٥- من الرافعي إلى العقاد ١:
أما بعد فقد سبنا العقاد أفحش السب في كلمته. التي ظهرت بها جريدته اليوم كخرقة المطبخ.
وما ندري والله كيف يفهم هذا الرجل؟ ولا كيف يعتبر الناس يقرءونه؟ ولا ما هي فلسفته في السب والشتم؟ وهل هذا جهل منه أم تغافل؟ وهل هو تطاول أم تظارف؟ وهل تلك قدرة أم عجز؟
لقد درسنا جب العقاد في رده الأول ورده الآخر فما خرج لنا من ذلك إلا أنه جلف مدخول الطبيعة كان قد وقعت فيه معجزة غريبة فوضع الله في جسمه طبيعة أسوان من قدمه إلى عنقه ثم وضع في وجهه طبيعة القطب الشمالي فالرجل فاسد الحس ويحب ذلك عمقا في الإحساس يتسع به لنقائص الدنيا من الجمال إلى الجيف إلى المراحيض ويتسع جبينه "لكل موجود وموعود تؤام" ومادام إحساسه بهذا العمق فكل شيء كأنه جزء منه وإذا كان كل شيء جزءا منه فالقبح والفساد من بعض ما فيه.
ومادام له هذا القبح وهذا الفساد فلا قبح في غلطه ولا فساد في ذوقه، ولا فساد في ذوقه ولا يعات ما هو طبيعي لأنه طبيعي.
ومكابرة العقاد ومباهاته وفخره وبطره وكبرياؤه على ما فيه من الضعف والقلة والذلة كل ذلك من الأدلة القاطعة على ذهن مختل قد انفرد بنفسه في اختلاله انفراد ذوق صاحبه في اعوجاجه, ولا يكون القانون لمثل هذا الذهن إلا خطؤه وغروره.
لقد كنا على يقين من أن العقاد الجبار سينهزم عنا أقبح هزيمة وإنه
стр. 562
ليست له الأجولة, ثم يصرع فإنه هو يعرف في ذات نفسه أنه لا يملكه معنا ما يملكه مع غيرنا وهذا سبب آخر في شتمه إيانا لأن صيحة من تأخذه من حلقة لا تجيء كصيحة من أخذته من يده أو رجله, وما علينا يدخل العقاد ولا علينا يشعوذ ولا معنا يستطيع المستطاع.
من البراهين عند العقاد قول ذلك الذي هو أزكى وأبلغ رجل في الشرق هو المعفور له سعد باشا زغلول في وصف سياسة مصطفى صادق الرافعي في كتابه إعجاز القرآن كأنه تنزيل من التنزيل أو قبس من نور الذكر الحكيم.
أمن براهين العقاد عند العقاد قول العقاد نفسه؟ وقد كتب عنا قديما في المؤيد وهو ينتقد كتاب إعجاز القرآن "ولقد اتفقت للرافعي في هذا الكتاب جمل وعبارات لم يتفق مثلها للعرب منذ أن تكلموا وخطبوا إلى أن ألفوا وكتبوا".
معذرة أيها القراء فإن الخجل لا يوضع على وجه من لا يخجل كهذا العقاد وليس للخجل دواء يستعمل من الظاهر, وأنا أعرف الكلام الذي يتحول في دم العقاد إلى سم يشتعل في روحه اشتعالا، وما قرظني سعد باشا بكلمته السماوية التي لا يعدوها أبلغ ما في الحقيقة ولا أبلغ ما في المبالغة بل قرظني وقتل العقاد بداء الحقد في وقت معا.
ولو حدثتكم أن هذا العقاد قال لي مرة في مجلس رئيس تحرير مجلة شهيرة هي "المقتطف" أنه أبلغ من سعد باشا وأذكى من سعد باشا حين لم يجد له مخرجا من كلمة سعد إلا بهذا الادعاء الساقط وإني أشهدت على كلمته هذه صاحبنا رئيس التحرير. ولو أنا حدثتكم في ذلك واقتصصت القصة على نسقها لأدركتم أي معتوه هو, بل أي أحمق ولعرفتم أن عندنا في مصر جبار
стр. 563
ذهن أي مخبولا, كثيرون الذي صاح وهو يسوق نفسه على فراش الموت أي فنان سيهلك بهلاكي.
٦- العقاد: المنكوب المطموس ١
مصطفى صادق الرافعي رجل عامي, إن المناقشة هي أن تغلب وإن علامة الغلب أن يظل يتكلم ويتكلم فإذا أخذته بكتب النحاة جميعا قال ذلك:
وما كانت النحاة جميعا، إني أخطئهم، وأشتمهم في وجوههم ولو كان هذا يعقل ما يقول لما شغل حياته كلها بنا وبمؤلفاتنا قياما وقعودًا وكتابة وحدثيا؛ ليقول: إنه لم يقرأ كتب العقاد ولا يبالي ما كتب العقاد.
يا هذا؛ عندي ما يشغلني عن ضغينة نفسك الصغيرة فاذهب إلى عالم الأشباح الذي ألقيت بك فيه منذ سنوات ودعنا لما هو أفضل من صغائرك وأولى بنا وبقرائنا, فلن تظفر منا بعد اليوم بجواب.
стр. 564
الباب العاشر: معارك النقد بين المجددين
الفصل الأول: بين التغريب والتجديد
مساجلة بين توفيق الحكيم وطه حسين ١:
١- من توفيق الحكيم:
إنما الأمر الذي يحتاج إلى كلام هو معرفة مميزات الفكر المصري معرفة أنفسنا حتى تتبين لجيلنا مهمته. هذه هي المسألة: ما هي مميزات العقلية المصرية في الماضي والحاضر والمستقبل؟ ما روح مصر؟ ما مصر؟ إن اختلاطنا بالروح العربية هذا الاختلاط العجيب كاد ينسينا أن لنا روحا خاصة تنبض نبضات ضعيفة تثقل تحت ثقل تلك الروح الأخرى الغالبة وإن أول واجب عليكم لنا استخراج أحد العنصرين من الآخر, حتى إذا ما تم تمييز الروحين أحدهما من الأخرى كان لنا أن نأخذ أحسن ما عندهما.
لا بد لنا أن نعرف ما المصري؟ وما العربي؟ هذا السؤال ألقيته على نفسي منذ ست سنوات إذ كنت أدرس الفنين: المصري والإغريقي, وكانت المشكلة عندي وقتئذ ما المصري؟ وما الإغريقي؟
وأذكر أني لخصت الفرق بين العقليتين بمثل واحد في فن النحت سائلا: ما بال تماثيل الآدميين عند المصريين مستورة الأجساد وعند الإغريق عارية الأجساد؟ هذه الملاحظة الصغيرة تطوي تحتها الفرق كله, نعم كل شيء مستتر خفي عند المصريين، عار جلي عند الإغريق. كل شيء في مصر خفي كالروح، وكل شيء عند الإغريق عار كالمادة. كل شيء عن المصريين كالنفس, وكل شيء عند الإغريق جلي كالمنطق. في مصر الروح والنفس وفي اليونان المادة والعقل.
لا أكاد أفتح كتابا في الفن الإغريقي حتى أجد كلمة الصرامة نعتا من نعوت هذا الفن، ولا أفتح كتابا في الفن الإغريقي إلا وجدت كلمة الحياة وكلمة الإنسانية من نعوت هذا الفن.
حظ الإغريق في كل هذا هو حظ العرب. العرب أيضا أمة نشأت في
стр. 565
فقر لم تعرفه أمة غيرها. صحراء قفراء، قليل من الماء يثير الحرب والدماء.
جهاد وكفاح لا ينقطعان في سبيل العيش والحياة. أمة لاقت الحرمان وجها لوجه, وما عرفت طيب الثمار وجري الأنهار ورغد العيش ومعنى اللذة إلا في السير والأخبار، كل تفكير العرب وكل فن العرب في لذة الحس والمادة, لذة سريعة مفهومة مختطفة اختطافا لأن كل شيء عند العرب سرعة ونهب واختطاف, وعند الإغريق الحركة، أي الحياة، وعند العرب السرعة، أي اللذة، لم تفتح أمة العالم بأسرع من العرب، ومر العرب بحضارات مختلفة فاختطفوا من أطايبها اختطافا راكضا على ظهور الجياد. كل شيء قد يحسونه إلا عاطفة الاستقرار وكيف يعرفون الاستقرار وليس لهم أرض ولا ماض ولا عمران لهذا السبب لم يعرف العرب البناء، سواء في العمارة التي عرفها تاريخ الفن. وإذا عاش لليوم فإنه يعيش بالزخرف، فن الزخرف العربي أنقذ العمارة العربية.
أما فن الزخرف العربي فهو في الحق أجمل وأعجب فن للزخرف خلده التاريخ، والزخرف عند العرب وليد ذل الحلم باللذة والترف. كل شيء عند العرب زخرف. الأدب نثر وشعر لا يقوم على البناء، فلا ملاحم ولا قصص ولا تمثيل, إنما هو شيء مرصع جميل يلذ الحس. فسيفساء اللفظ والمعنى وأرابسك العبارات والجمل، كل مقامة للحريري كأنها باب لجامع المؤيد. تقطيع هندسي بديع, وتطعيم بالذهب والفضة، لا يكاد الإنسان يقف عليه حتى يترنح مأخوذا بالبهرج الخلاب.
قد يكون للطين دخل في النحت والتصوير عند العرب، غير أني أعتقد براءة الدين، إن العرب كانوا دائما ضد الدين كلما وقف الدين دون
стр. 566
رغبات طبائعهم، لقد حرم الدين والشراب، فأحلوا هم الشراب في قصور الخلفاء، وما وصفت الخمر ولا مجالس الخمر في أدب أمة بأحسن مما وصفت في الأدب العربي، أما النحت والتصوير الكبير فليس في طبيعتهم لأن تلك فنون تتطلب فيمن يزاولها إحساسًا عميقا بالتناسق العام مبناه التأمل الطويل والوعي الداخلي للكل في الجزء وللجزء في الكل، وليس هذا عند العرب فهم لا يرون إلا الجزء المنفصل وهم يستمتعون بكل جزء على انفراد، لا حاجة لهم بالبناء الكامل المتسق في الأدب, لأنهم لا يحتاجون إلا للذة الجزء واللحظة، قليل من الكتب العربية في الأدب تقوم على موضوع واحد متصل، إنما أكثر الكتب كشاكيل في شتى الموضوعات تأخذ من كل شيء بطرف سريع، من حكمة وأخلاق ودين ولهو وشعر ونثر ومأكل ومشرب وفوائد طبية ولذة جسدية.
وحتى إذ يترجمون عن غيرهم يسقطون كل أدب قائم على البناء فلم ينقلوا ملحمة واحدة ولا تراجيديا واحدة ولا قصة واحدة.
العقلية العربية لا تشعر بالوحدة الفنية في العمل الفني الكبير، لأنها تتعجل اللذة، يكفيها بيت شعر واحد أو حكمة واحدة أو لفظ واحد أو زخرف واحد لتمتلئ طربا وإعجابا لهذا قصر العرب وظيفة الفن على ما نرى من الترف الدنيوي وإشباع لذات الحس، حتى الحكمة وشعراء الحكمة, كانوا يؤدون عين الوظيفة، إشباع لذة المنطق، والمنطق جمال دنيوي.
من المستحيل إذن أن نرى في الحضارة العربية كلها أي ميل لشئون الروح والفكر بالمعنى الذي تفهمه مصر والهند من كلمتي الروح والفكر.
إن العرب أمة عجيبة، تحقق حلمها في هذه الحياة، فتشبثت به تشبث
стр. 567
المحروم، وأبت إلا أن تروي ظمأها في الحياة، وأن تعب من لذاتها عبا قبل أن يزول الحلم وتعود إلى شقاء الصحراء.
ولا ريب عندي أن مصر والعرب طرفا نقيض، مصر هي الروح، هي السكون، هي الاستقرار، هي البناء، والعرب هي المادة، هي السرعة، هي الظعن، هي الزخرف.
مقابلة عجيبة؛ مصر والعرب وجها الدرهم، وعنصر الوجود، أي أدب عظيم يخرج من هذا التلقيح؟ إني أتمنى للأدب المصري الحديث هذا المصير: زواج الروح بالمادة، والسكون بالحركة، والاستقرار بالقلق، والبناء بالزخرف.
٣- من طه حسين إلى توفيق الحكيم ١:
أنا معجب بآرائك في الفن المصري وفي الفن الإغريقي ولكن لا أحب لك هذا الإسراع إلى استخلاص الأحكام العامة وإقامة القواعد التي لا تثبت للنقد والتمحيص.
ها أنت ذا تفهم من الفن المصري ما تفهم، ويشاركك فيه كثير من المثقفين ثقافة أدبية، ولكن أواثق أنت حقا بأن قدماء المصريين كانوا يرون تماثيلهم وعماراتهم كما تراها, ويفهمونها كما تفهمها، ويستلهمونها كما تستلهمها؟ أرأيتك لو سألت مصريا معاصرًا لرمسيس عن رأيه في تمثال من التماثيل أو عمارة من العمارات، أيقول فيهما مثل ما تقول؟
ومثل هذا يقال في الفن اليوناني، وفي كل هذه الفنون الصامتة, فليس
стр. 568
من الخير أن نعتمد عليها وحدها في تشخيص عقلية الأمم وروحيتها، كل هذه عندي أحكام يتعجل بها أصحابها، ويرسلونها على غير تحقيق، وإذا فقد يكون الإسراف أن تتخذ هذه الروحية المصرية الغامضة التي يسرع إليها الشك والتي تعجز عن أن تثبت للبحث، والتي توشك أن تكون خيالا تخيلته أنت وتخيله أصحابك من الأدباء ورجال الفن أساسا لأدبنا المصري الحديث. فمن يدري؟ لعل البحث عن آثار مصر أن يكشف لنا بعد زمن طويل أو قصير عن حياة مصرية قديمة تغاير كل المغايرة هذا الخيال الذي تحبونه وتطمئنون إليه.
نحن إذًا أمام أمرين: أحدهما عرضة للشك الشديد لا تكاد نعرف منه شيئا، والآخر لا سبيل إلى الشك فيه؛ أحدهما حياة مصر القديمة وحضارتها العقلية -إن صح هذا التعبير- والآخر حياة العرب وحضارتهم، فإلى أي الأمرين نفزع لنقيم عليه بناء أدبنا الجديد؟ إلى الشك أم إلى اليقين؟
وهنا يظهر الخلاف بينك وبيني شديدًا حقا.
ولكن رأيك في العرب وآثارهم في حاجة شديدة جدًا إلى التقويم, فقد كنا نرى أن ابن خلدون جار على العرب فإذا أنت أشد منه جورًا وأقل منه عذرًا، يسر الله لك من أسباب العلم لمختلف الأمم والشعوب ما لم ييسره لابن خلدون، فإذا قبل من هذا المؤرخ الفيلسوف أن يتورط في الخطأ لأن عقله الواسع لم يحط من أمور اليونان والرومان والهند والفرس والمصريين القدماء بما نستطيع نحن الآن أن نحيط به أو نمعن بوجه عام، وقد ذهبت إلى مثل ما ذهبت إليه جماعة من المستشرقين منهم دوزي ورينان، وأحسبكم جميعا تظلمون العرب ظلما شديدا وتقضون في أمرهم بغير الحق.
стр. 569
فلو أنكم ذهبتم تقارنون بين العرب وبين الهنود والفرس والمصريين القدماء لما كان من حقكم أن تقدموا هذه الأمم في الأدب على الأمة العربية بحال من الأحوال, لأننا لا نكاد نعرف من آداب هذه الأمم في تاريخها القديم شيئا يقاس إلى ما بين أدبنا من الأدب الغربي.
فإذا أردت أن تقارن بين العرب والرومان فأظنك توافقني على أن الأدب العربي الخالص أرقى جدًا من الأدب الروماني الخالص، أي أن الأدب الروماني إنما ارتقى حقا حين أثر فيه الأدب اليوناني، فالرومان تلاميذ اليونان في الأدب والفن والفلسفة والعرب يشبهونهم في ذلك, ولكن العرب كان لهم أدب ممتاز قبل أن يتأثروا بالحضارة اليونانية ولم يكن للرومان من هذا الأدب الروماني الممتاز حظ يذكر.
وقد تفوق الرومان في الفقه ولكنهم لم يسبقوا العرب في هذه الناحية من نواحي الإنتاج، ولعل الأمة الوحيدة التي يمكن أن تشبه الرومان في الفقه إنما هي الأمة العربية.
لم يبق إذًا إلا أدب اليونان هو الذي يمكن أن يقال فيه أنه متفوق على الأدب العربي حقا، ولكن من الذي يقيس رقي الأدب في أمة من الأمم برقي الأدب في أمة أخرى.
وليس من شك أن الأدب العربي قد صور حياة العرب تصويرًا صادقًا فأدى واجبه أحسن الأداء، وكل ما يؤخذ به الأدب العربي القديم وهو أنه لا يصور حياتنا نحن الآن.
وأنت تميز اليونان بالحركة وتميز العرب بالسرعة وتستنبط من هذه السرعة ظلما كثيرًا للعرب. كما فعل ابن خلدون من قبل، وليس من شك
стр. 570
إن العرب يشاركون اليونان في الحركة, ولكن ليس من شك أيضا في أنك تغلو غلوا شديدًا في وصفهم بالسرعة. إنما أسرع العرب في الخروج من باديتهم، ولكنهم حين بلغو الأمصار استقروا فيها وطال بهم المقام.
وأريد أن أدع هذه المناقشات وأن أخلص إلى جوهر الموضوع الذي تريد أن تعرف رأيي فيه. عناصر ثلاثة تكون منها الروح الأدبي المصري منذ استعربت: أولها العنصر المصري الخالص الذي ورثناه من المصريين القدماء على اتصال الأزمان بهم وعلى تأثرهم بالمؤثرات المختلفة التي خضعت لها حياتهم والذي نستمده دائما من أرض مصر وسمائها، ومن نيل مصر وصحرائها، هذا العنصر موجود دائما في الأدب المصري الخالص، فيه شيء من التصوف وفيه شيء من الحزن وفيه شيء من السماحة وفيه شيء من السخرية.
والعنصر الآخر هو العنصر العربي الذي يأتينا من اللغة ومن الدين ومن الحضارة، والذي مهما نفعل فلن نستطيع أن نتخلص منه ولا أن نضعفه ولا أن نخفف تأثيره في حياتنا، لأنه قد امتزج بهذه الحياة امتزاجا مكونا لها مقوما لشخصيتها فكل إفساد له إفساد لهذه الحياة ومحو لهذه الشخصية، لا تقل: إنه عنصر أجنبي، فليس أجنبيا هذا العنصر الذي تمصر منذ قرون وقرون فليست اللغة العربية فينا لغة أجنبية، إنما هي لغتنا وهي أقرب إلينا ألف مرة من لغة المصريين القدماء، وقل مثل ذلك في الدين، وقل مثله في الأدب.
أما العنصر الثالث: فهو العنصر الأجنبي الذي أثر في الحياة المصرية دائما والذي سيؤثر فيها دائما, والذي لا سبيل لمصر إلى أن تخلص منه، ولا خير لها في أن تخلص منه لأن طبيعتها الجغرافية تقتضيه، وهو الذي يأتيها من اتصالها بالأمم المتحضرة في الشرق والغرب، جاءها من اليونان والرومان
стр. 571
واليهود والفينيقيين في العصر القديم، وجاءها من العرب والترك والفرنجة في القرون الوسطى ويجيئها من أوربا وأمريكا في العصر الحديث.
وأخوف ما أخاف على هذا الروح المصري شيئان: أحدهما أن تلهينا الثقافة الأوروبية عن الثقافة المصرية والعربية، وكل شيء يغوينا بها ويغريها بنا فهي ضرورة من ضرورات الحياة, فمن الحق علينا ألا نضيع حظنا منها ولكن من الحق علينا ألا نفني أنفسنا فيها.
"تحول طه حسين عن هذا الرأي في كتاب مستقبل الثقافة".
стр. 572
الفصل الثاني: معركة الكرامة
بين توفيق الحكيم وطه حسين:
وقعت بين توفيق الحكيم وطه حسين معركة أدبية تحولت بها الصداقة إلى خصومة والمدح والثناء إلى خلاف وعراك، كان توفيق الحكيم نائبا في الريف قدمه صديقه الدكتور حسين فوزي إلى طه حسين وقد نشر قصة "أهل الكهف" فكتب عنها هيكل ومصطفى عبد الرازق وغيرهما ومجدوها, هناك أطلق رأيه في توفيق الحكيم وقال عنه أنه أنشأ في الآداب فنا جديدا ثم صدرت "شهر زاد" فنقدها طه حسين ولم يلبث الموقف أن تحول بين الكاتبين على الصورة التي سجلها طه في قصة الأديب الحائر وتعكر الصفاء. عاد مرة أخرى بين الأديبين. وقد صور توفيق الحكيم موقعة من بعد في معركة "الصفا بين الأدباء".
وقد صور سيد قطب في كتابه "شخصيات وكتب" أسرار الموقف بين الكاتبين فقال مجيبا على سؤال: لماذا نالت "أهل الكهف" إعجاب طه حسين ولماذا وقعت الجفوة بينهما حين صدور "شهر زاد" فقال:
هناك ملابسات شخصية أحاطت بالموضوع, ولكن بقي وراء هذه الملابسات شيء ثابت, هو طبيعة الدكتور طه وطبيعة توفيق الحكيم فالدكتور أوفر حظا من الحياة الواقعية وتوفيق أوفر حظا من التأمل والتجريد والدكتور معني بالنفوس البشرية كما هي، يتبع خطواتها ويقفو خطواتها ويتسمع همساتها, وتوفيق معني بالذهن الإنساني المجرد، يوغل في تأملاته ويسبح في فروضه.
ومن هنا أعجب الدكتور طه بأهل الكهف لأن مخلوقاتها من صنع
стр. 573
الطبيعة، وهنا وقعت الجفوة بين الدكتور وشهر زاد, فشهر زاد هي قصة توفيق الحكيم الكاملة -على طريقته- هي قصة الذهن الإنساني المجرد من أوشاج البشرية، هي قصة القلق الفكري والشك الذهني.
رأي طه حسين في أهل الكهف:
"أهل الكهف" حادث ذو خطر لا أقول في الأدب المصري وحده، بل أقول في الأدب العربي كله, وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط وأقول هذا مغتبطا به مبتهجا له وأي محب للأدب لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول أن فنا جديدًا قد نشأ فيه، وأضيف عليه, وأن بابا جديدًا قد فتج للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن.
ولكن في القصة عيبان: أحدهما يسوءني حقا، ومهما ألوم فيه الكاتب فلن أؤدي إليه حقه من اللوم وهو هذا الخطأ المنكر في اللغة، وهذا الخطأ الذي لا ينبغي أن يتورط فيه كاتب فضلا عن كاتب كالأستاذ توفيق الحكيم ولا يراد في أن أكون قاسيا عنيفا، وفي أن أطلب إلى الأستاذ في شدة أن يلغي طبعة هذه الجملة وأن يعيد طبع القصة مرة أخرى بعد أن يصاح ما فيها من الأغلاط.
أما العيب الثاني فله خطره ولكنه مع ذلك يسير، هذا العيب يتصل بالتمثيل نفسه فقد غلبت الفلسفة وغلب الشعر على الكاتب حتى نسي أن للنظارة حقوقا يجب أن تراعى فأطال في بعض المواضع وكان يجب أن يؤخر، وفصل في بعض المواضع وكان يجب أن يجمل.
стр. 574
من توفيق الحكيم إلى طه حسين:
أستاذنا الكبير الدكتور طه:
إني أشكر أهل الكهف الذين قادوني إليك، وإن كان هذا هو الغرض من بعثهم في كتابي فقد حق البعث نجح، الحقيقة أن رعاية الدكتور طه هو أثمن من تمنحني القديسون الثلاثة من كنوز، وإن صداقته التي أطمح إليها يوم أكون خليقا بها هي مفتاح عملي الأدبي في المستقبل, إنه ليشق علي أن يمضي الأسبوع ولا ألقى الدكتور, فلقد وجدت في حديثه زادًا روحيا لا غنى لي عنه.
رأي طه حسين في قصة "شهر زاد":
شهد الله ما آثرت صاحب أهل الكهف ولا خصصته بثناء، ولا رأيته ولا تحدثت إليه ولا سمعت منه قبل أن أقدم قصة أهل الكهف إلى القراء، وإنما قرأته فأحببته وأعجبت به ورأيت أن الحق يجب أن يعلن, وأن الكتاب المجيدين يجب لهم حظهم من الإجادة ليزدادوا رغبة فيها.
ولأعود إلى هذه القصة، قصة شهر زاد فأعترف بأنهاكقصة أهل الكهف فن جديد من الإنتاج في أدبنا الحديث لم يسبق توفيق إلى مثله ولا إلى قريب منه، ولست أزعم أنها المثل الأعلى في القصص التمثيلية، بل لست أزعم أنها شيء يقرب من المثل الأعلى، ولكني أزعم أنها أثر فني متقن ممتع، دقيق الصنع، بارع الصورة، خليق بالبقاء والبقاء الطويل.
ليقل الغاضبون على توفيق والحاسدون له ما يقولون فالأدب العربي الحديث لم يعرف مثل هذا الفن من الإنشاء, بل ما لي أقتصد؟ فالأدب العربي
стр. 575
الحديث لم يعرف مثل هذا الفن, وأنا أرجو ألا يغتر توفيق بهذا الثناء الذي أهديه إليه صادقا مخلصا وأود لو دفعه هذا الثناء إلى العناية بفنه والتكميل لما ينقصه من الأدوات، فهو في حاجة إلى كثير من الجد والعناء، ومن الدرس والتحصيل، فهو في حاجة إلى أن يكثر من قراءة الفلسفة ليقول عن علم ويفكر على هدى وهو في حاجة إلى أن يعنى باللغة ويتقنها ليستقيم التعبير عما يعرض له من الخواطر والآراء.
طه حسين: الأدب الحائر
قصة تمثيلية للأستاذ توفيق الحكيم:
الناس جميعا يعلمون أني محب للأستاذ توفيق الحكيم معجب بقلمه وأقل ما يوجبه علي الحب والإعجاب أن أكون رفيقا شفيقا، حين يشتد القيظ ويخشى من شره على الرءوس والنفوس والأقلام، وهذا العنوان الذي وسمت به هذه القصة لا يعدو أن يكون اقتراحا قد يعدل عنه الأستاذ توفيق الحكيم إن خطر له أن يكتب قصة، فما ينبغي لمثلك ولا لمثلي، بل ما ينبغي لخير منك ولا خير مني، أن يقترح على الأستاذ أن ينصح له فالأستاذ أكبر من أن يقترح عليه مقترح أو ينصح "ناصح" مهما يكن مخلصا أمينا.
١- أما الفصل الأول من هذه القصة كما كانت فتقع في العام الماضي في أوائل الربيع في حجرة من حجرات البيت الذي كنت أسكنه في هليوبوليس إذ يقبل علي صديقان يحبان الأدب لأنهما أديبان ويعجبان بالأستاذ توفيق الحكيم لأنه أديب, وهما يتحدثان إلي عن هذا الأستاذ الذي لم أعرفه ولا سمعت من حديثه شيئا، فيثنيان عليه بما هو أهله، أو بما هو أهل لأكثر منه، ثم يدفعان إلي كتابا وضعه الأستاذ توفيق الحكيم، وكان يود أن يهديه إليَّ
стр. 576
لولا أنه لا يعرفني ولا يريد أن يلقاني حتى أقرأ كتابه وأكون لنفسي رأيا فيه ثم يقصان علي الكثير من أطواره الغريبة حتى يثيرا في نفسي الشوق إلى لقائه وإلى النظر في كتابه، فإذا انصرفا أقبل صديق ثالث فلا أكاد أحدثه بما كان من أمر الصديقين حتى يثني على الكاتب ويثني على الكتاب ويزعم لي أنه قرأ الكتاب مخطوطا قبل أن ينشر.
٢- فإذا كان الفصل الثاني فقد أخذت أقرأ في الكتاب فأرضى عنه ثم أعجب به، ثم أكتب عنه فصلا في الرسالة أسجل فيه هذا الإعجاب وذلك الرضى، وملاحظات يسيرة لا بأس فيها على الكاتب ولا على الكتاب، وما يكاد يلقى الستار على هذا الفصل وتستريح النظارة في وقت الراحة بين الفصول حتى أتلقى رسالة برقية ملؤها الشكر وعرفان الجميل ومصدرها الأستاذ توفيق الحكيم.
٣- ثم يكون فصل ثالث، وإذ بالأستاذ توفيق الحكيم قد سعى إلي من إقليمه الذي كان يعمل فيه، وهو يشكر لي تشجيعي له ويغلو في هذا الشكر ثم يلقي أموره الأدبية كلها إلي, ويطلب مني أن أكون مرشدًا وحاميا فأقبل منه هذا كله سعيدا به مبتهجا له، وأتحدث إلى الإستاذ حديث الصديق المحب المعجب.
ويتكرر هذا المنظر مرات.
ثم يكون منظر آخر، مجتمع معه مع أصدقاء لنا يعرفهم الأستاذ، ونتشاور في أمره هو لا في أمرنا نحن، فهو يريد أن ينتقل من الأقاليم إلى القاهرة لأنه ضيق بحياة الريف, وفي وزارة المعارف عمل قد يلائمه وهو يميل إلى هذا العمل، ولكني أنا لا أميل إليه.
والأستاذ وأصدقاؤه يلحون في العرض وأنا ألح في الرفض.
стр. 577
ثم يلقى الستار ويتم انتقال الأستاذ من الريف إلى القاهرة في هذه الراحة التي تكون بين الفصول.
ثم يكون منظر آخر أو مناظر أخرى نجتمع فيها لنقرأ بعض الكتب التي يريد الأستاذ إخراجها للناس ومنها "شهر زاد" فالأستاذ شديد الشك في نفسه ضئيل الثقة بفنه، لا يظهر آثاره إلا إذا أقرها أصدقاؤه الأقربون وهو لا ينشر فصلا في الرسالة إلا إذا قرأته وأذنت بنشره، وهو لا يدري أنه قادر على أن يحتمل وحده تبعة الإذاعة والنشر, ثم نقر من هذه الكتب ما نقر، ونرجئ منها ما نرجئ، ونتحدث عن أهل الكهف وعن طبعة ثانية تذاع بين الناس فأقترح أنا أن أقدمها إلى الجمهور، ويظهر الأستاذ وأصدقاؤه الرضا بذلك والابتهاج له، ثم يلقى الستار ويرفع وقد تمت الطبعة الثانية من أهل الكهف وأبطأت أنا بالمقدمة أسبوعين أو نحو أسبوعين، فينشر الكتاب بغير مقدمة وبغير أن يتحدث إلى أحد في ذلك، فيسوءني ذلك بعض الشيء فيسعى إلي الأستاذ في منظر جديد ويعتذر إلي بمحضر من بعض الأصدقاء١، فأسمع منه وأبتسم وأتجاوز عن استعجاله وينصرف راضيا فإذا أصبحت تلقيت منه هذا الكتاب باللغة الفرنسية وأنا أترجمه فيما يأتي.
ثم يكون منظر آخر يراني الله فيه حزينا آسفا ومشفقا جزعا لأني صدقت هذا الكلام، وخفت أن يكون صاحبه جاد فيه، فأنكرت من نفسي ما أظهرت من غضب، وها أنا ذا أسرع إلى التليفون فألتمس صاحبي في مظانه
стр. 578
كلها، حتى يصلني به التليفون فأداعبه وألاعبه وأترضاه وأتلطف له وأقبل منه وأهدي إليه حتى يرضى وتطمئن نفسه الثائرة أو التي كنت أحسبها ثائرة ويهدأ قلبه المضطرب أو الذي كنت أظنه مضطربا.
ثم تكون مناظر أخرى تجري الحياة فيها بيننا كما تجري بين الأصدقاء ثم تكون مناظر أخرى، أسمع في بعضها اللوم لأني أحب توفيق الحكيم وأقرأ في بعضها الشتم لأني أكبر توفيق الحكيم وأنا أبتسم للوم اللائمين وأضحك لشتم الشاتمين، لأني لم أحب هذا الكاتب إلا لأنه ألهمني الحب، ولم أعجب بهذا الكاتب إلا لأنه ألهمني الإعجاب.
ثم أكتب إلى المصور فصلا عن الأدب التمثيلي في مصر فلا يكاد ينشر حتى يتحدث إلي من يتحدث بأن الكاتب الأديب مغضب من هذا الفصل لأني لم أنصفه فيه، ولأني زعمت أن قصصه التمثيلية على حالها وروعتها قد لا تلائم الملعب المصري فلا أحفل بحديث المحدثين وأقرأ في المصور بعد ذلك ردًا من توفيق فيه عوج كثير فأقوم هذا العوج مداعبًا لصاحبه ملاطفا له. ثم يبلغني أنه قد سعى إلى بيتي مساء الاثنين الماضي فلم يجدني فيه وترك لي تحيته ومودته وانصرف ثم أكتب عن "شهر زاد" فلا يكاد يظهر حديثي عن "شهر زاد" حتى أتلقى من صديقي توفيق هذا الكتاب صباح الخميس، لا يحمله إلي البريد وإنما يحمله ساع خاص، ولا يكتبه توفيق بخطه وإنما يضربه على الآلة الكاتبة ضربا ويتفضل الصديق فيمضيه بخطه وأنا أنشر هذا الكتاب لأنه سيكون باقيا على الدهر ولأنه سيقع من الكتاب والناقدين في هذا العصر موقع الوصية التي زعموا أن عبد الحميد قد أذاعها في الكتاب القدماء آخر أيام بني أمية.
стр. 579
يظهر أني سيئ الحظ معك، وأنك سيئ الحظ معي هذا الأسبوع، فلقد قرأت مقالك عن شهر زاد وما أحسبنا تلاقينا فيه عند رأي, فأما قولك أني أدخلت في الأدب العربي فنا جديدًا وأتيت بحدث لم يسبقني إليه أحد، فهذا إسراف سبق لي أن أشرت إليه في خطاب مني إليك من أدب الجاحظ ذكرت فيه يومئذ أن للجاحظ ملكة في إنشاء الحوار تذكرنا ببعض كتاب المسرح من الغربيين، فما أنا إذا بمبتدع، وإنما أنا أحد السائرين في طريق شقه الشرق من قبلي.
وأما نصيب قصصي من البقاء فلست أعتقد أن لناقد معاصر حق الجزم به وما بلغت من البساطة حق تصديق ناقد يتكلم في هذا, فإن الزمن وحده هو الكفيل بالحكم على الأعمال بالبقاء فأنا كما ترى لا أسمح لنفسي بقبول مثل هذا الثناء, كذلك لست أسمح لأحد أن يخاطبني بلسان التشجيع فما أنا في حاجة إلى ذلك فإني منذ أمد بعيد أعرف ماذا أصنع ولقد أنفقت الأعوام أراجع ما أكتب قبل أن أنشر وأذيع، كما أني لست في حاجة إلى أن يملي علي ناقد قراءة بعينها فإني منذ زمن طويل أعرف ماذا أقرأ, وما أخالك تجهل أني قرأت في الفلسفة القديمة والحديثة وحدها ما لا يقل عما قرأت أنت, وما أحسبك كذلك تجهل أني أعرف الناس بما أحتاج إليه من أدوات، فأرجو منك أن تصحح موقفي أمام الناس وألا تضطرني إلى أن أتولى ذلك بنفسي.
وأؤكد لصديقي توفيق أني لم أنشر كتابه هذا إلا تصحيحا لموقفه أمام رؤسائه وأمام نفسه, فيعلم رؤساؤه منذ اليوم أنه قد أساء إلي عمدا وفي غير ما يبيح الإساءة، وأنه قد قطع ما بينه وبيني من صلة، وأنه قد سجل هذه القطيعة في كتب, وأني قد سجلت هذه القطيعة في صحيفة سيارة ليشيع أمرها بين الناس، وأظن أن رؤساءه منذ اليوم سيرفقون به, ويعطفون به ويحسنون الرأي فيه، وأظن أنه سيحس منهم ذلك فيطمئن على منصبه ويستريح إلى رضا رؤسائه عنه ويبتسم له الأمل في المستقبل القريب والبعيد.
فأما قول توفيق: إني قد أسرفت حين زعمت أنه أحدث في الأدب العربي
стр. 580
حدث لم يسبقه أحد فإني أحمده له وإن كنت أعرف أن هذا الكلام كان يرضيه وأنه كان يحب أن يسمعه وأن يقرأه.
وأما أن توفيقا ينكر علي أن أحكم على قصصه بالبقاء فهذا إسراف منه كثير، فنحن الناقدون أحرار فيما نعرف من ذلك وما ننكر، ما دام الزمن هو الحكم الأخير في هذا الموضوع.
وأغرب من هذا كله أن يرفض توفيق ما أهديت إليه من ثناء فليعلم أني لم أهد الثناء إلى شخصه ليرفضه أو يقبله وأن شخصه لا يعنيني إلا قليلا منذ الآن، وإنما أهديت الثناء إلى فنه وما زلت أهديه إليه ولن يستطيع هو أن يرده، وكنت أحب له أن يفرق بين شخصه الفاني وفنه الباقي.
أما أنه لا يسمح لأحد بأن يدله على ما يقرأ، وأنه قرأ في الفلسفة القديمة والحديثة مثل ما قرأت على الأقل، فإنني أحب أن يعلم أن ما قرأته لا يرضيني لنفسي ولا لغيري، وأسأل الله أن يقيني وإياه شر الغرور فهو مهلك للنفوس حقا, وأما أنه أعرف الناس بما ينقصه وأعلم الناس بما يحتاج إليه من أدوات وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى نقد ناقد، فهذا رأيه في نفسه منذ الآن وهو لا يشرفه ولا يرفع منزلته عند أحد وأحب أن يعلم توفيق أني لن أرد عليه بعد الآن, ولن أحفل به إلا يوم يخرج لنا كتابا نقرؤه, ويومئذ سأعلن رأيا في الكتاب سواء رضي توفيق أم سخط.
من توفيق الحكيم "خصومة" إلى طه حسين:
بعثت إليه أول النهار بالرسالة التي سماها "باقية على الدهر" ثم أويت آخر النهار إلى بيتي فوجدت أسطوانات "بتهوفن" التي استعارها مني قد
стр. 581
ردها إلي فعلمت أنها القطيعة، فوقفت واجما في مكاني وزالت آثار الغضب ولم يبق في نفسي إلا ألم عميق.
ولقد انتهى كل شيء بيني وبين الدكتور طه حسين, ولم أستطع أن أقرأ شيئا في ليلتي، وما أن أقبل الصباح حتى أوفدت إلى الدكتور طه صديقين كريمين يحادثانه في أمر الرسالة، فإذا قد دفعها إلى المطبعة وإذا به يأبى إلا أن يعلن الخصومة إلى الناس.
وحاول الصديقان عبثا أن يحولا بينه وبين هذا الإعلان, ولكن الدكتور طه أراد أن ينتقم فتناول القلم ووضع قصة روى فيها ما كان من أمري وأمره.
قرأت القصة فدهشت؛ أي روعة وأي إبداع! إنها في ذاتها أثر من آثار الفن الخالد، إني أشهد أنها عمل فني عظيم، فيها من سعة الخيال وروعة الأسلوب ما يضمن لها البقاء.
إنها هي التي ستبقى على الدهر, وقد أنساني إطارها الأدبي ما احتوته من اتهامات قاسية وماذا يهم، إن شخصي ليس يعنيني كثيرًا، كما أنه ليس يعني صديقي الدكتور منذ اليوم.
وأغلب ظني أن الدكتور قد أصر على نشرها لأنه يعلم أنه قد كتب شيئا جميلا, وإني الآن لأرضى أن يضحي شخصي الزائل في سبيل ظهور هذه القطعة الباقية.
على أن القارئ وقد فرغ من القصة لا بد يسأل نفسه: ما كل هذا الذي بين توفيق وبين الدكتور؟ وإني أمد القارئ بالجواب فأقول: لا شيء في رأيي غير صداقة لا يمكن أن تزول، ولئن قامت خصومة بيننا اليوم أو في الغد فهي خصومة من أجل الرأي والتفكير.
стр. 582
وإنه ليعلم أني أقدره أحسن تقدير وأضعه في نفسي في أسمى مكان وأحفظ له على الزمن ما أسدى إلي من جميل، ولا أنسى أنه هو الذي ألقى الضوء على وجودي, غير أنه يخطئ إذا فهم أن صداقتي له معناها التزام موافقته على كل رأي أدبي يبديه، والتسليم والتأمين على كل ما يخرج من قلمه أو من فيه, إن الحكم المطلق إذا صلح في دولة السياسة فهو لا يصلح في دولة الأدب، وإني لا أخال صديقي الدكتور نفسه، يرضى لي أو يرضى لفني وتفكيري في هذه الحرية المقيدة.
هذه هي الخصومة التي بينه وبيني.
فهو قد استاء مني إذا عارضته في بعض آرائه، ولقد استاء مني كذلك يوم أخرجت الطبعة الثانية من أهل الكهف بغير مقدمة، إن الحقيقة لا تعدو أني شخص بسيط لا أمقت شيئا في الأدب مثل المقدمات، وإني روح حر يأبى أن يقيد نصوصه بتفسيرات.
أعتقد أن خير هدية أهديها صديقي العزيز عليَّ، هي "الحرية" وقد بلغ من إخلاصي في صداقتي لطه حسين أن أعطيته "حريتي" فهو لن ينسى أني ما أتصرف في عمل أدبي بغير رأيه. على أني أحب من جهة أخرى أن أستعير بعض هذه الحرية أحيانا لأناقشه في فكرة من الفكر أو أحاوره في مسألة. فأنا كما يعلم الدكتور ذو طبيعة لا تسير على نظام.
إني أعطي كثيرًا ثم آخذ فجأة، ثم أعود فأرد ما أخذت، وعلى صديقي أن يكون رحب الصدر. غير أن الدكتور لم يعرفني حق المعرفة، وأراه يأخذ بعص تصرفاتي على سبيل الجد، حيث لا ينبغي أن تؤخذ في سبيل الجد.
وبعد فيا صديقي الدكتور أنا محزون حقا. فقد فكرت فإذا خطيئتي بديهية فقد كان يجب على الأقل أن أستشيرك قبل أن أبعث بتلك الرسالة.
стр. 583
فماذا ترى في موقفي منك؟
إليك الآن ما تمت عزيمتي عليه: "إذا احتفظت بغضبك علي فسأعرض عن كل حياة أدبية".
أحمد بهاء: لماذ يخاف توفيق الحكيم من طه حسين١؟
حضرت ١٩٤٩ على ما أذكر محاضرة للدكتور طه حسين ألقاها في نادي الخرجين عن قصة أوديب في الآداب المختلفة، وكان توفيق الحكيم قد أخرج منذ قليل مسرحيته الملك أوديب وبعد أن تحدث طه عن مسرحيات أوديب التي كتبها سوفوكليس وأندريه جيد وجان كوكتو وغيرهم تحدث عن توفيق الحكيم فهاجمه هجوما قاسيا عنيفا وقال: إن توفيق الحكيم أفسد القصة إفسادًا شنيعًا كأشنع ما يكون الإفساد.
وقال: إن الذي ينقص توفيق الحكيم هو أن يقرأ وأن يقرأ كثيرا مع أنه يتباهى بدراسة الأدب اليوناني والتمثيلية اليونانية ويبدو أنه درسهما درسا متواضعا وفهمهما فهما أشد تواضعا, ولاحظ أن توفيق لم ينظر حتى إلى خريطة اليونان ليعرف أن مدينة طيبة -مسرح مأساة أوديب- بعيدة جدا عن البحر على عكس ما يفهم من تمثيلية توفيق الحكيم.
стр. 584
الفصل الثالث: معركة الصفاء بين الأدباء
بين توفيق الحكيم وزكي مبارك والعقاد والزيات:
كان توفيق الحكيم قد دعا على صفحات "مجلة الرسالة" إلى الصفاء بين الأدباء، فأثارت دعوته صراعا وسجالا عجيبا، كأنما تفتحت له أبواب الخصومة والعراك، ذلك أن زكي مبارك انبرى له وقال: إنه إنما يقصده بهذه العبارة، وقال توفيق الحكيم: إنه ما من أديب واحد يعنيه بهذه الكلمة وإنما هي كلمة عامة للنفع العام ثم كشف عن حقيقة الأمر فقال: إن الذي أوحى له بها هو مقال العقاد الذي يشكر فيه طه حسين إهداءه إليه دعاء الكروان وقال: وفي الحق أني لم أجد بالمقال الرقة التي كنت أنتظرها واستأت في نفسي من الأستاذ العقاد بعض الاستياء وأنا الذي يعتقد أنه يخفي وراء قناع الكبر والتكبر نفسا طيبة تتفجر إذا اطمأنت بأجمل عاطفة وأنبل إحساس.
واتسع نطاق المعركة حتى هدد توفيق الحكيم بالانقطاع عن الأدب وانحنى بالملائمة على صاحب الرسالة إطلاق قلم زكي مبارك؛ وهذه ملامح المعركة:
١- توفيق الحكيم؛ تواضع الأديب الحق ١:
مما يسترعي الالتفات أحيانا تلك اللغة التي يخاطب بها بعض الأدباء زملاءهم فتراهم يقولون "زميلنا أو صديقنا فلان يطلب إلينا كذا ونحن نقول له كذا والأجدر أن يسألنا كذا" إلى آخر هذا الكبر والتكبر في التعبير.
هؤلاء نسوا من غير شك أن تكبر الأديب الحق وتعاليه هو في الفكر والتفكير لا في مخاطبة الآخرين. إني أرى شعار الأديب الحق هو "تواضع في معاملة الناس وتعال في معالجة الأفكار"؛ لقد آن الآوان لأذكياء الشعراء أن يقفوا بالمرصاد لكل أديب يحاول أن يتعاظم بالحط
стр. 585
من قدر غيره وأن يرفع قدر نفسه بوسائل لا تتصل بجوهر الرسالة العليا للفكر والآداب.
حدث ذات مرة أن تفضل أحدهم فذكرني بقوله: صديقنا فلان، فتساءلت أهو يريد أن يشرفني بصداقته أم يشرف نفسه بتعظيمها على حسابي.
يقولون: إن الذوق شيء ليس الكتب, ولكني أقول: إن الذوق شيء ينبغي أن يكون في طبيعة كل كاتب.
٢- من زكي مبارك إلى توفيق الحكيم ١:
صديقي العزيز!
قرأت لك في الرسالة منذ أسابيع كلمة صغيرة تذكر فيها أن في مصر كاتبا قال في سياق حديثه إنه صديقك، وأنك تنكر أن يشرف الناس أنفسهم بالانتساب إليك, ولم يخطر في البال أني مقصود بتلك الغمزة؛ لأني أعرف أن منزلتي في نفسك لا تبيح لك أن تقع في مثل هذا الخطأ, ولكن ناسا حدثوني إنك تريدني بتلك الكلمة الصغيرة, وقد أردت أن أستوثق من نيتك, فكان جوابك أن تلك الغمزة موجهة إلى فلان فهل أجد عندك من الشجاعة ما تقوى به على التصريح باسم ذلك الفلان، أوضح، أوضح, فإن لم تفعل فسأنوب عنك في الإيضاح، صنع الزمن ما صنع, واستطال الدهر ما استصال, فمن يعزيني وقد استباح بعض الناس أن يكتب كلمة توهم أنه أكبر من أن يكون صديقي.
стр. 586
٣- الصفاء بين الأدباء؛ توفيق الحكيم ١:
كتب: قد نشرت في الرسالة كلمة, وظاهر من روح هذه الكلمة أني أحض على توثيق صلات المودة الصادقة بين الأدباء بدعوتهم إلى نبذ الألفاظ التي قد تحدث في نفوس زملائهم شيئا من الامتعاض, ولكن الدكتور زكي مبارك فهم الأمر على وجه آخر.
ثم سألني؛ فقلت: أديب واحد قد عنيته بالذات، إنما هي كلمة عامة للنفع العام ولئن كان لا بد من مناسبة أوحت بهذه الكلمة فربما كانت مقالة الأستاذ عباس العقاد التي يشكر فيها الدكتور طه إهداءه إليه "دعاء الكروان".
وفي الحق إني لم أجد بالمقال الرقة التي كنت أنتظرها واستأت في نفسي من الأستاذ العقاد بعض الاستياء، وأنا الذي يعتقد دائما أنه يخفي وراء قناع الكبر والتكبر نفسا طيبة تتفجر إذا اطمأنت بأجمل عاطفة وأنبل إحساس. فالذي يستطيع التأثير في نفوسنا بكتاباته الإنسانية عن الكلب بيجو لا بد أن يحمل نفسا خليقة أن تفيض بالمودة نحو إنسان.
تلك هي المناسبة يا دكتور زكي، ولكنك شئت أن تحمل الكلمة على أنها غمزة مني لك، وأنا أبعد الناس عن الغمزات خصوصا إذا تعلق الأمر بشخصي فأنا لم أنشر قط يوما كلمة تعمدت بها إيذاء أديب في شعوره، أنا الذي يخرج على مهاجمة المبادئ والنظم إلى حد التعرض للخطر، لا أجد من اللائق بأديب أن يهاجم أديبا ليخدشه في كرامته. لأن الأدب قبل كل شيء مودة ومحبة ورحمة وصباء، على هذا الوجه فهمت دائما الأدب هو صنع
стр. 587
الجمال, وعلى الذين يصنعون الجمال أن ينطووا على نفوس جميلة، وأنا الذي لا يختلط بالناس والأدباء إلا قليلا لما في طبيعتي من وحشة وكآبة أشكو منهما تجدني مع ذلك أحب الأدباء وأقدرهم ولا أقول فيهم قولة سوء؛ غير أني أيها الصديق العزيز وأنت تأخذ كلمتي على أنها موجهة إليك قد ذكرت لي أسباب ظنك فتحريتها بعد انصرافك، فاتضح لي أنك على حق وأن الكلمة ينبغي أيضا أن تنصرف إليك فقد تستعمل أداة التعظيم في مخاطبة الزملاء من الأدباء فماذا يضجرك أن أشكو منك ومن كل أديب يسهو عن واجبات التواضع والمودة والمحبة التي تؤلف بين نفوس الأدباء جميعا ويجعل منهم دولة متحدة مقرها حديقة الصفاء الغناء.
وليسمح لي الدكتور بأن أوجه إليه كلاما وجهته إلى الأستاذ أحمد أمين منذ ستة أعوام فقد تثمر بهمته ما فيه من فكرة خيرة, لقد قلت وقتئذ: لا شيء في الوجود أقوى من الابتسامة ولكن من ذا الذي أعطى القدرة على الابتسام الصافي الجميل في كل موقف وفي كل حين أهو الجبار وحده، ألا ترى معي الجبروت إنما هو الصفاء.
"إذا أردت أن تسلك طريق السلام الدائم، فابتسم للقدر إذا بطش بك ولا تبطش بأحد" تلك كلمة لعمر الخيام فإن كنت في رأي من هذا فإن لي عندك حاجة "أن تنثر معي تلك الابتسامة بين الأدباء فإن الأدب شيء جميل؛ هو جنة لا صخب فيها وهو معبد لا تدخله الأحقاد، وأن ظاهرة في أدبنا أنه لا توجد فيه صداقات عظيمة جديرة بأن يتحدث عنها تاريخ الأدب، ما الذي يعوزنا نحن؟ أهو شيء في الخلق؟ أم ضعف في النفس؟ أم هو نقص في الصحافة؟ لست أعلم.
стр. 588
٤- من العقاد إلى توفيق الحكيم:
عندي تعليق على كلمة عجيبة سبق إلى كتابتها الأستاذ توفيق الحكيم وهو في قبضة الأديب الفلاح الدكتور زكي مبارك، فقال كلاما لا يحسن السكوت عليه.
فلماذا قال؟ قال ما معناه أنه "صعب عليه" لأنه لم يجد في شكري للدكتور طه حسين تلك الرقة التي كان ينتظرها لا أدري ولا أعتقد أن الدكتور طه اهتم بأن يدري أو احتاج إلى رقة الأستاذ توفيق الحكيم التي أوشكت أن تسيل عبراته، لم؟ والله لا أدري، وقد أدري ويدري القارئ معي بعد قليل.
فعندي قصة صغيرة أهديها إلى الأستاذ توفيق الحكيم لأنه رجل قصتي يجب أن يخاطب بأسلوبه.
وهي قصة لا تتجاوز بضعة سطور ولكنها تفيد.
قيل إن الدكتور طه حسين خرج من وظيفته بالجامعة المصرية قبل سنوات وقيل: إنه أثنى على الأستاذ توفيق الحكيم في بعض ما كتب وهو على جفوة رؤساء تلك الأيام وقيل: إن الأستاذ توفيق الحكيم أشفق من مغبة تلك الجفوة فكتب يقول: إنه لا يريد مدحًا من أحد, وكان رفيعا جدًا فيما قال وأدرك شهر زاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح وقيل في قصة أخرى؛ لأن القصة الأولى انتهت والحمد لله. إن الأستاذ توفيق الحكيم يسيل رقة حين ينكر أن الدكتور طه حسين رفع من شأنه بما كتب عنه لأنه أطنب في وصف أديبه وفي وصف أديب, فلم يرفع من شأنهما على ما يزعم، وهما في الحق أرفع شأنا عند أناس كثيرين من صاحبنا الحكيم.
وأدرك شهر زاد الصباح أو المساء على قصة أخرى تمثل اليوم مع العقاد
стр. 589
لأن خصومته قد تشبه خصومة الدكتور طه حسين قبل سنوات, فما الرأي في تمثيلية تشتمل على فصول كهذه الفصول؟ أليس في التمثيل هوى لصاحبنا الحكيم؟
٥- الحكيم: خصومات أدبية ١
من كان يتصور أن دعوتي إلى الصفاء بين الأدباء تثير خصومات أو ذكريات عن خصومات فلقد كتب الأستاذ العقاد في الرسالة.
والتعليق على هذه القصة الطريفة لا يحتاج إلى عناء؛ لأن الأساس الذي بنيت عليه، وهو شبهة الخصومة بيني وبين العقاد قد انهار في اليوم ذاته الذي ظهر فيه مقالي, فقد طلع لحسن الحظ في مجلة الثقافة في مساء ذلك النهار تحية مني للعقاد وثناء على كتابه عبقرية محمد بما هو أهله.
يضاف إلى ما تقدم "أن ما يدريه العارفون أوشك أن يدريه غير العارفين" هو أني موقفي اليوم يشبه في كثير من الوجوه موقف العقاد، وأن بين المجلات والصحف والأقلام ما يعلن تجريحي وخصومتي بمختلف الأسباب لعين الأغراض.
إن حقيقة الخصومة بيني وبين طه حسين في تلك الأيام "عام ١٩٣٤" كانت خصومة أدبية صرف، ولكن الدكتور طه أراد أن يقحم فيها عنصر السياسة ليظهرني في صورة "يهوذا" ويظهر نفسه في صورة "المسيح" فاخترع تلك القصة اختراعا ولكن الحقيقة ما لبثت أن ظهرت واضحة بينة.
وهناك قصة أخرى للأستاذ العقاد ومهداة إلي أيضا، وربما احتاجت
стр. 590
إلى تعليق طويل لأنها تمس قضية أدبية تحدث في جميع الآداب في كل زمان، تلك هي قصة الناقد والكاتب, فقد ذكر الأستاذ العقاد أني أنكر أن الدكتور طه رفع من شأني بما كتب عني، وأنا حقا أنكر ذلك كل الإنكار ومن يحرص على كرامة الفن لا يسعه أن يقول غير هذا القول, فما من مخلوق على الأرض يرفع أو يخفض من شأني غير فني, ولما ترجم هذا الفن أو بعضه إلى لغات أجنبية وجد من أعلام نقادها من يرفع شأنه كما وجد من اللغة العربية طه وأمثاله.
فالفن هو الذي يكرم نفسه أو يمتهنها في كل مكان وزمان يحل فيهما. حقا؛ إن الدكتور طه حسين استقبل كتاب أهل الكهف استقبالا رائعا، ولكن لا ينبغي أن ننسى غيره، فبمراجعة تاريخ الحوادث يتضح أن أول من نوه بالكتاب تنويها جميلا كان الشيخ مصطفى عبد الرازق ثم الأستاذ المازني ثم الأستاذ العقاد على هذا الترتيب, فلما اطمأن طه حسين إلى آراء هؤلاء أقبل فصاح صيحته المشهورة كأنها صيحة "يوحنا المعمدان" وهو يبشر بالمسيح فقد قال بهذا النص: "أما قصة الكهف فحادث ذو خطر لا أقول في الأدب العربي المصري وحده بل أقول في الأدب العربي كله وأقول هذا من غير تحفظ ولا احتياط وأقول هذا مغتبطا به مبتهجا له، وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول: إن فنا جديدًا قد نشأ فيه وأضيف إليه, وأن بابا جديدًا قد فتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نفكر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن". نعم هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصرًا جديدًا.
стр. 591
ويمكن أن يقال: إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروة لم تكن له: ويمكن أن يقال: إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن ينبث للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة".
ولنسلم بأن طه حسين هو المشيد الأول بشأن أهل الكهف ومؤلفها فهل هذا حدث جديد في تاريخ الأدب.
لم نسمع من قبل أن الناقد إذا أثنى على كتاب حسب أنه تفضل على مؤلفه ورفع شأنه من الحضيض وأن على المؤلف واجبا مقدسا هو أن يشتري من فوره سبحة لكيلا ينسى أن يسبح بحمد الناقد أناء الليل وأطراف النهار.
ولكن من الإنصاف أن أقول: إني لا أشك في أن طه حسين أول الأمر كان يصدر حقا عن عقيدة الناقد الذي يؤدي واجب النقد والفن وحدهما، فلم يكن قد رآني وما كنت قد رأيته، وما كان تصادم الطباع والخصال قد لعب دورا في تقدير الأمور وسواء كان طه مخطئا أو مصيبا في رأيه الذي أبداه فهذا ليس من شأني ولا من شأن الأشخاص، إنما هو شأن النقاد.
على أني إذا تفرغت للنقد يوما، فإني أرجوا أن أؤدي واجبي بمثل هذه الحرارة والأمانة والقوة نحو آثار طه وغيره من الأدباء.
أما مشاعري الخاصة كإنسان نحو الدكتور طه فليس الظرف اليوم مواتيا للإطناب في وصفها وسأختار الزمان والمكان الملائمين للإفاضة بها دون أن يحمل فعلي على غير محمله.
стр. 592
وأخيرًا أوجه خطابي إلى الأستاذ العقاد قائلا:
إنك للمرة الأولى تخاطبني بهذه اللهجة التي كنت تخاطب بها الرافعي ﵀.
أبهذه السرعة تضع الناس في صف أعدائك، لعلك لفرط ما قاسيت من شر الناس ولقلة ما وجدت من خيرهم، أصبحت مثل "هملت" تستل سيفك لتضرب من خلف الأستار دون أن تتبين الوجوه فطعنت صديقا وأنت لا تدري.
٦- عباس محمود العقاد؛ صداقات الأدباء ١:
والأستاذ توفيق الحكيم أراد الصفاء بين جميع الأدباء فهل أراد شيئا يكون في هذه الدنيا؟ وهل أراده حقا؟ وهل توصل إليه بوسيلته المثلى؟ إن ثلاث "لاءات" مفحمات هي أصدق جواب على هذه الأسئلة الثلاث، فالصفاء بين جميع الأدباء معناه الصفاء بين الناس وليس هذا بميسور ولا هو بلازم للأدب والأدباء.
فالأستاذ توفيق الحكيم هنا لم يطلب شيئا يجاب.
ولكن نعود لنسأل: هل طلبه حقا؟ وهل اجتهد في تحقيقه فتوصل إليه بوسيلته المثلى؟
إن الذي يطلب الصفاء لا يبحث عن أسباب الكدر بملقاط ليخلقها خلقا بين رجلين على أحسن ما يكون من الصفاء.
أهدي إلى الدكتور طه حسين قصة "دعاء الكروان" فجعلت هذا الإهداء موضوع مقال من أعماق النفس في معنى الكروان ودعاء الكروان وذكريات
стр. 593
الكروان وقرأه كثيرون من الأدباء فحدثوني عنه حديث رضا وسرور، وفي مقدمتهم الدكتور طه مهدي دعاء الكروان.
أما الأستاذ توفيق الحكيم فماذا صنع؟
لم يرضه ما أرضى الدكتور طه ولا ما أرضى الأدباء ولا ما أرضى كثرة القراء.
وراح يتحدث ويكتب ليقول: هنا صفاء. فكيف بالله يليق هذا الصفاء؟
ثم وجه إلي بعد أيام أخرى خطابا قال فيه: "إنك للمرة الأولى تخاطبني إلخ ولا أظن أنني أشبه هملت في كثير من خصاله وأفعاله ولكني إذا سئلت: لم صنعت صنيع "هملت"؟ أفلا يجوز لي أن أسأل: ولم الوقوف وراء الأستار وأولى من ذلك الخروج إلى وضح النهار؟ أليس هنالك بعض اللوم على من ينصت خلف الستر ليسمع ما يسمع أو ليقول ما لا يقال.
وعبرة أخرى أن الأستاذ الحكيم يذكر التعالي في موقف الكاتب وينسى أنه اختار لأدبه عنوان "البرج العاجي" وهو عنوان الأدب المصطلح على وصفه بالتعالي بين نقاد الغرب وشعرائه، فليترك برجه العاجي إذن أو فليتركنا نحن نتعالى ونتواضع كما نشاء.
إن كان يعني هؤلاء وأمثال هؤلاء فهو واجد في الأدب العربي الحديث صداقات من تلك الصداقات وواجد من هناتهم في الغرب نظائر لما نشكوه من هنات الزملاء المصريين والشرقيين والطبيعة البشرية واحدة في كل مكان تلك أصدق حكمة عن الناس قالها إنسان.
стр. 594
٧- توفيق الحكيم ١ الصفاء "أيضًا":
كانت دعوتي إلى الصفاء بين الأدباء خالصة لوجه الأدب, فأدباء مصر البارزون الدائبون على الإنتاج لا يتجاوز عددهم العشرة على التسامح الشديد.
كان الأجدر بنا نحن العشرة أن نوجه صراعنا لا إلى بعضنا البعض بل إلى الفن ومصاعبه وأسراره.
ولكن الأستاذ العقاد في مقاله رد يقول: إن صاحب الدعوة إلى الصفاء هو الذي بحث في أسباب الكدر بملقاط ليخلقها خلقا بين رجلين على أحسن ما يكون من الصفاء فإذا صح هذا الزعم كان حقا مما يدعو إلى الأسف بل إلى السخرية، ربما كان ظاهر الوقائع يدل على ذلك ولكن هل كانت تلك حقيقة المقاصد والنوايا.
وقد رأى الأستاذ العقاد أن يجزي واحدة بواحدة فلم يفته في ختام مقاله أن يدرس هو الآخر سببا من أسباب الكدر بيني وبين الدكتور طه حسين لقوله أن الأستاذ الحكيم يقول بعد الإشارة إلى ثناء الدكتور طه عليه منذ سنوات: لم نسمع في غير مصر أن الناقد إذا أثنى على كتاب حسب أنه تفضل على مؤلفه ورفع شأنه من الحضيض ... إلخ.
ومضى يصورني في هيئة الناكر للجميل. والأستاذ العقاد ولا شك قد فهم أني ما قصدت بإيراد هذه العبارة وأمثالها إلا مجرد إظهار الإساءة لطه حسين وهو في أوج نفوذه, فقلت ما نصه: "إن هذا الوقت هو أحب الأوقات عندي لإساءته لا لإرضائه".
стр. 595
الحقيقة أنها كانت قصة انتهت مع الأسف بانهيار صداقة من أعظم الصداقات التي عرفها أدبنا المعاصر:
ثم تحدث توفيق الحكيم عن قصة أهل الكهف ورأي طه حسين فيها وصداقتهما التي قامت على الأثر وقال: "ولكن, وآسفاه لقد تغلب أولئك الشامتون واللائمون آخر الأمر وفازوا بمآربهم وأشعلوا نار الوقيعة بيننا واضعين أيديهم على مواطن الضعف فينا، وضعف الفنان هو عزته وكرامته، وإن شئت فقل غروره, وهكذا لم يستطع طه حسين أن يحتفظ طويلا بابتسامته وضحكه أمام السامعين بالسوء ولم أستطع أنا أن أحتفظ باتزاني فأنقذ المودة الصادقة وأضحي بالعزة الكاذبة.
وبهذا حطمنا تلك الجوهرة التي منحتنا إياها السماء, ومن أجل ... من أجل ماذا؟ لست أدري ما حدث بعد ذلك، فذاكرتي الآن لا تسعفني، كل ما أذكر أننا حاولنا أن نرم ما تحطم، ولقد أقمنا معا بعض الصيف في جبال الألب فضحكنا كثيرًا ولهونا طويلا بل لقد ألفنا معا هناك كتابًا, ولكنها مع ذلك لم تكن الصداقة الأولى، لماذا؟ لعل شيئا في نفسينا لم يكن صافيا كل الصفاء أو في نفسي أنا على الأقل, إني أعرف؛ لقد كنت أمتنع عن كل ما يؤخذ على أنه ملق أو زلفى, لقد كان طه حسين وقتئذ هو شخصية ذات نفوذ، وأنا أكره إرضاء أصحاب النفوذ.
ولكني الآن وقد وضعت بين تهمتين: الزلفى ونكران الجميل فإني أوثر التهمة الأولى فلقد سبق أن اتهمت بها في مجال السياسة, إن الشهرة قد جائتني حقيقة ببعض المال ولكن، هل كنت محتاجا إلى ذلك المال؟ إني لم أكن معسرا ولا مقترا, جائتني بالمركز الاجتماعي، كلا فقد كنت قبلها من رجال
стр. 596
القضاء المحترمين ولو أني بقيت كذلك ولا شيء غير ذلك لظفرت بالحياة الهانئة الوديعة النافعة، على الأقل للعدالة والناس، ولكن الشهرة وما يحيط بها من الإشاعات والأقاويل والأباطيل قد حالت بيني وبين ذلك الخير، فبعد أن كانت تسعى إلى طلبي الأسر وأنا في القضاء سموا في الثقة والهيبة أصبحت تنفر مني اليوم, لقد جاوزت الأربعين وما أبصر في الأفق طيف واحة مورقة في صحراء حياتي المحرقة.
ما قيمة الشهرة بغير سعادة وما قيمة الأدب والفن بغير هناء؟
٨- زكي مبارك؛ أحزان توفيق الحكيم:
لم أكن أنتظر أن يكون عتبي على الأستاذ توفيق الحكيم١ فرصة لمجادلات ومساجلات يجري بها قلمه مع الكاتبين العظيمين عباس العقاد وطه حسين.
يظهر أن أحزان توفيق الحكيم لن تنجيه من "الوقوع في قبضة الأديب الفلاح" فاسمعه اليوم كلاما يسره في حين ويحزنه في أحايين وفقا لحالته النفسية.
دار الأستاذ الحكيم في رده على الأستاذ العقاد حول "نفوذ" الدكتور طه حسين فماذا يريد أن يقول؟
هل يتوهم أن نفوذ الدكتور طه تميمة تعيذه شر أقلامنا إذا رأيناه انحرف؟ وما احتياجنا إلى نفوذ طه حسين ونحن نعرف أن ذلك النفوذ بلاء عليه، يستطيع الدكتور طه بكفايته العلمية أن يكون أكبر موظف في الحكومة المصرية ولكنه لا يستطيع الزعم بأن سلطان القلم يفوقه أي سلطان.
стр. 597
الدكتور طه رجل ضرار نفاع، ولكنه من العيب على حامل القلم أن يرجوه أو يخشاه, فما معنى هذا الذي تقوله يا عم توفيق؟
صديقنا توفيق يتألم ويتوجع لأن شهرته الأدبية أبعدته عن الانخراط في سلك القضاء فما معنى هذا؟ معناه أن الرجل يعيش بين رجال الأدب عيش الغرباء، وإلا فهل يجوز لكاتب له عقيدة أدبية أن يتوهم أن في الدنيا حظا أرباب الأقلام.
وصديقنا توفيق الحكيم يقول بعبارة صريحة أنه لا يجد أسرة تعطف عليه تتزوجه بنية يسكن إليها وتسكن إليه لأن الشهرة الأدبية أضافته إلى المشبوهين.
غضبة الأدب عليك يا توفيق فما أوذي الأدب بأقبح ولا أبشع ولا أفظع مما جرى به قلمك الأهوج.
أيهون الأدب على أهله إلى هذا الحد من الهوان البغيض؟
أيكون نفوذ طه حسين شيئا يخاف فتحبر فيه المقالات الطوال العراض؟ آه, ثم آه.
لو كان بيدي شيء لقضيت بنفي توفيق إلى جزيرة "واق الواق" ليعرف أبناؤنا وتلاميذنا أن للأدب سيطرة سماوية تبغض التأدب مع غير صاحب السماء.
أنت في جماعتنا دخيل يا توفيق، لأنك تقدم علينا رجال القضاء ولأنك تتهيب أصحاب النفوذ.
٩- توفيق الحكيم؛ الصفاء بين الأدباء:
صديقي الزيات؛ حتى أنت قد خاب أملي فيك! أنا الذي دعا إلى الصفاء
стр. 598
بين الأدباء كما رأيت وبذلت في ذلك ما بذلت؛ فإذا كان كل هذا يسفر عن كلمة سمحت أنت بنشرها في العدد الأخير من الرسالة كلها إيذاء لشخصي دون مبرر، كلمة لم تدع إليها مساجلة أدبية، ولم يتبع بها الأدب والفكر ولكن دعت إليها شهوة الهجوم والتجريح لمجرد الزهو والخيلاء بالهجوم علي وتجريحي.
ولعل السبب الوحيد في ذلك أنني رجل هادئ الطبع كما تعرف، نزاع إلى الخير، ينزه القلم عن أن يستخدم هراوة للبطش، وكنت أحسب أن الشجاعة الحقيقة فيه في احترام أصحاب هذه المبادئ والنزعات. ولكن صدمني حقا ما رأيت من أن الأدباء في مصر -مع الأسف- لا يحسبون حسابا لغير الكاتب الذي يبرز مخالبه، ويكشر عن أنيابه، ويتهيأ دائما للوثوب. أنا الذي أراد الأدب أن يكون حديقة غناء سياجها "الصفاء" إذا بي أراه حرشا من الأحراش المأهولة بالضواري. ما هي في واقع الأمر رسالة الأدب إلى اليسر؛ أهي شيء آخر غير ترويض كواسر الناس وإفهامهم أنهم أرقى من الحيوان. إن الأدب الرفيع هو الذي يثير المشاعر الرفيعة بما فيها من صدق وحب وخير وجمال, وإن الأدب الوضيع هو الذي يهيج فينا الغرائز الحيوانية بشهواتها للفتك والبطش والعدوان.
كنت أظن يا صديقي الزيات أن تلك هي رسالتك, وأن عملك في مجلتك هو توجيه الأدب إلى هذه الغاية الفضلى.
خاب أملي فيك, إنما الذي خيب أملي هو أني رأيتك قد حدت قليلا عن رسالتك في "الرسالة" وفي هذا خطر على شرف الغاية التي عاهدت نفسك والناس عليها, وقد أغتفر لك إهداء حق الصداقة والزمالة، أما هذه، فلا.
стр. 599
هنا ونفترق. وليكن اليوم آخر عهدي بك و"بأصالة" والأدباء. لن أكتب شيئا لك ولن أذكر بعد اليوم أديبًا بخير ولا بشر. سأصمت عن أشخاصهم، صمت القبر لأنصرف إلى الإنتاج وحده من حيث هو إنتاج.
فلا حلم في صفاء ولا أمل في عودة بين أدباء. على أني قبل ذلك أحب أن أنوه بحق لك عندي وفضل لا أود أن أنساه: لقد كنت أنت الذي اقترح علي فكرة تدوين ذكرياتي المنسية من عهد اشتغالي بالقضاء.. فخرج كتاب "يوميات نائب في الأرياف" ربما لولاك ما اتجه ذهني إلى هذا الأمر ولضاعت إلى الأبد معالم تلك الأيام.
١٠- من الزيات إلى الحكيم:
ولو لم يكن النسيان عرض ملازما لك يا صاحب أهل الكهف لذكرت أن اسمي الزيات، لا زكي مبارك ولو أنك ذكرت ذلك لما كان منك ذلك الكتاب ولا كان مني هذا الجواب، ولكنك لا تستطيع أن تنكر أنك كفرت بنفسك وكذبت برسالتك لأن الرسول الصادق لا ينذر بالكدر وهو يبشر بالصفو ولا يبادر إلى القطيعة وهو يدعو إلى الصلة.
لم يكفر برسالتك غير العقاد ولا شك في إخلاصك للأدب غير المبارك فما، بالك يا توفيق تئن قبل التعذيب وتلقي بيديك ورجليك إلى الصليب وتفضح بهذا الجزع نبوة الأدب.
تقول إنني حدت قليلا عن رسالتي في الرسالة وقليلا هنا معناها "زكي مبارك" وزكي مبارك يا توفيق لون من ألوان الأدب المعاصر لا بد منه ولا حيلة فيه، فهو الملاكم الأدبي في ثقافتنا الحديثة؛ أما عنفه وشماسه فهي الطبع المميز للونه، فلو شئت أن تجرد هذا الملاكم المبارك من عنف الهجوم وخشونة المراس لما بقي منه غير توفيق الحكيم وحمار الحكيم.
стр. 600
على أنه هو نفسه أول الشاهدين على أن صفارتي قد بحت من طول ما أهبت به وهو في قفاره السنتريسي يهدر في المحال بين الجبال مغضيا بعض الأعضاء عن قواعد الملاكمة.
وزكي مبارك بعد ذلك سليم الصدر، صريح القلب رياضي الروح لا يتحرج أن يطلب إلى صديقه أن ينصره ظالما أو مظلوما. ثم تقول إن الأدباء في مصر مع الأسف لا يحسبون حسابا لغير الكاتب الذي يبرز مخالبه ويكشر عن أنيابه ويتهيأ دائما للوثوب، فهل مصداق ذلك يا توفيق أنك أدرت ظهرك لخصمك وحملت علي، أما قطعك الأسباب بينك وبين الرسالة والأدباء فأمر يهون ما دمت تخرج كتبك إلى قرائك الأوفياء، وإذا جاز لي أن أواجهك مرة أخرى فإني أنصح لك يا توفيق بأن تؤمن برسالتك كما أمن ذوو الفضل من الكتاب وأن تصبر عليها كما صبر أولو العزم من الرسل.