← Адаб

Адаб · id 11546

المعارك الأدبية

أنور الجندي

Полный текст (707 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

مدفوعون للأخذ بحضارة الغرب في كل شيء في لباسنا أو أكلنا أو عاداتنا وثقافتنا العقلية لا يمتاز عنا الترك إلا في شيء واحد، هو أنهم أشد تحوطا من الفناء في جثمان الأمم الغربية منا لأنهم يأخذون بمظاهر مدنيتهم مع الاحتفاظ بقوميتهم. ولكننا لا نحتفظ بمميزات قوميتنا، وقد تركنا لعوامل التحلل تنتاشنا من كل جانب فكثير منا يتكلمون في بيوتهم باللغات الأجنبية والتكلم بغير اللغة التركية محظور في تركيا فنحن لا نكتفي بالأخذ بمظاهر المدنية الأوروبية فحسب, ولكننا نهدر قوميتنا في سبيلها والترك مع أخذهم بمظاهر هذه المدنية يقتبسون حوافظ قومياتها أيضًا. فإن كان عندنا أدب فليجعل همه التنبيه على هذه النقائض القومية فإن لغتنا أثرى اللغات ألفاظا وأرقها منطقا وأدقها معاني فلا يحل لنا أن نجعلها نهبًا للعجمة تتحيفها من جميع نواحيها, وإننا لنأسف أن كتابنا قد وقفوا أدبهم الهوى. -٥- تحدث عن رأي الدكتور هيكل عن مهمة الأدب في "تجلية جانب الإيمان في النفس". كيف يرجى من أديب كل همه مصروف إلى تحليل عاطفة الهوى ودرس تيارات الجوى أن يتناول بالبحث أعلى عواطف النفس وهي عاطفة الدين بمثل أسلوبه الذي مرن عليه واستولى على شعوره، وهي تستدعي أسلوبا يجافي ذلك الأسلوب، ولا يمت إليه بصلة من درس النفس في حالة عزوفها عن الشهوات الجسدانية. أمن الحق أن يكلف الكاتب التبريز في تصور المتناقضين فيراد منذ

стр. 387

أن يتدله في الجمال الصوري ثم أن يعود فيضرب بهذا كله عرض الحائط ويدرس عاطفة تحقره كل الاحتقار. ولسنا ننسى ما جره تدخل الأدباء فيما ليس من اختصاصهم في العشر السنين الأخيرة في المباحث الدينية فقد تناولوها على طريقة الماديين وأثاروا فيها شكوكا لا محل لها لو كانوا عنوا بدراستها دراسة علمية, فكان من أثر ذلك أن أهاجوا الناس عليهم هياجا مشروعا فخرجوا من هذه المعمعة على غير ما كنا نرجوه لهم. ولا ندري كيف ساغ للدكتور هيكل أن يقع في هذا الخطأ بعد ما رأى من التجربة المؤلمة، وهو بكتابه يرمي إلى تأييد الدين لا إلى إفساد عقائد الناس فيه وإثارة الشبهات عليه ولا إلى قطع صلة الماضي بالحاضر منه. ومن الأمثلة القريبة على ذلك أن إماما من أئمة الأدب في بلادنا انتدب لألقاء خمس محاضرات في الجامعة الأمريكية عن الأدب في العصر الأموي فكان مما قاله: إن الخليفة الوليد بن يزيد إنما قتل لأنه كان يود أن يعيش على ما تقتضيه الحضارة فكان جزاؤه أن لقي حتفه. فإيراد التاريخ على هذه الوجهة جناية على التاريخ وعلى الحقائق الاجتماعية ويشين الدين الذي ينتمي إليه الخليفة، فالذين لم يدرسوا تاريخ بني أمية دراسة علمية ولم يقعوا على سيرة هذا الخليفة يصدقون هذا الحديث ويستنكرون ما حدث له. والحقيقة أن الوليد هذا كان متجردًا للهو والبطالة، شغوفا بالفسوق والإباحة مستخفا بالدين مجاهرًا بالكفر. فهل هذه السيرة المعوجة من إهمال الرعية والانقطاع إلى اللهو يعتبر من مقتضيات الحضارة١.

стр. 388

الفصل السابع: "كتاب" مع المتنبي بين محمود محمد شاكر وطه حسين: هذه مساجلة من نوع آخر؛ عرض فيها محمود محمد شاكر لآراء الدكتور طه حسين التي أوردها في كتابه "مع المتنبي". وهذه المعركة نموذجا من معارك كثيرة من نوعها جرت "بين الشباب والشيوخ" من ناحية وبين "مدرستي المحافظة والتجديد" من ناحية أخرى وبين نظريتي "الترجمة ودراسة تاريخ الأعلام", إحداهما: التي تمزق الحجب عن الشخصيات على أساس إثارة الشكوك وافتراض الفروض ثم التدليل عليها، والثانية: التي تنظر في تجرد علمي إلى مختلف العوامل التي أثرت في تكوين الشخصية من غير تحيز أو خصومة. المتنبي؛ بين طه ومحمود شاكر ١: وصف شاكر كتاب طه حسين "مع المتنبي" بأنه "جيد النسق وجميل الرونق, لو تمنى عالم عزب لألقي في أمنيته أن يكون له بعدادها ولد يحملون عنه العلم من جيل إلى جيل". ثم قال: إنه -أي شاكر- عاش مع المتنبي زمنا وكتب عنه كتابا متواضعا في ١٧٠ صفحة نشره المقتطف "يناير ١٩٣٦" فمن حق المتنبي علي أن أقرأ ما كتب عنه الدكتور طه وغير الدكتور طه، وكما أنه من حق نفسي علي أن أضع التاريخ في موضعه الذي أرخته به معدة الفلك. فإن التاريخ لا يصلح معه الأدب الذي أدبنا به الله تعالى في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فوالله إنا لنفسخ للدكتور الجليل في مجالسنا حتى يبلغ الغاية التي هو لها أهل

стр. 389

وعلى ودنا أن نفسح له في التاريخ أيضًا، لولا أن التاريخ "يحتج بشدة" وكان أهم ما ركز عليه شاكر هو مولد المتنبي، فقد سجل طه حسين في كتابه أن مولد المتنبي كان شاذا وأن المتنبي أدرك هذا الشذوذ وتأثر به في سيرته كلها". قال شاكر: إن الدكتور طه رجل عبقري ليس في ذلك شك عندي فهو من قبل شكه في نسب أبي الطيب قد استطاع بتوفيق الله أن يتغلب على خصومه والمناوئين له واستطاع أن يقوم كالجبل لا يعمل فيه السيف عمل السيف. ويعمل هو في السيف عمل الجبل في تثليمه وتكسيره ورجع السيف عوده على بدئه حديده لا ينفع ولا يقطع. ولكن هل يستطيع الدكتور الجليل أو كتابه الأجل أن يجيبني لماذا شك في نسب أبي الطيب؟ وما هي الأسباب التي دفعته إلى هذا الشك. أما الدكتور الجليل فأكبر الظن فيه أنه يترفع -على عادته- عن الإجابة فهو رجل عبقري والعبقري لا يقال له لماذا، فإذا قيل لماذا، زوى وجهه وانصرف وترك سائله لصخرة الأعشى التي ذكرها لاميته المشهورة، أما كتابه الأجل فهو أطوع لسائله وأسرع إلى جوابه. إن الدكتور يزعم "أنك إذا قرأت ديوان أبي الطيب مستأنيا متمهلا لا تجد فيه ذكرًا لأبيه وإنك تجده لم يمدحه ولم يفخر به ولم يرثه ولم يظهر الحزن عليه حين مات، وهذا كاف في تشكيك العلماء في نسب أبي العلاء, وهو كاف في اليقين بأن المتنبي لم يعرف أباه، هذه هي الأسباب التي وقفت الدكتور طه إلى الشك في نسب المتنبي فمن حق المتنبي علينا أن ننظر

стр. 390

فيها، أهي مما يحمل على الشك في نسب رجل لم يشك في نسبه الذي رواه المؤرخون أحد. من يوم أن روى ذلك النسب إلى اليوم. ألا فليحدثنا الدكتور طه: أيكون لزاما على كل شاعر أن يمدح أباه وأن يفخر به وأن يرثيه وأن يظهر الحزن عليه حين يموت؟ فإن لم يفعل الشاعر ذلك فهو شاعر لا يعرف أباه! إني أجد من الشعراء من فخر بأبيه وقد كان ذلك في شعر كثير, وأجد فيهم كثيرا لا يعد كثرة لم يفخر بأبيه ولا ذكره في شعره، أفكل هؤلاء لم يعرف أباه. ولا يثبت نسبة لضعفه وخسته. ليحدثنا الدكتور الجليل عن هؤلاء الشعراء الذين أظهروا الحزن على آبائهم حين ماتوا، وليرجع الدكتور إلى ما شاء من كتب الشعر وكتب الأدب فيجمع لنا أسماء الشعراء الذين رثوا آباءهم وحزنوا عليهم وليثبت أن هؤلاء كانوا من الأشراف ذوي الأنساب وأن سائر الشعراء الذين لم يفعلوا مثل الذين فعلوا من السوقة والملطمين اللقطاء الذين لا يعرفون آباءهم ولا يثبتون أنسابهم. إن الدكتور طه رجل ذكي صاحب حيلة نفاذ. فربما رأى الرأي فأراده ليتخذه رأيا فيختلق له الأسباب فيرى الأسباب لا تغني في الرأي وأن الاعتراض يأكلها سببا سببا فيحتال بجعل الاعتراض في سياق قوله، وأتى به على وجهه ليجعله ظهيرا لرأيه وهذا الذي تقوله ليس برغم من عند أنفسنا بل هو ما ترى. رأى الدكتور طه أن إغفال الشاعر ذكر أبيه لا يدل على شيء البتة وإن الشعراء الذين لم يفخروا بآبائهم ليسوا أقل نسبا ولا أحط مغرسا من الذين فاخروا ونافروا آباءهم، وأن التاريخ يحدثنا أن أبا جرير الشاعر لم

стр. 391

يكن شيئا وأن جريرا أضاف إليه من انحلال الخصال والأخلاق ما لم يكن منه بسبب حتى خلب به الشعراء وقهر النحول ثم لم يمنعه ذلك من أن يظهر للناس كما هو ليثبت لهم أن شعره كان أكبر من غروره. لقد عرف الدكتور أن المتنبي هو الشاعر الذي رمى شعراء عصره فأصماهم فغلبهم فذهب بأرزاقهم عند الأمراء، كان يستطيع أن يفعل ما فعل جرير وأن يفخر بأبيه السقا على أبي فراس الحمداني وغيره من أشراف الشعراء في عصره، وعرف أن كثيرًا من الشعراء غير جرير قد فخروا بآبائهم على من كان أكرم أبا وأما، فماذا يفعل الدكتور بعد ذلك. إنها لمشكلة تلد مشاكل، إذن فما الذي يضيره أن يقول: أما المتنبي فلم يستطع شعره أن يغلب غروره ولم يستطع أن يضيف إلى أبيه ما ليس فيه. حقا إن الدكتور طه حسين رجل صاحب حيلة لا تفرغ، وحقا إن له فنا غلب به أهل الفنون وحقا إنه لعبقري، وهذا الدكتور الذي يقول: إن شعر جرير قد أعانه على أن يخلق خلقا جديدًا, فإذا كان المتنبي لا يعرف أباه كما يزعم فإن ذلك لا بأس به لأنه إذا أراد أن يصوره فلن يرجع إلى حقيقته لينتزع منه الصورة كما أن جريرا لم يرجع إليها وإنما المرجع هنا إلى شيطان الشعر فهو وحده الذي لا يخلق أباه خلقا جديدا. وجهد المتنبي في هذا أقل من جهد جرير. فشيطان أبي الطيب كان أنثى ضعيف المنة قليل الخير يكذب صاحبه في طالب الخيال القوي للآباء. وكان شيطان جرير ذكرًا فحلا قد امتلأ قوة لا يطلب خيالا إلا أدركه به وغالب به الشعراء. إني أشفق على الدكتور طه حسين من بدوات عبقريته "فهي تصور له

стр. 392

الأشياء كما تريدها لا كما يجب أن يكون فيتورط فيحتال فتكون حيلته كالكذبة البلقاء لا تجد من يسترها. لقد مضى علي زمن وأنا أجد اللذة في تتبع كتب الفكاهة فكان أعجب ما يعجبني منه المحالات، وهو الكلام الذي يأتي به الرجل تحسبه مستقيما وهو محال لا يكون ولا يفهم على وجه من الوجوه. وأشهد الله أن فن الدكتور طه في شرح هذا الشعر أعجب إلي الآن من ذلك. كيف لا وهو عميد الأدب العربي بالجامعة المصرية وهو بعد ذلك إمام الأدباء المجددين في هذا العصر، أي امرئ في القراء فهم شرح الدكتور الذي نقلناه فله عندنا ثلاث نسخ من كتابنا عن المتنبي. أي شيء هذا الذي يقوله الدكتور "أنه ينسب نفسه إلى متجزئ بعضه يمتاز عن كله" أنا أتولى تفهيم الدكتور معنى الشعر فالمتنبي يقول: أنابن من ولده يفوق أبا الباحث ويعني بذلك نفسه. هذا كل ما أراد المتنبي أن يقول والذي أوهم الدكتور فأوقعه فمرغ كلامه في هذا "المتجزئ الذي له بعض يمتاز عن كله" أهو قول أبي الطيب "بعضه" في البيت. إن الدكتور طه حسين "عميد الأدب العربي بالجامعة المصرية" رجل قد أثبتت التجارب والأيام ثم مؤلفاته أنه لا بصر له بالشعر ولا بمعانيه.

стр. 393

الفصل الثامن: معركة مستقبل الثقافة بين طه حسين وساطع المصري وزكي مبارك وم. محمد حسين: أثار كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" الذي أصدره الدكتور طه حسين عام ١٩٣٨ ضجة كبرى ومعارك متعددة: فقد صدر هذا الكتاب عقب توقيع معاهدة ١٩٣٦ حيث إن الاستعمار يركز جهوده في حركة "التغريب" وخاصة الغزو الثقافي الفرنسي الذي أراد أن يعوض ما فقده من الأرض بإلغاء الامتيازات الأجنبية وسيطرتها على الإرساليات التعليمية. ويحاول أن يفرض على مناهج العربية والتعليم أهدافا من شأنها القضاء على كل معالم الشخصية الإسلامية وذلك بالقضاء على "١" أنظمة التعليم في الأزهر. "٢" اعتبارات مصر العربية. "٣" مقومات الكيان العربي. "٤" أثر الدين والإسلام بالذات في ثقافتنا وتفكيرنا. فقد وقفت فرنسا ضد توقيع اتفاقية مونترو سنة ١٩٣٧ لإلغاء الامتيازات ما لم تتأكد من أن خطتها في التغريب في مصر ستظل محررة وفي هذه اللحظات الحاسمة أهدى طه حسين وشاحًا كبيرًا من جامعة لون التي تعلم فيها وعاد وهو يحمل معه أصول هذا الكتاب. وبعد أن كانت هذه المعركة تدار عن طريق آراء المستشرقين أمثال جب وماسنون والمبشرين وغيرهم أمثال ولكوكس وزويمر وغيرهم, أصبح هناك من الكتاب العرب من يحمل لواء هذه الأفكار ويدعو إليها كمحاولة لتثبيت دعائم التجزئة وخلق ملامح مصطنعة لما يسمى بالفكر المصري المنعزل عن الفكر العربي. وقد رد ساطع المصري ردا علميا على آراء طه حسين وفند ما فيها من اضطراب وخطأ وانحراف. وقال الدكتور م. محمد حسين: إن معظم هذه الآراء منقولة من دعاة التغريب الذين يهدفون وفق خطة شاملة إلى تغريب الفكر العربي وتمزيقه والقضاء على مقوماته ومعالمه. وإن طه حسين حاول أن يثبت أن مصر ليست جزءا من الأمة العربية. وهذا مجمل آراء طه حسين: آراء طه حسين: ١- إن سبيل النهضة واضحة بينة مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء، وهي أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها وحلوها ومرها وما يحب منها وما يكره

стр. 394

وما يحمد منها وما يعاب، ومن زعم لنا غير ذلك فهو خادع أو مخدوع "نظرية الانصهار في حضارة الغرب". ٢- العقل المصري منذ عصوره الأولى عقل إن تأثر بشيء فإنما يتأثر بالبحر الأبيض المتوسط. وإن تبادل المنافع على اختلافها فإنما يتبادلها في شعوب البحر الأبيض المتوسط. ٣- إذن فالعقل المصري القديم ليس عقلا شرقيا، وقد نشأ هذا العقل المصري في مصر متأثرًا بالظروف الطبيعية والإنسانية التي أحاطت بمصر وعملت على تكوينها, فإذا لم يكن أن نلتمس أسرة للعقل المصري نقره فيها فهي أسرة الشعوب التي عاشت حول "نظرية البحر المتوسط" بحر الروم. ٤- التاريخ يحدثنا بأن رضاها "أي مصر" عن السلطان العربي بعد الفتح لم يبرأ من السخط ولم يخلص من المقاومة والثورة، وبأنها لم تهنأ ولم تطمئن إلا حين أخذت تسترد شخصيتها المستقلة في ظل ابن طولون فلما كان فتح الإسكندرية للبلاد الشرقية واستقرار خلفائه في هذه البلاد اشتد اتصال الشرق بحضارة اليونان واشتد اتصال مصر بهذه الحضارة بنوع خاص. وأصبحت مصر دولة يونانية" "محاولة هدم صلة مصر بالأمة العربية". ٥- لقد التزمنا أمام أوربا أن نذهب مذهبها في الحكم، ونسير سيرتها في الإدارة ونسلك طريقها في التشريع، والتزمنا هذا كله أمام أوربا. وهل كان إمضاء معاهدة الاستقلال ومعاهدة إلغاء الامتيازات إلا التزاما صريحًا قاطعًا أمام العالم المتحضر بأننا سنسير سيرة الأوروبيين في الحكم والإدارة والتشريع؟ فلو هممنا الآن أن نعود أدراجنا وأن نحيي النظم العتيقة لما وجدنا إلى ذلك سبيلا ولوجدنا أمامنا عقبات لا تجتاز ولا تذلل.

стр. 395

٦- شيء آخر لا بد من التفكير فيه والطلب له. وهو أن التفكير الأزهري القديم قد يجعل من العسير على الجيل الأزهري الحاضر إساغة الوطنية والقومية بمعناهما الأوروبي الحديث. "نظرية القومية الضيقة والتجزئة". ٧- إن وحدة الدين ووحدة اللغة لا تصلحان أساسًا للقومية السياسية ولا قواما لتكوين الدول. إن المسلمين قد أقاموا سياستهم على المنافع العملية وعدلوا عن إقامتها على الوحدة الدينية واللغوية والجنسية أيضًا، وقد فطنوا منذ عهد بعيد إلى أصل من أصول الحياة الحديثة وهي أن السياسة شيء والدين شيء آخر. ٨- يجب أن يصح أن الإسلام لم يغير العقل المصري أو لم يغير عقل الشعوب التي اعتنقته والتي كانت فيه متأثرة بهذا البحر الأبيض المتوسط، بل يجب أن نذهب إلى أبعد من هذا فنقول مطمئنين: إن انتشار الإسلام في الشرق البعيد، وفي الشرق الأقصى قد مد سلطان العقل اليوناني وبسطه على بلاد لم يكن قد زارها إلا لماما. "نظرية اتهام الإسلام". ٩- من الجهل وأخطأ الخطأ أن هذه الحضارة المادية قد صدرت عن المادية الخالصة. إنها نتيجة العقل. إنها نتيجة الخيال. إنها نتيجة الروح. إنها نتيجة الخصب المنتج. نتيجة الروح الحي الذي يتصل بالعقل فيغدوه وينميه ويدفعه إلى التفكير ثم إلى الإنتاج. ١٠- إن حديث "الشرق الروحي" هذا حديث لا غناء فيه، وهو

стр. 396

مضحك إذا نظرنا إليه نظرة عامة، ولكن هذا الحديث خطر لأنه يلقي في روع الشباب بعض الحضارة الأوروبية التي يعرفونها فتثبط هممهم وتضعف عزائمهم. "تمجيد الحضارة الأوروبية والسخرية بالتراث الإسلامي". ١- ساطع الحصري ١: إن المسألة التي يفتتح بها الدكتور طه أبحاث كتابه تتلخص في السؤال الآتي: هل يوجد فرق جوهري بين العقل المصري والعقل الأوروبي؟ أما الحكم الذي يصل إليه فهو: كل شيء يدل على أنه ليس هناك عقل أوروبي يمتاز عن هذا العقل الشرقي الذي يعيش في مصر وما جاورها من بلاد الشرق القريب "ص٢٨" فمهما نبحث ومهما نستقصي فلن نجد ما يحملنا على أن نقبل أن بين العقل المصري والعقل الأوروبي فرقا جوهريًا "ص٢٩". وإني أشارك الدكتور طه في هذا الحكم الصريح مشاركة تامة. ومما يجدر بالملاحظة أن مغالاة المؤلف في تشبيه المصريين بالأوروبيين وإنكار وجود الفروق بينهما لا تنحصر في هذه القضية وحدها بل تتعداها إلى أمور أغرب منها؛ إذ إننا نراه يدعي عدم وجود فروق بينهما من حيث الطبع والمزاج أيضًا. فهو عندما يصرح بأنه "لا يخاف على المصريين أن يفنوا في الأوروبيين".

стр. 397

يبرهن على ذلك بقوله: "ليس بيننا وبين الأوروبيين فرق في الجوهر ولا في الطبع ولا في المزاج" ص٦٣. "ليس بين المصريين والأوروبيين فرق لا في الطبع ولا في المزاج" لا أدري كيف يستطيع أحد أن يدعي ذلك بصورة جدية! فإن الفروق بين الطبع والمزاج من الأمور التي تشاهد على الداوم في الأمم الأوروبية نفسها وهي تبدو للعيان بين الإنجليزي والفرنسي والألماني والإيطالي. حتى بين الشمالي والجنوبي من الفرنسيين، والشرقي والغربي من الألمان وبين الريفي والمدني والمثقف والعامي. فكيف يعقل مع هذا ألا يختلف طبع المصريين ومزاجهم عن طبع الأوروبيين ومزاجهم بوجه من الوجوه. إنني أميل إلى الحكم بأن الدكتور طه لم يكتب هذه العبارة أيضًا عن تأمل واقتناع، بل كتبها بدافع الاستعجال وتحت تأثير توارد الكلمات إني لا أكون من الغالين إذا قلت إن "نزعة التسرع في الحكم والإسراف في الكلام" من النزعات المستولية على معظم مباحث كتاب "مستقبل الثقافة في مصر". وهذه النزعة هي التي ورطت المؤلف في مآزق غريبة، وأوقفته مواقف لا تخلو من التناقض في بعض الأحيان. الثقافة والأزهر: ٢- يذكر الدكتور طه الأزهر في كتابه هذا، أولا عندما نبحث عن اتصال مصر بالحضارة الأوروبية فيوسع كثيرًا في وصف هذا الاتصال؛ لأنه يعتبره دليلا على عدم وجود فرق جوهري بين العقلية المصرية والعقلية

стр. 398

الأوروبية، وعن ما يتطرق المؤلف إلى حالة الأزهر خلال هذا البحث يعرضه لنا كمعهد مسرف في التجديد, "كل شيء يدل، بل كل شيء يصيح بأن الأزهر مسرف في الإسراع نحو الحديث"، غير أننا نراه في محل آخر من الكتاب يتراجع قليلا عن تعبير "الإسراف" الذي استعمله في هذا المقام، كما أننا نراه في محل آخر يتناسى كل ذلك فيقول: "إن الأزهر بحكم تاريخه وتقاليده بيئة محافظة تمثل العهد القديم، ثم يقول: إن هذا التفكير الأزهري القديم قد يجعل من العسير على الجيل الأزهري الحاضر إساغة الوطنية والقومية بمعناهما الأوروبي الجديد, ثم لا يتحرج المؤلف من إبداء رأي يناقض رأيه الأول مناقضة صريحة "يقتضي أن يعدل الأزهر عدولا تامًا عما دأب عليه من الانحياز على نفسه والعكوف عليها والانقطاع من الحياة العامة". أريد أن ألفت الأنظار إلى الاختلافات الموجودة بين هذه الآراء التي صدرت من قلم واحد في موضوع واحد في كتاب واحد. مصر بين الشرق والغرب: ٣- لا يكتفي المؤلف بالبرهنة على عدم وجود فرق جوهري بين العقل المصري والعقل الأوروبي، بل يحاول أن يبرهن على أن مصر ليست جزءًا من الشرق ويسير بين سلسلة آراء وملاحظات يكتنفها الغموض والتضارب من كل الجهات، ويلوم الأوروبيين الذين يقولون: إن مصر جزء من الشرق، وإن المصريين فريق من الشرقيين ثم يقول: "إن من السخف الذي ليس بعده سخف اعتبار مصر جزءًا من الشرق"، غير أنه لا يلبث أن يتناسى قوله هذا ويدخل المصريين في عداد الشرقيين في عشرات من المواضع في الكتاب.

стр. 399

٤- وعندما يسأل المؤلف: أمصر من الشرق أم من الغرب، يوضح قصده من هذا السؤال بقوله: "أنا لا أريد بالطبع الشرق الجغرافي والغرب الجغرافي، إنما أريد الشرق الثقافي والغرب الثقافي, فقد يظهر أن الأرض نوعين من الثقافة يختلفان أشد الاختلاف ويتصل بينهما صراع بغيض ولا يلقى كل منهما صاحبه إلا محاربًا أو متهيئا للحرب. أحد هذين النوعين الذي تجده في أوربا منذ العصور القديمة، والآخر هذا الذي نجده في أقصى الشرق منذ العصور القديمة أيضًا. ٥- يصعب علي جدًا أن أوافق المؤلف في قوله: "لا أدري ما هي الثقافة التي كانت موجودة في أوربا منذ القرون القديمة، ولا ما هو الصراع البغيض الذي اتصل بين هذه الثقافة وثقافة الشرق الأقصى المخالفة لها! ومتى وكيف حدث هذا الصراع. وكل ما أعرفه في هذه المضمار يحملني على القول بخلاف ذلك تمامًا، كل ما أعرفه في هذه المضمار يحملني على القول بأن الصراع الذي حدث بين الثقافات والحضارات التي نشأت وترعرعت حول بحر الروم نفسه، كانت أشد وأعنف وأطول من الخصام الذي حدث بين هذه الثقافات، والثقافات الهندية والصين بدرجات كبيرة. ما شأن هذه القضية بشرقية مصر أو غربيتها، وهل من علاقة منطقية بين هذه القضية وبين حالة وجود أو عدم وجود فروق جوهرية بين العقل المصري والعقل الأوروبي؟

стр. 400

وحدة الدين ووحدة اللغة: ٦- يثير المؤلف "تأثير وحدة الدين ووحدة اللغة في تكوين الدول فيقول: من المحقق أن تطور الحياة الإنسانية قضى منذ عهد بعيد بأن وحدة الدين ووحدة اللغة لا تصلحان أساسًا للوحدة السياسية ولا قوامًا لتكوين الدول. فقد تخففت أوربا من أعباء القرون الوسطى وأقامت سياستها على المنافع الزمانية، لا على الوحدة المسيحية, لا على تقارب اللغات والأجناس. ٧- يسوي المؤلف في كلماته هذه بين وحدة الدين ووحدة اللغة في وجهة التأثير السياسي ويدعي أن تأثيرهما في السياسة كان من خصائص القرون الوسطى، إنني أعتقد أن كل ذلك مخالف لحقائق التاريخ وقوانين الاجتماع مخالفة صارخة، فإن عمل وحدة اللغة في الحياة الاجتماعية والحوادث التاريخية، يختلف عن عمل وحدة الدين اختلافا كليا. إن وحدة اللغة لم تصبح من القوى الفعالة في تكوين الدول وتوجيه السياسات إلا في القرن الأخير، وإلا بعد أن فقدت وحدة الدين قوتها وتأثيرها في هذا المضمار كما أن تأثير وحدة اللغة في السياسة لم ينته بانتهاء الفرق المذكور، بل ازداد شدة في القرن الذي نعيش فيه, وهو لا يزال مستمرًا وشديدًا. لهذه الأسباب أقول: إن قياس وحدة اللغة على وحدة الدين في هذا المضمار والادعاء بأنها فقدت تأثيرها السياسي وعملها التكويني منذ عهد بعيد لا يتفق مع حقائق التاريخ بوجه من الوجوه. إنني أعتقد اعتقادًا جازمًا أن اللغة تختلف عن الدين في وحدة الطبيعة

стр. 401

الذاتية والتأثير النفسي والعمل الاجتماعي. إن عدم ملاحظة هذا الفرق الجوهري الموجود بين اللغة والدين في هذه الوجوه المختلفة، قد عرض المؤلف لأخطاء كبيرة يخالف فيها أثبت وقائع التاريخ وأظهر حقائق الاجتماع مخالفة صريحة. يحاول المؤلف أن يستشهد على أقواله بتاريخ الإسلام أيضًا، غير أن محاولاته هذه لا تزيد إلا تغلغلا في الأغلاط وتباعدًا عن حقائق التاريخ. التحليل والخلط: ٨- من المعلوم أن التفكير العلمي يتطلب تحليل المسائل وتجزئة المشاكل، ليسهل معالجة كل جزء منها على حدة، أما الخطة التي يسير عليها الدكتور طه حسين في أبحاثه هذه في أكثر الأحيان فمعكوسة لذلك تمامًا، لأنه كثيرًا ما يخلط المسائل بعضا ببعض، ويدخل بعضها في بعض، فيزيد بذلك تعقيدًا وإشكالا. لا شك أن الطريقة المثلى لدرس مثل هذه المسائل درسًا علميًا وحلها حلا منطقيًا هي طريقة الاستقراء والمقارنة, إجراء مقارنة مباشرة بين الشرق والغرب، بين مصر وأوربا من حيث العقل والثقافة والطبع والمزاج واستعراض الفروق والمشابهات التي تتجلى بينهما من هذه الوجوه المختلفة. ثم البحث عن جوهرية وعدم جوهرية الفروق المذكورة. إن الدكتور طه بقي بعيدًا عن هذه الطريقة من أول أبحاثه هذه حتى آخرها ونجم عن هذا الابتعاد: أن المؤلف لم يلتفت إلى أهم الفروق الموجودة بين الشرق والغرب،

стр. 402

وهي التي تشاهد بينهما من وجهة نظم الأسرة وأوضاع المرأة والأوصاف النفسية -الخلقية والعقلية- التي تتبع تلك النظم والأوضاع. اللاتينية ١ واليونانية: يقول طه حسين: أنا مؤمن أشد الإيمان وأقواه بأن مصر لن تظفر بالتعليم الجامعي الصحيح، ولن تفلح في تدبير مواقفها الثقافية الهامة إلا إذا عنيت بهاتين اللغتين لا في الجامعة وحدها بل في التعليم العام قبل كل شيء، لأن اللاتينية واليونانية أساس من أسس العلم والتخصيص، ولأن التعليم العالي الصحيح لا يستقيم في بلد من البلاد الراقية إلا إذا اعتمد على اللاتينية واليونانية على أنهما من الوسائل التي لا يمكن إهمالها والاستغناء عنها. والسؤال الذي يجب أن نلقيه وأن نجيب عنه في صراحة وإخلاص وفي وضوح وجلاء هو أتريد أن ننشئ في مصر بيئة للعلم الخالص تشبه أمثالها من البيئات العلمية في أي بلد من البلاد الأوروبية الراقية أو المتوسطة أم لا تريد؟ فإن كانت الثانية فقد خسرنا القضية وليست مصر في حاجة إلى الجامعة وإلى كلياتها بل حسبها أن تعود إلى عهد أيام الاحتلال وأن تسير سيرة المستعمرات. يظهر من هذه العبارات أن الدكتور يعتبر هاتين اللغتين من لوازم الجامعة الأساسية ويدعي أن عدم العناية بهما لا يختلف كثيرًا عن طلب إلغاء الجامعة نفسها، ويرى بأن ذلك لا يجوز إلا إذا طلب من مصر أن تعود إلى عهد أيام الاحتلال وأن تسير سيرة المستعمرات. وإذا كانت المسألة بهذه الدرجة من الوضوح والجلاء فكيف

стр. 403

وجدت هذه المقاومة وهذا الازورار في دوائر المعارف ومحافل المثقفين. إن الدكتور طه يبدي هذا الاستغراب فيقول: "ومن أغرب الأشياء في نفسي وأبعدها عن فهمي ألا يفطن ولا يهتدي إليها الذين ينهضون بشئون مصر ويقومون على تدبير الأمور فيها والذين يشرفون على التعليم منها بنوع خاص. ويبحث الدكتور أسباب هذه المقاومة عدة مرات غير أنه يعزوها إلى عوامل أساسية تتلخص من حيث الأساس في نقص ثقافة القائمين بشئون التعليم في مصر فيقول: "وأكبر الظن أن مصدر هذا إنما هو الجيل الحاكم والمرتقي إلى الحكم الذي لا يتقن العلم بالشئون الثقافية في أوربا ولا يكاد يعرف من أمرها إلا ظواهرها وظواهرها الغريبة اليسيرة التي لا يحتاج فهمها ولا العلم بها إلى جهد وعناء إذ إن منهم من تعلم في المدارس المصرية وانتهى إلى غاية التعليم العالي المصري أيام وقف ولم يتجاوزه، ومن اتصل بالجامعات الأوروبية قبل أن يتم التعليم العالي في مصر أو بعد أن أتمه فدرس وظفر ببعض إجازاتها، ولكنه درس فيها عجلا وظفر باليسير من إجازاتها وأهونها ولذلك عاد من أوربا دون أن يعرف من الحياة العقلية الأوروبية إلا ظواهرها وأشكالها، وأن بين الذين ذهبوا إلى أوربا وعادوا منها وبين الذين أقاموا في مصر واتصلوا بأوربا بعض الاتصال من ألم إلمامًا يسيرًا بل إلمامًا ناقصا مشوها بهذه الخصومة التي قامت في أوربا منذ أواخر القرن الماضي بين الديمقراطيين والمتطرفين من جهة وبين المعتدلين والمحافظين من جهة أخرى حول تعليم اللاتينية واليونانية وأنهم فهموا هذه الخصومة على غير وجهها الصحيح، وظنوا أن التجديد يقتضي بعض هذه الأشياء القديمة

стр. 404

ثم قال: إن المقاومة التي تلقاها اللاتينية واليونانية في مصر نشأت من هذا النقص الأساسي. ثم يقول: "أنا أسمع في أثناء إملائي هذه الكلمات صياح الصائحين وأحس هياج الهائجين وأشعر بما سيثور من سخط ولكني مع ذلك مقتنع بما أقول, مذعن بصواب ما أدعو إليه، ملح في هذه الدعوة, غير حافل بالرضا ولا بالسخط ولا معني إلا بما أعتقد أنه يحقق المنفعة الثقافية للمصريين". "الرد": من المعلوم أن اللغة اللاتينية كانت لغة روما في القرن الأول غير أنها صارت بعد ذلك لغة الطبقة المديرة والمستثيرة في جميع أنحاء أوربا الغربية عندما دخلت تحت حكم روما, كما أصبحت لغة الدين والصلاة في تلك البلاد عندما اعتنقت الديانة المسيحية, وأخيرًا صارت من دعائم الكنيسة الكاثوليكية عندما تكونت الكنيسة المذكورة وأخذت تبسط سلطتها على جميع الدول والدويلات التي تدين بها. أما اليونانية فقد حافظت على كيانها في معظم البلاد التي انتشرت فيها بالرغم من استيلاء الرومان عليها, كما أنها أصبحت لغة الدولة بعد انفصال الشرق عن الغرب وتكون الإمبراطورية الشرقية مستقلة عن إمبراطورية روما الغربية كما أصبحت لغة الدين والصلاة في العالم الأرثوذكسي عندما اعتنقت الإمبراطورية المذكورة الديانة المسيحية. بهذه الصورة تقاسمت اللغتان اللاتينية واليونانية السيطرة على الحياة الدينية في أوربا المسيحية, فأصبحت الطقوس والصلوات المسيحية تحت احتكار اللاتينية في أوربا الغربية في جميع البلاد التي اعتنقت المذهب الكاثوليكي, وتحت احتكار اليونانية في أوربا الشرقية في جميع البلاد

стр. 405

التي اعتنقت المذهب الأرثوذكسي، أما الحياة الأدبية والعلمية في القرون الوسطى، فمن المعلوم أنها لم تجد من يزاولها ويهتم بها إلا من بين رجال الدين فعاشت وترعرعت تحت ظلال الكنائس وفي أروقة الأديرة. ٢- الدكتور زكي مبارك: يا دكتور! قلت١: إن عقلية مصر عقلية يونانية وصرحت بأن الإسلام لم يغير تلك العقلية في حين أن مصر ظلت ثلاثة عشر قرنا وهي مؤمنة بالعقيدة الإسلامية، والأمة التي تقضي ثلاثة عشر قرنا في ظل دين واحد لا تستطيع أن تفر من سيطرة ذلك الدين، إن الإسلام رج الشرق رجة أقوى وأعنف من الرجة التي أثارتها الفلسفة اليونانية. إن الديانات تفترق ثم تجتمع وهي في روحها تحدث الناس بأسلوب واحد في أوقات الضعف, ولكن هذا لا يمنع من أن هناك خصائص للعقلية الإسلامية والعقلية المسيحية. كيف جاز عندك أن تتوهم أن الإسلام لم يغز العقلية المصرية بتغيير أو تبديل, أنا لا أنكر أن مصر ورثت ما ورثت من علوم اليونان ولكني أنكر أن تكون مصر عاشت بعقلية واحدة منذ آلاف السنين إلى اليوم. في الحق إن المصريين في حياتهم الإسلامية شغلوا أنفسهم بعلوم اليونان أكثر من عشر قرون، ولكنك وقد جلست على صحن الأزهر كما جلست تعرف أن المصريين لم يتذوقوا تلك العلوم، والأزهر لا يزال باقيا. أنا لا أنكر قيمة التراث الذي خلفه اليونان القدماء ولكن أرتاب في أنه وصل إلى لفاف العقلية المصرية.

стр. 406

أنت تعرف فيما تعرف أن الفقه الإسلامي نفسه كان يتغير بانتقال من أرض إلى أرض فكان للشافعي مذهب في مصر ومذهب في العراق ومعنى ذلك أن العقليات تتغير من وقت إلى وقت باختلاف ظروف الزمان وظروف المكان. والموجة الإسلامية التي طغت على مصر فنقلتها من لغة إلى لغة ومن دين إلى دين والتي قضت بأن تتفرد مصر بحراسة العروبة والإسلام بعد سقوط بغداد، هذه الموجة الصائبة لا يمكن أن يقال: إنها لم تنقل مصر من العقلية اليونانية إلى العقلية الإسلامية. ولكن ما هي تلك العقلية الإسلامية؟ هي لون آخر غير العقلية اليونانية بلا جدال. أقول هذا وأنا أشعر بأني لم أزحزحك تمامًا عن موقفك، ولكني موقن بأني عرضت صدرك لشبهات ستوجب عليك الحذر حين تتكلم في هذا الموضوع مرة ثانية وأنت تعرف ما أعني. ٢- الدكتور م. محمد حسين: يمكن رد ما حواه هذا الكتاب إلى ثلاثة أصول وهي: الدعوة إلى حمل مصر على الحضارة الغربية وطبعها بها وقطع ما يربطها بقديمها وبإسلامها. الدعوة إلى إقامة الوطنية وشئون الحكم على أساس مدني لا دخل فيه للدين، أو بعبارة أصرح دفع مصر إلى طريق ينتهي بها إلى أن تصبح حكومتها لا دينية. الدعوة إلى إخضاع اللغة العربية لسنة التطور ودفعها إلى طريق ينتهي

стр. 407

باللغة الفصحى التي نزل بها القرآن الكريم إلى أن تصبح لغة دينية فحسب كالسريانية والقبطية واللاتينية واليونانية. ويرد المؤلف على خصوم الحضارة الأوروبية ممن يشفقون على كياننا الديني فيقول: إن الحياة الأوروبية ليست إثما كلها، ففيها خير كثير، ويستدل على ذلك بأنها حققت للأوروبيين رقيا لا شك فيه والإثم الخالص لا يمكن من الرقي. والمؤلف لا يطالب بإلغاء المدارس الأجنبية في مصر بل هو يقرر أنه نافر من ذلك أشد النفور "لا لأن التزاماتنا الدولية تحول بيننا وبين ذلك، بل لأن حاجتنا الوطنية تدعو إلى الاحتفاظ بهذه المدارس والمعاهد"، وهو يدعو ألا تقتصر الدراسات الأدبية في مدارسنا على الأدب العربي بل يجب أن ندرس الآداب الأجنبية على أن يكون تدريسها باللغة العربية، وكلام المؤلف هنا يلبس ثوب الوطنية والتعصب للغة القومية ولكن مقصده الحقيقي الذي يتفق مع مذهبه في الكتاب كله هو نشر آداب الغرب وثقافته على أوسع نطاق, وذلك هو ما تفعله الدول الاستعمارية الآن، على أن الأولى بأن يدعو إليه المؤلف هو أن يترجم كتب العلوم من طب وهندسة وزراعة وطبيعة وكيمياء إلى العربية وأن تدرس هذه العلوم في الجامعات المصرية باللغة العربية. ويمضي المؤلف في سائر كتابه على اعتبار صلات مصر بالغرب أوثق من صلاتها بالشرق حتى إنه ليجور على التاريخ في بعض الأحيان كي يقيم به مذهبه الذي يزعمه، وذلك في مثل تصويره العرب بأنهم غزاة دخلاء لا يطمئن إليهم المصريون في الوقت الذي يصورهم فيه مطمئنين إلى الفتح اليوناني لا ينكرونه ولا يعترضون عليه.

стр. 408

وتقرير المؤلف أن سبيل الحضارة الغربية هو السبيل الذي لا بد من سلوكه والمضي فيه، لا لأن تاريخنا يؤيد هذا المذهب في زعمه، ولا لأن مصلحتنا تقتضي ذلك على ما يدعي لأن التزاماتنا الدولية في المعاهدة التي يسميها معاهدة الاستقلال تجبرنا على ذلك. ألم يسأل المؤلف نفسه لماذا تحرص الدول الغربية كل هذا الحرص على أن تحملنا على حضارتها، وتذهب في حصرها إلى حد لا تقنع منه إلا بالمواثيق المكتوبة؟ هل تفعل ذلك حرصا على رقينا؟ أم تفعله حرصا على مصلحتها؟ ويريد المؤلف أن يدعو إلى حكومة "لا دينية" ولكنه يرى أن الوقت المناسب للجهر بمثل هذه الدعوة لم يأت بعد, وأول ما ينبغي أن يزال ويهدم عنده هو الأزهر، فهو يتحدث عنه فيصوره أثرًا، من مخلفات العهود المتأخرة المنحطة، ومشكلة من المشاكل التي تتطلب حلا. ويدور المؤلف حول ما يسميه "مشكلة اللغة العربية" والمشكلة تأتي في نظره مما يضفي عليها رجال الدين من قداسة باعتبارها لغة دينية, وهو يريد أن يعتبرها لغة وطنية أولا وقبل كل شيء, فهي -في رأيه- ملك لنا نتصرف فيها كيف نشاء ولا حق لرجال الدين أن يفرضوا وصايتهم عليها وفي أن يقوموا دونها للمحافظة عليها والمؤلف لا يرى بأسا من أن تتطور لغة الكتابة والأدب في العربية حتى يصبح الفرق بينها وبين عربية القرآن الكريم مثل الفرق بين الفرنسية واللاتينية, وهذا فيما يبدو هو سبب آخر يضاف إلى الأسباب السابقة التي تدفع المؤلف إلى مهاجمة الأزهر والمطالبة بعزله عن الوصاية على اللغة العربية.

стр. 409

الباب السابع: المعارك بين المجددين والمحافظين الفصل الأول: معارك الرافعي مع العقاد وطه حسين وزكي مبارك وعبد الله عفيفي: ولعل مما لا جدال فيه أن أبرز رجال النقد في هذه الفترة التي تؤرخ معاركها ومساجلاتها هم كتاب أربع: الرافعي والعقاد وزكي مبارك وطه حسين، ولكل منهم وجهة في نقده وآرائه الأدبية غير أنه يجمعهم ذلك الأسلوب المر العنيف في النقد وقد كان لعمل بعض هؤلاء في الصحافة أثره في مرونة التعبير في الصحافة ولكنه كان متصلا بها. ولعل أبرز معارك الرافعي كانت مع العقاد وطه حسين وزكي مبارك, وعبد الله عفيفي كانت معركته مع العقاد ذات صلة بسعد زغلول وصالون مي ومعركته مع طه حسين متصلة بإنشاء الجامعة المصرية ورغبته في التدريس بها وخصومته مع عبد الله عفيفي متصلة بمنافسته له في مدائح الملك فؤاد, ومعركته مع زكي مبارك تتصل بكتابه أوراق الورد ورأي زكي مبارك في أنه ليس فنا جديدًا في الأدب العربي كما صوره الرافعي. ولا شك أن الرافعي الذي كان بعيدًا عن محيط الصحافة القاهري مقيما في مدينة "طنطا" رئيسا لكتاب المحكمة والذي تصدى من وقت مبكر للدفاع عن اللغة العربية والإسلام وقد أحس بخصومته للمدرسة المجددة، هذه المدرسة التي بادئته الخصومة حين أصدر كتابه "السحاب الأحمر" فهاجمه سلامة موسى و"رسائل الأحزان" الذي هاجمه طه حسين في السياسة الأسبوعية ثم وقعت الواقعة بينه وبين العقاد حول "ديوان" وحي الأربعين١، بعد أن وقعت بينه وبين طه حسين حول كتابه في الشعر الجاهلي٢. وكان الرافعي في خصومته قوي المعارضة عنيفا، متمكنا مما يقول، دامغ

стр. 410

الحجة، تتصل معركته دائمًا بأمرين هما: اللغة العربية والإسلام وقد بلغ قمة العنف في كتابه "على السفود" الذي هاجم به العقاد. ١- معارك الرافعي مع العقاد: وتبدأ معركة الرافعي مع العقاد منذ صدور "الديوان" للعقاد والمازني وقد تناول العقاد الرافعي وأدبه بالنقد ثم استؤنفت معركة الرافعي مع العقاد بعد صدور كتاب الرافعي "إعجاز القرآن" الذي أثنى عليه سعد زغلول ووصفه بأنه "كأنه تنزيل من التنزيل أو قبس من نور الذكر الحكيم". ولما كان العقاد هو كاتب الوفد الأول فقد أزعجه هذا أيما إزعاج. وقد صور سعيد العريان في كتابه "حياة الرافعي" الموقف بينهما كما رواه الرافعي قال: قال الرافعي: سعيت لدار المقتطف لأمر، فوافقت العقاد هناك، ولكنه لقيني بوجه غير الوجه الذي كان يلقاني به، فاعتذرت من ذلك إلى نفسي, وجلسنا نتحدث, وسألته الرأي في "إعجاز القرآن" فكأنما ألقيت حجرًا في ماء آسن, فمضى يتحدث في حماسة وغضب وانفعال، كأن ثأرًا بينه وبين إعجاز القرآن, ولو كان طعنه وتجريحه في الكتاب نفسه لهان علي, ولكن حديثه عن الكتاب جره إلى حديث آخر عن القرآن نفسه وعن إعجازه وإيمانه بهذا الإعجاز. وأخذت أناقشه الرأي وأبادله الحوار في هدوء وإن في صدري لمرجلا يتلهب, إذ كنت أخادع نفسي فأزعم لها أنه لم يتخذ لنفسه هذا الأسلوب في الهجوم على فكرة إعجاز القرآن إلا لأنه حريص على أن يعرف ما لا يعرف

стр. 411

وعلى أن يقتنع بما لم يكن مقتنعا به، فأخذت معه في الحديث على هدوئي وثورة أعصابه ولم أفهم إلا من بعد ما كان يدعوه إلى ما ذهب إليه. يقول العريان: ولقد كان العقاد كاتبا من أكبر كتاب الوفد، ينافح عنه ويدعو إليه بقلمه ولسانه عشر سنين، وإنه ليرى له عند "سعد" منزلة لا يراها لكاتب من الكتاب أو أديب من الأدباء وأن له على سعد حقًا، ولكن سعدًا مع كل ذلك لم يكتب له عن كتاب من كتبه مثل ما كتب للرافعي. ومن هنا كانت ثورته, كانت ثورة الغيرة. قلت له "قال الرافعي للعقاد" وكان الحديث يدور بينهما بواسطة أوراق يكتبها كل منهما نظرًا؛ لأن الرافعي كان ضعيف السمع. أنت تجحد فضل كتابي فهل تراك أحسن رأيا من سعد؟ قال العقاد: وما سعد؟ وما رأي سعد؟ قال الرافعي: وطويت الورقة التي كان يكتب فيها حديثه، فقبضت عليها يدي, ثم قلت: أفتراك تصرح برأيك هذا في سعد لقرائك وأنت تأكل الخبز في مدحه والتعلق بذكراه؟ قال: فاكتب إلي هذا السؤال في صحيفة من الصحف تقرأ جوابي عما عرفته الآن. قال ذلك وإن ورقته في يدي أشد عليها بأناملي حتى تقبض وجهه وتقلصت عضلاته, ثم قال في غيظ وحنق: ومع ذلك فمالك أنت ولسعد؟ إن سعدًا لم يكتب هذا الخطاب ولكنك أنت كاتبه ومزوره, ثم نحلته إياه لتصدر به كتابك فيروج عند الشعب. وكان العقاد قد تناول كتاب إعجاز القرآن في "البلاغ الأسبوعي"

стр. 412

"١٠/ ١٢/ ١٩٢٦" فلما أرسل الرافعي رده عليه رفض البلاغ نشره. وقد أشار إلى ذلك في رسائله إلى الشيخ محمود أبو رية في غير موضع مما يجمله قوله: إن العقاد سيكتب عن إعجاز القرآن و"أنا غير واثق منه لأن عقيدته زائفة", ثم قال: إن العقاد خرج إلى السخف في كتابته عن الإعجاز وإنه أرسل ردًا فيه مغامر كثيرة, وأشار إلى أنه لو رد عليه مرة أخرى "فسيكيل له بالكيل ثلاثة مكاييل"، وقال: "أظنني قلت لك: إن الرجل صرح لي بأنه لا يعتقد بالقرآن ولا بالنبوة ولا بالوحي". ثم أشار إلى أنه ترك الكتابة في البلاغ؛ لأنهم لم ينشروا رده على العقاد "وظنوا أنهم متى دفعوا إلي ثمن المقالات فقد صرت خاضعًا لهم. ولذلك رفضت الكتابة وثمنها. وقد كان الرجل يدفع جنيهين على المقالة فرفضت هذه الفائدة محافظة على كرامتي". وأشار إلي ما أسماه "سقطة" العقاد في إعجاز القرآن مما أورده في مقاله وقال: إن ذلك "دليل على أن العقاد لا يفهم ما يكتب". وكان ذلك مما دعا الرافعي إلى نقد العقاد، وقال في رسائله إلى أبو رية "أقترح وضع العقاد في السفود", ثم "وضع في سفود غليظ يظهر في أول يوليو ١٩٢٩". رأي العقاد في الرافعي ١: مصطفى أفندي الرافعي رجل ضيق الفكر مدرع الوجه يركب رأسه مراكب يتريث دونها الحصفاء أحيانًا وكثيرًا ما يخطئون السداد بتريثهم

стр. 413

وطول أناتهم. وطالما نفعه التطوح وأبلغه كل أدبه أو جله إذ يدعي الدعاوي العريضة على الأمة وعلى من لا يستطيع تكذيبه فتجوز دعواه وينفق إلحافه عند من ليس يكرثهم أن يخدعوا به، بيد أن الاعتساف إذا كان رائده الحذق في الرأي وشيك أن يوقع صاحبه في الزلل إحدى المرات فيضيع عليه ما لو علم أنه مضبعه لفداه بكل ما في دماغه من هوش وما في لسانه من كذب, وكذلك فعل ضيق الفكر وركوب الرأس بمصطفى الرافعي فحق علينا أن نفهمه خطر مركبه وأن قدميه أسلس مكانًا من رأسه لعله يبدل المطية ويصلح الشكيمة. عرض النقد إلى نشيد شوقي دون إشارة إلى الديوان "ولا كلمة متعسف فيها أن أحدًا يقدمه إلى هذا النقد بل لعله قصد إلى ادعائه عنوة فكتب على الرسالة أنها طبعت في نوفمبر سنة ١٩٢٠ ونسي لغفلة ذهنه أنه ضمنها في صفحة ٦٧ كتابا للأستاذ منصور أفندي عوض مؤرخا في١١ ديسمبر. فهذا الخلق البغيض ونظائر من جرثومته هي التي تملأ نفوسنا تقززًا وعزوفا من أدب الجيل الماضي وأدبائه ومن صناعة من ينتسبون إليها ولكن ليس لها ما لأحقر الصناعات من حرم يرعى ودستور يفاء إليه ووازع يوقف عند حده. أرجعهم منها سهما أجمعهم فيها على استحذاء الجبن وصفاقة الادعاء. وأوقعهم فيها اسما أطبعهم على صفة الحيلة وصفوف الرياء، وشعارهم جميعا نقيضان من شعور بالعجز وخيلاء وملق واستعلاء صناعة بلا واجب لها ولا حقوق لذويها ولا تعرف غيرها من صناعة بلا واجب ولا حقوق. وما على المتحدث بها بأس من السماجة والافتراء, وإنما البأس كل البئس عليه من المروءة والحياء.

стр. 414

وهذا الرجل لا يستحيي أن يسم نفسه على غلاف رسالته "بنابعة كتاب العربية وزهرة شعرائها" يعمد إلى نقد مطبوع لم يفرغ الحديث فيه ولم ينقطع صاحبه عن إتمامه فينتحله جملة ولا يفلت منه كبيرة ولا صغيرة حتى تسميتنا مشاهير المذهب العتيق بالأصنام ثم لا يرى أن عليه بعد ذلك أن يوحي بفرد كلمة إليه ولو من باب التأريخ لحوادث هذه الأناشيد. كأننا حين كتبنا نقدنا في مصر كان هو يكتب رسالته في أقاصي الصين أو أطراف السويد, ولا ندري وقد وثق من وجهة بهذه الصلابة من أين له الثقة بالتهاون منها والهضمية؟ إيه يا خفايش الأدب! أغثيتم نفوسنا أغثى الله نفوسكم الضئيلة, لا هوادة بعد اليوم, السوط في اليد وجلودكم لمثل هذا السوط خلقت, وسنفرغ لكم أيها الثقلان. على السفود: نشر الرافعي هذه المقالات عام ١٩٢٩ بمجلة العصور نقد فيها عبد الله عفيفي وعباس العقاد، وقد أغفل اسمه في هذه المقالات ظنا منه "أن١ إغفال الاسم هو عين الحكمة لا خوفا من العقاد ولا مبالاة به. ولكن بمن هو فوقه ثم نحن لا نريد المباهاة بكتاب ولكن نريد إظهار الحقيقة وفي إغفال الاسم قوة كبيرة لهذه الحقيقة ما دام الكتاب مثبتًا" وقد صور الرافعي رأي فؤاد صروف محرر المقتطف السفود الأول -في العقاد- بأنه متحامل وذلك عند "ذكر أصل الرجل والتعريض بأبيه وصاحب العصور "إسماعيل مظهر" يرى أن المقالات هي غاية الغايات في نقد هذا الرجل.

стр. 415

وقد أجمع النقاد حتى تلاميذ الرافعي -سعيد العريان ومحمود أبو رية- على أن مقالات "على السفود" كانت غاية في العنف والنزول عن مستوى النقد ولكن الرافعي دافع عن هذه المقالات فقال في رسائله إلى أبو رية: "إن الناس مختلفون فمنهم من يقول: إن المقالات تحامل على صاحب مرحاضه "أي العقاد", وإن هذا التحامل سيفيده ويذهب أثر النقد ومنهم من يقول بل كل ما في المقالات هو صحيح وفي محله، ولا ننسى أن العقاد الآن في رأي نفسه ورأي كثيرين هو جبار الكتابة فنحن نريد أن نضع أنف هذا الجبار في الأرض مقدار ساعتين على الأقل لأنه لم يتجرأ عليه أحد إلى الآن والذين كتبوا عنه لم ينالوا منه نيلا وطه حسين لم يكد يمسه مرة حتى هرب وأخذ ينافق له ويتملقه. وقد أشار الرافعي في أحاديث العريان عنه١ إلى أن العقاد لم يكن يستطيع أن يقف وإياه أمام القضاء على ما اتهمه به بعد أن اعترف بأن في الكتاب ما لم يكن ينبغي أن يقول وبأن خصمه بما قال فيه كان يملك أن يسوقه إلى المحاكمة. قال العريان للرافعي: لقد قلت في العقاد ما كان حريا أن يوقفه وإياك أمام القضاء! قال الرافعي: ولكني كنت على يقين بأن العقاد لن يفعلها. إني كنت أهاجم العقاد بمثل أسلوبه في النقد وإن معي لورقات بخطه لا يسره أن أجعلها دفاعي أمام المحكمة فيخسر أكثر مما يربح.

стр. 416

-٢- استهل الرافعي كتاب "على السفود" بقوله: أما بعد فإنا نكشف في هذه المقالات عن غرور ملفق ودعوى مغطاة وننتقد فيها الكاتب الشاعر الفيلسوف "عباس محمود العقاد" وما إياه أردنا ولا بخاصته نعبأ ولكن لمن حوله نكشفه ولفائدة هؤلاء عرضنا له، والرجل في الأدب كورقة البنك المزورة هي في ذات نفسه ورقة كالورق, ولكن من ينخدع فيها لا يغرم قيمتها بل قيمة الرقم الذي عليها. وقد يكون العقاد أستاذًا عظيما ونابغة عبقريا، وجبار ذهن كما يصفون ولكنا نحن لا نعرف فيه شيئا من هذا وما قلنا في الرجل إلا ما يقول فيه كلامه، وإنما ترجمنا حكم هذا الكلام ونقلناه من لغة الأغلاط والسرقات والحماقات إلى لغة النقد وبيناه كما هو, لم نبعد ولم نتعسف ولم نتمحل في شيء مما بنينا عليه النقد. والعقاد وإن زور شأنه وادعى وتكذب واغتر ومشى أمره في ضعفاء الناس بالتنطيع والتلفيق والإيهام فإن حقيقته صريحة لن تزور وغلطاته ظاهرة تدعى وسرقاته مكشوفة لن تلفق, وما زدنا على أن قلنا هذا، فإن يغضب الأسود على من يصف سواده فليغضب قبل ذلك على وجهه. وأثار هذا المغرور في الأدب تنظمها كلها قضية واحدة من السرقات والانتحال في غباوة ذكية، ذكية عند الطبقة النازلة من قراء جرائدنا وعند أشباههم ممن ليست لهم موهبة التحقيق ولا وسائله، ثم غبية فيما فوقها, وأولئك طائفة لا ميزان لها ولا وزن فلا ترفع ولا تضع, وسترى في أثناء ما تقرؤه ما يثبت لك أن هذا الذي وصفوا بأنه جبار الذهن ليس في نار "السفود" إلا أديبا من الرصاص المصهور المذاب.

стр. 417

يقول: إننا في دور انتقال بالأدب العربي والحقيقة أننا من العقاد وأمثاله الغارين المغرورين بآرائهم الطائشة وبياتهم المنخط، في دور انسلاخ ورجعة منقلبة والأعرج وبحكم هو دائما في دور انتقال، إنه ذهب يعمي ويتفلسف في أسباب عرجته، وما يمنعه أنه ليس بأعرج وإنما هذا فن جديد من الخيلاء والتبختر ينتقل به من المشي خطوا إلى المشي رقصا. ثم توقفت المعركة بين الرافعي والعقاد ثمة، حتى تجددت عند صدور ديوان العقاد "وحي الأربعين١" وقد انتهز العقاد فرصة هذه المعركة فانتقم من الرافعي وإسماعيل مظهر صاحب العصور وطابع كتاب على السفود بالجملة. وكان الباب الذي نفذ منه العقاد هو اتهام الرافعي في وطنيته. والقول بأن الرافعي إنما ينتقده لأنه العقاد السياسي الوفدي "١٩٣٣" وعدو الحكومة المتسلطة بالحديد والنار. وكان الرفعي قد نشر نقده في البلاغ التي كانت تحارب الوفد ويسرها أن تهاجم كاتبه العقاد والمحرر بالجهاد إذ ذاك. ثم تقلبت السياسة تقلباتها فإذا العقاد -كاتب الوفد الأول- يخرج على الوفد, هنالك ينتهز الرافعي فرصة الحملة عليه فيكتب بدون توقيع مقالا في الجهاد عنوانه "أحمق الدولة". ٢- معارك الرافعي مع طه حسين: هاجم طه حسين كتاب الرافعي "تاريخ الآداب العربية" وقال: إنه لم يفهمه كما هاجم كتابيه حديث القمر ورسائل الأحزان.

стр. 418

وكانت السياسة الأسبوعية التي صدرت عام ١٩٢٢ تحمل لواء الأدب الجديد وقد استهلت المعركة بين القديم والجديد عندما هاجم طه حسين كتاب الرافعي "رسائل الأحزان" فقال: نظلم الأستاذ الرافعي إذا قلنا: إنه لا يشق على نفسه في الكتابة والتأليف, بل أنت تنصفه إذا قلت: إنه يتكلف من المشقة في الكتابة والتأليف أكثر مما ينبغي. ولو كنت أريد أن أقول: إنه ينحت كتبه من الصخر ولكني لا أجد في هذه الجملة ما ينبغي لوصف هذه المشقة، وما لي لا أتبسط معه بعض الشيء فأقول: إن كل جملة من جمل هذا الكتاب تبعث في نفسي شعورًا قويا مؤلما بأن الكاتب يلدها ولادة. وهو يقاسي من هذه الولادة ما تقاسيه الأم من آلام الوضع، يجب أن أكون منصفا فأنت تستطيع أن تقطع كتاب الرافعي جملا جملا وأن تجد بين هذه الجمل طائفة غير قليلة فيها شيء من جمال اللفظ، وبهرجة تخلبك وتستهويك, وفيها معان قيمة لا تخلو من نفع, ولكن المشقة كل المشقة في أن تصل هذه الجمل بعضها إلى بعض، ونستخرج منها شيئا قيما, لن تظفر من هذا بشيء وأكبر ظني أن الأستاذ الرافعي نفسه لا يحاول أن يقول شيئا حين يكتب هذه الرسائل, وإنما هو يذهب في النثر مذهبا غريبا فيتكلف العناء والمشقة في الغوص على المعاني الغريبة, ثم يتكلف العناء والمشقة في أن يسبغ على هذه المعاني ألفاظًا عربية". هجوم طه على الرافعي: وكان الرافعي قد أرسل خطابا في العتب إلى ظريف من أدباء الشام، وقد نشرت السياسة الأسبوعية الرسالة التي نورد منها هذه العبارات: "كتبت إليك من أيام يشفع لها قربك من نفسي فلا أقول: إنها بعيدة، وتمر قديمة ولكن ما في هذه النفس منها يجعلها جديدة وكأنها تجري بي إلى

стр. 419

الفناء فهي تطول إلى غير حد، وتأخذ معنى اليأس من كل أمس، فتنسخ به معنى الأمل في كل غد وأرى الأيام تعد بالأرقام، أما هي فقد جعلتها أنت تعد بأنها لا تعد. لقد هممت أن أعاتب القلم الذي كتبت به إليك فأحطم سنه وأجعله من ناحيتين "خبر كان" حتى لا يبقى من ناحيتك في خبر "إنه" وقلت كيف ويحك، سودت وجه صحيفتي بما هو في سوادة مداد مع المداد، وفي نفسه سواد غير السواد. ثم علق الدكتور طه حسين على الرسالة وقال: "أعتذر للكاتب الأديب إذا أعلنت مضطرًا أن هذا الأسلوب الذي ربما راق أهل القرن الخامس والسادس للهجرة، ولا يستطيع أن يروقنا في هذا العصر الحديث الذي تغير فيه الذوق الأدبي -ولا سيما في مصر- تغيرًا شديدًا". ورد الرافعي يقول: إن الأسلوب الذي كتبت به الرسالة كان موضع الانفراد وكان الغاية التي تتقاصر دونها الأعناق منذ القرن الرابع إلى القرن التاسع، ولم يوحش منه تغير الذوق الأدبي كما يقول الأستاذ، بل ضعف الكتابة فيه وتقصيرهم عن حده، وأنهم لا يوافقون به مواضعة ولا يعدلون بها إلى جهاته في ألفاظه ومعانيه. رد طه حسين: "اتخاذ هذه الأساليب نقص أدبي؛ لأن الكمال الأدبي يستلزم أن تكون اللغة ملائمة للحياة، وهو نقص خلقي؛ لأنه كذب للكاتب على نفسه وعلى معاصريه وهو نقص من جهة أخرى؛ لأنه لا يدل على أقل من أن الكاتب

стр. 420

ينكر شخصيته ولا يعترف لها بالوجود، وأي إنكار للشخصية أشد من أن تحس وتشعر ثم تستحيي أن تصف إحساسك وشعورك كما تجدهما. أعرف أن الأسلوب الذي اتخذه الأستاذ الرافعي كان مستعذبا في عصر من العصور، ولكني أعرف أنه إنما كان مستعذبا لأنه كان يلائم هذا العصر فإذا انقضى هذا العصر وانقضى معه ما ألف الناس من ضروب الحياة فيه، فيجب أن ينقضي معه أيضا أسلوب التعبير الذي كان الناس قد اتخذوه وسيلة لوصف ما يجدون في أنفسهم. وهكذا بدأت الخصومة بين الرافعي وطه حسين، ولم ينتظر الرافعي كثيرا فقد جاء عام ١٩٢٦ يحمل معه كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" ووجد الرافعي فرصته للانتقام من طه حسين بالحق فكان المصارع الأول في هذه المعركة، وحمل عليه في مقالات متعددة في جريدة كوكب الشرق مستغلا جريدة الوفد, والوفد خصم الأحرار الذي كان طه من أبرز كتابه, وكانت عقدة الخصومة عند الرافعي هي محاربة مذهب التجرد من الدين لتحقيق مسألة من مسائل العلم أو مناقشة رأي من آراء الفكر أو رواية من روايات التاريخ١. وكانت معركة الشعر الجاهلي ٢: وقد هاجم الرافعي طه حسين في بضعة وعشرين مقالة نارية، ولم يجب طه على واحدة منها، فقد كان المتفق عليه أن يترك الدكتور طه "العاصفة

стр. 421

تمر" ولا شك أن المعركة بين الرافعي وطه حسين هي معركة خلاف في الرأي وأسلوب الفكر ومنهج الفهم للأدب والدين واللغة، وأن الرافعي كان بالنسبة للمجددين سيفا مصلتا يحسب له ألف حساب. ويعزو سعيد العريان "ص١٢٣ من كتابه حياة الرافعي" هذه المعركة إلى أن الرافعي كان يطمع في أن يكون إليه تدريس الأدب في الجامعة وأنه كشف عن رغبته هذه في مقالاته بالجريدة. وقد صور الرافعي خلافه مع طه حسين في عديد من رسائله إلى الشيخ محمود أبو رية التي جمعها في كتابه "رسائل الرافعي" ولكنه كان منصفا فهو يقول: "كانت محاضراته مجموعة متناقضات وإن كانت الجامعة حشدت لها حشدا عظيمًا من المدعوين والرجل ميسر وخطه مقبول. ويقول: أما طه حسين فليس بالضعيف الذي تتوهمه وهو في أشياء كثيرة حقيق بالإعجاب كما هو في غيرها حقيق باللعنة١. وقد وصف كتاب هامش السيرة بأنه "تهكم صريح٢". ٣- معارك الرافعي مع زكي مبارك: وكان الخلاف بين الرافعي وزكي مبارك حول "أوراق الورد" حيث أعلن الرافعي أن كتابة فن جديد في الأدب العربي وأنه "سد المكان الخالي

стр. 422

في الأدب من أول تاريخه إلى اليوم، وإعطاء العربية كتابا في رسائل الحب وفلسفته وأوصافه١ تقابل ما في اللغات الأخرى. "إن زكي مبارك قد زعم أنه وقف على رسائل غرامية في الأدب العربي وأورد بعضها وهي رسائل كتبت في العراق ولا تعد من الرسائل الغرامية، بل هي من الإخوانيات التي نبهت إليها في المقدمة، وقد غلط في مقاله غلطة هائلة فلما رددت عليه امتنع البلاغ عن نشر الرد كما فعل مع العقاد وبقيت غلطات زكي مبارك لم تكشف لأنه يكتب للبلاغ بأجر رخيص جدا وهذا هو الذي يهم البلاغ فلا يريد إسقاطه. وقال: إن زكي مبارك بالغ في التحريف ولا بد من ضربه ضربة قوية في السفود متى زال هذا المرض. "أما الغلطة التي غلطها -هذا المغرور- فهي أنه يزعم وقوفه على رسائل غرامية أورد فيها أشياء وكلها رسائل للغلمان مما نبهت عليه في المقدمة وفي تصحيحه لزهر الآداب وقع في نحو مائتين غلطة منها غلطات غاية في الجهل. وقال: "لو اطلعت على أغلاط زكي مبارك هذا في تصحيح زهر الآداب لأيقنت أنه حـ ... كبير وهو مع ذلك دكتور في الآداب. وقد كتب الرافعي مقالة "أبو حنيفة ولكن من غير فقه" عن زكي مبارك وفيها يقول: هل يبدأ الأدب العربي في عصرنا أم ينتهي؟ وهل تراه يعلو أو ينزل؟ وهل يستجمع أو ينفض؟ وهذه معاني لو ذهبت أفضلها لاقتحمت تاريخا طويلا أمر فيه بعظام مبعثرة في ثيابها لا في قبورها حتى أصبح أمر الأدب على أقبحه وهم يرونه أحسنه حتى قلب في الأسلوب، أسلوب تلغرافي، وفي الفصاحة عامية، وفي اللغة لغة الجرائد.

стр. 423

الرافعي يختلف مع أدباء مصر في آراء كثيرة فهو يعارض رأي هيكل في كتابه حياة محمد في "الإسراء" ويقول: إنما جاء١ بعد صدور الكتاب الفرنسي يقصد كتاب أميل در منجم, ولولا هذا الكتاب ما كتب هيكل في حياة الرسول حرفا, فهؤلاء قوم مستعمرون في عقولهم, ورأيه في الإسراء لا قيمة له بل هو ألفاظ فلسفية لا غير. وقال عن لطفي السيد: إنه فيلسوف سوفسطائي "أورد ذلك" في مقالاته عن طه حسين "تحت راية القرآن". وقال: إن أحمد أمين كان عضوا في لجنة الأزهر عام ١٩٢٨ التي حاكمت طه حسين وإنه الوحيد الذي كان يدافع عنه ويصحح ما في كتابه وإن طه حسين كافأه على ذلك بالعمل أستاذا في الجامعة٢ ووصف عبد الله عفيفي بأنه "شعرور". ومما ذكره الرافعي أن عنده نسخة من كليلة ودمنة "ليس مثلها عند أحد وما شئت من مثل هذا إلا وجدته فيها" وقد كتب فصولا منها عن طه حسين وعن العقاد. ٤- معركته مع عبد الله عفيفي: وقد دخل الرافعي معركة مع عبد الله عفيفي عندما كتب في مقتطف "نوفمبر ١٩٤٢" ينعى شوقي ويقول: "إن مصر أصبحت سيدة العالم العربي في الشعر وهي التي لم تذكر قديما في الأدب إلا بالنكتة والرقة وصناعات بديعية ملفقة ولم يستفض لها ذكر بنابغة وعبقري، وقال الرافعي: إن شوقي

стр. 424

لو كان مصريا لما تهيأت له الأسباب الفنية التي بلغت به مبلغه من الشعر لأن الطبيعة المصرية لا تساعد على إنضاج المواهب الشعرية". وقد رد عليه عبد الله عفيفي وفتح بابا في النقد في البلاغ تحت عنوان "مصر شاعرة" وحاول أن يثبت أن مصر لها تاريخ طويل في الشعر وكان الرافعي قد بدأ مقالاته على السفود في مجلة العصور بمقال عن عبد الله عفيفي شاعر الملك الذي نازعه صولجانه بعد أن اختلف الرافعي مع الإبراشي ناظر الخاصة الملكية إذ ذاك. وقد أراد الرافعي أن يضرب العقاد وطه حسين في النقد ضربة واحدة، وأتته الفرصة عندما أعلن طه حسين ١٩٣٤ أن أمير الشعراء بعد شوقي هو العقاد، كذلك قال الرافعي "مجلة الأسبوع". وليس لدي الآن نص كلام الدكتور ولا أنا أذكر ألفاظه بحروفها، ولكن الذي أذكره أني حين قرأته لم أبحث بين ألفاظه عن يقين المتكلم واقتناعه وحججه وأدلته بل بحثت فيه عن سخرية طه بالعقاد وبالشعراء جميعا في أسلوب كأسلوب تلك المرأة العربية في قصتها المعروفة حين قالت لرجال قومها في أبيات مشهورة: وإن أنتموا لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تغيب عن الكحل غير أن طه في سخريته كالذي يقول: فإن لم تثبتوا أن فيكم من استطاع أن يخلف شوقي فاصغروا واصغروا حتى يكون العقاد هو أميركم وبقي أن نتساءل لماذا لم تأت الشهادة يوم كان الدكتور طه عميدًا لكلية الآداب

стр. 425

وكان يومئذ امرأ لا يستزله الإكراه، ولماذا جاءت الشهادة وهو يحترف الصحافة؟ أترى لوكان العقاد من الحزب الوطني أو من الأحرار الدستوريين أو اتحاديا أو شعبيا أفتكون قولة طه يومئذ وفي انسلاخه الثاني وانقلابه وفديا أفتكون إلا ردا سياسيا على العقاد وشعره نفرة سياسية من هذا الشعر وعقاده". حقيقة رأي الرافعي في طه والعقاد ١: غير أن أحمد حسن الزيات كان قد استطاع أن يستل من الرافعي تصريحا عن حقيقة رأيه في طه حسين والعقاد ونشره بعد وفاة الرافعي. قال الرافعي للعقاد: أما ما كتبه في "على السفود" فأكثره رجس من عمل الشيطان وأما ما أدخلته "تحت راية القرآن" فكله إلهام من روح الله. ووصف طه حسين بقوله: ذهنه لماع الذكاء ولكنه لا ينفذ, وقريحته واسعة الحيلة ولكنها لا تخلق لذلك, تجده معسول الكلام لا أثر فيه لروعة الفن ولا لبراعة الفكرة ولكنه قوي الشخصية جياش الحركة عذب السياق جميل العرض، وهو أشبه الناس بمهندس العرض في بيوت التجارة، يعرض البضائع في البترينات منسقة على نظام يملك البصر ولكنها تظل بعد التنسيق كما كانت قبل التنسيق ملك غيره أو أحسبه إذا تنفس به العمر على هذا الحال يعود رجلا له رأي مسموع في التأديب, ولكن ليس له أثر خالد في الأدب, ويلوح لي أن طه
следующие страницы →