أرباب المهن لها عاميتها الخاصة. فهناك عامية التلامذة الخاصة، وهي غير واحدة في كل المدارس بل وتختلف أحيانا باختلاف الفصول في المدرسة الواحدة، وهناك عامية الثكنات الخاصة التي تختلف باختلاف الأسلحة بل وباختلاف الثكنات أيضا، وهناك عامية الخياطات الخاصة وعامية الغسالات وعامية عمال المناجم وعامية البحارين.
وأخيرا هناك عامية الأشقياء الخاصة. وهذه هي التي أطلق عليها كلمة "عامية خاصة" "Argot" لأول مرة. فقد كان يوجد عندنا حتى بداية القرن التاسع عشر هيئة منظمة حقة للأشقياء وكانت لها لغتها الخاصة المتفق عليها والتي كان يعمل كل عضو من أعضاء الهيئة على المحافظة عليها. هذه هي العامية الخاصة "argot" ومن قبل كانت تسمى jargon لأن الكلمتين كانتا في الأصل بمعنى واحد. وتسمى بالإنجليزية cant وبالألمانية Rotwelsch أو Gaunersprache وبالإيطالية Furbesche وبالإسبانية germania وبالبرتغالية calao وبالرومانية smechereasca، إلخ. والذين يدرسون اللغة الخاصة ما زالوا يتخذون لغة الأشقياء أساسا لدراستهم، ولكنها أرض لا يوجد أقل منها تحديدا. وذلك لأن الأشقياء لا يكونون الآن جماعة مغلقة يستطيع أعضاؤها أن يفرضوا على أنفسهم وحدة لغوية تامة. فالذين يتكلمون العامية الخاصة الآن ينتسبون إلى جميع الآفاق الاجتماعية. وما يسمى عالم الأشقياء يشتمل على ممثلين لكل الأقاليم وكل الطبقات وكل الأوساط. وإذا اجتمع المجرمون، اجتمعوا في وحدات منعزلة لحاجات عابرة، لا يعترفون برئيس يستطيع، كما استطاع ملك تون roi de Thunes أو كوسر الكبير grand cosere أن يفرض عليهم إرادته. وليس يميزهم أي شيء خارجي، بل يختلطون بحياة الجميع، بالرغم من أنهم يعيشون على هامش المجتمع الشرعي. فكيف يوجد في هذه الظروف لغة للمجرمين محددة تحديدا دقيقا؟
تنحصر خصائص العامية الخاصة في اختلاف مفرداتها بوجه خاص. والواقع أنها تنشأ من تخصص اللغة المشتركة، ولما كانت لا توجد إلا بمعارضتها لهذه اللغة المشتركة، وجب أن تحس الصلة بين اللغة العامة والعامية الخاصة بصفة
стр. 317
دائمة ما دامت العامية الخاصة مستعملة والتشويه الصوتي أو الصرفي مهما قل ينتج عنه قطع الرباط الذي يصل العامية الخاصة باللغة المشتركة التي خرجت منها.
هذا إلى أن الصرف والأصوات يكونان نظامين لا يستطاع مسهما بشيء دون تغييرهما من أساسهما. فلا عدوان للعامية الخاصة عليهما. طبعا قد يقع للعامية الخاصة أن تتبع بعض عادات في النطق تساعد على تمييزها. فالعامية الخاصة المستعملة في الأطراف الباريسية تحتوي على بعض الخصائص الصوتية التي تكفي للتعريف بطبقة المتكلم الاجتماعية. ولكنا هنا أمام حقيقتين مختلفتين يجب علينا أن نميز بينهما, إذ أن النطق الطبيعي في الأحياء الباريسية المتطرفة ليس هو النطق الفرنسي المعتاد. فالأطراف لها أصوات خاصة لا علاقة لها بالمفردات. وقد نسمع بعض العمال يتكلمون فرنسية لا شائبة فيها بتنغيمات أهل الأطراف، وأناسا من علية القوم يتكلمون كلمات من العامية الخاصة مع نطق لا يعلو عليه نطق. فإذا اجتمع نطق الأطراف ومفردات العامية الخاصة في متكلم واحد، فمعنى ذلك اجتماع نوعين مستقلين من الخصائص بطريق الاتفاق.
يمكننا إذن أن نحصر الفوارق التي تميز العامية الخاصة في المفردات. ولكن يبقى علينا أن نبين كيف تنشأ تلك الفروق بين المفردات. فايسر الوسائل أن تستعمل كلمات اللغة الجارية استعمالا خاصا. وقد قلنا سابقا إن الكلمات العامة التي مثل Travail "عمل" و ouvrage "مشغل، عمل، صنعة، تصنيف ... إلخ".
و operatiou "عملية" تتخذ بالضرورة معنى خاصا في أفواه الذين يستعملونها وفقا لنوع المهنة التي تستخدمها فيها هذه الالفاظ. فظاهرة التخصص المعنوي ذلك هي أساس العامية الخاصة "انظر ص٢٥٦".
الاستعمال الاستعاري من الوسائل المحببة إلى العامية الخاصة، وكذلك استعمال اسم العلم في وظيفة الاسم المشترك. وهاتان الخطتان معروفتان في اللغة الجارية "انظر ص٢٨٧"، فهما لا يميزان العامية الخاصة من اللغة الجارية في شيء ولكن طريقة تطبيقهما قد تسمح بشيء من التمييز؛ فالواقع أن الاستعارة والنقل يستعملان في العامية الخاصة بتواتر خاص، إذ أن الاستعارات فيها تبلى بسرعة
стр. 318
وتحتاج إلى كثيرة التجديد، حيث أن الغرض من استعمالها هو توسيع شقة الخلاف التي تفصل بين العامية الخاصة واللغة المشتركة والمحافظة على بقاء هذا الخلاف، فلا يدهشنا إذن أن تستهلك العامية الخاصة من الاستعارات أكثر مما تستهلك أية لغة أخرى. كذلك كثيرا ما تكون هذه المبتكرات شعورية وعرضية. وهنا نلمس عن كتب أكثر الخواص تمييزا للعامية الخاصة عن اللغة الجارية. إذ أن العامية الخاصة مع كونها لغة طبيعية من حيث مبدؤها ومن حيث تكوينها فإنها تقارب اللغات الاصطناعية وتتزود من المبتكرات الفردية. فتفوق عضو من الجماعة يفرض على الآخرين تسمية ناجمة من ظروف خاصة في حياة الجماعة، وهكذا يشاطر الهوى الفردي في خلق كلمات جديدة.
وهذا كله غير كاف. فوسائل اللغة العادية لا تكفي، مهما شد من أزرها فعل الأفراد الخاص، لتزويد العامية الخاصة بذلك التيار الدائم من الكلمات التي تحتاج إليها. وهنا تتدخل المفردات الأجنبية بمد يد المساعدة. ويجب أن نفهم كلمة أجنبية هنا بمعناها الواسع الذي يشمل كل ما ليس من اللغة المشتركة التي ترتكز عليها العامية الخاصة. وهكذا تستطيع المساهمة في تكوين العامية الخاصة وتجديدها صور التكلم المحلية المنتشرة في جميع أرجاء القطر، وكذلك اللهجات ولهجات اللهجات التي تعتبر بدورها لغات مشتركة صغيرة خاضعة للغة القطر العامية، بل واللغات الأجنبية التي تتكلمها الأقطار المجاورة. "فعامية ألمانيا الخاصة" ROTWELSCH مثلا ملأى بالكلمات اليهودية الألمانية والجرمانيا GERMANIA "في أسبانيا" فيها عناصر غجرية هامة جدا، والـSMECHEREASCA تضيف إلى أساسها الروماني عناصر مجرية وروسية ويهودية ألمانية وغجرية، ونقابل هنا وهناك في الـcant كلمات إرلندية، مثل twig "الفهم" من "الإرلندية twigin "أفهم"". وفي العامية الخاصة بمدرسة البوليتكنيك توجد كلمة ألمانية هي Schiksal "مصادفة، قدر"١. والعامية الخاصة الفرنسية على وجه العموم تحتوي على كلمات أجنبية قليلة العدد "عربية، غجرية، يهودية ألمانية"؛
стр. 319
أما أساسها فمستعار من عناصر أهلية، ولكن اللهجات الإقليمية ممثلة فيها بأكثر من الفرنسية المشتركة١.
يترتب على هذا التنوع في تكوين العامية الخاصة، أننا نجد فيها كثيرا من الكلمات الحوشية، إذ الواقع انه إذا دخلت كلمة في العامية الخاصة بواسطة التخصص المعنوي أو مجرد الاقتباس، حافظت التقاليد في غالب الأحيان على بقائها فيها حتى بعد انقراضها من اللغة الجارية. وقد يدهش الإنسان مثلا حين يعلم أن الكلمة الألمانية القديمة lutt "صغير" تستعمل في عامية الألمانية الخاصة بدلا من كلمة "klein" أو أن الفعل occire "يقتل" الذي اختفى من الاستعمال منذ قرون ما يزال يستعمل في العامية الخاصة الفرنسية بدلا من الفعل tuer. وهذه حوشية. ومثل هذه الحالات لا تكون في كثير من الأحيان حوشية إلا في مظهرها فحسب إذ هي في حقيقة الأمر مستعارة حديثا في نصوص أدبية، ومن العسير في بعض الأحيان أن نميز بين الخطتين.
والأخذ عن الكتب أمر فردي في غالب الأحيان، وهو إحدى الوسائل الاصطناعية التي تدخل في تكوين العامية الخاصة. وهذه الوسائل على درجة كافية من التنوع. وتنحصر مثلا في تشويه مظهر الكلمات الخارجي. وهكذا يستعيضون عن لاحقة من لواحق اللغة الجارية بلاحقة خاصة بالعامية، وذلك كقول العامية الخاصة الفرنسية epismar بدلا من epicier "بدال" و auverpin بدلا من Auvergant بدلا من Aurergnat "أو فرني" وكقول الألمانية في عاميتها الخاصة kofmich بدلا من kaufmann "تاجر". وبعض التشويهات الأخرى ليست إلا توسعا في التغيرات الصوتية المطردة. وإن الأسباب المذكورة في صفحة ٨٩ لتفسير المبالغة في العوارض الصوتية لتجد مجالا خصبا في العامية الخاصة. ففيها يستطيع المتكلم بوجه خاص أن يسمح لنفسه بنطق الكلمات في صورة مختزلة. لأنه يخاطب عددا محصورا من المتكلمين، كلها ممهد الذهن لفهمه،
стр. 320
وكلهم متفاهم معه مقسما. ومن ثم يجيء هذا العدد الضخم من حالات الحذف والإسقاط والتبسيط وحذف النهايات، هذه العوارض الصوتية التي تجعل العامية الخاصة لا يفهمها إلا العارفون. ومن جهة أخرى تجد ظواهر التشابه والتخالف والنقل المكاني في العامية الخاصة المتكلمة ميدانا خصيبا لا يعترض انتشارها أية عقبة من القواعد. وأخيرا نعثر في العامية الخاصة على تشويهات مصطنعة غير مرتبطة بظروف اللغة الطبيعية, ومثال ذلك le javanais, le loucherbeme الجافانية. ففي الحالة الأولى ينقل الحرف الأول منها إلى آخرها ويستعاض عنه بحرف ل "l" ثم يضاف إلى الكلمة بعد هذا التشوية لاحقة من اللواحق العامية الخاصة؛ وفي الحالة الثانية يقحم مقطع ما في داخل الكلمة "ar أو oc أو al أو am إلخ"، ولكن الغالب أن يكون المقطع المقحم av أو va ولعل هذا هو أصل الاسم الجافانية "javanais".
اللوشيربيم le loucherbeme حديثة العهد نوعا لأنها ترجع إلى بداية القرن التاسع عشر على الأكثر، أما الجافانية المستعملة بين طغام باريس فيظهر أنها أقدم منها عهدا، ولكن الطريقة التي تنبني عليها هاتان العاميتان الخاصتان أقدم منهما بكثير، إذ لا بد أنها قد استخدمت في كل زمن وفي كل مكان احتاج فيه قوم إلى تغيير لغتهم. ويوجد في البنجاب اليوم قبيلة من اللصوص خلقت لنفسها لغة إلى تغيير لغتهم ويوجد في البنجاب اليوم قبيلة من الصوص خلقت لنفسها لغة خاصة بإقحام المقطع ma في داخل الكلمة المستعملة في اللغة البنجابية١.
وهي طريقة من أبسط الطرق وفي متناول كل إنسان. فقد رأينا في ص٢٩٣ أن خلق كلمات جديدة أمر في غاية العسر. فإذا لم يكن لدى القائمين بهذا الأمر منبع من المفردات المجاورة ينهلون منه ما شاءوا من كلمات جديدة، أمكنهم أن يعدلوا الكلمات الموجودة بالفعل تبعا لقاعدة مطردة. وهذه الطريقة التشويهية مستعملة في عدد كبير من العاميات الخاصة. فتلاميذ المدارس كثيرا ما يستعملون الجافانية، وقد شوهد استخدام هذه الطريقة في بعض المؤسسات التعليمية بالأقطار الجرمانية والسلافية.
стр. 321
هناك شخصية محوطة بالألغاز لا نعرفها إلا باسم مستعار ضخم الدلالة، هو اسم فرجيليوس مارو virgilius Maro النحوي الذي عاش على ما يظهر في القرن الخامس بعد الميلاد. يقال إن هذا الرجل اخترع لغة خاصة ظلت شائعة الاستعمال زمنا طويلا بين تلامذة المدارس الإيرلندية. وكانت تقوم هذه اللغة على تشويه الكلمات الجارية بأنواع من تضعيف المقاطع أو بترها أو نقلها. وبمضي الزمن تحورت وتمخضت عن لغة أخرى أمشاج سميت "لغة الشعراء" berla na filed بالإيرلندية. وهي عامية خاصة اختلطت فيها على غير قاعدة كلمات مستعارة من اللاتينية والإغريقية والعبرية وكلمات أهلية أهملها الاستعمال أو استمدت من النصوص العتيقة. وكلمات مأخوذة من الاستعمال الجاري بعد قلبها أو تشويهها. هذه اللغة، التي لا زالت تحت يدنا منها عينات عسيرة التفسير في غالب الأحيان، بقيت بقوة التقاليد زمنا طويلا تستخدم في المدارس الإيرلندية كلغة سرية. ولكنا نجهل إلى اي حد كانت تتكلم، ولعلها لم تكن إلا نظاما من نظم الرسم، كلغة السحرة وكتاب التعويذات.
الرقى السحرية التي نعثر عليها في قبور اليونان وإيطاليا وإفريقية مكتوبة على ألواح من الرصاص، تطبق في غالب الأحيان هذه الخطط نفسها: استعمال الكلمات الأجنبية أو تشويه الكلمات الأهلية١. ولكن الباعث هنا يختلف؛ إذ يبغون من وراء ذلك الاتصال بالعالم الآخر، ومن ثم يدخلون في تحرير النص اعتبارات لا صلة لها باللغة.
هذه الملاحظة تؤدي بنا إلى أن نقول كلمة عن اللغات الخاصة التي تنشأ عن بواعث خفية. السياح الذين طافوا بالأقطار البدائية وعلماء الأجناس الذين ينسقون أخبار السائحين يحدثوننا عن أهمية اللغات الخاصة غير المتحضرة. إذ يوجد في داخل اللغة الواحدة لأسباب دينية أنواع مختلفة من المفردات، ووجهة الخلاف فيها تنحصر في طريقة استعمالها وفي الأغراض التي تستعمل فيها، والواقع
стр. 322
"أن مجال التقديس عند هؤلاء المتوحشين أوسع منه عندنا. إذ لا يوجد نشاط اجتماعي أيا كان دون أن يساهم وقتا ما في طقس من الطقوس السحرية الدينية، ويجب من الوجهة النظرية استعمال لغة خاصة كلما جدت مناسبة من هذه المناسبات. هذه اللغات الخاصة التي لا تستعمل إلا لوقت محدود، ذات طابع انفصالي في غالب الأحيان، أو على الأقل إنما تتكون "إلا في الحالات النادرة" من عدد يقل أو يثكر من العبارات المحرمة الاستعمال، أي من تابوهات TABOUS لغوية"١. فكل ما كان ذا صفة قدسية، وبالطبع كل ما مثل الألوهية في جميع صورها، وأيضا كل ما دل على الرؤساء والموتى والأشياء المخصصة لهم والحيوانات التي تمثلهم، إلخ، كل هذا يدعو إلى استعمال لغة خاصة. وتستعمل أيضا في الأفعال التي تعمل طابع التقديس عامة كالصيد البحري والبري والملاحة والحرب، وفي بعض الأفعال الخاصة التي تدين بطابعها التقديسي إلى أهمية مكانية أو زمنية. فيوجد في أندونيسيا لغات خاصة بالباحثين عن الكافور وبالباحثين عن الذهب.
من أكثر أنواع التخصيص شيوعا، ذلك التخصيص الناجم من اختلاف الجنسين. فالنساء لا يستعملن اللغة التي يستعملها الرجال، وحتى عندما يفهمن الكلمات التي يستعملها الرجال لا يكون لهن الحق في النطق بها فلا بد إذن من وجود نوعين من المفردات متوازنيين تماما حتى يصير لكل شيء اسمان تبعا لجنس المتكلم. فعند الكاريبيين مثلا يتكلم الرجال اللغة الكاريبية CARAIBE والنساء الأرواكية AROWAK٢. وأحيانا يتعدد الاختلاف في الطبقة الاجتماعية. فعند سكان جاوا الأصليين يتكلم الرئيس إلى مرؤوسيه باللغة النجوكية NGOKA, ويجيبه المرؤوس باللغة الكرومية KROMO٣.
стр. 323
وفي بعض الأحيان تختلف اللغات أيضا باختلاف الأعمار. فعند الماسيين MASSI في إفريقية الشرقية يقسم السكان الذكور بحسب أعمارهم إلى طبقتين، لكل طبقة منهما تقاليدها الصارمة التي تحرم عليها بعض الأطعمة وبالتالي استعمال بعض الكلمات١. ولا يجوز لمن هم أكبر سنا أن يمسوا ذيل حيوان مقتول أو رأسه، ويجب أن يستعملوا ألفاظا خاصة للدلالة على هذا الذيل أو هذا الرأس.
كما لا يباح لمن هم أصغر سنا أن يأكلوا من قرع الكوسة أو من القرع الأحمر. ومن أشنع الأخطاء أن ينسى أحدهم فيسمي أمام الآخر أحد الأفعال المحرمة على الأخير. وهذه التقاليد ناشئة من اعتبارات دينية: إذ ينظر إلى المجموعتين على أنهما شطرا وحدة سرية، هي مجموع أفراد القبيلة الذكور. فيبين الفرق بين الشطرين بالاختلاف في الأفعال وهذا يؤدي بالضرورة إلى الاختلاف في المفردات.
هذا الظاهرة تدخل مباشرة في دائرة الأعمال الترويضية التي لها أهميتها عند المتوحشين وهناك طقوس خاصة تصحب الانتقال من مرتبة من مراتب السن أو من المراتب الدينية إلى مرتبة أخرى. يقصد بها فصل المبتدئ من وسطه السابق لإدماجه في الوسط الجديد، ومن ثم يجيء استعمال اللغات الخاصة التي تبقي كلمة أو غير كاملة حتى بعد اندماج المريد في الوسط العام.
تعارض العالمين عالم الحقيقة وعالم الغيب، أو عالم الخير وعالم الشر يعد أساسا لعدد كبير من الأديان. وهذه المثنوية كثيرا ما تخلق انفصالا في اللغة. فيوجد في الأفستا عشرون كلمة بصورة مزدوجة، تستعمل واحدة من كل زوج عند الكلام على هر مزد، إله الخير والأخرى عند الكلام على أهريمان، إله الشر٢. وقد يكون للفعل الواحد -في عالم الحقيقة أو في عالم الغيب- وجهان، فإذا دخل في عالم السحر دل عليه بكلمة متميزة جديدة. وموضوع التضحية التي
стр. 324
يقوم القسيس بتنفيذها هو المساعدة على العبور من عالم إلى عالم١. لذلك كانت تقتضي التضحية في كل الأقطار استعمال لغة خاصة، وهي التي نسميها اللغة الدينية. وإذن فاللغات الدينية في أوربا الحديثة تقوم في أصلها على أسباب سحرية، ترجع بنا إلى رياضات البدائيين وعقائدهم.
هذا إلى أنه يجب ألا نبالغ هنا في الفرق بين المتوحشين وبين المتحضرين. فالأسباب التي تدفع بهؤلاء وأولئك إلى خلق اللغات الخاصة، أسباب واحدة. وفي أعرق لغاتنا مدنية حالات من التخصيص لو وجدناها في إقليم الزمبيزي أو في سومطرة لما ترددنا في إرجاعها إلى العقلية الغيبية، وتحريم المفردات على ما له من أهمية في تكوين جميع المفردات الأوربية القائمة، خطة غيبية خالصة، وكم من أناس حولنا يتجنبون نطق هذه الكلمة أو تلك مخافة أن يحل بهم العارض الذي تدل عليه الكلمة، كما أن عبارة absit omen عبارة وحشية، وما القدرة التي تضاف للاسم إلا بقية من تلك العقلية الغيبية. بل لا نعدم أن نجد بيننا تلك اللغات الخاصة بالنساء. إذ يوجد في بعض الأحيان عند يهود ألمانيا الذين يستعملون اللغة اليهودية الألمانية، نوعان من المفردات لتمييز ما هو يهودي مما هو غير يهودي٢.
ولكن هناك أيضا فروقا في استعمال اللغة تبعا لاختلاف الجنسين، فالرجل يلقي التحية أو يرد عليها بالعبرية، أما المرأة فتستعمل في ذلك الألمانية دائما.
من جهة أخرى يمكننا أن نتساءل عما إذا كانت اللغات الخاصة التي لا يزال يستعملها أرباب بعض المهن المميتة في الأقطار المتوحشة برهانا على عقلية غيبية. وكما أن سكان الملايو عندهم لغة الباحثين عن الذهب أو الباحثين عن الكافور، فعندنا أيضا تلك العامية المهنية الخاصة التي تستعمل في صناعاتنا على اختلافها. وفي بريتانيا تنوولت لغة الخياطين٣ "longaje kemener" بالدرس، كما
стр. 325
تنوولت في إيرلندة وأسكتلندة لغة صانعي الصهاريج "shelta" ولغة غيرهم من أبناء المهن الأخرى١. فلعل هذه اللغات لغات غيبية قديمة مثل le berla na filed؛ ولكن بقاءها يفسر بتقاليد هذه الطوائف الخاصة وحاجاتها، وهي طوائف تعزلها أعمالها عن بقية الناس.
اللغات الخاصة تنشأ من الانفصال الاجتماعي، لذلك كانت -من حيث المبدأ- لغات طبيعية كاللهجات تماما. ولكنها تقوم دائما على مادة لغة مشتركة، وتظل عادة تستمد منها غذاءها.
стр. 326
الفصل الثالث: اللغات المشتركة
أشرنا في آخر الفصل الأول "ص٣٠٧ و٣٠٨" إلى أحد يعتبر توحيد اللغة ضرورة اجتماعية. ولولا مقاومة المجتمع للتفكيك اللغوي لأصبح العالم أمام حشد من صور التكلم التي لا تزيدها الأيام إلا تفرقا. ولكن الذين يتكلمون إحدى اللغات يميلون دائما إلى المحافظة عليها كما هي، وكذلك التبادل الكلامي الذي يحدث باستمرار بين أعضاء مجموعة اجتماعية واحدة يؤدي إلى توحيد اللغة. ومن هنا تنشأ اللهجات، وكذلك اللغات المشتركة التي تسير مع اللهجات جنبا لجنب.
ومع ذلك فهناك خلاف بين تكون اللغات المشتركة واللهجات. اللهجات تنشأ فجاءة من التعاون الطبيعي للأحداث اللغوية. إذ توجد اللهجة في كل مكان توجد فيه صور تكلم متجاورة ذات خصائص مشتركة وتشابه محسوس في المظهر العام لدى المتكلمين. فاللهجات لا يمكن تحديدها إلا على وجه التقريب. وقد قلنا إننا إذا جمعنا كل المعايير اللغوية، لم نستطع بها أن نخط حدودا للهجة من اللهجات.
فالعالم اللغوي لا يسير على قاعدة حين يختار الظواهر التي بمساعدتها يقسم الخريطة إلى أقسام لهجية. وشأن اللهجات كشأن الأقاليم الطبيعية التي ينقسم إليها قطر من الأقطار١. فإذا لم تستخدم هذه الأقاليم أساسا لتقسيم سياسي، بقيت حدودها دائما غير ثابتة. فسكان مقاطعة السين والمارن لا يزالون يتكلمون عن ألبري Brie والجاتينية Gatinais والمنتوا Montois ولكن هذه الأسماء المختلفة لا تمثل اليوم أي إقليم تحديدا دقيقا، وإن دلت على بعض الخصائص
стр. 327
الجغرافية، ولكن كان يمكن الكلام فيما مضى عن حدود كنتية ألبري Comte de Brie، أما المنتوا -على الأقل- فلم تكن في يوم من الأيام أكثر من عبارة جغرافية.
كذلك اللهجة تتضح حدودها إذا كانت تطابق تقسيما سياسيا، وتبقى هذه الحدود في غالب الأحيان زمنا طويلا بعد زوال الظروف التي أدت إلى تحديدها١.
لذلك يلاحظ في بعض أقاليم ألمانيا الحالية، أن حدود الخصائص اللغوية تتطابق في بعض النقط التي تتفق فيها هذه الحدود مع الحدود السياسية السابقة لسنة ١٧٨٩. وهذه الحدود ترجع في عمومها إلى القرن السادس عشر، بل إلى القرن الخامس عشر، وقد كانت حدودا دينية في نفس الوقت، حتى إن الأثر الديني يتعاون مع الأثر السياسي في تعيين حدود اللهجة. وكذلك الحال في بريتانيا الفرنسية، حيث تتفق حدود لهجات ليون Leon، وكرنواي Cornouailles وترجييه Treguier التي لا تزال واضحة في كثير من النقط، مع تقسيمات الإقليم الدينية والسياسية القديمة. ومما يلفت النظر أن نهر مرليه Morlaix الذي يفصل بين لهجة ليون ولهجة ترجييه هو الذي كان يفصل بين الإبرشيتين فيما مضى، وأن مدينة مرليه التي تقع على ضفتي النهر المسمى بهذا الاسم تنقسم لغويا إلى قسمين لهذا السبب. وهذا لا يعني أن سكان الضفتين لا يفهم بعضهم بعضا، ولكن هناك عددا من الخصائص المشتركة مجتمعة في منطقة تنتهي في تلك النقطة، والخطوط اللغوية التي تتطابق بعضها مع بعض تتطابق أيضا هنا مع تقسيم إداري قديم، كما هي الحال في اللهجات الألمانية.
ومع ذلك فمهما كانت أهمية العوامل السياسية والاقتصادية فإن اللهجة أولا وقبل كل شيء كيان لغوي. وحتى عندما نحسب حساب الظروف الخارجية في تكوين اللهجات، يبقى أن هذه الظروف تستند جوهريا إلى التطوير الطبيعي لعناصر اللغة.
стр. 328
وهذا غير الحال في اللغة المشتركة. لأن الظروف الخارجية هي التي تحددها وتدين بوجودها إلى انتشار قوة سياسية منظمة، أو إلى تأثير طبقة اجتماعية غالبة أو إلى تفوق أحد الآداب، ومهما كان الأصل الذي تعزى إليه نشأتها، فهناك دائما أسباب سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية تبعث على استبقائها. "المدنية وحدها هي التي تستطيع أن تنشر اللغة بين كتل عظيمة من البشر"١. ولا تتفكك اللغة المشتركة وتتفتت إلا إذا تراخت العرى الاجتماعية التي كانت تمسكها. وإذن فمن الممكن أن ندرس على انفراد تكون اللغات المشتركة وأن نبين بأمثلة من التاريخ الأسباب التي تبعث على نشوئها وازدهارها وذبولها.
تقوم اللغات المشتركة دائما على أساس لغة موجودة، حيث تتخذ هذه اللغة الموجودة لغة مشتركة من جانب أفراد مختلفي التكلم. وتفسر الظروف التاريخية تغلب هذه اللغة التي اتخذت أساسا وتعلل انتشارها في جميع مناطق التكلم المحلي المختلفة. ولكن على العالم اللغوي أن يبدأ بالعمل لتحديد هذه اللغة.
стр. 329
فقد كانت البونية منذ انتشارها على شواطئ آسيا الصغرى قد صارت لغة مشتركة، وهذه اللغة نعرفها من هيرودوت الذي يمثلها لنا خير تمثيل. فمع كوننا نعرف بشهادة هذه المؤرخ أنه كان يوجد في الدوديكابول Dodecapole عدد من اللهجات المحلية التي يختلف بعضها عن بعض، فقد كان فيها أيضا لغة مشتركة تظل اللهجات المحلية. ولكن الظروف السياسية لم تمكن هذه اللغة البونية المشتركة من الوصول إلى الأهمية التي وصلت إليها اللغة الأتيكية فيما بعد. فقد صارت الأتيكية في الفترة التي بين الحروب الميدية وقيام الإمبراطورية المقدونية في حالة تسمح لها بأن تمد العالم الهليني جميعه بلغة مشتركة، وذلك بفضل هذا التعاون الفائق الذي أنتجته عدة أسباب معقدة. ويجب أن نذكر بين الأسباب التي ساعدت لهجة الأيتكيين على هذا التغلب، ذلك الدور الأساسي الذي آل إلى أثينا بعد سقوط الإمبراطورية الفارسية. ولكن زاد من قون الأتيكية وإشعاعها شهرة شعرائها وفنانيها، فكان لأثينا -بوصفها مركزا سياسيا وأدبيا وفنيا على السواء- شرف تأسيس اللغة المشتركة التي ظلت منذ القرن الرابع قبل الميلاد حتى القرن التاسع بعد الميلاد، أداة للتفكير عند جميع الإغريقيين. هذه اللغة خرجت من اللهجة الأتيكية كما كانت تتكلم في حدود الإقليم، فهي لا شيء أكثر من تهيئة اللهجة الأتيكية لاستعمال سكان ذوي لهجات بل ولغات مختلفة.
في إيطاليا القديمة تختلف الظروف بعض الشيء١. فاللاتينية التي صارت لغة إيطاليا المشتركة وأخيرا لغة العالم الغربي بأسره، كانت لغة روما أولا وقبل كل شيء، أي لغة المدينة في مقابلة لغة الريف المجاور واللهجات القاصية على السواء. وقد بدأت لغة المدينة Le sermo urbanus بالتضييق على اللغة الريفية le sermo rusticus قبل أن تحل محل اللهجات المجاورة بعد أن غزتها في عقر دارها، مثل السابية le sabin والمرسية le marse، ثم محل لغات إيطاليا الأخرى من أسكية l'osque وأمبرية l'ombrien وأترسكية l'etrusque
стр. 330
وكلتية le celtique وإغريقية. وهنا أيضا نقابل أهمية المدينة بوصفها عاصمة سياسية.
من العاصمة أيضا خرجت الفرنسية المشتركة. فأهمية باريس السياسية والمنطقة الباريسية تفسر لنا بدرجة كبيرة انتشار لهجة الإيل دي فرانس l'Ile de france أي "الفرنسية" في الأقاليم المجاورة وذلك بانضمام هذه الأقاليم إلى المملكة، وصيرورتها في نهاية الأمر أداة للتبادل الذهني من دنكرك إلى بربنيان ومن برست إلى شامونكس. وفرنسية الإيل دي فرانس لم تمتد فحسب على اللهجات التي تشترك معها في أسرة واحدة، أي اللهجات المشتقة مثلها من اللاتينية، بل اتخذت أيضا لغة مشتركة لدى الفلمنكيين والبريتانيين، مع أن لغتيهما الطبيعيتين من أصل جرماني أو كلتي؛ كما نفذت بوصفها لغة مشتركة في إقليم الباسك في الجنوب الغربي من فرنسا، على أنها لم تقتصر على حدود فرنسا السياسية، إذ إن بعض الأجزاء البلجيكية والسويسرية يدخل في المجال الفرنسي من الوجهة اللغوية، وذلك دون أن نتكلم عن الجاليات القديمة أو الحديثة التي تعمل على انتشار الفرنسية فيما وراء البحار١. وتاريخ هذه الفرنسية المشتركة وتاريخ تكوينها وانتشارها الجغرافي يتصل اتصالا وثيقا بتاريخ فرنسا السياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ فلا يستطاع فهم أحدهما دون معرفة الآخر. ولكن الفرنسية إنما خرجت من العاصمة، ومن طبقة اجتماعية بعينها من طبقات العاصمة، وهي البرجوازية. وهذه حقيقة أبان عنها برينو Brunot في وضوح بالغ٢: إن لغتنا المشتركة على النحو الذي استقرت عليه في القرن السابع عشر، هي لغة البرجوازية الباريسية، برجوازية "المدينة"، وقد سلم بها القصر ثم الأقاليم، والكتاب الكبار باستعمالهم إياها زودوها بالقدرة على فرض نفسها نهائيا وعلى استمرارها. لذلك لا نكاد نحس فيها أثرا للهجات. الإسبانية المشتركة نشأت واستقرت قبل الفرنسية بزمن طويل. إذ كانت
стр. 331
شبه الجزيرة عند الفتح العربي "عام ٧١١" ميدانا لثلاث مجاميع من اللهجات يختلف بعضها عن بعض اختلافا كبيرا: الغاليسية في الغرب والقسطلانية في الشرق ومجموعة وسطى تشغل منطقة شاسعة. والإسبانية المشتركة خرجت من لهجة من لهجات الشمال، لهجة قسطلة القديمة La Vieille- Castille القريبة من الأقاليم البسكية. اتجه انتشار القسطلانية نحو الجنوب، لأسباب يبررها التاريخ السياسي، وكان انتشارها في شكل هلال أخذ يزحف على لهجات المجموعة الوسطى شيئا فشيئا. ومع ذلك فقد بقيت عن يسار القسطلانية بمعناها الضيق وعن يمينها بقايا من هذه المجموعة تتمثل حتى أيامنا هذه في لهجتي الليون le leon والأرجون l'Aragon، اللتين تتشابهان تشابها غريبا. وقد صارت القسطلانية لغة أدبية في القرن الثالث عشر بفضل الملك ألفونس العاشر "١٢٥٢-١٢٨٤" الذي كان يحتل بالنسبة لأسبانيا الذي يحتله دانتي بالنسبة لإيطاليا. فالأسبانية المشتركة إذن نتيجة لتفوق قسطلة في السياسة والآداب. وهذا التفوق لم يمتد إلى البرتغال التي صارت دولة مستقلة منذ نهاية القرن الحادي عشر. واللهجات البرتغالية كانت تنتمي دائما إلى مجموعة الغربية. من ثم كانت البرتغالية القديمة تختلط بالغاليسية. ولكن الأهمية التي وصلت إليها لشبونة في القرن السادس عشر بوصفها العاصمة، وتأثير الشاعر الكبير كامونس "Camoens"؛ "١٥٢٥-١٥٨٠" جعلا الغلبة اللهجة المنطقة الوسطى في القطر الذي صارت فيه لغة البرتغال الأدبية المشتركة. أما اللهجة التي تتكلم اليوم في غاليسيا، فعليها سيما البرتغالية القديمة وقد توقفت عن التطور, ومع ذلك فهي مملوءة بالآثار اللغوية الأسبانية١.
إذا قارنا الإنجليزية المشتركة بالفرنسية أو الأسبانية، وجدناها تحمل منذ بدايتها آثار اللهجات المختلفة٢. وهذا ناتج من وقع مدينة لندن التي نشأت فيها الإنجليزية المشتركة في نقطة تجعلها ملتقي لمختلف اللهجات. هذا إلى أن تكون اللغة
стр. 332
المشتركة صادف وقوعه فترة نمو لندن المفاجئ حيث أخذت تتلقى بين أحضانها طوائف المهاجرين على اختلافهم، يفدون عليها من كل الأقاليم ويمتزجون بالسكان السابقين. هذه الهجرات أدت إلى شحن اللغة المشتركة بآثار اللهجات، حتى لنجد نطق الإنجليزية في القرن السابع عشر لم يثبت بعد، وأنه يشتمل على كثير من وجوه الخلاف. ولا تزال بقايا منه موجودة حتى اليوم. ولكن هذه الهجرة الإقليمية أنعشت تبادل السكان بين العاصمة والأقاليم، ذلك التبادل المفيد الذي أدى أجل خدمة لانتشار اللغة المشتركة. وإذن فإنجلترا تدين أيضا بتوحيد لغتها توحيدا نسبيا إلى أهمية عاصمتها، ولكن ذلك كان في ظروف تختلف اختلافا محسوسا عن الظروف التي تكونت فيها الفرنسية. فهذه الأخيرة أقوى توحيدا.
نشأت في أيامنا هذه لغات مشتركة في شبه جزيرة البلقان، والمستقبل وحده كفيل بتعديل حدودها أو بتوسيعها، ولكنها أيضا نشأت من وجود عاصمة. فاللهجات الصربية الجنوبية كثيرة الاختلاف عن الصربية التي تكتب وتتكلم في بلغراد١. فالنبر فيها في غير موضعه في الأولى، والكم غير مرعي والإعراب مبسط للغاية. وتعتبر هذه اللهجات من وجهات شتى خطوات وسطى بين الصربية والبلغارية، إذ من المستحيل عمليا أن نخط حدا لهجيا بين اللغتين. ولكن توجد -منذ نهاية الحروب البلقانية- لغة صربية مشتركة تغير على اللهجات الجنوبية وتبتلعها داخل الحدود السياسية لمملكة الصرب. ونحن مثلا على علم تام بالطريقة التي بها تحل اللغة الأدبية المشتركة محل اللهجة المسماة بالإيكافية l'ikavien٢. وينحصر التغير الأساسي في إحلال المجموعة الصوتية iye "إيبي" محل i "-ي" وييسر هذا الإحلال في بلاد الصرب وجود الوحدة
стр. 333
العائلية، ألا وهي الزدروجا la zadruga١. إذ يجب ألا يكون في داخل الزدروجا إلا لغة واحدة، ولكن التزاوج يدخل في الزدروجا باستمرار نساء أجنبيات عن الإقليم، يتكلمن لغات مختلفة، وبهذا تضعف مقاومة اللغة المحلية، وبمقدار ضعفها يزداد أثر اللغة المشتركة. وعلى هذا، تصير اللغة الأدبية لغة الكلام بين جميع الصربيين المقيمين بالمملكة.
وفي ألمانيا -حيث العاصمة حديثة العهد وليس لها أثر غير منازع على مجموع الأقاليم الألمانية- قام انتشار اللغة المشتركة على أسباب مستقلة عن كل وحدة سياسية. فالألمانية المشتركة أولا وقبل كل شيء لغة كتابة، تدين بنجاحها إلى أسباب دينية، كما تدين بأصلها إلى الرغبة في الاستعمار٢. فبحركة الإصلاح انتشرت ألمانية لوثر في المنطقة الألمانية السفلى بأسرها؛ وفي نهاية القرن السادس عشر كان لا يستعمل في هذا المجال لغة مكتوبة أخرى غير اللغة الأدبية المشتركة. وكان الانتشار بطيئا في أقاليم جنوب ألمانية الكاثوليكية وفي سويسرة البروتستنتية. غير أن لوثر نفسه إنما استخدم آلة قد مهدت منذ زمن طويل. إذ كان يوجد منذ القرن الرابع عشر في مستشاريات المدن أو مستشاريات الإمارات الألمانية، ميل لاتخاذ لغة مشتركة تختلف عن اللهجات الإقليمية. والمستشارية الإمبراطورية هي الأولى التي سنت هذه السنة٣. إذ أخذت على عاتقها أن تتجنب الخصائص اللهجية وأن تستعمل لغة واحدة في جميع الأقاليم التي تحت سلطانها. وهذا واضح في عهد الإمبراطور شارل الرابع في صميم القرن الرابع عشر. وقد استمدت لغة المستشارية قوة عظيمة من كونها لغة استعمار أولا وقبل كل شيء. إذ الواقع أن الألمانية كانت تحتل الأراضي السلافية قدما بقدم وتحل محل اللغات السلافية. فتكونت الألمانية المشتركة في مدن الاستعمار في ألمانيا
стр. 334
الشرقية، تلك اللغة التي وصلت بفصل الإصلاح الديني إلى أهميتها الأدبية، واستقرت بفضل اكتشاف المطبعة وصارت لغة الكتابة في ألمانيا المثقفة بأسرها.
وتاريخ الروسية يختلف عن ذلك اختلاف محسوسا١. فقد ظلت اللغة السلافونية -وهي التي استعملها مترجمو الكتاب المقدس الأقدمون- لغة الكتابة في روسيا طوال العصور الوسطى. هذه السلافونية وهي تقوم على أساس اللهجات السلافية الجنوبية "في إقليم سالونيك" قد أصابها في روسيا شيء من التأقلم، ولكنها لم تتحد إطلاقا مع الروسية نفسها. وإذا كان أناس من أنصاف المثقفين قد كتبوا بلغة أقرب إلى لغة الكلام، فإن اللغة الأدبية بقيت دائما لغة الكنيسة. ولم تأخذ اللغة في التخلص من هذا الأثر السلوفاني إلا منذ بطرس الأكبر، حيث حذت حذو لغات أوربا الغربية ولا سيما الفرنسية والألمانية، وسايرت الاستعمال السائد في روسيا الوسطى على النحو الذي كانت توجد عليه في العاصمة القديمة موسكو. فتكونت في غضون القرن التاسع عشر لغة أدبية فيها آثار سلافونية ولكنها تستند في جوهرها على لغة الكلام المستعملة.
اتخذت البولونية لغة أدبية منذ القرن الرابع عشر، ولكنها لم تزدهر بهذه الصفة إلا في القرن السادس عشر، في إقليم كراكوفيا "بولونيا الصغرى". ومع ذلك فإن البولونية الأدبية والمشتركة ليست لغة هذا الإقليم، وإنما خرجت من إقليم بوسن Posen ومن جنيسن Gnesen "بولونيا الكبرى" التي تعد مهد البولونيين الجنسي في القرن العاشر. فمن بيع مجاميع اللهجات الكبرى الأربع، المازوفية mazovien والبسنانية pasnanien والكراكوفية Cracovien ولهجة بولونيي رويتنيا Ruthenie٢. اتخذت البسنانية وحدها أساسا للغة الأدبية
стр. 335
المشتركة، ولكن هذه اللغة تطورت في بولونيا الصغرى، وتم تكوينها في الجزء الشرقي من المنطقة، في روتينيا أي في أرض مستعمرة لم تكن تنتمي في الأصل إلى بولونيا الجنسية.
وأخيرا توجد لغات مشتركة من أصل أدبي محض. مثل الإيطالية١ التي استقرت لغة مشتركة ابتداء من القرن الرابع عشر بفضل هيبة الكتاب العظام وتأثيرهم، مثل دانتي وبترارك وبوكاشيو، وذلك في وقت لم يكن لإيطاليا فيه أية وحدة سياسية. وأغلب الظن أن هؤلاء الكتاب استعملوا اللغة التي كانت تتكلم حولهم، ومن ثم أطلق اسم اللغة التسكانية lingua toscana على اللغة الأدبية الإيطالية. ولكن هذه التسمية لا تفرض أن تكون إيطالية الكتب قد أتت من انتشار لهجة إقليمية. فاللغة التي رفعها دانتي إلى مرتبة اللغة الأدبية، والتي صارت لغة إيطاليا المشتركة، كانت أولا وقبل كل شيء لغة مدينة هي فلورنسا، ولغة المجتمع الراقي في هذه المدينة. واللغة التسكانية نفسها فيها خصائص لم تدخل في اللغة الأدبية، فهي مثلا الـC "ك" إلى SPIRANTE إذا وقعت بين حركتين فتقول FUOHO بدلا من fuoco و la hasa بدلا من la casa. ومع ذلك فمن الحق أن نلاحظ أن أسبانيا عديدة مختلفة النواحي جعلت من فلورنسا la terra promessa "أرض الميعاد" للغة الإيطالية المشتركة. فهذه المدينة فضلا عن نبوغ كتابها وأهميتها كمركز أدبي واقعة بين بولني Bologne وروما، مما رشحها لتكون همزة الوصل بين المدن الثقافية في إيطاليا. ولغة فلورنسا من جهة أخرى كانت مزاياها الذاتية ترشحها أكثر من غيرها للقيام بدور اللغة المشتركة, إذ كانت أقرب من غيرها إلى اللاتينية، وبذلك كانت تيسر لكل متعلم الانتقال من لهجته إلى اللغة المشتركة. وهذا كله مهد لانتصار التسكانية lingua toscana
стр. 336
هذا الانتصار الذي تم حين راح Bembo البندقي نفسه يستعملها في مؤلفاته في القرن الرابع عشر. طريقة تكون اللغات التي قدمنا منها عدة صور تؤثر على العلاقة التي تكون بين هذه اللغات وبين اللهجات فإذا لم تكن اللغة المشتركة نفسها إلا لهجة أظهرتها الظروف على اللهجات المجاورة، سهل عليها ابتلاع هذه اللهجات في وقت وجيز لأن اللهجة التي اتخذت أساسا، لها من السلطان ما يفرضها على اللهجات الأخرى. وأغلب الظن أنها تفقد على وجه العموم ما فيها من صفات موغلة في الخصوصية، فقد تخلصت الأتيكية مثلا من بعض خصائصها البينة عندما صارت اللغة الهلينستية. ولكن اللهجات الأخرى من جانبها تبلى سريعا باحتكاكها باللغة المشتركة. فاللهجات تمحي حدودها شيئا فشيئا إلى أن تنتهي بالاندماج في اللغة العامة، اللهم إلا إذا أمدتها ظروف خاصة بحيوية تطيل في عمرها في صورة لغات خاصة أو لغات أدبية فلم يبق عندنا في فرنسا الشمالية لهجات بمعنى الكلمة، لم يبق هناك من وسيط بين اللغة المشتركة والتكلم المحلي الذي يسمى رطانة patois، والبيكاردي لم يعد في وسعه أن يتصور غير نوعين من اللغات: رطانته الخاصة واللغة الفرنسية المشتركة، وقد تعلم هذه الأخيرة في المدرسة وتطلع عليه كل صباح في صحيفته اليومية. هذا إلى أن طريقة التكلم المحلية تمتلئ يوما بعد يوم بالعناصر التي تستعيرها من اللغة المشتركة. ولكن إذا اتفق لبعض العناصر المحلية أن تدلف إلى اللغة المشتركة، فليس معنى هذا أننا نواجه بقايا لهجية أو أمام لهجة جديدة في سبيل التكوين، بل نواجه اللغة المشتركة نفسها في مظهر محلي. ويجب أن نرجع قرونا إلى الوراء لنعثر على نصوص مكتوبة بالبيكاردية. فاللهجة البيكاردية
قد انقرضت من يوم أن فقد المتكلمون بها الأحساس باستقلال اللهجة وهيبتها.
стр. 337
وتشربت اللاتينية في إيطاليا عددا من اللغات التي لا نعرف عنها اليوم شيئا يذكر، كما تشربت اللهجات المجاورة للهجة روما. وقد نجحت بعض الجهود التي بذلها فريق من علماء اللغة في أن يستخرجوا من مفردات اللاتينية ومن نظاميها الصوتي والصرفي بعض سمات لهجية، ولعل لهجات إيطاليا الحديثة تحتفظ ببعضها حتى الآن٢.
توجد إذن بين اللهجات التي تدخل في إعداد اللغة العامة درجات يجب التمييز بينها. فأكثرها مبادرة بالاختفاء أقربها إلى اللغة التي اتخذت أساسا للغة المشتركة. هذه الملاحظة التي تبدو مبتذلة، لها أهميتها في دراسة احتكاك اللغات "انظر أواخر الفصل الرابع". ومن ثم كان هناك فرق محسوس بين الأثرين اللذين وقعا من الدنمركية ومن الفرنسية النرمندية على اللغة الإنجليزية٣. فبنية الإنجليزية لم تتأثر بهذه الأخيرة إلا قليلا، أما الدنمركية فقد تركت فيها أثرا عميقا: فتمزيق النظام النحوي وتبسيطه قد وقعا في الأقاليم التي كان يقيم فيها الدنمركيون قبل وقوعهما في الأجزاء الجنوبية وهي الأجزاء التي نزل فيها النرمنديون قبل ذلك بقرنين من الزمان. نعم يجب أن نلاحظ أن عدد النرمنديين في إنجلترا كان قليلا
стр. 338
نسبيا، وأنهم كانوا يكونون فيها طبقة خاصة، ولكن إذا صرفنا النظر عن هذه الظروف الاجتماعية والسياسية، وجدنا أن الاختلاف الذي أشرنا إليه آت من درجة القرابة بين اللغات التي نحن بصددها. فقد كان بين الإنجليزية والدنمركية من جهة النظام النحوي وجوه شبه لم تكن بين الإنجليزية والفرنسية النرمندية. واللغات المشتركة التي هي لغات كتابة قبل كل شيء كالألمانية والإيطالية تختلف في وضعها عن اللهجات اختلافا كافيا. فالقاعدة التي تقوم عليها اللغة المشتركة لا تتعارض مع اللهجات، إذ إنه لا تميل لهجة أيا كانت إلى الاعتداء على اللهجات الأخرى. وذلك لأنهما لغتان مختلفتان تسيران جنبا إلى جنب. والشعور بوجود وحدة لغوية أوسع من اللهجة المحلية وأضيق من وحدة اللغة المشتركة، يوجد في البلاد كلها دون أن يصاب بضعف يذكر. ففي بييمنت وفي اللمبارديا لا تتفق لغة الحديث ولغة الكتابة، وهذه الأخيرة تتسم بطابع الاصطناعية والحوشية، فهي حقا لغة ميتة لا تلقائية فيها، ولا Securezza كما يقول اسكولي١. كذلك في ألمانيا يمكننا حتى اليوم أن نتكلم عن اللهجات. وهي فيها تشغل مكانا وسطا بين الرطانة المحلية واللغة المشتركة، وتتمثل في الشعور الشعبي على أنها لغة مناطق على جانب من الاتساع وإن كانت حدودها غير بينة. ولهذه اللهجات مكانها في الآداب وفي الصحافة. واللغة المشتركة تتأثر بها لأن نطقها غير موحد في كل مكان وتختلف صورة التكلم بها باختلاف الأقاليم. وجدنا أن كل ألماني يتأثر في نطقه للغة المشتركة باللهجات إن قليلا وإن كثيرا. فالألمانية المشتركة تكتب بصورة واحدة في كل مكان، ولكنها تنطق بصور مختلفة إلى حد يسمح للسامع بتعيين أصل المتكلم من نطقه. أما الاختلافات التي تلاحظ في نطق الفرنسيين من أهل الأقاليم، فتعتبر تافهة إذا قورنت بآثار اللهجات في الألمانية.
ومع ذلك فقد سبق أن قلنا إنه لا يوجد فاصل مطلق بين الألمانية المشتركة، وهي لغة كتابة، وبين اللهجات الإقليمية. والواقع أنه يوجد، كما يتوقع، تبادل
стр. 339
دائم بين هذه وتلك، فهناك تداخل من كلا الجانبين في الجانب الآخر. ومن نتائج هذا التداخل أنه يقلل من حدة الخصائص اللهجية، حتى ليحق لنا أن نتنبأ هنا، كما في الحالة السابقة باختفاء اللهجات. بعد زمن ما قد يطول وقد يقصر ولكن يجب علينا عند الكلام على تنافس اللهجات واللغات المشتركة ألا نسقط من حسابنا حقيقة جوهرية لم نقل عنها شيئا حتى الآن، وهي الثبات النسبي لكل منهما.
لما كنا سنفرد للغة المكتوبة فصلا خاصا فيما بعد، لم يكن لنا أن نتكلم عنها هنا إلا بمقدار اتصالها بتطور اللغات المشتركة. واللغة المكتوبة تمثل دائما تقاليد وقواعد محافظة. بالطبع قد توجد التقاليد دون الكتابة. فقد كان عند الجوليين، كما يروي قيصر, رسوم يفضي بها القسس شفويا إلى ذاكرة تلاميذهم، وعلى هذا
стр. 340
النحو كانت تنتقل من جيل إلى جيل. وفي الهند كانت النصوص الدينية، قبل وجود الكتابة، تنتقل بالطريق الشفوي دون أن تصاب بأدنى تغيير.
ولكن من البدهي أن التقاليد، إذا اعتمدت على الكتابة، ازدادت قوة وقدرة على المقاومة.
ينبغي ألا نخلط بين "لغة مكتوبة" و"لغة أدبية". فقد يجتمع المعنيان أحيانا في لغة واحدة. ولكنهما قد يتعارضان ويتضاربان. اللغة المكتوبة في غالب الأمر عبارة عن اللغة المشتركة، أما اللغات الأدبية فتتميز عن هذه الأخيرة في غالب الأحيان؛ لأن رجال الأدب في كثير من الأقطار، من شعراء وقصاص يكونون طبقة منعزلة لها تقاليدها وعوائدها وامتيازاتها, وفي هذه الحال كانت للغتهم كل خصائص اللغة الخاصة، وكانت تتطلب تهيئة وترويضا وتثقيفا مهنيا. بل كان يتفق أن يكون الدور الذي يقوم به الشاعر دورا شبه ديني، وأن تكون بعض اللغات الأدبية لغات دينية في نفس الوقت, وقد حفظت السنسكريتية مثلا هذا الطابع زمنا طويلا. ولعل الخصائص التي نعثر عليها في القصائد الغنائية الكبرى في بلاد اليونان ترجع إلى كونها تقوم على لغات دينية خاصة. بل لقد وجد في كثير من الأقطار لغات أدبية مقصورة على استعمالات معينة مع بعدها عن كل تأثر ديني, ولغة الملحمة اليونانية صورة من هذه اللغات الأدبية الخاصة التي تكونت بفعل الشعراء وانتهت بالاستقرار الدائم, فكان كل من يضع بين شفتيه بوق الفروسية في بلاد الإغريق ينفخ فيه لغة لا تتصل بأية واحدة من اللغات المتكلمة، وقد سار أبلون الرودسي وكونتوس الأزميري على تقاليد هوميروس. كذلك كان من المتواضع عليه في أثينا أن تستعمل لأجزاء الغناء الجماعي في التراجيدية لغة معينة مصبوغة بالأصباغ الدورية وإن لم تمثل في جوهرها لهجة دورية معينة. وفي الهند وجدت لغات أدبية على أساس ما من اللهجات، وكانت لا تستعمل إلا في أنواع أدبية معينة, ولا يستعملها من الشعراء إلا طوائف خاصة, وكانت تتميز عن اللغة المشتركة باختلافها عنها. وسكان الملايو الذين لا يتكلمون
стр. 341
لغة هندية أوربية عندهم لغة أدبية خاصة تسمى الكاوية Kawi، وهي مفعمة بالعناصر السنسكريتية١.
ولكنا نستطيع -حتى بغض النظر عن الحالات التي تستمد فيها اللغة الأدبية أصلها من اللغة الخاصة- أن نفهم بسهولة الفرق الذي يفصل بين اللغة الأدبية واللغة المشتركة, والواقع أن خاصية اللغة المشتركة الأساسية تنحصر في أنها لغة وسطى تقوم بين لغات أولئك الذين يتكلمونها جميعا, وإذا انتشرت اللغة المشتركة في قطر بأسره. أخذت العناصر المشتركة الداخلة في تكوينها في الازدياد، وأدى ذلك بالضرورة إلى النزول بمستواها، فبالرغم من الأثر البالغ الذي تقوم به النخبة العقلية، فإن العناصر التي تستعيرها اللغة من الطبقات السفلى من السكان تزداد بانتشار اللغة, وتصير بالتدريج كثيفة رتيبة لا لون لها, وعندئذ تتميز بالخصائص السلبية، أي بالضعف والسوقية.
ولكن الأديب في حاجة إلى أداة شخصية يعبر بها عما يوجد في ذكائه وحساسيته من عناصر خاصة، يقول موريس بريس M. Barres: "اللغة وقد قدت للاستعمال الشائع لا تستطيع التعبير إلا عن الحالات الخشنة". وكان لفلوبير في الكتابة طريقتان، تبعا لما إذا كان يحرر كتابا لصديق أو يكتب عملا أدبيا بأسلوبه المتوتر. "فالكتابة الفنية" رد فعل دائم ضد اللغة المشتركة، وهي إلى حد ما نوع مما يسمى بالأرجو "argot", اللغة الخاصة الأدبية، وهي في كل حالاتها مغايرة للغة الكلام رغم تنوعها العديد ورغم اختلافها عند البرناسيين عنها عند الرمزيين وعنها عند كتاب عصور الانحلال. هذه اللغات الخاصة المنزوية في صوامعها المقصورة على عدد قليل من المريدين لا تعنينا هنا. وكل ما نستطيع أن نقوله عنها إنها في بعض الأحيان تغذي اللغة المشتركة ببعض التراكيب أو ببعض الكلمات. ولكن علينا هنا أن نبحث الحالة التي تكون فيها اللغة الأدبية واللغة المكتوبة شيئا واحدا، والتي فيها تعتبر اللغتان معا نواة للغة المشتركة.
стр. 342
النصيب الذي ساهم به الكتاب الفرنسيون في تكوين اللغة المشتركة عندنا كبير جدا, فاللغة التي نتعلمها في المدرسة ندين بها إلى المجهود المزدوج الذي قام به الأدباء والنحاة١, فهم الذين خلقوا لنا هذه الأداة الجميلة، وسهروا عليها بحدب شديد عاملين على ألا يعلوها الصدا، فيغير معالمها, وقد يبدو لنا أن تطهير اللغة الذي دام قرونا عديدة عمل جدلي رخيص، مغرق في الادعاء والتظاهر، ولكن الفوائد التي نجنيها من هذا العمل تحملنا على الاعتراف بالجميل لمن قاموا به.
فأصبح لدينا بفضل أساتذة المدارس الذين درجوا على دراسة الكتاب، خير قالب نصوغ فيه أفكارنا، وصارت لنا لغة كل كلمة من كلماتها لها معناها اللائق، وكل تركيب من تراكيبها قد انفرد بدقائق ولطائف لا تبارى؛ إذ إنهم أقصوا عن اللغة كل ما يجرح الطبع السليم والذوق الحسن، ودأبوا على إخضاعها لقواعد العقل واللياقة فجعلوا منها، على حد قول بوهور Bouhours، أداة قادرة "على إمساك أشد المواد قوة ورفع أشدها ضعفا"، وبالاختصار جعلوها منذ البداية قديرة على الاستجابة لكل مطالب العقل, وقد استفادت اللغة المشتركة أجل فائدة من الأعمال التي قاموا بها. استفادت الوضوح والأناقة والدقة مع التنوع، وكما قال ريفارول Rivarol "لقد استفادت تلك الأمانة المتصلة بعبقريتها".
كبار الكتاب يصنعون بالكلمات ما كان يصنعه الملوك القدماء بالنقود، يفرضون القيمة التي يريدونها ويحددون لها السعر الذي على كل فرد أن يقبله. وبذلك ينفذ فينا شيء من عقليتهم، وإذا تكلمنا الفرنسية فإن بسكال ولارو شفوكو ولا برويير وبوسويه ومنتسكيو وفولتير, هم الذين يملون علينا الكلمات التي نستعملها. وكل منا حين يكتب يعترف على غير شعور منه من ذكرياته المدرسية، مهما قل تعليمه. وهذا الكاتب المعاصر الذي نعرفه مثالا ليست لغته إلا نسخة من كتابنا الكلاسيكيين، فهو يصلح أن يتخذ مثلا يحتذى من كل من يحاول الكتابة بالفرنسية، لأنه يحقق على وجه الكمال المثل الأعلى للفرنسية
стр. 343
الأدبية، في صورتها العامة و"المشتركة", والواقع أننا نتبين طابع أساتذتنا العظام بكل حذافيره في جميع مؤلفاته من طريقة استعماله للكلمات وكيفية وصلها بعضها ببعض وفي تركيب الجملة ووزنها. نعم يجب على من يتصدى لتقدير هذا الفن الخفي أن يكون ذا ذوق مدرب, ولكنها لذة كبرى تلك التي يشعر بها حين ينظر في هذا النسج الجميل اللامع فيستطيع أن يتبين كل خيط من خيوطه ويميز مصدره، ومن المؤلم حقا أن نفكر في أنه قد يأتي يوم لا يوجد فيه من يستطيع تذوق هذه اللذة، وذلك إذا تخلى التعليم، في تغيره طبيعة وغرضا، عن العناية بالنخبة المختارة, عندئذ نقصر الجلافة الشعبية عن فهم قيمة هذا النسج فتطأ بأقدامها محملا دقيق الصنع تناسقت ألوانه حتى كأنه لوحة رسمت "بالباستيل".
ذلك بالطبع لأن كل صورة فنية فيها شيء من الشخصية بعيد عن إدراك الجماهير، هذا إلى أن خلق صورة "مشتركة" مهما كانت درجة كمالها، ليس إلا فترة في تاريخ اللغة. وأن اللغة المكتوبة أيضا في تأخر دائم بالنسبة للغة المتكلمة.
تكوين اللغات المشتركة معناه فترة من التوقف في تطور اللغة. إذ تتبلور الصيغ والتراكيب وتتحجر، وتفقد طواعية الحياة الطبيعية، ولكنا نخدع أنفسنا إذا افترضنا أن اللغة تستطيع التوقف. والذي يحملنا على هذا الظن أنها لغة اصطناعية توضع بجانب اللغة الطبيعية، والبون بين اللغتين يكون ضئيلا في بادئ الأمر، ثم يعظم مع الزمن، حتى يأتي يوم يصير فيه هذا البون صدعا عميقا. ويمكننا أن نقارن خلق اللغات المكتوبة بتكون طبقة من الجليد على سطح نهر. فالجليد يستعير مادته من النهر، بل بعبارة أوضح ليس الجليد إلا ماء النهر نفسه، ومع ذلك فليس هو النهر. وإذا رأى الجليد أحد الأطفال ظن أن النهر غير موجود وأن تياره قد توقف عن المسير. وهذا خداع! فالماء تحت طبقة الجليد لا يزال يجري منحدرا في طريقه نحو السهل، وإذا تكسر الجليد رأينا الماء ينبثق فجأة ويتلاطم مزمجرا. هذه صورة من تيار اللغة, فاللغة المكتوبة هي طبقة الجليد التي فوق النهر، والماء الذي يتابع جريانه تحت الجليد الذي يحبسه هو اللغة الشعبية والطبيعية. والبرودة التي تنتج الجليد وتبغي احتجاز النهر، هي مجهود النحويين
стр. 344
والمربيين، وأشعة الشمس التي تعيد إلى اللغة حريتها هي قوة الحياةالتي لا تقهر، تتغلب على القواعد وتحطم قيود التقاليد.
الفرنسية الحالية تبرر التشبيه السابق بصورة مرضية. فالبون الذي بين لغة الكتابة ولغة الكلام لا تزيده الأيام إلا اتساعا. فالتنظيم والمفردات ليست واحدة في كلتا الحالتين. بل إن الصرف نفسه يحتوي على بعض الفروق, فالماضي المحدد "أو البسيط". PASSE DEFINI والماضي غير التام من صيغة التبعية IMPARFATI DU SUBJONCTIF لم يعد لها استعمال في لغة الكلام. ولكن اختلاف المفردات بوجه خاص هو الذي يكاد وضوحه يعشي العيون. فنحن نكتب لغة ميتة، تلك اللغة ترجع إلى كتاب القرن السابع عشر ويمثلها اليوم في أتم صورها ذلك الكاتب المعاصر الذي أشرنا إليه. ولكنا نتكلم لغة غير ذلك. ومفرداتنا الجارية قد تغيرت منذ القرن السابع عشر١. والفرق بين الكلمات التي تتكلم والكلمات التي تكتب يذكرنا بالفرق بين الكلمات السوقية وكلمات النبلاء، فنحن نأنف من كتابة معظم الكلمات التي تستعملها في المحادثة. والشخص الذي يتكلم كما يكتب يبدو لنا كأنه كائن متكلف، والأشخاص الذين من هذا القبيل في تناقص مستمر.
ظلت الطبقات العليا وقتا طويلا محتفظة بحوشية اللغة التي توحي بها استعمالات اللغة المكتوبة، وكانت الطبقات السفلى وحدها هي التي يشاهد فيها نشوء لغة فجائية تعمل على تحديد عناصر اللغة التعبيرية. واليوم نرى لغة الطبقات العالية التي كان وجودها غير طبيعي تختفي لتحل محلها اللغة الشعبية. والمتشددون جميعا ينعون هذا "السقوط"؛ ولكنها شكوى عقيمة٢. لأن اللغة المكتوبة نفسها لم تصبح في مأمن من الإصابة, فالصحف اليومية التي يحررها على عجل أناس غير مثقفين في غالب الأحوال، أخذت تكثر شيئا فشيئا من استعمال عبارات اللغة
стр. 345
المتكلمة، بل وصيغها, فالعبارة الخاطئة je m'en rapplle "استحضر منه في ذاكرتي" والتركيب المتبربر de facon a ce que "بصورة إلى أن" قد أصبحا فيها من الاستعمالات الجارية. وفي كل يوم تطالعنا فيها "أخطاء أخرى" ليست أقل خشونة من تلك. وقد أمكن لبعضهم أن يستخرج من إحدى الصحف الباريسية الواسعة الانتشار تراكيب مثل: "avec cette brusquerie dont il ne se depart pas" و"Cette affaire ressort de la prefecture de police" و"il demanda a ce que" و"au point de alors il s'enfuya", "vue pecunier" إلخ. ونلاحظ أننا نجد في هذا الخليط المتبربر آثارا عديدة من اللغة المكتوبة, فمثلا عبارتا ressortir و se departir ليستا من استعمالات لغة الكلام، واستعمال الماضي البسيط، إحدى خصائص اللغة المكتوبة. فقد كان في عزم هذا الصحفي الذي ارتكب هذه الأخطاء وفي شعوره أن يكتب بلغة الكتابة، ولكن نقص ثقافته جعله يبني لغته المكتوبة من عناصر اصطناعية وزائفة في غالب أمرها. وعلى هذا النحو كان جرجوار دي تور Gregoire de tours -الذي كانت لاتينيته مشحونة بالأخطاء التي ترجع إلى اللغة المتكلمة حوله- لا يزال يستعمل الفعل اللاتيني المسمى deponert على الرغم من أنه كان قد اختفى من اللغة المتكلمة منذ زمن طويل, إذ إن الكثير من أفعال هذه الفصيلة لا يوجد في اللاتينية الكلاسيكية١.
ولكن يجب علينا، إنصافا للصحافة الفرنسية، أن نعترف بأن بعض الصحف الكبرى قد احتفظت باللغة الأدبية، حيث يتبع محرروها قواعد اللغة المكتوبة دون أن يحيدوا عنها قيد شعرة. وإذا كان عدد هذه الصحف في هبوط فإن تمسكها بالسلامة اللغوية لا يزداد إلا صرامة؛ وذلك رد فعل منها ضد تيار العامية الجارف، ومن ثم تزداد عنايتها بنقاء اللغة قوة على قوة. ولذلك السبب كانت الصحف الباريسية لا تكتب لغة واحدة بمعنى الكلمة. فالصحف الشعبية لا تكاد تكتب غير اللغة المتكلمة مصبوغة بالصبغة الأدبية إن قليلا وإن كثيرا. وعلى العكس من ذلك لا تستعمل الصحف الكبرى إلا اللغة التي كان
стр. 346
يستعملها خير كتابنا في مؤلفاتهم: "اللغة الفرنسية الأدبية" النقية.
ولكن هذه الفرنسية الأدبية لغة تتعلم. فشدة اختلافها عن اللغة المتكلمة يتطلب مرانا كثيرا ما يطول زمنه، وممارسة على أكبر جانب من الحذر, وليس في مقدور أحد أن يقرر إلى متى ستظل المحافظة قائمة، وأعني بذلك المحافظة على تعلمها. وعلى كل حال يمكننا أن نتكهن للفرنسية الأدبية بمصير كمصير اللاتينية، أي أنها ستبقى ولكن بصفتها لغة ميتة، قد جمدت قواعدها ومفرداتها إلى الأبد. أما اللغة الحية فستتطور مستقلة عنها كما فعلت اللغات الرومانية. وكل ما يبقى للغة المكتوبة من عمل هو أن تصير مستودعا يزود اللغة المتكلمة بالمفردات "قارن ص٢٩١". وفي هذه الحالة تنشأ لغة أدبية تخالف اللغة العامية كما هي الحال في اللغة العربية حيث يوجد نوعان من اللغة يخالف أحدهما الآخر، وفي الصين حيث تخالف لغة المندريين mandarins اللغات المتكلمة١. ولو تحقق إصلاح الرسم عندنا لتجلى أمام أعيننا الفرق بين هاتين اللغتين الفرنسيتين جلاء تاما. فوجود الفرنسية الأدبية لا يمنع من أن تتكون تحت سطحها لغة مشتركة, فاللاتينية العامية التي منها خرجت اللغات الرومانية كانت تختلف عن اللاتينية الكلاسيكية التي كانت لا تزال تكتب في زمن أوزون Ausones وكلوديان Claudien. وكان إلى جانب الإغريقية المشتركة في العصر الهلينستي لغة أدبية اصطناعية، يختلف نظامها الصرفي عن النظام الصرفي للأولى فضلا عن اختلاف المفردات بينهما. الواقع أنه يمكن أن توجد عدة لغات مشتركة بعضها فوق بعض.
ففي الهند القديمة صارت السنسكريتية التي كانت في الأصل لغة دينية، لغة أدبية مشتركة في اليوم الذي جاءت فيه دولة دخيلة فأباحت استعمالها في الأمور الدنيوية. وهي اليوم لغة العلم، لغة الثقافة العالية والدين على السواء، فما زالت تقرأ في المعابد وتلقى نصوص بها مثل المهبهاراتا Le Mahabharata والبورانا les Puranas، كما لا يزال الكاثوليك يتمسكون بالنصوص اللاتينية في الكنيسة. ولكن لا حاجة بنا إلى القول بأن السنسكريتية تمتد إلى ما وراء منطقة اللغات
стр. 347
الهندية، إذ إنها لا تضم شبه الجزيرة الهندية فحسب حيث يستعملها أناس مختلفو الأجناس واللغات، بل لقد حملها المبشرون البراهمة والبوذيون إلى جميع الأماكن التي وصلوا إليها في أداء رسالتهم.
وجود السنسكريتية لم يمنع من وجود لغات مشتركة أخرى. فقبل أن تتطور السنسكريتية إلى لغة أدبية بزمن طويل -وهي لم تصبح كذلك إلى حوالي ميلاد المسيح- وجدت لغات أحدث منها استعملت استعمال لغات مكتوبة مشتركة وكان الملك أسوكا Acoka قبل الميلاد بمائتين وخمسين عاما يستخدم هذه اللغات في كتاباته على أنها لغات رسمية، كما كانت تستخدم مع السنسكريتية نفسها لغات أخرى في كتابة النصوص البوذية على أنها لغات دينية، وذلك كاللغة البالية مثلا، وأخيرا كانت تستعمل في الدراسة بصورة عادية مع السنسكريتية بعض لغات أدبية "les prokrits" تذكرنا بما كانت عليه لغة الشعر الغنائي ولغة الملحمة في بلاد الإغريق١.
ولكن كان يوجد تحت سطح اللغات البركريتية٢ منذ عهد سحيق، ولا يزال يوجد حتى الآن لهجات ورطانات محلية. وقد وصل بعضها إلى درجة من الأهمية جعلتها تستخدم في الحاجات الأدبية، وذلك مثل الهندية والبنغالية والماراتية. بل يوجد اليوم في الهند لغة مشتركة، وهي الهند ستانية التي لا تمثل في حقيقة الأمر أية لهجة حقيقية.
يمكننا أن نختتم هذا الفصل بذلك المثال من لغات الهند. فهو يوضح خير توضيح صلات اللغات المشتركة بعضها ببعض وباللهجات المحلية، وترينا مقدار الصعوبة التي يلاقيها من يحاول رسم حدود بين العناصر التي تكونها، وإلى أي حد يتداخل بعضها في بعض دون توقف. ذلك لأن تكون اللغات المشتركة وتطورها وتحللها تتوقف على أسباب تاريخية غريبة عن اللغة، أي على حركات المدنية نفسها.
стр. 348
الفصل الرابع: احتكاك اللغات واختلاطها ١
تطور اللغة المستمر في معزل عن كل تأثير خارجي، يعد أمرا مثاليا لا يكاد يتحقق في أية لغة. بل على العكس من ذلك فإن الأثر الذي يقع على لغة ما من لغات مجاورة لها كثيرا ما يلعب دورا هاما في التطور اللغوي.
ذلك لأن احتكاك اللغات ضرورة تاريخية، واحتكاك اللغات يؤدي حتما إلى تداخلها. وها نحن أولاء نرى تحت أعيننا وبالقرب ما أقاليم جمع فيها التاريخ على هويته شعوبا تتكلم لغات مختلفة، وفي الأقاليم التي من هذا القبيل يقتضي التوسع في التبادل التجاري وضرورة الاتصال معرفة لغات عدة معرفة جيدة. وكانت شبه جزيرة البلقان في كل عصورها ولا تزال حتى الآن ملتقى لكثير من اللغات، ومن الأجناس والجنسيات والأديان. ففيها اليوم أجناس مختلفة من سلافيين وإغريقيين وألبانيين ورومانيين وأتراك ويهود وأرمنيين. وكلهم يكونون جماعات كبيرة أو صغيرة. وهناك إغريق في تراقيا ورومانيون في مقدونيا وألبانيون في اليونان. والحدود السياسية لا تنطبق في أي مكان على الحدود الجنسية ولا على الحدود الدينية. فكل من الديانات الكاثوليكية والأرثوذكسية والإسلامية واليهودية تضم سكانا ينتبسون إلى أجناس مختلفة وجنسيات متباينة. واللغات التي
стр. 349
تساهم بنصيبها في تماسك الجنسية تضيف إلى كل هذا عنصرا آخر من عناصر التعقيد؛ فالصربية والبلغارية والإغريقية والألبانية والرومانية والتركية والأرمينية والأسبانية التي يتكلمها اليهود، تعيش كلها جنبا إلى جنب. ولكنا لا نشير هنا إلا إلى اللغات التي لا تتكلمها إلا المجاميع الكبيرة بصرف النظر عن اللهجات.
لا بد أن هذه الحالة التي تعتبر استثنائية في أوربا الحديثة كانت قاعدة يسير عليها التاريخ في غالب الأحيان. والنتائج اللغوية التي تنجم عنها كبيرة الخطر لأنه إذا احتكت لغتان إحداهما بالأخرى. أثرت كل منهما على صاحبتها. حتى ذهب بعض علماء اللغة بناء على هذه الحقيقة، إلى أنه لا توجد لغة غير مختلطة ولو إلى حد ما فعلينا إذن أن نناقش الظروف التي يمكن فيها اختلاط اللغات والنتائج اللغوية التي تنجم عن هذا الاحتكاك.
من الخطأ أن نتصور كون المنافسة بين لغتين متماستين تحدث دائما على وتيرة واحدة في كل الحالات، لأن قوة اللغات ليست واحدة، ومن ثم كانت تختلف قدرتها على المقاومة.
لنفرض أننا بصدر لغتين من ذوات المدنية العظيمة كالألمانية والفرنسية. فاللغتان كلتاهما قويتان، تستويان في القوة. وبينهما اختلافات في البنية على جانب من الأهمية. فإذا ما تعرضتا للمنافسة، لم يكن لهذه المنافسة آثار لغوية، وإنما تكاد تنحصر آثارها في الميدان الاقتصادي. والمدرسة هي المكان الذي يهيأ فيها الكفاح بينهما، لذلك نسمع أن الألمانية قد طردت الفرنسية من هذه القرية، أو تلك المدينة من المدن السويسرية أو أن العكس قد حدث في قرية كذا أو كذا١. وليس هنا موضع بحث مزايا اللغتين في ذاتهما فسكان هذه القرى كان في متناول
стр. 350
أيديهم أداتان متساويتان في المتانة والصلاحية، فاختاروا من بينهما أصلحهما لحاجات أعمالهم. ذلك بأنه ينشأ هناك ميل إلى نقل الحدود اللغوية بحسب الجهة التي ترد منها العلاقات الاقتصادية فالمصلحة العملية هي وحدها الحكم في مثل هذه الحالة، وهي التي تحكم لهذه اللغة أو لتلك، وقد تبقى اللغتان زمنا طويلا في حالة تعادل.
فضلا عن الظروف الاقتصادية يجب أن ندخل في حسابنا الموقف السياسي. فبعض الشعوب تتمسك بهذه اللغة دون تلك ويرخى لها عمدا عنان التفشي مدفوعا في ذلك بعاطفة وطنية أو بقصد إظهار استقلاله أو بنفوره من دولة مجاورة. ومن المؤكد مثلا أن مركز كل من الفلمنكية والفرنسية في بلجيكا لا يتوقف على الظروف الاقتصادية فحسب، بل تضاف إليها بواعث سياسية ينبغي للعالم اللغوي ألا يسقطها من حسابه. ومنذ عشرين سنة تتمشى في إيرلندا حركة تتجه إلى إحياء اللغة الوطنية القديمة يقوم أصلها على بواعث سياسية، وهي التخلص من لغة الإنجليز، أعدائهم التقليديين، والفرنسية لم تتكلم يوما في الألزاس بقدر ما كانت تتكلم في فترة انضمامها إلى الأمبراطورية الألمانية. أما حينما كانت مقاطعة الألزاس جزءا من فرنسا قبل سنة ١٨٧١، ولم تكن مضطرة إلى اتخاذ لغة بعينها، فلم يكن لدى الألزاسيين باعث قوي على ترك لهجاتهم المحلية الجرمانية.
كذلك تخضع المنافسة اللغوية في الأقطار البلقانية لأسباب سياسية إلى حد كبير، ولكن الدين بدوره يقوم فيها بدور هام. واللغة الأرمينية تدين بقسط كبير في حيويتها إلى وجود كنيسة أرمينية مستقلة. فالشعور المنبعث من وجود جماعة دينية يزيد مقاومة اللغة قدرة. وفي مستعمرة الكاب، كان المهاجرون الفرنسيون من البروتستانت في سنة ١٦٨٨ يكونون ربع سكان المستعمرة، ولما كانت الهولندية وحدها هي اللغة المسموح بها في الأمور العامة والسياسية والدينية، فقد اختفت الفرنسية بعد مضي قرن واحد.
هناك أيضا عامل عاطفي آخر له قوته العظيمة في المحافظة على سلامة الكثير من اللغات وبقائها, هو عامل الهيبة. فما كان للاتيني أن يرضى بتعلم إحدى اللغات
стр. 351
المتبربرة "Quorum nomina uix est eloqui ore Romano "Pompon Mela III,٣". لذلك قضت اللاتينية في إيطاليا نفسها على الأترسكية والأسكية والأمبرية. وقد وصلت هيبة اللاتينية إلى حد جعل بلاد الجول بعد فتحها بقرن على الأكثر ترسل من لدنها أساتذة للخطابة إلى روما.
وإرادة الإغريق في ألا يضحوا لغتهم أمام لغة فاتح يحتقرونه، هي التي حفظت الإغريقية خلال العصور، فلم تستطع التركية يوما أن تحل محلها، أو حتى أن تنال منها. كان الإغريق يتكلمون لغة الفاتح في حاجاتهم الإدارية، ولكن لم يحدث إطلاقا أن la lingua del cuore سلمت لـla lingua del pane كما يقول الإيطاليون.
كثيرا ما يكون لهيبة اللغة ما يبررها من قيمتها الذاتية, وهذه القيمة في حالة اللغة الإغريقية تعتبر شيئا كبيرا لأنها تفوق بكثير كل ما يمكن أن يضاف للغة التركية من فضل فالتركية، وهي لغة الفاتحين، ليست بأية حالة من لغات الحضارة، وما كانت تستطيع الكفاح ضد اللغة الإغريقية التي تمثل ثقافة من أعرق الثقافات.
نستبين ما لقيمة لغة في ذاتها من أهمية في كثير من المواضع. ويمكننا على وجه التقريب أن نقدر لكل لغة درجتها في هذا الصدد. فالأرمينية تتقهقر أمام الروسية في أوربا, ولكن البولونية صمدت للروسية في غرب الإمبراطورية القيصرية, فهما لغتان متساويتان في القوة وليس في وسع إحداهما أن تتغلب على الأخرى. والقدرة على الانتشار التي نشاهدها في بعض اللغات الهندية الأوربية أو السامية كاللغة العربية مثلا ترجع بلا شك إلى أسباب معقدة، ولكن القيمة الذاتية للغة لها في ذلك نصيب.
إذا بذرت لغوية منعزلة بطريق المصادفة في بيئة تتكلم لغة مختلفة، لم يكن لهذه البذور حظ كبير في أن تبقى سليمة وربما عاجلتها اللغة المحلية فامتصتها، إذا كانت هذه الأخيرة لغة ثقافة. فنحن نعرف مقدار الصعوبة التي تلاقيها منعزلة بطريق المصادفة في بيئة تتكلم لغة مختلفة، لم يكن لهذه البذور حظ كبير في أن تبقى سليمة وربما عاجلتها اللغة المحلية فامتصتها، إذا كانت هذه الأخيرة لغة ثقافة. فنحن نعرف مقدار الصعوبة التي تلاقيها بعض الطوائف الجنسية في الولايات المتحدة للاحتفاظ بسلامة لغاتها أمام اللغة الإنجليزية، وحتى الألمانية المتكلمة هناك قد سارع إليها العطب، إذا أصبح المتكلمون بها يقولون مثلا
стр. 352
Milch gleicht der Onkelnit وهي ترجمة حرفية للعبارة الإنجليزية Uncle does not like milk "العم لا يحب اللبن"١. وحوالي منتصف القرن الثامن عشر نزلت بأسبانيا جالية شوابية واستقرت في سفح السيرا مورينا Sierra Morena. واليوم لا نجد في هذه البقاع أثرا للألمانية اللهم إلا في بعض أعلام الأسر٢. كذلك لم تستطع الفرنسية التي كانت يتكلمها الفرنسيون الذين نزحوا إلى ألمانيا أو إلى الأقاليم المنخفضة بعد العدول عن مرسوم نانت أن تقاوم تأثير اللغة المحيطة بها زمنا طويلا. وفي شمال فرنكفورت توجد بضع قرى -كان سكانها من الفرنسيين ولا يزالون- ولكنهم يتكلمون اليوم لغة القرى المجاورة، أعني الألمانية, وعلى العكس من ذلك لا تزال الألمانية صامدة منذ القرن الرابع عشر في وادي الحتشية Gottschee أي في قلب المجال السلوفاني٣، وليس من شك في أن الظروف الاقتصادية قد ساعدت على بقاء الألمانية، هذا فضلا عن تلك الهيبة التي شد من أزرها العصبية الوطنية للألمان أمام التيار السلافي. غير أنه يضاف إلى كل هذا أن الألمانية من حيث الحضارة أقدر على الإشعاع من السلوفانية. فاللغتان لا تستويان في القدرة على الكفاح. نعم يمكننا أن نفهم بسهولة كون السلوفانية التي تملك جميع الأراضي المحيطة لم تتأثر بألمانية الجتشية، ولكن احتفاظ الألمانية بمراكزها لا يمكن أن يفسر إلا بضعف السلوفانية من وجهة النظر التي نحن بصددها.
لنتجه الآن إلى بحث الأثر الذي يمكن أن تحدثه لغة مشتركة تمثل مدنية منظمة تنظيما قويا على مجموعة من اللهجات المحلية لا وحدة لها ولا تماسك بينها. وتتمثل لنا هذه الحالة في مركز البريتانية والفرنسية في مقاطعة بريتانيا. فالمنافسة بين البريتانية والفرنسية لا تشبه بحال منافسة الفرنسية والألمانية في سويسرا.
стр. 353
إذ في هذه الحالة الأخيرة تتقدم اللغتان وتتقهقران على نحو ما يفعل جيشان متجابهان فتأخر إحداهما أو تقدمها معناه انتقال في الحدود. ذلك أن الناس إما أن يتكلموا الفرنسية أو الألمانية. أما الحدود اللغوية بين البريتانية والفرنسية فلم تكن تتغير منذ قرون، رغم التقدم الأكيد الذي ربحته الفرنسية في بريتانيا١. وقد لوحظ أن البريتانية في القرن الحادي عشر الميلادي لم تكن تتعدى الحدود الجغرافية التي تحدها في يومنا هذا. وهي تتكون من خط يكاد يكون مستقيما يتجه من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي ويبدأ من بلوها Plouha على الشاطئ بين بميول Paimpol وسان برييه Saint-Brieuc ويسير حتى مصب الفيلين مارا بكنتان من أسفل وبالفن من أعلى. وعن يمين هذا الخط لا تكاد تتكلم إلا اللهجات الفرنسية المسماة "gallots" وحدها منذ تسعة قرون أو عشرة. ولنرجع الآن إلى تشبيه الجيشين المتجابهين الذي أشرنا إليه. فليس أمامنا هنا معركة منظمة ولا أرض يكسبها الغالبون باضطرارهم المغلوبين إلى التقهقر. وإنما يوجد فقط انضمام دائم لعدد كبير من عناصر إحدى اللغتين إلى الأخرى، حتى ينتهي الحال بأن تفقد إحداهما كل جنودها الوطنيين. وهذا توغل سلمي، لا حرب فيها ولا غزو.
ولنحاول لبيان ذلك أن نبحث الموقف في غرب الخط الذي رسمناه منذ قليل. فهناك قد توغلت الفرنسية في كل اللهجات البريتانية دون استثناء. ولغة المدينة تحمل معها تيارا جارفا من الكلمات الجديدة التي تمثل أشياء وأفكارا وعادات جديدة. كما أن الآداب والدين قد ملآ البريتانية بالكلمات الفرنسية، وذلك منذ نهاية القرن الخامس عشر. وهذا آت من أن الفرنسية هي التي تقدم للبريتانيين بالطبع نماذج لكتب العبادة والتهذيب فظلت البريتانية تنحصر شيئا فشيئا في الاستعمالات الزراعية والخاصة. وأخذت الخدمة العسكرية وتعليم الفرنسية في المدارس يعجلان هذه الحركة منذ نصف قرن. وفي نفس الوقت حصل شيء من التطور في ظروف المنافسة بين اللغتين.
стр. 354
ظل التوغل زمنا طويلا يقوم على نوع من التسرب غير المحسوس، إذ كانت البريتانية تتلقى على غير شعور منها عددا من الكلمات الفرنسية يزداد يوما بعد يوم, ولكن البريتانيين كانوا يوالون الكلام بالبريتانية، ولو طعمت بالكلمات الفرنسية. أما اليوم فقد أصبحت غالبية البريتانيين العظى تتكلم اللغتين، ومن ثم انتقل ميدان المنافسة بين اللغتين إلى أذهان المتكلمين أنفسهم على شكل ما.
وفي هذه المنافسة خطر على البريتانية. إذ إن الفوائد التي يمكن الحصول عليها من معرفة الفرنسية تفوق كثيرا تلك التي يمكن الحصول عليها من معرفة البريتانية وحدها, ولكون الفرنسية لغة برجوازية وتستعمل دون سواها في مجتمعات المدن فإنها تغري بنات الحقول بالتكلم بها، كما تغريهم ثياب الطبقة الراقية بلبسها.
ولكن يضاف إلى ذلك أن روابط السكان البريتانيين بالمجتمع البرجوازي تزداد يوما بعد يوم. فمنهم الموظفون في كثير من الأعمال وخدم المنازل الذين يتكلمون الفرنسية مع مخدوميهم, واتساع السياحة قد جعل من الأجنبي ومن البرجوازي مورد رزق للمواطنين، وهذا يجعل التكلم بالفرنسية ميزة وضرورة في آن واحد.
ونوع الحياة يؤثر كذلك على اللغة. فيلاحظ أن البريتانية على الشواطئ أقل منها ثباتا في الداخل، وذلك لأن البحارين يشتغلون بالطبع بعيدين عن محل إقامتهم، ولأنهم يجدون أنفسهم كل يوم في علاقات مع أفراد يتكلمون إما لغات أخرى وإما لهجات مخالفة بعض الشيء. فكان من مصلحتهم أن يستعملوا في هذه العلاقات لغة مشتركة كالفرنسية. وأخيرا لأن الجزء الساحلي من بريتانيا هو الجزء الذي تمر به طرق المواصلات الكبرى وتقع عليه المدن الرئيسية، وبالتالي هو الجزء الذي يقوم فيه التبادل التجاري ويرتاده السائحون بصورة دائمة١.
وهكذا صارت الفرنسية لغة مشتركة بالنسبة لمقاطعة بريتانيا في حين أن البريتانية بلهجاتها المتعددة لم تصل يوما إلى هذا المركز. فالتناحر بين البريتانية والفرنسية يرجع إذن في نهاية الأمر إلى فعل الأسباب الاقتصادية، ولكن قوة كل من اللغتين هي التي تحدد ظروف التناحر الخاصة.
стр. 355
يمكن أن تتنبأ باندثار البريتانية ولكن يجب ألا تتعجل القول به. لأن البريتانية ما زالت متماسكة وازدياد السكان -وهو كثير في بريتانيا المتكلمة بالبريتانية- له أثره القوى في بقاء اللغة، هذا فضلا عن تمسك البريتانيين بتقاليدهم القومية. كما أن ميزة التكلم بلغتين قد تشجع البريتانيين على استعمال البريتانية فيما بينهم. فهي لغة خاصة جاهزة تصلح ضمانا للاستقلال, وبوصفها لغة خاصة يمكنها أن تعيش زمنا طويلا للاستعمال بين طوائف معينة مثل صيادي "السردين" أو عمال الملاحات البحرية أو قاطعي الأردواز أو تجار الخيل، وفي هذه الصورة لا يستطيع إنسان أن يتنبأ لها بمقدار الزمن الذي يمكن أن تعمره، لأنها تستطيع حينئذ أن تتجدد وأن تقوى، على شرط أن تكون هناك جماعة عديدة من الناس تعمل على الاحتفاظ بسلامة اللغة الخاصة.
ومع ذلك فهناك بعض الأركان التي اندثرت منها البريتانية. فجماعات العمال في إنبون Hennebont لا تتكلم اليوم غير الفرنسية. وأكثر دلالة من ذلك حالة شبه جزيرة Guerande التي لا نرى فيها اليوم من يتكلم البريتانية من البريتانيين إلا تلك القرى الأربع التي تكون بلدة باتز Batz، وسكانها عامة من عمال الملاحات. وحتى في هذه القرى نرى أن حالة البريتانية قد أصبحت في سوء لأن محيط هذه الدائرة اللغوية يضيق شيئا فشيئا من جهة، ومن جهة أخرى نرى عدد الأفراد الذين يتكلمون البريتانية في داخلها في قلة مستمرة: حتى أنها صارت لا تستعمل الآن بين الأفراد الذين تقل سنهم عن خمسين عاما، وأصبح الأطفال لا يفهمون والديهم فنستطيع أن نتنبأ باللحظة التي تختفي فيها البريتانية نهائية من هذا الركن من الأرض.
ونحن نعرف لغات أخرى انتهت إلى هذا المصير. فالصربية أو الفندية وهي لهجة سلافية، تتكلم اليوم في شيريفالد "lusace" Spreewald؛ في حين أن أختها البولابية Polabe التي كانت تتكلم في وادي الألب الأسفل قد ماتت منذ القرن الثامن عشر. واليوم لا نرى أي أثر للبروسية، وهي لهجة بلطية كانت تحيا على الشاطئ بين دانتسج وكينجر برج في نهاية القرن السادس عشر