الفصل الثاني: بين عبد الرحمن شكري والمازني
هذه أضخم معركة أدبية في ميدان الشعر المعاصر بدأت ١٩١٧ واستمرت سبعة عشر عاما قد بدأ الشعراء الثلاثة "شكري, المازني, العقاد" حياتهم الفكرية معا ثم اختلف العقاد والمازني مع شكري الذي قصر عمله على وظيفة التعليم، بينما عمل المازني والعقاد في الصحافة ثم كان من نصيب شكري أن يهاجم في أول عمل نقدي للمدرسة الحديثة وهو "الديوان" قد حمل المازني لواء الحملة على شكري وبجوار حملة العقاد على شوقي والرافعي وكان مقال "صنم الألاعيب" من أقسى ما كتب المازني ثم عاد المازني فصحح موقفه من شكري عام ١٩٣٠ فأعلن رأيه في شكري, صحح موقفه وعاد إلى الكتابة مرات في هذا الأمر حتى أثار العقاد الذي دخل المعركة مصححا لما وقع ثم صدر كتاب رسائل النقد للدكتور رمزي مفتاح حول هذه القضية.
١- شكري يتهم بالسرقة المازني:
قال عبد الرحمن شكري في مقدمة ديوانه "الجزء الخامس":
"لقد لفتني أديب إلى قصيدة المازني التي عنوانها "الشاعر المحتضر" البائية التي نشرت في عكاظ واتضح لنا أنها مأخوذة من قصيدة أودني للشاعر شيلي الإنجليزي, كما لفتني أديب آخر إلى قصيدة المازني التي عنوانها "قبر الشعر" وهي منقولة عن هيني الشاعر الألماني ولفتني آخر إلى قصيدة المازني "فتى في سباق الموت" وهي للشاعر هود الإنجليزي, ولفتني أيضا أديب إلى قصيدة المازني التي عنوانها الوردة الرسول وهي للشاعر ولز الإنجليزي وأشياء أخرى ليس هذا مكان إظهارها. وقرأت له في مجلة البيان مقالة تناسخ الأرواح وهي من أولها إلى آخرها من مجلة السبكتانور لادسون الكاتب الإنجليزي ومن مقالاته في ابن الرومي التي نشرت في البيان قطع طويلة عن العظماء وهي مأخوذة من كتاب شكسبير والعظماء تأليف فيكتور هيجو ومن مقالات كارليل الأدبية وقد ذاعت هذه الأشياء ولو كنت أعلم
стр. 527
أن المازني تعمد أخذها، لقلت: إنه خان أصحابه بهذه الأعمال، ولكني لا أصدق تعمد أخذها ولو أني رأيت الآن عفريتا لما عراني من الحيرة والدهشة قدر ما عراني لرؤية هذه الأشياء ولا أظن أني أبرأ من دهشتي طول عمري, وفي أقل من ذلك مبررًا لمروجي الإشاعات والتهم، لا أظن أن أحدًا يجهل مدحي المازني وإيثاري إياه وإهدائي الجزء الثالث من ديواني إليه وصداقتي له ولكن كل هذا لا يمنع من إظهار ما أظهرت، ومعاتبته في عمله لأن الشاعر مأخوذ إلى الأبد بكل ما صنع في ماضيه حتى يداوي ما فعل ويرد كل شيء إلى أصله وليس الاطلاع قاصرًا على رجل دون رجل حتى يأمن المرء ظهور هذه الأشياء ولسنا في قرية من قرى النمل حتى تخفى.
٢- شكري؛ انتحال المعاني الشعرية ١:
لقد كان يعد الاطلاع على آداب الغرب جريمة وتهمة في أعين الأدباء إذ إنه مظنة السرقة وذلك لأن بعض الشبان لا يدين بدين الملكية في الآداب والواقع أن العقول مثل التربة تحتاج إلى أن تتعهد بما يظهر خصبها.
ولو كانت المسألة التي أتكلم فيها تافهة لما تعرضت لها, ولكنها تشمل قصائد ومقالات كثيرة تسيء ظن الناس بأهل العلم والابتداع وتبعث على الفوضى في العلوم والآداب، وقد شاعت حتى لم يمكن كتمانها، على أن كل أديب حارس من حراس الأدب ومن واجبه ألا يغفل عن حراسته.
وهناك دافع آخر دفعني إلى الكتابة أو إظهار هذه المآخذ وهو الرغبة في الخلاص من مظان الريب. فقد اعتاد بعض الناس أن يقرن اسمي إلى اسم المازني والعقاد للمودة التي بيننا, ولكنها مودة لا تحمل كل واحد منا عيوب.
стр. 528
أخيه فحسب المرء منا أن يحمل عيوب نفسه ولكن الجمهور لا يستخدم المنطق في كل رأي يراه.
إن المودة التي بيني وبين المازني قديمة، ومن أجل ذلك لم أعرف كيف يسوغ لي أن أكتب هذا المقال, ولكني شرحت الأسباب التي دعتني إلى الكتابة, وقد شاع بين الأدباء أن المازني قد أخذ بعض قصائد كاملة من شعراء الغرب وأفكار متفرقة غير أني لم أنتبه إلى هذه التهمة, وأهديت إليه الجزء الثالث من ديواني علامة على ثقتي ومودتي، ولكن أحد الأدباء لفتني إلى قصيدة "فتى في سياق الموت" في ديوان المازني وهي مأخوذة من قصيدة لتوماس هود الشاعر الإنجليزي ثم لفتني آخر إلى قصيدة "قبر الشعر" في ديوانه فإذا هي للشاعر هيني الألماني, وقد كنت أقرأ عرضا في تينسون الشاعر الإنجليزي فرأيت فيه قصيدة الذكرى التي قال المازني: إنها له، ثم أرسل إلي المازني بعد ذلك قصيدة "الوردة الرسول" فإذا هي للشاعر ولز الإنجليزي, ونشر في جريدة عكاظ قصيدة "الراعي المعود" فإذا هي للشاعر لويل الأمريكي, وبينما كنت أحادث أحد الأدباء في شعر المازني وهو الأديب أمين أفندي مرسي لفتني إلى قصيدته البائية التي سماها الشاعر المحتضر فإذا هي من قصيدة أوديني لشلي الشاعر الإنجليزي وهي التي قالها في رثاء كيتسي ورأيت بعد ذلك قصيدة "شوكة الحسن" فإذا هي لهيني الألماني.
وقد نبهت المازني إلى هذه القصائد فاعترف أنها ليست له ولكنه قال: إنه نظمها وهو يظن أنها له. ذلك لأنه حفظ المعاني ونسي أنها لغيره، فبينت له أن الأبيات والمعاني متسلسلة والترجمة دقيقة جدا، فأصر على فكرته السيكولوجية وقال: إن ذلك جائز في علم السيكولوجيا, ولكنه وعد أن يتجنب مثال هذه المآخذ في المستقبل, ولم يف، إذ إنه بعد ذلك أنشدني قصيدة
стр. 529
إكليل الشوك والغزال الأعمى وهي أيضا من هذه المآخذ, وبينما كنت أقلب مجلة البيان وجدت مقالا طويلا عنوانه "تناسخ الأرواح" منسوبا إلى المازني فإذا هو مأخوذ من أوله إلى آخره من مقالات أديسون الكاتب الإنجليزي الشهير في مجلة السبكتاتور.
ثم اطلعت على مقالات المازني في ابن الرومي والجزء الأكبر منها ليس في ابن الرومي بل في العبقرية والعظماء فإذا أجزاء كبيرة منها مأخوذة بعضها من كتاب عنوانه شكسبير تأليف فكتور هيجو الشاعر الفرنسي. وبعضها من مقالات كارليل الأدبية، فنبهت المازني إلى ذلك فقال: ماذا أصنع إذا كنت أكتب الشيء ولا أعرف أنه ليس لي، هل أطوف على الناس أسألهم هل رأوه من قبل. "هذه كلمة من رسالة بعث بها إلي".
وليس الأمر مقصورًا على ما ذكر فإن أحد أدباء مصر هو مصطفى أفندي علوة كان قد جمع كتابا ذكر فيه مآخذ كثيرة زعم أن المازني أخذها من كتاب واحد فقط وهو كتاب "الذخيرة الذهبية" في الشعر الإنجليزي.
وقد جمعنا مجلس فأخذ أحد الأدباء الأفاضل وهو عبد الحميد أفندي العبادي ديوان المازني وكتاب الزخيرة الذهبية الإنجليزي وجعل يقارن بين أبيات المازني وأبيات الذخيرة حتى أدهش الحاضرين، وقد أرسل إلى المازني قصيدة عنوانها الإنذار فإذا جزء منها مأخوذ من قصة "قابيل" للشاعر الإنجليزي بيرون ... إلخ.
ولا أريد أن أذكر مآخذ المعاني المفردة والأبيات المتفرقة. ولكني اكتفيت عن المقال بذكر ما قدرت أن أحصيه من المقالات والقصائد التي أخذت كاملة.
стр. 530
هذا وأوكد لصديقي المازني أني أحبه وأوده بالرغم من ذلك وأدع للقارئ أن يحكم أمصيب أو مخطئ أنا في إظهار ما أظهرت، وليس لي أن أتملك هذه المآخذ أو أتهم المازني بأنه تعمد أخذها.
٣- أبو شادي؛ انتحال المعاني الشعرية ١:
قرأت ملتذا رسالة الأستاذ عبد الرحمن شكري في موضوع انتحال المعاني الشعرية وانتقاد شعر المازني فأكبرت شعوره بالواجب نحو الأدب دون تحيز بحكم صداقة أو قرابة في المذهب الشعري، وهذه صفة تكاد تكون معدومة في مصر لأنها فوق الشجاعة الأدبية التي تعتبر عن ندرتها بيننا من نقائص الأخلاق المصرية.
ويلوح لي أن بين الأسباب التي دفعت شكري أفندي إلى الجهر بتلك الملاحظات غيرته على حسن سمعة صديقه المازني الذي أبدع أيما إبداع في ديوانه باكورة ثماره الشهية, وظهر بين أقطاب الشعر الحديث الذي تتكسر فوق درعهم نبال الجامدين, وقد كان هؤلاء المجاهدين الأبطال يغنمون الموقعة كما غنمها من قبل شوقي ومطران وغيرهما ممن حرروا الشعر العربي بعد اعتقاله الطويل.
الشعر العربي آخذ في تدرج راق سريع، شكري وأمثاله منة كبيرة عليه للروح الجديدة العالية التي نفحوها فيه وهو يغدر إذا خشه أن تعبث العواطف بمجهوداته ومجهودات أقرانه فقال كلمة نصح وتحذير, ولكن اقتدار المازني المشهور به ضمين بفوزه مهما عدت له العثرات، وما الابتكار بعزيز على خاطره الفياض بالآيات البينات, ومهما تشابهت نغماته مع أنغام
стр. 531
غيره ففضله في النقل عظيم وفضله في الاعتراف بالحق عند تنبيهه أعظم وهو إذا احترس في المستقبل من أغاليط تعودها أضاف إلى حسناته حسنات خالصة وأنصف نفسه وأهل حزبه والأدب والعلم.
"ولم يرد المازني إلا بعد مرور أربع سنوات" وكان رده عنيفا.
٤- إبراهيم عبد القادر المازني, "صنم الألاعيب ١ ":
شكري صنم ولا كالأصنام, ألقت به يد القدر العابثة في ركن خرب على ساحل اليم, صنم تتمثل فيه سخرية الله المرة وتهكم "إستفانيز السماء" مبدع الكائنات المضحكة ورازقها القدرة على جعل مصابها فكاهة الناس. وسلوانهم ولم لا يخلق الله المضحكات وقد آتي النفوس الإحساس بها وأشعرها الحاجة إليها, ولم يلتزم في الإنسان ما لا يتوخى في سواه من وزن واحد وقافية مضطردة، هنالك إذا عند ساحل البحر شاءت الفكاهة الإلهية أن ترمي بهذا الصنم, ليس في كل مفاتن الطبيعة ما يحرك هذا الصنم لأن باطنه شاعت فيه لعنة السماء فعاد أشقى الناس بنفسه وصار لا ينقذه منها ومما منته به من صفوف البلاء إلا أن تهدمه فئوس الكاشفين طبقات التراب عنه، وليت تراب الخمول لم يرفع عنه فقد ولد ميتا ولم يجده نور الحياة وحرها ولا أغنيا عنه من جمود طبعه شيئا.
وعلى قدر ابتعاد الكتابة عن مجال التفكير البارد ودنوها من ميدان الذهن المشبوب والعواطف الذكية تكون الحاجة إلى ضرورة فن الأسلوب ولعل هذا أكبر الأسباب التي أفضت إلى خمول شكري وفشله في كل ما يعالج من فنون الأدب لأنه لا أسلوب له إذ كان يقلد كل شاعر ويقتاس بكل
стр. 532
كاتب وينسج على كل منوال وحسب المرء أن يجعل نظره في كلامه ليدرك ذلك إذا كان على شيء من الاطلاع فإذا لم يكن فهو لا يعيبه أن يرى أنه يستعمل اللغة جزافًا.
ولعله من أسباب ضعفه العديدة أنه يقرأ حتى كتب العفاريت وقصص السحرة والمردة والجان لما وقع في نفسه أن هذا حقيق أن يقوي خياله ويجعل له أجنحة يحلق بها في سماء الشعر.
وقد ركب شكري هذا الجهل متكلفا ما لا يحسن وأراد أن يكون شاعرًا وكاتبًا من الطراز الأول وظن أن الاجتهاد يغني عن الاستعداد فلا هو بلغ إلى درجة مما طمع فيه ولا هو أبقى على خلقه الوداع وقناعة بميسور العيش.
لا نقول: إن شكري مجنون، فنحن أرفق من أن نصدمه بذلك وأعرف بحاله، وبأمراض العقل من أن نهيجه إلى الخيال بالإيحاء والتذكير والإلحاح.
ولكننا نقول: إن ذهنه متجه إلى هذا الخاطر -خاطر الجنون- وأن فكرته مالئة لجو حياته والخوف منه منغص عليه كل لذاته.
وقلنا: إن ذهن شكري متجه إلى هذا المعنى وقد يكون هذا غير راجع إلى علة أصيلة فيه إلى ما يجسم نفسه من المتاعب ويحمل عليها ويرهقها به كأنه يكتب جزءًا من ديوانه في شهر واحد حتى كأنما هو مأجور على ذلك مشروط عليه أن يتمه في وقت محدود, وقد كان نتيجة ما أصابه من الكلال أن حدثته نفسه بإحراقه بعد طبعه.
إن لشكري كتابين غير دواوينه١ أحدهما اسمه الاعترافات وليس فيه ما يستحق الذكر إلا أنه وصفه بأنه أحلام مجنون والآخر رواية اسمها الحلاق المجنون وهي كذلك تافهة لا قيمة لها.
стр. 533
وقد سبق لنا أن نبهنا شكري إلى ما في شعره من دلائل الاضطراب في جهازه العصبي وأشرنا عليه بالانصراف عن كل تأليف أو نظم ليفوز بالراحة اللازمة له أولا.
صنم الألاعيب؛ "الجزء الثاني من الديوان من ص٨٥ إلى ٩٥"١.
في هذا الجزء المازني ينقل سطورًا من كتاب الاعترافات الذي ألفه شكري يريد أن يدلل بها على أن شكري كان يتهم نفسه بالجنون "قال":
"لا يمكن أن يقال في الرد علينا وفي تبرئة شكري مما قذف به نفسه أن الاعترافات صاحبها رجل آخر اسمه "م. ن" وأن شكري ليس إلا ناشرًا لها فإن هذه الاعترفات ليست إلا طائفة من المقالات لا يربطها شيء إلا ضمير المتكلم، وقد نشر شكري أكثرها في الجريدة سنة ١٩٠٩/ ١٩١٣ بتوقيعه على أنها له ثم عاد فجمعها في كتاب طبعه ١٩١٦.
ومما هو خليق أن يبعث القارئ على الركون إلى هذه الاعترافات وتصديقها أنه يجد مصداقها في شعره فكما أنه قال في الاعترافات أن في نفس القديس جرثومة الإجرام كذلك قال في شعره "فقد أغرم الإنسان بالشر والأذى".
٥- المازني؛ إنصاف لنفسي ولشكري ٢:
أتيحت لي اليوم فرصة للتفكير في بعض ما اجترحت من الاتهام وارتكبت من الذنوب، وإني لمدين بهذا لمن لا أعرف, بل لمن تحدثني نفسي
стр. 534
أنه شخص لا وجود له, فإن للسان سلطة منكرة ولقد لعن آبائي وأجدادي لعنا أظنه أزعجهم في قبورهم.
قلت لنفسي: لا بد أن في الأمر سرًا وأقبلت على الكتاب أتصفحه فما راعني إلا أن مؤلفه هو الدكتور رمزي مفتاح يتهمني بالعقوق والغدر والخيانة, وإلى آخر ما يمكن أن يخطر بالبال من أمثال هذه المعاني وهو يشرك معي في التهمة الشنيعة صديقي الأستاذ العقاد بلا سبب ثم يفرد له تسعة أعشار الكتاب وللعقاد لسان حال وبيان قوي، وإن كنت أحسبه لن يعنى بهذا الطن السخيف وسبب هذه الحملة أني كنت نقدت الأستاذ عبد الرحمن شكري الشاعر في كتاب الديوان الذي أصدرناه -العقاد وأنا- في سنة ١٩٢٢وأن ما بيني وبين شكري فسد بعد ذلك وقبله.
وأحب أن أنصف شكري وأسطر للقراء قصتي معه لا لأن الدكتور رمزي مفتاح رماني بالغدر والخيانة, بل لأن كتابة مناسبة صالحة.
كانت علاقتي بشكري كأوثق ما يمكن أن تكون علاقة صديقين ثم حدث سنة ١٩١٥ أن كنت أنا في الإسكندرية فبلغني أنه وضع كتابا عن أدباء هذا العصر وأن فيه فصلا عني يجب أن يقرأه علي قبل طبعه وأنه قادم لهذا.
ولما صرنا في بيتي أدهشني بقوله: إنه يريد أن يسترد مني رسائل كان قد كتبها إلي فذهلت، وقلت له: دونك الدرج فخذ منه رسائلك جميعًا إذا شئت ولم أر أن أسأله بعد هذا عن كتابه الذي يزعم أنه كتبه عني فقد حز هذا المطلب في نفسي ووقع عندي أسوأ وقع وآلمه.
وكان مما قاله لي في ذلك اليوم أن الجزء الأول من ديواني أبياتا سهل
стр. 535
أن أرمى فيها بالسرقة فقلت له إذا كنت قد وقعت على هذه الأبيات فما عليك إلا أن تدلني عليها وإنك تعلم أني لا أتعمد ذلك, وإني لمستعد إلى أراجعها معك فإذا اقتنعت فلست أتردد في كتابة مقال أنشره في الأهرام. وأنص فيه على هذه الأبيات مهما بلغت عدتها وأعلن نزولي عنها وردها إلى من يعدون مني لأنهم أسبق, فنصح ألا أفعل وقال: إن الناس لا يقدرون هذه الصراحة.
وإذ به بعد الجزء الخامس من ديوانه يحمل على مقدمته حملة يتهمني فيها بالسرقة.
ولم يثقل على نفسي اتهامه لي بالسرقة لأني أعرف من نفسي أني لم أتعمد سطوًا ولم أغر على شاعر وإنما علقت المعاني بخاطري أثناء المطالعة وجرى بها القلم وأنا غافل لأني ضعيف الذاكرة سريع النسيان، وإنما الذي أثارني أنه لم يأتمني على بعض رسائله وشك في مروئتي، وثانيا أنه ضحك علي ووصفني أني أميط عن شكري لوثة السرقة ليتسنى له أن يرميني بها وليكون وقع التهمة أعمق وأثرها أبلغ.
ولا أكتم القارئ أني انتقمت لنفسي شر انتقام وأني أسأت إلى شكري أعظم إساءة وما كنت أستطيع أن أفعل غير ذلك لأني لا أؤمن بإدارة الخد الأيسر لمن يضربني على خدي الأيمن وبعد أن شفيت نفسي مما وجدت استرحت ونسيت الحكاية.
ومضت سنون أخرى وجاء شهر مارس ١٩٣٠ فطلبت مني إحدى الجمعيات أن ألقي عندها محاضرة في التجديد في الأدب العربي فجعلت موضوعها عبد الرحمن شكري وقد نشرت هذه المحاضرة في الخامس من أبريل ١٩٣٠ في السياسة الأسبوعية.
стр. 536
قلت هذا عن شكري وأنا لم أضع يدي في يده منذ سنة ١٩١٩ إلى اليوم لأني لا أحمل له ضغنًا أو أنطوي له على حفيظة فما أحمل له أو لغيره شيئا من هذا القبيل بل لأنه هو شاء أن ينأى ويبتعد ولست أستطيع أن أطارد أحدًا بصداقة لا يريدها, وأنا امرؤ ينسى المعركة بعد انتهائها يستوي في ذلك أن أكون غالبا أو مغلوبا.
فإذا كنت غالبا لم أره أو كنت مغلوبا لم أتحسر ولم أحقد, وبحسبي أن أكون قد بذلت جهده كله ولم أدخر منه شيئا.
ولو كان شكري يذهب مذهبي في الحياة لما منعه شيء من أن يصافحني بعد أن وضع السلاح وانقطع الكفاح, ولماذا يظل الناس متنافرين طول العمر.
وإنما كتبت هذا الكلام الكثير لأني أحب شكري وأجله ولأني نادم على ما صنعت به تائب من ذنبي إلى الله ومعه وله أن يصدق أو يرتاب فما لي فيه مطمع ولقد حاولت أن أكفر عما أسأت به إليه وأن أجره إلى الدنيا مرة فأبى وقال: اتركني ولا تنبش قبري وحسبي ما لقيت منك فأقصرت ونفضت يدي يائسا.
وإنه لسخيف من الدكتور رمزي مفتاح أن يخوض فيما لا يعلم وأن يكتب عن العقاد وعني وما كتب ولست أظن العقاد مباليه.
ويحسن أن أنبه إلى أن الأستاذ العقاد لا ذنب له فيما وقع بيني وبين شكري ولم يكتب حرفا واحدًا يسوء شكري ولقد كان فضله علينا أن أصلح ما أفسدناه.
стр. 537
٦- المازني؛ شكري وكتاب رواد الشعر الحديث ١:
كيف كنا صديقين حميمين ثم وقعت الجفوة بيننا وحلت النبوة وتعادينا وأساء كل منا إلى صاحبه ومضى خير عمرينا إلى قطيعة سخيفة، ولعلي ما ندمت على شيء في حياتي كندمي على ما فرط مني في حقه, ذلك أني أحبه ولا أستطيع أن أجحد فضله علي، نعم كنا زميلين في المدرسة ولكن كان ناضجا وكنت فجا، وكان أديبا شاعرًا واسع الاطلاع، وكنت جاهلا ضعيف التحصيل قليل العقل فتناول يدي وشد عليها وأبت مروءته أن يتركني ضالا حائرًا أنفق العمر سدى وأبعثر في العبث ما هو كامن في نفسي من الاستعداد وكنت أقرأ ابن الفارض والبهاء زهير فأقرأني شعر الحماسة وشريف الرضي والبحتري والمعري وابن المعتز.
وكانت مطالعاتي في الإنجليزية قاصرة على أمثال ماري كوريللي ومن نسيت غيرها ففتح عيني على شكسبير وبيرون وردز ورث وشيللي وبينز وملتون وهازيلت وكارليل ولي هنت وماكولي وشيلي وراين وروسو ومئات غيرهم, وصرفني عن المقلدين في أدب كل أمة وأغراني بأصحاب المواهب والابتكار وصحح لي المقاييس وأقام الموازين الدقيقة وفتح عيني على الدنيا ومن فيها وكنت عميا لا أنظر وإذا نظرت لا أرى، وكان لفرط أدبه يتوخى معي سلوك الند ولا يتعالى تعالي الأستاذ على التلميذ وكنت فقيرًا فكان يعيرني الكتب أو يهبنيها, وكنت غبيا فكان يشرح ويفسر.
ولما نفخني وأعداني فقلت الشعر كان يصرفني عن العبث ويزجرني عن التقليد ولا يرضى لي الضعف؛ ولو أردت أن أنقضي لما فرغت وأنا مدين له
стр. 538
بكل ما أعان على ما صرت إليه. أقول ذلك مباهيًا شاكرًا فضل الله علي أنه لم يضيعني وأن كتب لي نعمة الاتصال بشكري، وإني لأرجع البصر في حياتي وأتساءل ماذا عساي كنت أكون لولاه؟ فلا أجد عندي لهذا جوابًا وأدير عيني في نفسي وأبحث عن نزعة لم يكن هو غارس بذرتها إذا لم يكن هو الموحي بها فلا أهتدي.
ومن طول ما عرفته وفرط ما ملأت نفسي به صرت على البعد والقطيعة أستطيع أن أستوحيه فكأننا ما تباعدنا ولا تجافينا، ولقد تذمرت له وغدرت به ولكني والله ما كرهته قط ولا انطويت له في أحلك ساعات النعمة إلى على الحب والإكبار.
وشكري وحده هو المظلوم المغمور ولا نكران أنه هو الذي حجب نفسه عن العيون وطوى آثاره وكيف عن نشرها وأصر على ذلك سبع عشر عامًا حتى نسيه الناس.
ولكن من له مثل فضله ومزاياه إنه يحب إكراهه على الظهور رضي أم سخط.
٧- العقاد؛ اعترافات المازني ١:
من اعترافات الأستاذ المازني الأخير قوله وهو يذكر الأستاذ عبد الرحمن شكري "نعم كنا زميلين في المدرسة ولكنه كان ناضجا وكنت فجا، وكان أديبا شاعرًا واسع الاطلاع وكنت جاهلا ضعيف الشخصية قليل العقل فتناول يدي وشد عليها وأبت له مروءته أن يتركني ضالا حائرًا أنفق العمر سدى وأبعثر من العبث ما لعله كان في نفسي من الاستعداد وكنت أقرأ ابن الفارض
стр. 539
والبهاء زهير فأقرأني شعر الحماسة والشريف الرضي والبحتري والمعري وابن المعتز وأبي نواس وغيرها من أضرابها ففتح عيني على شكسبير وبيرون دورد زورث وشيلي وملتو وهازلليت وكارليل ولي هنت وماكولي وجوتيه وشيللر ولسنج وموليير وراسين وروسو ومئات غيرهم من أعلام الأدب الغربي وصرفني عن المقلدين في كل أمة وأغراني بأصحاب المواهب والابتكار وصحح لي المقاييس وأقام الموازين الدقيقة وفتح عيني على الدنيا وما فيها وكنت عميا لا أنظر وإذا نظرت لا أرى".
لا ضير عليه في إثباتها إذا كانت هي الحقيقة ولا ضير على أنا في إثبات مثلها إذا لزمني منها ما يلزمه وسرى علي ما سرى عليه ولكننا هنا نفترق كما يعلم الأستاذ:
ويخطئ من يظن لنا شأنا واحدًا في تاريخ هذه الفترة التي تحدث عنها.
إن الأستاذ شكري والأستاذ المازني كانا طالبين في مدرسة المعلمين قبل فتعارفا وتزاملا قبل لقائي لهما ببضع سنوات.
اما أنا فلم ألق الأستاذ عبد الرحمن إلا في سنة ١٩١٣ بعد عودته من البلاد الإنجليزية, ولم ألق الأستاذ المازني إلا قبل ذلك ببضعة شهور ولم يخرج منهجي في القراءة بعد أن لقيتهما عما اخترته لنفسي منذ بداية الاطلاع.
فقبل أن لقيت الأستاذين كنت أشترك في تحرير مجلة البيان وأترجم فيها ماكس نورد ونيتشه وأمرسون وحافظ الشيرازي وغيرهم.
وقبل اشتراكي في تحرير البيان أصدرت خلاصة اليومية وفيها آثار الاطلاع على فتزجيرالد وتلستوي ودافيد هيوم وبيرك ونيتشه، وغيرهم مقتبسة من مراجع لم تترجم إلى اللغة العربية.
стр. 540
وقبل صدور خلاصة اليومية بأربع سنوت أو خمس اشتركت في تحرير الدستور ونشرت فيه فصولا متعاقبة عن شعراء الفرس المترجمين إلى اللغة الإنجليزية.
بل لقد لقيت الأستاذ شكري وهو يعلم لي رأيا مكتوبا في الأدب وحكما مستقلا في النقد إلى أن أقدم ديوانه الثاني الذي طبعه على أثر عودته من البلاد الإنجليزية فقدمته.
فدراستي الآداب الأوربية ومطالعاتي في تاريخها ومذاهبها سابقة لمعرفتي بالأستاذ شكري والمازني، إنني لم أغير مناهج قراءتي بعد سنة ١٩١٣ أقل تغيير. ولكن الأستاذين شكري والمازني هما اللذين غيرا منهجهما في القراءة فالتفتا إلى النقد العلمي الفلسفي بعد أن كانت القراءة عندهما شاخصة كلها -في هذه الناحية- إلى النقد الأدبي المحض على أسلوب ماكولي ومن إليه، وظهرت في كتابتهما أسماء ماكس نوردو ولمبروز لسنغ ونيتشه بعد أن كانت خلوا منها وهم النقاد الذين عنيت بهم منذ البداية.
الواقع أنني بدأت بقراءة الأدب الإنجليزي قبل سنة ١٩٠٣. وأنا بعد تلميذ بالمدرسة الابتدائية في بلدي أسوان وساعدني على ذلك أسباب لعلها خاصة بمدينة أسوان بين المدن المصرية.
ولقد كانت أسوان تزدحم بالمئات من علية الأوروبيين الذين يفدون إليها من أقطار أوربا في الشتاء, فكنا نحادثهم ونسمع منهم ونغتبط بالمرانة التي نستفيدها بمحادثتهم والإصغاء إليهم.
وإذا أقبل الشتاء تفتحت المكتبات في أسوان وفيها ذخيرة صالحة من المصنفات الإنجليزية التي كانت تشيع بين القراء في تلك الأيام.
стр. 541
وهناك لغط فارغ يطن به بعض الناس حول شكري والمازني والعقاد لا أثر فيه للحقيقة، بل هو نقيض الحقيقة في أكثر الأمور، ولكني لا أعرض لها -أي الحقيقة- بالتوضيح إلا إذا كان المسئول بين أيدي القراء رجال كالمازني أو كشكري أو من يروي عنهما رواية يقوم عليها الدليل لدي، أما من عدا هؤلاء فليسوا عندي في حساب.
٨- المازني؛ حول اعترافاتي ١:
أنا وشكري كنا طالبين في مدرسة المعلمين وتزاملنا منذ عام ١٩٠١ أما الأستاذ العقاد فلم ألقه إلا في سنة ١٩١٢ أو في أخريات سنة ١٩١١ بمناسبة ظهور مجلة البيان.
وكان الأستاذ العقاد كاتبا معروفا في ذلك الوقت بل من قبل ذلك بسنوات وله كتب مطبوعة ورسائل منشورة.
ما يمكن أن يفهمه أحد أن ما يسري عليّ يسري على الأستاذ العقاد أو أن حظي وحظه مشتركان في عالم الأدب بلا افتراق أو اختلاف.
كان لكل منا شأنه وطريقه ومنهجه على الرغم من صلاتا الوثيقة كل هذه الأعوام المديدة وصداقتنا التي لم توهنها الأزمات من سياسية وغير سياسية.
إني لا أزال أقيس قدرتي إلى أملي فلا أراني صنعت شيئا أو بلغت حيث أريد. إن خير شعري هو الذي لم أقله وهو الذي يدور في نفسي ويضطرب به جنابي ولا يجري به لساني. فليسمح لي أن أقول أن ليس لي بالاعتراف وإنما هو إيثار للحقيقة وأنفة من المكابرة.
стр. 542
٩- مقدمة رسائل النقد للدكتور رمزي مفتاح:
يجد القارئ في هذا الكتاب رجلين هما: عبد الرحمن شكري وعباس العقاد وسيكون بلا ريب من العسير على نفسه أن يحل كلا منهما في المنزلة التي يجده فيها في هذا الكتاب إلا إذا كان مستوعبا للحركة الأدبية منذ عشرين سنة حينما صدر ديوان شكري الأول سنة ١٩٠٦ وكانت له ضجة كبيرة في الشرق العربي.
واسم العقاد الآن مذكور لاشتغاله بالصحافة أكثر من عشرة أعوام واسم شكري مغمور لعزوفه عن طلب الشهرة وعدم طبعه دواوينه بعد أن نفذت طبعتها من أزمان. ولقد كان تلميذه العقاد والمازني يلازمانه ويأخذان من أدبه ويؤمنان بعظمته حتى إن المازني كتب في الدفاع عن ديوانه الأول قرابة عشرين مقالا متتالية. ولما اشتغلا بالصحافة اصطحبا عليه وراحا ينالان منه ويقعان فيه ليغمرا ذكره ويعلوا على شلوه المأكول فأصدرا معا كتاب "الديوان في النقد" فرمياه بالنقد الذي لا يمت إلى النقد الأدبي ولكنه مفرق إلى مقتل يعلمانه في الرجل وطبيعة استحيائه ونكوصه أمام المهاترة الحزاف, فكان كل نقدهما أنه ذكر لفظة الجنون في أبيات متفرقة من شعره فلا بد أن يكون مجنونًا!.
١٠- رد عبد الرحمن شكري ١:
ذكر الأستاذ خلدون أنه إذا صح ما في الكتاب "كتاب الدكتور مفتاح" تكون منزلته من الأستاذ العقاد والأستاذ المازني كمنزلة عريف القرية من تلاميذه الذين يبزونه فضلا وعلما ويفوقونه دراية وحكمة، وكنت أود أن
стр. 543
أكون عريف القرية المفضول الذي علم هذين الأستاذين, كما أكتسب شيئا من الخلد بسبب خلود اسميهما ولكن لم يكن حتى هذا الفضل, وإهدائي إلى صديقي المازني الكتب أو إعارتي إياه بعضها لا يعد تعليما، أما الأستاذ العقاد فلم أعرفه إلا بعد أن أتم دراسته للأدب ولم أكن أقابله كثيرًا لأني كنت في الإسكندرية وكان هو في القاهرة وكانت المكاتبة بيننا نادرة.
وإذا كان في دواوينه الأخيرة والتي قبلها ما يشبه بعض قولي فسبب التشابه في القولين تشابه الثقافة وأسلوب التعبير والشعور في موضوعات خاصة.
وقد تنحيت عن الاشتغال بالأدب نحو سبعة عشر عاما من غير قاهر يقهرني وإنما تنحيت زهدا في أن أكيد أو أكاد فليس من المعقول أن آتي بعد أن فترت فورة الشباب فأغري الكتاب بالأستاذ العقاد والأستاذ المازني وأنا لا أتكسب بالكتابة ولم أحترف الأدب والصحافة ولا أعد نفسي المحترمون أديبا إذا عد الأساتذة.
стр. 544
الفصل الثالث: إمارة الشعر
بين الزهاوي والعقاد ومطران:
"كانت إمارة الشعر حدثا من أهم أحداث الأدب العربي المعاصر بعد وفاة شوقي ١٩٣٢ فقد تعدد القول فيها وأصدر الدكتور طه ثلاثة أحكام مختلفة في عام ١٩٣٢ بايع "العراق" بإمارة الشعر ولم يحدد هل هو الزهاوي أم الرصافي؟ وفي ١٩٣٤ بايع طه حسين "العقاد" بإمارة الشعر في حفل تكريمه وفي عام ١٩٣٧ بايع طه حسين "مطران" بهذه الإمارة ونظر الرافعي للمبايعة نظرة ساخرة.
ثم عاد طه حسين فأنكر أنه بايع العقاد وقد نقلنا نص كلامه الذي نسبه الناس يوم قال قلت: إن الشعراء ييستطيعون أن يدفعوا لواء الشعر إلى العقاد بعد أن مات حافظ وشوقي فهو يستطيع أن يحمل هذا اللواء مرفوعا منشورًا وأن يحتفظ لمصر بمطانها من الشعر الحديث.
١- مبايعة طه حسين للعراق بإمارة الشعر ١:
"صور أحمد حسن الزيات هذه المبايعة على هذا النحو":
خلا ميدان الشعر فجأة من قائديه العظيمين فحدث في صفوف الشعراء اضطراب وفوضى وقام في السقيفة المقلدون والمجددون يقولون: منا أمير ومنكم أمير. وهناك أرسل الدكتور طه حسين حكمه المعروف فزاد الخلاف شدة والجدال حدة. قضى للعراق بإمارة الشعر التقليدي فغضبت مصر, وكان الأستاذ الهراوي أشد المصريين حنقا وأعنفهم خصومة.
وسورية ... لقد هبت العاصفة تدافع رأي الدكتور في حدة وعنف وتقول مع السيد النجار: ما للدكتور يرسل الزعامة إلى العراق في طيارة وكان يكفيه أن يرسلها إلى صاحبه مطران في سيارة.
стр. 545
والعراق ... هل اغتبط بهذه الزعامة؟ أما الرصافي فيرجو أن يكون خليفة لشوقي وحافظ. أما الزهاوي فأنا أعلم أنه يؤثر يكون في ساقة المجددين على أن يكون في طليعة المقلدين.
٢- مبايعة طه حسين بإمارة الشعر للعقاد ١:
"بين خطاب طه حسين في حفل تكريم العقاد":
تستطيعون أيها السادة أن تحبوا العقاد وما وسعكم الحب فلن توفوه حقه. ذلك لأن العقاد هو الصورة الناطقة واللسان الخالد والمرآة الصافية والمجلوة التي حفظت صورة مصر الناهضة وأبقتها ذخرًا للأجيال المقبلة.
أما أنا أيها السادة فسعيد جدًا بهذه الفرصة التي أتيحت لي ومكنتني أن أقول بالرغم من الذين سخطوا والذين يسخطون إني لا أؤمن في هذا العصر الحديث بشاعر عربي كما أؤمن بالعقاد. تسألونني لماذا أؤمن بالعقاد في الشعر الحديث وأؤمن به وحده؟ وجوابي يسير جدًا. لماذا؟ لأنني أجد عند العقاد ما لا أجده عند غيره من الشعراء، لأني حين أسمع شعر العقاد أو حين أخلو إلى شعر العقاد فإني أسمع نفسي أو أخلو إلى نفسي إنما أرى صورة قلبي، وصورة قلب الجيل الذي نعيش فيه لأن العقاد ليس مقلدًا ولا يستطيع أن يكون مقلدا, ولو حاول التقليد لفسدت شخصيته وشخصية العقاد فوق الفساد.
يعجبني العقاد لأنه يلتمس موضوعاته حيث لم يستطع شعراء العرب أن يلتمسوا موضوعاتهم لأننا نحن الأساتذة أعلم بالعقاد من العقاد.
أعترف أني عندما قرأت القصيدة "ترجمة شيطان" وقرأتها, وقرأتها
стр. 546
فكرت في شعراء آخرين ليسوا عندنا ولا هم بين شعرائنا. ولكنهم يعيشون في أوربا، فكرت في جوت، فكرت في بول فاليري، وفكرت في ملتون.
كنا أيها السادة نشفق على الشعر العربي وكنا نخاف عليه أن يحل سلطانه عن مصر، وكنا نتحدث حين مات الشاعران العظيمان شوقي وحافظ، كنا نتحدث عن علم الشعر العربي المصري، أين يكون ومن يرفعه للشعراء والأدباء ليستظلون به.
كنا نسأل هذا السؤال، وكنت أنا أسأل هذا السؤال، لماذا؟ لأني كنت أرى هذه المكانة العظيمة التي اكتسبها شوقي وحافظ رحمهما الله، وكنت أرى شعر العقاد على علو مكانته وجلال خطره شعرًا خاصا مقصورًا على المثقفين المترفين في الأدب، وكنت أسأل هل آن للشعر القديم المحافظ المسرف في المحافظة أن يستقر وأن يحتفظ بمجده، وهل آن للشعر الجديد الذي يصور مجد العرب وأمل المصريين أن ينشط ويقوى، انتظرت فلم أجد للمقلدين حركة أو نشاطا فإذا المدرسة القديمة قد ماتت بموت شوقي وحافظ، وإذا المدرسة الجديدة قد أخذت تؤدي حقها, وتنهض بواجبها فترضي المصريين والعرب جميعا. وإذا الشعر الجديد يفرض نفسه على العرب فرضا، وإذا الشعور المصري والقلب المصري والعواطف المصرية أصبحت لا ترضى أن تصور كما يصورها حافظ.
وإنما تريد وتأبى إلا أن تصور تصويرا جديدا، هذا التصوير الذي ترونه في العقاد الذي حمل هؤلاء الملايين على إكبار العقاد كما قال أحد الخطباء إذن لا بأس على الشعر العربي وعلى مكانة مصر في الشعر والأدب.
ضعوا لواء الشعر في يد العقاد وقولوا للأدباء والشعراء: أسرعوا واستظلوا بهذا اللواء فقد رفعه لكم صاحبه.
стр. 547
٢- مصطفى صادق الرافعي ١:
"ليس لدي الآن نص كلام الدكتور طه ولا أنا أذكر ألفاظه بحروفها, ولكن الذي أذكره أني حين قرأته لم أبحث بين ألفاظه عن يقين المتكلم واقتناعه وحججه وأدلته، بحثت فيه عن سخرية طه بالعقاد وبالشعراء جميعا في أسلوب كأسلوب تلك المرأة العربية في قصتها المعروفة حين قالت لرجال قومها في أبيات مشهورة:
وإن أنتموا لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تغيب عن الكحل
غير أن طه في سخريته كالذي يقول: فإن لم تثبتوا أن فيكم من استطاع أن يخلف شوقي فاصغروا واصغروا حتى يكون العقاد هو أميركم.
ثم قال: بقي أن نتساءل: لماذا لم تأت الشهادة يوم كان الدكتور طه عميدًا لكلية الآداب وكان يومئذ حرًا لا يستذله الإكراه؟ ولماذا جاءت الشهادة وهو يحترف الصحافة؟ وترى لو كان العقاد من الحزب الوطني أو من الأحرار الدستوريين أو اتحاديا أو شعبيا, أفتكون قولة طه يومئذ وهو في انسلاخه الثاني وانقلابه وفديا, أفتكون إلا ردًا سياسيا على العقاد وشعره ونفرة سياسية من هذا الشعر وعقاده؟
٣- مبايعة طه حسين بإمارة الشعر لمطران:
"من خطاب من طه حسين إلى مطران بمناسبة بلوغه الستين":
تحية ذكية إليك أيها الصديق الكريم من صديق تعرف مكانك في قلبه ومنزلتك في نفسه وتعرف إعجابه بخلقك العظيم وإكباره لأدبك الرفيع.
стр. 548
وإعلانه في كل قطر زاره من أقطار الأرض في الشرق والغرب وإلى كل متحدث إليه من الشرقيين والغربيين أنك زعيم الشعر العربي المعاصر وأستاذ الشعراء العرب المعاصرين, لا يستثني منهم واحدا ولا يفرق منهم بين المقلدين والمجددين، وإنما يسميهم جميعا بأسمائهم غير متحفظ ولا متردد ولا ملجلج ولا مجمجم, وإنما هو اللفظ الصريح يرسله واضحا جليا لا التواء فيه ولا غموض، فأنت قد علمت المتقدمين كيف يرتفعون بتقليدهم عن إفناء النفس فيما يقلدون, وأنت قد علمت المجددين كيف ينزهون أنفسهم عن الغلو الذي يجعل تجديدهم عبثا وابتكارهم هباء. أنت حميت حافظا من أن يسرف في المحافظة حتى يصبح شعره كحديث النائمين, وأنت حميت شوقي من أن يسرف في التجديد حتى يصبح كهذيان المحمومين.
وأنت رسمت للمعاصرين هذه الطريقة الوسطى التي تمسك على الأدب العربي شخصيته الخالدة وتتيح له أن يسلك سبيله إلى الرقي والكمال، وقد حاولوا أن يتبعوك في هذا الطريق فطار بعضهم بجناح واستسلم بعضهم فارتاح١.
стр. 549
الفصل الرابع: ديوان وحي الأربعين
بين مصطفى صادق الرافعي وعباس محمود العقاد:
هذه إحدى معارك الصراع بين المدرسة القديمة والمدرسة الحديثة، بين علمين من أكبر أعلامها، بين الرافعي والعقاد، كانت الخصومة بينهما قديمة، لها جذور بعيدة المدى منذ إصدار كتاب "إعجاز القرآن" وقرظة سعد زغلول وغضب العقاد, واتهم الرافعي بأنه هو كاتب التقريظ واتهم سعد زغلول، ونامت الخصومة ثمة, ثم تجددت.
١- من الرافعي إلى العقاد ١:
ولم أر في كل ما قرأت من شعر أدبائنا ما يستوفي أوصاف الشعر الوسط كنظم صاحب وحي الأربعين عباس محمود العقاد فله فلسفة وفكر وطريقة وله منزع بعيد ومرمى قصي وله اطلاع على شعر الأمم وآدابها، وفيه رغبة شديدة إلى أن يكون مبدعا مجددًا، وقد ارتهن نفسه بملامسة صناعة الأدب وفرغ لها فراغ من يعيش لما يعيش به وانغمس منها انغماس السمكة في بحرها أو مستنقعها، ولكنه أعطى هذا كله ولم يعط أسباب التمكن فيه وتكلف لمظاهر القدرة العالية ولم يهبه الله خصائص هذه القدرة وجاوز عند نفسه حدود العبقرية لزعمه القوي وهو محتبس من ورائها بطبعة الضعيف وأغرق في المحاولة ليغرق مثل ذلك في الخيبة, وجاء بالكثير ليرد عليه الكثير أيضا, وقدم لنا شعره على أنه التجديد والعبقرية وأنه وأنه، وليعد ما شاء من الأوصاف, ولكن ماذا ينفع ملكة جمال أن يكون فيها كل شرائط الجمال وهي عوراء؟
وقبل أن نتناول شعر الوحي نريد أن ندل العقاد على سر سقوطه في الشعر
стр. 550
وأنه لن يفلح ولا يجيء به إلا فضولا مكرها أن يكون شعرا, ولعله لا يدري أن أكثر ما يحرص عليه من نظمه يتفق أحسن منه لكثير من كبار الشعراء فينفونه ويهذبون شعرهم منه، ذلك أن الفكر يأتي بمادة القصيدة ثم يصورها الطبع ويصوغها ثم يأتي الذوق فيهذبها كما يهذب صانع التمثال تمثاله، ولقد كنت أقرأ "وحي الأربعين" وما يخطر لي إلا أن أكثره أبيات كان العقاد أسقطها من قصائده القديمة ثم فتنه الحرص فجمعها ديوانا ولو هو سمى الحقيقة باسمها لكان اسم ديوانه "الحثالة".
ذلك السر الذي أومأنا إليه هو أن العقاد يحترف الصحافة السياسية من أول نشأته وهو عمل الساعة ولغة الجمهور وأساليبها في نقل الأخبار بعضها من بعض معروفة. وأساس كل بيان فيها قيام المعنى لمحض الدلالة التي يحملها لا للسمو بها, وفي أساليب صناعة الحكاية لا في أساليب صناعة البلاغة وعلى سياسة الواقع لا على سياسة الارتفاع بالواقع، وما زعم أحد أن الصحافة السياسية أنشئت للشعر ولغته وبيانه وفلسفته، فهي في خاص معناها وافية بما وجدت له وهي الحق كل الحق في غايتها وسبيلها إلى هذه الغاية، ولكن شر ما في الباطن وأبعد ما في المستحيل إذا أريدت على أن ينبع باحترامها الشاعر العبقري مبدع اللغة في مادة فنها البياني وحكم النفس القائم على سياستها الداخلية والخارجية وملك الطبيعة الذي قيل له من الأزل إن قوة الملوك السلاح للفتك والموت وقوتك أنت الكلمة الجميلة التأثير والحياة.
إن ما نراه في شعر العقاد من أثر كل ذلك، معان ملخصة وقصائد هي مقالات فسدت فصارت نظما وصناعة من القلم للماكينة لا ننكر أن يكون المعنى تحصيل الحاصل أو يكون من المعاني التي لا توجد حضري ولا همجي إلا عرفها من هذه الأصول التي بيناها ترى أكثر شعر العقاد أو كل شعره يعتريه ما يعتري
стр. 551
المقالات الصحفية من النقض والرد, فأنت تستطيع أن تفسده كله بأيسر الكلام لأنه موضوع على قاعدة تقبل ذلك وتقرؤه فلا تهتز لشيء منه كأنه رأي ألقي من الأحزاب السياسية ليرده أحدهما على الآخر، ويغلبك شعور عجيب في أكثر ما تقرأ فما تشك أن وراء هذه المعاني "مقصا" قصها من كتب ودواوين ورسائل وأن صاحب "المقص" جالس في ديوانه مجلسه في جريدته يتبادل أخبار الفكر الإنساني وعلة أخرى هي أن في العقاد نقصا كبيرًا في البيان العربي وهو ضعيف الفهم جدًا لأسرار هذا البيان، وقد قرر عند نفسه كما قال لي مرة أن البيان هو ما يكتب به في الصحف.
وهذا مذهب إذا صار إلى الشعر كان فيه كعمل من يستعطر بالعطر من أي أوراق النبات أصابها ولو كراثة أو بصلة, ومن هذا جاء شعره, وإنه ليقابل في أيامنا هذه ما كان عند ناقدنا من شعر الفقهاء, ولا يراد به دقة المسلك إلى النفس ولا لفط المأخذ من اللغة ولا إصابة الفضل في المعنى ولا حكاية الطبيعة في صناعة فكرية جميلة ولا بث إشراق النفس الروحانية في تركيب المادة، وإنما هو نظم بحت مستجلب متكلف يقع منه أقبح التفاوت كما ترى في ألفاظ العقاد ويعدل في سياقه عن طبيعة الشعر إلى طبيعة الجدل والسرد وحكاية الآراء والمذاهب.
وما يخيل إلي في شعر العقاد إلا أنه مستنقع اخضرت ضفتاه, فهذا الجمال القليل منه لا يكشف عن سر ورونق وإمتاع وإنما يزيد في القبح وما في هذا المستنقع إلا البعوض والملاريا والطحلب والوخم والعفن ولو أنك
стр. 552
كنت دقيق الحس مصفي الذوق عالي البيان, ثم قرأت شعر العقاد؛ لرأيت من شعره ما يلسع الذوق لسع البعوض وفي شعره أبياتا تنهق نهيق الضفادع في الماء ومع هذا كله لا تنفك من منظر نضر هنا وهناك من ضفاف المعاني الحسنة التي يعرضها مما ينقله عن غيره من شعراء العرب والأوروبيين.
-٢-
والعقاد١ لا يتهيأ في طبعه من الفلسفة كالذي يتهيأ في طباع الشعراء الملهمين إذ لا يجد في استطاعته أن يقتسر الإلهام وليس بضاعة ولا جبلة له فما يفوت ذرعه ويقطع قوته وما لا يخلقه الله لا تخلقه اللغة الإنجليزية والشاعر الملهم يسنح له المعنى من فكر أو نظر أو قراءة فإذا هو كأنه قطعة من جمال الحياة تريد أن تنفذ إلى حياة الناس ليزيدوا بها حسًا وذوقا ومنفعة، فإذا المعنى في صورته تجعله وحيا إلى هذا العبقري بخاصته وإن كان قد وقع من قبل ذلك لكل شعراء الدنيا ويجيء كما يجيء من الناس قد امتلأت بهم الأرض، وقلما يتشابه اثنان شبها تاما إلا في الندرة ولكن غير الملهم يتسقط المعنى من فكر أو نظر أو اختلاس فإذا هو قد جاء بصناعة عقلية على قدر خاصته لا على قدر المعنى فكأنه لم يزد على أن تنبه له دون أن ينفذ إلى حقه إلى طبيعة الشعر فيه.
ونحن نعرف العقاد رجلا ذكيا مفكرا مطلعا ولكن هذه الخصال على
стр. 553
أنها الطبقات العليا في صناعة الكتابة الصحفية هي نفسها الطبقات السفلى في صناعة الشعر العالي، فإن الإلهام من فوقها يبدأ وكأنها الجاذبية الأرضية لا يتخطى حدودها من كانت طبيعته من الأرض وإن علا في طيارة أبعد ما يعلو وإلى أن يختنق.
فما يصنع الرجل شيئا أكثر من أن يضع يده على المعنى ثم يجهد في تقليبه وتقطيعه وتهشيمه وكثيرًا ما تقصر عبارته لضعفه في البيان واللغة فيرى أن ما كان في نفسه لايزال في نفسه مع أنه قد نظمه وتعب فيه فيعمد إلى الشرح يستعين به كأنه في طريق مقالة يترجمها أو يحصلها, ويأتي الشرح دليلا على أن هذه مطردة على ساقها بل هي ملفقة تلفيق المتن ينظم اعتمادا على أنه لا يقوم بنفسه ولا بد معه من شرح ولا بد مع إبهامه من تفسير.
٢- رد العقاد؛ سماسرة الأدب ١:
فأحد هؤلاء رجل منكوب يسمى إسماعيل أفندي مظهر كان يطبع في القاهرة مجلة تسمى العصور، علم هذا المنكوب الأول أنه يشبه العقاد وحجة الثاني أن يزول العقاد من صفحة الدنيا فلا يرى له شخص ولا يسمع له بخير، اكتب عن ابن الرومي فيكتب عن ابن الرومي واكتب عن بشار والمتنبي والمعري فيكتب عن بشار والمتنبي والمعري ولما حار في أمره ولم تغن عنه هذه المحاكاة الزائفة خطر له أن العقاد إنما اشتهر لأنه يكتب في صحيفة وفدية فتطوع هو الكتابة في زميلتنا كوكب الشرق عدة أشهر بغير جدوى فما شأن العقاد في نفس هذا المنكوب, هو بلا ريب كل شيء.
стр. 554
وزميل آخر لهذا المنكوب الثاني مصطفى صادق الرافعي. زاده الله من كل ما فيه.
ما كتب هذا الرجل حرفا عني إلا ليقول أنني لست بكاتب ولست أحسن فهم الشعر والبلاغة، وما كتبت حرفا في النقد والبلاغة إلا سعى إليه يقرؤه ويحفظه ليسرق منه ما يصل إليه عقله الكليل، فمنذ أشهر كتب عن شوقي مقالا ينكر فيه الشعر على المصريين كما يصفهم بالعقم وخمود القريحة فلما غضب القراء والناقدون على هذه المسبة الغليظة وثبت السرقة علي لسانه وقال: إنه إنما يروي ما كتبه العقاد.
فهو يحفظ كلامي ويتجاهله ولا يعترف به إلا حين تسوء نيته ويحسب أن سينبه إلى غضاضة علي فهو خاطئ الفهم سيئ النية كاذب اللسان ولولا ذلك لعلم أنني أقول عن حلقات الريفيين في كتابي ساعات بين الكتب أنه "من شهد تلك الحلقات أو سمع ذلك الغباء ومن لمس ذلك الجذل المخزون في قلوب أبناء الأقاليم صعب عليه أن يستمال إلى الدلائل التي تنكر الشاعرية على سليقة المصريين وهذا هو الكلام الذي فهم منه العليم بأسرار البلاغة أنني أنكر الشعر على سليقة المصريين.
وهو يزعم في كلام نشره في المقتطف الأغر أن يهمل كتبي ولا يلتفت إليها ولا سيما كتاب الديوان مع أنه قد سرق فصلا كاملا من ذلك الكتاب وإلى القراء شواهد السرقة منقولة عن جزء الديوان الذي أهمله على طريقته البديعة في الإهمال.
انتقدنا حامي القرآن حمى الله منه القرآن ولغة القرآن.
وهذا المنكوت لا يعرف كلمة في الإنجليزية ولكن يعرف الحقد على
стр. 555
العقاد فكل ما يعيب العقاد فهو صحيح ولو نطقت به القمل والنمل والخنفساء.
وقد روى في إحدى المجلات أنني سرقت قصيدة غزل فلسفي من قصيدة شلي "أبيسكديون" وسرقت قصائد الآثار من ثيوفيل جونيه؛ روى هذا وصدقه مع أنه لا يعرف الإنجليزية ومع أن الزاعمين لم يجرءوا على ترجمة بيت واحد من تلك القصائد التي زعموا أني سرقت منها ولكنه يحقد على العقاد فسحقا إذن للأدلة والبراهين ومرحبا بكل تهمة يفتريها المفترون جزافا بغير دليل.
إن كان في ذرات لحمك ودمك يا حاسدي المسكين ذرة واحدة لم يهرأها الحقد علي فاعلم إذن أنني لست أفعل ذلك لأنني لست أحب أن أبادل شلي وجونيه أو شاعرًا أكبر أو أصغر بما أقول.
٢- فإنما١ أكتب وأنظم لأعبر عما في نفسي لا لأنقل ما عبر به الناس. إنني لا أعمل غير أن أكتب فيقرأ الناس. ما احتلت قط على الشهرة بحيلة ولا توسلت إليها بغير هذه الوسيلة، فإن بلغ جنون الضغينة ببعض الموتورين أن يطلبوا مني كف الناس عن قرائتي شفاء لضغنهم وقضاء لوترهم فالطالب مجنون وليس المستمع بمجنون.
لقد مضى زمن اللغو. لقد مضى زمن السحرة. لقد مضى زمن الشهرة بأمثال هذه الأساليب. لقد نشأ في العالم العربي قراء لا يأخذون بالأوهام ولا يدينون بعبادة الأصنام، فإن كان الرافعي وأضرابه يحسبون أنهم نالوا من كاتب هذه السطور منالا في العالم العربي بما لوثوا به صفحات
стр. 556
الرسائل والمجلات فلتسمعوا كلمة الأستاذ محمد الحليوي في صحيفة الزمان إذ يرد على سفاهة الرافعي فيقول:
أما العقاد فحسبك أن أبحاثه في الأدب ومقاييسه في النقد قد وجهت الأدب العربي بحق إلى وجهة جديدة وأماطت اللثام عن أصنام من خشب وجبال من طين, وحررت العقول من عبودية أمساخ القبور وأحلاس القديم الذين قيدوا حركة الأدب, وقتلوا فيه كل روح.
فليكتب الرافعي ما ينضح به إناؤه وإناء أمثاله فقد عرف أدباء تونس وغير تونس مكانه من عربات المجالس البلدية قبل أن يعرف هو مكانه من تلك العربات وسيزداد الناس علما به وبي كلما ازداد.
٣- من الرافعي إلى العقاد ١:
قرأت اليوم في الجهاد رد صاحب وحي الأربعين على ما كتبته عنه في البلاغ وهو رد ظهر فيه العقاد طائرًا بالكلام على وجهه مثيرا حوله عجاجة من السب كما يفعل العامة إذا طار بها الرعب في عرض البيد وخفق بها الفزع خفقة البرق وحاولت أن تسب السماء بغبار الأرض, فذكر لي فزعه هذا أو غيظه مع إشاعة في الدعوى وتعريضه إياها إلى ما يفوت عرض الغرور وطوله هذا النفخ وهذه الصولة وهذا التفعي والتثعثن أنيابا فيها السم فاقع وما دروا أن من الحيات أفاعي كل سلاحها أن تنفخ نفخها وتصول صولتها وتنشر مقالتها, وهما وخداعا وإرهابا للحشرات الضعيفة وسحرا لبغاث الطير ثم ليس معها بعد ذلك شر ولا خير.
стр. 557
ذكرني فزع العقاد بمثل ما كنت قرأته في النسخة التي عندي من كتاب كليلة ودمنة ويعرف الأدباء الذين قرءوا كتابي تحت راية القرآن أنه ليس في العالم كله نسخة أخرى مثلها.
يعرف العقاد معرفته الشرق والغرب والشمال والجنوب أننا لا نعبأ به ولا نعده أديبا ولا نقيم له وزنا في العربية ولا نخشى سفاهته ولو جعل الجهاد جهادًا فنيا نحن وهذا كله ما قلناه له في وجهه ونعتقد يقينا أننا قلناه له في قلبه.
ورأينا في العقاد أنه لو صح فيه مذهب التناسخ وتناسخ في هذه الأرض ألف مرة لما كان في واحدة منها عف اللسان ولا كريم النفس ولا وفيا لأحد ولا شاكرًا لنعمة ولا معترفا بحقيقة وليس من العقاد إلا العقاد.
ولعله يسره أن يعلم أنه أضحكنا بسفاهته ضحكا لا عهد لنا بمثله إلا أن نرى شارلي شابلن في السينما.
قال الأستاذ "بنطلونه وحذاؤه" وهو يعنينا: ما كتب هذا الرجل حرفا عني إلا ليقول: إنني لست بكاتب ولست أحسن فهم الشعر والبلاغة.
وقال: وما كتبت حرفا في النقد والبلاغة إلا سعى إليه يقرؤه ويحفظه ليسرق منه ما يصل إلى عقله الكليل.
قلنا كذب والله أنه ليهلك في صفحة واحدة لو أراد أن يعارض صفحة مما نكتبه. وليحتكم إلى من يحسنون الكتابة ليرى في قراءتهم كيف خلق الله وجهه البياني كأنه "بروفه" مطبعية ملقاة بدون تصحيح.
إن العقاد إنما يريد بهذا الزعم أن يشرف نفسه كما أراد من قبل حين
стр. 558
كتب في الجزء الثاني من الديوان يزعم أننا أخذنا من نقده لنشيد شوق وقد نشرنا هذا في سنة ١٩٢١ ومع ذلك عاد إليه اليوم فنقله في الجهاد ويظنه برهانا جديدًا ونعرفه نحن إفلاسا جديدًا، فإن هذا المغرور يعلم في ضميره الذي يحاول أن يخبأه حتى من الله ﷻ , يعلم أنه هو نفسه كان قد وقف طبع كتابه "الديوان" حين علم أننا سننقد نشيد شوقي، وأشاعت جريدة الأخبار نبأ هذا النقد وذلك لينقل ما نكتبه ويفخم به شأن كتابه ويستعين بنا على عدوه شوقي، فلما أبطأنا في طبع النقد كتب هو تلك الرقاعة التي سماها نقدا ونشرها, حدثنا بذلك صديقنا الأستاذ المازني وكان شريكه في كتاب الديوان وخير هذا الحديث أني كنت معه في جريدة الأخبار فرأيت في يديه جزء الديوان الذي زعم فيه العقاد مزاعمه الشخصية فبعد أن قرأت ما كتب عني قلت له: كنت أظن العقاد عاقلا فإذا لطوله معنى, فقال: إن شاء الله لا يجد للقصر معنى, ثم سألته: كيف أنى للعقاد أن يزعم هذا الزعم؟ وهل ذلك رأيه في اعتقاده؟ أم رأيه في ادعائه، فقال: إننا كنا نرقب ظهور نقدك لننقله, ونكتفي به, فلما تأخر كتب العقاد كتابه, ثم اطلع على نقدك بعد ظهوره فرأى فيه كتابا من الأستاذ منصور عوض مؤرخا في ١١ ديسمبر وهو بعد ظهور الديوان, فظن بعد ذلك أنك نقلت عنه, فقلت لهذا الصديق: إنك تعلم أني شرعت في الطبع قبل أن يخط العقاد حرفا, ولهذا انتظركما يقول, ثم تعلم أن فلان باشا سعى عند أمين بك الرافعي ﵀ ليجمعني به فيتفق على أمر من الأمور لأكف عن نشر هذا النقد وقد كنت تراه رجاني وإني من أجل ذلك وقفت طبع النقد مدة, وفي أثناء هذه المدة جاءني كتاب الأستاذ منصور عوض ثم تم سيئ وأخفق سيئ فمضيت في إتمام الطبع, وكان هذا سببا في خروج كتابي متأخرًا
стр. 559
فأقرني الصديق على ذلك، وقال: إن العقاد لم يكن يعلم هذا ولم تبق فائدة في أن يعلم.
فقلت: ولا كانت على مضرة في أن يجهله.
هذا هو حديث الإفلاس الجديد الذي استخرجه العقاد من دفاتره القديمة فإن كان أهلا للخجل فليخجل، وكل ماكتبته هنا أشعته بين جميع أصدقائي من يومئذ.
٤- من إسماعيل مظهر إلى العقاد ١:
هاجمني اعتباطا وانتقض فيه ارتجالا، كأن ما طبع عليه العقاد يأبى عليه إلا أن يقول الشر وأن يرمي أقدار الناس بقصد وبغير قصد وأن يكثر عليهم السباب والشتائم لوجه الشر وحده ولوجه النار الآكلة التي تغلي مرجلها في صدره وحفيظته على كل من نبه في الأدب قدره أو رجحت في العلم كفته.
أما إذا كان هذا من أثر السفافيد التي شواك فيها الأستاذ الرافعي شيئا على صفحات العصور وطبعها في كتاب وزعت منه على ما أعرف آلاف النسخ في العالم العربي كله, فكن على يقين من أن تهجمك هذا ليس بمغنيك عما في هذه السفافيد فهي باقية معك طول حياتك, وستظل باقية بعد مماتك.
وكأني بك تريد أن تحتكر الأدب وتاريخ الأدب لنفسك فتنعي علي لأني كتبت في بشار وابن الرومي والمتنبي والمعري لأنك كتبت عنهم وإني أريد أن أكون العقاد في كل شيء, ومما يدل على سفاهة أحلامك أنك تكذب في هذا كذبا صراحا وإن كنت كذوبا فكن ذكورًا فإني لم
стр. 560
أكتب في ابن الرومي حرفا واحدًا, ولم أكتب حرفا واحدًا في المتنبي, أما ما كتبت في المعري فمقال تناولت فيه ناحية واحدة هي عقيدته في الخالق.
ولكن على تعمدك الكذب البين تعمدت أيضا أن تكون مغالطا فإنك لم تذكر أني كتبت عن مهيار الديلمي وإني قطعت في ذلك المقال برأي فيما تحدثه الورثة الأنثولوجية من أثر في الاتجاه الشعري, وكنت أول من قال بفكرة أن الدم الآري الذي يجري في عروق مهيار وابن الرومي أثرًا جعل النزعة إلى الحقائق وإلى الماديات أبين في شعرهما.
أما إني لم أنقد ديوانك الجديد أو شيئا من شعرك فإن ذلك ليس عن قصور بل عن عقيدة وعقيدتي فيك أنك شاعر لا يرجى منك أن تبلغ من الشعر أكثر من قولك:
أرى في جلال الموت إن كان صادقا ... جلالة حق لا جلالة باطل
وفيه من التواء الفكر ما يمضي بحسنات ألف بيت من الشعر الجيد.
أما قولك بأني حاولت أن أكتب متطوعا في جريدة وفدية لأنال الشهرة بمثل ما نلتها فثق بإني أعتقد أن الشهرة التي تأتي من وراء الصياح في الجرائد ومن نشر العناوين بحروف بارزة كبيرة. شهرة حقيرة في نظري وهي إلى العناوين أقرب منها إلى أن يكون فيها دلالة على شيء جدير بالاحترام ودليلي القاطع على هذا أنك قتلت جريدة مصر فلم ينقذها من الموت أدبك ولا أغناها عن السقوط أنك أستاذ بحروف المطبعة وقتلت بعد ذلك كوكب الشرق فلم ينقذها من الموت أدبك ولا أغناها عن السقوط أنك أستاذ بحروف المطبعة.
стр. 561
٥- من الرافعي إلى العقاد ١:
أما بعد فقد سبنا العقاد أفحش السب في كلمته. التي ظهرت بها جريدته اليوم كخرقة المطبخ.
وما ندري والله كيف يفهم هذا الرجل؟ ولا كيف يعتبر الناس يقرءونه؟ ولا ما هي فلسفته في السب والشتم؟ وهل هذا جهل منه أم تغافل؟ وهل هو تطاول أم تظارف؟ وهل تلك قدرة أم عجز؟
لقد درسنا جب العقاد في رده الأول ورده الآخر فما خرج لنا من ذلك إلا أنه جلف مدخول الطبيعة كان قد وقعت فيه معجزة غريبة فوضع الله في جسمه طبيعة أسوان من قدمه إلى عنقه ثم وضع في وجهه طبيعة القطب الشمالي فالرجل فاسد الحس ويحب ذلك عمقا في الإحساس يتسع به لنقائص الدنيا من الجمال إلى الجيف إلى المراحيض ويتسع جبينه "لكل موجود وموعود تؤام" ومادام إحساسه بهذا العمق فكل شيء كأنه جزء منه وإذا كان كل شيء جزءا منه فالقبح والفساد من بعض ما فيه.
ومادام له هذا القبح وهذا الفساد فلا قبح في غلطه ولا فساد في ذوقه، ولا فساد في ذوقه ولا يعات ما هو طبيعي لأنه طبيعي.
ومكابرة العقاد ومباهاته وفخره وبطره وكبرياؤه على ما فيه من الضعف والقلة والذلة كل ذلك من الأدلة القاطعة على ذهن مختل قد انفرد بنفسه في اختلاله انفراد ذوق صاحبه في اعوجاجه, ولا يكون القانون لمثل هذا الذهن إلا خطؤه وغروره.
لقد كنا على يقين من أن العقاد الجبار سينهزم عنا أقبح هزيمة وإنه
стр. 562
ليست له الأجولة, ثم يصرع فإنه هو يعرف في ذات نفسه أنه لا يملكه معنا ما يملكه مع غيرنا وهذا سبب آخر في شتمه إيانا لأن صيحة من تأخذه من حلقة لا تجيء كصيحة من أخذته من يده أو رجله, وما علينا يدخل العقاد ولا علينا يشعوذ ولا معنا يستطيع المستطاع.
من البراهين عند العقاد قول ذلك الذي هو أزكى وأبلغ رجل في الشرق هو المعفور له سعد باشا زغلول في وصف سياسة مصطفى صادق الرافعي في كتابه إعجاز القرآن كأنه تنزيل من التنزيل أو قبس من نور الذكر الحكيم.
أمن براهين العقاد عند العقاد قول العقاد نفسه؟ وقد كتب عنا قديما في المؤيد وهو ينتقد كتاب إعجاز القرآن "ولقد اتفقت للرافعي في هذا الكتاب جمل وعبارات لم يتفق مثلها للعرب منذ أن تكلموا وخطبوا إلى أن ألفوا وكتبوا".
معذرة أيها القراء فإن الخجل لا يوضع على وجه من لا يخجل كهذا العقاد وليس للخجل دواء يستعمل من الظاهر, وأنا أعرف الكلام الذي يتحول في دم العقاد إلى سم يشتعل في روحه اشتعالا، وما قرظني سعد باشا بكلمته السماوية التي لا يعدوها أبلغ ما في الحقيقة ولا أبلغ ما في المبالغة بل قرظني وقتل العقاد بداء الحقد في وقت معا.
ولو حدثتكم أن هذا العقاد قال لي مرة في مجلس رئيس تحرير مجلة شهيرة هي "المقتطف" أنه أبلغ من سعد باشا وأذكى من سعد باشا حين لم يجد له مخرجا من كلمة سعد إلا بهذا الادعاء الساقط وإني أشهدت على كلمته هذه صاحبنا رئيس التحرير. ولو أنا حدثتكم في ذلك واقتصصت القصة على نسقها لأدركتم أي معتوه هو, بل أي أحمق ولعرفتم أن عندنا في مصر جبار
стр. 563
ذهن أي مخبولا, كثيرون الذي صاح وهو يسوق نفسه على فراش الموت أي فنان سيهلك بهلاكي.
٦- العقاد: المنكوب المطموس ١
مصطفى صادق الرافعي رجل عامي, إن المناقشة هي أن تغلب وإن علامة الغلب أن يظل يتكلم ويتكلم فإذا أخذته بكتب النحاة جميعا قال ذلك:
وما كانت النحاة جميعا، إني أخطئهم، وأشتمهم في وجوههم ولو كان هذا يعقل ما يقول لما شغل حياته كلها بنا وبمؤلفاتنا قياما وقعودًا وكتابة وحدثيا؛ ليقول: إنه لم يقرأ كتب العقاد ولا يبالي ما كتب العقاد.
يا هذا؛ عندي ما يشغلني عن ضغينة نفسك الصغيرة فاذهب إلى عالم الأشباح الذي ألقيت بك فيه منذ سنوات ودعنا لما هو أفضل من صغائرك وأولى بنا وبقرائنا, فلن تظفر منا بعد اليوم بجواب.
стр. 564
الباب العاشر: معارك النقد بين المجددين
الفصل الأول: بين التغريب والتجديد
مساجلة بين توفيق الحكيم وطه حسين ١:
١- من توفيق الحكيم:
إنما الأمر الذي يحتاج إلى كلام هو معرفة مميزات الفكر المصري معرفة أنفسنا حتى تتبين لجيلنا مهمته. هذه هي المسألة: ما هي مميزات العقلية المصرية في الماضي والحاضر والمستقبل؟ ما روح مصر؟ ما مصر؟ إن اختلاطنا بالروح العربية هذا الاختلاط العجيب كاد ينسينا أن لنا روحا خاصة تنبض نبضات ضعيفة تثقل تحت ثقل تلك الروح الأخرى الغالبة وإن أول واجب عليكم لنا استخراج أحد العنصرين من الآخر, حتى إذا ما تم تمييز الروحين أحدهما من الأخرى كان لنا أن نأخذ أحسن ما عندهما.
لا بد لنا أن نعرف ما المصري؟ وما العربي؟ هذا السؤال ألقيته على نفسي منذ ست سنوات إذ كنت أدرس الفنين: المصري والإغريقي, وكانت المشكلة عندي وقتئذ ما المصري؟ وما الإغريقي؟
وأذكر أني لخصت الفرق بين العقليتين بمثل واحد في فن النحت سائلا: ما بال تماثيل الآدميين عند المصريين مستورة الأجساد وعند الإغريق عارية الأجساد؟ هذه الملاحظة الصغيرة تطوي تحتها الفرق كله, نعم كل شيء مستتر خفي عند المصريين، عار جلي عند الإغريق. كل شيء في مصر خفي كالروح، وكل شيء عند الإغريق عار كالمادة. كل شيء عن المصريين كالنفس, وكل شيء عند الإغريق جلي كالمنطق. في مصر الروح والنفس وفي اليونان المادة والعقل.
لا أكاد أفتح كتابا في الفن الإغريقي حتى أجد كلمة الصرامة نعتا من نعوت هذا الفن، ولا أفتح كتابا في الفن الإغريقي إلا وجدت كلمة الحياة وكلمة الإنسانية من نعوت هذا الفن.
حظ الإغريق في كل هذا هو حظ العرب. العرب أيضا أمة نشأت في
стр. 565
فقر لم تعرفه أمة غيرها. صحراء قفراء، قليل من الماء يثير الحرب والدماء.
جهاد وكفاح لا ينقطعان في سبيل العيش والحياة. أمة لاقت الحرمان وجها لوجه, وما عرفت طيب الثمار وجري الأنهار ورغد العيش ومعنى اللذة إلا في السير والأخبار، كل تفكير العرب وكل فن العرب في لذة الحس والمادة, لذة سريعة مفهومة مختطفة اختطافا لأن كل شيء عند العرب سرعة ونهب واختطاف, وعند الإغريق الحركة، أي الحياة، وعند العرب السرعة، أي اللذة، لم تفتح أمة العالم بأسرع من العرب، ومر العرب بحضارات مختلفة فاختطفوا من أطايبها اختطافا راكضا على ظهور الجياد. كل شيء قد يحسونه إلا عاطفة الاستقرار وكيف يعرفون الاستقرار وليس لهم أرض ولا ماض ولا عمران لهذا السبب لم يعرف العرب البناء، سواء في العمارة التي عرفها تاريخ الفن. وإذا عاش لليوم فإنه يعيش بالزخرف، فن الزخرف العربي أنقذ العمارة العربية.
أما فن الزخرف العربي فهو في الحق أجمل وأعجب فن للزخرف خلده التاريخ، والزخرف عند العرب وليد ذل الحلم باللذة والترف. كل شيء عند العرب زخرف. الأدب نثر وشعر لا يقوم على البناء، فلا ملاحم ولا قصص ولا تمثيل, إنما هو شيء مرصع جميل يلذ الحس. فسيفساء اللفظ والمعنى وأرابسك العبارات والجمل، كل مقامة للحريري كأنها باب لجامع المؤيد. تقطيع هندسي بديع, وتطعيم بالذهب والفضة، لا يكاد الإنسان يقف عليه حتى يترنح مأخوذا بالبهرج الخلاب.
قد يكون للطين دخل في النحت والتصوير عند العرب، غير أني أعتقد براءة الدين، إن العرب كانوا دائما ضد الدين كلما وقف الدين دون