كلمته الثانية، وأنا١ من الذين يدينون بوجوب طلب العلم من المهد إلى اللحد. فمن واجبي أن أرحب بمن يعلمني طرائق السباب ومن أجل هذا الرفض كل الرفض أن ينتهي ما بيني وبينه بالصلح. السباعي يهدد ويهدد بنقد مؤلفاتي وهو من فضلها يعيش فهل رأيتم أقبح وأشنع من هذا الكفران٢.
стр. 457
الفصل السابع: معركة الخلاف بين الدين والعلم
أثار الكتاب المجددون معركة الخلاف بين الدين والعلم، وهي واحدة من المعارك التي ركز عليها دعاة التغريب لبلبلة الأفكار وإثارة جو من الشكوك والشبهات وقد اشترك فيها الدكتور هيكل ومحمود عزمي وطه حسين وساجلهم الشيخ رشيد رضا، واتسع البحث ليشمل عديدا من الصحف غير السياسية وكتابا كثيرين منهم مصطفى عبد الرازق وفريد وجدي، وهاجمت السياسة رشيد رضا ورسمت له لوحة في مقالاتها "في المرآة" واتهمته بأنه كان صنيعة الخديوي والإنجليز وأنه جامل كرومر حين سب الإسلام وقال له: أنت تقصد إسلام اليوم ووجد في وثقائق الشيخ محمد عبده ما يرضي الخديوي فتقرب به إليه, وقال أنه عمل في الجريدة سفيها لا يشق له غبار وأعلن رشيد رضا إنشاء جمعية تجديد الإلحاد والزندقة والإباحة المطلقة ومضت سنوات في الصراع ثم حسم الدكتور هيكل المعركة بأن أعلن أنه لا صلة البتة بين التجديد والإلحاد.
"معركة بين رشيد رضا والمجددين":
بدأت المعركة في يونيه ١٩٢٦ عندما كتب هيكل مقاله عن "الدين والعلم ورجال الدين ورجال العلم" ولكن الدكتور طه حسين أذاع أنه قد دخل المعركة عام ١٩٢٣ ولخص رأيه في أن الدين" حين يثبت وجود الله ونبوة الأنبياء يأخذ الناس بالإيمان بهما يثبت أمرين لم يستطع العلم إلى الآن أن يثبتهما. فالعلم لم يصل بعد إلى إثبات وجود الله ولم يصل بعد إلى إثبات نبوة الأنبياء، وإذا فبين العلم والدين خصومة في هذين الأمرين يثبتهما الدين ولا يعترف بهما العلم.
"السياسة الأسبوعية ١٧ يوليو ١٩٢٦:
وقالت الأهرام "٢٦/ ١٢/ ١٩٢٦" إن فريق المنتصرين للعلم على الدين يؤيدون نظريتهم بالتلميح لا بالتصريح، وأن المقصود بالدين العاطفة الدينية التي ترفع المخلوق إلى الخالق أيا كانت تفاصيل العقائد.
стр. 458
وقال "مصطفى عبد الرازق" إن الاتجاه العلمي الأخير إنما هو انتصار للدين "ولست من القائلين بأن العلم كان يوما من الأيام يناهض الدين. ومن الناحية الأخرى لم يحض الدين على منابذة العلم بل العكس، إن الإسلام يدعو إلى حرية البحث وصراحة التفكير والتسامح الذهني.
وقال "محمد فريد وجدي": إن شقة الخلافة بين الدين والعلم -وهي على ما هي عليه في حالتها الراهنة- بعيدة المدى وقائمة على أسباب غاية في الخطورة وما دامت هي محافظة على تقاليدها فلا يوجد في العالم ما يقرب بينها وبين العلم.
الدكتور هيكل: رجال الدين ورجال العلم
نحن١ لم نعرض للمسألة لنثير الخصومة بين رجال الدين ورجال العلم. ولكن لننفي الخصومة بين الدين والعلم ولنثبت أن ما يحسبه البعض خصومة بينهما ليس في الواقع إلا خصومة بين الرجال الذين ينتسبون لكل منها وأنها خصومة غايتها التسلط والحكم قبل أن يكون لها أية غاية أخرى, ونفى الخصومة بين الدين والعلم وقال: قد يحتاج إلى بعض إيضاح للمسائل التي ناقش بها بعضهم رأينا، ونعتقد اعتقادا لا ريب فيه أن الذين باحثونا أو أرادوا مباحثتنا سينتهون إلى الاتفاق معنا اتفاقا تاما وسيسلمون، سواء كانوا من رجال الدين أو من رجال العلم بأن الخصومة بينهما مادية محضة، العلم لذاته منها بريء والدين لذاته بريء.
"الدين والعلم حقيقتان واقعيتان تاريخيتان في حياة الإنسانية، على أننا نبادر من الآن لنقول إنا لم نقصد بالعلم مجرد المعرفة وإنما قصدنا به
стр. 459
العلم الوصفي أو الواقعي ولم نقصد بالدين ديانة خاصة بل قصدنا الأديان جميعًا من غير تفريق بينهما, ولو أنا قصدنا بالعلم مجرد المعرفة لكان الدين علما في رأي الواضعين الذين ينظرون إليه كواقعة اجتماعية تاريخية، لكان للعلم بعض آثار الدين الذي أحاط بكل شيء علمًا.
ثم تساءل هل الإسلام في هذا الموضوع على خلاف سائر الأديان لتناوله أمور الدين وأمور الدنيا فرجال الدين فيه هم لذلك العلماء وهل يسد العلم أبدًا حاجات البشر لأن أساس العلم والتطور والتجديد فلا يمكن أن يقف فيه باب الاجتهاد ولا يمكن أن يجمد رجاله!
الدكتور هيكل؛ الدين والعلم:
فأما١ الخصومة بين رجال الدين ورجال العلم فخصومة قديمة لأنها خصومة على الاستئثار بالسطة وبنظام الحكم، أما الدين والعلم فلم يكن بينهما خصومة ولن تكون بينهما خصومة، لأن الدين يقرر المثل الأعلى لقواعد الإيمان التي يجب أن يأخذ الناس بها في حياتهم، والعلم يقرر الواقع في حياة الوجود ويترسم تطور الحياة في سبيل سيرها نحو ما يظنه الكمال.
والكمال الذي يدعو الدين إليه كمال مقرر القواعد والأركان لا يمكن أن يتغير أو أن يعدل والكمال الذي يظن أن الإنسانية تسير نحوه كمال ظني لا يستطيع العلم رسم قواعده لأن العلم يعرف بأن الإنسانية وهي بعض قليل من الوجود، خاضعة في تطورها ودورها لعوامل معروفة وأخرى ثابتة ولكنها ما تزال غير معروفة.
فإذا سمعت يوما أن بين الدين والعلم خلافا أو خصومة فاقطع بادئ
стр. 460
الرأي بأن الخلاف والخصومة ليست بين الدين والعلم، ولكنها بين رجال الدين ورجال العلم وأن أساسها ليس في شيء من الدين لذاته ومن العلم لذاته ولكنه في سعي هاتين الطائفتين سعيًا صرفا ليكون بيدها الحكم والسلطان دون الأخرى.
إن الخلاف بين رجال الدين ورجال العلم إذن، وهي خصومة أساسها بعيد عن الدين والعلم, وقاعدتها حرص كل طائفة على الاستئثار بالسلطة وبنظام الحكم، وكلما تغلبت طائفة من الطائفتين على الأخرى قام منها رجال الأمر في الدولة.
ولم يكن فوز رجال الدين بالحكم ولا كان فوز طائفة من رجال العلم بالحكم راجعًا إلى الدين ذاته أو العلم ذاته بل كان راجعًا أبدًا إلى اعتقاد المجموع بصلاح واحدة من الطائفتين دون الأخرى لولاية شئون الدولة.
ولقد قضت العصور الحديثة منذ قرون ثلاثة في أوربا أن يتغلب رجال العلم على رجال الدين شيئًا فشيئًا حتى كان ما كان من فصل الكنيسة عن الحكومة في فرنسا في العهد الأخير الذي سبق الحرب الكبرى، وإنما تغلبت طائفة رجال العلم عندما نشأ من بينها المخترعون والاقتصاديون وهذه تركيا مثل قوى من أمثلة انقضاء سلطة رجال الدين في أمور الحكم وذهابها إلى غير عودة، ومصر من زمن بعيد تقف سلطة رجال الدين فيما يختص بالحكم ونظامه في حدود ضيقة وإن بقي لهم مقامهم واحترامهم الديني.
وليس محققا أن تبقى السلطة أبدا لرجال العلم فقد يأتي زمن يكون العلم فيه قد أنتج كل ما يستطيع إنتاجه فأصبح العلماء مجرد حفاظ للميراث الذي خلفه أسلافه وعقموا عن أن يبدعوا جديدًا.
стр. 461
على أن هذا اليوم الذي يجمد فيه العلم ما يزال في رأي الأكثرين بعيدا.
الدكتور طه حسين: العلم والدين ١:
من الحق أني فكرت في هذا الموضوع وكتبت فيه قبل صديقي هيكل وعزمي. وفي الحق أن السياسة اليومية قد نشرت لي في ربيع سنة ١٩٢٣ فصلا غضب له مولانا الشيخ بخيت غضبا شديدا لأنه كان يمس مولانا الشيخ بخيت حين ألقى محاضرة في الرد على رينان.
وفي الحق أيضا أني كتبت في العلم والدين وما بينهما من خلاف فصلا آخر كنت أريد أن أنشره في السياسة إبان تلك الضجة العنيفة التي أثيرت حول الشعر الجاهلي ثم بدا لي فتركت هذا الفصل في زاوية من زوايا مكتبي.
وقد تكون الحالة جديدة في مصر ولكنها قديمة في أوربا.
إني أعلن في صراحة ووضوح أن العلم شيء والدين شيء آخر ومنفعة العلم والدين في أن يتحقق بينهما هذا الانفصال حتى لا يعدو أحدهما على الآخر وحتى لا ينشأ من هذا العدوان في الشرق الإسلامي مثل ما نشأ في الغرب المسيحي.
إن صيدقي هيكل يرى أن ليس بين الدين والعلم من خلاف وأن هذا الخلاف لا يمكن أن يكون, وإنما الخصومة بين رجال الدين ورجال العلم وهي خصومة على الحكم والسلطان لا على الدين والعلم.
أحب أن ألفت صديقي هيكل إلى أمرين عظيمي الخطر: الأول أن
стр. 462
الدين حين يثبت وجود الله ونبوة الأنبياء يثبت أمرين لم يستطع العلم إلى الآن أن يثبتهما. فالعلم لم يصل بعد إلى إثبات وجود الله ولم يصل بعد إلى إثبات نبوة الأنبياء وإذن فبين الدين والعلم خصومة في هذين الأمرين.
ثم إن العلم لا ينفيهما أو هو لا يعرض بنفيهما أو إثباتهما, وإنما ينصرف عنهما انصرافا تاما إلى ما يمكن أن يتناوله بالبحث والتمحيص.
هذا أمر والأمر الثاني هو أن الكتب السماوية لم تقف عند إثبات وجود الله ونبوة الأنبياء، وإنما عرضت لمسائل أخرى يعرض لها العلم وبحكم وجوده لا يستطيع أن ينصرف عنها، وهنا يظهر تناقض صريح بين نصوص هذه الكتب السماوية وما وصل إليه العلم من النظريات والقوانين، وأمر ثالث هو أعظم من هذين الأمرين خطرًا وأبعد منهما في تحقيق الخلاف أثرًا ذلك أن العلم لم يقف عند هذا اللون من ألوان الخلاف وإنما طمع في أن يخضع الدين لبحثه ونقده وتحليله، وهو لا يحفل الآن بأن التوراة تناقضه أو لا تناقضه وإنما يزعم أن له الحق في أن يضع الدين نفسه موضع البحث وقد فعل.
وصديقنا هيكل لا يجهل أن العالم ينظر إلى الدين كما ينظر إلى اللغة, وكما ينظر إلى الفقه وكما ينظر إلى اللباس من حيث إن هذه الأشياء كلها ظواهر اجتماعية يحدثها وجود الجماعة, وتتبع الجماعة في تطورها، وتتأثر بما يتأثر به الجماعة.
إذن فالدين في نظر العلم الحديث ظاهرة كغيره من الظواهر الاجتماعية لم ينزل من السماء, ولم يهبط به الوحي وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها.
стр. 463
وصديقنا هيكل قد قرأ فيما أظن كتاب "دوركايم" في الدين وهو يعلم أن دوركايم ينتهي من بحثه الطويل الدقيق إلى نتائج مختلفة منها أن الجماعة تعبد نفسها أو بعبارة أدق تؤله نفسها.
إن الدين في ناحية والعلم في ناحية أخرى وأن ليس إلى التقائهما سبيل ومن زعم للناس غير هذا فهو إما خادع أو مخدوع. والحق أن المخدوعين كثيرون وهؤلاء المخدوعون هم الذين يحاولون دائما التوفيق بين العلم والدين.
الدكتور محمود عزمي؛ الدين والعلم ١:
عرض صديقي الدكتور هيكل لموضوع خطير لم يعرض له باحث جدي في مصر، وقرر أن الخصومة إنما هي بين الرجال لا بين العلم والدين، وإنها خصومة من أجل الحكم والسلطان كما قرر أنه قد يأتي زمن يظهر منه من التعاليم ما يكون موقفه من العلم موقف العلم أول مرة من الدين يتمسح منه ثم يستقل إذ يحس من نفسه القوة والنشاط.
وعندي أن هذا الافتراض غير محتمل الوقوع ولا يمنعني من القول بأنه مستحيل إلا أن التعبير بالاستحالة ليس من الأسلوب العلمي في شيء كثير.
غير محتمل في اعتقادي أن يطغى غير العلم على اللعم, وأن يصبح أهل العلم بحيث لا يسدون حاجات الحياة والأحياء بأكثر مما يسدها أهل غير العلم من الناس.
وغير محتمل أن يأتي ذلك الزمن الذي يقول الدكتور هيكل أنه قد يأتي يوم يكون العلم فيه قد أنتج كل ما يستطيع إنتاجه فيصبح العلماء مجرد
стр. 464
حفاظ للميراث الذي خلقه أسلافهم وعقموا عن أن يبدعوا جديدا".
ذلك بأن العلم الصحيح قائم على فكرة "التطور المستمر من ناحية والخلق باستمراره من ناحية أخرى" ومادام التطور قائما فلن يعرف أحد ولن تعرف قوة بكل المعاني الفلسفية لهذه الكلمة أن تحدد لهذا التطور مدى, وهكذا ترى محل العلم قائما محددا منشورا غير قابل للحد ولا للطي.
إذن فإن العلم باق وإن العلم خالد وإن العلم متطور تطورًا مستمرًا خالقًا.
التجديد والإلحاد؛ رشيد رضا:
نبتت١ في مصر نابتة من الزنادقة الملحدين في آيات الله الصادين عن دين الله، قد سلكوا في الدعوة إلى الكفر والإلحاد شعابا جددا وللتشكيك في الدين طرائق قددا منها الطعن في اللغة العربية وآدابها والتمادي في بلاغتها وفصاحتها وجحود ما روي عن بلغاء الجاهلية من منظوم ومنثور وقذف رواتها بخلق الإفك وشهادة الزور ودعوة الناطقين باللسان العربي المبين إلى هجر أساليب الأولين واتباع أساليب المعاصرين ومنهم الذين يدعون استبدال اللغة العامية المصرية بلغة القرآن الخاصة المصرية, والغرض من هذا وذاك صد المسلمين عن هداية الإسلام, وعن الإيمان بإعجاز القرآن فإن من أوتي حظا من بيان اللغة, وفاز بسهم رابح من آدابها حتى استحكمت له ملكة الذوق فيها، لا يملك أن يدفع عن نفسه عقيدة إعجاز القرآن بلاغته وفصاحته, وبأسلوبه في نظم عبارته. قد صرح بهذا من أدباء النصرانية الأستاذ جبر ضومط مدرس علوم البلاغة بالجامعة الأمريكانية في كتابه الخواطر
стр. 465
لحسان وصرح بذلك أديب هذه الملة وبليغها الشيخ إبراهيم اليازجي الشهير وهو أبلغ كاتب أخرجته المسيحية وقد أشار إلى رأيه ذاك في مقدمة كتابه نجعة الرائد وكذلك سألنا شاعر التاريخ المسيحي الأستاذ خليل مطران ولا نعرف من شعراء القوم من يجاريه فأقر لنا بمثل ما أقر به أستاذه اليازجي, والأمر بعد إلى العقل والعقل ليس له دين إلا الحق والحق واحد لا يتغير.
وقد رأيت شيخنا الأستاذ الإمام يقرأ في كتاب إفرنسي اللغة لحكيم من حكمائها فكان ما قرأه علي منه بالترجمة العربية رد المؤلف على من قال من دعاة النصرانية أن محمد ﷺ لم يأت بمثل آيات موسى وعيسى المسيح ﵇ قال: إن محمدًا كان يقرأ القرآن مدلها صادعا متصدعا فيفعل في جذب القلوب إلى الإيمان به فوق ما كان تفعل جميع آيات الأنبياء من قبل.
الشيخ رشيد رضا في مرآة السياسة ١؛ بقلم عبد الحميد حمدي:
وددت لو أنني وفقت إلى معرفة تاريخ الليلة بل الساعة التي ولد فيها الشيخ رشيد رضا حتى أرصد الكواكب في تلك الليلة وأرى أي كواكب النحس اقترن به ذلك الرجل، ورحم الله الشيخ محمد عبده لقد كان أول من أصيب بشؤم هذا الرجل الذي لم يوفق رجل إلى الشؤم توفيقه إليه.
وقد حدث أن طعن لورد كرومر في ثورة طعنا جارحًا في الإسلام فهاجت لذلك خواطر الناس، فأبى المسلم الورع رشيد رضا إلا أن ينقذ الموقف، فبعث إلى كرومر بخطاب قال فيه: إنك ولا شك قصدت بطعنك الإسلام اليوم
стр. 466
لا الإسلام على حقيقته فما كان أسرع من كرومر أن يؤمن على الاعتذار ليهرب مما تورط.
وإليك بعض نوادر الشيخ في غير مصر: اتصل بجمعية الاتحاد والترقي التركية بعد إعلان الدستور فوقف منها موقف المداح الطبال يشيد باسمها ويغني بحمدها، حتى إذا أبى عليه زعماؤها وظيفة تركهم، وانقلب عليهم طعانا هجاء ثم اتصل بالرجميين من الأتراك فشأمهم وجرى عليهم من حكم الزمن ما جرى.
ووقعت الحرب الكبرى وأمر الملك فيصل على الشام فاتصل به صاحب المنار فقربه الرجل إليه حتى أوصله إلى أكبر مناصب دولته.
ثم اتصل بالملك حسين ملك الحجاز أبي فيصل فلما زال به حتى عزل عن العرش وشرد إلى المنفى, واتصل بمؤتمر الخلافة والناس يذكرون ما كان من أمر مؤتمر الخلافة وهذا هو السر في حملة الشيخ رضا على الأستاذ علي عبد الرازق.
وبعد فيستطيع الشيخ رشيد رضا أن يكون مسلما أو نصرانيًا أو يهوديًا أو بوذيا أو ملحدًا ويستطيع أن يكون كل هؤلاء جميعا أو لا يكون شيئا من هؤلاء جميعا ولكن شيئا واحدا لا يمكن الشيخ رشيد أن يكونه, بأن يكون صادقا في أي من هذه المذاهب اعتنق وفي أي منها نبذ.
رشيد رضا؛ جمعية تجديد الإلحاد والزندقة والإباحة المطلقة:
ألف الدكتور طه حسين أستاذ تجديد الإلحاد والإباحة بالجامعة المصرية غير الرسمية فالرسمية كتيبا كذب فيه نقله للغة العربية ورواة آدابها فيما ردده من شعوب العرب في عصر الجاهلية وزعم أنهم هم الذين وضعوا المعلقات السبع
стр. 467
وافتروها على امرئ القيس وطرفه، وقد ألقى هذا الكتاب دروسا في الجامعة المصرية الرسمية وربما يصدق الكثيرون من طلابها هذا الأعمى البصر والبصيرة فيما يكذب به علماء الأمة الإسلامية وكتاب ربها وحديث نبيها المعصوم فيما يريد به تجرد أمتهم من الدين واللغة والنسب والأدب والتاريخ ليجددهم فيجعلهم أمة أوروبية, بل طعمة للدول الأوروبية كما جدد نفسه وبيته بتزويجه امرأة غير مسلمة وتسمية أولاده منها بأسماء الإفرنج رغبة عن الأسماء العربية القديمة والجديدة واحتقارًا لها.
ومن الغريب أن عمد دعاة الزندقة في هدم مقومات هذه الأمة ومشخصاتها ووصفها بالقديمة وشبهتهم عليه أن كل قديم فهو قبيح يجب تركه, ومن المعلوم أن ما من قديم إلا وكان جديدًا ولا جديد إلا وسيكون قديما ومن لا قديم له لا جديد له بل لا وجود له, وإنما الأمم بتاريخها.
ومن عجيب أمر هؤلاء أننا نراهم يدعون إلى انتحال ما هو أقدم مما يذمون من قديم أمتهم كالأدب الإغريقي والشعر الإغريقي الذي هو دون الأدب والشعر العربي الجاهلي والإسلامي كما تراهم يعنون بتحقير آداب اللغة العربية ليجردوا الأمة من هذا الفضل المنطقي الذي يفضلها عن غيرها من الأمم ويثبت لها استقلالا خاصا بمقومات خاصة ومشخصات خاصة.
بين رشيد رضا وهيكل ١:
"الدكتور هيكل؛ لا صلة البتة بين التجديد والإلحاد":
"إن مسائل الأزياء واللغة والحضارة وما تخضع له من تطورات لا علاقة لها بالعقيدة على أن الاتهام بالإلحاد حتى في بعض مسائل تمس الدين يبدو
стр. 468
هو الآخر وليس فيه أكثر من صيحة حرب يقصد بها الظهور بالغلب أمام الجماهير".
هذا على أن الإلحاد لا علاقة له بهذه الشئون التي يتشدق بها من يرمون به غيرهم, يريدون أن يحاربوهم باسم الدين والخروج منه, فما نعرف أن للإيمان والإلحاد علاقة بزي اللباس وألفاظ اللغة ونوع الحضارة التي تحياها أمة من الأمم.
ومن المؤمنين من ينادي بتجديد الأزياء والأساليب وصورة الحضارة ومن الملحدين محافظين لا يريدون أن يتغير في اللغة حرف وأن تبقى الأشياء كما كانت من قرون.
بل أراني لا أغلو إذا قلت: إن التجديد أقرب إلى الإيمان منه إلى الإلحاد وهو كذلك في الإسلام بنوع خاص.
ولعل أشد الناس منادة بصيحة الحرب ضد التجديد وقرن الإلحاد إلى صيحتهم جماعة من إخواننا الكتاب يحسبون النقد موجهًا إلى أسلوبهم الكتابي لأنهم يلجئون إلى استظهار أساليب الأقدمين لا في ألفاظها وتراكيبها وكفى, بل في مجازاتها واستعارتها وفي وقوفها على الأطلال وبكائها وحدائها للإبل وذكرها الهوادج والصحاري وكثبان الرمل في ألوان غزلها ولهوها ومجونها.
يوجه النقد إلى هؤلاء ويرى الذين ينتقدونهم أن خير الأساليب ما تجاوب مع الحياة المحيطة بالإنسان وما أدى الصور والمعاني التي يراها ويشعر بها ويتخيلها مما يرى ويشعر ويجول بخاطره.
فبربك ما شأن هذا النقد بالعقيدة والإيمان!
стр. 469
ولم لا يكون الدعاة إلى الوقوف عند القديم من أساليب اللغة وألفاظها من هؤلاء الملحدين, ولم لا يكونون أشد منهم في الإلحاد إلحاحا؟
ولقد تعجب حين تذكر أن رجلا كالشيخ رشيد رضا مثلا كان متصلا اتصال تلمذة واتصال رزق بالمغفور له الشيخ محمد عبده حين كان ﵀ يرمى بالزندقة والكفر والإلحاد ولا يتعفف هو عن أن يرمي الناس بالإلحاد.
من الخلط غير اللائق برجل يمسك القلم ويدعي لنفسه التفكير والتخيل أن يلجأ كاتب إلى هذا النوع السقيم من المنطق. لقد نفهم أن يقول هؤلاء من أنصار الأساليب والأخيلة القديمة والعائشين ما يزالون بين كثبان الرمل إن كل مسايرة للمدنية الغربية فيه باللغة وبأساليبها أضرار لكيت وكيت من الأسباب التي يسردونها, لكن ذلك شيء والإلحاد شيء آخر.
ولو أنهم استطاعوا أن يقفوا من أنفهسم موقف النقاد وأن يعرفوا مواضع القوة ومواضع الضعف من كتابتهم لمهد لهم ذلك السبيل إلى السمو فوق هذه المنازعات بين القديم والجديد.
لكن كثيرين لا يستطيعون هذا لأنهم يريدون أن يروا حولهم جمهورًا يصفق لهم ويشكون في أن يجدوا هذا الجمهور المعجب الضعيف للجيد الصالح مما يكتبون.
فهم لذلك يشنون الغارة باسم الإلحاد وتارة باسم المحافظة على اللغة طورًا.
مصطفى عبد الرازق ١:
إن الاتجاه العلمي الأخير هو انتصار للدين, ولست من القائلين بأن العلم كان يوم من الأيام يناهض الدين هذا من جهة، ومن الناحية الأخرى
стр. 470
لم يحض الدين على منابذة العلم بل على العكس إن الإسلام يدعو إلى حرية البحث وصراحة التفكير والتسامح الذهني.
لقد كانت المودة بين المثقفين في القرن الماضي هي المصارحة بإنكار العقائد وللمثقفين مودة في كل جيل.
والعلم والدين اليوم يتماسان والفضل في ذلك يرجع إلى تفكير العلماء على النمط الفلسفي، فأصبح العلم اليوم يسلم بوجود ما ليس قائما أمام الحس, وذهب عصر البديهات وتغير وضع القواعد العلمية، وأصبح عصرنا هذا عصر يقين واعتقاد بالقوى الخفية، وقد أستطيع القول بأن العلم في الأيام المقبلة سيخطو نحو الدين خطوات جريئة لا يبعد أن تثبت إمكان وقوع المعجزة وفي الختام إن العلم يعزز الدين.
محمد فريد وجدي:
إن شقة الخلاف بين العلم والأديان وهي على ما هي عليها في حالتها بعيدة المدى وقائمة على أسباب غاية في الخطورة, ومادامت هي محافظة على تقاليدها فلا يوجد في العالم ما يقرب بينها وبين العلم مهما تكمل في تطوره فإن كل ما ينتظر من تكملة هذا أن يصل إلى إثبات وجود الروح وخلودها من طريق أسلوبه العملي المعروف, وهو إذا وصل إلى هذه الغاية عمل على متابعة طريقه ليبلغ إلى أقصى ما يعرفه عن علاقات بالوجود وعن خير الطرق لترقيها واتصالها بالملأ الأعلى، والناس كما لا يخفى تعودوا ألا ينقادوا إلا إليه فيصبح العلم زعيما للحركة الروحية كما هو زعيم للحركة المادية.
ولكن إذا انتهزت الأديان فرصة هذه الفترة الانتقالية وألقت من فوق أكتافها كل ما حملته من آثار الأساطير وبقايا القوميات، وما أحيطت به
стр. 471
الآراء والمذاهب والتأويلات وتجلت عاطفة نزاعة إلى أقصى درجات التكمل الأدبي غير مقيدة بأوهام بيئة ولا بأهواء قبيل، وغير خاضعة لسلطان طائفة، ولا تابعة لقيادة بشرية. قلنا إذا انتهزت الأديان هذه الفرصة، وتجردت من كل أعبائها البشرية اتفقت والنزعة العلمية بل اندمجت فيها وتوحدتا وبطل النزاع بينها.
ولزيادة البيان نقول: إن الأديان قد أخرجت من بساطتها الفطرية، وأصبحت ممثلة لآراء أهلها وحالاتهم خلال القرون وقائمة على حوادث محلية ولها وجهات نظر خاصة بها في العلوم والفنون، ومنطق مطبوع بطابعها للنظر والقياس والمعرفة فلا يعقل في حال من الأحوال أن تتفق والعلم، بل المنتظر أن تزداد شقة الخلاف بينهما اتساعا، ويقضي أحدهما على صاحبه قضاء لا قيام له بعده، وأنت خبير لمن يكون التغلب في هذا الصراع الذي طال أمده.
стр. 472
الفصل الثامن: جمال الدين الأفغاني ورينان
معركة بين رشيد رضا ومصطفى عبد الزارق:
كانت الجامعة المصرية في الثلاثينات قد وقعت تحت سيطرة المستشرقين ودعاة التغريب ولذلك عمدت إلى مصادمة مشاعر العرب والمسلمين والمصريين احتفلت بمرور مائة عام على ميلاد الفيلسوف الملحد أرفست رينان صاحب نظرية "الآرية والسامية" والكاتب الغربي استعماري الذي هاجم التراث أشد هجوم واتهمهم بالضعف في النقل والقصور في التفكير والذي هاجم الإسلام أعنف هجوم.
وقد كان من العجب أن يكرم ذكرى رينان رجل مثل الشيخ مصطفى عبد الرازق أستاذ الفلسفة بالجامعة وخريج الأزهر الشريف والسربون فيرمي بقضية جريئة، كانت لها ضجة بعيدة المدى، تلك هي اتهامه جمال الدين الأفغاني بأنه بعد وصوله إلى باريس ١٨٨١ واجتماعه بالفيلسوف أرفست رينان قد "تطور فكره" في أقل من ثلاث سنين، فغير رأيه في "الدين" وأعلن أن الإسلام كان عدوًا للعقل والمدنية.
والمعروف أن رينان قد تحدث إلى جمال الدين في شأن إلإسلام والعرب، وإنه ألقى على أثر ذلك محاضرة نشرت في جريدة الديبا الباريسية، وإن جمال الدين رد على هذه المحاضرة ونقد آراء الفيلسوف الفرنسي مما اضطره إلى أن يعلن تراجعه "ظاهريًا" عن آرائه واعتذاره أنه سيعيد النظر في مصادر دراسته.
ولما كان هذا الرأي جريئًا على "جمال الدين الأفغاني" فقد تصدى "رشيد رضا" للرد على مصطفى عبد الرازق فكتب في الأهرام والمنار يعرض للآراء التي وردت في المحاضرة عن رينان وجمال الدين مفندا لها، وقالت جريدة الأهرام١ معلقة على المحاضرة: "إن المحاضر أخذ يحقق تحقيقا دقيقا لبعض التواريخ الخاصة بسياحات جمال الدين ثم أخذ يذكر لرينان رأيه في
стр. 473
عدم قابلية الإسلام للعلم الحديث وذكرت الردود التي رد بها الفيلسوف الشرقي جمال الدين مزاعم الفيلسوف الغربي، قالت الأهرام: لاحظنا أن المحاضر وضع نفسه موضع النزاهة العلمية فكان يذكر آراء الفيلسوفين دون أن تميل به العاطفة إلى انتقاص رينان فكأن النزاهة التي طبع عليها حالت بينه وبين أي تأثير. وقد يخرج العلماء أحيانًا من حدودهم العلمية، وقد لاحظنا أن الجمهور أصبح أوسع صدرًا من ذي قبل, وأصبحت الأفكار أشد مرونة وأشد تقديرًا للحرية الفكرية رغم أن المحاضر كان يلقي عن رينان ما قد يستفز غضب أصحاب الصدور الضيقة فقد كان السامعون منصتين متتبعين لكل ما يلقى عليهم.
من محاضرة مصطفى عبد الرازق:
وقال مصطفى عبد الرازق: إنه مما يعنى "بالبحث في أسباب التطور في تفكير السيد جمال على هذا الوجه في أقل من ثلاث سنوات يستدعي الإحاطة بما حفل به من العوامل وأظهر هذه العوامل سفره لأول مرة في أوربا واتصاله بكبار الفلاسفة والعلماء وحبه للاستظهار بصداقتهم على خدمة مراميه السامية واندماجه في سلك الحركة الفكرية الحديثة البعيدة عن الدين.
ولخص مصطفى عبد الرازق رأي جمال الدين في قوله:
إن الدين لم يكن عنه مناص في سوق الأمم عند نشأتها إلى كمال.
إن الدين الإسلامي كسائر الأديان يزدري العلم ولكن المسلمين لا يمنعهم مانع من الوصول إلى ما وصل إليه المسيحيون في الغرب.
وإذا صح القول بأن الدين الإسلامي عقبة في سبيل ترقية العلوم فهل يستطيع المرء أن يقول: إن هذه العقبة لا يمكن أن تزول يومًا, ثم بماذا
стр. 474
يختلف الدين الإسلامي في هذه النقطة عن بقية الأديان الأخرى. إن الأديان جميعها ضيقة الصدر, ولكل في ذلك أسلوبه الخاص.
وقد كان الأمل كبيرًا أن تصل الجماعة الإسلامية يومًا إلى تحطيم قيودها والسير في طريق المدنية بخطى ثابتة محتذية مثال العالم الغربي الذي لم يقف الدين المسيحي في طريقه حجر عثرة.
وقال رينان: يلوح لي أن الشيخ جمال الدين قد زودني بطائفة من الآراء الهامة تعينني على نظريتي الأساسية وهي أن الإسلام في النصف الأول من وجوده لم يحل دون استقرار الحركة العلمية في الأراضي الإسلامية ولكنه في النصف الثاني خنق الحركة العلمية وهي في حظيرته فكان هذا من سوء حظه.
مناقشة رشيد رضا لآراء رينان وعبد الرازق:
كان من١ مثار العجب للناس أن الجامعة المصرية أقامت حفلة حافلة لذكرى رينان بمناسبة انقضاء قرن على عهد ولادته وحاروا في استنباط الباعث لأساتذة الجامعة على الخيار هذا الملحد الطاعن في دين الإسلام وفي المسيحية أيضا للإشادة بذكره وإعلاء قدره على عدم حفظ أي منقبة له نفع بها البشر فأصاب هذه البلاد وهذه الأمة حظ منها يستحق بها ذلك عليها.
وقد كان الدكتور طه حسين أحد مدرسي الجامعة المصرية ينشر في هذه الأيام التي وقع فيها الاحتفال بذكرى رينان مقالات في جريدة السياسة يحاول فيها إثبات انتشار الارتياب في الدين الإسلامي والإلحاد والفسق عنه في أهل القرن الثاني والثالث للهجرة الإسلامية في بلاد الحضارة العربية كالعراق
стр. 475
بل في الحجاز أيضًا. ويستدل على ذلك بشبهات كشبهات رينان.
ولما أعلن عن المحاضرة ظننا نحن وأمثالنا أنه يريد بهذه المحاضرة أن يمحو سيئة ذلك الاحتفال بالإشادة بفضل فيلسوف الإسلام السيد الحسيني "جمال الدين الأفغاني" الذي اشتهر عنه أنه رد على محاضرة رينان في وقتها بما هدم بنيانها وقوض أركانها.
وكنا نظن أن الأستاذ١ "يقصد مصطفى عبد الرازق" الذي درس العلم الإسلامي بالجامع الأزهر وبعض العلم الأوروبي في باريس أراد بعد احتفال الجامعة المصرية برينان الذي لم يعرف في هذه البلاد إلا بما اشتهر من طعنه في الإسلام إنما يقوم بما هو جدير به من تلخيص رأي رينان في الإسلام وتلخيص رد السيد جمال الدين عليه.
٢- كانت خلاصة المحاضرة أن السيد جمال الدين الذي اشتهر في العالم الإسلامي كله بأنه حكيم الإسلام وموقظ شعوبه والداعية إلى تجديد مجده وإعزاز دولته بهدى الدين وعدو الإلحاد وصاحب تلك الحلة المقصورة على أهله في رده على الدهريين.
هذا ما كان من أمره في ذلك محصورًا في حياته قبل أن يذهب إلى أوربا, بل إلى باريس, وإنما كان لغرض سياسي وأنه بعد وصوله إلى مدينة الكفر والإلحاد واجتماعه برينان وأمثاله في أوائل سنة ١٨٨٣ قد تطور فكره في أقل من ثلاث سنين فمرق من الدين واعتقد أنه عدو للعلم والعقل والمدنية حتى إنه قبل بكل تعظيم وارتياح طعن رينان في الإسلام, وعظمه وأثنى عليه
стр. 476
من جرأته أطيب الثناء، مما هو ظاهر في بطلانه وسخفه الذي لا يخفى على طالب علم بله حكيم الإسلام، ومكمل تربية الأستاذ الإمام.
بهذا أجاب الأستاذ الشيخ مصطفى عن المقارنة بين رد السيد "جمال الدين" على رينان سنة ١٨٨٣ وبين سائر محرراته حتى رده على الدهريين الذي كتبه سنة ١٨٨١ وهذا سر ذلك التدفق التاريخي الذي أشرنا إليه في فاتحة هذه الكلمة. ولكن المعروف من تاريخ السيد الحكيم ومن محرراته سنة ١٨٨٣ وما بعدها أنه لم يزد بعد إقامته في أوربا وباريس خاصة إلا استمساكا بعروة الإسلام الوثقى ودفاعا عنه ودعوة إلى النهضة الإسلامية المدنية بهدايته العالمية وخلاصة المحاضرة أن فيلسوفي الشرق والغرب "جمال الدين ورينان" قد اتفقا على إثبات عداوة الدين للعلم والعقل وحرية الفكر لا فرق بين الإسلام وغيره، ونحن نرى التعارض تامًا بين هذا الرد الذي استخرجه لنا صاحب هذه المحاضرة من ترجمة ألمانية عن ترجمة فرنسية لم يرها عن أصل عربي مفقود وبين سيرة ومكتوباته ومما روى الثقات عنه من أول عمره إلى آخره حيث كان في الأستانة يختلف إليه العلماء والكتاب فأي الأمرين نرجح؟
إننا نجد فيما لخصه صاحب المحاضرة "مصطفى عبد الرازق" عن رد السيد جمال الدين على رينان جملا أخرى تحول دون صحة النتيجة التي استنبطها من مجموع الرد وقد يؤيدها في ذلك جملة من تلخيص رد رينان على السيد.
٣- ثم فصل الشيخ رشيد رضا رأي مصطفى عبد الرازق فقال:
إن الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق قد استنبط مما فهم من كلام السيد
стр. 477
الذي خلص إليه من ثلاث ترجمات أنه بعد وصوله إلى مارس سنة ١٨٨٣ دخل في طور جديد تغير فيه اعتقاده ورأيه في الإسلام وكونه منشأ العلم والحكمة والعمران.
أفرأيت لو كان السيد جمال الدين رجع بباريس سنة ١٨٨٣ عن رأيه في كون الدين ولا سيما الإسلامي لا يتفق مع العلم والحكمة، أكان يبني سياسته في إعادة مجد المسلمين على هذه الدعوة؟
كلا، إنه لو دخل في الطور الذي استنبطه صاحب تلك المحاضرة لجعل دعوته فلسفية محضة مشوبة بفصل الدين عن السياسة وبالتشكيك في الدين أو الصد عنه كما فعل النصارى في أوربا من قبل وكما يفعل مقلديهم من متفرنجة المصريين والترك والفرس.
ولكنه لم يفعل ذلك بل جعل دعوة الإصلاح كلها قائمة على إحياء هداية القرآن وصحيح السنة وسيرة السلف الصالح من الأمة، وهذه حجتنا الناهضة على أن ما سلم به "رينان" من اضطهاد بعض المسلمين للعلم إنما هو بسوء فهمهم للإسلام. وإن الإسلام المشوب بالبدع والأهواء هو الذي يناهض الحكم والعلم لا إسلام القرآن الذي كان المسلمون يفهمونه في إبان سلطان الدولة العربية قبل تغلب العجم عليها.
٤- جمع رينان ما له منحول وقوة واستعان بما يملك من جهد في تسويء سمعة الإسلام والحط من قيمة تعاليمه وطعن المسلمين في عقليتهم وما لهم من علم وأدب وخلق وأنكر على العنصر السامي عمومًا والعربي خصوصًا أن يكون لهم عقلية سليمة أو طبيعة تسالم العلم والفلسفة أو تتفق مع حرية الفكر.
وامتد به نفس السلب والشتم إلى أن أنكر أن يكون للعرب عمل أو فكر
стр. 478
أو رأي في العلوم والفلسفة وإذاعتها لأن نقل تلك العلوم إلى العربية إنما كان من أولئك النفر الذين تلقوا العلم بمدرسة حران، ونقلوا الفلسفة من اليونان إلى اللسان العربي وأن ابن رشد هو الذي أشعل ذلك القبس العلمي الذي استضاءت به أوربا.
وقر هذا في نفسي وقد رأيت رجلا من علماء الدين بالأزهر الشريف يورد مطاعن رينان في الإسلام من حيث هو دين وفي أهل الإسلام كافة باعتبارهم متدينين، ويخرجهم في عقليتهم وآدابهم وأخلاقهم وعلومهم في بلد يدين أكثر أهله بالإسلام.
وقد اجتمع جمهور السامعين، وهم من المسلمين الذين سلقهم بأحدّ لسان وفيهم كثير من علماء الدين وجميعهم مصغ إلى تلك الآراء التي يقصد بها الحط من دينهم وعقليتهم ولا يستفزهم ذلك إلى الغضب من رينان الشاتم السالب ولا من مكرم "رينان" المورد لأقواله.
أليس تكريمه في بلد إسلامي بفم رجل من علماء الإسلام بالأزهر الشريف يورد طعنة في الإسلام والمسلمين.
ويستغرب كثير من الناس أن يقدم رينان إلى الافتراء على دين يعتقده خمس النوع الإنساني، ويهجم في الحكم على عقليتهم وآدابهم وأخلاقهم دون حياء، حكما لمي نضجه البحث الصحي أو الوراية - ولكن أخالفهم في عد ذلك الأمر غريبا منه بعد أن علمت وكل من سمع محاضرات رينان قد علم أنه نشأ نشأة دينية وانتظم في سلك رجال الكهنوت ليعد نفسه ليكون قسيسًا فإني أعتقد أن الرجل لما فسدت دينيته قد بقي عنده ما يثبت في قرارة نفسه من التعصب على الإسلام.
٥- طعن رينان في الإسلام بأنه عدو العلم والعقل وطعن في العرب بأن
стр. 479
عقولهم قاصرة بطبعها غير مستعدة لفهم الفلسفة وما وراء الطبيعة وكل ما ذكر في المحاضرة من تلخيص كلامه يدل على أنه لم يكن يعرف من أصول الإسلام شيئًا إلى بعض كلام دعاة النصرانية في الجزائر ورجال السياسة الفرنسية فيها وناهيك بإخلاص الفريقين في التحقيق والصدق فمن تحقيق الفريق الأول ما يعرفه قراء العربية من كتاب الإسلام للكونت دي كاسترو الذي ترجمه بالعربية المرحوم أحمد فتحي باشا زغلول فإن فيه من العقائد المنسوبة إلى الإسلام ما لم يخطر في بال أحد من البشر لم يطلع على مفترياته.
ومن تحقيق الفريق الآخر تفضيل البربر على العرب في العلم والمدنية.
ودليلهم على ذلك أن أصلهم من برابرة الشمال الأوروبيين لا من همج الساميين وقد اضطر إلى تجهيلهم الفيلسوف الاجتماعي بحق "غوستاف لوبون" أحد أفراد علماء الفريق الذين أنصفوا العرب حق الإنصاف على علم صحيح بالتاريخ.
ومن هذا الباب ثناء رينان على جمال الدين وعلى قومه الأفغان بأنهم من الأرومة الآرية ذات العقل الراقي المستعد للفلسفة العليا التي تستعصي على عقول العرب وعلل بذلك ما زعمه من عدم استمساك هذا الشعب بالإسلام.
والحق الواقعي القطعي الدال على مبلغ جهل رينان هو أن السيد جمال وهو الفيلسوف الوحيد الذي خرج من الأفغان هو من صميم العرب من سلالة النبي ﷺ .
وأن الشعب الأفغاني هو أشد الشعوب الإسلامية اعتصاما بدين الإسلام وتعصبًا له.
فإذا كان السيد جمال الدين غير متدين كما تراءى لعقل رينان فقد نقضت قاعدته في العرب، وفي الأفغان جميعًا.
стр. 480
على أننا لا نثق مما نقل إلينا الأستاذ صاحب المحاضرة من كلام فيلسوف الغرب والشرق على رأيه فإن السيد جمال الدين كتب رده على رينان بالعربية -كما قال- وترجم لجريدة الديبا بالفرنسية ونقل من الفرنسية إلى الألمانية ومنها إلى العربية فهل حفظ الأصل مع كثرة النقل من لغة إلى لغة أخرى.
٥- ملخص ما ذكر في المحاضرة من رد السيد الأفغاني على الفيلسوف الفرنسي أنه وافقه على كون الإسلام عدو العلم والعقل كسائر الأديان وخالفه في طعنه في العرب، ولكن المحاضر نقل عن السيد كلمة وجيزة مجملة فيما عزاه رينان إلى الإسلام، هل هو من تأثير الدين نفسه أم هو تأثير فهم الناس له واختلاف الشعوب في فهمه، خرجت هذه الكلمة بصوت غير جهوري فلم يعها كل أذن ولا فكر فيها كل سامع, ولعل كل ما في الرد من التسليم باضطهاد الإسلام للعلم وعداوته للعقل مبني على هذه الكلمة.
ومن الكلمات المأثورة عن السيد جمال الدين: إن الإسلام وحده كاف لرفع البشر إلى أرقى مقام من العلم والعرفان والفضائل والحضارة.
فعلم من هذا أن الذي يتفق مع ما كتبه السيد جمال الدين أو أملاه في حقيقة الإسلام وكونه دين الحكم والعقل والمدنية.
ويحب الملحد أن يكون عظماء الرجال ملاحدة مثله، وإذا كان من منتحلي الفلسفة والعلم والباحثين في الأدلة يظن أن من عرف بالعقل لا يمكن أن يكون ذا دين وهذا ما كان يحمل بعض الناس على القول بأن جمال الدين ومحمد عبده غير متدينين.
أرى في هذا البلد أفرادًا يعنون في هذه الأيام بإفساد١ عقائد المسلمين
стр. 481
وتجرئتهم على الكفر حتى زعم بعضهم أن أكثر المسلمين كانوا كذلك في القرن الثاني للهجرة مرتابين في الدين وفاسقين عنه بدليل ما يوجد في بعض كتب الخلاعة والأخبار من حكاية ما يؤثر في ذلك عن بعض الأفراد من بعض الشعراء والمغنين والمخنثين.
أما نحن فإننا لا نقبل إلا رواية الثقاة العدول.
محمد الببلاوي؛ رينان وجمال الدين الأفعاني ١:
يقول المسيو رينان أن الأمة العربية غير صالحة بطبيعتها لعلوم ما وراء الطبيعة الفلسفية، وهو يعلم أنها الأمة التي أدخلت في العالم المدنية وأخرجتها من ظلمة الجهالة إلى نور العلوم والمعارف في قرن واحد من غرب أوربا إلى حدود الصين ولا عيب لها عند المسيو رينان إلا أنها عرفت كيف تهدم الأباطيل التي تؤدي إليها إلى المقدمات الفاسدة مما يقوم بأذهان بعض الطبيعيين والفلاسفة فإنها هدمتها بما ألجمتهم من الحجج والبراهين.
أما ما لحظه رينان من الانحطاط الذي عليه المسلمون الآن فهذا منشؤه بعدهم عن التمسك بدينهم القويم فلو أنهم رجعوا إليه لعاد بهم إلى أوج العلوم العقلية والكونية وهداهم إلى خير مدنية والتاريخ شاهد عدل.
ويظن رينان أن المسلمين يسلمون أبناءهم كما ينصر النصارى أبناءهم ويهود اليهود أولادهم وهو وهم فإنما هي الفطرة التي يولد المولود عليها.
ويعيب رينان على الدين الإسلامي, ويعد من أكبر عيوبه اعتقاده المسلم أن الله يهب الرزق والسلطان لمن يشاء وهو خطأ منشؤه جهله بتعاليم الدين
стр. 482
الإسلامي فإنه مع هذه العقيدة الصحيحة ربط الأسباب بالمسببات ولم يأمر بالنوم اعتمادًا على ما خطه القدر" وزعم رينان أن الإسلام لم يأت بعلم خاص فأين علم الميراث الذي مثل العدالة تمثيلا صحيحا حتى رجعت إلى تعاليم الأمم الغربية وصار هو المعمول به في كثير منها, وأين علم المعاملات الذي ضرب باعتداله المثل حتى أخذ منها القانون الفرنسي.
يعيب رينان على المسلمين أنهم أقل الناس حظا من الفلسفة وكان من أولى له أن يقول هم أقل الناس قبولا لأباطيلها وترهاتها، وإلا فليقل لنا في أي عصر عجز عالم من علماء المسلمين عن رد مفترياتها أو قذف أباطيلها.
يرمي رينان الدين الإسلامي بأنه اضطهد الفكر الحر, وكيف يضطهد الإسلام حرية فكر معتنقه وهو الذي أطلق حرية الفكر لمخالفيه؟
يقول الفيلسوف رينان أن العلم لم ينف الألوهية وإنما أبعدها دائما من عالم الجزئيات الذي يعتقدون أنهم يشهدون آثارها فيه.
يوسف الدجوي "لو غيرك قالها" ١:
لست أكتم الشيخ أني لا أفهم معنى لهذا الاختبار ولا سرا لهذا العناء الذي تحمله في البحث عنها وعمن يترجمها من اللغة الألمانية، فإن كان الغرض التنويه بذكر رينان لأجل أن نفنى في الأمم الأجنبية أكثر مما نحن فيه فهذا لا يثبت لرينان علما وفلسفة ولا شيئا يروق الناظر إنما هو شيء سخيف معتاد سماعه من جهلة الأوروبيين بالدين الإسلامي البعيدين عن الفلسفة الصحيحة وقد خالفه في ذلك المئات والألوف من علماء أوربا وأمريكا.
وأمامنا كتاب الفيلسوف "درابر الأمريكي" وكتاب الكنت هنري الفرنسي وتاريخ المستر ولز الإنجليزي.
стр. 483
وإن كان الغرض من المحاضرة التنويه بالسيد جمال الدين فقد ألصقت به يا أستاذ أكبر المعايب فإننا إذا لم نشك في نقله قلنا: إنه رجل متقلب لا ثبات له على شيء أو منافق يظهر خلاف ما يبطن.
وعندما ذكرتنا برسالته في الرد على الدهريين قلت: إن الرجل سياسي منافق يقول غير ما في قلبه, وكان الأولى أن تراجع رأيه الغربي إلى رأيه الشرقي لا العكس.
ولا أقول: إنك أردت أن تضع من شأن الإسلام فإن ذلك لو صح لوضع من شأن ذلك الفيلسوف لا من شأن الإسلام.
стр. 484
الفصل التاسع: خم النوم
معركة ساخرة بين أحمد زكي باشا وزكي مبارك:
هذه إحدى معارك المجددين والمحافظين تنفرد بلونها الساخر، هذا اللون الذي عرف به زكي باشا شيخ العروبة في عديد من مساجلاته التي نورد منها نموذجا آخر في معركته مع محمد مسعود، والحق أن طريقة أحمد زكي باشا في المجال هي جزء من تاريخ النقد العربي المعاصر فإن كتابنا الذين عرفوا بالنقد الساخر المليء بالضربات والطعنات هم عندنا أتباع لمدرسة أحمد زكي باشا وتلاميذ له لا سميا وأن طه حسين وزكي مبارك وغيرهم قد تلقوا عنه في الجامعة ونظروا إلى كتاباته ومساجلاته حول الحضارة الإسلامية في الصحف, وقد بدأت المساجلة باعتراض أحمد زكي باشا على ما ذكره زكي مبارك من نهج البردة التي حملت اسم الشيخ سليم البشري هي من كتابة ابنه الشيخ عبد العزيز البشري وقد سخر زكي باشا من مبارك فوجه كتابه إلى الطفل الميمون نجل الدكتور زكي مبارك ذاكرا أن الابن يكتب بإمضاء أبيه ويخطئ وتطورت المساجلة فدخلت في أساليب متعددة وسخريات مختلفة.
إلى الطفل الميمون نجل الدكتور زكي مبارك ١:
أنت تكتب باسم أبيك فتارة تخطئ وتارة تصيب.
فأنت تزعم بالأمس فيما كتبته أنت بإمضاء أبيك أن الأستاذ الأخ شيخ المحدثين وشيخ الأزهر المرحوم سليم البشري قد رضي بالكذب وبالزور وبالبهتان بأن يوضع اسمه على شرح نهج البردة بأنه هو ناسج بردته والحال -كما تزعم أنت وحدك- أن هذا الشرح مكتوب بقلم والده فخر الكتاب وإمام المنشئين الكاتب الأبرع الأمجد الأستاذ عبد العزيز البشري.
стр. 485
ولو أنك سألت أباك الدكتور زكي مبارك الصادق المصدوق، لقال لك: إنك جريء على الحق، وإنك مستهتر بالتاريخ.
فإن أدبك أبوك بالأدب الذي أخذه هو عن أشياخه "ولي معهم سهم ضئيل" أيام كانت العمامة البيضاء تتوج رأسه المبارك بالعلم وتزين مفرقه الحالي بالأدب ثم رجعت تطلب مني الإفادة بأن تجلس بين يدي كمثل الطالب المستفيد المتأدب في جلسته وفي عبارته فإنك تكون في هذه الحالة -وهذه الحالة فقط- عليم بالجواب وإلا فخير من مجاوبتك السكوت.
زكي مبارك ١:
إني أعرف أني أسرفت في الثرثرة وملأت الدنيا كلامًا وضجيجًا وكان لا بد أن يتقدم كاتب جريء فيقول: اسكت فقد أسرفت.
وكان ذلك الكاتب الجريء هو العلامة المفضل "أحمد زكي باشا" الذي لم يعد الصواب حين قال: إن هناك إنسانين أولهما زكي مبارك وثانيهما نجل زكي مبارك وأنا واثق أعرف هذا من نفسي. فقد يتفق في أحيان قليلة جدا أن أكتب فأجيد ثم أكثر من الهدر واللغو والفضول حتى لأحب أن أزيل مقالاتي بإمضاء أحد أبنائي, ولكني أشفق أن أحملهم تبعة ما أكتب حين يفوتني أن أوفق إلى القول الفصل والرأي الحصيف.
"ثم أشار إلى نهج البردة ظهر منذ عشرين سنة "قال: وكنا نسمع في أندية الأدب أنه من وضع الأستاذ "عبد العزيز البشري" لا من وضع أبيه المرحوم الشيخ "سليم" ثم اتفق لي أن أكتب ربيع ١٩٢٥ في المقطم عن قصيدة نهج البردة وأشرت إلى كاتب ذلك الشرح فلم يعترض أحد على ذلك.
стр. 486
وقابلت شوقي وطه حسين ثم نشرته في كتاب الموازنة بين الشعراء فلم يثر زكي باشا ولم يغضب أحد من مؤرخي الأدب الحديث.
ثم قال "لما ظهر خطاب زكي باشا رأيته عنيفًا جدًا وأشار بعض الأصدقاء بأن أقابله بخطاب أقسى وأعنف، ولكني تذكرت أن زكي باشا كان من أوائل الأساتذة الذين تولوا التدريس بالجامعة، وتذكرت أن زكي باشا شيخ كبير ومن حقه أن يلهوا بالإساءة إلى أبنائه الأوفياء, ثم تذكرت أخيرًا أن الواجب يقضي بأن أشتغل بتحقيق هذه الحالة تحقيقا علميا بعيدًا عن لغط القيل والقال.
"ثم ذكر الدكتور مبارك أنه رجع إلى طه حسين" فقال له: إنه لا موضع للشك في أن يكتب المرحوم الشيخ سليم لك الشرح لأنه كان متفوقا جدا في علم الحديث وكان يحفظ البخاري متنا وسندا.
ثم اتصلت بعبد العزيز البشري. فابتدرني بكتاب أرق من أدبه الرائع وسألني كيف أستكثر على أبيه أن يكون كاتبًا مع أنه كان من كبار المحدثين وأحالني على مقالات كتبها والده في السنة الأولى من المؤيد في الرد على الطويراني الشنقيطي وقال: إن مقالاته تضعه في الصف الأول من الكتاب.
ثم قال مبارك: وتلك بيانات رأينا أن نقدمها في نزاهة إلى قراء البلاغ وفيها انتصار لأستاذنا المفضال "أحمد زكي باشا" ولا يضيرنا أن ينصر حين يكون الحق في جانبه بل الشرف كل الشرف أن نعمل لانتصار الحق ولو أدى ذلك إلى انهزامنا في مناظرة أدبية.
ثم قال "وبعد أن وصلت إلى هذه النقطة لقيت أديبًا أزرق الناب من القروم الخناذيذ الذين شهدوا ذلك العهد فأكد أن زكي باشا لم يوفق في
стр. 487
إثارة هذه المسألة وإنه كانت هناك ظروف سياسية دقيقة قضت بتكليف الشيخ "سليم البشري" بشرح نهج البردة وأن الشيخ سليم لم يكن منشرح الصدر لذلك وأن الشرح الأول وضع في منزل شوقي بك بالمطرية بمعاونة الأستاذ عبد العزيز وأن الشيخ سليم راجع الشرح وصادق عليه وتوجه باسمه.
ثم عاد زكي باشا معلقا على قوله "لطالما عارض الناس بردة البوصيري في القديم والحديث بمئات ومئات من المنظومات".
وقال: واستكثر هذا الإغراق في المبالغة، والكلام الفضفاض إن مئات ومئات توجب على الأقل خمسمائة قصيدة والصواب أنها توجب ستمائة لأن أقل الجمع ثلاثة وطلبت من الباشا أن يدلنا على خمسين قصيدة لا خمسمائة فراح الباشا يراوغ مراوغة علمية اسمها في الفقه الفصيح "الهرب" واتهمنا بالغض من قدره مع أننا من أعرف الناس بسعة اطلاعه.
وإن كنا نوافق خصومه في بعض ما يأخذون عنه من سرعة الغضب ونقل المناظرة من باب الحد إلى باب التنابذ الذي يكرهه العلماء.
وكان زكي باشا قد سأله عن بعض أبيات من الشعر, ومن قائلها؟ فرد عليه وقال: "ولو استبحنا لأنفسنا أن نسأله مثل هذا السؤال لأعجزناه وأعجزنا معه ألوفا من القراء ثم وجه إليه ثلاثة اتهامات:
١- هل من الحق أن بردة البوصيري عورضت بمئات ومئات من المنظومات؟
٢- هل يليق بالعالم أن ينقل الجدل من ميدان إلى ميدان؛ ليفر من الجواب؟
стр. 488
٣- هل من الحق أن كل ما جاء به في المدائح النبوية كان معارضا للبوصيري وإن اختلف في الوزن والقافية ثم ختم مقاله بقوله:
"والنتيجة أن سعادة زكي باشا قد انهزم في هذه المعركة وإن لم يثر منها نقع ولم تتناثر أشلاء، فلسنا بحمد الله ممن يسترون ضعفهم بالطعن والسباب وإنما بالحجة الساطعة التي تدفع رأي المكابرين.
أحمد زكي باشا؛ خم النوم - صح النوم:
كان من حسن ظني بك أن أتخيل أن ابنك هو الذي كان في حاجة إلى تأديبك فإذا بك أنت، أو أنت إياه.
امتد بك النوم في هذا الشتاء سبع ليالي إلى أن تمخضت أنت بعد السبوع بمقال الأمس في أربعة أعمدة ونصف عمود في البلاغ.
وليس من الطريف سوى أنك وأنت نائم قد حلمت بأنهم قتلوك مرارًا وأنهم أماتوك تكرارًا ولكن الغير كان يخرجك كما كان دائبا على التجرد عنك لتواظب الرجع إلى الدبيا وإسعادنا بذلك الثغر البسام فالحمد لله على السلامة يا دكتور مبارك.
ثم قال في الرد على ما ذكره زكي مبارك في مقالة سنة ١٩٢٥:
هل تتصور أنني موكل بإدحاض كل بطولة تصدر هنا أم أن الوحي يأتيني بما يظهر من التلافيق هناك، يمينا بالله لولا الدكتور أحمد بك عيسى لما كنت قرأت كلماتك الجافة الجامحة عن أستاذك الذي رباك وأحسن تأديبك في الجامعة، أيام كنت أنت متوجا بالعمامة الناصعة البياض. فيا رحمة الله
стр. 489
على تلك العمامة وما كان تحتها من أدب. ويا خيبة الأمل فيما آلت إليه في صورة البرنيطة المطربشة ثم الطربوش المبرنط.
أما الدلال يا دكتور، وأما التجني يا مبارك، فإن كان يوسف الجديد المتقمص في ثياب الأستاذ الدكتور زكي مبارك ابن قرية سنتريس قد سحر بهما بنات باريس فهذا السحر خيال باطل في نظر غواني المغاني بشارع عماد الدين.
ثم ذكر قصة تأديبية لأستاذه "منصور أحمد" الذي ذهب إلى باريس, وكان زكي باشا طالبًا بالمدرسة التجهيزية بدرب الجماميز "وقد صادفته العناية المقلوبة فذهب إلى باريس وعاد مثل ما قيل عن زميله الصعيدي: "جاموسة طماوي تضرب بالفرنساوي" وكان يتشدق باسم فلان ويشيد باسم فلان.
وفي أثناء دروسه على الأوكسجين وحمض الكربونيك يتمخض بالكلام عن غرام نساء باريس به وبجماله، واحدة واحدة وسربا سربا وأفواجا أفواجا. فما كان من التلميذ الخبيث "أحمد زكي" إلا أن قال له ذات يوم: "يا دكتور ماعندكش مراية" فانهال عليه بالسب والشتم، فهل في فعلنا نحن بالأمس, أنهم يخدمون الأمة ويخدمون أنفسهم، وحينئذ فقط يكون جديرًا بالجواب.
أما إذا سكت التلاميذ واستمرأ الأستاذ "د. م" هذا النوع من الغطرسة الكذابة والعجرفة الفارغة فإنهم يكونون مسيئين إلى أنفسهم وإلى أمتهم ويكون السكوت خيرًا من الإجابة.
стр. 490
زكي مبارك؛ خم النوم باشا:
كنا نظن أن الأدب البارع الذي يظهر في مقالات شيخ العروبة فن جديد رمته به أيام الشيخوخة، ولكن يظهر أن هذا الأدب كان من صفاته لعهد الطفولة. فقد حدثناحفظه الله أنه استباح أن يقول لأستاذه في المدرسة التجهيزية "معندكش مراية" ولم يكتف الباشا بهذا في وصف أستاذه بلى وصفه بأنه "جاموسة طماوي تضرب بالفرنساوي" وهذا الرجل الذي يكتب هذ القول هو نفسه الرجل الذي قضى وقتا طويلا يدعوني فيه إلى أدب القول.
ومن كلماته يوم ذاك "لقد أفسدت السياسة أساليب النقد في الأدب فلنكتب نحن الأدب بأدب.
وقد عملت بنصيحته وتأدبت معه فاستأسد وكشر عن أنيابه وكان في مقدوري أن أعامله بمثل ما عامله به الأستاذ محمد مسعود١ ولكني رفقت بشيخوخته وقدرت له ماضيه في خدمة اللغة العربية، والله يشهد أني عصيت جميع الناصحين, فما رآني أديب إلا حذرني عواقب ملاينته وقد دعاني إلى مهاجمته ناس كرام يعرفون طباعه فآثرت الرفق رعاية للواجب واحترامًا لماضي "خم النوم" حرسه الله.
"ثم أعاد زكي مبارك أسئلته إلى أحمد زكي باشا" وقال:
هذه هي الأسئلة التي فر منها الباشا المفضال ليكتب في شتمنا مقالين أطول من ليل الشتاء. ونحن لا نزال نحسن الظن به ونرجو أن يقلع عن شحطه ونطحه.
стр. 491
ليس بيننا وبين حضرة العلامة زكي باشا حقد شخصي ولكنه مازحنا فمازحناه فإن عاد عدنا وفي الكأس بقية كلها علقم وصاب.
أحمد زكي باشا؛ يا دكتور زكي! كلمة أخيرة ١:
ما بالك تجحد فضل أستاذيتي عليك وتعاود فحش القول وجفاء الطبع وبماذا نبيض وجهك عند الأستاذين الطاهر والإسلامبولي بعد أن استغفرتني في دار مجلة المعرفة قبل ردك الأخير.
أفأنت حينما تواجهني يتغلب عليك الأدب ويغلبك الحياء، وإذا ما خلوت إلى نفسك جمح به القلم ذلك الجموح الذي طالما حاربته فيك.
"ثم قال بعد أن تحدث عن معركته مع مسعود ومعركته مع مرقص باشا".
أعود للمستنصر المبارك. كنت أظنه أديبا, فإذا به لا يريد إلا أن يكون "أدباتيا" وكان من تعليمي إياه أن يكون محققا فإذا به يبقي ممخرقا، إنه يزعم أنني صنفت كتابا في القول الناشف "برضه يا مبارك تموت في هذا القول، ولا تصدر عنه صدودًا بعد أن تطورت من العمامة إلى البرنيطة إلى الطربوش ثم تنسب لي "الذهب الإبريز في محاسن باريز" ونسي أن هو ابن سنتريس الذي عبدته أحاسن باريس" كما يقول وينسب لي "التحفة البهية في الكبدة المشوية" يا كبدي عليك يا مبارك حينما كنت تجري ليلا في درب المش وراء يا حاير الذي يبيع الكبدة وأنت لاتزال تحلم بها وتتصور أنها أكل الملوك.
ثم أشار إلى أن زكي مبارك وسط إليه حسن القاياتي, وقال: إنني لم
стр. 492
أتشرف قط بأن أكون صديقا للدكتور مبارك وغاية الأمر أنني عرفته تلميذا نجيبا، ثم صار اليوم إلى ما صار إليه من الجموح فرددت عليه. وبعد أن أوهمني بالسكوت أعاد الكرة فرجعت إليه ثم طغى في الثالثة فكانت له مني هذه الكلمة وهي الأخيرة فإن التزم السكوت رضي بحكم الأستاذ القياتي وعاد إلى التأدب مع أستاذه الذي له عليه فضل التربية والتثقيف فذلك ما كنت أعهد من كرم أخلاقه.
стр. 493
الفصل العاشر: بين النقد والتقريط
...
الفصل العاشر: بين النقد والتقريظ
بين زكي مبارك وعبد الله عفيفي ١:
هذه معركة من ذلك النوع القائم على السخرية لا الأخطار ذات الأهداف جرت بين كاتبين نبرات حياتهما في الأزهر ثم اتجه أحدهما إلى أوربا وعاد بنقد الأسلوب القديم قد ناقش زكي مبارك الوفد بين النقد والتقريظ في الكتابة عن المؤلفات, ثم دخلت المعركة في المهارة وقد بدأها زكي مبارك وحاراه فيه وزار عنه عبد الله عفيفي وجرت المناقشة والتنابذ بالبلاد والقرى وباب المزينين وحسان باريس.
نقد زكي مبارك:
قال زكي مبارك في مقدمة مقاله أنه تصل إليه بين حين وحين مؤلفات يعلن أصحابها رغبتهم الشديدة في نقدها لا تقريظها "فنقع بذلك في حيرة لأن النقد القوي قد يعطل أحيانا سوق الكتاب ولكننا من ناحية أخرى نرى من حق القراء أن تطلعهم على المآخذ التي تبدو لنا فيما نقدمه إليهم من المؤلفات.
وقال: إنه يسعرض لكتاب "زهور منثورة" بين النقد والتقريظ "فنعرض موضوع الكتاب ومنهجه عرضا حسنا ثم نعقب عليه بملاحظاتنا في رفق ولين حتى نجمع بين الحسنيين.
وقال: "إن الكتاب في ١٩٢ صفحة وموضوعه النقد الأدبي, والأستاذ عبد الله عفيفي كاتب متين الديباجة مشرق العبارة دقيق الملاحظة وهو صديق عرفناه منذ سنين فلم نطلع منه إلا على صدق الخلق وكرم الوفاء.
стр. 494
ثم تناول بعض موضوعات الكتاب وعرض للهفوات التي وجدها وعددها ٢٧ هفوة.
وقال: هذا ما قيدناه ونحن نراجع الكتاب وفي هذه المؤاخذات دليل على أننا راعينا صداقتنا للأستاذ عفيفي ونحن حين نصادق الناس نبالغ في محاسبتهم على يسير الهفوات.
مراجعة المراجعة؛ عبد الله عفيفي ١:
أهنئك على نجاحك فيما اعترفت من حمل الأدباء على مساجلتك بكل ما ملكت من حيلة وما بذلت من وسيلة حتى ولو كانت من تلك الوسائل التي يعدها بعض رجال الأدب تجنيا غير سائغ، وتحاملا غير مقبول, ذلك ما أؤول به دعابتك الطريفة ومزاجك الرشيق في نقد كتابي.
ومن الخير لي ولك أن أعدك هازلا في كثير مما أتيت به، لأني لا أعتقد أن يرخص النقد الأدبي في هذا الزمان حتى يكون تصحيحا مدرسيا تحاسبني فيه على حرف نافر أو نقطة طائرة.
وأبيت إلا أن تنفذ من كتابي هذا إلى الأزهر وكليات الأزهر وأساتذة الأزهر وهي أغنية مرجعة وإيقاع مردد وقد أوشك السامعون أن يملوا.
وأوشك الحفل أن ينفض، ولا أعلم إن كان تجنيك على الأزهر أصابني في طريقه أو تجنيك علي ما أصاب الأزهر في طريقي أو أنك أردت أن تشبها غبراء قاتمة وإن انجلت عن غير جند وغير قتل.
أما أن تتناول القلم وتبدأ الكتابة وأنت تنوي أن تصيب الأزهر بحق أو بباطل فذلك ما لا أحله لك ولا أرضاه لأدبك.
стр. 495
ولا أحب لك أن تجحد "أبوة الأزهر" إلى الحد الذي آراه منك، قد تقول: إني أريد الجد في الأمر وإني أريد إصلاحا لا هوادة فيه فهل يهذا العبث وتلك الدعاية تصلح الأزهر.
الأزهر والنحو؛ زكي مبارك ١:
قدمت لصديقنا الأستاذ عبد الله عفيفي طائفة من الأغلاط التي وقعت في كتابه وكانت الأغلاط تنقسم إلى قسمين: أغلاط بسيطة وأغلاط جوهرية، أما الأغلاط البسيطة فقد أشرت أنها وقعت من الطابع أما الأغلاط الجوهرية فقد نبهت عليها في رفق وعطف. فجاء الأستاذ وتجاهل الأغلاط الجوهرية.
وكان من واجبه أن يقدم إلينا كلمة ثناء رعاية للجهد الذي بذلناه في تصحيح كتابه.
لقد استبحت لنفسك أن تسلك معنا سبيل السخرية في جوابك فما رأيك لو استبحنا لأنفسنا ما استبحت لنفسك، ولكنك أعز علينا من أن نروض القلم في السخرية منك.
أما بعد فمن كان يظن أننا سنلقي درسا في النحو على فضيلة الأستاذ عبد الله عفيفي, تلك والله أعجوبة الأعاجيب, فالأستاذ لا يزال يحمل العمامة, ومثل الأستاذ عبد الله عفيفي إذا دخل الأزهر وقفت لقدومه قواعد النحو صفا صفا، فكانت المنصوبات في جانب, والمرفوعات في جانب وقد تصدمه المجرورات من شماله إذا دخل إليها من الباب الذي كان يسمى باب المزينين.
وأراد الأستاذ عبد الله عفيفي أن يتظرف -وهو والله ظريف- فقص