ليس بيننا وبين حضرة العلامة زكي باشا حقد شخصي ولكنه مازحنا فمازحناه فإن عاد عدنا وفي الكأس بقية كلها علقم وصاب.
أحمد زكي باشا؛ يا دكتور زكي! كلمة أخيرة ١:
ما بالك تجحد فضل أستاذيتي عليك وتعاود فحش القول وجفاء الطبع وبماذا نبيض وجهك عند الأستاذين الطاهر والإسلامبولي بعد أن استغفرتني في دار مجلة المعرفة قبل ردك الأخير.
أفأنت حينما تواجهني يتغلب عليك الأدب ويغلبك الحياء، وإذا ما خلوت إلى نفسك جمح به القلم ذلك الجموح الذي طالما حاربته فيك.
"ثم قال بعد أن تحدث عن معركته مع مسعود ومعركته مع مرقص باشا".
أعود للمستنصر المبارك. كنت أظنه أديبا, فإذا به لا يريد إلا أن يكون "أدباتيا" وكان من تعليمي إياه أن يكون محققا فإذا به يبقي ممخرقا، إنه يزعم أنني صنفت كتابا في القول الناشف "برضه يا مبارك تموت في هذا القول، ولا تصدر عنه صدودًا بعد أن تطورت من العمامة إلى البرنيطة إلى الطربوش ثم تنسب لي "الذهب الإبريز في محاسن باريز" ونسي أن هو ابن سنتريس الذي عبدته أحاسن باريس" كما يقول وينسب لي "التحفة البهية في الكبدة المشوية" يا كبدي عليك يا مبارك حينما كنت تجري ليلا في درب المش وراء يا حاير الذي يبيع الكبدة وأنت لاتزال تحلم بها وتتصور أنها أكل الملوك.
ثم أشار إلى أن زكي مبارك وسط إليه حسن القاياتي, وقال: إنني لم
стр. 492
أتشرف قط بأن أكون صديقا للدكتور مبارك وغاية الأمر أنني عرفته تلميذا نجيبا، ثم صار اليوم إلى ما صار إليه من الجموح فرددت عليه. وبعد أن أوهمني بالسكوت أعاد الكرة فرجعت إليه ثم طغى في الثالثة فكانت له مني هذه الكلمة وهي الأخيرة فإن التزم السكوت رضي بحكم الأستاذ القياتي وعاد إلى التأدب مع أستاذه الذي له عليه فضل التربية والتثقيف فذلك ما كنت أعهد من كرم أخلاقه.
стр. 493
الفصل العاشر: بين النقد والتقريط
...
الفصل العاشر: بين النقد والتقريظ
بين زكي مبارك وعبد الله عفيفي ١:
هذه معركة من ذلك النوع القائم على السخرية لا الأخطار ذات الأهداف جرت بين كاتبين نبرات حياتهما في الأزهر ثم اتجه أحدهما إلى أوربا وعاد بنقد الأسلوب القديم قد ناقش زكي مبارك الوفد بين النقد والتقريظ في الكتابة عن المؤلفات, ثم دخلت المعركة في المهارة وقد بدأها زكي مبارك وحاراه فيه وزار عنه عبد الله عفيفي وجرت المناقشة والتنابذ بالبلاد والقرى وباب المزينين وحسان باريس.
نقد زكي مبارك:
قال زكي مبارك في مقدمة مقاله أنه تصل إليه بين حين وحين مؤلفات يعلن أصحابها رغبتهم الشديدة في نقدها لا تقريظها "فنقع بذلك في حيرة لأن النقد القوي قد يعطل أحيانا سوق الكتاب ولكننا من ناحية أخرى نرى من حق القراء أن تطلعهم على المآخذ التي تبدو لنا فيما نقدمه إليهم من المؤلفات.
وقال: إنه يسعرض لكتاب "زهور منثورة" بين النقد والتقريظ "فنعرض موضوع الكتاب ومنهجه عرضا حسنا ثم نعقب عليه بملاحظاتنا في رفق ولين حتى نجمع بين الحسنيين.
وقال: "إن الكتاب في ١٩٢ صفحة وموضوعه النقد الأدبي, والأستاذ عبد الله عفيفي كاتب متين الديباجة مشرق العبارة دقيق الملاحظة وهو صديق عرفناه منذ سنين فلم نطلع منه إلا على صدق الخلق وكرم الوفاء.
стр. 494
ثم تناول بعض موضوعات الكتاب وعرض للهفوات التي وجدها وعددها ٢٧ هفوة.
وقال: هذا ما قيدناه ونحن نراجع الكتاب وفي هذه المؤاخذات دليل على أننا راعينا صداقتنا للأستاذ عفيفي ونحن حين نصادق الناس نبالغ في محاسبتهم على يسير الهفوات.
مراجعة المراجعة؛ عبد الله عفيفي ١:
أهنئك على نجاحك فيما اعترفت من حمل الأدباء على مساجلتك بكل ما ملكت من حيلة وما بذلت من وسيلة حتى ولو كانت من تلك الوسائل التي يعدها بعض رجال الأدب تجنيا غير سائغ، وتحاملا غير مقبول, ذلك ما أؤول به دعابتك الطريفة ومزاجك الرشيق في نقد كتابي.
ومن الخير لي ولك أن أعدك هازلا في كثير مما أتيت به، لأني لا أعتقد أن يرخص النقد الأدبي في هذا الزمان حتى يكون تصحيحا مدرسيا تحاسبني فيه على حرف نافر أو نقطة طائرة.
وأبيت إلا أن تنفذ من كتابي هذا إلى الأزهر وكليات الأزهر وأساتذة الأزهر وهي أغنية مرجعة وإيقاع مردد وقد أوشك السامعون أن يملوا.
وأوشك الحفل أن ينفض، ولا أعلم إن كان تجنيك على الأزهر أصابني في طريقه أو تجنيك علي ما أصاب الأزهر في طريقي أو أنك أردت أن تشبها غبراء قاتمة وإن انجلت عن غير جند وغير قتل.
أما أن تتناول القلم وتبدأ الكتابة وأنت تنوي أن تصيب الأزهر بحق أو بباطل فذلك ما لا أحله لك ولا أرضاه لأدبك.
стр. 495
ولا أحب لك أن تجحد "أبوة الأزهر" إلى الحد الذي آراه منك، قد تقول: إني أريد الجد في الأمر وإني أريد إصلاحا لا هوادة فيه فهل يهذا العبث وتلك الدعاية تصلح الأزهر.
الأزهر والنحو؛ زكي مبارك ١:
قدمت لصديقنا الأستاذ عبد الله عفيفي طائفة من الأغلاط التي وقعت في كتابه وكانت الأغلاط تنقسم إلى قسمين: أغلاط بسيطة وأغلاط جوهرية، أما الأغلاط البسيطة فقد أشرت أنها وقعت من الطابع أما الأغلاط الجوهرية فقد نبهت عليها في رفق وعطف. فجاء الأستاذ وتجاهل الأغلاط الجوهرية.
وكان من واجبه أن يقدم إلينا كلمة ثناء رعاية للجهد الذي بذلناه في تصحيح كتابه.
لقد استبحت لنفسك أن تسلك معنا سبيل السخرية في جوابك فما رأيك لو استبحنا لأنفسنا ما استبحت لنفسك، ولكنك أعز علينا من أن نروض القلم في السخرية منك.
أما بعد فمن كان يظن أننا سنلقي درسا في النحو على فضيلة الأستاذ عبد الله عفيفي, تلك والله أعجوبة الأعاجيب, فالأستاذ لا يزال يحمل العمامة, ومثل الأستاذ عبد الله عفيفي إذا دخل الأزهر وقفت لقدومه قواعد النحو صفا صفا، فكانت المنصوبات في جانب, والمرفوعات في جانب وقد تصدمه المجرورات من شماله إذا دخل إليها من الباب الذي كان يسمى باب المزينين.
وأراد الأستاذ عبد الله عفيفي أن يتظرف -وهو والله ظريف- فقص
стр. 496
علينا قصة "التركي" الذي زعموا أنه حين تقدمت به السن ولزم بيته ووضع على منهل عنده أكوابا بيضاء وحمراء فإذا شرب أحد بالكوب الأحمر انتهره وقال: "اشرب بالأبيض" إلى آخر تلك القصة الشريفة، فما رأي القارئ في أن هذا المثل لا ينطبق إلى على الأستاذ عبد الله عفيفي.
ضربني وبكى؛ عبد الله عفيفي:
إلى الأزهر١ يا دكتور زكي! فإن الهواء أطارك منه أخضر فجا لا تحسن مبادئ ما يدرس فيه.
إلى الأزهر يا دكتور زكي! واحذر أن تنوي عند باب المزينين أو عند هذا الشيء الذي تنضح به منه، فقد ذهب عهده كما ذهب عهدك منه. إلى الأزهر يا دكتور زكي مبارك! لتعرف باب الاشتغال فقد طويت في دراسته إحدى عشرة ليلة, ثم خرجت منه أفرغ مما دخلت فيه, تريد أن تعلمني النحو يا دكتور زكي؟ اسمع يا بابا! اسمع يا معلمي! اسما يا شاطر! واعلم أن لتلاميذك حقا إن لم يكن عليك فعلى الذين ائتمنوك عليهم.
إنك أرخصت النقد وأهزلته لأنك فهمته مراجعة مطبعية وزعمته تصحيحا مدرسيًا فلم تصغ إلى ما أقول وشاء أن يرد وجاء رده بعامل جديد زاد النقد رخصا وهزالا حتى انحدرت سوقه عن سوق القمح والقطن، والفول والشعير، ذلك العامل: إنه اتخذ الشتم حجة واللغو سلاحًا، وشاء أيضًا أن يكون ظريفا خفيفا فقال: أكرم الله وجهه "وقد تصدمه المجرورات من شماله إذا دخل من الباب الذي كان يسمى باب المزينين" أرأيت كيف كان ظريفا؟
стр. 497
وكان نظيفا في نكتته، وهذا الذي يقذف فمه الشريف بهذه المجرورات برغم أن سامر حسان باريس وساهر حسان باريس، ولو أن سامر حسان الصومال أو حسان ما وراء خط الاستواء، أو أي حسان بين أعطاف الأرض وأطرافها ما قارف تلك الكلمة التي تكدر الجو وتزهق الأنوف.
"وهذا الدكتور الذي يتخذ الشتم حجة، واللغو سلاحا يكتب في جريدة البلاغ وصاحب البلاغ هو الكاتب الذي تقرؤه فتجده أطهر الناس من الشتم وأبعدهم عن اللغو, وهو الذي تقرؤه فتراه ساطعا كالنجم، نافذًا كالسهم صافيا كالفرات, وتراه أقدح ما يكون إذا خف وأقسى ما يكون إذا لان، ذلك رأيي فيه كاتبا أديبا، فما كانت لك به قدوة حسنة وأسوة طيبة، ولكنك لا تملك أن تكونه ولا أن تقع قريبا منه لأنك تعوم ولا تغوص، وتحوم ولا تمعن، فإذا قيل لك غص غرقت، وإذا قيل لك أمعن ضللت، فأنت حين تطهر يدك من الشتم وقلمك من اللغو لا تجد شيئا تقوله.
نحن حين نجالدك إذًا على صفحة البلاغ إنما نجاهد في الله حق جهاده لأننا نريد أن نفهمك كيف يكون نقد الأدب وأدب النقد ولأننا نريد أن نحول بين الأدباء وبين طغيان الشتم وإرهاب اللغو.
أما بعد يا صديقي الدكتور! لا بد من تحطيم تلك الدمى المنتفخة الأوداج واعلم أننا حين ننغلب لأطفالنا الصغار وننخذل أمامهم ونتركهم يقتعدون أكتافنا فما ذلك إلا لأن لهم شفيعا من غرارة الطفولة وطهارة الطفولة, أما أنت فلماذا تسطو على أقدار الناس وإكراماتهم ومروءاتهم ولماذا تنضح عليهم مما وراء باب المزينين وتطلب إليهم بعد ذلك أن يداروك ويجاملوك.
стр. 498
أتريد أن تفرض الجزية وتضرب الإتاوة على الأدباء ليصوفوا أعراضهم بالفداء؟ لا, لن يكون ذلك.
ولقد حاول قوم من قبلك أن يفعلوا ما فعلته فكانوا كالفقاقيع الطافية على الماء لا تلبث حين يدركها قليل من الهواء أن تزول وتتبدد, لتقل في الأزهر ما شئت فإنك تريد أن ترضي قوما تظن أنهم يثيبونك على هجائه.
أجل، لتقل في الأزهر ما شئت فإنه لا يضيق ذرعا بأن ينتفع بهجائه والصخرة التي قاومت الخطوب وصمدت لها ألف عام لا يقوى زكي مبارك أن يزحزحها عن مكانها. قل في الأزهر ما شئت ودع الأدباء وشأنهم فهم قوم يعز عليهم أن يأتي زكي مبارك فيكدر عليهم صفاء الحياة.
لماذا دعوك زكيا وأنت قروي من سنتريس ومولدك في القرن التاسع عشر وهذه الأسماء لم يكن مما يألفه القرويون في ذلك العهد.
زكي مبارك قروي من سنتريس ١:
ادعى صديقنا الأستاذ عبد الله عفيفي أننا كنا نطوي مقالات خصومنا من العلماء أو نمزقها أو نجتزئ منها بما لا غناء فيه, وأننا كنا نقف على أقدارهم المهضومة وأفواههم المكمومة.
وحقيقة المسألة أن علماء الأزهر ألفوا الجنة في العام الماضي "ليقفوا طغيان زكي مبارك عند الحد المعقول" وصح رأيهم على نشر ردودهم في جريدة البلاغ وهنا يعلم الله أني لم أطلع على سطر واحد مما أرسلوه للجريدة وقلم التحرير هو الذي فصل في المسألة.
стр. 499
حرص الأستاذ على إفهام القراء أنني قروي من سنتريس وكتب هذا وأعاده ثلاث مرات. أفيستطيع أن يحدثنا في أي قصر ولد من قصور الحواضر, إن الأستاذ يشاطرنا شرف الانتساب إلى الريف وقد ولد فضيلته في قرية لطيفة بالقرب من سنتريس, والفرق بيني وبينه أني أتحدث عن بلدي في جميع المناسبات أما هو فلا يذكر بلده على الإطلاق, ولا يجري اسمها على قلمه ولا لسانه مع أن الأوطان الصغيرة هي حبات العقد في الوطن الكبير.
стр. 500
الباب الثامن: معارك بين المحافظين حول اللغة
المعركة الأولى:
بين أحمد زكي باشا ومحمد مسعود:
كان العالم اللغوي "محمد مسعود" قد قدم عددًا من الألفاظ العربية المهجورة منقح إياها لتحل بدلا من الألفاظ الغربية المدرجة, ولما كان شيخ العروبة أحمد زكي باشا له باع طويل في هذا الميدان وسبق إليه منذ عهد بعيد فقد صاول "محمد مسعود" ودخل معه أكثر من معركة واتهمه بأنه أخذ منه كثيرا من الكلمات, ويبدو أن زكي باشا في مساجلاته في إهاب الاستعلاء وله عبارات جزئية وكلمات عنيفة، وهنا نورد ثلاث معارك جرت بين أحمد زكي باشا ومحمد مسعود خلال عامي ١٩٣٢/ ١٩٣٣.
أحمد زكي باشا؛ اتق الله يا مسعود ١:
اتق الله يا مسعود فلك مركز وطيد بين أهل العلم والتحقيق وإذا كان منك سكوت على هذه الأخطاء فإنه يكون خطيئة لا تغتفر لمثلك.
"الشطارة" يا أخي أن يكون الإنسان مستعدًا لإثبات ما ذهب إليه أو يبادر بالرجوع للحق متى نبهوه عليه. فهل عندك هذه الشجاعة؟ أكبر الظن أن الجواب سيكون بالإيجاب بلا مداورة ولا مواربة.
يا مسعود! اتق الله في الأمانة التي في عنقك فأنت أخذت تتحلفط وتتحذلق وتتلاعب بهذا الاسم وبالناس الذين تصورت أنت أنهم قد يخلطونه بالاسم المقارب له وهو "طلمنكة".
فكان عجبي شديد حينما قرأت هذه الحقائق الصحيحة التي ليس فيها سوى عيب واحد وإنه لعيب عظيم هو عيب الاغتصاب الأدبي.
стр. 501
وأنا أربا بك عنه يا صاحب "المرياء" بل لا أسمح لنفسي أن أنهرك بسببه لأنك صاحب "المنهرة" ولا أدعو عليك فالق الحب والنوى لأنك الداعي إلى تأنيث الفيلق بغير حق ولكني أتخيل أنك وقفت أمام المرآة فرأيت شخصا أخذت تسخر منه ثم وجهت السخرية إلى الناس بغير حق.
أنت أخذت متى عني كل هذه المعلومات الصحيحة التي رويتها في الأهرام مع صياغتها بتلك الرشاقة البديعة وبذلك الأسلوب الجذاب الذي برعت فيه وفقت الأقران، فلماذا إذا خالفت واجب الأمانة ولم تنسب الفضل لأهله.
أنت أنت كنت الخالط بين شلمنقة وطلمنكة، أنت أنت كنت إلى بضعة أيام تظن أنهما شيء واحد أو مدينة واحدة، وأنا الذي هديتك إلى الصواب، وشرحت لك الحقيقة، وذكرت لك التفاصيل.
لعلك نسيت يا مسعود.
لعلك تقول: إن الإنسان معدن النسيان.
منها: أن أذكرك بما حصل لترجع إلى الحق وتنسب الفضل لذويه فهذه سجيتك التي عهدتها منك وهذه شيتمك التي يعرفها الناس عنك وفيها كل مفخرة لك.
أتذكر أنك في كلامي معك قلت أنت لي: إن سلمنكة هي التي عربها العرب وجعلوها طلمنكة, أتذكر أن جوابي لك كان "حاسب يا مسعود حاسب".
ثم شرحت لك الفرق بين المدينتين وذكرت لك مما بقي في ذاكرتك وجرى به قلمك دون أن تشير إلى المصدر الذي سقاك هذه المعلومات.
стр. 502
محمد مسعود؛ يا شيخ العروبة اتق الله:
يدعوني شيخ العروبة إلى تقوى الله ليهيئ لي من أمري رشدا فأكرم بهذه النصيحة الغالية والتحذير الحكيم من عالم فاضل يغار على الحق ويعمل لتأييده.
ولكني أراني الأستاذ تجاهه في مأزق حتى يرأف بحالي فيدعوني إلى التزود بزاد التقوى لأقيل عثرتي وأخلص من ورطتي وهو الذي في مناظراته عود مناظريه أن يكون أمرهم معه يسرا لا عسرًا.
وصف سيدي الأستاذ ما يتفضل الأهرام بنشره لي بين الفينة والفينة من تحقيق بعض الأسماء الأعلام أو تسمية بعض الأشياء بأسمائها الصحيحة في اللغة بأنها "ألفاظ مقعرة وحفلطة وجليطة وتحذلق وتفاصح ... إلخ" ما عرف الناس طرا من الحافقين وما زالوا يعرفونه أن شنشنة مولاي الأستاذ وفطرته التي فطر عليها في مباحثاته وسلاحه الذي يخطر به خطرانا في غطرسة وزهو كلما أقبل على ميدان أو تحضر للضرب والطعان.
وليس من ديدني أن أقرع هذا السلاح بمثله أو آبه لتلك النعوت, بل النوابل والأفاوية الزكية الذي اعتاد أستاذي الكريم أن يذر ذرورها على ما يقدم إلى قرائه من صحائف بياناته ومناقشاته المسهبة فإني مار بها مر الكرام وواضعها دبر أذني.
إن الحرب في سنيها الأول ألزمت سواد الناس ملازمة بيوتهم وحرمتهم إمتاع النفس بما اعتادوا أن يرفهوها به خارجها في الهزيع الأول من الليل وكانت تطوف بخاطري دائما في تلك الأيام وأنا في عزلتي ذكرى المحاولات المستخذية التي حاول بعضهم سنة ١٨٩٣ أن ينضوا عن اللغة العربية عار إفقارها
стр. 503
من ألفاظ فصحى تؤدي معاني الألفاظ العامية والدخيلة التي تسربت إليها وفشا استعمالها في اللحنين الكتابي والكلامي. وقد كنت أعتقد أن سد هذه المفاقر لا يتأتى عن تصعيد الألفاظ المطلوبة من هنا وثم كما كان يفعل ذلك البعص مسايرة للمصادفات والمناسبات بل عن مطالعة المعاجم مطالعة استقراء واستقصاء لتقييد ما يكون صالحا لسد تلك الثلمة الفاغرة التي علا نعي الناعين لها في الغابر والحاضر فتوفرت على هذا العمل زمانا مديدا حتى اجتمع لي منه بضعة آلاف كلمة عنيت برد ما يتصل منها بمختلف العلوم إلى ما هداني البحث والتنقيب إليه من مقابلها في اللغتين الفرنسية واللطينية, وهذه الكلمات وتلك مصورة عندي في أمام مبين أعاوده بنظري كلما احتجت إلى تحقيق أو تصحيح.
فمن العجب العاجب بعد هذا أن يريدني الأستاذ شيخ العروبة فيما يتعلق بكلمة "المنهرة" وهي من تلك الكلمات التي أحصيتها ثم سمعتها بعد من كثيرين على أن يرتقي علمي بها إلى ما قبل سني الحرب.
وأي حرج في استعمال كلمة المنهرة الآن للدلالة على مجمع الكناسات المنزلية وكتب اللغة قاطبة لا مخصص ابن سيدة وحدة متفقة على أنها "الموضوع بين الدور لإلقاء الكناسات".
بعد أن أفرغ سيدي الأستاذ جام غضبه ونقمته على كلمة المنهرة توجه بنقده اللاسع اللاذع إلى كلمة "الفيلق" التي أثبت بالمراجع اللغوية والشواهد الشعرية تأنيثها ثم قال: "إني" ثائر على تأنيث كلمة الفيلق وقد يكون هذا التأنيث صحيحا ولكني لن أستعملها إلا مذكرة".
هذا ما قاله شيخ العروبة مبنى ومعنى، ولقد قرأت بعد ظهور نبذتي عن
стр. 504
كلمة الفيلق ست عشرة نبذة نشرها بعض أفاضل اللغويين تعليقا وملاحظة على ما ذهبت إليه من تأنيثها. ولكن سيدي إذا انزرع بمخه رأي عددت فيه جذوره وأخذت منه المأخذ العميق فيصبح عسيرا عليك أن تقتلعه، وما دام أنه يحب التذكير ولا يرضى ألاه فلندعه وشأنه. لنسرح الطرف قليلا في تفسير طريف فكه جاء به لكلمة الفيلق. يقول أم اللغة وشيخ العروبة في لهجة التأكيد والاستيثاق ما يأتي: "إن فيلق إنما هي صفة أو نعت تطلق بصيغتها هذه على المذكر والمؤنث مثل خام وقبيل ومصون إلخ".
مرحى يا سيدي الأستاذ! ما هذا التخليط في التحقيق اللغوي الذي لم تتورع بصدده عن نصيحتي بتركه إذ تقول: "إن استمعت لي أخرجت نفسك من ميدان البراز فائزا من الغنيمة بالأسباب.
أسألك بربك أن تجاوبني ما هذا الخبط والخلط.
رأيت النفس النقادة من الهيولي اللغوية لمولاي الأستاذ إلا أن تلقف بكفي نقدها العميق كلمة مرباء بالهمزة التي رأيت ومازلت أرى أنها أصلح لفظ وأدقه لأداء معنى المصعد أو الأسنسور, ولكن الظاهر أن تلك النفس العيوفة تقززت منه فقالت مستنجدة مستصرخة "سألتك بالله ألا تردنا على استعمال كلمة مربأة, لا أحد يتقعر بما لا يفهمه الناس من مرباتك".
إني حين حدثت قرائي عن "المربأة" حدثتهم عن موجود في اللغة لا معدوم ويجمل بك يا سيدتي النفس الكريمة أن أذكرك أنك في غابر الزمان وسالف العصر والأوان كنت تتصدين لما أنا متصد له الآن من خلع بعض الأسماء على ما يجب أن يسمى به مدلولها فأسميت التروتوار بالإفريز ما الإفريز إلا ما برز من حائط البناء كالطيف وأسميت الأوتومبيل بالسيارة وكان حقا
стр. 505
أن تسميه بالجوالة وتغلغل خطأ هاتين التسميتين في غصون الزمان حتى جهد عليها الإصلاح الآن.
أفلم يكن الأولى بك أن ترى الخشبة في عينك من أن ترى القشة في عين غيرك.
وألفت نظرك إلى أن ربي وربك أمرنا في محكم آياته بالحسنى في الجدل وأنت أيتها النفس العاقلة الحصيفة تخشين أسلوبك الجدلي بهجر القول وسقط الكلام وحواشي اللفظ.
لكني أهيب بك أن تكون تحية أول صديق من الكرام الكاتبين قابلته في صبيحة اليوم قوله لي "تالله لو كنت طالبا لو لم يكن غير زكي باشا أستاذنا على وجه الأرض لآثرت البقاء جاهلا خاملا طول عمري على أن أكون عالما نبيها إذا كان أسلوبه في التعليم كأسلوبه في الجدل.
٢- محمد مسعود؛ يا شيخ العروبة اتق الله ١:
إن نخلة الأدب والعلم في حديقة شيخ العروبة تأبى إلا أن يكون ثمرها حجرًا ومدرًا لا رطبًا جنيا فهي ترمي بهما الناس جميعًا لا ترحم كبيرًا ولا تعطف على صغير.
ولقد أرسلت النخلة المباركة علي بدلا من ثمرها الشهي ورطبها الجني أحجارًا غلاظا أسمتها "الأمانة" والشطارة والصهينة والهروب إلى آخر ما في الجبهة الزكية.
تذكرين الأمانة تريدين بها ضدها أيتها النخلة المأمونة الأمينة وتذكرين
стр. 506
الشطارة تنزعين في معناها إلى جانب الفصيح، وقد كان أبعد خطورا على البال أن تلوحي بهما إلي وأنت لم تكوني الأمينة حتى على كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فغيرت في آياته وأبدلت ونسخت ومسخت وزدت إن أعذت هذا الخطأ في الصحف فهجت بذلك حفيظة الناس عليك وكانت غضبة مصرية من أهل العلم فهبوا لإصلاح ما أفسدت وجبر ما كسرت، وكان منك يومئذ أن لجأت إلى ما تلجئين إليه الآن, إلى ذلك الحصن الحصين؛ حصن الرجوع إلى الحق فضيلة تكررين الأمانة الأمانة، وأنت لا تتقي الله فيها إذا رحت تدعين لنفسك الحق في طبع كتاب الأدب الكبير لعبد الله بن المقفع مع أنه من ألوف الكتب التي أصبحت بموت مؤلفيها منذ مئات السنين ملكا مشاعا للجميع فلأي أن يطبعه فلما طبعه محمد المرصفي طبعة صحيحة هاج هائجك فأرسلت عليه كسفا من سماء غضبك إذ أنكرت عليه ذلك الحق وأمطرته وابلا من مثل هذه العبارات "نال من الرواج ما جعل بعض البلد المتطفلين يقلده بلا خجل", إلى ذلك من العبارات التي ينطبق عليها قول الفرنسيين.
"إن ديباجة المرء إنشاؤه" أي إن عصارة تفكيره التي ينضج بها فهي كفيلة بأن تكشف للقارئ، والسامع عن حقيقة مشاعره من كل نواحيها.
وترميني يا نخلة العلم والأدب فيما رميت من أحجار الصهينة والسكوت لأنني مررت بمقالك "حاسب يا مسعود حاسب" مر الكرام.
وأنت أنت يا شيخ العروبة نسيج وحدك في الإغضاء والتغاضي ونابغة زمانك في الانسلال من التبعات فما عهدك ببعيد بمقال "بقايا العرب في أمريكا" الذي نشرته لي "الأهرام أوائل نوفمبر ١٩٣٠" فقد لبثت تنتظر أسبوعين
стр. 507
كاملين طالعت الناس بعدهما بمقالك الذي صدرته بما هو ديدنك من التفاخر والزهو إذ قلت:
"عني وعني وحدي خذوا النبأ الصادق، وعندي وعندي وحدي الحجة الصحيحة والبرهان الصادق" ومننت فيه على كل شرقي وعربي "هكذا" بأنك أول من نبه العرب إلى كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق وزدت المن منا على مصر شعبا وحكومة بتصويرك إياه بالفوتوغرافيا لإهدائه إلى دار الكتب.
فلما انبرينا لنفند هذه الدعوى، وأثبتنا بالدليل المقنع والحجة البالغة أن الكتاب طبع بالعربية بحاضرة روما عام ١٥٩٢ أي قبل عثورك عليه بثلاثمائة سنة رأينا قلمك الندي قد ذبل عوره وانقطع سيله وعدت لا تحبر جوابا.
فلست أدري لماذا لا يرى شيخ العروبة الخير والصواب إلا في ملاحقة كل كاتب باحث بدعاوي التفوق وتعقبه بصنوف المن والتعبير والتكدير والتحذير؟ بل لا أدري لماذا يلذ له أن يصلح بغيره ما هو به ألصق؟ فهل جهل أو تجاهل؟ إن من أمارات العلم الصحيح أن يكون زكي النفس قبل أن يكون عالما وأن يقصد بعلمه هداية غيره في تواضع وإنكار للذات.
стр. 508
المعركة الثانية:
كتب "محمود مسعود" عن العالم الطرطوشي فقال ١:
"لأشاغيل طرآنية صرفتني في الأسبوعين الغابرين عن مطالعة الصحف
في مواعيدها فإنني أن أمتع النفس بتلاوة المقال القيم الذي دبجه البلاغ ببراعة أستاذي العلامة المحقق شيخ العروبة تحت عنوان "الصواب أنها مدينة لا ريدة" جريا مع منطوقها الفرنجي.
وقد استطرد البحث بشيخ العروبة في ذلك التصويب المكتنز بالفوائد التاريخية والجغرافية إلى ذكر مدينة طرطوشة الأندلسية.
رد أحمد زكي باشا:
أتقدم إلى الأستاذ مسعود برجاء مربع وقد أطمع في كرمه أن ينعم علي وعلى نفسه بحاجة خامسة, ولعله يتفضل ببناء هذه الأركان الخمسة لمصلحة الأدب ولفائدة العلم، فيحقق أملي القديم فيه بأن يعود "كما كان" مثالا للشبيبة الجامحة وللكاتبين المستهترين في المحافظة على الكرامة وفي تأدية واجب الأمانة.
أولا: أن يرجع -كما فعل أمس وأمس فقط- إلى عفاف القول واجتناب النكتة الباردة, أو غير الصادقة فأسدل حجاب النسيان على ما طغى به قلمه قبل اليوم بسبعة أشهر.
ثانيًا: أن لا يكتفي في المستقبل بالرجوع إلى مصدر واحد أو إلى قول واحد في كتاب واحد, بل يقارن ما ينقله هو عن الإفرنج بما نقلوه هم عن العرب فيما يتعلق بعلوم العرب وبلاد العرب أو البقاع التي كانت للعرب، إذن يكون في أمان من الغلط ومن السقط في الشطط.
ثالثا: أن يشاركني في فضيلة الرجوع إلى الحق "بلا مواربة ولا مداورة" ليكون قدوة صالحة للناشئة الطيبة.
стр. 509
رابعًا: أن لا يحول الكلام الذي يريد نقده أو نقله عن مجراه ولا يرمي به إلى غير معناه.
هل يسمح لي الأستاذ مسعود بخامسة الأماني!
إني أتوسل إلى الأستاذ مسعود باسم الرشاقة واللباقة واللياقة بحق اللطانة والطرافة والظرافة أن يرحمنا من الألفاظ العويصة المقفرة الجوفاء فيميل بنفسه إلى السلاسة في التعبير وهو عليها قدير, وإلى الكياسة في نظم الكلام.
وهو فيها أستاذ بل "إمام" فيعود بنا إلى ما تعودناه عنه مما تقبله الأسماع وترضاه الأذواق، ففي اللغة سعة وفي مخزون صدره كفاية وكفاءة.
فليس كل القراء مثل الشنقيطي والزمخشري وابن الزبعرى، يا أستاذ ولا سيما قراءة الجريدة اليومية.
فارحمنا يرحمك الله من براعة الافتتاح التي صدرت بها كلمتك أمس عن الطرطوشي وهو قولك:
"لأشاغيل طرآنية".
يا ستار! يا ستار! لعن الله هذه "الأشاغيل" التي شغلتك مشاغلها فأوقعتنا في صحراء الحيرة وأرجعتنا رغم أنوفنا إلى قعر القاموس.
أنا لا أقول فقط إنها خطأ، بل هي عين الصواب وكل الصواب ولكن الذوق شيء غير الذي في الكتب.
يا ستار! يا ستار! من تلك الطرآنية التي طرأت عليك فطرقت أسماعنا بالمرزبة المفردة ولك مقامع الحديد.
يا ستار! يا ستار! من هذا التركيب الذي لا يفهمه أحد من ألف أو مائة ألف, والحقير كاتب هذه السطور داخل في غمار هذا "المليون".
أشاغيل طرآنية ... اعمل معروف يا مسعود واتركها للقصيدة الطنطرانية.
стр. 510
المعركة الثالثة:
من محمد مسعود إلى شيخ العروبة ١:
ليس من الهنات الهينات ولا من تافه الأشاغيل أن يسوقك الحظ العاثر يوما إلى النزول مع شيخ العروبة في ميدان مناظرة وبحث لتقرير الحقيقة في شأن علمي.
ذلك لأنك إذا خضت معه هذا الغمار استهدفت لغمزات شتى من سنان قلمه الجارح، فمن من عليك وتعبير لك بأنك إنما من بحر علمه اغترفت إلى تشهير بك وانحاء باللوم والتعنيف عليك لأنك لم تؤد إليه صاغرًا إتاوة الشرك لقاء ما غمرك به من فيوض إحساناته العلمية, ومن تفاخر بأنه القابض وحده على مفاتيح التحقيقات العلمية واللغوية، والمالك لناحية البحوث الأفدلسية، والملهم في دياجير الأخطاء بالتوفيق لنور الصواب والحق، إلى اتهام لك بالجهل وانتحال علم ما لا يعلم. فهو يرى إذًا أن العلم وما يتصل به من تحقيق وتمحيص تراث أوصت له به الحكم الأزلية وميراث خلص له من غضون الأجيال السابقة. ليس لأحد من مخلوقات الله أن يرمقه بعينه أن يشرئب إليه بعنقه. وهذه هي الغاية لا متجاور بعدها للصلف وتصغير الخد وحب الأثرة التي جاء في ذمها ما لا يحصى من أحاديث شريفة وحكم بالغة نطق بها الفلاسفة وأرباب الدراية بالتربية النفسية والتثقيف العقلي.
وإذا أنت في مناقشتك إياه أخذته بالهوادة القائمة على أساس وطيد من أدبك العالي وخلقك الرضي الكريم فقلت له مثلا أنت سيدي وأستاذي وأنت نسيج وحدك في العلم ومنقطع القرين في الفضل, وبذلت له في هذه السبيل
стр. 511
الأشاغيل، إن فيه مسحة من التنافر اللفظي ويهيم على وجهه صائحًا صيحة الاستغاثة والاستعاذة إذ يقول: يا ستار يا ستار, لعن الله هذه الأشاغيل ناسيا أو متناسيا فيه مسحة التنافر اللفظي إنما كان حينما نهض لتأبين الشيخ علي يوسف في نوفمبر أو ديسمبر ١٩١٣ فوصف أمرا بأنه "بحت محت محض" فأضحك الحاضرين يومئذ في وجوههم وحزنهم.
أما هو فقد مضى في تأبينه راشدًا ومعتقدا أن تلك المترادفات خفيفة على اللسان سهل النطق بها وأنها من الألفاظ التي لا يجاريها في شرف جوهرها وحسن رونقها وشدة طلاوتها وحلاوتها غير قول الشاعر:
وقبر حرب في مكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
أحمد زكي باشا؛ يا فتاح يا عليم:
أعتذر ولا أعني الأستاذ مسعود بوجه خاص. أما الاعتذار فلأنني قد كنت وسأكون بلا قصد سببا في تصديقهم بإرهاقي إياه على اقتاح ما لا طاقة له به من عويص المباحث ولا صبر عليه من غوامض الحقائق، وهو يريد أن يكتب دون مبالاة بالصواب ولا يرضى أن يزيد على فضائله العديدة: فضيلة الرجوع إلى الحق.
من أجل ذلك نراه يتناول القلم بعد أن يغوص في قعر القاموس ثم يأتينا بعجز الألفاظ الميتة وبجر التعابير الداثرة المندرسة. وأما الحقائق وأما البراهين فإنه يتهرب منها إلى هنا, وينفلت عنها إلى هناك, وله في ذلك براعة -يا لها من براعة- في مجافاة الحق الذي تقدم به إليه بصادع البرهان وساطع البيان. ثم هو لا يتورع عن تأييد الباطل بصنوف المحال ولا يتحرج عن التشبث بأفانين التقول والاختراع وسبحان الخلاق الذي جعله نسيجا وحده في هذا
стр. 512
الباب, فهو أستاذ بل إمام وله تلاميذ ومريدون بهم يستنصر ويستكثر, وهل يقام بناء من هباء على هباء؟
أما أنني لا أهنئه اليوم -اليوم فقط- فإنه لم يتفضل برعاية الأمانة، أف لهذه الكلمة، إنها ثقيلة على قلبه، والويل كل الويل لمن يذكرها له أو يذكره بها.
أقول: إنني لا أهنئه اليوم لأنه لم يتفضل بمراجعة وجدانه عن الفرق بين الغلطة المطبعية "رغم كل مكابر ومداور" التي تحديته إلى التفطن لها وبين ما خلقه له وهمه وخيل له وسواسه أنه "غلطة تاريخية".
إن الغلطة المطبعية هي التي تقع من صفاف الحروف ولا يتشبث بهذه الصغيرة من الصغائر إلا المتعسف المتعنت.
أما الغلطة التاريخية مثل أغلاط سيدي مسعود الكبير, فهي التي تؤاخذ بها الكاتب حتى يعترف بغلطه فيها من تلقاء نفسه أو بعد تنبيهه, فتكون له فضيلة الرجوع إلى الحق "العقبى لك يا أستاذ".
والسماط في دار العروبة ممدود لك, ولأهل الفضل في كل يوم مرتين فشرف أنت والأستاذ دياب ومن تريدان على الرحب ولك الفضل وله الحكم على أحدنا على الآخر فيما يتعلق بالغلطة المطبعية.
من أحمد زكي باشا إلى محمد مسعود:
"الحديث موجه إلى زكي مبارك":
الحق أنه -أي مسعود- بزني في الخطاب وأنه فاز في مديان الشتم والسباب وها أنا ذا أعترف له بذلك وأشهد أنك -أي مبارك- لحقت غباره بل إنك سبقته بأشواط.
стр. 513
ألا فليعلم أنني تعففت عن منازلة الأستاذ مسعود في التراشق بالقول الهراء ولا يجهل أن عجزي فيه لا يوازي سوى قسوة قلمي في تشديد النكير على أهل الدراية أو الذين أحسبهم منهم إذا ارتكبوا خطأ وأذاعوا ضلالا. ثم بعد إرشادي لهم.
أأنت ترى في سلوكي عن الأستاذ مسعود وقد خلا له الجو مضيعة الحق العلم الصحيح؟ أم هل الحقائق التاريخية والجغرافية داخلة تحت الشريعة السمحة والقوانين المدنية والجنائية حتى سقط بالتقادم أو مضي المدة.
كلا.
بل إن الأغلاط التي نبهت الأستاذ مسعود إليها فشتمني من أجلها لا تزال عالقة برقبته حتى يبررها بغير السباب أو حتى يرجع إلى الصواب الذي دللته عليه ولا غضاضة في الرجوع إلى الحق.
لقد جازف حين زعم بغير حق ولا تحقيق أنني أنا الذي ابتدعت كلمة إفريز للمعنى المغلوط المستعمل الآن في قولهم "إفريز المحطة" بل هو يعلم أو يتجاهل أن المرحوم الشيخ علي يوسف هو أول من استعملها بهذا المعنى فكانت مني مقاومة ومعارضة ومكافحة ولكن صوت "المؤيد" كان ولا يزال أعلى من صوتي فبقيت هذه الأغلاط شائعة بين أرباب الأقلام١.
ومن سوء حظ العربية أن يغلط الأستاذ مسعود في نقله الوصف الذي أعطاه الإدريسي لأبناء العم الثمانية الذين جازفوا باقتحام المحيط الأطلنطي. فالإدريسي يصف هؤلاء العرب الكرام بـ "المعزرين" وعلماء المستشرقين
стр. 514
يتابعونه على هذا التعبير الصواب، أما الأستاذ مسعود فقد التبس عليه الأمر وكتب تحت "المغررون" بالقلم العريض ثم عاد في مقال ثان وكرر هذا الغلط "بزيادة الواو".
أيريد الناس برهانا عمليا على شرف الطباع ومحامد الأخلاق وعلى الاحتفاظ بكرامة الأدب في الجدل.
إذن فيسمع الأستاذ مسعود.
بينما كان هو مبالغ في شتمي والزراية بشأني على صفحات جريدة الأهرام طلب إلي أديب أن يكتب عن رواية ترجمها مسعود وظهر بها ٣٠٠ غلطة في رواية. ولكني رجوته رجاء شديدًا وألححت عليه لما لي عنده من المكانة ألا يغفل.
كلمة أخيرة من محمد مسعود ١ إلى شيخ العروبة:
لشيخ العروبة في التعبير عن مراده أسلوب خاص لم يبره فيه أحد حتى الآن فقد جعل قوامه ادعاء الكمال لنفسه في العلم والفضل والزراية بالناس والتنقيص من أقدارهم حتى لقد رأيت الكثيرين يربئون بأنفسهم من منازلته في ميدان البحث خيفة أن ينقلب بهم إلى ميدان تراشق بالشتائم قد يصابون من لوئها بما لا يحبون.
وفي "البلاغ" كلمة بقلمه تعد مظهرًا جليا من مظاهر هذه النزعة التي أصبحت ديدنا له وشيعة يمتاز بها عن الكرام الكاتبين، وقد حاول فيها
стр. 515
أن يمسني برشاش ذلك الأذى إذ راح يحصي علي أغلاطا يقول: إنها وقعت في مناظرات بيني وبينه انقضى عليها نصف عام إلى عامين وشهرين, وكان قمينا به أن ينبري لتصحيحها في إبانها كما جرت به العادة بين المتناظرين ولكنه صبر طول ذلك المدى كي ينسي القراء موضوع تلك المناظرات التي خرج منها مدحورًا لا يستطيع لها ردًا ولا يجد عليها جوابا، فتتهيأ له الوسيلة لإيهامكم بأنه أخذ علي مآخذ لا تمت إلى مناظرات سابقة بصلة ما فيأمن عاقبة حكمهم عليه فيما لو كانت موضوعاتها بين أيديهم أو عالقة بأذهانهم.
стр. 516
الباب التاسع: معارك نقد الشعر
الفصل الأول: بين شوقي ونقاده
لعل شاعرًا لم يتناول أدبه أقلام النقاد والباحثين مثل "شوقي"، فقد كان صاحب ذهب وسيف، وكان في فترات حياته وسيط الخديوي إلى رجال القلم والصحافة، فضلا عن أنه كان شاعر الأمير حتى نفي في أوائل الحرب العالمية الأولى فلما عاد تحرر من سلطان القصر, ولكن رأى خصومة ظل فيه كما هو، هاجمه إبراهيم المازني وعباس العقاد وطه حسين ثم هاجمه هيكل بعد أن كتب له مقدمة ديوانه وأصدرت السياسة الأسبوعية عددًا خاصا عنه ثم غير المازني وطه حسين رأيهما في شوقي وأصر العقاد على رأيه، وهذه صورة من أراء نقاد شوقي.
عباس محمود العقاد؛ شوقي في الميزان:
كنا نسمع الضجة التي يقيمها شوقي حول اسمه في كل حين فنمر بها سكوتا كما نمر بغيرها من الضجات في البلد لا استضخاما لشهرته ولا لمنعة في أدبه عن النقد، فإن أدب شوقي ورصفائه من أتباع المذهب العتيق هدمه في اعتقادنا أهون الهيئات، ولكن تعففنا عن شهرة يزحف إليها زحف الكسيح، ويضن عليها من قوله الحق ضن الشحيح، وتطوى دقائق أسرارها ودسائسها على الضريح, ونحن من ذلك الفريق من الناس الذين إذا ازدادوا شيئا بسبب يقنعهم لم يبالوا أن يطبق الملأ الأعلى والملأ الأسفل على تبجيله والتنويه به فلا يعنينا من شوقي وضجته أن يكون لهما في كل زفة، وعلى كل باب وقفة.
فإذا استطاع أن يقحم اسمه على الناس بالتهليل والتكبير والطبول والرموز في مناسبة وغير مناسبة وبحق أو بغير حق فقد تبوأ مقعد المجد وتسنم مقعد الخلود وعفاء بعد ذلك على الإفهام والضمائر وسحقا للمقدرة والإنصاف, وبعدا للحقائق والظنون, وتبا للخجل والحياء, فإن المجد سلعة تقتنى ولديه الثمن في الخزانة, وهل للناس عقول؟
стр. 517
ومن كان في ريب من ذلك فيحققه في تتابع المدح لشوقي ممن لا يمدح الناس إلا مأجورا فقد علم الخاصة والعامة شأن تلك الخرق المنتنة نعني بها بعض الصحف الأسبوعية. وعرف من لم يعرف أنها ما خلقت إلا لسلب الأعراض والتسول بالمدح والذم. وأن ليس للحشرات الآدمية التي تصدرها مرتزق غير فضلات الجبناء وذوي المآرب والجزازات, خبز مسموم تستمرئه تلك الجيفة التي تحركها الحياة لحكمة كما تحرك الهوام وخشاش الأرض؛ في بلد لو لم يكن فيه من هو شر منه لماتوا جوعا أو تواروا عن العيون, هذه الصحف الأسبوعية وهذا شأنها وتلك أرزاق أصحابها تكيل المديح جزافا لشوقي في كل عدد من أعدادها وهي لا تنتظر حتى يظهر للناس بقصيدة تؤثر، أو أثرا يذكر, بل تجهد نفسها في تحمل الأسباب واقتسار الفرص، فإذا ظهرت له قيدة جديدة وإلا فالقصائد القديمة في بطون الصحف وإن لم يكن شعر حديث ولا قديم فالكرم والأريحة والفضل واللوذعية.
ولقد استخف شوقي بجمهوره واستخف واستخف حتى لا مزيد عليه، ما كفاه أن تسخر الصحف سرًا لسوقه إليه واختلاف حواسه واختلاس ثقته حتى يسخرها جهره، وحتى يكون الجمهور هو الذي يؤدي بيده أجرة سوقه واختلاسه.
إن امرأ تبلغ به محنة الخوف على الصيت هذا المبلغ، لا يدرى مم يستكنف في سبيل بغيته وأي باب لا يطرقه تقربا إلى طلبته والحق أن تهالك شوقي على الطنطنة الجوفاء قديم عريق ورد به كل مورد وأذهله عما ليس يذهل عنه بصير أريب، وليس المجال منفسح للتفصيل ولا الفرصة سانحة لجلاء الغوامض.
стр. 518
إبراهيم عبد القادر المازني؛ رأيه في شوقي ١:
ليس شوقي عندي بالشاعر ولا شبهه، وإنه لقطعة قديمة متلكئة من زمن غابر لا خير فيه. يغني عنه كل قديم ولا يضيف هو إلى قديم أو حديث وما أعرفني قرأت له شيئا إلا أحسست أني أقلب جثة ملئت صديدا وشاع فيها الفناء علوا وسفلا. وعسى من تستفظع هذا ويرى فيه غلوا.
ولهذا يقول أن مقياسنا كان ولا زال. إن الجيد في لغة جيد في سواها والأدب شيء لا يختص بلغة ولا زمان ولا مكان لأن مرده إلى أصول الحياة العامة لا إلى المظاهر والأحوال الخاصة العارضة. فمن كان يكابر بالخلاف في أن شعر شوقي كما نصف، فما عليه إلا أن يتناول خير ما يذكر له وأبرعه في رأي أنصاره ثم فلينقله إلى لغة أخرى ولينظر بعد ذلك مبلغه من الفساد والاضطراب والاعتساف والشطط والسفه والغلو والخلو من الصدق، والعجز عن صحة النظر.
وليت شوقي أنه لا يسمو عن المطروق والمألوف والمبتذل، إذن لكانت له على الأقل مزية الفطنة إلى ما كانت له في زمنه طلاوة الجدة فإن المطروق اليوم كان متبكرًا بالأمس وإنا لنمط شفاهنا الآن إذ نرى كاتبا أو شاعرا يشبه وجه الحبيب بالقمر أو غيبته بالنجوم.
والمرء إما أن يكون شاعرًا أو لا يكون ولا وسط هناك، فإن كان شوقي عندكم شاعرًا فقيسوه إلى شعراء الدنيا من مثل شكسبير وجوتيه وملتون وهاردي ودانتي، فإن لم يقف به مكانه بينهم فهو ما زعمتم، وإلا
стр. 519
فاعلموا أن الشعر ليس الوزن والقافية وأن من أول خصائصه قدرته على النقل، ولسنا نعني المقدرة على التصوير بالألوان بل تناول الأشياء. بحيث يوقظ هذا التناول في نفس القارئ إحساسا تاما قويا بالشيء وبصلتك به.
لا سيدي هيكل بك: هذه معابثة لا مطايبة فيها تقيمون كل هذه الضجات والضوضاء حول شوقي وتحفونه بالزمر والطبل في أرجاء المعمورة كلها ثم تعمدون إلى رجل خفيض الصوت مثلي تدعونه إلى أن ينهض وسط هذه الزفات المجلجلة ليفضي إليكم برأيه الصريح.
٣- شوقي مرة أخرى في رأي العقاد ١:
شوقي شاعر الخليين. يلجأ إليه من لا تحفزه إلى قراءة الشعر عاطفة مشبوبة ولا بديهة يقظى ومن قصارى رأيه في الشعر أنه معان شائعة في صياغة مقبولة ولعب لا يؤاخذ صاحبه على خطأ ولا يحاسب على ضلال.
فأنت لا تقرأ في كل ما نظم شوقي شيئا ينم عن فتنة بجمال الطبيعة أو امتزاج بحياتها النابضة في الأرض والسماء ومجاليها الحية في الرياض والبحار والغمائم والأهواء, سحرها الذي يجلب النشوة ويسري في بعض النفوس مصري الهيام الغالب والغرام الخالب, وليس في كل ما نظم شوقي شيء ينم عن تلك السليقة المتفطنة لبدائع الألوان والأشكال العاكفة على تصوير ما تلمح من تلك البدائع والأسرار.
وليس في شوقي ذلك التصوف الذي يتطلع إلى المجهول ويقف بين يديه موقف الكشف والإلهام وليس فيه ذنك الألم الذي يشف عن فرط
стр. 520
الإحساس ولا ذلك الطرب الذي يتغنى بالحياة. وليس في ذلك الخيال الخالق الذي ينشئ الصور والأشباه ويلبس المعاني الخفية أثواب المنظور والمحسوس.
ولكن أليس شوقي شاعر الرثاء؟ ونقول نحن: هو كذلك إن كان الغرض من ذلك القول أنه أكثر الشعراء شعرا في بكاء الأموات وأنه قد نظم أربعين أو خمسين قصيدة أو أكثر أو أقل رثاء جماعة من نبهاء المعاصرين.
غير أنك تقرأ هذه المراثي فلا تجد فيها فرقا بين الرجل والصفات ولا يعجزك أن تضع رثاءه لإسماعيل أباظة موضع رثائه لرياض أو رثائه لفريد موضع رثائه لعمر لطفي اللهم إلا اختلاف الأسماء والوظائف والألقاب.
أخلاق شاعر الأخلاق: الدكتور هيكل
بعد أن أصدر هيكل العدد الخاص من السياسة لتكريم شوقي وكتب مقدمة الشوقيات تحول إلى الهجوم على شوقي.
علمت أن شوقي بك لفق بعض أخبار عن السياسة ومحرريها وانطلق وأطلق جماعة من صبيانه يذيعونها في القهاوي وفي الطرقات فأصغرت ذلك منه وأعرضت عنه وأبيت أن أحدثه فيه لكيلا أحرجه بأن أصارحه بهذا التدلي إلى حضيض الخلق.
ولكنه لم يقف عند رواية أخباره الملفقة وإرسالها على ألسن صبيانه، بل جرت السفاهة على صفحات "نشرة" ينفق عليها لتصفق له ويدير تحريرها باسم مستعار لتنال من أعراض من يحسبهم خصومه. جرت بالطعن
стр. 521
في أعضاء اللجنة التي كرمته باتهام أعضائها جميعًا بأنهم "أرادوا أن يتخذوا من تكريمه أداة للنصب والظهور، ويتخذوا منها إعلانًا عن أنفسهم وعن سلعهم البائرة وصحفهم الخاملة" لم يستنن منهم أحدا كلما كثر عددهم كما جرت بالأسف على أن لم يتول العمل أشخاص معينون ذكر اسمي من بينهم.
أنا لا أستطيع أن أجد لهذا التطور العجيب مبررًا من روية أو تفكير وإنما هو إسلام النفس للبطانة من الصبية فبعدما كان شوقي يقدر بنفسه ما في إصدار جريدة كالسياسة الأسبوعية لعدد خاص من التكريم وسوس إليه الصبية المملقون أنهم لا يرضون عن أن ينتقد، ويعتبرون أي نقد في حضور رجال الأدب من مختلف بلاد الشرق العربي جناية على مجده تكاد تثله ففزع ثم اضطرب ثم لفق ثم جاء إلى الاسم المستعار.
مقدمة الشوقيات: زكي مبارك
كانت الصلة١ قويت بيني وبين شوقي سنة ١٩٣٥ وكان شرع في طبع الشوقيات فشاء لطفه وكرمه أن يدعوني لكتابة المقدمة بعبارة لا أزال أذكر نصها بالحرف: "سيكتب الدكتور هيكل مقدمة تاريخية وستكتب أنت مقدمة أدبية".
وبعد أيام تلطف فأهدى ما طبع من الجزء الأول مصححًا بخطه الجميل لأكتب في تقديمه ما أريد ورجعت إلى نفسي فتذكرت أن المقدمات يلتزم فيها الترفق وذلك ما لا يجمل بكاتب مشغول بالنقد الأدبي مع شاعر لا يزال في الميدان وأسرعت فكتبت إليه خطابا قلت فيه: إني لا أستطيع كتابة
стр. 522
المقدمة التي ينتظرها أمير الشعراء لأني أخشى أن أقول فيها كلاما يصدني عن نقده إن رأيت في أشعاره المقبلة ما يوجب الانتقاد وفي عصرية اليوم الذي كتبت فيه ذلك الخطاب قابلت الدكتور طه حسين وأخبرته بما وقع فغضب أشد الغضب وقال: "ليتك استشرتني قبل أن تصنع ما صنعت، ألا تعرف أنك أضعت على نفسك فرصة من فرص التشريف؟ لو طلب شوقي مني ما طلب منك- وأنا خصمه- لاستجبت بلا تردد، فشوقي في رأيي هو أعظم شاعر عرفته اللغة العربية بعد المتنبي".
ثم أقيم الحفل بدار الأوبرا سنة ١٩٢٧ لتكريم شوقي وأصدر هيكل عددًا خاصًا من السياسة الأسبوعية ودعي للاشتراك في تحريره رجال منهم زكي مبارك وقيل: إن شوقي أشار بحذف مقالات كان من بينها مقالة "ولم يرتح شوقي إلى هذا العدد الخاص فقد ظهرت فيه عبارات تغض من مقام أمير الشعراء".
قال زكي مبارك: "ثم غضب شوقي على هذا العدد من السياسة الأسبوعية وكان شوقي إذا غضب معه ألف مرتزق من أدعياء الأدب، فمضى أولئك المرتزقة يقولون في الدكتور هيكل كل ما تسمع بنشره الوريقات المتسمة زورا بوسم الجرائد والمجلات فكتب الدكتور هيكل في السياسة الأسبوعية مقاله المأثور "أخلاق شاعر الأخلاق" وهو مقال فصل فيه ما كان بينه وبين شوقي وتوعده توعدًا أليما, فقد نص على أن شوقي لن يظفر مرة ثانية بمثل ذلك الاحتفال.
ورأيت أن أرجع إلى الدكتور طه أستفتيه فابتسم وقال: كان مصيرك سيكون أفظع من مصير هيكل لو كتبت مقدمة الشوقيات.
стр. 523
فلما جاء طاغور إلى مصر دعا شوقي أساتذة الجامعة المصرية للقائه في داره ولم يدع زكي مبارك فحرضه بعض الصحفيين على إيذاء شوقي بمقال أو مقالين "وزعموا أن مال شوقي لا ينال بغير الهجاء".
٦- بين هيكل وبين شوقي:
صور الدكتور هيكل موقفه من شوقي في ذكريات كتبها في أخبار اليوم سنة ١٩٥٢ "قال":
كان شوقي يضيق بالنقد بل كان لا يطيقه. أما حافظ فكان يضيق بالنقد ولكنه يطيقه. أذكر يوما من أربعين سنة خلت كنت فيه بمنزل عبد الرازق خلف قصر عابدين. وكان في المجلس المرحوم مصطفى عبد الرازق وأخوه علي عبد الرازق وحافظ.
وقد كان بيني وبين شوقي مودة دامت عشر سنوات. وكان شوقي يضيق بالنقد ولا يطيقه ولعله كان يحسبه عيبا في ذات أمير الشعراء كالعيب في الذات الملكية، وكان الدكتور طه ينقد شوقي في جريدة السياسة وأنا رئيس تحريرها وكنت ألتقي بشوقي كل مساء وكثيرا ما كنا نصطحب في سيارته إلى منزلي وإنها لفي إحدى الليالي إذ قال لي: ما الذي يقصد إليه صديقك طه من توجيه النقد إلي في كل مناسبة؟ أيظن نفسه قديرًا على أن يهدمني؟ قل له: إنني مجد تكون ومن المستحيل هدم مجد تكون وإنه ينطح بنقده صخرة لا تستجيب له.
ولم أعجب لهذا الكلام. إنما كان عجبي لأن شوقي كان يسرع إلى مقاطعة من ينقدونه. ثم كان يسرع إلى استرضائهم بكل وسيلة مستطاعة.
стр. 524
رأي طه حسين في شوقي ١:
لغيري أن يمدح شوقي ببا حساب. أما أنا فلا أريد أن أمدح ولا أريد أن أذم. وإنما أريد أن أنقد وأن أؤثر القصد في هذا النقد، وأظن أن شوقي يؤثر النقد المنصف على الحمد المسرف، وأظن أني أجل شوقي وأكبره بالنقد أكثر من إجلالي إياه بالتقريظ والثناء وقد شبع شوقي ثناء وتقريظا. وأحسبه لم يشبع نقدًا بعد. وليس شوقي فيما أعلم منه شرها إلى حسن الحديث وطيب المقالة، وهو لم ينشئ شعره لذلك وإنما هو شاعر يحب الشعر للشعر.
قرأت مقدمة هيكل وكنت أظن أنني سأظفر فيها بمذهب شوقي في الشعر ولكنني لم أكد أظفر بشيء صريح من العقيدة الشعرية لشوقي فيما كتب هيكل، أترى أن يصدر ذلك أن ليس لشوقي عقيدة شعرية يستطيع هيكل أن يعرضها أم ترى أن مصدر ذلك أن هيكلا لم يعن بشعر شوقي عنايته بنثر أناتول فرانس.
والوقاع أنني لا أعرف لأمير الشعراء عقيدة صريحة في الشعر، وما أرى أنه قد حاول أن يكون لنفسه هذه العقيدة وما أرى أنه فكر في الشعر إلا حين يقوله، إنما هو كما يقول هيكل في شيء من الدهاء مجدد حينا ومقلد حينا آخر، وهو في تجديده وتقليده لا يصدر عن عقيدة فنية واضحة، وإنما
стр. 525
يتأثر بالساعة التي يتهيأ فيها لقول الشعر، وبالظرف الذي يقرض فيه الشعر ليس غير.
إنما الحق أن شعر شوقي لم يستطع أن يلهم هيكلا ما استطاع أن يلهمه نثر الكتاب الفرنسيين وشعر الشاعر الإنجليزي وشعرائنا شخصيتهم مصنوعة وهم لا يسلكون طريقا من طرق الشعر، ولا يتعاطون فنا من فنون الشعر إلا مقتادين مقلدين فهم يصنعون شخصياتهم التي تراها في شعرهم، هم يخفون بها شخصيتهم الأولى التي فطرها الله، وهم بهذا التكلف يحولون بينك وبين الوصول إليهم وفهمهم كما هم في حياتهم العادية.
стр. 526
الفصل الثاني: بين عبد الرحمن شكري والمازني
هذه أضخم معركة أدبية في ميدان الشعر المعاصر بدأت ١٩١٧ واستمرت سبعة عشر عاما قد بدأ الشعراء الثلاثة "شكري, المازني, العقاد" حياتهم الفكرية معا ثم اختلف العقاد والمازني مع شكري الذي قصر عمله على وظيفة التعليم، بينما عمل المازني والعقاد في الصحافة ثم كان من نصيب شكري أن يهاجم في أول عمل نقدي للمدرسة الحديثة وهو "الديوان" قد حمل المازني لواء الحملة على شكري وبجوار حملة العقاد على شوقي والرافعي وكان مقال "صنم الألاعيب" من أقسى ما كتب المازني ثم عاد المازني فصحح موقفه من شكري عام ١٩٣٠ فأعلن رأيه في شكري, صحح موقفه وعاد إلى الكتابة مرات في هذا الأمر حتى أثار العقاد الذي دخل المعركة مصححا لما وقع ثم صدر كتاب رسائل النقد للدكتور رمزي مفتاح حول هذه القضية.
١- شكري يتهم بالسرقة المازني:
قال عبد الرحمن شكري في مقدمة ديوانه "الجزء الخامس":
"لقد لفتني أديب إلى قصيدة المازني التي عنوانها "الشاعر المحتضر" البائية التي نشرت في عكاظ واتضح لنا أنها مأخوذة من قصيدة أودني للشاعر شيلي الإنجليزي, كما لفتني أديب آخر إلى قصيدة المازني التي عنوانها "قبر الشعر" وهي منقولة عن هيني الشاعر الألماني ولفتني آخر إلى قصيدة المازني "فتى في سباق الموت" وهي للشاعر هود الإنجليزي, ولفتني أيضا أديب إلى قصيدة المازني التي عنوانها الوردة الرسول وهي للشاعر ولز الإنجليزي وأشياء أخرى ليس هذا مكان إظهارها. وقرأت له في مجلة البيان مقالة تناسخ الأرواح وهي من أولها إلى آخرها من مجلة السبكتانور لادسون الكاتب الإنجليزي ومن مقالاته في ابن الرومي التي نشرت في البيان قطع طويلة عن العظماء وهي مأخوذة من كتاب شكسبير والعظماء تأليف فيكتور هيجو ومن مقالات كارليل الأدبية وقد ذاعت هذه الأشياء ولو كنت أعلم
стр. 527
أن المازني تعمد أخذها، لقلت: إنه خان أصحابه بهذه الأعمال، ولكني لا أصدق تعمد أخذها ولو أني رأيت الآن عفريتا لما عراني من الحيرة والدهشة قدر ما عراني لرؤية هذه الأشياء ولا أظن أني أبرأ من دهشتي طول عمري, وفي أقل من ذلك مبررًا لمروجي الإشاعات والتهم، لا أظن أن أحدًا يجهل مدحي المازني وإيثاري إياه وإهدائي الجزء الثالث من ديواني إليه وصداقتي له ولكن كل هذا لا يمنع من إظهار ما أظهرت، ومعاتبته في عمله لأن الشاعر مأخوذ إلى الأبد بكل ما صنع في ماضيه حتى يداوي ما فعل ويرد كل شيء إلى أصله وليس الاطلاع قاصرًا على رجل دون رجل حتى يأمن المرء ظهور هذه الأشياء ولسنا في قرية من قرى النمل حتى تخفى.
٢- شكري؛ انتحال المعاني الشعرية ١:
لقد كان يعد الاطلاع على آداب الغرب جريمة وتهمة في أعين الأدباء إذ إنه مظنة السرقة وذلك لأن بعض الشبان لا يدين بدين الملكية في الآداب والواقع أن العقول مثل التربة تحتاج إلى أن تتعهد بما يظهر خصبها.
ولو كانت المسألة التي أتكلم فيها تافهة لما تعرضت لها, ولكنها تشمل قصائد ومقالات كثيرة تسيء ظن الناس بأهل العلم والابتداع وتبعث على الفوضى في العلوم والآداب، وقد شاعت حتى لم يمكن كتمانها، على أن كل أديب حارس من حراس الأدب ومن واجبه ألا يغفل عن حراسته.
وهناك دافع آخر دفعني إلى الكتابة أو إظهار هذه المآخذ وهو الرغبة في الخلاص من مظان الريب. فقد اعتاد بعض الناس أن يقرن اسمي إلى اسم المازني والعقاد للمودة التي بيننا, ولكنها مودة لا تحمل كل واحد منا عيوب.
стр. 528
أخيه فحسب المرء منا أن يحمل عيوب نفسه ولكن الجمهور لا يستخدم المنطق في كل رأي يراه.
إن المودة التي بيني وبين المازني قديمة، ومن أجل ذلك لم أعرف كيف يسوغ لي أن أكتب هذا المقال, ولكني شرحت الأسباب التي دعتني إلى الكتابة, وقد شاع بين الأدباء أن المازني قد أخذ بعض قصائد كاملة من شعراء الغرب وأفكار متفرقة غير أني لم أنتبه إلى هذه التهمة, وأهديت إليه الجزء الثالث من ديواني علامة على ثقتي ومودتي، ولكن أحد الأدباء لفتني إلى قصيدة "فتى في سياق الموت" في ديوان المازني وهي مأخوذة من قصيدة لتوماس هود الشاعر الإنجليزي ثم لفتني آخر إلى قصيدة "قبر الشعر" في ديوانه فإذا هي للشاعر هيني الألماني, وقد كنت أقرأ عرضا في تينسون الشاعر الإنجليزي فرأيت فيه قصيدة الذكرى التي قال المازني: إنها له، ثم أرسل إلي المازني بعد ذلك قصيدة "الوردة الرسول" فإذا هي للشاعر ولز الإنجليزي, ونشر في جريدة عكاظ قصيدة "الراعي المعود" فإذا هي للشاعر لويل الأمريكي, وبينما كنت أحادث أحد الأدباء في شعر المازني وهو الأديب أمين أفندي مرسي لفتني إلى قصيدته البائية التي سماها الشاعر المحتضر فإذا هي من قصيدة أوديني لشلي الشاعر الإنجليزي وهي التي قالها في رثاء كيتسي ورأيت بعد ذلك قصيدة "شوكة الحسن" فإذا هي لهيني الألماني.
وقد نبهت المازني إلى هذه القصائد فاعترف أنها ليست له ولكنه قال: إنه نظمها وهو يظن أنها له. ذلك لأنه حفظ المعاني ونسي أنها لغيره، فبينت له أن الأبيات والمعاني متسلسلة والترجمة دقيقة جدا، فأصر على فكرته السيكولوجية وقال: إن ذلك جائز في علم السيكولوجيا, ولكنه وعد أن يتجنب مثال هذه المآخذ في المستقبل, ولم يف، إذ إنه بعد ذلك أنشدني قصيدة
стр. 529
إكليل الشوك والغزال الأعمى وهي أيضا من هذه المآخذ, وبينما كنت أقلب مجلة البيان وجدت مقالا طويلا عنوانه "تناسخ الأرواح" منسوبا إلى المازني فإذا هو مأخوذ من أوله إلى آخره من مقالات أديسون الكاتب الإنجليزي الشهير في مجلة السبكتاتور.
ثم اطلعت على مقالات المازني في ابن الرومي والجزء الأكبر منها ليس في ابن الرومي بل في العبقرية والعظماء فإذا أجزاء كبيرة منها مأخوذة بعضها من كتاب عنوانه شكسبير تأليف فكتور هيجو الشاعر الفرنسي. وبعضها من مقالات كارليل الأدبية، فنبهت المازني إلى ذلك فقال: ماذا أصنع إذا كنت أكتب الشيء ولا أعرف أنه ليس لي، هل أطوف على الناس أسألهم هل رأوه من قبل. "هذه كلمة من رسالة بعث بها إلي".
وليس الأمر مقصورًا على ما ذكر فإن أحد أدباء مصر هو مصطفى أفندي علوة كان قد جمع كتابا ذكر فيه مآخذ كثيرة زعم أن المازني أخذها من كتاب واحد فقط وهو كتاب "الذخيرة الذهبية" في الشعر الإنجليزي.
وقد جمعنا مجلس فأخذ أحد الأدباء الأفاضل وهو عبد الحميد أفندي العبادي ديوان المازني وكتاب الزخيرة الذهبية الإنجليزي وجعل يقارن بين أبيات المازني وأبيات الذخيرة حتى أدهش الحاضرين، وقد أرسل إلى المازني قصيدة عنوانها الإنذار فإذا جزء منها مأخوذ من قصة "قابيل" للشاعر الإنجليزي بيرون ... إلخ.
ولا أريد أن أذكر مآخذ المعاني المفردة والأبيات المتفرقة. ولكني اكتفيت عن المقال بذكر ما قدرت أن أحصيه من المقالات والقصائد التي أخذت كاملة.
стр. 530
هذا وأوكد لصديقي المازني أني أحبه وأوده بالرغم من ذلك وأدع للقارئ أن يحكم أمصيب أو مخطئ أنا في إظهار ما أظهرت، وليس لي أن أتملك هذه المآخذ أو أتهم المازني بأنه تعمد أخذها.
٣- أبو شادي؛ انتحال المعاني الشعرية ١:
قرأت ملتذا رسالة الأستاذ عبد الرحمن شكري في موضوع انتحال المعاني الشعرية وانتقاد شعر المازني فأكبرت شعوره بالواجب نحو الأدب دون تحيز بحكم صداقة أو قرابة في المذهب الشعري، وهذه صفة تكاد تكون معدومة في مصر لأنها فوق الشجاعة الأدبية التي تعتبر عن ندرتها بيننا من نقائص الأخلاق المصرية.
ويلوح لي أن بين الأسباب التي دفعت شكري أفندي إلى الجهر بتلك الملاحظات غيرته على حسن سمعة صديقه المازني الذي أبدع أيما إبداع في ديوانه باكورة ثماره الشهية, وظهر بين أقطاب الشعر الحديث الذي تتكسر فوق درعهم نبال الجامدين, وقد كان هؤلاء المجاهدين الأبطال يغنمون الموقعة كما غنمها من قبل شوقي ومطران وغيرهما ممن حرروا الشعر العربي بعد اعتقاله الطويل.
الشعر العربي آخذ في تدرج راق سريع، شكري وأمثاله منة كبيرة عليه للروح الجديدة العالية التي نفحوها فيه وهو يغدر إذا خشه أن تعبث العواطف بمجهوداته ومجهودات أقرانه فقال كلمة نصح وتحذير, ولكن اقتدار المازني المشهور به ضمين بفوزه مهما عدت له العثرات، وما الابتكار بعزيز على خاطره الفياض بالآيات البينات, ومهما تشابهت نغماته مع أنغام