← Адаб

Адаб · id 11546

المعارك الأدبية

أنور الجندي

Полный текст (707 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

تمر" ولا شك أن المعركة بين الرافعي وطه حسين هي معركة خلاف في الرأي وأسلوب الفكر ومنهج الفهم للأدب والدين واللغة، وأن الرافعي كان بالنسبة للمجددين سيفا مصلتا يحسب له ألف حساب. ويعزو سعيد العريان "ص١٢٣ من كتابه حياة الرافعي" هذه المعركة إلى أن الرافعي كان يطمع في أن يكون إليه تدريس الأدب في الجامعة وأنه كشف عن رغبته هذه في مقالاته بالجريدة. وقد صور الرافعي خلافه مع طه حسين في عديد من رسائله إلى الشيخ محمود أبو رية التي جمعها في كتابه "رسائل الرافعي" ولكنه كان منصفا فهو يقول: "كانت محاضراته مجموعة متناقضات وإن كانت الجامعة حشدت لها حشدا عظيمًا من المدعوين والرجل ميسر وخطه مقبول. ويقول: أما طه حسين فليس بالضعيف الذي تتوهمه وهو في أشياء كثيرة حقيق بالإعجاب كما هو في غيرها حقيق باللعنة١. وقد وصف كتاب هامش السيرة بأنه "تهكم صريح٢". ٣- معارك الرافعي مع زكي مبارك: وكان الخلاف بين الرافعي وزكي مبارك حول "أوراق الورد" حيث أعلن الرافعي أن كتابة فن جديد في الأدب العربي وأنه "سد المكان الخالي

стр. 422

في الأدب من أول تاريخه إلى اليوم، وإعطاء العربية كتابا في رسائل الحب وفلسفته وأوصافه١ تقابل ما في اللغات الأخرى. "إن زكي مبارك قد زعم أنه وقف على رسائل غرامية في الأدب العربي وأورد بعضها وهي رسائل كتبت في العراق ولا تعد من الرسائل الغرامية، بل هي من الإخوانيات التي نبهت إليها في المقدمة، وقد غلط في مقاله غلطة هائلة فلما رددت عليه امتنع البلاغ عن نشر الرد كما فعل مع العقاد وبقيت غلطات زكي مبارك لم تكشف لأنه يكتب للبلاغ بأجر رخيص جدا وهذا هو الذي يهم البلاغ فلا يريد إسقاطه. وقال: إن زكي مبارك بالغ في التحريف ولا بد من ضربه ضربة قوية في السفود متى زال هذا المرض. "أما الغلطة التي غلطها -هذا المغرور- فهي أنه يزعم وقوفه على رسائل غرامية أورد فيها أشياء وكلها رسائل للغلمان مما نبهت عليه في المقدمة وفي تصحيحه لزهر الآداب وقع في نحو مائتين غلطة منها غلطات غاية في الجهل. وقال: "لو اطلعت على أغلاط زكي مبارك هذا في تصحيح زهر الآداب لأيقنت أنه حـ ... كبير وهو مع ذلك دكتور في الآداب. وقد كتب الرافعي مقالة "أبو حنيفة ولكن من غير فقه" عن زكي مبارك وفيها يقول: هل يبدأ الأدب العربي في عصرنا أم ينتهي؟ وهل تراه يعلو أو ينزل؟ وهل يستجمع أو ينفض؟ وهذه معاني لو ذهبت أفضلها لاقتحمت تاريخا طويلا أمر فيه بعظام مبعثرة في ثيابها لا في قبورها حتى أصبح أمر الأدب على أقبحه وهم يرونه أحسنه حتى قلب في الأسلوب، أسلوب تلغرافي، وفي الفصاحة عامية، وفي اللغة لغة الجرائد.

стр. 423

الرافعي يختلف مع أدباء مصر في آراء كثيرة فهو يعارض رأي هيكل في كتابه حياة محمد في "الإسراء" ويقول: إنما جاء١ بعد صدور الكتاب الفرنسي يقصد كتاب أميل در منجم, ولولا هذا الكتاب ما كتب هيكل في حياة الرسول حرفا, فهؤلاء قوم مستعمرون في عقولهم, ورأيه في الإسراء لا قيمة له بل هو ألفاظ فلسفية لا غير. وقال عن لطفي السيد: إنه فيلسوف سوفسطائي "أورد ذلك" في مقالاته عن طه حسين "تحت راية القرآن". وقال: إن أحمد أمين كان عضوا في لجنة الأزهر عام ١٩٢٨ التي حاكمت طه حسين وإنه الوحيد الذي كان يدافع عنه ويصحح ما في كتابه وإن طه حسين كافأه على ذلك بالعمل أستاذا في الجامعة٢ ووصف عبد الله عفيفي بأنه "شعرور". ومما ذكره الرافعي أن عنده نسخة من كليلة ودمنة "ليس مثلها عند أحد وما شئت من مثل هذا إلا وجدته فيها" وقد كتب فصولا منها عن طه حسين وعن العقاد. ٤- معركته مع عبد الله عفيفي: وقد دخل الرافعي معركة مع عبد الله عفيفي عندما كتب في مقتطف "نوفمبر ١٩٤٢" ينعى شوقي ويقول: "إن مصر أصبحت سيدة العالم العربي في الشعر وهي التي لم تذكر قديما في الأدب إلا بالنكتة والرقة وصناعات بديعية ملفقة ولم يستفض لها ذكر بنابغة وعبقري، وقال الرافعي: إن شوقي

стр. 424

لو كان مصريا لما تهيأت له الأسباب الفنية التي بلغت به مبلغه من الشعر لأن الطبيعة المصرية لا تساعد على إنضاج المواهب الشعرية". وقد رد عليه عبد الله عفيفي وفتح بابا في النقد في البلاغ تحت عنوان "مصر شاعرة" وحاول أن يثبت أن مصر لها تاريخ طويل في الشعر وكان الرافعي قد بدأ مقالاته على السفود في مجلة العصور بمقال عن عبد الله عفيفي شاعر الملك الذي نازعه صولجانه بعد أن اختلف الرافعي مع الإبراشي ناظر الخاصة الملكية إذ ذاك. وقد أراد الرافعي أن يضرب العقاد وطه حسين في النقد ضربة واحدة، وأتته الفرصة عندما أعلن طه حسين ١٩٣٤ أن أمير الشعراء بعد شوقي هو العقاد، كذلك قال الرافعي "مجلة الأسبوع". وليس لدي الآن نص كلام الدكتور ولا أنا أذكر ألفاظه بحروفها، ولكن الذي أذكره أني حين قرأته لم أبحث بين ألفاظه عن يقين المتكلم واقتناعه وحججه وأدلته بل بحثت فيه عن سخرية طه بالعقاد وبالشعراء جميعا في أسلوب كأسلوب تلك المرأة العربية في قصتها المعروفة حين قالت لرجال قومها في أبيات مشهورة: وإن أنتموا لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تغيب عن الكحل غير أن طه في سخريته كالذي يقول: فإن لم تثبتوا أن فيكم من استطاع أن يخلف شوقي فاصغروا واصغروا حتى يكون العقاد هو أميركم وبقي أن نتساءل لماذا لم تأت الشهادة يوم كان الدكتور طه عميدًا لكلية الآداب

стр. 425

وكان يومئذ امرأ لا يستزله الإكراه، ولماذا جاءت الشهادة وهو يحترف الصحافة؟ أترى لوكان العقاد من الحزب الوطني أو من الأحرار الدستوريين أو اتحاديا أو شعبيا أفتكون قولة طه يومئذ وفي انسلاخه الثاني وانقلابه وفديا أفتكون إلا ردا سياسيا على العقاد وشعره نفرة سياسية من هذا الشعر وعقاده". حقيقة رأي الرافعي في طه والعقاد ١: غير أن أحمد حسن الزيات كان قد استطاع أن يستل من الرافعي تصريحا عن حقيقة رأيه في طه حسين والعقاد ونشره بعد وفاة الرافعي. قال الرافعي للعقاد: أما ما كتبه في "على السفود" فأكثره رجس من عمل الشيطان وأما ما أدخلته "تحت راية القرآن" فكله إلهام من روح الله. ووصف طه حسين بقوله: ذهنه لماع الذكاء ولكنه لا ينفذ, وقريحته واسعة الحيلة ولكنها لا تخلق لذلك, تجده معسول الكلام لا أثر فيه لروعة الفن ولا لبراعة الفكرة ولكنه قوي الشخصية جياش الحركة عذب السياق جميل العرض، وهو أشبه الناس بمهندس العرض في بيوت التجارة، يعرض البضائع في البترينات منسقة على نظام يملك البصر ولكنها تظل بعد التنسيق كما كانت قبل التنسيق ملك غيره أو أحسبه إذا تنفس به العمر على هذا الحال يعود رجلا له رأي مسموع في التأديب, ولكن ليس له أثر خالد في الأدب, ويلوح لي أن طه

стр. 426

تعوزه العقيدة التي تخلق المبدأ ومن هنا كان التناقض الظاهر في كل ما يصدر عنه من قول أو فعل. ووصف العقاد بقوله: أما العقاد فإني أكرهه وأحترمه؛ أكرهه لأنه شديد الاعتداد بنفسه قليل الإنصاف لغيره, ولعله أعلم الناس بمكاني في الأدب ولكنه ينفس على قوة البيان فيتجاهلني حتى لا أجري معه في عنان.

стр. 427

الباب السابع: المعارك بين المجددين والمحافظين الفصل الأول: معارك الرافعي ... تعوزه العقيدة التي تخلق المبدأ ومن هنا كان التناقض الظاهر في كل ما يصدر عنه من قول أو فعل. ووصف العقاد بقوله: أما العقاد فإني أكرهه وأحترمه؛ أكرهه لأنه شديد الاعتداد بنفسه قليل الإنصاف لغيره, ولعله أعلم الناس بمكاني في الأدب ولكنه ينفس على قوة البيان فيتجاهلني حتى لا أجري معه في عنان.

стр. 428

الفصل الثاني: معركة فضل العرب على الحضارة بين طه حسين وأحمد زكي باشا وشكيب أرسلان: أثار البحث حول مكتبة الإسكندرية "وهل حرقها العرب" معركة حول فضل العرب على الحضارة. وذلك أن طه حسين، ترجم تقريرا كتبه المستشرق "بول كانوفا" ونشره في السياسة اليومية "٢ مايو ١٩٢٣" حول هذا الموضوع. وقد عرض طه حسين لأحمد زكي باشا "شيخ العروبة" وسخر من أنه أذاع بأن للعرب فضلا على الحضارة وسبقا فيها أجاب زكي باشا بأنه لم يطلق هذا إطلاقا، ودخل المعركة الأمير شكيب أرسلان حيث عرض لدور كتاب التقريب. وهذه ملامح المعركة: ١- طه حسين: لست أدري لماذا نبحث عن الظهر في الساعة الرابعة عشرة كما يقول الفرنسيون، فقد يخيل إلي أن من السهل أن نلتمس لهذه القصة أصلا تاريخيا لم يروه التاريخ، وما الذي يمنع أن تكون هناك خزانة كتب تحرقت أثناء فتح الإسكندرية دون أن يكون عمر قد أمر بتحريقها ودون أن يكون عمرو قد أحدث هذا التحريق. فإن أخذ المدن عنوة يستتبع أهوالا كثيرة من التحريق والتدمير, ذلك إلى أن هذا التأويل الذي أفترضه سهل معقول في نفسه لا يأباه المنطق ولا ينكره التاريخ. وأشار الدكتور طه إلى رأي المستشرق كازانوفا في قضية مكتبة الإسكندرية على النحو الذي أشار إليه ثم قال: المستشرقون إذن متعصبون للعرب وقد لا يكونون أقل تعصبا للعرب من صاحب السعادة أحمد زكي باشا الذي أذاع في الناس منذ سنين فكرة أن العرب سبقوا إلى كل شيء، ولا يوجد بين الشعوب شعب سبقهم إلى

стр. 429

إلى شيء، وظاهر أن هذا التعصب وما ينشأ عنه من الآراء الكثيرة المختلفة، هو أبعد الأشياء عن الشعور العلمي والمنهج العلمي في البحث والتحقيق. فإذا قامت مناهج البحث عن خزانة الإسكندرية وتمزيق العرب إياها على قاعدة التعصب للعرب والمسلمين أو على العرب والمسلمين فنحن واثقون بأمرين: الأول أن هذه المسألة لن تحل، والثاني أن القرون ستتعاقب قبل أن يفرغ الباحثون من الكلام الكثير. ٢- أحمد زكي باشا ١: إن الذي قلته وكررته وأيدته بالوقائع الثابتة ودعمته بالنصوص الصحيحة التاريخية المعهودة هو: أن العرب سبقوا الإفرنج إلى اختراع كتابة العميان. سبقوا الإفرنج إلى التفكير في حل مسألة الطيران وإلى محاولة ذلك بالفعل وإلى نقله من حيز العلم إلى حيز العمل. إن العرب سبقوا الإفرنج إلى التفكير في كشف أمريكا وأنهم حاولوا الوصول إليها مرتين بالفعل، وأولاهما من لشبونة عاصمة البرتغال وثانيهما من مدينة غانة بالسودان الغربي على ساحل المحيط الأطلنطي. إن العرب سبقوا الإفرنج إلى معرفة مرض النوم. إن العرب سبقوا الإفرنج إلى اكتشاف منابع النيل ووصفوها وصف شاهد العيان. إن العرب سبقوا الإفرنج إلى احتلال أمريكا وافتراض وجودها.

стр. 430

وكان ذلك بطريقة منطقية عقلية هي أفضل من التي اتبعها كرستوف كولوفب فإنه لم يكتشفها إلا بطريق الصدفة والاتفاق فإن نظريته التي شرحها للملكة إيزابلا الكاثوليكية بعد طرد العرب من غرناطة إنما كان الإمعان في السير غربا حتى يصل إلى بلاد الهند فلما وصل إلى أمريكا أسماها بلاد الهند الغربية وكان معه رجل من المسلمين الأندلسيين هو الرياش وقد وصفها لها وسماها "الهند الغربية". وإن كل أمة في الوجود لها فضل في الحضارة والعمران فهل يراد بنا أن نسكت عن مفاخر أجدادنا ونترك الميدان لغيرنا مثل العلامة سيديو الإفرنسي الذي أثبت أن اكتشاف أبو الوفا البوزجاتي فيما يتعلق باختلافات القمر وأثبت أن العلامة "تيخويراهما" الدنماركي إنما نقل أرقامه وحساباته بالنص والحرف. واعترف علماء الإفرنج لذلك الفلكي الإسلامي بالسبق إلى هذا الاكتشاف البديع فضلا عن الاكتشافات الأخرى. أم تريد أن نترك لغيرنا إظهار مفاخر أجدادنا١. ٣- شكيب أرسلان: لكل عصر شعوبية وإن شعوبية هذا العصر نفر من أدباء مصر لا تمر بهم فرص ينتقصون فيها فضل العرب ويغضون منزلتهم في التاريخ وينحتون من أثلة مدينتهم الشيهرة إلا توردوها مبتهجين، ولا يرون للعرب عورة من العورات إلا تهافتوا على إظهارها. من هذه الطائفة من يطعن في العرب جهارًا دون مواربة مثل سلامة موسى الذي يكتب في الهلال والذي زعم أن العرب بدو هجموا على المدنيات

стр. 431

الرومانية والإغريقية, وهذا النوع من العداء أقل خطرًا وأجدر بأن لا يباليه أحد لأنه كلام ساقط عن نفسه ومن محاسن العرب أن يكون أعداؤهم -مثل سلامة موسى- إباحية يدعون إلى اختلاط الأنساب ولا يرون بأسًا من أن يعرف المولود بأبيه وهي الشناعة. ومن هذه الطائفة من تراه يضيق صدره -كأنما يصعد إلى السماء- إذا سمع كلمة خير في العرب أو قرأ عبارة توفر لهم قسطهم من المجد، وقد قامت قيامة طه حسين على أحمد زكي باشا بزعمه أن الأستاذ المشار إليه قال إن مدينة العرب فوق كل مدينة مع أنه لم يقل ذلك, وكيف كان يقول لو قال أحمد زكي باشا: كلما كان الإنسان عريبا كان أقرب إلى البشرية، كما يقول الفرنسيس -ولا يكبر ذلك طه حسين- كلما كان الإنسان إفرنسيا كان أعرق في البشرية" أو كما يقول الألماني "ألمانيا فوق كل شيء" وهلم جرا، فلا نتحرج صدور هؤلاء إلا إذا كان الإعجاب بالعرب، ولعمري لو قال أحمد زكي باشا إن مدنية العرب فوق كل مدنية بالنسبة إلى القرون الوسطى -أي إلى الوقت الذي ظهرت فيه- لم يكن كاذبًا لكان ظهيره التاريخ العام كما يعلم في مدارس أوربا١. ولا يعيب أنهم في القرون الوسطى لم تكن مدنيتهم أعلى من مدنية أوربا اليوم بعد القرون الوسطى ينحو تسعمائة سنة وألف سنة من البديهي أن الآخر بطبيعة الحال يعلم ما لا يعلمه الأول. نعم، لا يعيب السلف أن يكون الخلف أعلم منهم وإنما يعيب السلف أن يكونوا قعدوا عن النهوض بالواجب عليهم ولكن طه حسين أذنه صماء عن الفحشاء.

стр. 432

فلا يجب أن يسمع هذا اللغو الذي هو مدح العرب وسبحان من جمع بين عمى البصائر وعمى الأبصار وأولهما أشد وأدهى. يعلم الله أننا كنا نحب أن لا نستعمل لهذه الطائفة مثل هذه الألفاظ ولكن وقاحتهم على الوطن والدين واللغة والإخلاص والصيانة والقومية، وما أشد ذلك تجاوزت حدها فأصبح من الواجب على كتاب الوقت أن يضعوهم حيث وضعوا أنفسهم وأن يصبوا السخن على هذه الجراثيم الفاسدة للتخلص من سر عدواها. ومنهم من لا تصل به الحماقة إلى هذا الحد، ولكنه ينقب في الكتب والآثار حتى إذا وجد كلمة يقدر أن يغمز بها العرب ولو من طرف خفي وقع عليها وأخذ يستنتج ويقيس ويذهب إلى بعيد، وكان مرماهم الأصلي هو سلب العرب محاسنهم التي حلا بها التاريخ، فإن لم يمكن سلبهم بعضها وأي شيء وجده في هذ المعنى عدوه ربحا. فترى الواحد منهم يذكر فلاسفة العرب وأطباءهم أو الكمياويين منهم وهو يشير إلى أن هذا كان نصرانيا وذاك يهوديا وذاك صابئا أو حرانيا, على أن هؤلاء العلماء كلهم بعد أن كتبوا مؤلفاتهم بالعربية لم تعرفهم الدنيا إلا عربًا. والتحامل كل التحامل هو قول بعضهم أن العرب كانت علومهم كلها مبنية على الأسلوب الغيبي وأنهم لم يعرفوا التجربة في العلم, كلمات ينقلونها عن بعض المؤلفين الأوروبيين الذين لا يريدون أن يعترفوا بفضل الشرقيين، أو بعض مؤلفيهم الذين لم يفهموا تاريخ العرب حق الفهم. ومن الغريب أن هذه الفئة إذا حاجها الإنسان بأقوال وشواهد من أناس من المستشرقين الأوروبيين كان جوابهم أن المستشرقين هؤلاء من دأبهم المبالغة وهم لتعلمهم اللغة العربية أحبوها وصاروا يزينون كل شيء عربي.

стр. 433

فإذا ما عثر على رواية تنقص من فضل العرب في كلام مستشرقي الإفرنجة أسرعوا إلى نقلها وعدوها آية منزلة وبنوا عليها أحكاما طويلة عريضة، ونسوا أن المستشرقين الذين يكرهون العرب ويشنئون العالم الإسلامي هم أكثر عددا من المستشرقين المحبين، فهم يحرمونه عاما ويحلونه عامًا. وليس من عربي عاقل يحب أن ينحل العرب ذرة مما لم يعملوه، ولا أن يمدحهم بالكذب، ولكن أليس من عربي عاقل يرضى بأن فئة مريضة من أهل هذا الزمان تهجم على مدنية العرب التي اتفق على عظمتها المشرق والمغرب وتحاول أن تحط من قدرها وأن تطفئ من نورها بأفواهها. أما إن علوم العرب كانت نظرية تخمينية ليس لها حظ من التجربة العلمية فهذا خلاف ما عليه الجمهور ممن اشتغلوا بتاريخ حضارة العرب، ارجع إلى مقال الدكتور محمد شرف في السياسة الأسبوعية عن الحضارة الإسلامية وفضلها على العلوم الطبية.

стр. 434

الفصل الثالث: الدين والمدينة ... الفصل الثالث: الدين والمدنية بين محمود عزمي وعلماء الأزهر: محمود عزمي، التغريب ١: أثار "محمود عزمي" معركة فكرية بمناسبة إعداد الدستور المصري عام ١٩٢٢ حيث دعا إلى اعتبار "القومية المصرية" وحدها أساسًا لتقرير حقوق المصريين وواجباتهم العامة والمطالبة بتوحد التشريع والقضاء وجعلهما مدنيين في الأحوال الشخصية كما في المعاملات وقد جرى هذا السجال في جريدة الأهرام "يونيه ١٩٢٢" واشترك فيه كثيرون منهم: محمد هلال الإبياري وعبد ربه مفتاح. ولم يتوقف محمود عزمي عن آرائه ولكنه استنبطها بحثه طوال حياته الفكرية. نريد أن تكون القومية المصرية وحدها أساسًا لحياتنا العامة, نريد أن تكون القومية المصرية بارزة كتلة واحدة. تسمح التقاليد الدينية بتزويج المسلم من الكتابية، فتسمح بهذا بدخول العنصر المسلم إلى حظيرة الأسرة الكتابية، ولكن هذه التقاليد نفسها تأبى أن تتزوج مسلمة من كتابي فيجعل باب الأسرة المسلمة محكم الإغلاق في وجه الكتابيين جميعًا. نحن أول من يتقدم بكل قلبه مطالبا بالمظاهر المدنية البحتة لحياتنا العامة جميعًا، في أسرتنا وفي تعليمنا وفي تفكيرنا وفي قضائنا. لا نريد غير قواعد واحدة للزواج, ولا نريد غير محاكم واحدة للفصل في كل أنواع المنازعات, ولا نريد أن يكون -خاصة في مدارسنا- مظهر لخلاف بين التلاميذ في العقيدة.

стр. 435

لا نريد غير الوحدة القومية للتشريع وغرضنا للتشريع ولا نريد أن يكون في تصرفاتنا العامة مظهر لغير القومية وغير الامتزاج الحقيقي لجميع عناصر الوحدة المصرية. فكوا عنا تلك الأغلال التي تريد أن تقيد فكرنا وعواطفنا وتقيد أعمالنا بدعوى أنها منزلة خالدة. محمد هلال الإبياري؛ مدنية القوانين جميعا ١: كيف يعقل أن يكلف أهل الأديان عامة في قطر من الأقطار أن يدعوا عقائدهم وأديانهم جانبا ونلزمهم باستبدالها بقوانين وضعية يستنبطونها بعقولهم وأفكارهم مع ما يعلمه كل واحد منا من أن العقول البشرية لا يمكنها أن تستقل وحدها بعلم المصالح والمفاسد التي يربط بها الشقاء والسعادة. كان على الأستاذ أن لا يخاطر بالأديان هذه المخاطرة وأن لا يغامر بها هذه المغامرة حتى يدعو الناس إلى هذه التجربة الخطيرة فيدعوهم إلى التخلص من دياناتهم لمجرد ظنه أنها قيود عتيقة تقيد العواطف والأفكار بدعوى أنها منزلة خالدة. هذا هو ما يقوله في ترويج تلك التجربة الخطيرة مدعيا أن من وراء العمل بها إسعاد الأمة وحفظ الوحدة وهو خيال إذ لو تجرد الناس عن أديانهم والتجئوا إلى ما توحيه إليهم عقولهم من السبل والوسائل في التشريع لأصبحت الأمة في فوضى خلقية. ويئن الأستاذ ويتضجر من الأديان ويجعلها قيودا ثقيلة ويطلب إلى الأمة التخلص منها ويقرر أن كونها منزلة خالدة دعوى من الدعاوي.

стр. 436

عبد ربه مفتاح؛ إلى عصبة الملاحدة ١: لقد فتح دين الإسلام أبواب الكمال في وجه القراء، وأماط لها الستار عن سبل السعادة وقرر حقوق البشرية على وجه الشركة وأتى على بنيان الاستبداد من أساسه. فما بال هؤلاء الناس يريدون أن لا نكون كالأمم الحية والدول القائمة بل ما بالهم يريدون أن لا يكونوا في دائرة البشرية، بل كلما جذبناهم إلى نوعنا استعصوا وأبوا ألا يشتركوا معنا في الجنس. أروني يا زعماء الزندقة عقلية عند مشرعيكم ونظما عند مقننيكم ينطق بهذا اللسان وإنصاف يقرب لا أن يساوي هذا الإنصاف، وروحا يدنو من هذا الروح. بين زكي مبارك ومحمود عزمي: "كتب زكي مبارك في كتابه "ليلى المريضة بالعراق" يناقش آراء محمود عزمي". لما ذهب٢ إلى بغداد قال: إن الخلاف بين السنة والشيعة ينتهي في حالة واحدة "هو الإسلام: ولو خرج العراقيون من دينهم ورجعوا إلى الفطرة لزالت أسباب هذا الخلاف". قال زكي مبارك "والحكاية غريبة، ولكن وقوعها من الأستاذ عزمي غير مستحيل، فلهذا الرجل سوابق من هذا النوع, وهو الكاتب الوحيد الذي اعترض على أن ينص في الدستور على أن دين الدولة المصرية هو "الإسلام" وكان يسميه النص المشئوم في كلمات نشرها بجريدة الأهرام وجريدة الاستقلال.

стр. 437

وهناك سابقة ثالثة وقعت يوم كنا في باريس, فقد أثنى عليه الدكتور بشر فارس في أحد المحافل وقال: إنه يريد أن يكون الإسلام إسلامًا, فاعترض الأستاذ عزمي قائلا: أنا ما يهمني أن يكون الإسلام إسلامًا. ولم يكن عزمي أول من أشاد بالارتداد عن الإسلام لتنقية الفطرة من أوهام المحترفين من أتباع الدين, فقد سبقه إلى ذلك الأستاذ محمد فريد وجدي ولكن فريد وجدي يقبل منه كل شيء لأنه قضى حياته في الدفاع عن الشريعة الإسلامية, أما محمود عزمي فرجل يعلن أن إيمانه مقصور على الحقائق التي يؤيدها العلم الحديث, ومن أجل هذا يقع هجومه على الإسلام موقعا غير مقبول.

стр. 438

الفصل الرابع: التغريب بين حسين فوزي وسعيد العريان: صدر الدكتور حسين فوزي كتابه "سندباد عصري" بهذه العبارة: "درجت على حب الغرب والإعجاب بحضارة الغرب، وقضيت أهم أدوار التكوين من عمري في أوربا, فتمكنت أواصر حبي وتقوت دعائم إعجابي, فلما ذهبت إلى الشرق، عدت إلى بلادي وقد استحال الحب والإعجاب إيمانا بكل ما هو غربي". ورد سعيد العريان عليه يقول: "إني لأبيح لنفسي وقد قرأت الكتاب وحللت صداه في نفسي، أن اقتحم على قدس هذا الرأي في نفس الدكتور حسين فوزي، فأزعم أنه مؤمن بالشرق وما فيه إيمان الرأي والعقيدة والدم الموروث. وما هذا الرأي الذي يجهر به إلا صدى معكوس لبعض هذا الإيمان، أنشأه في نفسه إحساس قوي بمحبة هذا الشرق، ورغبة غالية في إنهاضه، وأسف بالغ لما صار إليه، ثم ثورة فاترة في أعماقه على أكثر ما يرى ويحس من عادات الشرقيين وتقاليدهم، فلما هم أن يصيح صيحته قائلا: "يا بني قومي، ليست هذه روحانية الشرق وليست هذه مفاخره" عقه البيان فلم يجد إلا هذه العبارة التي صدر بها كتابه يترجم عن ذات نفسه في لغة من لغات الغرب الذي تعلم فيه فتكلم بلسانه، على أن هذا الشرق الذي رآه الدكتور حسين فوزي بعينيه ليس هو الشرق الذي ندعو إلى إحياء مجده وتجديد حضارته، إن للشرق حضارة أخرى لا تجتليها العين ولا تدركها المشاهدة، فقد درست معالم هذه الحضارة فلم يبق منها فيما تراه العين إلا أرض وناس، وتاريخ يتحدث عن ماض

стр. 439

يخزي من ذكره حاضره وليس الشرق هو هذا الهند الغارق في العبودية والأسر والهوان ولا هذه الجزر المبعثرة بين شواطئ المحيط الهندي والبحر الأحمر، ولكن الشرق معنى عام إن لم يبد اليوم لعينيه فيما شاهد من نوى، وآثار وحجارة مركومة، فإنه حريا أن يشرق في نفسه معناه أنه حاول أن ينفذ بعينيه إلى ما وراء ما يرى من آثار وحجارة وناس.

стр. 440

الفصل الخامس: حقوق المرأة مساجلة بين رشيد رضا ومحمود عزمي: هذه واحدة من مساجلات المجددين والمحافظين, موضوعها هل يجب مساواة المرأة بالرجل في الحقوق والوجبات؟ وهي محاضرة ألقاها الدكتور محمود عزمي ورواها ورد عليها الشيخ رشيد رضا وكان معارضا لكثير مما أورده عزمي. قال عزمي: ما كنت أحسب وقد ملأت الدنيا أنباء الفضليات من النساء اللاتي يضربن الآن بسهم وافر في مختلف نواحي النشاط البشري والواقي، وفي الملك الدستوري النابه، في إدارة شئون الدول, ولا يزال يطن في آذاننا جميعا دوي تلك الجهود الهائلة التي قام بها النساء خلال الحرب العالمية وقد استحلن عمال خشنين يبرزن على الرجال في المعامل والمصانع المدنية فيها والعسكرية. وقد تناول الشيخ رشيد رضا رواية المساجلة بقلمه: خطاب١ الدكتور محمود عزمي، كان مكتوبا بالأسلوب الخطابي الذي يقصد به التأثير بخلابة القول وما يزينها من المعاني الشعرية, ولعله ينشره في بعض الجرائد اليومية التي يثبت فيها دعابته وآراءه وقد بدأه بقضايا ظن أنها كليات لأشكال منطقية يلزم من تسليمها النتيجة المطلوبة, والحق أنها في عرف المنطق الصحيح إما شخصية وإما جزئية لا يصح تأليف الأشكال المنتجة منها، وأن ما قد يضاف إليها من الكليات لا يمكن أن تكون مسلمة فيحتج بنتيجتها، وقد سماها منطقية وهي تسمية مردودة عند من له إلماما بعلم المنطق وما في باب الحجة والقياس من الشروط في تأليف الأشكال المنتجة للبرهان. ذلك أنه ذكر أسماء بعض النساء في أوربا وفي الشرق من معاصرات

стр. 441

وغابرات كمدام كوري وملكة هولندا وأميرة لكسبورج وخالدة أديب والأميرة نازلي وهدى ومي وسيزانبراوي. فالقضايا التي تتركب من هذه الأسماء تسمى في المنطق قضايا شخصية لا يصح أن يتألف عنها منفردة ولا مجتمعة قياس برهاني على وجوب مساواة النساء والرجال في جميع الحقوق والواجبات، وذكر أيضا بعض أعمال النساء العامة في أوربا وما كان من جهودهن في إبان الحرب العظمى. وهؤلاء وإن كن كثيرات فإنه لا يصح الاحتجاج بهن على المطلوب لأنها جزئيات لم تصل إلى حد الاستقراء التام الذي يفيد البرهان اليقيني. وما زال يقول "وما كنت أحسب" ويذكر جملا حالية معروفة حتى جاء بإتمام الجملة فقال: "ما كنت أحسب وكل هذه الظروف تكتنفنا أن وجود تسوية المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات يمكن أن يكون محل مناظرة" لأنها في رأيه كانت يوم قال بها الأستاذ لاند خيالا من الخيالات ولأنها أصبحت اليوم بدهية من البدهيات, وحقيقة من الحقائق العلمية التي لا يماري فيها إنسان. وبعد إلقاء الدكتور عزمي لهذه المقدمات العقيمة شرع في بيان الحقوق فقال إن أولها حق الوجود واستنشاق الهواء كالرجل لأنها كائن موجود مثله سواء, وإن النتيجة المنطقية لذلك تمزيق الحجاب وهتك الستر والاختلاط مع الرجال في كل مجال فهو القاعدة الأولى لحق الوجود. وأفاض في مدح هذا الاختلاط وعده من مهذبات الرجل في ملبسه وزينته وكلامه وتفكيره. واستشهد على ذلك برحلته الأخيرة إلى فرنسا فذكر أنه كان يحلق ذقنه كل مرة أو مرتين لأجل الاجتماع بالنساء وذكر أيضا من مزايا هذا الاجتماع

стр. 442

بهن، التفكير الطاهر البريء، وانتقل منه إلى حق الحياة في المجتمع ومنه أن يكون لها حق اختيار الزوج، وحق الطلاق، واتقاء ما يهدد حياتها من عواصف تعدد الزوجات وقفى عليه بحق الاشتراك مع الرجل في تربية الأولاد وتوجيه أنفسهم إلى الأعمال، وعطف على هذا حق الامتلاك بالإرث والكسب فارتطم ههنا في حمأة مصادمة الشرع، إذ زعم أنه يجب مساواة الأنثى للذكر في الإرث فكان كعاصفة على البحر اضطرب جمهور الموجودين اضطراب الموج، واصطخبوا اصطخابة عندما يتكسر على الصخر وأرادوا منعه من الكلام. ولما أمكن إتمام القول التجأ إلى التأويل فزعم أن مسألة الإرث عند كثير من علماء الشرع ليست كمسائل العبادات التي تجب المحافظة عليها والجمود على نصوصها بل هي من مسائل المعاملات المالية التي يجوز تعديلها وتغييرها حسب تطور الزمان والمكان. وقال: وإذا تعنت معنا أصحاب الجمود على الآراء الدينية فلماذا لا يتفيئون في تعدي قواعد الحدود الشرعية كالرجم، وقطع يد السارق؟ فإن الحدود قد عطلت وهم ساكتون فليسكتوا إذن على تغيير أحكام الميراث. والدليل على أن هذه الأحكام لا يمكن الاستمرار عليها أن المسلمين أنفسهم قد شعروا بذلك فرأوا الخروج من هذا الجمود بالوقف الذي هو عبارة عن حيلة يجيزها الإسلام الصحيح للخروج من الشيء إلى ما هو أوسع منه وقد جزم بأن أبناءنا سيرون هذا التغير إن لم نره نحن. وختم هذه الحقوق بالحق السياسي وهو أنه لما كانت المرأة عنده كالرجل من كل وجه وجب أن يكون لها الحق في جميع أعمال الحكومة ووظائفها والانتخاب لمجالسها وقد حال انتهاء مدة كلامه دون إفاضة فيها

стр. 443

فسكت سكوتا مسخوطا عليه من الأكثرين, وصفق له الأقلون، وقد علمت بعد الخروج أن أكثرهم من غير المسلمين وأقل من ملاحدتهم. ٢- قلت١ فيما ذكره الخضم من المقدمات من نابغات النساء أن المرأة إنسان فلا يستنكر أن يظهر في بعض النسوة عالمات فاضلات ومهذبات نابغات، وأن وجود من ذكرهن دليلا على مساواتهن للنابغين من الرجال على قلة أولئك وكثرة هؤلاء، وأن سياسة الأميرة نازلي لا تسمو فتصل إلى سياسة سعد باشا وإن زعم أن اجتماعات قصرها كانت هي العاملة في تكييف ملكات التفكير العام عنده. وإنما الفضل الأول لتكوين ملكات التفكير في عقل سعد هو الأستاذ الإمام ثم قلت منها ما سماه "حق الوجود واستنشاق الهواء" أنه ثابت بنفسه في الواقع وخلق الخالق فالكلام فيه من تحصيل الحاصل فلا يحتاج وجود النساء إلى إثبات الخطيب له بالدلائل فالنساء موجودات بدون حاجة إليه، إنما الباطل هو استدلاله به على وجوب تمزيق المرأة للحجاب والستور الذي يعبر عنه بالسفور واختلاط النساء بالرجال الذي ذقنا مرارته وتجرعنا غصصه، بخروجهن كاسيات عاريات يسبحن مع الرجل على شواطئ البحار ويرقصن معه في مواخير الفساد. أما حق المرأة في التعلم فقد قلت فيه: إن الله تعالى فرض طلب العلم على النساء كما فرضه على الرجال فهو واجب عليهن في الدين وحق لهن على الوالدين والأولياء, ومن العلم ما هو واجب عيني على الصنفين وما هو واجب كفائي ومنه ما هو واجب عيني على أحدهما دون الآخر كالأحكام

стр. 444

الخاصة بالنساء فيما هو خاص بطبيعتهن كبعض أحكام الطهارة المعروفة. فكل علم تنتفع به المرأة في تهذيب نفسها وتربية أولادها وتدبير مغزلها فهو حق مشروع وقد جعل الشرع لها حق حضانة الأطفال دون الرجل. قلت: وما ظلم النساء من ظلمهن من الرجال إلا بسبب امتهان الأقوياء غير المهذبين بتهذيب الدين للضعفاء, وذلك شأن كل قوي غير مهذب من ذكر أو أنثى هو من هو أضعف منه حتى الوالدين مع الأولاد، والعلم قوة يحترم التسليح بها بالطبع فتعلم النساء العلم الصحيح النافع يثمر لهن احترام أزواجهن وغير أزواجهن. أما حق الحياة في المجتمع فقد بينت حكم الشرع فيما ذكره منه وهو حق اختيار الزوج وحق الطلاق كالرجل وحق صيانة نفسها من ضرر تعدد الزوجات. قلت: إن الرضى بالزوج حق شرعي قررته السنة الصحيحة للمرأة وإن من قال من الفقهاء بجواز إجبار الأب لبنته البكر على الزواج فقد اشترطوا له شروطا له ولصحته شروطا منها الكفاءة وعدم العداوة الظاهرة بينه وبين الولي وعدم العداوة الظاهرة أو الباطنة بينها وبين الرجل الذي يراد تروجها به. أما الطلاق فلو جعل حقا مطلقا للنساء كالرجال لفسدت البيوت وانقطع سلك نظام العائلات بالإفراط فيه كما تحدثنا الصحف عن أعظم أمم الغرب مدنية أن للمرأة أن تشترط في عقد النكاح أن يكون أمرها بيدها وهذا الشرط يعطيها حق تطليق نفسها. أما حق الامتلاك للنساء كالرجال فالشرع الإسلامي فيه أوسع الشرائع

стр. 445

وأرحمها ومن رحمته وحكمته أحكام الإرث وقد تكلمت في ذلك حتى أسكتني الرئيس بانتهاء الوقت. ٣- ومع١ أن بعض الجرائد الإفرنجية انتصرت للأستاذ محمود عزمي وطعنت على الجمهور الذي أيدني بما يطعن به الإفرنج على كل مسلم معتصم بدينه -مع هذا وذاك- لا أزال مصرا على ما كتبه من إعجابي بحرية الرجل وصراحته وإنصافه فيما صرح به أمامي فيما قلت من الرد عليه ومنه قوله لي: "إننا نبالغ فيما نطلب للنساء من الحقوق في مقابلة ما نعلم من مبالغة رجال الدين في هضم حقوقهن لنصل إلى الاعتدال الذي يقول به مثلك، نعم لقد أكبرت من إنصافه في هذا المقال وزاد عجبي به ما علمته من أنه قال هذا في مجالس أخرى.

стр. 446

الفصل السادس: معركة حول التراث القديم بين زكي مبارك والسباعي بيومي: هذه معركة من أقسى المعارك التي خاضها الدكتور زكي مبارك، ولأول مرة صادفته الهزيمة إذ واجه لأول مرة ألد وأقسى وعنفا أشد من مناظرة الأستاذ السباعي بيومي الذي كان قوي العارضة في مواجهة سجال زكي مبارك مما حمله على أن يفر سريعا من المعركة ويلجأ إلى الصلح. زكي مبارك؛ الهجوم الآثم على المرصفي: إلى ١ الأستاذ سباعي بيومي: نشرت الرسالة كلمة بإمضاء "محمد فهيم عبيد" عن كلام وقع منك وأنت تحاضر عن "المبرد" بمدرسة دار العلوم فقد تحدثت عن أخلاق الشيخ سيد المرصفي بما لا يليق، فإن كان ذلك الكلام لم يقع منك فانفه في العدد المقبل، وإن كان وقع منك فسارع إلى الاعتذار، إبقاء على ما بيني وبينك من وداد، فما أستطيع السكوت عن رجل يتعرض لأخلاق الشيخ سيد المرصفي بسوء ولو كان من أعز الأصدقاء. وإلى أن يثبت أن الراوي افترى عليك، أعلن غضبي على ما بدر منك، فقد كنت أظن أنك تعرف الشيخ سيد المرصفي له تلاميذ يحفظون عهد الوثيق وسنرى كيف تجيب، وإن كانت في العدوان على ذلك الرجل العظيم من الأبرياء. وفي نفس العدد من الرسالة نشر كلام لطلاب من دار العلوم يقولون فيه: "أن الأستاذ السباعي لم يقل عن المرصفي إلا أنه كان يملكه الغرور، والمرصفي ذلك يسجل ذلك على نفسه في كل ما كتب.

стр. 447

ثم عاد زكي مبارك فكتب في الرسالة ٣ فبراير ١٩٤١ تحت عنوان "الهجوم الآثم على الشيخ سيد المرصفي" يقول: كثرت الخطابات التي ترد إلى تحقيق ما ادعاه الأستاذ السباعي بيومي في حق الشيخ المرصفي، وكنت أغفلت الموضوع عن عمد لأن الأستاذ السباعي له حقوق، فقد كان دئمًا من أنصاري ولم آخذ عليه ما يريب. ولأن مقام الشيخ المرصفي أقوى من أن يهدم بكلمة جراحة تساق إليه في إحدى المحاضرات. ولكن سكوت الأزهريين عن الانتصاف للشيخ المرصفي أزعجني وكنت أرجو أن يكونوا دروعا واقية لذلك الشيخ الجليل، وهو رجل لم ير مثله الأزهر منذ أجيال طوال. فماذا أصنع؟ سأنقل القصة من وضع إلى وضع فأصيرها قضية أدبية لا قضية شخصية، وأبين أن السباعي بيومي يستر جنايته على "المبرد" بجنايته على "المرصفي". ولكن كيف؟ سيرى صديقنا السباعي أن تهذيب الكامل لم يكن إلا جناية أدبية. وسيعرف أن التطاول على مقام الشيخ المرصفي لا يذهب بلا عقاب. "السباعي ١ بيومي: خصومة أدبية": استهل السباعي بيومي كلامه بقوله: "ما أحبها إلى نفسي خصومة أدبية تقوم على صفحات الرسالة بيني وبين صديقي الدكتور زكي مبارك، فإن الخصومات الأدبية للمتخاصمين

стр. 448

مجالا واسعًا للبحث والتدقيق, ولحضرات القارئين مجالا أوسع للموازنة والتحكيم. ثم أشار الكاتب إلى أنه ألقى محاضرة في دار العلوم عن أسلوب المبرد في كامله ثم ذكر أن طالبا تحدث بعد المحاضرة فرمى المبرد بالغرور والادعاء ثم ذكر أنه دافع عن المبرد, وتطرق الكلام إلى المرصفي لأنه هو شارح كتاب "الكامل" للمبرد فأشار إلى أن مؤلفات المرصفي هي التي تنم عن خلق الغرور والادعاء فيه وأن ذلك يظهر في شرح الكامل وفي ديوان الحماسة, وقال السباعي: وإنه لتأصل هذا الخلق فيه كان شديد التحامل على المبرد والتشهير به فيما يظن أن المبرد أخطأ فيه. ثم قال: وكم كنا نتمنى للشيخ المرصفي أن يجرد علمه من غروره ويسبل على تأليفه ثوبا ضافيا من التواضع والاعتدال حتى يكون ذلك أبين لفضله وأدل على نبله. ثم أشار إلى أن هذا الكلام قد حرف بما وصف بأنه رمى المرصفي "بكثير من الأخلاق الذميمة ... إلخ". وقال: وما كان مني عن الشيخ المرصفي -علم الله- إلا أسفي على ما خالط مؤلفاته من غرور وادعاء وتطاول على المبرد في أسلوب غير حميد ومازلت معتقدًا هذا رضي الدكتور "مبارك" أم سخط. ثم قال "هذا يا صديقي الدكتور هو الأمر الأصيل على جبلته وقد بسطه موضوعا في نصابه مقررًا على وجهه، لا كما تطايرت به الإشاعات. وقديمًا قالوا: وما آفة الأخبار إلا رواتها. أما قولك: "وإلى أن يثبت أن الراوي افترى عليك أعلن غضبي على

стр. 449

ما بدر منك "فسبحانك اللهم وتعاليت" فما كان لأحد أن يقول: ﴿مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ إلا أنت. زكي مبارك ١: هذه طلائع لغزوة شريفة تنقل عقل الأستاذ السباعي من وضع إلى وضع، وذلك فضلي عليه، إني أصفح عنه أو يشتغل محررًا متطوعا بمجلة الرسالة ثلاث سنين كما قهرت أخا له من قبل على أن يشتغل محررًا متطوعا بجريدة البلاغ، هي محنة صبت من شاهق على الأستاذ السباعي فليتحملها صابرًا وليوطن نفسه على أن الخصومة بيني وبينه لن تنتهي قبل شهر مايو وهو الموعد الذي حدده الشيخ الأسيوطي لنهاية الحرب بين الإنجليز والألمان. وكيف يخيفني تهديد الأستاذ السباعي وليس في ماضيه الأدبي غير نقل نصوص كتاب الكامل من مكان إلى مكان وتلك مهمة يقوم بها أحد النساخين بدراهم معدودات. أمثلي يخاف من عواقب الجهر بكلمة الحق وقد قضيت دهري ممتحنا بعدوات الرجال. لقد تلطفت معه أكثر مما يجب، ولم يحفظ عملي، فكيف يراني أعطف عليه وقد تردى بثوب العقوق. السباعي بيومي ٢: جعلت كلمتك "الهجوم الآثم" على الشيخ سيد المرصفي وهذا أمر غبت عنه،

стр. 450

ولم تشهده فكيف أقدمت عليه قبل أن يتجلى لك، وإذا سوغك تتطاولك أن تسميه هجوما فكيف وصفته متسرعا بالإثم فكنت الآثم بما وصفت. وتزعم أن الخطابات قد كثرت عليك في تحقيق ما ادعيته علي من حق الشيخ المرصفي وأنا أجزم قاطعًا وأحلف غير حانث، أنه لا خطابات، وتقول: وكنت -أي لولا تلك الخطابات- قد أغفلت هذا الموضوع عن عمد، لأن الأستاذ السباعي له علي حقوق" وما كنت أفهم إلا أن تلك الحقوق هي حقوق الصداقة، فإني لا زلت بها حفيا وعليها حريصا، ولكنك جعلتها يا صديقي "إنني كنت دائما من أنصارك" وليس لمثلي أن ينخدع بخدعة الصبي هذه تسوقها إليه، فالحقيقة المرة التي أسمعك إياها الآن بعد أن طغيت زمنا ولم ترد، إنك ما كنت في يوم زعيما في الأدب حتى يصح أن يكون لك أنصار. وإنما زعامتك نسج عنكبوت حكته من حولك وتركك الناس تلهو به وتلعب، ثم زدت هذه العلة أخرى تقول فيها "ولأن مقام الشيخ المرصفي أقوى من أن يهدم بكلمة جارحة تساق إليه في إحدى المحاضرات وأني أحذرك جريئا على تحذيرك إن كنت تريدها خصومة أدبية بيني وبينك أن تترك الآن الشيخ المرصفي فإن التحكك به لن يغني عنك في الموضوع شيئا، وإذا ما صفي الحساب بيننا عدت أبين لك أن مكانة الشيخ المرصفي لا تعلو في النقد، وأن الذي يصفه ببعض ما وصف به المبرد لا يكون قد عدا الحقيقة ولا تعدى على السلف الصالح، فإن المبرد على أي حال أعلم من المرصفي علما وآدب منه أدبا، ثم هو أدخل في السلفية الصالحة دخولا. "وأشار إلى ما ذكره زكي مبارك من سكوت الأزهريين على الانتصار للمرصفي" ثم قال: إن عبارتك هذه من باب الاستعداد الذليل والملق الرخيص الذي ينقص منك ولا يزيد فيك, وقد فاتك أن الأزهريين

стр. 451

يقدسون حرية البحث في دراساتهم أول ما يقدسون وأنهم يرثون المبرد قبل أن يرثوا المرصفي. وإنني بهذه الخصومة لجد مسرور، أتدري لماذا؟ لأني سأعرضك فيها للجمهور على حقيقتك التي غشيتها ما غشيتها وتسامح الناس معك فيها ما تسامحوا وسيكون أول كشف لك فيما عملت واقعا على كتاب "زهر الآداب" لأنه دون سائر أعمالك أشبهَ بما عملت في تهذيب الكامل الذي عددته جناية أدبية. أما قولك بأن "قول الحق لم يدع لي صديقًا" فإن الذي لم يدع لك صديقًا هو دأبك على الباطل في كثير مما تبحث وبغيك على حق الصديق في جل ما تنقد حتى لقد أقللت وأمللت. زكي مبارك ١: عرض زكي مبارك لأشياء كثيرة فقد اتهم السباعي بأنه سرق منه نظرية من كتابه "النثر الفني" عن نشأة المقامات وقال: إنه كتم سرقته أربع سنوات "لأني أشعر بالارتياح كلما تذكرت أن عندي ذخائر يتطلع إليها الناهبون من الفضلاء. وأشار إلى أن الدكتور طه حسين هاجم دار العلوم وقال: إنها مدرسة عاقر ومن الموجب أن تغلق دون تسويف فلم يتحرك الأستاذ السباعي ولم يغضب "وكيف يغضب والدكتور طه رجل يضر وينفع، وهو يملك المحو

стр. 452

والإثبات من أعضاء بعض اللجان بوزارة المعارف، وقال: "أما الشيخ سيد المرصفي فهو اليوم جسد هامد لا يملك دفع الضرر عن سمعته" مات المرصفي ولكن تلاميذه أحياء والويل كل الويل لمن يتعرض لشيخنا العظيم بكلمة سوء. ثم أشار إلى أن السباعي أخرج كتابا سماه "تهذيب الكامل" في جزأين أولهما في المنشور والثاني في المنظوم، ومعنى ذلك أنه قدم وأخر في نصوص الكامل فهل يرى القراء أن هذا عمل مطلوب؟ وهل يرون أن المبرد كان يعز عليه أن يصنف كتابه على هذا الوضع لو أراد؟ المبرد راوح بين المنثور والمنظوم لحكمة تعليمية، هي نقل الذهن من فن إلى فن ليبعد عنه السآمة والملال وقد أضاع السباعي تلك الحكمة التعليمية بصنيعه "الجميل". وقال: إن السباعي ارد المرصفي وكتابه "شرح الكامل" من دخول دار العلوم ليجهل طلبة تلك الدار أسرار كتاب الكامل وليجهلوا مبلغ أستاذهم السباعي من العلم بما وقع في الكامل من تحريف وتصحيف، ثم قال إنه سيصحح كتاب السباعي بيومي خدمة لأبناء دار العلوم وطلاب الأدب العربي. "وعلى الأستاذ السباعي أن يناقشني إن استطاع وهو لن يستطيع ولو ظاهره ألوف من المعجبين بقدرته على الاستهانة بفضائل التدقيق والتحقيق. والأستاذ السباعي شتمني في مجلة الرسالة مرتين فليكف عن شتمي - غير مأمور- فإن الألسنة والأقلام لم تبق في شتمي مزيدا لمستزيد، ولو حاسب الله أعدائي وخصومي على ما اجترحوا آثمين في إيذائي لسلط عليهم شآبيب

стр. 453

البلاء لا تشتمني يا سيد سباعي فحسبي ما أعاني من البلوى بمحنة النقد الأدبي. ألا تراني أحاور أناسا لا أرتضيهم نساخًا لمقالاتي ومؤلفاتي. لقد لامني الناصحون على ما اقترفت من التنازل إلى مساجلة بعض الناس. فهل تعرف كيف كان جوابي؟ لقد أجبت بأن الأدب كالعلم، والعالم يشرح جسد الضفدعة كما يشرح جسم الإنسان، فمن واجب الأديب أن يفهم أن لا عيب في أن يهتم بتشريح ما يضاف إلى الأدب لو صدر عن نكرات، لا تشتمني يا سيد سباعي فأنا رجل "شتيم" وذلك حرف لا يخفى عليك، لا تشتمني فما أملك محاسبتك ولو أردت الانتصاف لنفسي، وماذا أقول في تجريحك ولست بشاعر ولا كاتب ولا مؤلف ولا خطيب. إن قلبي ليكتحل بالغبار الذي يثيره قلمي، فمن طاب له أن يلقاني في ميدان النقد الأدبي فليوطن نفسه على مكاره لا يصبر عليها لأواؤها غير الخناذيذ. السباعي بيومي ١: تدعي أن صديقا عزيزا قال لك: لم يرضني تحديك للأستاذ السباعي فقد كان يتفق أحيانا كثيرة أن يجعل مقالاتك من موضوعات الدرس في دار العلوم وذلك من شواهد الإعجاب, ويظهر يا دكتور أن هذا الصديق من الخبثاء الظرفاء الذين عرفوا فيك ما قرره ابن المقفع من أن عجب المرء بنفسه أرحب باب يدخل عليه منه الضاحك عليه والمضلل له، فهو قد أضلك

стр. 454

وضحك عليك بما تخيل فتحققت، وما كان لشيء من مقالاتك أن يكون موضع الدروس في دار العلوم، ولو حدث ما سميت دار العلوم. ويقول: إنك لن تصفح عني أو أشتغل محررًا متطوعًا بالرسالة ثلاث سنين وما هذا لي بالتهديد فما أنا ممن يضيرهم التحرير ولا ممن تعودوا أخذ أجر ما يكتبون لأني أكتب للكتابة لا طمعا في مال. ولذلك يصدر ما أكتب من غير كلفة ولا إكراه. وسأعلمك بأن ماضيّ لم يكن قائما على خدمة الكامل وحده وأن تهذيبي له لم يكن عملا يقوم به أحد النساخين بدراهم معدودات وذلك إنما أقفك عليه من أنه كان خدمة يعرفها العارفون. وتزعم أنك قضيت دهرك ممتحنا بعداوات الرجال، ورجائي أن يكون رجلا فيما أصبت به عدائي، وأن لا تغالي في عدم العطف على ذلك الذي أزمعت تركه لأني ترديت لك ثوب العقوق، والحقيقة يا دكتور أنه لا عطف منك ولا عقوق مني إليك، وإنما هو نقاش وحسب يتطلب منك أن تكون الجلد الصبور. قلت: "فليواجهني إن استطاع وأنا ماض إليه بقلم أمضى من السيف وأعنف من القضاء" وستعرف أينا الذي سيكون قلمه أمضى من السيف. إما أن قلمك أعنف من القضاء فمعاذ الله أن أشاركك هذا الكفران. وإذا بك تقحم الدكتور طه حسين في الموضوع بأنه أتعب نفسه في النيل من دار العلوم ولم أغضب مع أني أستاذ بها، وهذا غير ما كان يا دكتور، فقد كتبت في الصحف ولكنك لم تقرأ، كما لم تعرف ما ضحيته ومازلت مستعدا لتضحيته في سبيل الدفاع عن دار العلوم، ثم توغل في الإقحام فتدعى

стр. 455

أن علة سكوتي أن الدكتور طه يضر وينفع ويملك المحو والإثبات في أعضاء بعض اللجان، وردي على هذه الأكذوبة عني وعن الدكتور أني لم أسكت ومع هذا كنت عضوا في اللجان، وما ذنبي إذا كنت أدعى وتترك، وأعرف وتنكر. وأخيرًا تكثر من الجملة "لا تشتمني يا سيد سباعي" معقبا إياها بتعاليل هي الأباطيل، فالشاتم أنت وأنا عن الشتم بعيد وإذا كنت تلحن لي في ذلك بأنك "شتيم" فأنا ألحن لك بأني "بشر بن عوانة". وتقول: "ما أنت بشاعر ولا كاتب ولا مؤلف ولا خطيب" فأما الشعر فلو رضيت لنفسي ما قلته كما رضيت أنت ما قلت، لسويته ديوانا كما سويت، ولوقعت في الشرك كما وقعت، فقد اغتررت في طبع ديوانك بضحك من غرروا بك، وخالفت قول من نصحوا لك وما ديوانك بشعر شاعر ولكنه تجميع ناظم، أما الكتابة فها نحن في ميدانها وسيصدر الجمهور حكمه. أما التأليف فقد عرفت من عملي فيه "تهذيب الكامل" وستعرف غيره من مؤلفاتي متى انتهيت منه ونقاشنا فيه الآن فاثبت ولا تفر من الميدان. أما الخطابة فرأيي لك فيها يا دكتور أن نتلاقى في حلبتها أمام جمع من الأدباء وجمهرة من السامعين ويقترح على كلينا التكلم بداهة في موضوع عام من أدب أو اجتماع وهنالك فقط -لست مزكيا نفسي- تجد بحرا يغمرك وأمواجا تقطعك وتبهرك, فتندم طالبا النجاة ولات حين مناص. زكي مبارك ١: إني لم أكن أعرف أن اللغة العربية غنية بألفاظ الهجاء قبل أن أقرأ

стр. 456

كلمته الثانية، وأنا١ من الذين يدينون بوجوب طلب العلم من المهد إلى اللحد. فمن واجبي أن أرحب بمن يعلمني طرائق السباب ومن أجل هذا الرفض كل الرفض أن ينتهي ما بيني وبينه بالصلح. السباعي يهدد ويهدد بنقد مؤلفاتي وهو من فضلها يعيش فهل رأيتم أقبح وأشنع من هذا الكفران٢.

стр. 457

الفصل السابع: معركة الخلاف بين الدين والعلم أثار الكتاب المجددون معركة الخلاف بين الدين والعلم، وهي واحدة من المعارك التي ركز عليها دعاة التغريب لبلبلة الأفكار وإثارة جو من الشكوك والشبهات وقد اشترك فيها الدكتور هيكل ومحمود عزمي وطه حسين وساجلهم الشيخ رشيد رضا، واتسع البحث ليشمل عديدا من الصحف غير السياسية وكتابا كثيرين منهم مصطفى عبد الرازق وفريد وجدي، وهاجمت السياسة رشيد رضا ورسمت له لوحة في مقالاتها "في المرآة" واتهمته بأنه كان صنيعة الخديوي والإنجليز وأنه جامل كرومر حين سب الإسلام وقال له: أنت تقصد إسلام اليوم ووجد في وثقائق الشيخ محمد عبده ما يرضي الخديوي فتقرب به إليه, وقال أنه عمل في الجريدة سفيها لا يشق له غبار وأعلن رشيد رضا إنشاء جمعية تجديد الإلحاد والزندقة والإباحة المطلقة ومضت سنوات في الصراع ثم حسم الدكتور هيكل المعركة بأن أعلن أنه لا صلة البتة بين التجديد والإلحاد. "معركة بين رشيد رضا والمجددين": بدأت المعركة في يونيه ١٩٢٦ عندما كتب هيكل مقاله عن "الدين والعلم ورجال الدين ورجال العلم" ولكن الدكتور طه حسين أذاع أنه قد دخل المعركة عام ١٩٢٣ ولخص رأيه في أن الدين" حين يثبت وجود الله ونبوة الأنبياء يأخذ الناس بالإيمان بهما يثبت أمرين لم يستطع العلم إلى الآن أن يثبتهما. فالعلم لم يصل بعد إلى إثبات وجود الله ولم يصل بعد إلى إثبات نبوة الأنبياء، وإذا فبين العلم والدين خصومة في هذين الأمرين يثبتهما الدين ولا يعترف بهما العلم. "السياسة الأسبوعية ١٧ يوليو ١٩٢٦: وقالت الأهرام "٢٦/ ١٢/ ١٩٢٦" إن فريق المنتصرين للعلم على الدين يؤيدون نظريتهم بالتلميح لا بالتصريح، وأن المقصود بالدين العاطفة الدينية التي ترفع المخلوق إلى الخالق أيا كانت تفاصيل العقائد.

стр. 458

وقال "مصطفى عبد الرازق" إن الاتجاه العلمي الأخير إنما هو انتصار للدين "ولست من القائلين بأن العلم كان يوما من الأيام يناهض الدين. ومن الناحية الأخرى لم يحض الدين على منابذة العلم بل العكس، إن الإسلام يدعو إلى حرية البحث وصراحة التفكير والتسامح الذهني. وقال "محمد فريد وجدي": إن شقة الخلافة بين الدين والعلم -وهي على ما هي عليه في حالتها الراهنة- بعيدة المدى وقائمة على أسباب غاية في الخطورة وما دامت هي محافظة على تقاليدها فلا يوجد في العالم ما يقرب بينها وبين العلم. الدكتور هيكل: رجال الدين ورجال العلم نحن١ لم نعرض للمسألة لنثير الخصومة بين رجال الدين ورجال العلم. ولكن لننفي الخصومة بين الدين والعلم ولنثبت أن ما يحسبه البعض خصومة بينهما ليس في الواقع إلا خصومة بين الرجال الذين ينتسبون لكل منها وأنها خصومة غايتها التسلط والحكم قبل أن يكون لها أية غاية أخرى, ونفى الخصومة بين الدين والعلم وقال: قد يحتاج إلى بعض إيضاح للمسائل التي ناقش بها بعضهم رأينا، ونعتقد اعتقادا لا ريب فيه أن الذين باحثونا أو أرادوا مباحثتنا سينتهون إلى الاتفاق معنا اتفاقا تاما وسيسلمون، سواء كانوا من رجال الدين أو من رجال العلم بأن الخصومة بينهما مادية محضة، العلم لذاته منها بريء والدين لذاته بريء. "الدين والعلم حقيقتان واقعيتان تاريخيتان في حياة الإنسانية، على أننا نبادر من الآن لنقول إنا لم نقصد بالعلم مجرد المعرفة وإنما قصدنا به

стр. 459

العلم الوصفي أو الواقعي ولم نقصد بالدين ديانة خاصة بل قصدنا الأديان جميعًا من غير تفريق بينهما, ولو أنا قصدنا بالعلم مجرد المعرفة لكان الدين علما في رأي الواضعين الذين ينظرون إليه كواقعة اجتماعية تاريخية، لكان للعلم بعض آثار الدين الذي أحاط بكل شيء علمًا. ثم تساءل هل الإسلام في هذا الموضوع على خلاف سائر الأديان لتناوله أمور الدين وأمور الدنيا فرجال الدين فيه هم لذلك العلماء وهل يسد العلم أبدًا حاجات البشر لأن أساس العلم والتطور والتجديد فلا يمكن أن يقف فيه باب الاجتهاد ولا يمكن أن يجمد رجاله! الدكتور هيكل؛ الدين والعلم: فأما١ الخصومة بين رجال الدين ورجال العلم فخصومة قديمة لأنها خصومة على الاستئثار بالسطة وبنظام الحكم، أما الدين والعلم فلم يكن بينهما خصومة ولن تكون بينهما خصومة، لأن الدين يقرر المثل الأعلى لقواعد الإيمان التي يجب أن يأخذ الناس بها في حياتهم، والعلم يقرر الواقع في حياة الوجود ويترسم تطور الحياة في سبيل سيرها نحو ما يظنه الكمال. والكمال الذي يدعو الدين إليه كمال مقرر القواعد والأركان لا يمكن أن يتغير أو أن يعدل والكمال الذي يظن أن الإنسانية تسير نحوه كمال ظني لا يستطيع العلم رسم قواعده لأن العلم يعرف بأن الإنسانية وهي بعض قليل من الوجود، خاضعة في تطورها ودورها لعوامل معروفة وأخرى ثابتة ولكنها ما تزال غير معروفة. فإذا سمعت يوما أن بين الدين والعلم خلافا أو خصومة فاقطع بادئ

стр. 460

الرأي بأن الخلاف والخصومة ليست بين الدين والعلم، ولكنها بين رجال الدين ورجال العلم وأن أساسها ليس في شيء من الدين لذاته ومن العلم لذاته ولكنه في سعي هاتين الطائفتين سعيًا صرفا ليكون بيدها الحكم والسلطان دون الأخرى. إن الخلاف بين رجال الدين ورجال العلم إذن، وهي خصومة أساسها بعيد عن الدين والعلم, وقاعدتها حرص كل طائفة على الاستئثار بالسلطة وبنظام الحكم، وكلما تغلبت طائفة من الطائفتين على الأخرى قام منها رجال الأمر في الدولة. ولم يكن فوز رجال الدين بالحكم ولا كان فوز طائفة من رجال العلم بالحكم راجعًا إلى الدين ذاته أو العلم ذاته بل كان راجعًا أبدًا إلى اعتقاد المجموع بصلاح واحدة من الطائفتين دون الأخرى لولاية شئون الدولة. ولقد قضت العصور الحديثة منذ قرون ثلاثة في أوربا أن يتغلب رجال العلم على رجال الدين شيئًا فشيئًا حتى كان ما كان من فصل الكنيسة عن الحكومة في فرنسا في العهد الأخير الذي سبق الحرب الكبرى، وإنما تغلبت طائفة رجال العلم عندما نشأ من بينها المخترعون والاقتصاديون وهذه تركيا مثل قوى من أمثلة انقضاء سلطة رجال الدين في أمور الحكم وذهابها إلى غير عودة، ومصر من زمن بعيد تقف سلطة رجال الدين فيما يختص بالحكم ونظامه في حدود ضيقة وإن بقي لهم مقامهم واحترامهم الديني. وليس محققا أن تبقى السلطة أبدا لرجال العلم فقد يأتي زمن يكون العلم فيه قد أنتج كل ما يستطيع إنتاجه فأصبح العلماء مجرد حفاظ للميراث الذي خلفه أسلافه وعقموا عن أن يبدعوا جديدًا.
следующие страницы →