← Адаб

Адаб · id 11546

المعارك الأدبية

أنور الجندي

Полный текст (707 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

القضاء المحترمين ولو أني بقيت كذلك ولا شيء غير ذلك لظفرت بالحياة الهانئة الوديعة النافعة، على الأقل للعدالة والناس، ولكن الشهرة وما يحيط بها من الإشاعات والأقاويل والأباطيل قد حالت بيني وبين ذلك الخير، فبعد أن كانت تسعى إلى طلبي الأسر وأنا في القضاء سموا في الثقة والهيبة أصبحت تنفر مني اليوم, لقد جاوزت الأربعين وما أبصر في الأفق طيف واحة مورقة في صحراء حياتي المحرقة. ما قيمة الشهرة بغير سعادة وما قيمة الأدب والفن بغير هناء؟ ٨- زكي مبارك؛ أحزان توفيق الحكيم: لم أكن أنتظر أن يكون عتبي على الأستاذ توفيق الحكيم١ فرصة لمجادلات ومساجلات يجري بها قلمه مع الكاتبين العظيمين عباس العقاد وطه حسين. يظهر أن أحزان توفيق الحكيم لن تنجيه من "الوقوع في قبضة الأديب الفلاح" فاسمعه اليوم كلاما يسره في حين ويحزنه في أحايين وفقا لحالته النفسية. دار الأستاذ الحكيم في رده على الأستاذ العقاد حول "نفوذ" الدكتور طه حسين فماذا يريد أن يقول؟ هل يتوهم أن نفوذ الدكتور طه تميمة تعيذه شر أقلامنا إذا رأيناه انحرف؟ وما احتياجنا إلى نفوذ طه حسين ونحن نعرف أن ذلك النفوذ بلاء عليه، يستطيع الدكتور طه بكفايته العلمية أن يكون أكبر موظف في الحكومة المصرية ولكنه لا يستطيع الزعم بأن سلطان القلم يفوقه أي سلطان.

стр. 597

الدكتور طه رجل ضرار نفاع، ولكنه من العيب على حامل القلم أن يرجوه أو يخشاه, فما معنى هذا الذي تقوله يا عم توفيق؟ صديقنا توفيق يتألم ويتوجع لأن شهرته الأدبية أبعدته عن الانخراط في سلك القضاء فما معنى هذا؟ معناه أن الرجل يعيش بين رجال الأدب عيش الغرباء، وإلا فهل يجوز لكاتب له عقيدة أدبية أن يتوهم أن في الدنيا حظا أرباب الأقلام. وصديقنا توفيق الحكيم يقول بعبارة صريحة أنه لا يجد أسرة تعطف عليه تتزوجه بنية يسكن إليها وتسكن إليه لأن الشهرة الأدبية أضافته إلى المشبوهين. غضبة الأدب عليك يا توفيق فما أوذي الأدب بأقبح ولا أبشع ولا أفظع مما جرى به قلمك الأهوج. أيهون الأدب على أهله إلى هذا الحد من الهوان البغيض؟ أيكون نفوذ طه حسين شيئا يخاف فتحبر فيه المقالات الطوال العراض؟ آه, ثم آه. لو كان بيدي شيء لقضيت بنفي توفيق إلى جزيرة "واق الواق" ليعرف أبناؤنا وتلاميذنا أن للأدب سيطرة سماوية تبغض التأدب مع غير صاحب السماء. أنت في جماعتنا دخيل يا توفيق، لأنك تقدم علينا رجال القضاء ولأنك تتهيب أصحاب النفوذ. ٩- توفيق الحكيم؛ الصفاء بين الأدباء: صديقي الزيات؛ حتى أنت قد خاب أملي فيك! أنا الذي دعا إلى الصفاء

стр. 598

بين الأدباء كما رأيت وبذلت في ذلك ما بذلت؛ فإذا كان كل هذا يسفر عن كلمة سمحت أنت بنشرها في العدد الأخير من الرسالة كلها إيذاء لشخصي دون مبرر، كلمة لم تدع إليها مساجلة أدبية، ولم يتبع بها الأدب والفكر ولكن دعت إليها شهوة الهجوم والتجريح لمجرد الزهو والخيلاء بالهجوم علي وتجريحي. ولعل السبب الوحيد في ذلك أنني رجل هادئ الطبع كما تعرف، نزاع إلى الخير، ينزه القلم عن أن يستخدم هراوة للبطش، وكنت أحسب أن الشجاعة الحقيقة فيه في احترام أصحاب هذه المبادئ والنزعات. ولكن صدمني حقا ما رأيت من أن الأدباء في مصر -مع الأسف- لا يحسبون حسابا لغير الكاتب الذي يبرز مخالبه، ويكشر عن أنيابه، ويتهيأ دائما للوثوب. أنا الذي أراد الأدب أن يكون حديقة غناء سياجها "الصفاء" إذا بي أراه حرشا من الأحراش المأهولة بالضواري. ما هي في واقع الأمر رسالة الأدب إلى اليسر؛ أهي شيء آخر غير ترويض كواسر الناس وإفهامهم أنهم أرقى من الحيوان. إن الأدب الرفيع هو الذي يثير المشاعر الرفيعة بما فيها من صدق وحب وخير وجمال, وإن الأدب الوضيع هو الذي يهيج فينا الغرائز الحيوانية بشهواتها للفتك والبطش والعدوان. كنت أظن يا صديقي الزيات أن تلك هي رسالتك, وأن عملك في مجلتك هو توجيه الأدب إلى هذه الغاية الفضلى. خاب أملي فيك, إنما الذي خيب أملي هو أني رأيتك قد حدت قليلا عن رسالتك في "الرسالة" وفي هذا خطر على شرف الغاية التي عاهدت نفسك والناس عليها, وقد أغتفر لك إهداء حق الصداقة والزمالة، أما هذه، فلا.

стр. 599

هنا ونفترق. وليكن اليوم آخر عهدي بك و"بأصالة" والأدباء. لن أكتب شيئا لك ولن أذكر بعد اليوم أديبًا بخير ولا بشر. سأصمت عن أشخاصهم، صمت القبر لأنصرف إلى الإنتاج وحده من حيث هو إنتاج. فلا حلم في صفاء ولا أمل في عودة بين أدباء. على أني قبل ذلك أحب أن أنوه بحق لك عندي وفضل لا أود أن أنساه: لقد كنت أنت الذي اقترح علي فكرة تدوين ذكرياتي المنسية من عهد اشتغالي بالقضاء.. فخرج كتاب "يوميات نائب في الأرياف" ربما لولاك ما اتجه ذهني إلى هذا الأمر ولضاعت إلى الأبد معالم تلك الأيام. ١٠- من الزيات إلى الحكيم: ولو لم يكن النسيان عرض ملازما لك يا صاحب أهل الكهف لذكرت أن اسمي الزيات، لا زكي مبارك ولو أنك ذكرت ذلك لما كان منك ذلك الكتاب ولا كان مني هذا الجواب، ولكنك لا تستطيع أن تنكر أنك كفرت بنفسك وكذبت برسالتك لأن الرسول الصادق لا ينذر بالكدر وهو يبشر بالصفو ولا يبادر إلى القطيعة وهو يدعو إلى الصلة. لم يكفر برسالتك غير العقاد ولا شك في إخلاصك للأدب غير المبارك فما، بالك يا توفيق تئن قبل التعذيب وتلقي بيديك ورجليك إلى الصليب وتفضح بهذا الجزع نبوة الأدب. تقول إنني حدت قليلا عن رسالتي في الرسالة وقليلا هنا معناها "زكي مبارك" وزكي مبارك يا توفيق لون من ألوان الأدب المعاصر لا بد منه ولا حيلة فيه، فهو الملاكم الأدبي في ثقافتنا الحديثة؛ أما عنفه وشماسه فهي الطبع المميز للونه، فلو شئت أن تجرد هذا الملاكم المبارك من عنف الهجوم وخشونة المراس لما بقي منه غير توفيق الحكيم وحمار الحكيم.

стр. 600

على أنه هو نفسه أول الشاهدين على أن صفارتي قد بحت من طول ما أهبت به وهو في قفاره السنتريسي يهدر في المحال بين الجبال مغضيا بعض الأعضاء عن قواعد الملاكمة. وزكي مبارك بعد ذلك سليم الصدر، صريح القلب رياضي الروح لا يتحرج أن يطلب إلى صديقه أن ينصره ظالما أو مظلوما. ثم تقول إن الأدباء في مصر مع الأسف لا يحسبون حسابا لغير الكاتب الذي يبرز مخالبه ويكشر عن أنيابه ويتهيأ دائما للوثوب، فهل مصداق ذلك يا توفيق أنك أدرت ظهرك لخصمك وحملت علي، أما قطعك الأسباب بينك وبين الرسالة والأدباء فأمر يهون ما دمت تخرج كتبك إلى قرائك الأوفياء، وإذا جاز لي أن أواجهك مرة أخرى فإني أنصح لك يا توفيق بأن تؤمن برسالتك كما أمن ذوو الفضل من الكتاب وأن تصبر عليها كما صبر أولو العزم من الرسل.

стр. 601

الفصل الرابع: معارك النقد بين العقاد وطه حسين: اتصل حبل المساجلة والنقد والعراك الأدبي بين العقاد وطه حسين أمدًا طويلا، ولكنه كان في كل الأحوال هينا لينا لم يصل إلى ما عرف من عنف طه حسين أو عنف العقاد في خصومته مع من ساجلا من أدباء, ولعل ظروف السياسة هي التي حالت دون ذلك فقد دافع العقاد عن طه حسين إبان محنته بكتاب الشعر الجاهلي وخالف رأي حزبه. ولما تحول طه حسين إلى الوفد وكان العقاد كاتبه الأول أعلن في أول مناسبة العقاد أميرا للشعر، وجرت بينهما مجاملات كثيرة أهدى فيها طه كتاب "دعاء الكروان" إلى العقاد صاحب ديوان "هدية الكروان" ولم تحتدم المعارك بينهما إلا مرة واحدة حول النقد اللاتيني والنقد السكسوني وقد ذكر طه حسين خصوماته مع العقاد١. فقال: لقد هاجمت العقاد في غير موطن من مواطن الخصومة، خاصمته في السياسة وخاصمته في الأدب وخاصمته في السياسة والأدب أيضا، ولكن هذه الخصومة لم تغض من مقدار العقاد في نفسي. وما أظن أن بين لدات العقاد وأترابه ومعاصريه من يقدره مثل ما أقدره أنا وأكبره وليس يعنيني أن يكون رأي العقاد فيّ كرأيي فيه، وإنما الذي يعنيني أن أقول الحق وإن كرهه الكارهون, وإن كرهه العقاد نفسه، والذين عاصروا خصومات العقاد يذكرون من غير شك أني أثنيت على أدبه في جريدة السياسة حيث كانت الخصومة بين الوفد والدستوريين كأعنف ما تكون الخصومات، وقد كانت الحرب سجالا بيني وبينه حربا ولم يمنعه ذلك من أن يقوم قيام الرجل الكريم في مجلس النواب يدافع عني حين كان الوفديون جميعا علي حربًا، ولا أعرف أن الخصومة بين العقاد وبيني قد

стр. 602

انقطعت، فما دام كلانا يكتب فالخصومة بيننا ممكنة ولكننا قوم نعرف كيف نختصم دون أن نفسد الخصومة رأي واحد منا في صاحبه. ومن المقطوع به أن لهذا الكلام معنى عميق وطه حسين لا يقوله مجردًا ولعله أن يدفع به حملة من حملات العقاد ضد شيء ما، وقت كتابة هذه الكلمات. "وهذه ملامح من هذه المعارك". رأي طه حسين في "مطالعات" العقاد: إن الأستاذ عباس١ العقاد من أصحاب الألوان السياسية الظاهرة وأي لون سياسي! وأي ظهور وهو سعدي مغرق في السعدية وهو كاتب من كتاب البلاغ. لقد أخذت نفسي بأن أكون حرًا في النقد، وأعطيت على نفسي موثقا من الله لأكونن حرًا مطلق الحرية ولا يستثن في هذا النقد صلات المودة والقربى وعواطف الرضا والسخط، وإذا كنت قد أخذت على نفسي بتلك الخصلة وأعطيت على نفسي هذا الموثق وتناولت الأصدقاء والزملاء والأساتذة بالنقد والتقريظ، لم أصطنع في هذا كله إلا الإنصاف والحق. فقد يكون لي أن أتجاوز الخصومات السياسية، وأن أجعل خلاف الأحزاب دبر أذني وتحت قدمي، لأقول كلمة الحق في الأدب ليس بينها وبين السياسة والأحزاب صلة. فليطمئن خصومنا السياسيون وليطمئن أنصارنا السياسيون أيضًا، وليعترف أولئك وهؤلاء أن للعلم والأدب حقهما في الوجود إلى جانب السياسة والأحزاب، وإذا كان من الحق أن ليس للعلم والأدب وطن، فمن الحق أيضا أن ليس للعلم والأدب حزب سياسي وإذا كنت قد أخذت نفسي

стр. 603

بأن أكون حرا في النقد فلأكن حرا حقا، ولأنسى في سبيل الأدب والعلم مذهبي السياسي كما نسيت عواطف المودة والقربى ومكانة الزميل والأستاذ. وليطمئن هؤلاء وأولئك مرة أخرة. فأنا أمقت المذهب السياسي للأستاذ عباس العقاد مقتا شديدًا وأزدريه ازدراء لا حد له١. سأنقده وسأقول فيه كلمة الحق والإنصاف هذه، وسيكون هذا النقد وهذا الإنصاف في جريدة السياسة التي تخاصم السعديين، وتزدري سياستهم لأن السياسة إلى جانب مذهبها السياسي والحزبي مذهبًا آخر تقدسه وتجد في تقديسه ولا يفهمه غيرها من الصحف وهو حرية الرأي مهما يكن صاحبه ومهما يكن رأيه السياسي. واعترف بأن الأدب ثقيل أحيانا، لأنه ينسيك الخصومة السياسية، ويجيب إليك خصمك السياسي كما حبب إلى أدب العقاد، وبأن السياسة ثقيلة أحيانا لأنها تنسيك القرابة الأدبية وتبغض إليك الأدب كما بغضت سياسة العقاد أحيانا أدب العقاد. ولست أخدع نفسي, فمن الأدباء الذين يخاصمون في السياسة ويرون فيها رأيا غير رأيي من يقول في ما أقوله في العقاد، ولقد سمعت شبانا من السعديين يقولون في محكمة الجنايات، وقد خلبتهم بلاغة المحامين الذين كانوا يدافعون عن السياسة, ما أكفأهم أولاد الكلب لو لم يكونوا عدليين. ٢- معركة حول المعري: كان "المعري" مصدر حركة أدبية بين طه حسين والعقاد عندما أصدر الأخير كتابه عن أبي العلاء.

стр. 604

طه حسين: إن الأستاذ العقاد أراد أن يرتحل بأبي العلاء بعد أن بعثه بعثًا جديدًا وأن يطوف به في أقطار الأرض فلم يصنع شيئا وإنما ارتحل به في طائفة من الكتب التي قرأها وفي ألوان العلم الذي أحاط به وفي فنون من الآراء التي أتقنها واستقصاها, ذلك لأن الأستاذ العقاد نفسه لم يرتحل ولم يطوف في أقطار الأرض, وإنما ارتحل وهو مقيم وطاف وهو مستقر، وعرف الدنيا وهو لم يتجاوز حدود مصر، وعند الأستاذ العقاد أدب وعلم وفلسفة، فقد ملأ يديك أدبا وعلما وفلسفة، ولكنه لم يرتحل إلى أوربا ولا أمريكا، فلا يستطيع أن يرحل بك ولا بأبي العلاء في ألمانيا وفي روسيا وفي السويد والنرويج والدانمارك وفي بلاد الإنجليز وإسبانيا وفي أمريكا ولكنه لا يريك سيرهم وينتهي بك إلى مصر فيظهرك منها على طبيعتها الرائعة ونهرها الجميل، ذلك لأنه يعرف مصر وقد رآها رأي العين فهو قادر على أن يعطيك منها شيئا، وهو أمين كل الأمانة لا يستطيع أن يعطيك من أوربا ولا من أمريكا لأنه لا يعرفهما، أستغفر الله وأستغفر الأستاذ العقاد، بل لأنه لم يرهما رأي العين ولم يلم بها إلا من طريق الكتب. "رد العقاد": من المتفق عليه أن أبا العلاء المعري لو كان حيا وساح في الأرض لما كان غرضه من السياحة أن يكتب لنا دليلا من كتب السياحة، وإنما تعنيه مشكلات العقائد والأخلاق التي كان يعنى بمثلها في الحياة، وليست هذه المشكلات والعقائد مقصورة على المسافرين دون المقيمين. على أننا نعود فنسأل: أين هي المشاهد التي لا يراها الإنسان إلا بالانتقال

стр. 605

إليها في هذا الزمان! الصور المتحركة التي ترينا وتسمعنا كل يوم ما يراه ويسمعه الباريسيون واللندينون وسائر الغربيين والشرقيين، والمطابع تنقل إلينا ما يقولون وما يعتقدون، والأصوات الحالية تحكي لنا ما ينشدون ويعرفون والعالم كله معروض لنا عرضا ينقله إلينا وإن كنا لا ننتقل إليه. ٣- حول كتاب: "أبو نواس" للعقاد: عندما أصدر العقاد كتاب: "أبو نواس", تناول الدكتور طه حسين بالنقد فكان مما قاله أن علماء التحليل النفسي لهم مذاهبهم في البحث يخطئون فيها ويصيبون وهم يعتمدون في بحثهم على التجارب فتستقيم لهم حينا وتخطئهم أحيانا. أما الأدباء فيذهبون في ذلك مذهب التقليد والمحاكاة لا مذهب الاستكشاف والاجتهاد، والعلم لا يجوز فيه التقليد. إنه من العسير على الأدباء أن يجروا آراءهم هذه الاتباعية على الأحياء الذين يرون ويستطيعون أن يقولوا لهم ويسمعوا منهم ويراقبونهم عن قرب أو بعد. من العسير عليهم ذلك لأنهم لا يملكون أداة هذا البحث ولا يحسنون التصرف بها إن أتيحت لهم، فكيف بهم حين يجرون هذه الآراء على الموتى الذين بعد بهم العهد ولم يبق لنا من آرائهم إلا الأحاديث. وقال العقاد: إن دراسة الأدب لعلم النفس ودراسته للأدباء والشعراء على ضوء هذا العلم أمر ضروري، لأنه عندئذ سيتمكن من فهم ما يصدرون عنه، مثال ذلك أن أبا نواس وحكيم المعرة والمتنبي وبشار لا يخلو أحدهم من الاعتداد بالنفس، ولكن علم النفس يمكنك من التمييز بينهم لأنه يذكر لك أن

стр. 606

هناك اعتدادا بالنفس يدخل في جنون العظمة واعتدادا بالنفس يدخل في جنون الأثر واعتدادا يدخل في الانحسار الذاتي، واعتدادا يدخل في جنون النقص والتحدي واعتدادا مبعثه العناد ثم اعتدادا بالنفس يدخل في جنون الاشتهاء الذاتي وهو النرجسية التي وصفنا بها أبا نواس. ٤- طه في رأي العقاد: طلبت مجلة الهلال في يوليه ١٩٣٥ إلى طه حسين والعقاد أن يكتب كل منهما عن الآخر فكتب العقاد وتخلف طه. قال العقاد: أنا ضامن أن الدكتور طه حسين سيقول أنني شاعر، فليضمن الدكتور طه إذًا أن أقول فيه إنه كاتب ناتج في الأدب، وخير ما أنتجه كتاب "الأيام" وكتاب في الصيف، وهما الكتابان اللذان سرد فيهما بعض ما جرى له في حياته فكان فيهما مثلا في البساطة والثقة التي تعزف بصاحبها عن التماس التأثير المصطنع بالتعمل والتمحل والطلاء والتزويق، فالموصوف في هذين الكتابين صادق بسيط الوصف كذلك. أنا ضامن أن الصديق الأديب سيجد عيبا أو عيوبا في شعري يقيسها بمقياسه ويقدرها بمعياره فإذا ضمنت هذا فليضمن الصديق الأديب أن أعلل قلة الوصف في كتاباته القصصية بعيب فيه وهو قلة الخيال, فهو يصف ما يعالجه من المحسوسات ولا يتخيل ما عداه من نقائضه أو مشابهاته. أما طه حسين الناقد فما أقول فيه؟ أقول: إن اطلع على الأدب العربي القديم اطلاعه الواسع الذي لا جدال فيه واطلع على نفائس من أدب الإغريق واللاتين والأقدمين، واطلع على آثار رهط من كبار الأدباء الأوروبيين ولا سيما الفرنسيين، كل أولئك خليق أن يحبب إليه الصحة والمتانة والقوة، ويبغض إليه الزيف والسخف والركاكة، فهو يختار ما يعلو على مقاييس المقلدين

стр. 607

المصطنعين، وينبذ ما يستطيعه المجددون من أصحاب الاطلاع القليل أو أصحاب الذوق السليم. ومن حساب الدكتور طه حسين أنه رجل جريء العقل وقويه، مفطور على المناجزة والتحرش، يستفيد مما يقنع بصحته ومما يعينه على التحدي والتفرد فلا يحجم عن اتخاذه، ولهذا تغير أسلوبه الكتابي بعد دراسته للأساليب الأوروبية، فاتخذ له نمطا يوافق علمه بالعربية الفصيحة وعلمه بتقسيم المقاطع والفواصل في الكلام الأوروبي، كما يتكلم من يجمع بين الحديث والكتابة، في وقت واحد فهو يتحدث ولا ينسى أنه يكتب، ويكتب ولا ينسى أنه يتحدث، وأسلوبه الذي اختاره هو أوفق الأساليب لذلك جميعًا، وأولها من نوعه في اللغة العربية، وليس فيه محاكاة لأسلوب آخر في اللغات الأوروبية. ولو كانت كنايته حديثًا محضا لاسترسلت بلا توكيد ولا تكرير، ولو كان تقريرًا محضا أو درسا محضا لما انحرفت عن أسلوب الكتابة الذي لا يتحدث به القائل, ولو كانت تقريرًا أو درسًا على الطريقة الشرقية لما ظهرت فيها المقاطع والفواصل الأوروبية ولجرت على سياق الدروس الأزهرية. ولكن كتابته حديث فيه محاضرة ومراجعة وتنظيم فلا يوافقها إلا ذلك الأسلوب الذي استقل بابتداعه طه حسين ولو غضب المنكرون. والدكتور صحيح الأصول في النقد ولكنه لا يوفق بين أصوله وطبيعته في كثير من الموضوعات، وهو حين يقرر المبدأ على الصواب غالب ولكنه حين يطبق المبدأ ينحرف أحيانا عن الصواب. التباين بين القاعدة والطبع هو الذي جعل الدكتور ينكر الجديد إذا جاء في زي القديم.

стр. 608

٥- رأي العقاد في هامش السيرة: عندما كتب طه حسين "هامش السيرة" كان يبدأ لونا جديدًا من الفن في الأدب العربي فكيف رأى العقاد هذا اللون؟ "ما أحسب إلا أن الدكتور طه حسين قد شبع من إغضاب الجامدين فهو يتصدى هنا لإغضاب المحدثين، وما أحسب إلا أنه يكتب ليثير ويستثير. فمرة تقع النوبة مع أهل الجمود ومرة أخرى تقع النوبة مع أهل التجديد. قلت: بل أنا أحسب أن الدكتور طه قد ملئ إعجابا بالنسق الهومري في تمثيل وقائع الأبطال وأنباء العصور فأراد أن يخرج لنا إلياذة نثرية عربية، يشترك فيها عالم الشعر البليغ، وعالم التاريخ الصادق وتجري حوادثها في آفاق الزمن الغابر الذي لا حدود فيه بين الغيب والشهادة وأسرار الخيال والحقيقة. فنحن نفهم الإلياذة ولا نجهلها إذ ننرها؛ لأنها قد أفرغت في ذلك القالب وانتظمت على ذلك الأسلوب ثم نحن نفهم هامش السيرة ولا نجهله أو ننكره لأنه نقل إلينا الجاهليين كما كانوا في حياتهم وعقائدهم وأفكارهم، ولم ينقلهم إلينا كما نكون نحن لو أننا انتقالنا بزماننا إلى زمانهم، فهل أصاب الدكتور أم أخطأ؟ وهل أحسن للقصص أو لم يحسن؟ أما أنا فأرى أن أسلوب التعليل والتحليل لا يزاد شيئا كثيرًا لو أننا جعلنا الجاهليين عصريين يعيشون في القرن العشرين ولكن أسلوب القصص يخسر كثيرًا من البساطة والتخيل لو أننا سردنا القصة معللين محللين. ٦- رأي العقاد في كتاب طه "مع أبي العلاء في سجنه" ١: كتابه حديث المرء عمن يحب لمن يحب، وأراه مذكري أحاديث الأدباء عن أبنائهم الأعزاء.

стр. 609

وأنا ممن يحبون أبا العلاء، وممن أطالوا قراءته في أول عهد الشباب، والدكتور طه لفرط حبه لأبي العلاء يتهم نفسه بمحاباته فيقول: "قل إني أوثر أبا العلاء وأحابيه وأرضى منه أشياء لا أرضاها من غيره فقد لا تخطئ ولا تبعد". ومن المصادفات العجيبة أنني حابيت أبا العلاء على نحو قريب من هذا النحو، ولكن لم أسمها محاباه، بل إنها هي الإنصاف المعقول في قياس الأقوال بالقائلين. فكلانا إذن يسمع القول من شيخ المعرة فيجعبه ويسمع القول نفسه من غير الشيخ فلا يحظى عنده بذلك الإعجاب، ولكن صديقنا الدكتور يسميها محاباة ومجاملة لصديق، وأنا أجري فيها عن سنتي الغالبة في كل شيء من التوفيق بين الحجة والعاطفة، فلا أبرح بالعاطفة حتى أقنع بها عقلي، وأثبت له أنها جديرة بإقراره، وترخيصه، فيعيش العقل والعاطفة معا في وئام, وأخلص بهذا عما يقع من ملام وصدام. ويعرض العقاد لرأي طه حسين في أبي الطيب المتنبي أستاذ المعري وصاحبه الذي يقول فيه "أنا أقدر فن المتنبي وأعجب ببعض آثاره إعجابا لا حد له وأعجب ببعضها الآخر إعجابا متواضعا إن صح أن يتواضع الإعجاب وأمقت سائرها مقتا شديدًا ثم يقول: الحق أنني أعجب لهذا النفور بين الدكتور وشاعرنا المعري الكبير وما أنا ممن يستحسنون كل شعره ولا كل عمله ولكني أزن ما زاده في ثروة الآداب العربية، وما زاده في شرور الحياة بسوء عمله وسوء خلقه، فاعلم أن الحياة لم تفسد بفساد المتنبي وأن الأدب قد صلح بصلاح شعره. هنا أيضا أعود إلى العاطفة والحجة وأحسبني أقرب من الدكتور إلى وفاق الصداقة بيني وبين شيخ المعرة وأقرب إلى الإنصاف.

стр. 610

ويعرض العقاد لرأي طه حسين في موقف المعري من باريس لو رآها وإن ذلك لم يغير من تشاؤمه ويقول: فما باله -أي الدكتور- لا يرضى أن أجعل أبا العلاء يرى في باريس ما يراه السائحون، ويقول فيها ما يقوله أولئك السائحون، أنا ذهبت إلى باريس بالخيال فأخذت إليها صاحبي بالخيال، والدكتور طه ذهب إلى باريس حسا وخيالا فأبى على صاحبه المزاملة وهتف به: إلى اللقاء. ودافع العقاد عن المتنبي قال عندما أصدر طه كتابه "مع المتنبي": إنني أقرب إلى جانب العذر وطه أقرب إلى جانب الملام، فهو لم يتهم الرجل بخلق ليس فيه، ولكنه لم يطلب له العذر حيث تتضح معاذيره، ولم يتهم الرجل بخلق ليس فيه، ولكنه لم يطلب له العذر حيث تتضح معاذيره، ولم يزل يشتد في تفنيده ويمهد في اتهامه حيث يكون الاضطرار أغلب على الرجل من الاختيار.

стр. 611

الفصل الخامس: بين زكي مبارك وخصومه جرت بين زكي مبارك وكتاب عصره معارك أدبية متعددة١؛ وهذه ثلاث نماذج من نقده لكتابات: عباس محمود العقاد, وعبد العزيز البشري, وإبراهيم عبد القادر المازني, وطنطاوي جوهري، ولقد كان لزكي مبارك آراء في الزيات سجلها في خلال كتاباته في مجلة الرسالة غير أنه بعد أن ترك الرسالة هاجم الزيات في أسلوبه، وعرض لعبارته التي تقول: "قل لأولئك الذين زعموا أن مصر نبت عن العروبة فقطعت الأسباب الموصلة وأيبست الأرحام المبلولة". فقال مبارك: من الذي أباح لك يا زيات أن تتكلم عن الأرحام المبلولة؟ ومن أوحى إليك ذلك؟ أجبني، إنها الرجل الذي لبس بهذه المقولة قفطانا أخضر وجبة خضراء وبعد أن ندد بجناية السجع على المعاني وأعرض قال: أمن أجل سجعة تافهة تقع في ذلك الجرم المبلول, اتق الله في قرائك فلا ترهقهم بالسجع ولا تقتلهم بالازدواج. بين زكي مبارك والعقاد: عرض زكي مبارك للعقاد في أكثر من مناسبة على نحو فيه ذلك التهيب لقلم العقاد حتى إنه أجاب على سؤال في هذا لمجلة المكشوف "يوليه ١٩٣٩" فقال: أنا لا أنقد مؤلفات الأستاذ عباس العقاد ولا هو ينقد مؤلفاتي، لأننا كنا تلاحينا مرة على صفحات جريدة الجهاد وأنا غير مستعد لإنصاف الأستاذ عبد العزيز البشري لأني سمعت أنه تألم من المناوشة التي وقعت بيني وبينه منذ سنوات وأنا أكره أن أقول كلمة خير في الدكتور طه حسين لأنه كتب مقالا في مجلة الرسالة فيه تهوين من شأن كتاب النثر الفني وأنا أحقد على جميع علماء الأزهر لأن فيهم جماعة أرادوا أن يثيروا الغبار حول كتاب التصوف الإسلامي.

стр. 612

وقال: إن الناقد الصريح في مصر يتعرض رزقه ومعاشه لضروب من الزعزعة والاضطهاد وقد يتعرض مسلكه في الحياة إلى سفاهة القيل والقال, وفي مصر عبارة مألوفة حين تظهر مقالة نقدية؛ هي: ما الذي بين فلان وفلان. ومعنى ذلك أن الناقد لا يتعرض لمؤلف إلا وفي صدره غرض خاص. وهاجم زكي مبارك العقاد في مقال له "البلاغ ٢٨ يناير ١٩٤٧" فقال: زعم الأستاذ العقاد أن "سعدًا" خلع عليه لقب الكاتب الجبار والعقاد كاتب بلا جدال وشاعر من أكابر الشعراء وله في نفسي منزلة غالية حفظه الله من جميع الأسواء, ولكن الكاتب الذي عناه سعد باشا هو "عبد القادر حمزة" كما تشهد بذلك مذكرات كامل سليم سكرتير سعد زغلول. رأيه في العقاد ١: العقاد في الكتابة والنقد شخصان مختلفان كل الاختلاف؛ فالعقاد الكاتب السياسي يرمي ويرمي ويظلم ويظلم في كل وقت، فهو من أبناء السماء عند قوم ومن أبناء الأرض عند آخرين، أما العقاد الكاتب الأدبي فهو من الطبقة الأولى بشهادة الجميع. والعقاد الناقد لا ينحرف عن القصد إلا في حال واحد، حال الحكم على من يعادي من المعاصرين. أما حكمه على المفكرين الذين بعد عهدهم في التاريخ، فهو في غاية من العدل والسداد وقد يصل به الرفق إلى المبالغة في إظهار المحاسن وإخفاء العيوب. وانحراف العقاد في كتاباته السياسية والنقدية يشهد بأنه سليم الشخصية وللكلام هنا مدلول خاص هو اكتمال الحيوية والإحساس، فالعقاد يصادق بعنف ويعادي بعنف فأصدقاؤه ملائكة ولو كانوا شياطين وأعداؤه شياطين

стр. 613

ولو كانوا ملائكة مقربين، وهو مستعد لخوض النار مع أصدقائه إن أوجب الوفاء أن يشاطرهم عذاب الحريق. أما أعداؤه فهو لهم بلاء وعناء، وهو يلقاهم في السر والعلانية بأقبح ما يكرهون، وقد شاع وذاع أن العقاد رجل حقود وهو كذلك، فالحقد من كبريات الفضائل في بعض الأحايين وقد يجزى عليه خير الجزاء يوم يقوم الحساب. والرجولة الحق تفرض الشجاعة الحق ولا تتم الشجاعة لرجل إلا إذا جاز أن تصل به أحيانا إلى حد التهور والجنون. ما قيمة القلم إن لم يحز بستانه عيون المتعاقلين والمتغافلين من حين إلى حين وما حظ الأمة في أن يوصف جميع أبنائها بالفظ والظرف. رأي مبارك في كتاب "مطالعات": العقاد في هذا الكتاب ناقد وكاتب، وقد خلص من الشوائب التي تعرض لها في بعض كتاباته النقدية أو السياسية, نجده يقول في هامش بعض الفصول "من مقال نشر بالبلاغ" كان المقال في الأصل يحوي فكرة باقية أضيف إليها التحامل على أحد المعاصرين. ويكتفي بالجزء الذي يصور فكرة باقية من أمثلة ذلك مقاله عن "المتأنقين" وهذا الفصل أنشأه العقاد للسخرية من الأستاذ لطفي السيد، ثم رأى أن يحذف تلك السخرية من جانبها الخاص وأن يكتفي بجانبها الأصيل وهو احتقار التأنق في تناول عظائم الأمور. أما الدكتور طه حسين فقد أساء إلى نفسه وإلى تاريخه حين عجز عن تهذيب مقاله عن عنترة بن شداد في الجزء الأول من الطبعة الثانية لكتاب

стр. 614

"حديث الأربعاء" ففي ذلك المقال تعريض قبيح بالأستاذ حلمي عيسى. وما أعيبه على الدكتور طه حسين أعيبه على نفسي، فقد أثبت في الطبعة الثانية من كتاب البدائع فضلا دميما عن "طه حسين بين البغي والعقوق" وهو فصل عانيت من شئومه ضروبا من العقابيل، وعرضني لمكاره ومتاعب لم أدفع شرها إلا بنضال عنيف. ومن أعجب العجب أن يكون عباس العقاد أقدر على ضبط النفس من زكي مبارك وطه حسين. وقال زكي مبارك: إن عيب العقاد وعيب المازني في الغرام بالسجع والاذدواج عيب مغفور، لأن هذين الكاتبين لم يكونا إلا شاعرين ضاق عنهما نظام القريض, وإن غرام المازني بالشرح والتفصيل فيما يعرضان له من دقائق الشئون يرجع إلى أنهما ابتدءا حياتهما الأولى باحتراف التدريس، والتدريس يوجب التفكير في تفهيم الأغبياء قبل التفكير في مسامرة الأذكياء ولعل هذا هو السبب في اهتمام طه حسين وأحمد أمين بالطواف حول هوامش الكلمات. رأي مبارك في كتاب "المختار" للبشري ١: إنه كاتب على الطريقة البشرية، كاتب يذكرك في كل سطر بأنه أديب يتصيد الأوابد من مجاهيل القاموس واللسان والأساس. الكاتب الحق الذي يشغلك بنفسك ويوجهك إلى مصيرك المنشود ويفرض عليك درس غرائزك وأهوائك. والبشري رجل صخاب ضجاج يدق الأجراس الضخام حين يدخل الغابة

стр. 615

للصيد، هل سمعتم بالرحا التي تطحن القرون، هي البشري في بعض نثره القعقاع؟ إذ يندر أن تجد في نثر هذا الرجل صفحة خلت من التكلف. والجزء الأول من المختار تراه محصولا من الجهد المحمود في عرض طوائف كثيرة من صور الدنيا والناس، وإن كان قدم بروح مكدود، ونفس مجهود لأن الكاتب لا يفصح عما بنفسه إلا بعد أن يعاني من المشقات ما لا يطاق. وقد كافح عبد العزيز البشري في ميدان الكتابة كتاب المستميت فلنعرف له هذا الفضل ولنذكر أنه قضى ثلاثين سنة وهو معدو من أبطال القلم في هذه البلاد. رأي مبارك في إبراهيم الكاتب ١ للمازني: المازني معني بالسخرية من نفسه. وقد عرف المازني معرفة أدبية لا شخصية في أعوام الحرب الماضية. وكان قد أخرج كتابا في نقد "حافظ إبراهيم" وكان نقد حافظ في تلك الأيام من شواهد التفوق. عرفت أن المازني بروحين, وأرواح, وعرفت أن الذي كان يراسل "الأفكار" وهو في "الأخبار" هو نفسه الذي يراسل "الأهرام" وهو في "البلاغ" ثم تعقبته فعرفت أن بينه وبين أنطوان الجميل صلات وأنه ينشر من الأهرام أشياء بدون إمضاء لمكانه في البلاغ. "الكاتب" هو الذي أضاع "المدرس" في المازني، فما كاد يرى بوارق النضال السياسي حتى اندفع إليه بقسوة وعنف ومضى ينشر مقالات سياسية في تأييد الخطة الوفدية. وجاء الخلاف بين أمين الرافعي وسعد زغلول فاندفع المازني في الهجوم

стр. 616

على الوفد وكانت مقالاته غاية في القوة البيانية، ولكن هذا الكاتب الذي يعادي الوفد علانية في جريدة الأخبار هو نفسه الكاتب الذي يزور الأفكار كل صباح ويقدم إليها في تأييد الوفد أشياء ثم يثب فجأة فينتقل إلى حزب الاتحاد ويزامل الدكتور طه حسين في تحرير جريدة الاتحاد ثم ننظر فنراه مع الأحرار الدستوريين في صحبة الدكتور هيكل، ونلتفت فنراه انتقل إلى البلاغ. كان المازني من أكابر الشعراء. ولكنه انشغل بالكتابة في جميع الأوقات ولجميع الأحزاب ولم يجد الفرصة للغناء ومتى يخلو إلى نفسه من يعاني ضجيج المجتمع السياسي في الصباح والمساء. بدأ المازني حياته النثرية بالطريقة الجاحظية وهي تقوم أساسا على الازدواج وقد وفى المازني لهذه الطريقة أصدق الوفاء في أمد يزيد على عشر سنين. ثم جنى المازني على نفسه بالكتابة اليومية، ثم ابتدع المازني طريقة جديدة هي كتابة أكثر مقالاته وقت إنشائها بالكتاب. ثم قال زكي مبارك: إن المازني رجل جنى عليه قلمه وجنى عليه إحساسه فلم يعرف قيمة الصبر على الانحياز إلى إحدى الجهات. في زمن لا يعيش فيه المفكرون إلا بأسندة من العصبيات السياسية والاجتماعية. بين زكي مبارك وطنطاوي جوهري ١: كتاب "أحلام في السياسة" للأستاذ طنطاوي جوهري هو دعوة إلى السلام وقد أرسله إلى الملوك ورؤساء الحكومات. قال زكي مبارك تحت عنوان: "اسمع يا أستاذ طنطاوي" إن كتابك هذا لن يغني فتيلا في الدعوة إلى السلام، لأنك لم تكلم الساسة بلغة السياسة،

стр. 617

وإنما كلمتهم بلغة الرفيق في عالم الإنسانية ودعوتهم إلى فهم الجمال، وأغلب الظن أن كتابك إن ترجم إلى اللغات الأوروبية سيكون أضحوكة لأنه يتكلم عن كل شيء إلا الدعوة إلى السلام. إن الدعوة إلى السلام في العصر الحاضر لا تكون إلا عن طريق واحد هو الاقتصاد، فإن أمكنك يا أستاذ طنطاوي أن تؤلف كتابا جديدًا تبين فيه أن المنافع الاقتصادية لا تقوم إلا على السلام وأن الحرب نذير الخراب، كان من الممكن أن تكون رسول السلام في هذه الأيام. إن الجمال الذي تتحدث عنه هو في أعين الساسة حديث خرافي ولا قيمة لتلك الصور الملائكية التي تعرضها للترغيب في السلام بين أهل الأرض. أنت يا أستاذ طنطاوي رجل طيب, أو أكبر عيوبك أنك رجل طيب وإلا فكبف تنتظر أن يترجم كتابك بأمر ملك الإنجليز ليشعر ذلك الملك بالتبعة التي يحملها وهو يسيطر على ربع الأرض فيما قيل. إن خصوم الإسلام أطالوا القول في غمزه ولمزه لأنه يبيح القتال، ولو فهم أولئك لعرفوا أن إباحة القتال في الشريعة الإسلامية هي الدليل أنها أصلح الشرائع لقيادة الحياة الإنسانية, إن السلام العام هو الأمل الباطل الذي يتحدث عنه الفارغون، والنضال بين الأمم والأفراد والجماعات هو القانون الذي يعيش في ظله التقدم العلمي والاجتماعي. طنطاوي جوهري ١: لقد كان ينقد كتبي كثيرون فلم أكن لأعبأ بهم، ولا أرد عليهم ضنا بوقتي ومضيت في عملي، فأما أنت فإن منزلتك الخاصة توجب عليَّ أن أجاذبك الحديث.

стр. 618

ليس هذا الكتاب بأول ما سطرته في السلام العالمي، بل ألفت كتابا قبله بربع قرن أسميته "أين الإنسان" وأنا حين كتبته لم تكن في العالم جمعية للسلام العام, فهل أنت أيها الأستاذ مشفق علي من هذا الضحك؟ وأي رأي شريف لم يقابل أول الأمر بالسخرية. أما كوني مفتونا بالكتاب فهل معنى هذا أكثر من أني موقن بما فيه لأن سياسة الأمم مبنية على الحقائق العلمية الثابتة وأي قوة في الأرض تستطيع أن تنتزع الآراء الثابتة بالبرهان. أما كوني لم أتكلم بلغة السياسة فها أنا ذا أسمعك آراء علماء الأمم في الكتاب الأول، وهذا الكتاب الثاني أوسع بيانا وإيضاحا وأوفى حكمة وعلما منه.

стр. 619

الفصل السادس: مبارك ينقد كتابه الأخلاق عند الغزالي: لعل هذه هي المرة الأولى التي ينقد فيها كاتب أحد مؤلفاته ويعارض ما جاء فيها من آراء. كان الدكتور زكي مبارك قد كتب كتابه "الأخلاق عند الغزالي" كأطروحة للدكتوراه من الجامعة المصرية عام ١٩٢٤ وحاول أن يحدث به صيحة حين عارض آراء هذا الفيلسوف الكبير وعندما نوقش في جلسة علنية قامت ضجة بين علماء الأزهر الشريف وفي مقدمتهم الشيخ عبد المجيد اللبان، يقول زكي مبارك "وانتقلت الثورة من الجمهور إلى أساتذة الجامعة من غير لجنة الامتحان وأسر حلمي عيسى في أذن منصور فهمي أن الدكتور طه حسين يريد أن يوجه إلى زكي مبارك ثلاثة أسئلة، وكانت معركة لم أنتصر فيها إلا بأعجوبة, ثم انتقلت المعركة إلى جريدة المقطم حيث صور زكي مبارك بصورة الثائر على التقاليد الدينية ونصحه منصور فهمي وطه حسين بالسكوت عما أثاره امتحانه من جدال وعاد زكي مبارك فنقض آراءه عن الغزالي في رسالة تقدم بها للدكتوراه للجامعة المصرية أيضًا عام ١٩٤٧ عن الإسلامي وقد عاب زكي مبارك كتابه حين نقده بعد ثلاثة وعشرين عاما ووصفه بأنه دعوة صريحة إلى التشكيك في أصول الأخلاق الموروثة عن القدماء وأن الغزالي لم يعن إلا بالفضائل السلبية ولم يشرح الفضائل الإيجابية، وعاب المؤلف على رجال الدين أن ينسحبوا من الميدان السياسي في الأوقات التي يعرض فيها الجهاد وأن الغزالي لم يؤد واجبه في التحريض على مقاومة الحملات الصليبية مع أنه حجة الإسلام، وهذا هو نقده لكتابه: شاع منذ أعوام أن كتاب "الأخلاق عند الغزالي" من تأليف الدكتور منصور فهمي وهي إشاعة تشرفني وترفع من قدري، فأنا تلميذ هذا المفكر الجليل، ولو قضيت العمر في الثناء عليه لما وفيته بعض حقه من تعليمي وتثقيفي. ولكن كتاب "الأخلاق عند الغزالي" كتابي لا كتابه بشهادة ما فيه من غطرسة واستعلاء وأستاذنا الدكتور منصور فهمي آية في التواضع المقبول:

стр. 620

ألم يرفض جماعة من علماء العراق مصافحتي بحجة أني آذيت الغزالي؟ ألم يقل جماعة من علماء مصر بأني وجهت أقوال الغزالي إلى غير ما كان يريد؟ ألم يقترح الأستاذ جاد المولى بك أن ينص في محضر الامتحان أن اللجنة غير مسئولة عما في الكتاب من آراء؟ قدم هذا الكتاب لنيل الدكتوراه في الفلسفة من الجامعة المصرية سنة ١٩٢٤ وكانت لجنة الامتحان مؤلفة من منصور فهمي وأحمد ضيف ومحمد جاد المولى وعبد الوهاب النجار وأحمد عبده خير الدين. ويظهر أن المؤلف كان يعاني ثورة روحية وعقلية عند تأليف هذا الكتاب فقد صاحب الغزالي في مؤلفاته نحو خمس سنين، فأسره الغزالي على نحو ما يصنع بمن يواجهون ثورة الوهاج. ورأى المؤلف أن تأليف كتاب في "الأخلاق عن الغزالي" لا يتيسر إلا بعد النجاة من أسر الغزالي فجمع قواه وكسر باب الأسر ليتنسم روح الحرية الفكرية وليلقي الغزالي لقاء الند للند إن كان للغزالي أنداد. وفي مدى ثلاث سنين استطاع ذلك الشاب أن يكتب رسالة للدكتوراه في الفلسفة عن "الأخلاق عند الغزالي", وهي رسالة شرقت وغربت بحق أو بغير حق، واهتم الدكتور "سنوك هوجريته" فنشر في الثناء عليها بحثا باللغة الهولندية كان طليعة التنويه بالمؤلف في بيئات المستشرقين. وفي اليوم التالي نوقش فيه المؤلف بجلسة علنية في الجامعة المصرية كان بين الحاضرين جماعة من أساتذة الأزهر الشريف على رأسهم الأستاذ الجليل

стр. 621

عبد المجيد اللبان شيخنا وشيخ أشياخنا وصاحب الفضل على كثير من العلماء, وقد طاب للشيخ اللبان في ذلك اليوم أن يعترض من وقت إلى وقت بأسلوب يحرج الممتحن ويحرج لجنة الامتحان. لخص مقدم الكتاب معركة الامتحان بأسلوب صورني فيه بصورة الثائر على التقاليد الدينية فانبرى لمجادلتي على صفحات المقطم عالمان جليلان أحدهما الشيخ أحمد مكي، والشيخ يوسف الدجوي فلم أرد عليهما؛ لأن الدكتور طه والدكتور منصور نصحاني بالسكوت عما أثار امتحاني من جدال, وهي نصيحة سجلها الدكتور طه في جريدة السياسة وهو ينقد كتاب مدامع العشاق في أوائل عام ١٩٢٥. واستطاع كتاب الأخلاق عند الغزالي أن يقاوم هجمات الناقدين عددا من السنين إلى أن تعرض له ناقد لا يرحم المؤلف، وإن كان يحمل اسم المؤلف، ففي اليوم الرابع من أبريل ١٩٣٧ وقف طالب يؤدي امتحان الدكتوراه في جلسة علنية بالجامعة المصرية، وكان أكبر همه أن ينتقض آراء الطالب الذي وقف هذه الوقفة في الخامس عشر من شهر مايو ١٩٢٤ فماذا صنع؟ أثبت في كتاب "التصوف الإسلامي" أنه ظلم الغزالي في كتاب الأخلاق عند الغزالي والحكم على النفس من مظاهر القدرة على مغالبة الأهواء. وقال زكي مبارك: وهذا كتاب ألفته في أوقات كنت فيها ثائر القلب والعقل على فهم القدماء للأخلاق، وهي ثورة لم أنج من شرها إلى اليوم, وقد أسايرها وتسايرني إلى آخر أيامي، وكيف يهدأ من يروعه أن يرى في رجال الدين من يعرفون خريطة الحياة الأخروية ويجهلون خريطة الحياة الدنيوية.

стр. 622

والواقع أن كتاب "الأخلاق عند الغزالي" لم يكن إلا دعوة صريحة إلى التشكيك في أصول الأخلاق الموروثة عن القدماء. يقسم المؤلف الفضائل إلى قسمين: فضائل سلبية وفضائل إيجابية ثم يقرر أن "الغزالي" وجه اهتمامه إلى الفضائل السلبية ولم يعن بشرح الفضائل الإيجابية كالشجاعة والإقدام والحرص وما إلى ذلك مما يحمل المرء على حفظ ما يملك والسعي لنيل ما لا يجد، فإنه لا يكفي أن يسلم الرجل من الآفات النفسية بل يجب أن يزود بكل مقومات الحياة، والخير للمرء أن يوصم برزائل القوة من أن يتحلى بفضائل الضعف فإن الضعف شر كله ولكن أكثر الناس لا يفقهون. عاب المؤلف على رجال الدين أن ينسحبوا من الميدان السياسي في الأوقات التي يفرض فيها الجهاد فطوق الغزالي بطوق من حديد حين سجل أنه لم يؤد واجبه في التحريض على مقاومة الحملات الصليبية، مع أنه حجة الإسلام ومع أن صوته كان مسموعا في أكثر الأقطار العربية. أنكر المؤلف على الغزالي أن يتعلق بأهداب الآداب السلبية التي دعا إليها الإنجيل, ثم قال: قد رجعت عن بعض الآراء المدونة في هذا الكتاب حين ألفت كتاب "التصوف الإسلامي" وبين الكتابين أعوام تنقل فيها عقلي من أفق إلى أفق، أما أسلوب الكتاب فيغلب عليه الحذر والتهيب، وقد يصل إلى الرمز والإيماء لأن الموقف كان يعاني رقابة عنيفة، هي رقابة اللجنة المكلفة بالنظر في صلاحيته لامتحان الدكتوراه. وبعد فقد راضتني الأيام بعد الجموح وانضممت كارها إلى العصابة التي تقول بأن الرياء سيد الأخلاق.

стр. 623

الفصل السابع: بين العقاد وخصومه ١: ليست معارك العقاد الفكرية مما يمكن إحصاؤها، فهي متداخلة مع معاركه السياسية وخلافاته في الرأي. ولكنها كلها على وجه العموم لا تحمل صورة الدعوة إلى التغريب ولا العمالة الفكرية لحساب الاستعمار، وإذا جاز أن نذكر المقالات التي كتبها خلال الحرب العالمية الثانية في الهلال والصحف, فإن كل الكتاب قد اشتركوا في كتابة مثلها، وكان ظاهرها الدفاع عن الديمقراطية ومقاومة الدكتاتورية النازية، غير أننا إذا قارنا بين العقاد وبين طه حسين وسلامة موسى ومحمود عزمي وجدنا فارقا واضحا فقد هاجم العقاد الدكتاتورية والشيوعية والصهيونية ولم يدافع عن الاستعمار وإن دافع عن الديمقراطية الغربية. يقول: "نحن نعلم أن ما من أحد من الغلاة في التشيع للقديم يقول بأن كل قديم على علاته مفضل على كل جديد، ولو كملت له محاسن القديم وأربى عليها بفضل محاسن الجديد، كذلك نعلم أن المتشيعين للجديد لا يقولون إن ما يكتب اليوم أجمل وأبلغ مما كتب في العهد الذي نسميه قديما، ولو كان هذا لشيخ من شيوخ الكتاب المعدودين، وكان ذلك لناشئ من الشداة المترسمين أن شرط الأديب عندي أن يكون مطبوعا على القول، أي غير مقلد في معناه ولفظه وأن يكون صاحب هبة في نفسه وعقله لا في لسانه فحسب". وهذا نموذج من معارك العقاد مع خصومه إبان الخلاف السياسي مع حكومة صدقي والقصر. مساعي الإبراشي في عالم الأدب العربي ٢: مصطفى أفندي الرافعي ألف كتابا في التشهير بالدكتور طه وألف كتابا سماه السفود أفعمه بالطعن الفاحش في كاتب هذه السطور. ووقف نفسه

стр. 624

من سنوات على السرقة من كتبي والإنكار علي وعلى ما أكتب وأنظم، ولم يتورع في سبيل ذلك عن كذب ولا بذاء ولا تشويه ولا تحريف، فهل يعلم القراء في أي شيء كان هذا الجهاد النبيل؟ سلوه عمن تعلم من أبنائه على نفقة الخاصة الملكية التي يديرها الإبراشي باشا وعما طبع من كتبه على نفقة الحكومة الملكية. وإسماعيل أفندي مظهر صاحب مجلة العصور لم يدخر من وسعه شيئا في التشهير بي والافتراء علي وانتحال المزاعم الخاوية التي يسندها إلي، فهل يدري القارئ ماذا كان جزاؤه على هذه الحماسة الخالصة لوجه الله؟ لم ينقض علي آخر مقالة كتبها في ذمي شهرًا أو نحو ذلك حتى أصاب وظيفة كتابية في المجمع اللغوي ينقدونه مرتبا لها مائتين وأربعين جنيها في العام. وهناك رجل جاهل اسمه "غلاب" ولا أدري ماذا قبل غلاب أو بعده من الأسماء والألقاب، فهذا الرجل الجاهل قد استحق مقام التدريس في الجامعة الأزهرية لأنه كان يطبع في القاهرة وريقة يسميها "النهضة الفكرية" ويملأها بالغباء والبذاء على انتقاص طه حسين وعباس العقاد. والشيخ زكي مبارك رجع إلى الجامعة المصرية بعد فصله منها زهاء خمس سنوات لأنهم استخدموه في احتفال يقابلون به احتفال الأمة المصرية بالنشيد القومي الذي نظمته في مطلع هذا العام ولأنهم رضوا عما كتب في غمز طه حسين وغمز العقاد من كلام معيب في بعض الكتب والمقالات. وهناك طبيب متشاعر "يقصد الدكتور أبا شادي" سمحوا له بإصدار خمس مجلات في وقت واحد وهو موظف بإحدى المصالح الحكومية فجعل القسم الأدبي من مجلاته كلها وقفا على التشهير بالعقاد وأدب العقاد وأخلاق

стр. 625

من سنوات على السرقة من كتبي والإنكار علي وعلى ما أكتب وأنظم، ولم يتورع في سبيل ذلك عن كذب ولا بذاء ولا تشويه ولا تحريف، فهل يعلم القراء في أي شيء كان هذا الجهاد النبيل؟ سلوه عمن تعلم من أبنائه على نفقة الخاصة الملكية التي يديرها الإبراشي باشا وعما طبع من كتبه على نفقة الحكومة الملكية. وإسماعيل أفندي مظهر صاحب مجلة العصور لم يدخر من وسعه شيئا في التشهير بي والافتراء علي وانتحال المزاعم الخاوية التي يسندها إلي، فهل يدري القارئ ماذا كان جزاؤه على هذه الحماسة الخالصة لوجه الله؟ لم ينقض علي آخر مقالة كتبها في ذمي شهرًا أو نحو ذلك حتى أصاب وظيفة كتابية في المجمع اللغوي ينقدونه مرتبا لها مائتين وأربعين جنيها في العام. وهناك رجل جاهل اسمه "غلاب" ولا أدري ماذا قبل غلاب أو بعده من الأسماء والألقاب، فهذا الرجل الجاهل قد استحق مقام التدريس في الجامعة الأزهرية لأنه كان يطبع في القاهرة وريقة يسميها "النهضة الفكرية" ويملأها بالغباء والبذاء على انتقاص طه حسين وعباس العقاد. والشيخ زكي مبارك رجع إلى الجامعة المصرية بعد فصله منها زهاء خمس سنوات لأنهم استخدموه في احتفال يقابلون به احتفال الأمة المصرية بالنشيد القومي الذي نظمته في مطلع هذا العام ولأنهم رضوا عما كتب في غمز طه حسين وغمز العقاد من كلام معيب في بعض الكتب والمقالات. وهناك طبيب متشاعر "يقصد الدكتور أبا شادي" سمحوا له بإصدار خمس مجلات في وقت واحد وهو موظف بإحدى المصالح الحكومية فجعل القسم الأدبي من مجلاته كلها وقفا على التشهير بالعقاد وأدب العقاد وأخلاق

стр. 626

العقاد وإلى القراء مثل من الإسفاف الذي ينحدر إليه الطبيب المؤتمن على الأعراض والأرواح ومثل من أدب الصحفيين الذين تغمرهم الوزارة بالرخص الكثيرة حين تضن على غير الموظفين رخصة واحدة لمجلة واحدة لأنها حريصة على الآداب والأعراض. جاء في إحدى مجلاته "ومن الناس من يهيم بالإباحية ويؤمن بالشيوعية في اللذات ومن ذلك قصيدة العقاد ليلة الأربعاء يصف فيها لية في دار". والقصيدة مع هذا منشورة في الصفحة الثمانين من مجموعة شعري الكبيرة وليس سرًا ولا أثرا خطيا مهجورًا فيجوز عليه هذا الاختلاف والافتراء وإنما قيلت في وصف الإسكندرية. وليس هذا التلفيق الدنس بالذي يقع فيه الإنسان وهو جاهل بالحقيقة، غافل عن معنى القصيدة، وإنما يتعمده ويتعمد تشويه المعنى والتقديم والتأخير في ترتيب الأبيات لينتزع أسباب التشهير انتزاعا من حيث لا موجب للتشهير وهو أول من يعلم إنه كاذب ملفق مخادع لقرائه، وذلك حضيض من التبذل لا ينحدر إليه إلا المدخولون الموصومون.

стр. 627

الفصل السابع: بين العقاد وخصومه ١: ليست معارك العقاد الفكرية مما يمكن إحصاؤها، فهي متداخلة مع معاركه السياسية وخلافاته في الرأي. ولكنها كلها على وجه العموم لا تحمل صورة الدعوة إلى التغريب ولا العمالة الفكرية لحساب الاستعمار، وإذا جاز أن نذكر المقالات التي كتبها خلال الحرب العالمية الثانية في الهلال والصحف, فإن كل الكتاب قد اشتركوا في كتابة مثلها، وكان ظاهرها الدفاع عن الديمقراطية ومقاومة الدكتاتورية النازية، غير أننا إذا قارنا بين العقاد وبين طه حسين وسلامة موسى ومحمود عزمي وجدنا فارقا واضحا فقد هاجم العقاد الدكتاتورية والشيوعية والصهيونية ولم يدافع عن الاستعمار وإن دافع عن الديمقراطية الغربية. يقول: "نحن نعلم أن ما من أحد من الغلاة في التشيع للقديم يقول بأن كل قديم على علاته مفضل على كل جديد، ولو كملت له محاسن القديم وأربى عليها بفضل محاسن الجديد، كذلك نعلم أن المتشيعين للجديد لا يقولون إن ما يكتب اليوم أجمل وأبلغ مما كتب في العهد الذي نسميه قديما، ولو كان هذا لشيخ من شيوخ الكتاب المعدودين، وكان ذلك لناشئ من الشداة المترسمين أن شرط الأديب عندي أن يكون مطبوعا على القول، أي غير مقلد في معناه ولفظه وأن يكون صاحب هبة في نفسه وعقله لا في لسانه فحسب". وهذا نموذج من معارك العقاد مع خصومه إبان الخلاف السياسي مع حكومة صدقي والقصر. مساعي الإبراشي في عالم الأدب العربي ٢: مصطفى أفندي الرافعي ألف كتابا في التشهير بالدكتور طه وألف كتابا سماه السفود أفعمه بالطعن الفاحش في كاتب هذه السطور. ووقف نفسه

стр. 628

الفصل الثامن: بين سلامة موسى وخصومه كان لسلامة موسى طابعه المعروف في الكتابة الأدبية، مما يضعه في مكان الكتاب التغريبي الأول، فقد كان عنيف الخصومة للغة العربية وللأمة العربية والدين عامة والإسلام والشرق والقيم والمثل العليا والأمجاد التي عرفتها أمتنا وأقلمت عليها كيانها. وقد عمل منذ أن بدأ يكتب عام ١٩١٣ على هدم هذه المعالم في عنف حينا وفي رفق حينا آخر واستمر على ذلك حتى توفي في أغسطس عام ١٩٥٨. وقد سار في طليعة الدعاة إلى التجديد الذين كانوا خصومه أيضا فهو لم يكتف بخصومة المحافظين وحدهم، وكانت له سقطات كثيرة متعددة ومرجعها اندفاعه ويقتضينا الإنصاف أن نذكر له بجانب هذا أن له أثارا في الفكر العربي المعاصر ستظل مذكورة فقد كان معنيا بالدعوة إلى التطور والتحليل النفسي فضلا عن أسلوبه التلغرافي وطريقته الدقيقة الواعية في العرض مهما قيل من أنه كان ينقل من هوامش الصحف والمجلات الغربية وأنه لم يكن كاتبا موضوعيا يتصل بالآثار الكبرى أو يحدد هدفه. وهذه ملامح من خصوماته وآراء الكتاب المحافظين والمجددين فيه: أحلام الفلاسفة لسلامة موسى؛ محب الدين الخطيب ١: الكتاب موضوعه أماني العظماء في تكون الإنسان وإبلاغها إلى خبيئه من المثل العليا، وهذه الفكرة جميلة لولا ما بثه الكاتب في كتابه من آراء ما يرتجونه كقول سلامة موسى ص١٨ وكان أفلاطون يبحث عن شيوعية النساء ففي مثل هذا الوسط الحر نشأ أدب نزيه خلا من القيود ولا يزال "يوحي إلى الكتاب والأدباء روح التفكير النزيه الحر الجريء" وقوله: وليس في هذا النظام ما يخالف الطبيعة البشرية كما يتوهم القارئ لأول وهلة, فإن العائلة لا تزال موجودة بوجود الأم التي هي صلة القرابة بين جميع السكان، ثم إن

стр. 629

الأبناء لا يعرفون لهم أبا معينا فالمنفعة الشخصية والأثرة الأبوية منتفية, ثم إن الشهوة الجنسية غير مقيدة لأن لجميع الأفراد أن يتمتعوا بها بشرط أن لا يعقب نسلا. وكنا نستغرب من الأستاذ المؤلف شدة كراهيته للإسلام والنصرانية معا -مع أن الثانية دين آبائه- إلى أن علمنا من هذا ما أساءت به هاتان الشريعتان إلى حضرته حيث قال له: "ثم كان ملوك النصارى وخلفاء المسلمين عائقا آخر يمنع التخيل والبحث عن المثل العليا للحكومات والهيئات الاجتماعية". ويقول: "وحسبك أن تعرف أن لجزيرة العرب حرمة في نفس المصري أكثر مما لممفيس، وأن موسى من الأنبياء المكرمين، وأن فرعون من الظلمة الفاسقين, ثم أذكر أن الطوبيات الدينية تغمر كل طوبي دنيوي أخرى. فهذه كلها عقبات تمنعنا أن نحب مصر, وتعترض العاطفة الوطنية في نفوسنا، فمنذ خرج البدوي "يعني المسلمين" من جزيرة العرب على حضارة المصريين والرومانيين والإغريق، ووطنية مصر شائعة في العالم الإسلامي ومدينتها مغمورة بالبداوة العربية". إن تعصب الأستاذ سلامة موسى للباطل قد وصل إلى شغاف قلبه حتى صار لا يرى فظاعة عبودية آبائه للفراعنة وبينما هو يشفق على الإنسانية من عبوديتها لله . ١- بين الرافعي وسلامة موسى ١: مصطفى الرافعي يدافع عن المذهب القديم ويقول بأفضلية الأساليب العربية

стр. 630

القديمة على أساليبنا الراقية وهو يجيد الصنعة أيما إجادة ولكنه لا يعنى بالفن فإذا كتب اتسعت عباراته وانتظمت ألفاظه فأتى بالعجب ولكن الحقيقة "أي الجمال" لا تشغله في نظمه أو نثره، ثم هو لا يكاد يؤمن بالعلم بل لا تجد له أثرا في جميع كتاباته والقطعة التي انتخبناها منه تشهد بذلك ويمتاز شعر الرافعي بقوة الطبيعة وحسن النظم ولكن خياله مع ذلك عربي تقليدي تعرف ذلك من تشبيهه صفحة البدر بصفحة الأمرد وضوء الفجر برونق الصارم، هذا إلى خلوه من مثل أعلى يتوخاه. إن أهل المذهب القديم يهملون العلم لأن العلوم تتعارض ومعتقدات العرب. رد الرافعي ١: أرادوا بالمذاهب الجديد أن يكتب الكاتب في العربية ينصرف إلى المعنى والغرض تاركا للغة وشأنها، متعسفا فيها آخذًا ما يتفق كما ينعق، ما يجري على قلمه كما يجري تعبيرًا ذلك الممتاز من يرى أن غلافا من عظام رأسه وأن عظام رأسه كعظام رجله. وأن اللغة أداة ولا بأس بالأداة ما اتفق منها والواقع أن هذه العربية لغة دين قائم على أصل خالد هو القرآن الكريم وقد أجمع الأولون والآخرون على إعجازه بفصاحته إلا من لا حفل به من زنديق يتجاهل أو جاهل يتزندق. ٣- رأي طه حسين في سلامة موسى: إن الأستاذ سلامة موسى ليس من أصحاب الألوان السياسية الظاهرة، وقد يكون حرًا دستوريا وقد يكون وطنيا، بل قد يكون اتحاديا،

стр. 631

ولكنه على كل حال لا يعلن رأيه السياسي أو لا يتكلف إعلانه ولا يتخذ لنفسه لونا. وهو من أنصار الجديد, وهو يعلم أني أرى رأيه وأشاركه فيه دون حفظ ولا احتياط، ولكن نصره للجديد قد اضطره إلى شيء من الإسراف. كنت أحب ومازلت أحب ألا يتورط فيه الباحثون المنصفون، وهو مسرف في ازدراء الأدب العربي القديم والغض منه وقد أفهم ألا يكون هذا الأدب القديم كما هو ملائما كله لذوقنا الحديث أو كافيا لحاجات أنفسنا، ولكن القدماء لم يضعوا أدبهم لنا وإنما وضعوه لأنفسهم. وليس من شك في أن هذا الأدب القديم كان يلائم أذواق القدماء وحاجات نفوسهم، فإذا لم يلائم أذواقنا وأهواءنا فلنبتغ غيره لا أكثر ولا أقل، وهو مسرف أيضا حين يقول: إن الأدباء المصريين لم يكن لهم شأن في حركة الاستقلال، لم يقودوا الأمة في هذه الحركة، وإنما قادتهم الأمة بل قادهم الرعاع إلى الاستقلال، وقد يكون هذا حقا بالقياس إلى هؤلاء الشعراء الذين تبعوا الجمهور ولم يتبعهم. رد سلامة موسى: لقد اتهمني الدكتور طه حسين بالشعوبية أو كاد، وكأنه نسي كفاحي لأجل الشعب ضد فاروق الفاسد، هذا الفاروق الذي وقف الدكتور طه نفسه في حرم الجامعة ومن منبرها يخاطبه بالصوت العالي بقوله: صاحب مصر. واتهمني عباس العقاد بأني لست عربيًا، مع أنه هو وهو التركي النوبي وصف فاروق بأنه فيلسوف من أعظم الفلاسفة.

стр. 632

إن أدب الملوك والأمراء والباشوات هو الذي يدعو إليه طه حسين. ٤- من سلامة إلى توفيق الحكيم: أحب أن أسأل توفيق الحكيم: ما هي رسالتك الأدبية في مصر؟ وهل تستطيع أن تفهم هذه الرسالة مثلا من "أهل الكهف"؟ وأحب أن أسال عباس محمود العقاد: لقد ألفت نحو خمسين أو ستين كتابا فما هي رسالتك الإنسانية فيها؟ وأحب أن أسال طه حسين مثل هذا السؤال. لقد عشنا في مجتمع مصري لابسته ظروف سياسية استعمارية واستبدادية والكاتب الذي وقف بعيدًا لا يكتب عن هذه الظروف لمصالح الشعب أو الذي كتب في مدح المستبدين والمستبدين والمستعمرين لا يمكن أن يوصف بأنه كان أمينا للإنسانية والمجتمع. وعرض سلامة موسى لخصومه في كتابه "الأدب والشعب"١ فردد ما اتهمه به توفيق الحكيم من أنه متخلف الفكر وأن طه حسين يرى أن جريمة شوقي في نظر سلامة موسى في هذه القصائد التي تغنيها أم كلثوم أي قصائد شوقي في مدح الرسول. وقال كامل الشناوي: إن سلامة موسى حاقد موهوب وهو يحقد على الأموات أكثر مما يحقد على الأحياء وحقده على الضعيف أشد من حقده على القوي. ٥- سلامة موسى في رأي العقاد: كل ما يهدف إليه سلامة موسى في حملاته على الأدب العربي هو تشويه الأدب العربي عامة ورميه بالقصور والجهل وانحلال مجتمعه. والذنب الأكبر للأدب العربي عند سلامة موسى هو أن هذا الأدب عربي وسلامة موسى ليس بعربي.

стр. 633

والواقع أنه "أي سلامة موسى" ليس أديبا وعالما ولكنه قارئ لبعض العلم وبعض الأدب في بعض الأوقات وما يفهمه أتفه مما لا يفهمه. ٦- رأي سلامة موسى في طه حسين والمازني والعقاد: أدب الملوك والأمراء والباشوات هو هذا الأدب الذي يدعو إليه الدكتور طه حسين, ومن أحسن ما اقترحه الدكتور طه حسين قبل نحو عشرين عاما أننا يجب أن تنقل إلى لغتنا ترجمة أدبية لأحد الكتاب الأوربيين. إنه لولا انغماس العقاد وطه حسين في الأدب العربي القديم لما خاطب طه حسين الفاروق بكلمة "يا صاحب مصر" ولما وصفه العقاد بأنه فيلسوف؛ ذلك لأن الأدب العربي القديم هو إلى حد بعيد أدب الملوك. إن تاريخ أدبائنا في مصر هو مأساة إنسانية قبل أن يكون مأساة أدبية، ولست أذكر شوقي الذي طعن في وطنية عرابي ونظم الأشعار في سبه ومحمد حسين هيكل الذي أيد عدلي في تحطيم وحدة الأمة، ثم بعد ذلك أيد زيور الذي جمع البرلمان في الظهر ثم حله مساء اليوم نفسه وطرد الأعضاء ثم أيد محمد محمود في تعطيل البرلمان ثلاث سنوات تقبل التجديد. وأديب آخر هو إبراهيم عبد القادر المازني فقد اشترك مع الدكتور طه حسين في تحرير جريدة يومية تخدم زيور في مكافحة الشعب. "هي جريد الاتحاد". وكان طه حسين والمازني القلمين الفصيحين في الدعوة إلى هذا التحطيم ووجد فاروق الدكتور طه حسين الذي خاطبه أمام الطلبة: "يا صاحب مصر", ووجد عباس محمود العقاد الذي يقول فيه: "إنني لم أسعد من قبل بفرصة كهذه الفرصة الواسعة لاستجلاء طلعة المليك عن كثب والإصغاء إلى جلالته على

стр. 634

على انفراد في جو لا مثيل له بين أجواء اللقاء والحديث لأن جو الملك والديمقراطية ممثلين في شخصية الكريم أجمل تمثيل, لقد سمعت في هذا الحديث الواحد كلام فيلسوف, وكلام وطني غيور وكلام محدث ظريف, وطاف بخاطري الإيمان وذكر الوطن". قال توفيق الحكيم: إن سلامة موسى يتحدى للحكم على قضايا لا يملك أسباب التصدي لها ويخيل إلي أنه قد انقطع للقراءة منذ ربع جيل على الأقل فإني كلما قرأت له لمحت أثر تفكير القرن التاسع عشر في اتجاهات تفكيره والتفاتات ذهنه. إنه لا زال يقيم فلسفته -إن كان له فلسفة- على الاعتراف بالمادة وإنكار الروح. وقال: إن ما قرأته لسلامة موسى منذ ثلاثين عاما لا يختلف عما أقرؤه له اليوم نزعة وأسلوبا واتجاها حادًا إلى إنكار كل شيء والاستخفاف بكل شيء. وقال العقاد: إن كل ما يهدف إلى سلامة موسى بين حملاته على الأدب العربي هو تشويه للأدب العربي عامة، ورميه بالقصور والجهل وانحلال مجتمعه.

стр. 635

الفصل التاسع: بين المازني وخصومه لم تكن للمازني خصومات واضحة، ولعل أكبر معاركه الأدبية كانت مع طه حسين١ ولعل الخلاف السياسي كان مصدرا من مصادرها، أو سببا من أسبابها، ومعركته مع عبد الرحمن شكري تدل على قدرته على ضبط النفس والرجوع إلى الحق، وقد ظل على رأيه في أن مدرسة "شكري، العقاد، المازني" كانت هي مطلع النهضة الفكرية الحقيقية وليست مدرسة "طه حسين، هيكل" في جريدة السياسة وفي ذلك يقول موجها قوله إلى الدكتور طه حسين: "أستأذن صديقي الدكتور طه حسين في أن أقول من غير غمط لأحد أو إنكار لفضل أحد أن أدب العقاد وشكري وإخوانهما هو عندي مظهر النشوء الطبيعي للأدب العصري، وهو لهذا تيار رئيسي في رأيي الحركة الأدب عندما تسايره تيارات أخرى يتعذر الحكم عليها الآن لأنها صاخبة لم تستقر، فيما عدا هيكل بك فقد اهتدى إلى طريقة وأخذ سمته فيه إلى غايته أما تيار العقاد وشكري وإخوانهما فقد أخذ الطريق منذ اللحظة الأولى ولايزال ماضيا فيه على سنته في هدوء وصراحة وإيمان واطمئنان. ولا أنكر أني من هذه المدرسة بحكم مزاجي وتربيتي واطلاعي ولعله من سوء حظها أني معدود من رجالها". وقد عني المازني بالكتابة في نقد الكتب ثم انصرف عنها مغضبا بعد أن أحس بعجز المثقفين عن تقبل النقد، فقد رأى أنهم يريدون منه أن يكتب مدحا خالصا تحت ستار النقد وقد عدد الأضرار التي وقعت له من جراء بعض كلماته الصريحة عن بعض الكتاب، وبعض الشعراء، ولذلك فقد قرر أن يعدل نهائيا عن نقد الكتب حتى لا يقرأ منها ما لا يريد وحتى يقتني منها ما يحب فقط وحتى يربح "دماغه" من آلام هو في غنى عنها وقد حدث هذا بعد مناقشة لكتاب "النثر الفني" للدكتور زكي مبارك ويقول في مقاله عن هجر النقد:
следующие страницы →