من حيرتهم حيالها والتماسهم من كبار العارفين بالعربية العمل على تعريبها تعريبًا لا يجافي أصول اللغة الصحيحة. نعم، رأى بعضهم أن تكتب تلك المصطلحات على ما هي عليه، ورأى

стр. 383

آخرون تعريبها، ولكن لم يتعد هذا الخلاف منطق الحوار إلى النزال والنضال فكان الأولون يقولون إنهم يستنون بتلك الألفاظ أسنة واثلنا فإنهم لم يتحرجوا أن يطلقوا على كل علم أو أداة أو عقار اسم مستكشفيه، وكانت حجة الآخرين أن العربية تسع جميع المصطلحات فيمكن أن يطلق عليها ألفاظ عربية فلم يصادف رأي أحد الفريقين إجماعا وظل كبار الكتاب يكتبون بما يبدو لهم غير مقيدين بمذهب، أما صور الأدب وما يصح أن يكون عليه فلم يعترك عليها قلمان. ولم يقل أحد بوجوب قصر تلك الصور على حال لا يجوز تعديلها. وتخير الأسلوب يرجع إلى ثقافة الكاتب العلمية وقدرته اللغوية فكل ما شهدناه في هذا الباب أن شبانا ممن لم يتسع لهم الوقت لدراسة العربية يريدون في نفس الوقت أن يكونوا كتابا ونقدة أدب أكثروا من الكتابة في وجوب التحلل من قيود العربية وفي الإشارة بأنهم في طليعة أهل التجديد. والواقع أنهم قاصرون في اللغات التي يدعون إلى تحدي أساليبها قصورهم في العربية نفسها ولكن لأجل أن يعتبروا في الرعيل الأول من المجددين كان لا بد لهم من كلام يلوكونه بألسنتهم ويصرفونه بأقلامهم كلما لاح لهم الكلام أو الكتابة فإذا طلبت إليهم أن يستنوا بألسنة التي يدعون إليها أتوا بكل سمج مرذول من العبارات التي لا تمت إلى أحد الأسلوبين بصلة. إن اللغة العربية لم تبلغ إلى اليوم على أقلام كتابها السمو الذي كان للغة في عهدها الذهبي عند أسلافنا. وفي رأينا أنها كانت قد وصلت إلى منزلة من الصقل والفخامة تستطيع معها أن تقف جانبا إلى جنب مع أية لغة من لغات الغربيين اليوم.

стр. 384

نعم؛ إن أكابر كتابنا ليقصرون عن أن يبلغوا شأو فحول العربية في عصرها القديم لا من ناحية تخير الألفاظ والإبداع في صوغها فحسب ولكن في أسلوب الأداء ودقة التركيب أيضًا. -٤- الدكتور هيكل١: إن شبابنا الذين وفدوا إلى أوربا كانوا قد فتنوا بالأدب الكبير فيها فلما عادوا كان هذا الأدب الكبير قد دالت دولته وحل محله نوع من الأدب يصح أن يوصف بالصغير. "فريد وجدي": إن ما يسميه الدكتور بالأدب الكبير في أوربا في العهد الذي كان شبابنا يدرسون الأدب فيها كان يعتبر في نظر أئمة الأدب في القرن السابق أدبا صغيرا قصد به الكتاب إرضاء شهوات النفوس وأمتاعها بذكر اللذات الجسدية، وكان علماء الاجتماع يعدونه خروجا بالأدب عن صراطه إلى ما لا يتفق ومصلحة الاجتماع, وشبابنا لما يلزموا سمت الأدب الأوروبي الذي يصفه هيكل بالكبير ولكنهم يجرون على سنة ما يدعونه بالأدب الصغير الذي يخدم شهوات النفوس ويثير فيها ما كمن رعوناتها البهيمية فكل ما يكتبه قصاصونا وما تمثله مسارحنا اليوم صورة صحيحة من هذا الأدب الصغير بل هو ترجمة حرفية له يصح أن توضح بكل ما وصف به الدكتور هذا الأدب المنحط وكيف يتأتى أن يكون الأمر على غير ما يقول وقد تشعبنا بروح الفلسفة المادية وتدهورها في أخلاقنا وعادتنا إلى حيث لم يصل إليه الأوروبيون بعد، أفيستطيع ناقد بصير أن يعين لي وجها من وجوه الخلاعة والتهتك وضربا من ضروب الاستخفاف بالآداب والأخلاق مما يصادف في أوربا لم نأخذ به ولم نسبق أهله فيه؟

стр. 385

"هيكل عن الحضارة": إن الكثرة من الأدباء رأوا أن تكون تلك الحضارة حضارتنا الماضية. "فريد وجدي". وهذا في نظرنا رأي غريب بل هو من المستحيلات العقلية فإن أدب أية أمة لا يمكن أن يكون إلا مظهرًا لحضارتها الراهنة التي هي عليها لا حضارة ماضية, وإلا كان عبثا محضا. كيف يعقل أن يكون مظهر الأدب حضارة قديمة قد لا يعرف القراء عنها أكثر مما قرءوه في الكتب المدرسية وكل من طالع ما كتبه كتابنا وما يكتبون لا يجد فيه غير مظاهر حضارتنا الحالية. والأدب لا يكون إلا مظهر حضارة الأمة في الوقت الذي يكتب فيه؛ لأن الأدب مبني على وصف الواقع وما يمكن أن يقع. فإذا قيل: إن الأدب الأوروبي قد حمل نير المدينتين اليونانية والرومانية أجيالا فلا يعني أن القطع الأدبية في أوربا كانت توضع في قوالب حضارة يونانية أو رومانية ولكن بمعنى أنها حملت تقاليدها العلمية والفلسفية والشرعية واللغوية. وهذا الغير محكوم ببقائه على عاتق أوربا ما دامت علومها وفلسفاتها وشرائعها مستمدة من هاتين الأمتين. ونحن على هذا القياس محكوم علينا بحمل نير التقاليد اللغوية والعلمية والفلسفية والتشريعية لأسلافنا عن طريق الحتم لا التمييز. يقول الدكتور: ورأى الأقلون الأخذ بالحضارة الأوروبية في كل مظاهرها كما فعل الأتراك. ثم علق على ذلك بقوله: إن كلينا في هذه الجيل كفرسي رهان فإننا

стр. 386

مدفوعون للأخذ بحضارة الغرب في كل شيء في لباسنا أو أكلنا أو عاداتنا وثقافتنا العقلية لا يمتاز عنا الترك إلا في شيء واحد، هو أنهم أشد تحوطا من الفناء في جثمان الأمم الغربية منا لأنهم يأخذون بمظاهر مدنيتهم مع الاحتفاظ بقوميتهم. ولكننا لا نحتفظ بمميزات قوميتنا، وقد تركنا لعوامل التحلل تنتاشنا من كل جانب فكثير منا يتكلمون في بيوتهم باللغات الأجنبية والتكلم بغير اللغة التركية محظور في تركيا فنحن لا نكتفي بالأخذ بمظاهر المدنية الأوروبية فحسب, ولكننا نهدر قوميتنا في سبيلها والترك مع أخذهم بمظاهر هذه المدنية يقتبسون حوافظ قومياتها أيضًا. فإن كان عندنا أدب فليجعل همه التنبيه على هذه النقائض القومية فإن لغتنا أثرى اللغات ألفاظا وأرقها منطقا وأدقها معاني فلا يحل لنا أن نجعلها نهبًا للعجمة تتحيفها من جميع نواحيها, وإننا لنأسف أن كتابنا قد وقفوا أدبهم الهوى. -٥- تحدث عن رأي الدكتور هيكل عن مهمة الأدب في "تجلية جانب الإيمان في النفس". كيف يرجى من أديب كل همه مصروف إلى تحليل عاطفة الهوى ودرس تيارات الجوى أن يتناول بالبحث أعلى عواطف النفس وهي عاطفة الدين بمثل أسلوبه الذي مرن عليه واستولى على شعوره، وهي تستدعي أسلوبا يجافي ذلك الأسلوب، ولا يمت إليه بصلة من درس النفس في حالة عزوفها عن الشهوات الجسدانية. أمن الحق أن يكلف الكاتب التبريز في تصور المتناقضين فيراد منذ

стр. 387

أن يتدله في الجمال الصوري ثم أن يعود فيضرب بهذا كله عرض الحائط ويدرس عاطفة تحقره كل الاحتقار. ولسنا ننسى ما جره تدخل الأدباء فيما ليس من اختصاصهم في العشر السنين الأخيرة في المباحث الدينية فقد تناولوها على طريقة الماديين وأثاروا فيها شكوكا لا محل لها لو كانوا عنوا بدراستها دراسة علمية, فكان من أثر ذلك أن أهاجوا الناس عليهم هياجا مشروعا فخرجوا من هذه المعمعة على غير ما كنا نرجوه لهم. ولا ندري كيف ساغ للدكتور هيكل أن يقع في هذا الخطأ بعد ما رأى من التجربة المؤلمة، وهو بكتابه يرمي إلى تأييد الدين لا إلى إفساد عقائد الناس فيه وإثارة الشبهات عليه ولا إلى قطع صلة الماضي بالحاضر منه. ومن الأمثلة القريبة على ذلك أن إماما من أئمة الأدب في بلادنا انتدب لألقاء خمس محاضرات في الجامعة الأمريكية عن الأدب في العصر الأموي فكان مما قاله: إن الخليفة الوليد بن يزيد إنما قتل لأنه كان يود أن يعيش على ما تقتضيه الحضارة فكان جزاؤه أن لقي حتفه. فإيراد التاريخ على هذه الوجهة جناية على التاريخ وعلى الحقائق الاجتماعية ويشين الدين الذي ينتمي إليه الخليفة، فالذين لم يدرسوا تاريخ بني أمية دراسة علمية ولم يقعوا على سيرة هذا الخليفة يصدقون هذا الحديث ويستنكرون ما حدث له. والحقيقة أن الوليد هذا كان متجردًا للهو والبطالة، شغوفا بالفسوق والإباحة مستخفا بالدين مجاهرًا بالكفر. فهل هذه السيرة المعوجة من إهمال الرعية والانقطاع إلى اللهو يعتبر من مقتضيات الحضارة١.

стр. 388

الفصل السابع: "كتاب" مع المتنبي بين محمود محمد شاكر وطه حسين: هذه مساجلة من نوع آخر؛ عرض فيها محمود محمد شاكر لآراء الدكتور طه حسين التي أوردها في كتابه "مع المتنبي". وهذه المعركة نموذجا من معارك كثيرة من نوعها جرت "بين الشباب والشيوخ" من ناحية وبين "مدرستي المحافظة والتجديد" من ناحية أخرى وبين نظريتي "الترجمة ودراسة تاريخ الأعلام", إحداهما: التي تمزق الحجب عن الشخصيات على أساس إثارة الشكوك وافتراض الفروض ثم التدليل عليها، والثانية: التي تنظر في تجرد علمي إلى مختلف العوامل التي أثرت في تكوين الشخصية من غير تحيز أو خصومة. المتنبي؛ بين طه ومحمود شاكر ١: وصف شاكر كتاب طه حسين "مع المتنبي" بأنه "جيد النسق وجميل الرونق, لو تمنى عالم عزب لألقي في أمنيته أن يكون له بعدادها ولد يحملون عنه العلم من جيل إلى جيل". ثم قال: إنه -أي شاكر- عاش مع المتنبي زمنا وكتب عنه كتابا متواضعا في ١٧٠ صفحة نشره المقتطف "يناير ١٩٣٦" فمن حق المتنبي علي أن أقرأ ما كتب عنه الدكتور طه وغير الدكتور طه، وكما أنه من حق نفسي علي أن أضع التاريخ في موضعه الذي أرخته به معدة الفلك. فإن التاريخ لا يصلح معه الأدب الذي أدبنا به الله تعالى في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فوالله إنا لنفسخ للدكتور الجليل في مجالسنا حتى يبلغ الغاية التي هو لها أهل

стр. 389

وعلى ودنا أن نفسح له في التاريخ أيضًا، لولا أن التاريخ "يحتج بشدة" وكان أهم ما ركز عليه شاكر هو مولد المتنبي، فقد سجل طه حسين في كتابه أن مولد المتنبي كان شاذا وأن المتنبي أدرك هذا الشذوذ وتأثر به في سيرته كلها". قال شاكر: إن الدكتور طه رجل عبقري ليس في ذلك شك عندي فهو من قبل شكه في نسب أبي الطيب قد استطاع بتوفيق الله أن يتغلب على خصومه والمناوئين له واستطاع أن يقوم كالجبل لا يعمل فيه السيف عمل السيف. ويعمل هو في السيف عمل الجبل في تثليمه وتكسيره ورجع السيف عوده على بدئه حديده لا ينفع ولا يقطع. ولكن هل يستطيع الدكتور الجليل أو كتابه الأجل أن يجيبني لماذا شك في نسب أبي الطيب؟ وما هي الأسباب التي دفعته إلى هذا الشك. أما الدكتور الجليل فأكبر الظن فيه أنه يترفع -على عادته- عن الإجابة فهو رجل عبقري والعبقري لا يقال له لماذا، فإذا قيل لماذا، زوى وجهه وانصرف وترك سائله لصخرة الأعشى التي ذكرها لاميته المشهورة، أما كتابه الأجل فهو أطوع لسائله وأسرع إلى جوابه. إن الدكتور يزعم "أنك إذا قرأت ديوان أبي الطيب مستأنيا متمهلا لا تجد فيه ذكرًا لأبيه وإنك تجده لم يمدحه ولم يفخر به ولم يرثه ولم يظهر الحزن عليه حين مات، وهذا كاف في تشكيك العلماء في نسب أبي العلاء, وهو كاف في اليقين بأن المتنبي لم يعرف أباه، هذه هي الأسباب التي وقفت الدكتور طه إلى الشك في نسب المتنبي فمن حق المتنبي علينا أن ننظر

стр. 390

فيها، أهي مما يحمل على الشك في نسب رجل لم يشك في نسبه الذي رواه المؤرخون أحد. من يوم أن روى ذلك النسب إلى اليوم. ألا فليحدثنا الدكتور طه: أيكون لزاما على كل شاعر أن يمدح أباه وأن يفخر به وأن يرثيه وأن يظهر الحزن عليه حين يموت؟ فإن لم يفعل الشاعر ذلك فهو شاعر لا يعرف أباه! إني أجد من الشعراء من فخر بأبيه وقد كان ذلك في شعر كثير, وأجد فيهم كثيرا لا يعد كثرة لم يفخر بأبيه ولا ذكره في شعره، أفكل هؤلاء لم يعرف أباه. ولا يثبت نسبة لضعفه وخسته. ليحدثنا الدكتور الجليل عن هؤلاء الشعراء الذين أظهروا الحزن على آبائهم حين ماتوا، وليرجع الدكتور إلى ما شاء من كتب الشعر وكتب الأدب فيجمع لنا أسماء الشعراء الذين رثوا آباءهم وحزنوا عليهم وليثبت أن هؤلاء كانوا من الأشراف ذوي الأنساب وأن سائر الشعراء الذين لم يفعلوا مثل الذين فعلوا من السوقة والملطمين اللقطاء الذين لا يعرفون آباءهم ولا يثبتون أنسابهم. إن الدكتور طه رجل ذكي صاحب حيلة نفاذ. فربما رأى الرأي فأراده ليتخذه رأيا فيختلق له الأسباب فيرى الأسباب لا تغني في الرأي وأن الاعتراض يأكلها سببا سببا فيحتال بجعل الاعتراض في سياق قوله، وأتى به على وجهه ليجعله ظهيرا لرأيه وهذا الذي تقوله ليس برغم من عند أنفسنا بل هو ما ترى. رأى الدكتور طه أن إغفال الشاعر ذكر أبيه لا يدل على شيء البتة وإن الشعراء الذين لم يفخروا بآبائهم ليسوا أقل نسبا ولا أحط مغرسا من الذين فاخروا ونافروا آباءهم، وأن التاريخ يحدثنا أن أبا جرير الشاعر لم
следующие страницы →