الناس إلا تلميحا. ولما كان يتحتم عليهم دائما أن يجدوا كلمات للأشياء كلما دعت إلى ذلك فرصة، فإنهم يضطرون إلى تجديد المفردات.
وقد عدل الأطباء منذ حين عن استعمال كلمة "عملية" operation التي صيرها الاستعمال قاسية مخوفة. لا يسمعها المريض حتى يتصور الآلات المرعبة والملابس الملوثة بالدماء والجسم وقد طواه الألم طيا. فكلمة operation "عملية" ضحية الصور التي تثيرها. لذلك يسود الميل إلى الاستعاضة عنها بكلمة intervention "تدخل" لأنها أنضر جدة منهان وأكثر تحفظا وأشد غموضا أيضا، لا يهلع لسماعها قلب المريض. والكناية euphemisme ليست إلا صورة مهذبة متحضرة مما يسمى تحريم المفردات "انظر ص٢٣٧". فكثيرا ما يقع لدى المتوحشين أن يكون لبعض الألفاظ طابع من السرية والخفاء يمنع بعض الأفراد من استعمالها. ولكن ليس في لغاتنا الأوربية شيء من هذا التحريم. فقد قضت المدنية على تلك البقايا المتبربرة. غير أننا إذا رجعنا إلى تاريخ أكثر اللغات مدنية، وجدنا حواث من هذا التحريم لا تقل صراحة عما عند الأمم المتوحشة١.
تعد الجهة اليسرى عند كثير من الشعوب جهة السحر، جهة القوى الخفية التي لا يحسن إيقاظها. لذلك كثيرا ما قضى بالتحريم على اسم اليسار وكانت نتيجة هذا التحريم الإضطرار إلى استعمال العبارات الملفوفة والاستعارات للتعبير عن اليسار. فإن كان العدد الأكبر من اللغات الهندية الأوربية قد احتفظت لذلك بكلمة واحدة للدلالة على اليمين، فإنها تستعمل للدلالة على اليسار كلمات متنوعة، لا تستعمل الكلمة منها في غالب الأحيان في أكثر من لغة واحدة أو لغتين، وهي حتى في هذه اللغات نفسها قد تعرضت بدورها للأقصاء والاستبدال.
стр. 282
التي تستخدم للدلالة١. ففي الإرلندية اثنا عشر اسما للدب ومثلها "للسالمون": ونحن نعرف، من مصادر أخرى، أنهما من الحيوانات التي جعل منها الخيال الشعبي تابوهات TABOUS. وحيوانات الصيد على العموم تحاط بقوى سحرية، فما أكثر تابوهات الصيادين. كذلك يدل بالمترادفات في غالب الأحيان على الحيوانات البرية.
لا ينحصر الأثر الناجم من تحريم المفردات في استبدال كلمة مكان كلمة فحسب بل يتعداه أيضا إلى تشويه الكلمات الموجودة. فتغيير حرف من الكلمة أو نقله يخفف ما تنطوي عليه من الخطر أو مما لا يليق دون أن ينقص ذلك من قيمتها الدلالية. وفي استطاعة كل إنسان في هذه الحال أن يفهم المراد على الفور.
فالحجاب لا يستر إلا الجهات الجارحة والمؤذية للحياء، ويشف عن معالم الكلمة الكبرى ولونها العام. ونرى الشتائم في كثير من اللغات تصاب بشيء من التشويه المقصود الذي يمكن من إدخالها في أرقى الأوساط، مثل BIGRE أو FICHTRE ويقال: PARDIENNE، PARGNIEU, PARBLEU, PALSAMBLEU بدلا من PAR LE SANG DE DIEU "بدم الإله" أو PAR DIEU "بالله".
هناك أصل هندي أوربي بمعنى "قاع أو عمق" ومنه الكلمة الفرنسية monde "عالم". هذا الأصل يقدم لنا في اللغات الهندية الأوربية المختلفة تشويهات فريدة في بابها. فقد أحصى منها ثماني صور أو تسع، لا يختلف بعضها
стр. 283
يجب ألا نهمل من حسابنا عند دراسة الأسباب الاجتماعية التي تؤدي إلى تجديد المفردات نوع النشاط الذي يمارسه المتكلمون. فالكلمات التي تنتمي إلى نشاط المجموعات الاجتماعية "عقليا كان أو يدويا" يطلق عليها كلمات الحضارة.
كلما تحقق أي تقدم في الصناعة الإنسانية ترجم عن نفسه باستعمال آلات وإجراءات جديدة يقابلها خلق كلمات جديدة بقدرها.
التغيرات التي تطرأ على الآلات تنعكس في المفردات بطبيعة الحال. فالجرمانية المشتركة كانت فيها كلمة تدل على الخبز، نعثر عليها في الفترة القديمة لكل لهجة من لهجاتها، وهي في القوطية hlaifs "في حالة الإضافة hlaibis". وكان لهذه الكلمة من الأهمية بقدر ما للشيء الذي تدل عليه. وقد استعارها اللتوانيون والسلافيون: ويشهد بأهميتها في الجرمانية نفسها عدد المركبات التي اشتقت منها:
стр. 284
ففي الإنجليزية القديمة hlafward "حارس الخبز" "في أيامنا هذه لورد" و hloefdige "عاجنة الخبز" "في أيامنا ليدي Lady" وفي النروية القديمة witandahalaiban "إلى سيد الخبز" "في نقش مكتوب بالحروف الرونية، وهي أقدم الكتابات الجرمانية". ولكن هذه الكلمة كانت تدل على الخبز غير المختمر فلما اهتدوا إلى تخمير العجينة، اضطروا إلى استعمال اسم جديد للدلالة على هذا الإجراء الجديد في صنع الخبز. فكانت كلمة brot في الألمانية العليا القديمة، braudh في الإسلندية القديمة، وهي كلمة غير موجودة في القوطية، ولا يعثر عليها في الإنجليزية القديمة إلا في عناء كبير.
وقد بقيت الكلمتان المتنافستان في اللغات الجرمانية الحديثة، ولكن أحدثهما هي الأكبر أهمية؛ فهي الكلمة الألمانية Brot "خبز" والإنجليزية bread, أما الثانية فبقيت كلمة شبه شعرية أو للاستعمال في معنى خاص، وهي loaf "الجمع loaves في الإنجليزية و laib في الألمانية، ومعناها "رغيف". فخلق كلمة جديدة لا يتحتم عليه هلاك القديمة، ولكنه يقذف بها غالبا في جزء خاص من المفردات.
стр. 285
_________
١ المقصود به الجواد الذي يعلق في مقدمة العربة فيكون سابقا غيره من الخيل.
المعربان.
стр. 286
تعدد الاستعمال يؤدي إلى خلق كلمات مختلفة. فإذا صرفنا النظر عما في الفرنسية من عبارات العامية الخاصة التي تطلق على النقود "انظر ص٢٧٤", وجدناها تستعمل عددا كبيرا من الكلمات للدلالة على النقود بالنسبة للطائفة الاجتماعية التي تضاف إليها؛ ففيها les gages لأجرة الخادم و le traiement لمرتب الموظف و la solde لمرتب الضابط و le pret لمرتب الجندي و les appointements للموظف في غير الحكومة و les honoraires لأتعاب الطبيب أو المحامي و les emoluments لأجر صاحب الوظيفة العامة "كالمأذون مثلا" و le salaire للعامل و la paye لأجر المشتغل باليومية و les rentes لدخل صاحب الدخل الثابت و les dividendes لأرباح الأسهم المالية و l'indemnite للمكافأة البرلمانية و les mensualites لشهرية الصحفي و le casuel لعوائد القسيس و les feux لأتعاب الممثل و le secours لما يعطى للمحتاج، إلخ. هذا فضلا عن الكلمات الناقصة مثل retribution و subvention و gratification و allocation, إلخ. في هذه المفردات المتنوعة ينعكس مجتمعنا الحالي في تعقده. أما كلمة epices "بالنسبة للقاضي" وكلمة benefice "بالنسبة لرجل الدين" فقد أصبحتا لا تمثلان شيئا، إذ فقدا المعنى الذي كان لهما في النظام القديم.
واللتوانية، وهي لغة شعب زراعي، فيها خمس كلمات للدلالة على اللون الأشهب. ولكن هذه الكلمات ليست من المترادفات، لأن كلا منها تقال عن شيء خاص, فيقال: pilkas للصوف والأوز و szirvas أو szirmas للخيل و szemas للبقر zilas لشعر "الإنسان" والحيوان الداجن ما عدا الأوز والخيل والبقر. أما أسماء الألوان الأخرى، وإن كانت أقل تنوعا، ففيها مقابلات مشابهة، فعند الكلام على البقر يقال: zalas "أحمر" بدلا من الكلمة المعتادة raduonas؛ ويقال: dwrylas "أسود" بدلا من judas، إلخ. وفيها للدلالة على "المبقع أو الأبلق" عدد من الكلمات بقدر ما يوجد فيها من الفصائل الحيوانية. وهذا يستلزم قوما أخصائيين في تربية الحيوان للون الوطاب عندهم أهمية كبيرة. فكل طائفة من مربي الحيوانات تميل إلى خلق مفردات خاصة بأسماء ألوان الحيوان الذي
стр. 287
يشتغلون به. وفي النهاية تستفيد اللغة المشتركة من هذا الانفصال الذي خلقته اللغات الخاصة.
في كل العهود التي كونت فيها الأرستقراطية طبقة مغلقة تحيا حياة الصالونات وتعتز بجمال اللغة، أدت هذه الحال إلى نشوء مفردات نبيلة أبعدت منها كل كلمة سوقية. يقول Duclos١: "وهم وإن استووا في العقل مع غيرهم ظلت لهم "لطبقة البلاط" على غيرهم من سواد الناس ميزة التعبير بعبارات خير من عباراتهم وجمل أشهى إلى النفس". هذه المفردات المختارة التي كانت تسمح بتعيين طبقة المتكلم على الفور تبدو لنا اليوم كأنها كل ثابت وتعطينا فكرة الشيء الكامل المنتهي. والواقع أن هذه المفردات كانت تخلق يوما بيوم من جمل عابرة تتفتح في الصباح لتموت في المساء, كانت تولد من تلميح من التلميحات أو من نكتة أدبية أو من حادثة تافهة اشتبك فيها أهل هذه الطبقة.
ونحن نعرف هذه المفردات اليومية مما كتب الكتاب عنها بقصد التهكم منها على وجه العموم. فموليير في سنة ١٦٥٩ يهجو في روايته les Precieusesridicules "المتساميات المضحكات" لغة الصالونات المتكلفة في عصره. وبورسو Boursault في Mots a la mode "كلمات موضة" في سنة ١٦٩٤ ودلانفال d'Allainval في l'Ecole des bourgeois "مدرسة الأعيان" في سنة ١٧٢٨ يتهكمان بدورهما بلغة معاصريهما المصطنعة. وهذه الأنواع الثلاثة من المفردات يختلف بعضها عن بعض. وإذا تصفحناها رأينا مقدار السرعة التي بها يعلو نجم بعض الكلمات ثم ينخفض. فمدام جوس دي بورسو Josse de Boursault لا يدع لسانها استعمال كلمة joli "لطيف"؛ وتستعيض عن كلمة grand "كبير" بكلمة "gros"٢؛ إذ يظهر أن هذه الكلمة كان لها حظ عظيم بين تلك الطبقة، ولكن لمدة قصيرة فقط، لأننا نرى المحامي بريس Brice, شقيق
стр. 288
مدام جوس، وهو يهتم مثلها بلغة القصر ولكنه أعرف منها بها، نراه يذكرها بأن هذه الكلمة قد انقضى عهدها فيقول:
Laissez mourir en paix un mot agonisant;
Hors chez quelques laquais qu'il est en etalage,
En aucun lieu du monde il n'est plus en usage ...
"Gros" est un mot proscrit, ma soeur ...
"هذه كلمة محتضرة فدعيها تمت في سلام"
"إذ لم يبق لها استعمال في أي مكان في العالم"
"إلا لدى بعض الخدم يتحلون بها ... "
""Gros" كلمة مقضي عليها، يا أختاه ... "
والصعوبة في هذه الحالة بالنسبة للشخص الذي لا يعيش في تلك المحيطات، هي في أن يكون على علم دائم بما يقال فيها. فكم من أشخاص وأشخاص يفتخرون بأنهم يتكلمون لغة "أولاد البلد" وأنهم مشبعون بالروح الباريسي, ثم ينكشف لهم أن الكلمات التي يستعملونها قد ماتت من الاستعمال منذ العام الماضي، وها هو ذا السيد هوميه Homais صيدلي يونفل "من شخصيات فلوبير في مدام بوفاري" كان يقول: Faire flores أو bazar, turne أو Breda-street أو je me la casse بدلا من "je m'en vais" في وقت كانت هذه العبارات قد فقدت جدتها عند أولاد البلاد.
لغة المغازلة أيضا من أسرع اللغات تجددا. وليس من العسير أن نجد تطور العادات ينعكس في الصور المختلفة التي تقدمها لنا هذه اللغة، ويجب عند تفسيرنا لها ألا نهمل العلاقات الاجتماعية بين الجنسين ففي عهود الثروة والبذخ كانت توجد أرستقراطية أنيقة تخص الحب بكل عنايتها وتجعل منه سلوتها المعتادة. في هذه البيئة تكونت في داخل اللغة الأرستقراطية مفردات خاصة بمسائل الغزل. هكذا كان الحال في فرنسا في العصور الوسطى، في الجنوب أولا ومن بعده في الشمال. ففي القرن السابع عشر نشأت عدة مفردات غزلية متتابعة تلي بعضها بعضا منذ قصر رمبوييه I'hotel de Rambouillet بخريطته المسماة "إقليم العاطفة
стр. 289
الناعمة" حتى صالونات سو Sceaux عند دوق المين، ثم اجتماعات "التمثيل temple" عند آل فندوم vendome.
وقد دخل الكثير من هذه المفردات في آداب العصر مثل la gloire et les soins و les appates et les feux و les cruautes و les rigueures و les alarmes وغيرها من العبارات التي تبدو للفرنسيين اليوم مضحكة بالية. ونعتبرها في مجموعها ممثلة للغة الحب التي لم يستطع كاتب في مقام راسين نفسه أن يتجنبها. ولكن الواقع أنها ليست جميعا من عصر واحد، بل لكل منها تاريخها وفترة صعودها وسقوطها. واليوم حيث لا توجد أرستقراطية تكون طبقة منعزلة عن الأمة، وحيث انتشار الطبقة الوسطى جعل الغزل في متناول جميع الطبقات الاجتماعية، توجد أيضا لغة الحب، ولكنها لغة مشتركة تستعير مفرداتها من العاميات الخاصة ومن رطانات جميع الأوساط، فليس هناك إذن لغة للغزل بمعنى الكلمة، لأن الغزل لم يعد مقصورا على طبقة من الطبقات.
هكذا نرى أنفسنا مسوقين في دراستنا لتغير المفردات إلى أن ندخل في حسابنا تأثير أنواع اللغة المختلفة بعضها على بعض. فهذه الكلمات الفرنسية الشائعة مثلا قد جاءت من ثكنات الجنود؛ جيء بها منها لأنها أكثر تعبيرية من غيرها وأقوى دلالة على ما يراد أن يقال. وتلك الكلمة الأخرى استعيرت من لغة الصالونات. وهناك أيضا الحالات التي تفرض فيها لغة أجنبية على جاراتها، بما لها من سلطان، نوعا من التجديد ولو جزئيا. وهذا يفسر وجود عدد ضخم من الكلمات اللاتينية في لغات كالـbrittonique أو الألمانية العليا القديمة. فهذه الكلمات لا تدل دائما على فكرة جديدة أو شيء جديد، وإنما هي في غالب أمرها قد حلت محل كلمات كانت تستعملها لغة متبربرة، ولكن السلطان أتاح النصر للكلمة اللاتينية فالسلطان آخر الأسباب الاجتماعية في تجديد المفردات، ولا ينبغي لنا أن ننساه "انظر الصفحة الرابعة من الفصل الرابع في الجزء الرابع".
العمليات اللغوية التي بها تتحدد المفردات يمكن إرجاعها بسهولة إلى بضعة
стр. 290
أنواع عامة. والموارد التي يمكن للغات أن تستنبطها من ذات نفسها محدودة عندما يلجأ الإنسان إلى كلمة عامة فينوط بها، بواسطة التخصيص، استعمالا خاصا، أو إلى كلمة ما فيدير معناها بواسطة الاستعارة أو النقل, ويكون بذلك قد فعل كل ما في وسعه في حدود المفردات الموجودة في اللغة. وهذا خلق للمعاني لا أكثر من ذلك.
طرائق الاشتقاق والتركيب تزيد إمكانيات التجديد زيادة هامة، لأنها تتيح خلق الكلمات. فالمشتق بعد أن يخلق يصير كأنه كلمة جديدة وينطبق في الحال على الشيء الذي خلق له. من ذلك كلمة bottine "حذاء طويل" التي اتخذت معنى مخالفا جدا لمعنى botte "تزلك". وكذلك الكلمات chausson "شبشب" و chaussette "جورب" و chaussure "حذاء" ليس بين بعضها وبعض ولا بينها وبين أصلها chausse "نوع من السراويل" علاقة من حيث المعنى وهذا هو شأن الكلمات المركبة التي تتحد عناصرها فجأة فلا توقظ في الذهن إلا تصورا واحدا.
ومن الطرق الشائعة عند تسمية شيء جديد أن يطلق عليه اسم مخترعه أو مروجه أو بائعه أو من ساعد على نجاحه بأية وسيلة من الوسائل وإلى هذه الطريقة ندين بكثير من الكلمات الفرنسية: calpin "مفكرة جيب" guillemet "علامة اقتباس" و barene "جدول حسابات" godillot "نوع من الأحذية" و quinquet "نوع من المصابيح" و catogan "شريط لربط الشعر" "وهذه الكلمات مستعارة من الإنجليزية، ولكنها صنعت بالطريقة التي نتحدث عنها" و bottin "دليل" و poubelle "صندوق القمامة" و gibus "نوع من القبعات" و pepin "مظلة" و riflard "مظلة كبيرة" و sil houette "رسم خطي" و fontange "عقدة من الشريط يزين بها الشعر" ولا يتحتم لاستخدام هذه الطريقة أن يكون الشيء جديدا، بل تطبق أيضا على شيء معروف من قديم ولكن صار اسمه في حاجة إلى تجديد لسبب من الأسباب. وإذا لم تكف هذه الطرق اتجه الناس إلى الاقتراض فيلجئون إلى المفردات
стр. 291
المجاورة التي قد تنمي إلى لغات مختلفة المشارب؛ فيستعيرون من الرطانات ومن العاميات الخاصة ومن اللغات الإقليمية ومن اللغات الأجنبية، والأخذ من هذه اللغات يحدد دائما بظروف خاصة، تعين الاختيار أو تنظمه.
كلمات الحضارة بوجه خاص معرضة للاستعارة، حيث تحمل في نفس الوقت مع الشيء الذي تدل عليه، فالشيء يقوم لها مقام المركبة التي تحملها في بعض الأحيان إلى آفاق بعيدة rem uerba sequuntur. وإذا أحصينا الكلمات التي استعارتها من اللاتينية شعوب الشمال والبريتانيون والإرلنديون والإنجليز السكسون والألمان والبلطيون والسلافيون، وجدناها كلها تقريبا واحدة، بل وجدنا أن عددا كبيرا مما استعاره اللاتينيون أنفسهم من الإغريق١ فيمكننا أن نفترض أن الكلمة إذا ما تجاوزت حدود لغتها، انفتح أمامها الطريق لطول الطواف، لأنها لم تطلب في الخارج إلا لأنها تدل على شيء جديد خاص بالبلد الذي جاءت منه، ومن ثم كان من الطبيعي أن نتوقع رؤيتها في كل مكان يطلب فيه هذا الشيء.
وإلى جانب المفردات المجاورة تسيطر كثير من اللغات على معين خاص تنهل منه ما شاءت، وذلك هو معين اللغات العلمية واللغات الميتة، فاللاتينية كانت في كل العصور مصدرا لتجديد المفردات في لغات أوربا الغربية، ومفرداتنا الفرنسية تطفح بالكلمات اللاتينية التي أدخلت فيها شيئا فشيئا تبعا للحاجة المتجددة بعد أن عدلت صيغتها وفقا لبعض القواعد التي تنظم النقل إلى الفرنسية من اللاتينية، والتي لا تزال كامنة في إحساسنا اللغوي. كما كانت اللاتينية أيضا نبعا فياضا للغة الإنجليزية، وللغة الألمانية ولكن بصورة مصغرة، لأن الألمانية تكتفي بنفسها بفضل ما فيها من لهجات عديدة غنية وبفضل نظام التركيب الذي يسمح لها بزيادة مفرداتها زيادة واسعة.
стр. 292
والإغريقية كانت معينا للغات السلافية، وخصوصا الروسية، التي كان لها معين آخر دائم لتجديد مفرداتها يتمثل في اللهجات السلافية القديمة التي ظلت متصلة بعضها ببعض تحت تأثير الكنيسة "انظر ما يلي في الفصل الثالث من الجزء الرابع".
هناك صعوبات جمة تعترض تجديد مفردات أساءت استعمالها بعض اللغات. فقد أخذ على الإنجليزية تضخم مفرداتها وإسرافها في المترادفات التي لا يلبث الاستعمال أن يطرحها ليطلب غيرها من جديد من اللاتينية التي تعد مستودعها المعتاد، وذلك فضلا عن المستودعات الفرعية التي هي اللغات الأجنبية بالنسبة للإنجليزية. والفرنسية أيضا لا تخلو من ملام التهالك على اتخاذ الكلمات الجديدة ولما تزل الكلمات القديمة في حيوية تامة وكافية للتعبير. وهذا عيب ينجم دائما من رخاء الحال الذي يمكن اللغة من استعارة كل ما ينقصها كما تشاء، حتى ما يطلب منه لاستعمال مؤقت.
من النادر في هذه الحال أن تلجأ اللغة إلى صنع الكلمات من أساسها بتركيب مجاميع من الأصوات اللغوية بعضها مع بعض، لأنه يعتبر عملا غير مفيد. فكل ما تعمله أنها قد تغير وضع العناصر الصوتية في هذه الكلمة أو تلك. وهذه طريقة معروفة في العامية الخاصة، ولكن العامية الخاصة تشوه ولا تخلق. فالخلق أمر في غاية الندرة١. وإذا ذكر منه بعض الأمثلة، فإنما تذكر على سبيل التندر، مثل gaz "غاز" التي اخترعت في القرن الثامن عشر، و felibre "شاعر يقرض الشعر بلغة الأوك" و rococo "نوع من الزخرفة"٢؛ ومن ذلك أسماء بعض المستحضرات والسلع والآلات، مثل كلمة kodak "كوداك" فقد خرجت كما هي من دماغ مخترعها. ولكنا لا نستطيع أن نصنع عددا من مثل
стр. 293
هذه الكلمات دون أن تعرض اللغة للخطر. فقيمة هذه الكلمات بالضبط كقيمة اسم العلم الذي لا يوقظ في ذهن السامع أية فكرة محددة إذا لم يعرف الشخص الذي يحمله. لذلك يجب أن تحاط بسياق يكون لها بمثابة تفسير توضيحي. وإذن لا يمكننا أن نزيد في عددها دون حذر. ولكنها إلى جانب ذلك صعبة الصنع. فلا شيء أصعب من صنع كلمة دون الاهتداء بوسائل الاشتقاق والتركيب المعتادة في اللغة التي يتكلمها الصانع١ ولئن صح ما قيل من أن كلمة gaz فيها صدى كلمة Geist "روح"، كنا في هذه الحالة أمام تشويه لكلمة موجودة بالفعل.
وكذلك الحال بالنسبة لكلمة jingo وهي كلمة إنجليزية تطلق على من يظهر بمظهر المتطرف في الوطنية، يقال إنها جاءت من صيغة سب، هي by jingo التي كانت قد حلت محل by jove، وهذه بدورها استعيض بها عن صيغة أخرى كان طلبة جامعة إكسفورد يكثرون من استعمالها. أم الكلمات التي من قبيل Kodak و rococo فلها قيمة تعبيرية لا تنكر، ذلك أنها كلمات أشبه بأسماء الأصوات، وتدخل في فصيلة من الكلمات تعتبر اليوم ثابتة النظام والقواعد٢. فكلمة "كوداك" تصور لنا صورة، هي صورة سمعية, حتى كأننا نسمع صوت المفتاح الذي يفتح الآلة لالتقاط الصورة ويغلقها. فهل أحس مخترع الكلمة هذه القيمة وأراد أن يحاكيها؟ إن هذا لجائز، ولكنه غير ضروري. غير أن هناك دائما اتفاقا غير شعوري يقوم بين الأصوات والأشياء. فالانطباع الذي تحدثه كلمة غير معروفة يمكن أن يختلف من سامع إلى آخر، ولكن هناك انطباعا على كل حال، إن قليلا وإن كثيرا. وإنما يقاس الفرق بدرجة حساسية السامع، أو خياله، أو مجرد حالته العصبية. فالذي يطلق اسما مصنوعا من أوله إلى آخره على شيء أيا كان قد يكون مستهديا بتوافق نفسي بين الأصوات والشيء نفسه. هذا إلى أن كلمة "كوداك" متمشية مع قواعد اللغة التصويرية, فالسواكن تحتوي على
стр. 294
نفس الحركة الصوتية، والحركات فيها نفس الجرس الذي قرره الأستاذ جرامون وهذه الكلمة تعد على درجة من حسن الصياغة تجعلنا نتساءل عما إذا كان في الإمكان صياغتها على غير ما هي عليه.
ولعل القدرة على خلق الكلمات ليست إلا نوعا من الخداع, وهذه النتيجة تؤدي بنا إلى القاعدة اللغوية الكبرى التي تقول: إن اللغات تسير على تحوير العناصر الموجودة لا على الخلق.
стр. 295
الجزء الرابع: تكون اللغات
الفصل الأول: اللغة والغات
...
الجزء الرابع: تكوين اللغات
الفصل الأول: اللغة واللغات
التحليل الذي قمنا به حتى الآن للأجزاء المختلفة للغة لا يستطيع أن يعطينا عنها إلا فكرة جزئية غير كاملة. فتقسيم اللغة إلى عناصر ثلاثة هي الأصوات والصيغ النحوية والكلمات، تلك العناصر التي خصصنا لدراستها الفصول السابقة، ما هو إلا تقسيم اصطناعي محض؛ لأن هذه العناصر ترتبط بعضها ببعض ولا توجد منفصلة إطلاقا مهما بدا من اختلافها. بل تنصهر كلها في تلك الوحدة التي هي اللغة نفسها. فالعالم اللغوي إذن لا ينتهي من مهمته بمجرد أن يفرغ من تحليل هذه العناصر بل يبقى عليه أن يدرس كيف يكون شأنها عندما تجتمع أو بالاختصار، كيف تؤدي اللغة وظيفتها.
ولكن على من يتصدى لإقامة نظرية عامة للغة أن يحذر الوقوع في خطر مزدوج. ذلك أن اللغة، تبعا لذلك التناقض اللغوي الذي درسه فكتور هنري١، واحدة وعديدة في آن واحد، واحدة لدى كل الشعوب، ولكنها متعددة بتعدد جميع الأفراد والذين يتكلمونها.
من المسلم به أنه لا يتكلم شخصان بصورة واحدة لا تفترق. واللغة محدودة
стр. 296
بحدود الفرد عند العالم الصوتي لأنه لا يستطيع ملاحظتها إلا في خصائصها الفردية وليس من عيوب علم الأصوات الوصفي أن يقصر البحث اللغوي على دراسة الظواهر الفردية فإن من يسعى أيضا إلى اكتشاف عواطف النفس وانفعالاتها وأهوائها منعكسة في اللغة، تبدو هذه الأشياء أمام عينه باعتبارها ظواهر فردية. نعم ما دام الرمز قد اتفق على التسليم به، فقد صار ذا قيمة عامة. ولكن الأحداث الخاصة التي تتمخض عن الرموز والتي تعلن عن وجود الرموز ولما نزل في حالة يصح أن نسميها حالة الميلاد، لا يمكن أن تدرك إلا واحدة واحدة في مظاهرها الفردية. ومع أنه من غير الصواب أن يقال بأن التجديد اللغوي يصدر عن الفرد فمن الحق الذي لا ريب فيه أن كل فرد يدخل في اللغة جزءا من التجديد خاصة به. فليس من الباطل إذن أن يقال بأنه يوجد من اللغات بقدر ما يوجد من الأفراد.
ولكن ليس من الباطل أيضا أن يقال بأنه لا توجد إلا لغة إنسانية، لغة واحدة في أساسها في جميع الأقطار والأصقاع. وهذه هي الفكرة التي تعرب عنها محاولات علم اللغة العام. ففيه يحاول العلماء وضع مبادئ تنطبق على كل لغة أيا كان نوعها. والواقع أن النظام الصوتي عند كل الشعوب يخضع لقوانين عامة واحدة، والفروق التي تلاحظ بين شعب وشعب ناتجة من ظروف خاصة، أما العبارة الصرفية ففيها كثير من التنوع، ولكن الأنواع الأساسية الثلاثة أو الأربعة التي ترجع إليها هذه التنوعات ليست على إطلاقها، إذ إننا نراها في مجرى التاريخ تتحول من نوع إلى آخر. لذلك لم يكن واحد منها كافيا لتمييز لغة لكائن إنساني. أما المفردات فإنها ترتكز على القاعدة القائلة بأن يضاف إلى كل مجموعة ما من الأصوات اللغوية فكرة ما، وهذه القاعدة واحدة في كل مكان ونافذة المفعول بالنسبة للغة في عمومها.
فوضع نظرية عامة للغة تصطدم إذن منذ البداية بالصعوبة الناجمة من كون العالم اللغوي لا يعرف إلى أي مدى يحدد دراسته وإلى أنه يبقى مترددا بين الاعتبار الفردي وبين الاعتبار الجنسي بأسره. ومع ذلك فإن هذه الصعوبة تهون بمجرد أن نحاول تصور اللغة في حقيقتها الواقعية لا في حقيقتها التجريدية. إذ لما كانت
стр. 297
اللغة وسيلة للعمل كانت لها غاية عملية، فيجب إذن أن ندرس الروابط التي تصلها بمجموع النشاط الإنساني، بالحياة نفسها لندركها تمام الإدراك.
أشرنا فيما سبق إلى "حياة اللغة"، وأبنا ما تحتمل هذه الاستعارة من بعد عن الصواب ومن إيقاع في اللبس، ولكن برغم ذلك يمكننا استعمالها على أنها فرض يوجه البحث ويجعل العرض التعليمي سائغا. ولكن المسائل التي جعلناها موضوع بحثنا حتى الآن ليست إلا تجريدات خلقها عقول علماء اللغة، وإنه لمن سوء التعبير، أو يكاد، أن نعبر بحياة اللغة عما هو خال من الحياة، عن الأصوات والأشكال النحوية والكلمات. فالحياة التي نحن بصددها الآن إن هي إلا مجموعة الظروف التي بين حدودها تموج الإنسانية، ما هي إلا الحقيقة الواقعية في تطوراتها التي لا تنتهي. واشترك اللغة في الحياة بهذا المعنى أمر بين، بل أكثر من البين. ولكن ليس أمامنا في هذه الحال نظام نظري يتكون من مبادئ تجريدية. بل نرانا أمام لغات تتكلم على سطح البسيطة بصور متنوعة.
الفرق بين اللغة LANGAGE واللغات، أن اللغة هي مجموعة الإجراءات الفسيولوجية والسيكولوجية التي في حوزة الإنسان لتمكنه من الكلام. أما اللغات "الألسن" LANGUES فهي استعمال هذه الإجراءات بصورة عملية. فيجب إذن، للوصول إلى تعريف كلمة لغة "بمعنى اللسان LANGUE" أن نخرج من محيط الفصول السابقة وأن ندرس الدور الذي تقوم به اللغة بمعنى LANGAGE في المجتمعات الإنسانية المنظمة.
أول فكرة تتبادر إلى الذهن هي فكرة الربط بين اللغة والجنس. بل إن المتن الكبير الوحيد الذي ألف في علم اللغة العام. ونعني كتاب فريدرش ملر Friedrich Muller١ ينبني على هذه الفكرة. ففيه تستعرض لغات الشعوب المجعدة الشعر واحدة فواحدة ثم لغات الشعوب الملساء الشعر، فهو يصنف اللغات وفقا للمميزات الإتنولوجية. ولا شيء أشد غرابة على القارئ من هذا الترتيب، ولكن المبدأ الذي يقوم عليه، وهو أمر أكثر خطورة، لا يثبت طويلا أمام
стр. 298
البحث إذ أن الأحكام التي تطلق على الأجناس يجب أن تؤخذ دائما بكثير من التحفظ١ فمهما قيل في الدور الذي تلعبه التغيرات التي تصيب الجنس في تلك التي تصيب اللغة، فلا نستطيع أن نقول بوجود روابط ضرورية بين هاتين الفكرتين إذ لا ينبغي الخلط بين المميزات الجنسية المختلفة التي لا يمكن تحصيلها إلا بالدم وبين النظم من لغة ودين وثقافة التي تعد أعيانا قابلة للنقل، تعار وتتبادل٢. ونحن نرى بمجرد إلقاء نظرة على خريطة لأوربا اللغوية في العصر الحاضر أن وحدة اللغة تظل تحتها أخلاطا من الأجناس. فالزنجي أو الياباني الذي يربى في فرنسا في ظروف واحدة مع الأطفال الفرنسيين يتكلم الفرنسية كأنه أحد أبنائها. وهذه الحقيقة تكفي لجعل كل محاولة تعمل للتوحيد بين اللغة والجنس عبثا لا طائل وراءه.
أفنذهب على الأقل إلى القول بأن كل لغة تقابلها عقلية معينة؟ الواقع أن علم النفس يتكلم عن عقلية فرنسية وعقلية ألمانية، فلا بد أن تعبر اللغة عن الفرق الذي يفصل بينهما، إذا صح أن اللغة ليست في الواقع إلا التعبير عن العقلية. هذا المنطق الذي لا غبار عليه من حيث المبدأ عسير التحقيق لأنه يصطدم باعتراضات عديدة.
أول ما يجب تجنبه الحكم باختلاف العقلية باختلاف الدماغ. لأننا إن فعلنا ذلك أقحمنا من جديد فكرة الجنس في مسألة سيكلوجية. فحتى في حالة المقارنة بين الزنجي والأبيض لا نجد أي دليل على أن لون البشرة أو شكل الشفتين يقابله دماغ خاص ينتج تفكيرا مختلفا عن تفكيرنا.
هذا المنطق، على أية حالة، لا يمكن تطبيقه على أفراد كلهم من الجنس الأبيض ليست بينهم اختلافات جنسية أساسية وإننا نعرف أن لون العينين أو البشرة أو شكل الجمجمة كلها لا تقدم لنا مقياسا يصلح للتمييز بين الألماني والفرنسي من الوجهة الجنسية نفسها. فمن باب أولى من الوجهة اللغوية. ومع ذلك فليس من شك في أن كلا من الشعبين له عقلية خاصة، وأذواق وعادات وأمزجة وطنية، ولكن
стр. 299
هذه الأمزجة الوطنية ومثلها اللغات عليها طابع النتائج لا طابع الأسباب. كذلك من التحكم أن تعتبر اللغة وليدة العقلية أو العقلية وليدة اللغة؛ لأن كلتيهما وليدة الظروف ونتائج الثقافة والمدنية.
لم نرد بالوصول إلى تلك النتيجة أن تثبط من هم أولئك الذين يحاولون ربط الفكرتين معا. إذ من الجائز أن تكون اللغة والعقلية نتاجا لأسباب واحدة وأن تكون المميزات التي تميزها واحدة دون أن يترتب على ذلك صدور إحداهما عن الأخرى. فإذا كانت اللغة علامة مميزة لصورة من صور التفكير. كان من الممكن أن نصل بتحليل مقارن للغات إلى سيكولوجية للأجناس. وهذه كانت فكرة هردر HERDER في مؤلفه عن أصل اللغة، وفكرة غليوم فون همبولت WILHELM VON HUMBOLT وشتينتال STEINTAL أيضا. وفي أيامنا هذه عاد العالم اللغوي الألماني ف. ن. فنك١ F. N. FINCK إلى فكرة هردر محاولا تكميلها وفي رأيه أنه لا يجب علينا أن ننظر إلى اللغات إلا بوصفها آثارا معبرة عن عقل الشعوب. وأن اللغات ليست إلا تصويرات، لا تقدم أمام عين العالم السيكولوجي أية حقيقة واقعية ملموسة. وأن من الخداع لأنفسنا أن ندرسها على أنها حقائق واقعة فيجب أن تطبق عليها طريقة ذاتية محضة بألا نبدأ من اللغة التي ليست إلا نتيجة، بل من العقل الذي يخلق اللغة. هذه الطريقة خير الطرق لدراسة بعض نتاج النشاط النفساني PSYCHIQUE كالمعتقدات الشعبية. وهي نفس الطريقة المتبعة في دراسة الخوف أو الحلم أو الإيمان فها نحن أولاء بهذا الرأي قد ابتعدنا عن علم اللغة.
ويمكننا أن نجيب فنك بأن اللغة حقيقة واقعة مهما كانت الحال٢. فاللغة بصوتياتها وبكيانها الصرفي لها وجود خاص مستقل عن استعدادات المتكلم النفسية واللغة تفرض بنفسها عليه في صورة نظام قد أعد من قبل، في صورة آلة وضعت في يده. وهو يستخدمها لغايات شتى, فيستعملها في حاجات سوقية أو يستخرج منها آثارا تدل على الحدق وتدعو إلى الإعجاب. ولكنها في كل الحالات آلة
стр. 300
واحدة بعينها، ومهمة العالم اللغوي هي بالضبط أن يدرس ما في هذه الآلة من جوهري ومن دائم. ومن ثم كانت الطريقة الموضوعية التي يحاربها فنك صالحة للتطبيق في علم اللغة تمام الصلاحية، واللغة في وسعها أن تدرس مستقلة عن العقلية.
فضلا عن ذلك فليس من المؤكد أن الأسباب التي تؤثر على اللغة تحدث في العقلية آثارا مماثلة. فالأجزاء الجوهرية الدائمة في اللغة تتحول وفقا لقواعد ليس للعقلية فيها أي نصيب. وهذا بالذات هو ما أدى إلى الافتراض بأن للغة حياة مستقلة عن كل حياة نفسية أو فسيولوجية أو اجتماعية. والواقع أن الفروق التي نلاحظها في فترة ما من التاريخ بين لغتي شعبين، حتى ولو كانتا من أصل واحد، يمكن تفسيرها بظواهر لغوية خاصة بتطور كل واحدة من اللغتين، وبالتالي لا تسمح لنا بحال أن نصدر حكما ما على عقلية الشعبين.
هذه الملاحظة تنطبق على أوضح الصفات التي يمكن أن تميز بين لغتين فترتيب الكلمات في الجملة مثلا عملية لها دلالاتها الفائقة، لأن جذوره، على ما يظهر، ناشبة في أبعد أعماق الشعور اللغوي، إذ إنه هو الأصل في تحضير الصورة الكلامية. ومع ذلك فنحن على تمام المعرفة من أن بنية الجملة في الألمانية أو الإرلندية أو الأرمينية الحديثة ناتجة من تطورات صرفية خاصة بهذه اللغات "انظر ص١٩٠" وكلما أوغل المؤرخ في الرجوع إلى الماضي، اكتشف في بنية التنظيمات الشديدة الاختلاف أثر قوانين داخلية يفسرها تطور كل لغة من هذه اللغات.
كذلك دأب العلماء، وهم على حق، على مقابلة اللغات التي تمارس التركيب باللغات التي تلجأ إلى الاشتقاق، إلى مقابلة الإغريقية باللاتينية أو الألمانية بالفرنسية مثلا. فالذي يبدو لأول وهلة أن هذين النوعين يمثلان نوعين مختلفين من العقلية، إذ أن العقل في الحالة الأولى بعد أن يحلل التصور يعبر بالتفصيل عن العناصر التي تنتج من هذا التحليل، بينما لا تشير الحالة الأخرى إلا إلى مظهر واحد من مظاهر التصور تاركة للسامع البحث عن المظاهر الأخرى. ولكن الواقع أن هذين المسلكين ينتجان من عادات قد تطورت إن قليلا وإن كثيرا، هذا إلى أنهما لا يتنافيان بل يستعملان معا في كل لغة بدرجات مختلفة. إذ يكفي في إحدى
стр. 301
اللغات أن يتغلب نوع ما على غيره في فترة من الفترات، ليتضاعف استعماله بعد ذلك في العصور التالية. فهذا أثر مباشر لتنافس الطرق الصرفية، لا يتوقف بأية حال على اختلاف العقلية.
لأن العقلية في الحالتين واحدة، وإنما تختلف العبارة فقط. فكون إحدى اللغات تقول Liber petri "كتاب بطرس" والأخرى تقول: le livre de pierre "الكتاب "بتاع" بيير" لا يحتم أن يكون الشعبان اللذان يتكلمان هاتين اللغتين يختلفان في تصور علاقة الملكية، وإنما يختلفان فقط في التعبير عنها. ولهذا الاختلاف أسباب تاريخية. فنسعى إلى معرفة عقلية الشعب من خصائص لغته مشروع فاشل إذا راعينا وسائل البحث التي نملكها في حالاتنا الراهنة. بل إن المفردات نفسها لا تعكس العقلية إلا في صورة جزئية. فالفرنسية مثلا ليس فيها إلا كلمة واحدة louer "يؤجر" و"يستأجر" لترجمة الفعلين الألمانيين miethen "يستأجر" و vermiethen "يؤجر" ومعنى كل منهما على عكس معنى الآخر. وفي هذا ما فيه من لبس غير مستحب في اللغة الفرنسية، ولكن الألمانية بدورها لا تملك غير فعل واحد Lehnen للتعبير عن الفعلين الفرنسيين preter "يعبر" emprunter "يستعير" ونعرف لغات أخرى تعبر بكلمة واحدة عن "البيع" و"الشراء" معا١. فهل في ذلك ما يشير إلى الصورة التي تدرك عليها هذه الشعوب الإجارة والإعارة والبيع؟ كلا. فالمفردات في أية لغة لا تعرض مطلقا وجوه التفكير كاملة. بل يوجد دائما من الكلمات أقل مما يوجد من الأفكار، والاستعمال الجاري يكتفي دائما بالعبارات التقريبية، لأن لديه من الوسائل ما يجنبه الوقوع في اللبس. إذ إن السياق يوضح معنى كل كلمة، وإذا لم يكف السياق، لم تعدم اللغة أن تجد وسيلة لتجنب هذه النقص. فالفرنسية في الواقع لا تشكو غموضا في كلمة louer ولا الألمانية في
стр. 302
كلمة lehnen، كما لا تشكو البريتانية من كونها لا تملك إلا كلمة واحدة "glas" للتعبير عن "الأخضر والأزرق" وتستعمل نفس الكلمة لتقول: "السماء زرقاء" و"الفاصولية خضراء".
يبدو إذن أننا نخطئ حينما نرى في أي جزء من أجزاء اللغة صورة لعقلية بعينها. ولا يعني هذا أنه لا توجد أية رابطة بين العقلية واللغة، بل إن اللغة تستطيع في بعض الأحيان أن تعدل من العقلية وتنظمها. فعادة وضع الفعل في مكان بعينه دائما، يمكن أن تؤدي إلى صورة خاصة في التفكير وأن يكون لها أثر في طرق الاستدلال. والتفكير الفرنسي أو الألماني أو الإنجليزي خاضع للغة إلى حد ما. فإن اللغة إذا كانت مرنة خفيفة مقتصرة على الحد الأدنى من القواعد النحوية، سمحت للفكرة بالظهور في وضوح تام وأتاحت لها حرية الحركة. وعلى العكس من ذلك تختنق الفكرة من التضييق الذي يصيبها من لغة جامدة ثقيلة. ولكن عقلية المتكلمين تتصرف لتعتاد أي شكل من أشكال اللغة. لذلك كان من المحال تحديد اللغة بمزاج الأمة التي تتكلمها. فدراسة الدور الاجتماعي الذي تقوم به اللغة هي خير ما يعطينا فكرة عن ماهية اللغة.
أصبح تكرار القول بأن الإنسان كائن اجتماعي أمرا مبتذلا. لعل من أول السمات على الطبيعة الاجتماعية في الإنسان تلك الغريزة التي تدفع على الفور والأفراد المقيمين معا إلى جعل الخصائص التي تجمعهم مشاعة بينهم، ليتميزوا بها عن أولئك الذين لا توجد لديهم هذه الخصائص بنفس الدرجة.
هذه الغريزة في غاية القوة، نعثر عليها في كل الأقسام التي تنقسم إليها أية هيئة اجتماعية، وترجع في أصلها إلى حقيقة التجمع نفسه. فإذا التقى فرنسي وفارسي في جزيرة مهجورة نسي كل منهما الفروق التي تفصل بينهما وسعيا بطبعهما إلى الاتحاد، لأن المساواة في العزلة تنمي الزمالة بينهما. ولكن لو أن فارسيا جاء إلى فرنسا زائرا ووجد نفسه في مكان ككور لا رين COURT LA REINE, ورآه بعض الفرنسيين، لأوحت إليهم على الفور عاطفة الوطنية التي من شأنها أن تقوي وجود الجماعة بهذه الجملة المشهورة. كيف يمكن لإنسان أن يكون فارسيا؟ وإذا
стр. 303
قابل جندي منعزل من جنود الخيالة جنديا آخر من جنود المشاة تآخى الجنديان دون عناء، مع أننا نعرف أن المدن التي تضم ثكنات لكلا السلاحين كثيرا ما تكون ميدانا لمشاحنات ناجمة من هذا الاختلاط حتى تضطر السلطات أحيانا إلى التدخل لحفظ الأمن. بل لسنا في حاجة إلى التمثيل بسلاحين مختلفين قد يفترقان أحيانا في العمل وفي التقاليد وفي الاختيار. فكثيرا ما تشتد المنافسات في داخل فرقة واحدة بين كتيبة وكتيبة أو جماعة وجماعة أو غرفة وغرفة، لا لشيء إلا لاختلافهما في ساعات العمل أو القيادتين أو في رقم "العنبرين", فأتفه الفروق تزكي نار المنافسة. فكأن الناس إذا ما تجمعوا بحثوا عن أتفه الأسباب التي تقدمها لهم الظروف لإثبات تجمعهم بمعارضة غيرهم.
في هذه الحالة لسنا في حاجة إلى الاحتجاج بوجود باعث من الزهو الذي يبعث عليه الشعور بوجود تفوق ما، وإن كانت روح الجماعة تصطحب غالبا برضاء داخلي. إذ إنها تنطوي على شعور بالعزة يدفعها إلى استثارة الآخرين وإذلالهم. ولكن هذه العواطف تنتج من روح الجماعة ولا تخلقها. والذي يقوي من روح الجماعة هو وجود التجمع، وهذا التجمع نفسه ليس فيه شيء شخصي ولا تدخل في حسابه قيمة الأشخاص منفردين. إذ يكفي لأي دخيل أن يحتل مكانا في الجماعة لتعترف له بالحقوق التي للآخرين, وكل ما تفعل به لدى دخوله أن تفرض عليه نوعا من البلاء التأديبي الذي لعله بقية باقية من الرياضة الصوفية القديمة. وأخيرا لا تقوم الجماعة التي من هذا القبيل على نظم شرعية. والرباط الذي يجمع بين أعضائها لا يرجع إلى اتفاق سابق ولا إلى إرادة مقصودة، وإنما ينحصر في الاتفاق في العمل والمصالح والحاجات، وتزداد قوة الجماعة إذا وجدت بحانبها جماعات أخرى تختلف عنها في الأعمال والمصالح والحاجات.
تلعب اللغة دورا ذا أهمية عظمى في الجماعة الاجتماعية مهما كانت ومهما كان مقدار امتدادها. فاللغة أوثق العرى التي تجمع بين أعضاء هذه الجماعة. وهي على الدوام رمز ما بينهم من تشارك وحارسه الأمين. وأية آلة أفعل من اللغة في توطيد وجود الجماعة؟ فاللغة بمرونتها وتنوع حياتها ولطف سريانها واختلاف
стр. 304
استعمالها وسيلة للاتفاق بين الجماعة وعلامة لأعضاء هذه الجماعة، بها يعرف بعضهم بعضا ويهرع بعضهم إلى بعض.
كل عضو في الجماعة يشعر بأنه يتكلم لغة معينة ليست لغة الجماعات المجاورة. فللغة إذن وجود مستقل في الشعور المشترك بين أولئك الذين يتكلمونها جميعا. وهذا التعريف، وهو ذاتي محض في مظهره، يستند إلى كون هذا الشعور بالاشتراك في اللغة يضاف إليه شعور آخر في وجدان المتكلمين بوجود مثل لغوي أعلى يسعى كل منهم من جهته إلى تحقيقه١.
فكأن هناك عقدا ضمنيا أقامته الطبيعة بين أفراد الجماعة الواحدة ليحافظوا على اللغة في الصورة التي توجبها القاعدة. وكثيرا ما ترجع هذه القاعدة إلى الاستعمال، وهذا لا يخلو من الصواب. ولكن الاستعمال غير التحكم، بل هو ضده على خط مستقيم لأن الاستعمال خاضع لمصلحة الجماعة، وهي هنا حاجتها إلى أن تكون مفهومة. فكل فرد يدأب بغريزته وعن غير شعور منه على الوقوف في سبيل ما هو تحكمي حتى لا يدخل في الاستعمال. وإذا وقعت مخالفة من جانب فرد منعزل، أصلحت على الفور، والسخرية اللاذعة كفيلة بإمساك الجاني عن التفكير في المعاودة. ولا يمكن أن تصير للمخالفة قوة القانون إلا إذا كان أعضاء الجماعة كلهم على استعداد لارتكابها، أي أن يشعروا بها على أنها قاعدة، وفي هذه الحالة لا تصبح مخالفة.
والصرامة التي بها تفرض القاعدة نفسها في غاية القوة، يستوي في ذلك كل الجماعات اللغوية وفي كل اللغات. قد نسمع في بعض الأحيان أشخاصا، وأشخاصا مثقفين، يظهرون دهشتهم من أن يكون للغة الفلاح قواعد ونحو. فهم يتخيلون أن القواعد لا توجد إلا في الكتب التي توزع على تلامذة المدارس، وهذا خطأ. لأن الكلام الريفي، أو اللهجات كما يسمونها، فيها قواعد أشد صرامة في غالب الأحيان مما في اللغات التي تتلقن من كتب النحو. وفي اللغات المكتوبة دون
стр. 305
سواها يوجد التردد ونقاش العلماء, وكما يقول هوراس Horace؛ "Grammatici certant". ولكن الذين يتكلمون اللهجات لا يترددون. انظر إلى فلاح يتكلم عن لهجة القرية المجاورة، تجده يكتشف فيها فروقا لا يكاد يحسها الغريب عنها، وتسمعه يؤكد بخيلاء أنه هو وأهل قريته وحدهم هم الذين يتكلمون صحيحا، وأن الصحة تنعدم بمجرد أن تعبر إلى الشاطئ الآخر من النهر أو أن تنتقل إلى سفح الوادي الآخر.
فالطبقات الشعبية على العموم عندها عن لغتها فكرة محددة، ويحسون في إرهاف نادر المثال أقل مخالفة للقاعدة. وقد وجد مالرب Malherbe أدق حس لغوي عند طغام البور أو فوان port-au-foin، حتى كان يتخذهم أساتذة له١.
ونحن نعرف أخبار المغامرة التي وقعت في سوق أثينا ليتوفراست وكان من لسبوس. كان يسأل عن ثمن إحدى السلع، ففطنت امرأة من الشعب إلى أنه غريب على لغتها٢. فالشعب هو الذي يجب أن يستشار عند التردد في حالة من حالات الاستعمال، والمجامع اللغوية هي التي تستطيع أن تناقش وأن تقرع الحجة بالحجة لتعرف ما إذا كانت كلمة "أوتومبيل" automobile مذكرة أم مؤنثة، وكل ذلك من الأمور النظرية. أما من الناحية العملية، فإن الشعب لم يتوان عن الحكم بتأنيث الكلمة. وإذا كانت قد مرت به فترة من التردد، فذلك لأن الجنس لا تبدو آثاره في كثير من الحالات "انظر ص١٣١". ومعنى ذلك أن الكلمة لا جنس لها في بعض استعمالاتها، ولكن الشعب جدد جنسها في كل ما يحس فيها وجود الجنس مثل: une belle, une grande automobile
أو "سيارة جميلة، سيارة كبيرة" l'automobile est vetre ou grise
"السيارة خضراء أو رمادية".
فهذا التوخي للسلامة وتلك الثقة في تثبيت الاستعمال هما اللذان يقرران اللغة في مجموعة بعينها من البشر. ومع ذلك فلو بحثنا عن تحقيق كامل للغة لم نجده في
стр. 306
أي مكان١. فكثير من الناس يتكلمون الفرنسية. ولكن لا يوجد شخص واحد يتكلم الفرنسية ويصلح أن يكون مثالا ومقياسا للآخرين، فما نسميه الفرنسية لا يوجد في لغة الكلام عند أي كائن إنساني. لذلك كان من اللغو أن نتساءل في أي مكان تتكلم الفرنسية في أسمى صورها. فالفرنسية الحسنى "فكرة" بالمعنى الذي يستعمل فيه لبرويير la Bruyere هذه الكلمة أي أنها خرافة، مثلها مثل حكيم الرواقيين الذي كان كاملا جميلا طيبا سليم العقل والجسم. إلا إذا انتابته نوبات البلغم. كذلك فرنسيتنا الحسنى نراها تحت رحمة زلة من زلات الذاكرة أو لحن أو خطأ. فهي مثل أعلى يبحث عنه ولا يمكن العثور عليه، إنها قوة فعالة لا يستطاع تحديدها إلا بالهدف الذي تتجه نحوه، هي حقيقة بالقوة لا تخرج إطلاقا إلى حيز الفعل، وصيرورة لا تصل أبدا إلى الاستقرار.
يمكننا أن نلخص ما تقدم بأن اللغة هي الصورة اللغوية المثالية التي تفرض نفسها على جميع الأفراد في مجموعة واحدة.
لكن يبقى علينا في هذه الحالة أن نعرف المجموعة. والواقع أن الفصول التالية في جملتها مخصصة لهذا الموضوع، لأن خصائص اللغة تتوقف على طبيعة المجموعة وعلى مقدار امتدادها. إذ يوجد في فرنسا إلى جانب اللغة الأدبية التي تكتب في كل مكان والتي يزعم المثقفون بأنهم يحققونها في كلامهم. مجموعة من اللهجات مثل الفرنش كنتيه والليموزنيه اللتين تنقسمان بدورهما إلى لهجات محلية عديدة. وهذه لغات أخرى يقابلها عدد مساو لها من التجمعات. هذا إلى أنه يوجد داخل مدينة واحدة كباريس، عدد من اللغات المختلفة تسير كلها جنبا إلى جنب. فلغة الصالونات مثلا ليست لغة الثكنات، ولغة الأعيان ليست لغة العمال، وهناك رطانة المحاكم والعامية الخاصة التي تتكلم في حواشي المدنية. وهذه اللغات يختلف بعضها عن بعض إلى حد أنه قد يعرف الإنسان إحداها دون أن يفهم الأخرى.
تنوع اللغات يرجع إلى تعقد الروابط الاجتماعية. ولما كان من النادر أن
стр. 307
يعيش فرد محصورا في مجموعة اجتماعية واحدة، كان من النادر أيضا أن تبقي إحدى اللغات دون أن تنفذ إلى مجموعات مختلفة. إذ يحمل كل فرد معه لغة مجموعته ويؤثر بلغته على لغة المجموعة المجاورة التي يدخل فيها.
لا تتكلم أسرتان متجاورتان لغة واحدة إطلاقا. ولكن هذا الخلاف اللغوي الذي يفرق بينهما حاليا طفيف لا يكاد يحس حتى ولو كان يحمل في طياته جراثيم انفصال في المستقبل، لذلك كان لنا الحق في ألا ندخله في حسابنا في حالته الراهنة.
هذا إلى أن اللغة التي تتفاهم بها الأسرتان فيما بينهما تصير إلى الوحدة حتما، إذ إن الروابط المتبادلة تعمل منذ اليوم الأول على إضعاف الفروق بينهما وتكوين نواة مشتركة. ولنتخيل أخوين يعيشان معا ولكنهما لا يمارسان مهنة واحدة. فكل منهما يحتك في مصنعه بمجموعات مختلفة ويأخذ عنهم اللغة بالضرورة مع عادات. التفكير والأعمال وآلات المهنة. وبذلك ينشأ في كل يوم بين الأخوين اختلاف لغوي يؤدي بهما -إذا لم يريا أحدهما الآخر زمنا طويلا- إلى التحقق من أنهما يتكلمان لغتين مختلفتين، ولكن هذا الاختلاف يزول كل مساء بفضل عودة الصلة بينهما من جديد. وعلى هذا النحو يجدان نفسيهما خاضعين لتيارين متعارضين يتبادلان التأثير عليهما ولا يفصل أحدهما عن الآخر إلا بضع ساعات ويجدان أن اللغة التي يتفاهمان بها في حاجة دائمة إلى التطهير من عناصر التفرقة التي تفد عليها من الخارج.
هذا مثل طيب لصراع التوازن الذي هو قانون تطور اللغات جميعا. فهذان ميلان متعارضان يوجهان اللغة في طريقين متباينين١. وأحد هذين الميلين يتجه نحو التفريق. فتطور اللغة على نحو ما أجملناه في الفصول السابقة يؤدي إلى انفصالات تزداد مع الزمن تعددا, وتكون النتيجة تفتت اللغة تفتتا يزداد بازدياد استعمالها، إذ تضطرها إلى هذا التفتت مجاميع الأفراد التي تترك وشأنها دون احتكاك بينها. غير أن هذا التفريق لا يصل إطلاقا إلى تمامه، لأن سببا حيويا.
стр. 308
يوقفه في الطريق، إذ أنه بإمعانه التدريجي في الحد من امتداد المجموعات التي تستخدم اللغة وسيلة للتفاهم بينها، ينتهي بحرمان اللغة من قيمتها الجوهرية، فتحطم اللغة نفسها وتصير غير قادرة على إيصال الناس بعضهم ببعض. لذلك يقوم ميل آخر يعمل دواما على مناهضة التفريق، وهو الميل إلى التوحيد الذي يعيد التوازن. ومن صراع هذين الميلين تنتج أنواع اللغات المختلفة، من لهجات ولغات خاصة ولغات مشتركة، تلك التي ستكون موضوع دراستنا منذ الآن.
стр. 309
الفصل الثاني: اللهجات واللغات الخاصة ١:
يمكننا دائما أن نحدد لغة ما من الوجهة المكانية بمقابلتها بلغات من فصيلة مختلفة. فنحن نعرف حدود الفرنسية في الأماكن التي ترتطم فيها بالألمانية أو بالبسكية أو بالبريتانية، هذه الحدود يمكن رسمها ما بين قرية وقرية، بل في داخل القرية نفسها، كثيرا ما يفصل بين اللغتين واد من الوديان أو جدول ماء أو مجرد شارع. فيمكننا إذن أن نتكلم عن لغة فرنسية أو ألمانية أو إيطالية أو مجرية أو صربية. كل هذه اللغات يتعارض بعضها مع بعض وتجدد بعضها بعضا على وجه الدقة.
ولكنا نعاني بعض الصعوبة إذا حاولنا أن نرسم حدودا بين الفرنسية والبروفنسالية أو بين الألمانية العليا والألمانية السفلى أو بين الصربية والبلغارية. لأننا هنا لم نعد أمام لغتين من أصلين مختلفين وصلت بينهما مكانيا مصادفات التاريخ، بل أمام لغات منبعثة من أصل واحد وقد فرقت بينها ظروف تاريخية. فالانتقال بين إحداهما والأخرى انتقال غير محسوس، وليس هناك معارض جسيمة
стр. 310
بين لغتين وضعت إحداهما في مواجهة الأخرى، وزودت كل منهما بوسائل للتعبير مختلفة. والصعوبة تعظم وتعظم إذا أردناأن نضع حدودا بين اللهجات التي في داخل مجال لغوي واحد.
أصبح اليوم من المقرر أن الخصائص اللغوية لا ينسجم بعضها مع بعض من حيث التوزيع، وبعبارة اخرى، أن الخطوط التي تفصل بين خاصية وأخرى، ليست هي نفس الخطوط التي تفصل بين خاصيتين أخريين.
ويكفينا للتحقق مما نقول أن نرجع إلى إحدى الخرائط اللغوية لاستيضاحها. فأطلس فرنسا اللغوي١ يعطينا عن كل حالة بعينها حدودا مختلفة. ولنتخيل عددا من القرى، عشر قرى مثلا، مفرقة في إحدى المقاطعات الفرنسية في رقعة تتكون من بضعة أميال مربعة. فنرى أن سكان هذه القرى يتكلمون لغة واحدة، بمعنى أن لهجتهم تمثل مظهرا خاصا من اللغة الفرنسية، وقد نتجت تاريخيا، من تطور مستقل لنفس اللغة في مجال متصل. ولكنا نجد فروقا ذات بال بين قرية وأخرى، حتى ليمكننا أن نميز لهجةكل قرية منها بوصف مخالف لغيرها٢ من حيث الصوتيات ومن حيث النحو ومن حيث المفردات. ومن النادر جدا ألا تمتد إلى حد ما خصائص إحدى هذه القرى إلى القرى المجاورة. ولكن الحدود الجغرافية لكل واحدة من هذه الخصائص على حدتها، لا تكاد تتفق إطلاقا مع الحدود الجغرافية لأي خاصية أخرى تؤخذ على حدة أيضا. فنجد مثلا بين هذه القرى خمسا أو ستا تنطق "a" "فتحة" حيث تنطق القرى الأخرى "e" "فتحة ممالة"، ثم نجد خمس قرى أو ستا تنطق o "ضمة مفتوحة" حيث تنظق القرى الأخرى u "ضمة صريحة". ولكن الخط الذي يفصل بين أولئك الذين ينطقون a والذين ينطقون e ليس هو الخط الذي يفصل بين من ينطقون o وبين من ينطقون u؛ فالقرى التي تمارس التغيير ليست واحدة، ومعنى ذلك أن التوزيع يختلف.
стр. 311
يوجد مثلا في مقاطعة اللاند١ Landes بالنسبة لنطق كلمة joug "نير" أربع مناطق غير متساوية تماما، وموزعة على هذا النحو:
والتقسيم يقوم أولا على نطق "j" "جـ" بدلا من y "ي" التي في أول الكلمة وثانيا على نطق iw بدلا من u. ومناطق هذا الظواهر الصوتية لا تساير بعضها بعضا. ولكنها لا تساير ظاهرة أخرى صوتية مثل ظاهرة تبادل d "د" و z "ز" التي تشطر المنطقة إلى شطرين متقاربين٢: laide laize ولا تساير ظاهرة صرفية مثل ظاهرة الاقتصار على واحد من الزمنين الماضيين دون الآخر. إما الماضي البسيط "il ecrasa" وإما الماضي المركب "Il a ecrase", تلك الظاهرة التي يكون حدها الفاصل خطا متعرجا يقطع المقاطعة بصورة غريبة٣.
وإذا درسنا مفردات المقاطعة نفسها، وجدنا لاسم المستنقع "etang" أربع كلمات مختلفة "Gourgue, pesque, clote, estan" ٤، وثلاثا لاسم الغراب "croque, corbe, courbas" ٥" ومناطق اسم الغراب لا تساير مناطق اسم المستنقع. وإذن فتوزيع حالات المفردات فيها نفس الشذوذ الذي في توزيع الحالات الصوتية أو الصرفية.
كانت نتيجة هذه الحال أن كثيرا من علماء اللغة ذهبوا إلى أن اللهجات لا وجود لها فعند هؤلاء العلماء أن الحالة اللغوية التي تنتج من تطور اللغة لا يمكن أن تتصور إلا في مظهرين: مظهر اللغة، تلك الوحدة الشاسعة التي تئول إليها
стр. 312
صور التكلم المحلية جميعها، ومظهر صور التكلم المحلية التي إليها تتفتت اللغة. هذا بصفة عامة رأي علماء اللغات الرومانية الذي قام بعرضه في صورة فائقة جاستون باريس وبول ميير منذزمن. يقول الأول: "لا يوجد أي حد حقيقي يفصل بين فرنسي الشمالي وفرنسي الجنوب، فصور التكلم الشعبية عندنا تمتد على أرض الوطن من طرف إلى آخر كأنها بساط نضحت ألوانه المتنوعة في كل نقطة منه بعضها على بعض وأصبحت درجات لا يكاد يتميز بعضها من بعض"١.
هذا أيضا هو الرأي الذي تصير إليه "نظرية الأمواج" wellentheorie ليوهان شمت johann schmidt٢. فهو يقرر أن كل ظاهرة لغوية تمتد على سطح القطر امتداد الأمواج، وأن كل موجة في تقدمها التدريجي غير المحسوس ليس لها حد معين. ويستند في نظريته على دراسة اللغات الهندية الأوربية حيث الخطوط التي تفصل بين كل خاصية لغوية وأخرى لا تنطبق على الخطوط التي تفصل بين خاصيتين لغويتين أخريين، وذلك كما هي الحال في اللغات الرومانية: ولكن الأستاذ مييه قد دافع بحق عن اللهجات الهندية الأوربية٢. فأبان أنه يمكننا أن نقوم بتقسيم لهجي، حتى في زمن الهندية الأوربية. وهذا التقسيم يقوم على المبدأ القائل بأن من حقنا أن نتكلم عن وجود لهجات كلما رأينا عددا كبيرا من الخطوط التي تفصل بين الخصائص، ينطبق بعضها عن بعض ولو بشكل تقربي. فهناك لهجة محددة في كل منطقة يلاحظ فيها وجود خصائص مشتركة. وحتى عندما لا يمكن رسم خطوط دقيقة للفصل بين منطقتين متجاورتين فإنه يبقى أن كلا منهما تتميز في مجموعها ببعض السمات العامة التي لا توجد في الأخرى. فالبروفنسالية والفرنسية ليستا في حقيقة الأمر إلا لهجتين من لغة واحدة. وإذا لم يكن في وسعنا أن نرسم على الخريطة خطا محددا يبين أين تنتهي الفرنسية وتبدأ البروفنسالية، فإن كلا من اللهجتين في مجموعها قد اشتملت على خصائص عديدة واضحة إلى حد يجعلنا في مأمن من الخلط بينهما.
стр. 313
يمكننا أن نوجد في داخل المجال الفرنسي نفسه تقسيما لهجيا باختيار بعض السمات الخاصة التي تكفي لتمييز اللهجة. فالفرنسية البيكاردية تمتاز عن فرنسية الإبل دي فرانس باحتفاظها بالـC الانفجارية "ك" التي صارت صوتا صفيريا "ش" في المجال الفرنسي. فتقول البيكاردية kar, kamp, keval بدلا من cher champ, cheval. نعم إن هذا المقياس النافذ في التمييز بين البيكاردية والفرنسية ليس صالحا كما أبان بول ميير، للتمييز بين البيكاردية وبين جارتها الشمالية أعني الفرنسية البلجيكية "الولونية wallon" أو بينها وبين الترمندية جارتها الغريبة ولكن يوجد بين البيكاردية والفرنسية البلجيكية أو النرمندية خصائص أخرى مميزة تمكننا من وضع حدود إجمالية بين هذه اللهجات.
لذلك لا يقع المتكلمون في الخطأ. فالتقسيم اللهجي يرجع إلى إحساس حقيقي لدى سكان الإقليم الواحد، إحساس بأنهم يتكلمون بصورة ما ليست هي الصورة التي يسير عليها سكان الإقليم المجاور. والبيكارديون القدماء كانوا يشعرون بأن فرنسيتهم البيكاردية لهجة تختلف عن فرنسية الإيل دي فرانس بقدر ما تختلف النرمندية عن الولونية "الفرنسية البلجيكية". وذلك لأن البيكاردية في مجموعها بالرغم من اختلاف صورها في المجال الواسع الذي تتكلم فيه، فيها سمات مميزة غالبة تميزها في أذهان الذين يتكلمونها بالنسبة للهجات المجاورة. وهذا يفسر لنا وجود مؤلفات أدبية مكتوبة بالبيكاردية١.
أغلب الظن أن اللغات الأدبية التي تعتمد على إحدى اللهجات أي التي تقوم على أساس لهجي لا تمثل، كما سنرى فيما بعد "ص٣٤٢"، تمثيلا صادقا صورة التكلم لأي بلدة من بلدان المنطقة. وهذا يصدق على فرنسا في العصور الوسطى كما يصدق على بلاد الإغريق القديمة. ولكن لا ينبغي أن نستنتج من ذلك عدم وجود اللهجة. بل إنها توجد بقدر ما توجد اللغة المشتركة فلها نوع من الوجود المثالي. ففي الفرنسية لا يكتب سان ألكس Saint Alexis في نفس اللهجة التي يكتب فيها سان ليجيه Saint leger أو ال كانتيلين دي سانت أولالي la la Cantilene de Saint Eulalie.
стр. 314
وفي بلاد الإغريق كانت لهجة الملحمة غير لهجة القصيدة الغنائية، وفي الدرامة كانت تستعمل لهجتان مختلفتان، واحدة للحوار والأخرى للغناء الجماعي. فأساس هذه اللهجات من حيث الأصل لغة أحد الأقاليم الإغريقية سواء أكان ذلك الإقليم في الجزر أم في القارة، وسواء أكانت هذه اللغة واسعة الانتشار أم محصورته. وكان في كل منهما من السمات الخاصة المميزة ما يكفي لتسميتها لهجة. ولكن استعمال الشعراء لها صيرها لغات أدبية، واللغات الأدبية التي من هذا النوع لا تختلف عن اللغات الخاصة إلا قليلا.
بعد أن عرفنا اللهجة على هذا النحو يجدر بنا، قبل أن ندرسها في صلاتها باللغة المشتركة، أن نقول كلمة عن اللغات الخاصة. واللغات الخاصة نتيجة للانفصال الاجتماعي، مثلها في ذلك مثل اللهجات ولكن من وجهة نظر أخرى.
نعنى باللغة الخاصة تلك اللغة التي لا يستعملها إلا جماعات من الأفراد وجدوا في ظروف خاصة. ومثال ذلك حالة "المحضر" أو حالة القاضي. فهذان الموظفان يستعملان في تسبيب حيثياتهما أو في تحريرها لغة بعيدة جدا عن اللغة الجارية، هي اللغة القانونية. ولدينا مثال آخر في لغة الطقوس الدينية: فكثيرا ما يستخدم المؤمن في خطابه لله لغة خاصة، كالكاثوليك إذ يستعملون اللغة اللاتينية. فيجب أن نسلك اللغات الدينية بين اللغات الخاصة. وأخيرا أنواع الأرجو les argots "اللغات العامية الخاصة" كلها لغات خاصة, فطلبة المدارس والصناع والأشقياء يستعملون فيما بينهم لغة متفقا عليها. ومن اللغات الخاصة أيضا تلك اللغات التي تتميز من اللغة الجارية ويستخدما عدد محصور من الأفراد للتفاهم الذي فيه شيء من السرية وكل هذه اللغات تشترك في كونها خاصة بالنسبة للغة مشتركة بعينها، وباختبار تكونها يتضح لنا أنها تنشأ جميعا عن ميل واحد، وهو ترويض اللغة على مشاغل المجموعة التي تستعملها.
تعتبر بعض هذه اللغات الخاصة لغات مختلفة عن اللغة العادية. ومنها اللاتينية التي ظل العلماء زمنا طويلا يستخدمونها في علاقاتهم الدولية فهم قد اختاروا
стр. 315
لغة ميتة للتفاهم مع غيرهم من العلماء، وفعل قسيسونا مثلهم في مخاطبة الله. وظلت اللغة السنسكريتية في الهند لغة البنديتيين، أي لغة المثقفين. ويمكننا أن نعد من لغات العبادة التي تختلف عن اللغة الحية اللغات الإغريقية والسلافية القديمة والأرمينية، أو القبطية التي ظلت اللغة الدينية لقوم يتكلمون في شئونهم العادية اللغة العربية، وهي لغة من أسرة أخرى. وهذا يفسر ببواعث خاصة, بالحاجة إلى إمكان التفاهم مع أناس من أقطار مختلفة في حالة اتخاذ اللاتينية لغة للعماء، أو باتباع التقاليد وأكثر من ذلك بالحاجة إلى تمييز القدسي من الدنيوي، وذلك كما في حالة اللغات الدينية "انظر ص٣٢١".
وعلى الجملة فإن اللغات الخاصة تقوم على الرصيد المشترك للغة حية ... ولكن بعضها لغات ميتة موت اللاتينية، ومن ذلك لغة المحاكم. فكل مصطلح فيها اتخذ له دلالة نهائية، على رجال المحاكم أن يحفظوها وأن يتبوعها دون أن يغيروا شيئا منها. فهي ليست في نهاية الأمر إلا لغة فنية كلغة الأطباء عندما يحررون نشرة طبية وعلى العموم، كلغة العلماء من كل نوع عندما يعالجون مادة علمهم. واللغات الفنية تدين بوجودها إلى الحاجة للدلالة على أشياء أو أفكار لا أسماء لها في الاستعمال الجاري، ولكنها أيضا ترجع إلى الحاجة للدلالة "بصورة علمية" أي بمصطلح دقيق يرفع كل لبس، على أشياء مما تعبر عنه اللغة العادية تعبيرا جيدا. لذلك نراها أحيانا تخترع كلمات خاصة وأحيانا تستعمل كلمات اللغات العادية في معنى خاص، كما يفعل علماء الطبيعة حين يتكلمون عن "الكتلة" أو "السرعة" أو "القوة" وبهذا تنجو اللغات الفنية نحو اللغات العامية الخاصة١.
صارت كلمة "عامية خاصة" "argot" في الأيام الأخيرة مصطلحا غامضا. والواقع أنها ليست إلا اسما آخر للغة الخاصة. ويوجد من العاميات الخاصة بقدر ما يوجد من جماعات متخصصة. والعامية الخاصة تتميز بتنوعها الذي لا يحد، وأنها في تغير دائم تبعا للظروف والأمكنة. فكل جماعة خاصة وكل هيئة من
стр. 316
أرباب المهن لها عاميتها الخاصة. فهناك عامية التلامذة الخاصة، وهي غير واحدة في كل المدارس بل وتختلف أحيانا باختلاف الفصول في المدرسة الواحدة، وهناك عامية الثكنات الخاصة التي تختلف باختلاف الأسلحة بل وباختلاف الثكنات أيضا، وهناك عامية الخياطات الخاصة وعامية الغسالات وعامية عمال المناجم وعامية البحارين.
وأخيرا هناك عامية الأشقياء الخاصة. وهذه هي التي أطلق عليها كلمة "عامية خاصة" "Argot" لأول مرة. فقد كان يوجد عندنا حتى بداية القرن التاسع عشر هيئة منظمة حقة للأشقياء وكانت لها لغتها الخاصة المتفق عليها والتي كان يعمل كل عضو من أعضاء الهيئة على المحافظة عليها. هذه هي العامية الخاصة "argot" ومن قبل كانت تسمى jargon لأن الكلمتين كانتا في الأصل بمعنى واحد. وتسمى بالإنجليزية cant وبالألمانية Rotwelsch أو Gaunersprache وبالإيطالية Furbesche وبالإسبانية germania وبالبرتغالية calao وبالرومانية smechereasca، إلخ. والذين يدرسون اللغة الخاصة ما زالوا يتخذون لغة الأشقياء أساسا لدراستهم، ولكنها أرض لا يوجد أقل منها تحديدا. وذلك لأن الأشقياء لا يكونون الآن جماعة مغلقة يستطيع أعضاؤها أن يفرضوا على أنفسهم وحدة لغوية تامة. فالذين يتكلمون العامية الخاصة الآن ينتسبون إلى جميع الآفاق الاجتماعية. وما يسمى عالم الأشقياء يشتمل على ممثلين لكل الأقاليم وكل الطبقات وكل الأوساط. وإذا اجتمع المجرمون، اجتمعوا في وحدات منعزلة لحاجات عابرة، لا يعترفون برئيس يستطيع، كما استطاع ملك تون roi de Thunes أو كوسر الكبير grand cosere أن يفرض عليهم إرادته. وليس يميزهم أي شيء خارجي، بل يختلطون بحياة الجميع، بالرغم من أنهم يعيشون على هامش المجتمع الشرعي. فكيف يوجد في هذه الظروف لغة للمجرمين محددة تحديدا دقيقا؟
تنحصر خصائص العامية الخاصة في اختلاف مفرداتها بوجه خاص. والواقع أنها تنشأ من تخصص اللغة المشتركة، ولما كانت لا توجد إلا بمعارضتها لهذه اللغة المشتركة، وجب أن تحس الصلة بين اللغة العامة والعامية الخاصة بصفة
стр. 317
دائمة ما دامت العامية الخاصة مستعملة والتشويه الصوتي أو الصرفي مهما قل ينتج عنه قطع الرباط الذي يصل العامية الخاصة باللغة المشتركة التي خرجت منها.
هذا إلى أن الصرف والأصوات يكونان نظامين لا يستطاع مسهما بشيء دون تغييرهما من أساسهما. فلا عدوان للعامية الخاصة عليهما. طبعا قد يقع للعامية الخاصة أن تتبع بعض عادات في النطق تساعد على تمييزها. فالعامية الخاصة المستعملة في الأطراف الباريسية تحتوي على بعض الخصائص الصوتية التي تكفي للتعريف بطبقة المتكلم الاجتماعية. ولكنا هنا أمام حقيقتين مختلفتين يجب علينا أن نميز بينهما, إذ أن النطق الطبيعي في الأحياء الباريسية المتطرفة ليس هو النطق الفرنسي المعتاد. فالأطراف لها أصوات خاصة لا علاقة لها بالمفردات. وقد نسمع بعض العمال يتكلمون فرنسية لا شائبة فيها بتنغيمات أهل الأطراف، وأناسا من علية القوم يتكلمون كلمات من العامية الخاصة مع نطق لا يعلو عليه نطق. فإذا اجتمع نطق الأطراف ومفردات العامية الخاصة في متكلم واحد، فمعنى ذلك اجتماع نوعين مستقلين من الخصائص بطريق الاتفاق.
يمكننا إذن أن نحصر الفوارق التي تميز العامية الخاصة في المفردات. ولكن يبقى علينا أن نبين كيف تنشأ تلك الفروق بين المفردات. فايسر الوسائل أن تستعمل كلمات اللغة الجارية استعمالا خاصا. وقد قلنا سابقا إن الكلمات العامة التي مثل Travail "عمل" و ouvrage "مشغل، عمل، صنعة، تصنيف ... إلخ".
و operatiou "عملية" تتخذ بالضرورة معنى خاصا في أفواه الذين يستعملونها وفقا لنوع المهنة التي تستخدمها فيها هذه الالفاظ. فظاهرة التخصص المعنوي ذلك هي أساس العامية الخاصة "انظر ص٢٥٦".
الاستعمال الاستعاري من الوسائل المحببة إلى العامية الخاصة، وكذلك استعمال اسم العلم في وظيفة الاسم المشترك. وهاتان الخطتان معروفتان في اللغة الجارية "انظر ص٢٨٧"، فهما لا يميزان العامية الخاصة من اللغة الجارية في شيء ولكن طريقة تطبيقهما قد تسمح بشيء من التمييز؛ فالواقع أن الاستعارة والنقل يستعملان في العامية الخاصة بتواتر خاص، إذ أن الاستعارات فيها تبلى بسرعة
стр. 318
وتحتاج إلى كثيرة التجديد، حيث أن الغرض من استعمالها هو توسيع شقة الخلاف التي تفصل بين العامية الخاصة واللغة المشتركة والمحافظة على بقاء هذا الخلاف، فلا يدهشنا إذن أن تستهلك العامية الخاصة من الاستعارات أكثر مما تستهلك أية لغة أخرى. كذلك كثيرا ما تكون هذه المبتكرات شعورية وعرضية. وهنا نلمس عن كتب أكثر الخواص تمييزا للعامية الخاصة عن اللغة الجارية. إذ أن العامية الخاصة مع كونها لغة طبيعية من حيث مبدؤها ومن حيث تكوينها فإنها تقارب اللغات الاصطناعية وتتزود من المبتكرات الفردية. فتفوق عضو من الجماعة يفرض على الآخرين تسمية ناجمة من ظروف خاصة في حياة الجماعة، وهكذا يشاطر الهوى الفردي في خلق كلمات جديدة.
وهذا كله غير كاف. فوسائل اللغة العادية لا تكفي، مهما شد من أزرها فعل الأفراد الخاص، لتزويد العامية الخاصة بذلك التيار الدائم من الكلمات التي تحتاج إليها. وهنا تتدخل المفردات الأجنبية بمد يد المساعدة. ويجب أن نفهم كلمة أجنبية هنا بمعناها الواسع الذي يشمل كل ما ليس من اللغة المشتركة التي ترتكز عليها العامية الخاصة. وهكذا تستطيع المساهمة في تكوين العامية الخاصة وتجديدها صور التكلم المحلية المنتشرة في جميع أرجاء القطر، وكذلك اللهجات ولهجات اللهجات التي تعتبر بدورها لغات مشتركة صغيرة خاضعة للغة القطر العامية، بل واللغات الأجنبية التي تتكلمها الأقطار المجاورة. "فعامية ألمانيا الخاصة" ROTWELSCH مثلا ملأى بالكلمات اليهودية الألمانية والجرمانيا GERMANIA "في أسبانيا" فيها عناصر غجرية هامة جدا، والـSMECHEREASCA تضيف إلى أساسها الروماني عناصر مجرية وروسية ويهودية ألمانية وغجرية، ونقابل هنا وهناك في الـcant كلمات إرلندية، مثل twig "الفهم" من "الإرلندية twigin "أفهم"". وفي العامية الخاصة بمدرسة البوليتكنيك توجد كلمة ألمانية هي Schiksal "مصادفة، قدر"١. والعامية الخاصة الفرنسية على وجه العموم تحتوي على كلمات أجنبية قليلة العدد "عربية، غجرية، يهودية ألمانية"؛
стр. 319
أما أساسها فمستعار من عناصر أهلية، ولكن اللهجات الإقليمية ممثلة فيها بأكثر من الفرنسية المشتركة١.
يترتب على هذا التنوع في تكوين العامية الخاصة، أننا نجد فيها كثيرا من الكلمات الحوشية، إذ الواقع انه إذا دخلت كلمة في العامية الخاصة بواسطة التخصص المعنوي أو مجرد الاقتباس، حافظت التقاليد في غالب الأحيان على بقائها فيها حتى بعد انقراضها من اللغة الجارية. وقد يدهش الإنسان مثلا حين يعلم أن الكلمة الألمانية القديمة lutt "صغير" تستعمل في عامية الألمانية الخاصة بدلا من كلمة "klein" أو أن الفعل occire "يقتل" الذي اختفى من الاستعمال منذ قرون ما يزال يستعمل في العامية الخاصة الفرنسية بدلا من الفعل tuer. وهذه حوشية. ومثل هذه الحالات لا تكون في كثير من الأحيان حوشية إلا في مظهرها فحسب إذ هي في حقيقة الأمر مستعارة حديثا في نصوص أدبية، ومن العسير في بعض الأحيان أن نميز بين الخطتين.
والأخذ عن الكتب أمر فردي في غالب الأحيان، وهو إحدى الوسائل الاصطناعية التي تدخل في تكوين العامية الخاصة. وهذه الوسائل على درجة كافية من التنوع. وتنحصر مثلا في تشويه مظهر الكلمات الخارجي. وهكذا يستعيضون عن لاحقة من لواحق اللغة الجارية بلاحقة خاصة بالعامية، وذلك كقول العامية الخاصة الفرنسية epismar بدلا من epicier "بدال" و auverpin بدلا من Auvergant بدلا من Aurergnat "أو فرني" وكقول الألمانية في عاميتها الخاصة kofmich بدلا من kaufmann "تاجر". وبعض التشويهات الأخرى ليست إلا توسعا في التغيرات الصوتية المطردة. وإن الأسباب المذكورة في صفحة ٨٩ لتفسير المبالغة في العوارض الصوتية لتجد مجالا خصبا في العامية الخاصة. ففيها يستطيع المتكلم بوجه خاص أن يسمح لنفسه بنطق الكلمات في صورة مختزلة. لأنه يخاطب عددا محصورا من المتكلمين، كلها ممهد الذهن لفهمه،
стр. 320
وكلهم متفاهم معه مقسما. ومن ثم يجيء هذا العدد الضخم من حالات الحذف والإسقاط والتبسيط وحذف النهايات، هذه العوارض الصوتية التي تجعل العامية الخاصة لا يفهمها إلا العارفون. ومن جهة أخرى تجد ظواهر التشابه والتخالف والنقل المكاني في العامية الخاصة المتكلمة ميدانا خصيبا لا يعترض انتشارها أية عقبة من القواعد. وأخيرا نعثر في العامية الخاصة على تشويهات مصطنعة غير مرتبطة بظروف اللغة الطبيعية, ومثال ذلك le javanais, le loucherbeme الجافانية. ففي الحالة الأولى ينقل الحرف الأول منها إلى آخرها ويستعاض عنه بحرف ل "l" ثم يضاف إلى الكلمة بعد هذا التشوية لاحقة من اللواحق العامية الخاصة؛ وفي الحالة الثانية يقحم مقطع ما في داخل الكلمة "ar أو oc أو al أو am إلخ"، ولكن الغالب أن يكون المقطع المقحم av أو va ولعل هذا هو أصل الاسم الجافانية "javanais".
اللوشيربيم le loucherbeme حديثة العهد نوعا لأنها ترجع إلى بداية القرن التاسع عشر على الأكثر، أما الجافانية المستعملة بين طغام باريس فيظهر أنها أقدم منها عهدا، ولكن الطريقة التي تنبني عليها هاتان العاميتان الخاصتان أقدم منهما بكثير، إذ لا بد أنها قد استخدمت في كل زمن وفي كل مكان احتاج فيه قوم إلى تغيير لغتهم. ويوجد في البنجاب اليوم قبيلة من اللصوص خلقت لنفسها لغة إلى تغيير لغتهم ويوجد في البنجاب اليوم قبيلة من الصوص خلقت لنفسها لغة خاصة بإقحام المقطع ma في داخل الكلمة المستعملة في اللغة البنجابية١.
وهي طريقة من أبسط الطرق وفي متناول كل إنسان. فقد رأينا في ص٢٩٣ أن خلق كلمات جديدة أمر في غاية العسر. فإذا لم يكن لدى القائمين بهذا الأمر منبع من المفردات المجاورة ينهلون منه ما شاءوا من كلمات جديدة، أمكنهم أن يعدلوا الكلمات الموجودة بالفعل تبعا لقاعدة مطردة. وهذه الطريقة التشويهية مستعملة في عدد كبير من العاميات الخاصة. فتلاميذ المدارس كثيرا ما يستعملون الجافانية، وقد شوهد استخدام هذه الطريقة في بعض المؤسسات التعليمية بالأقطار الجرمانية والسلافية.