← Язык

Язык · id 11563

اللغة

جوزيف فندريس

Полный текст (458 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المتبربرة "Quorum nomina uix est eloqui ore Romano "Pompon Mela III,٣". لذلك قضت اللاتينية في إيطاليا نفسها على الأترسكية والأسكية والأمبرية. وقد وصلت هيبة اللاتينية إلى حد جعل بلاد الجول بعد فتحها بقرن على الأكثر ترسل من لدنها أساتذة للخطابة إلى روما. وإرادة الإغريق في ألا يضحوا لغتهم أمام لغة فاتح يحتقرونه، هي التي حفظت الإغريقية خلال العصور، فلم تستطع التركية يوما أن تحل محلها، أو حتى أن تنال منها. كان الإغريق يتكلمون لغة الفاتح في حاجاتهم الإدارية، ولكن لم يحدث إطلاقا أن la lingua del cuore سلمت لـla lingua del pane كما يقول الإيطاليون. كثيرا ما يكون لهيبة اللغة ما يبررها من قيمتها الذاتية, وهذه القيمة في حالة اللغة الإغريقية تعتبر شيئا كبيرا لأنها تفوق بكثير كل ما يمكن أن يضاف للغة التركية من فضل فالتركية، وهي لغة الفاتحين، ليست بأية حالة من لغات الحضارة، وما كانت تستطيع الكفاح ضد اللغة الإغريقية التي تمثل ثقافة من أعرق الثقافات. نستبين ما لقيمة لغة في ذاتها من أهمية في كثير من المواضع. ويمكننا على وجه التقريب أن نقدر لكل لغة درجتها في هذا الصدد. فالأرمينية تتقهقر أمام الروسية في أوربا, ولكن البولونية صمدت للروسية في غرب الإمبراطورية القيصرية, فهما لغتان متساويتان في القوة وليس في وسع إحداهما أن تتغلب على الأخرى. والقدرة على الانتشار التي نشاهدها في بعض اللغات الهندية الأوربية أو السامية كاللغة العربية مثلا ترجع بلا شك إلى أسباب معقدة، ولكن القيمة الذاتية للغة لها في ذلك نصيب. إذا بذرت لغوية منعزلة بطريق المصادفة في بيئة تتكلم لغة مختلفة، لم يكن لهذه البذور حظ كبير في أن تبقى سليمة وربما عاجلتها اللغة المحلية فامتصتها، إذا كانت هذه الأخيرة لغة ثقافة. فنحن نعرف مقدار الصعوبة التي تلاقيها منعزلة بطريق المصادفة في بيئة تتكلم لغة مختلفة، لم يكن لهذه البذور حظ كبير في أن تبقى سليمة وربما عاجلتها اللغة المحلية فامتصتها، إذا كانت هذه الأخيرة لغة ثقافة. فنحن نعرف مقدار الصعوبة التي تلاقيها بعض الطوائف الجنسية في الولايات المتحدة للاحتفاظ بسلامة لغاتها أمام اللغة الإنجليزية، وحتى الألمانية المتكلمة هناك قد سارع إليها العطب، إذا أصبح المتكلمون بها يقولون مثلا

стр. 352

Milch gleicht der Onkelnit وهي ترجمة حرفية للعبارة الإنجليزية Uncle does not like milk "العم لا يحب اللبن"١. وحوالي منتصف القرن الثامن عشر نزلت بأسبانيا جالية شوابية واستقرت في سفح السيرا مورينا Sierra Morena. واليوم لا نجد في هذه البقاع أثرا للألمانية اللهم إلا في بعض أعلام الأسر٢. كذلك لم تستطع الفرنسية التي كانت يتكلمها الفرنسيون الذين نزحوا إلى ألمانيا أو إلى الأقاليم المنخفضة بعد العدول عن مرسوم نانت أن تقاوم تأثير اللغة المحيطة بها زمنا طويلا. وفي شمال فرنكفورت توجد بضع قرى -كان سكانها من الفرنسيين ولا يزالون- ولكنهم يتكلمون اليوم لغة القرى المجاورة، أعني الألمانية, وعلى العكس من ذلك لا تزال الألمانية صامدة منذ القرن الرابع عشر في وادي الحتشية Gottschee أي في قلب المجال السلوفاني٣، وليس من شك في أن الظروف الاقتصادية قد ساعدت على بقاء الألمانية، هذا فضلا عن تلك الهيبة التي شد من أزرها العصبية الوطنية للألمان أمام التيار السلافي. غير أنه يضاف إلى كل هذا أن الألمانية من حيث الحضارة أقدر على الإشعاع من السلوفانية. فاللغتان لا تستويان في القدرة على الكفاح. نعم يمكننا أن نفهم بسهولة كون السلوفانية التي تملك جميع الأراضي المحيطة لم تتأثر بألمانية الجتشية، ولكن احتفاظ الألمانية بمراكزها لا يمكن أن يفسر إلا بضعف السلوفانية من وجهة النظر التي نحن بصددها. لنتجه الآن إلى بحث الأثر الذي يمكن أن تحدثه لغة مشتركة تمثل مدنية منظمة تنظيما قويا على مجموعة من اللهجات المحلية لا وحدة لها ولا تماسك بينها. وتتمثل لنا هذه الحالة في مركز البريتانية والفرنسية في مقاطعة بريتانيا. فالمنافسة بين البريتانية والفرنسية لا تشبه بحال منافسة الفرنسية والألمانية في سويسرا.

стр. 353

إذ في هذه الحالة الأخيرة تتقدم اللغتان وتتقهقران على نحو ما يفعل جيشان متجابهان فتأخر إحداهما أو تقدمها معناه انتقال في الحدود. ذلك أن الناس إما أن يتكلموا الفرنسية أو الألمانية. أما الحدود اللغوية بين البريتانية والفرنسية فلم تكن تتغير منذ قرون، رغم التقدم الأكيد الذي ربحته الفرنسية في بريتانيا١. وقد لوحظ أن البريتانية في القرن الحادي عشر الميلادي لم تكن تتعدى الحدود الجغرافية التي تحدها في يومنا هذا. وهي تتكون من خط يكاد يكون مستقيما يتجه من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي ويبدأ من بلوها Plouha على الشاطئ بين بميول Paimpol وسان برييه Saint-Brieuc ويسير حتى مصب الفيلين مارا بكنتان من أسفل وبالفن من أعلى. وعن يمين هذا الخط لا تكاد تتكلم إلا اللهجات الفرنسية المسماة "gallots" وحدها منذ تسعة قرون أو عشرة. ولنرجع الآن إلى تشبيه الجيشين المتجابهين الذي أشرنا إليه. فليس أمامنا هنا معركة منظمة ولا أرض يكسبها الغالبون باضطرارهم المغلوبين إلى التقهقر. وإنما يوجد فقط انضمام دائم لعدد كبير من عناصر إحدى اللغتين إلى الأخرى، حتى ينتهي الحال بأن تفقد إحداهما كل جنودها الوطنيين. وهذا توغل سلمي، لا حرب فيها ولا غزو. ولنحاول لبيان ذلك أن نبحث الموقف في غرب الخط الذي رسمناه منذ قليل. فهناك قد توغلت الفرنسية في كل اللهجات البريتانية دون استثناء. ولغة المدينة تحمل معها تيارا جارفا من الكلمات الجديدة التي تمثل أشياء وأفكارا وعادات جديدة. كما أن الآداب والدين قد ملآ البريتانية بالكلمات الفرنسية، وذلك منذ نهاية القرن الخامس عشر. وهذا آت من أن الفرنسية هي التي تقدم للبريتانيين بالطبع نماذج لكتب العبادة والتهذيب فظلت البريتانية تنحصر شيئا فشيئا في الاستعمالات الزراعية والخاصة. وأخذت الخدمة العسكرية وتعليم الفرنسية في المدارس يعجلان هذه الحركة منذ نصف قرن. وفي نفس الوقت حصل شيء من التطور في ظروف المنافسة بين اللغتين.

стр. 354

ظل التوغل زمنا طويلا يقوم على نوع من التسرب غير المحسوس، إذ كانت البريتانية تتلقى على غير شعور منها عددا من الكلمات الفرنسية يزداد يوما بعد يوم, ولكن البريتانيين كانوا يوالون الكلام بالبريتانية، ولو طعمت بالكلمات الفرنسية. أما اليوم فقد أصبحت غالبية البريتانيين العظى تتكلم اللغتين، ومن ثم انتقل ميدان المنافسة بين اللغتين إلى أذهان المتكلمين أنفسهم على شكل ما. وفي هذه المنافسة خطر على البريتانية. إذ إن الفوائد التي يمكن الحصول عليها من معرفة الفرنسية تفوق كثيرا تلك التي يمكن الحصول عليها من معرفة البريتانية وحدها, ولكون الفرنسية لغة برجوازية وتستعمل دون سواها في مجتمعات المدن فإنها تغري بنات الحقول بالتكلم بها، كما تغريهم ثياب الطبقة الراقية بلبسها. ولكن يضاف إلى ذلك أن روابط السكان البريتانيين بالمجتمع البرجوازي تزداد يوما بعد يوم. فمنهم الموظفون في كثير من الأعمال وخدم المنازل الذين يتكلمون الفرنسية مع مخدوميهم, واتساع السياحة قد جعل من الأجنبي ومن البرجوازي مورد رزق للمواطنين، وهذا يجعل التكلم بالفرنسية ميزة وضرورة في آن واحد. ونوع الحياة يؤثر كذلك على اللغة. فيلاحظ أن البريتانية على الشواطئ أقل منها ثباتا في الداخل، وذلك لأن البحارين يشتغلون بالطبع بعيدين عن محل إقامتهم، ولأنهم يجدون أنفسهم كل يوم في علاقات مع أفراد يتكلمون إما لغات أخرى وإما لهجات مخالفة بعض الشيء. فكان من مصلحتهم أن يستعملوا في هذه العلاقات لغة مشتركة كالفرنسية. وأخيرا لأن الجزء الساحلي من بريتانيا هو الجزء الذي تمر به طرق المواصلات الكبرى وتقع عليه المدن الرئيسية، وبالتالي هو الجزء الذي يقوم فيه التبادل التجاري ويرتاده السائحون بصورة دائمة١. وهكذا صارت الفرنسية لغة مشتركة بالنسبة لمقاطعة بريتانيا في حين أن البريتانية بلهجاتها المتعددة لم تصل يوما إلى هذا المركز. فالتناحر بين البريتانية والفرنسية يرجع إذن في نهاية الأمر إلى فعل الأسباب الاقتصادية، ولكن قوة كل من اللغتين هي التي تحدد ظروف التناحر الخاصة.

стр. 355

يمكن أن تتنبأ باندثار البريتانية ولكن يجب ألا تتعجل القول به. لأن البريتانية ما زالت متماسكة وازدياد السكان -وهو كثير في بريتانيا المتكلمة بالبريتانية- له أثره القوى في بقاء اللغة، هذا فضلا عن تمسك البريتانيين بتقاليدهم القومية. كما أن ميزة التكلم بلغتين قد تشجع البريتانيين على استعمال البريتانية فيما بينهم. فهي لغة خاصة جاهزة تصلح ضمانا للاستقلال, وبوصفها لغة خاصة يمكنها أن تعيش زمنا طويلا للاستعمال بين طوائف معينة مثل صيادي "السردين" أو عمال الملاحات البحرية أو قاطعي الأردواز أو تجار الخيل، وفي هذه الصورة لا يستطيع إنسان أن يتنبأ لها بمقدار الزمن الذي يمكن أن تعمره، لأنها تستطيع حينئذ أن تتجدد وأن تقوى، على شرط أن تكون هناك جماعة عديدة من الناس تعمل على الاحتفاظ بسلامة اللغة الخاصة. ومع ذلك فهناك بعض الأركان التي اندثرت منها البريتانية. فجماعات العمال في إنبون Hennebont لا تتكلم اليوم غير الفرنسية. وأكثر دلالة من ذلك حالة شبه جزيرة Guerande التي لا نرى فيها اليوم من يتكلم البريتانية من البريتانيين إلا تلك القرى الأربع التي تكون بلدة باتز Batz، وسكانها عامة من عمال الملاحات. وحتى في هذه القرى نرى أن حالة البريتانية قد أصبحت في سوء لأن محيط هذه الدائرة اللغوية يضيق شيئا فشيئا من جهة، ومن جهة أخرى نرى عدد الأفراد الذين يتكلمون البريتانية في داخلها في قلة مستمرة: حتى أنها صارت لا تستعمل الآن بين الأفراد الذين تقل سنهم عن خمسين عاما، وأصبح الأطفال لا يفهمون والديهم فنستطيع أن نتنبأ باللحظة التي تختفي فيها البريتانية نهائية من هذا الركن من الأرض. ونحن نعرف لغات أخرى انتهت إلى هذا المصير. فالصربية أو الفندية وهي لهجة سلافية، تتكلم اليوم في شيريفالد "lusace" Spreewald؛ في حين أن أختها البولابية Polabe التي كانت تتكلم في وادي الألب الأسفل قد ماتت منذ القرن الثامن عشر. واليوم لا نرى أي أثر للبروسية، وهي لهجة بلطية كانت تحيا على الشاطئ بين دانتسج وكينجر برج في نهاية القرن السادس عشر

стр. 356

واختفت عمليا في إنجلترا الكرنوالية، وهي لهجة كلتية، كانت تحتل في العصور الوسطى شبه جزيرة كرنوول Cornwall كلها بما فيها ديفون Devon المعروفة الآن، وتصل حتى في مجال اللغة الغالية عبر قناة برستول. إذ إن السيدة التي قيل إنها آخر من تكلم الكرنوالية، واسمها دللي بنتريث Dally Pentreath، قد توفيت في السادس والعشرين من شهر ديسمبر سنة ١٧٧٧ في سان بول بالقرب من بنزانس Pensance في سن الثانية بعد المائة. ولكنه قد أمكن للباحثين في قلب القرن التاسع عشر أن يتلقفوا من أفواه الفلاحين بقايا أدعية وشتائم وأطرافا من جمل بالكرنوالية، وفي سنة ١٨٧٥ كان يوجد من بين الشيوخ من يستطيع أن يعد حتى العشرين بالكرنوالية١. وهنا نتساءل عما يقصد بموت لغة من اللغات وإلى أي درجة يسمح لنا بتحديده. ذابت البولايية في الألمانية، كما ذابت الكرنوالية في الإنجليزية وفي عهدنا الحاضر تذوب البريتانية شيئا فشيئا في الفرنسية. وقد بقيت في إنجليزية كرنوول آثار كثيرة من لغة الإقليم القديمة، وذلك بغض النظر عن الكلمات الكرنوالية القديمة ومجاميع الكلمات التي أبقت عليها التقاليد. كذلك نجد أثر البريتانية في الفرنسية المتكلمة في بريتانيا وأثر الإرلندية في الإنجليزية المتكلمة في إيرلندة٢، ففضلا عن كون المفردات مشربة بكلمات وتراكيب مأخوذة من اللغة المحلية. نجد هذه اللغة تفعل فعلها في النظام الصوتي بل في بعض تفاصيل النظام الصرفي أيضا، كترتيب الكلمات واستعمال حروف الجر مثلا. وهكذا نرى النبر في كثير من الأحيان يوضع في الفرنسية المستعملة في المدن البريتانية على الطريقة البريتانية ويحتفظ بالشدة التي يتميز بها في البريتانية. فعندما يتكلم الفرنسية أهل كمبير Qumper ينبرون المقطع السابق للأخير نبرا قويا، ويقلبون الحروف المجهورة في آخر الكلمة ولا سيما الرخوة منها إلى مهموسة

стр. 357

فيقال: "une chemisse, neuf un fromache" "حيث قلبت الزاي والفاء والـ ج إلى س، وف، وش على التوالي"؛ ويستعملون الفعل faire "يعمل" فعلا مساعدا حقيقيا على نحو ما يستعمل ober في البريتانية فيقال: pour que le diable s'irrite بدلا من faire le diable s'irriter، ويدخلون على معمول الفعل المبني للمجهول الحرف Avec "بالبريتانية gant" فيقال tue avec son voisin "بدلا من: par"، إلخ. كذلك يقال في إنجليزية إيرلندة اتباعا للاستعمال الإرلندي "I will take it of you" بدلا من "from you" أو "he went against his father" بمعنى "to meet his father" أو "what way are you?" بمعنى "كيف حالك؟ " أو "on the head of it" "بمناسبة ذلك"، وهما ترجمة للعبارتين الإرلنديتين ann a cheaun و cad chaoi bh-fialu tu? وهكذا نرى البريتانية والإرلندية مع تشربهما للعناصر الفرنسية والإنجليزية، تؤثر كل منهما في اللغة التي تغير عليها. هل يأتي يوم تتوغل فيه الفرنسية في البريتانية حتى تصير الأخيرة كأنها لهجة متأخرة لا تكاد تبدو أكثر تخصصا من غيرها وإن احتفظت بخصائص مختلفة؟ لو صح هذا لكان من المستحيل تحديد تاريخ لموت لغة؛ لأن في هذه الحال يبقى دائما من اللغة المندثرة أشياء من النطق وتراكيب نحوية، وعلى الأخص تبقى كلمات منعزلة تبدو كأنها استعارات أخذتها الفرنسية من البريتانية، وهي في الحقيقة بقايا من اللغة البريتانية تحيط بها عناصر فرنسية مستعارة، حتى يأتي حين لا يعرف المتكلم ما إذا كان يتكلم البريتانية وقد أشبعت بالفرنسية أو الفرنسية وقد بقيت فيها آثار من البريتانية. ولو أن البريتانية قد ذابت في الفرنسية كما تذوب قطعة السكر في مقدار من الماء، لربما جاز لنا أن نقول إن البريتانية لم تعد توجد. ولكن ألا يكون ذلك حكما على ظاهر الحال فحسب؟ إذ الواقع أن البريتانية قد تعتبر موجودة ما دامت بعض العناصر المستعارة منها باقية في الاستعمال ولكن لا يصح في هذا الحال أن تعتبر اللغة الجولية لغة ميتة لأن الفرنسية فيها قليل من

стр. 358

الكلمات الآتية منها، ويجب أن نقول إننا نتكلم إلى جانب اللاتينية عددا من اللغات الأخرى، معروفة أو غير معروفة، وهي اللغات التي اختلطت باللاتينية أو الفرنسية. تفسير الوقائع على هذا النحو يتفق مع النظرية القائلة إن كل اللغات تعتبر لغات مختلطة ولو إلى حد ما ولكن هناك نظرية أخرى١ تذهب إلى أن الإنسان لا يتكلم مطلقا في الوقت الواحد إلا لغة واحدة، وأن وحدة اللغة المتكلمة تستقر بكل بساطة في شعور المتكلم، ولا عبرة بعد ذلك لما يكتشفه التحليل في هذه اللغة من عناصر أجنبية، نعم، من الممكن أن تذوب لغة في أخرى، ولكن هذا لا يمنع من أن المتكلم إذا أراد الانتقال من هذه إلى تلك وجد أمامه خطوة يجب عليه أن يخطوها، ولا بد من أن تقابله لحظة يشعر فيها بأنه يترك اللغة الأولى ليتخذ الثانية. فالفرنسية لغة لاتينية والإنجليزية لغة جرمانية، مهما كانت التأثيرات الخارجية التي أثرت عليهما، لأننا نشعر بأننا نتكلم لغة أسلافنا، ولأننا إذا رجعنا بالتاريخ إلى الوراء حتى نصل إلى اللاتينية المشتركة أو الجرمانية المشتركة، وجدنا سلسلة متصلة الحلقات من الناس كان في عزمهم وشعورهم أنهم يتوارثون لغة واحدة بعينها. هاتان نظريتان متعارضتان. فإذا أردنا أن نوفق بينهما، وجب علينا أن نبحث إلى أي حد تستطيع العناصر الأجنبية أن تفسد وحدة اللغة التي تضاف إليها. لندع جانبا استعارة المفردات التي تتبادلها اللغات فيما بينها, فمن خصائص هذه المستعارات أنها لا تحتم كون المتكلم يتكلم اللغة التي استعيرت منها أو حتى معرفته بها, وشباننا الرياضيون الذين تمتلئ لغتهم بالكلمات الإنجليزية نطقا صحيحا. فاستعارة المفردات، مهما اشتد أمرها، يمكن إذن أن تظل مسألة خارجة عن اللغة.

стр. 359

ولكن هناك أنواع من الاستعارة تستلزم وجود توغل داخلي بين النظامين اللغويين وهي حالات النسخ التي قدمنا لها بعض الأمثلة "انظر ص٢٦٣". ينتج النسخ عادة من اختلاط صورتين كلاميتين تنتمي كل واحدة منهما إلى لغة مختلفة، وقد اختلطتا على المتكلم. وقد يقع هذا الاختلاط في كلمات أو في تراكيب، ولكن السبب فيها جميعا واحد. فالتلميذ الصغير الذي يخطئ فيترجم donne-moi ma vache "أعطني بقرتي" بقوله da mihi mia vacca "وذلك برفع بقرة" أو PEIRRE EST LE ROI "بيير هو الملك" PETRUS EST REGEM, فإنه يكون متأثرا بكون كلمة MA VACHE "بقرتي" أو LE ROI "الملك" يستعملان في الفرنسية بصورة واحدة في حالتي المسند إليه والمسند أيا كان. وهذا عين ما يحدث عندما يترجم السلوفاني الجملة الإيطالية dammi la mia vacca بقوله: dajmi moja krava "باستعمال الرفع بدلا من النصب". وليس هذا ما يصح أي نسميه بالخلط بين الحالات، ذلك الخلط الذي تبقى فيه حالة الفاعل وحالة المفعول متميزتين مهما كان تركيب الجملة، بل هو خلط الصور الكلامية حيث نرى المتكلم يتكلم الإيطالية بالسلوفانية١. وهذا ما حصل، مع اختلاف طفيف، للكاتب السويسرى ك. ف. مير K. F. Meyer حين كتب Er ist kranker als du nicht denkst "حرفيا: "إنه أكثر مرضا مما لا تتصور"". فهذه الغلطة ترجع إلى أن الكاتب يتصور التفضيل في صورة سلبية على نحو ما يفعل الفرنسيون والإيطاليون عادة، فهو قد جمع بين تفكير روماني وتعبير جرماني. هذا النوع من الخطأ واسع الانتشار. فقد ينسخ نظام الجمل، وبذلك ينتقل ترتيب الكلمات أحيانا من بعض اللغات إلى لغات مجاورة لها. فالألمانية النمساوية مثلا تسير على حرية كبيرة في ترتيب الكلمات، وذلك تحت تأثير اللغات السلافية إذ نراها لا تحجم عن وضع المسند أو المفعول في رأس الجملة فتقول Guten Morgen wusch'ich Ihnen "نهارا سعيدا أتمنى لك" أو Recht hat Er "حق عنده" و Gut ist's gegangen "بخير لقد مر ذلك"، إلخ، وذلك وفقا لما يقال في

стр. 360

السلافية. وقد نسمع في بوهيميا من يقول: Schwester haben wir ganz kleine "أخوات لنا صغيرات جدا" وذلك على حد قول التشيكية sestru mama malickou. وفي جنوب النمسا يتجلى تأثير السلافية في موضع النفي بوجه خاص مثل: nicht scheut er sich ihn zu verleumden "لا يستحي من أن يغتابه"، وهذه ترجمة عن السلوفانية ne se sramuje gabroekovati. إذا تعود إنسان على الكلام بلغتين مختلفتين تعرض عن غير شعور منه لاستعمال طرق التعبير الخاصة بإحداهما عند الكلام بالأخرى. ففي الغالية يعبر عن التفضيل المطلق في الصفات باستعمال iawn "حقيقي" التي تقابل الكلمة الإنجليزية very؛ ومن ثم كانت عبارة da iawn "حسن جدا" صورة من العبارة الإنجليزية very good واستعمال الظروف التي تضاف للفعل لتعديل معناه تعد صفة تتميز بها اللغات الجرمانية. ولكنها نجدها في الأقاليم المجاورة للإنجليزية والألمانية حيث ترجع إلى تأثير هاتين اللغتين. ففي الغالية نجد عبارة cael allan صورة من to find out وعبارة dy fodi fyny صورة من to come up، وعبارة torri i lawr صورة من to break down وعبارة rhoddi i fyny صورة من to give up. وفي جائيلية أسكتلندة cuir as ترجمة حرفية لعبارة to put out وعبارة cuir air ترجمة للتركيب "to put on"، إلخ. واللادينية Ladin وهي لهجة رومانية تتكلم في إقليم الجريزون بسويسرا، تقول متأثرة بالألمانية drizzer our "ينفذ" "من الألمانية: aus-richten" أو gnir avaunt "ينتج" "من الألمانية vor-kommen" أو vain aint "يختبر" "من الألمانية ein-sehen" وهنا نجد أنفسنا قد وصلنا إلى الحدود بين المفردات والنظام الصرفي. تبدو بعض حالات من النسخ أقرب إلى النظام الصرفي من تلك الحالات المتقدمة، بل منها ما يؤثر في هذا النظام. فقد نشأ في بعض اللهجات المحلية البولونية المعرضة للاحتكاك بالألمانية، نوع من الماضي غير المحدد يصاغ بمساعدة فعل الملك

стр. 361

حيث يقال: ja to mom sprezedane "بالفرنسية j'ai vendu "بعت"" من الألمانية: ICH HABE VERKAUFT وذلك بدلا من الصيغة البولونية الصحيحة SPRZEDATEM١. يوجد في إقليم كمبوبسو CAMPOBASSO مستعمرة صربية كرواتية أقبلت من إليريا حوالي القرن الخامس عشر، ولا تزال حتى اليوم تتكلم لهجة من نوع الاستكافيه stokavien، وقد لوحظ عليهم استعمال الأداة الإيطالية في جملة سلافية كلها: da mi kaze le pute "كي يريني الطرق". والسلوفانية لم تستعر من الألمانية أفعالا وظروفا وأدوات وأسماء أعلام فحسب. بل لقد خلقت لها أداة تعريف، وكثيرا ما تستعمل المبني للمجهول على مثال الألمانية٢. ويبدو في برتغالية مينجالور Mangalore في الهند ميل إلى الدلالة على الملكية باستعمال S متأثرة في هذا باللغة الإنجليزية. حيث بدءوا بقولهم governor's casa على مثال governor's house ثم قالوا governador's casa، وهكذا أصبح في حوزة البرتغالية دالة نسبة إنجليزية. ونحن نعرف أنه كثيرا ما لوحظ في لغات مختلفة أصلا ومتجاورة جغرافيا، وجود خصائص صوتية مشتركة "انظر ص٨١, ٨٢". وكذلك الحال بالنسبة للنظام الصرفي. فاستعمال مفعول الآلة استعمال المسند الذي يوجد في الفنلندية، قد انتشر في اللغات الهندية الأوربية "السلافية والبلطية" التي احتكت باللغات الفنلندية٣. وهذا لا يمنع من اختلاف اللغات السلافية عن اللغات الفنلندية من جهة النظام الصرفي. ومع ذلك فمثل هذا النوع من الاستعارة يمس سلامة هذا النظام وما دامت الاستعارة مقصورة على عدد قليل من التراكيب أمكن اعتبارها من استعارة المفردات، أما إذا صار التركيب المستعار مثالا يحتذى وفرض على

стр. 362

العقل صورة كلامية معينة، كانت اللغة في هذه الحال قد أدخلت في نظامها وسيلة صرفية جديدة. وقد يصل الأمر باللغة إلى إقصاء وسيلة سابقة إقصاء تاما. لنفرض مثلا أن البرتغالية اتخذت التركيب homem's casa على طول الخط بدلا من a casa do homem فلن يغير هذا بطبيعة الحال من النظام الصرفي العام للغة، لأنه لم يتغير فيه إلا عجلة واحدة، إلا قطعة واحدة دخلت عرضا في آليته. ولكن إذا أصيب النظام الصرفي البرتغالي بعدد من هذه التغيرات، أفلا يمكن أن يأتي وقت لا يستطيع فيه المتكلم أن يحس تماما ما إذا كان يتكلم الإنجليزية أم البرتغالية، ولا يستطيع العالم اللغوي في هذه الحالة أن يحكم بهذا أو بذلك؟ كان يمكننا أن نستمد من دراسة بعض اللغات المختلطة معلومة قيمة تساعدنا في الإجابة عن هذا السؤال. ومثل هذه اللغات موجودة بالفعل، ولكنها بكل أسف توجد في ظروف تقلل من قيمة الاستشهاد بها. فقد ذكرنا مثل اللغة الغجرية الأرمينية التي اتخذت نظام الأرمينية الصرفي بأكمله مع استبقائها لمفرداتها، أي أنها الأن ليست إلا الأرمينية بمفردات غجرية. وهذا المثل يجد له ما يعضده في غجرية إنجلترا. ففي التاريخ القديم كان الغجر في إنجلترا يتكلمون لغة غجرية محضة، وبعد ذلك احتفظوا بمفرداتهم الغجرية وأخذوا يركبونها في الجمل مستعملين دوال النسبة الإنجليزية. فمثل هذه الجملة kowova te jal adre mi Duvelesko keri kana merova "أتمنى أن أذهب إلى بيت الله عندما أموت". صارت في الغجرية الحديثة١ l'dkom to jal adre mi Duvel's ker when manbi mer's هاتان الحالتان تتطابقان ويجب أن يفسر بطريقة واحدة. ولكن غرابتهما تجعل الناظر يرتاب في كونهما اصطناعيتين ولو جزئيا على الأقل. وقد تظننا أمام تعمية يراد بها جعل الإنجليزية والأرمينية بكلمات غير مفهومتين وذلك بالاستعاضة عن الكلمات الإنجليزية والأرمينية بكلمات غجرية وإذا صح ذلك لم يجز لنا أن نقول: إن الغجر قد اتخذوا النظام الصرفي للغة

стр. 363

غير لغتهم، بل إنهم شوهوا الإنجليزية أو الأرمينية. وعندئذ يكون من المجازفة أن تخرج من هذه الحالة بنتيجة نهائية. ولكن من خصائص اللغات المختلطة أن تكون أيضا لغات بالية على وجه العموم وهذه الحقيقة تساعدنا على أن نفهم تكوينها فهما دقيقا. تبادل التأثير الذي تخضع له اللغات المحتكة بعضها ببعض ينشأ عنه تبادل البلى. لأن حاجة الأفراد إلى إيجاد وسيلة عاجلة للتفاهم تدفعهم إلى القيام بتضحية مشتركة، وذلك بأن يبعد كل فريق من لغته ما هو خاص بها وحدها وألا يبقي إلا السمات العامة التي تشاركها فيها اللغات المجاورة. بلاد القوقاز في وقتنا الحاضر كجزيرة البلقان ميدان لاختلاط اللغات فالتترية والأرمينية والجرجية والشركسية تغمرها باللهجات المتنوعة، تلك اللهجات التي يختلف بعضها عن بعض إلى حد يعجز اللغويين أحيانا عن تحديد ما بينها من قرابة. والسبب الأساسي في التغير السريع الذي يطرأ على هذه اللغات يقوم على تأثير اللغات المجاورة فيها. وهذه الحال تقدم لنا خير المثل على البلى الذي يحدثه الاحتكاك فنقابل في الجزء الجنوبي الشرقي من الداغستاني، على ضفتي نهر السامور، سلسلة من اللهجات التي تنتمي إلى مجموعة اللغات الكورينية. وتعمر هذه اللهجات اللغتان الأرمينية والتترية شيئا فشيئا، فتضيفان من مجالها تدريجيا، وحتى في داخل الدائرة الضيقة التي تتكلم فيها هذه اللهجات، نرى هاتين اللغتين المتجاورتين قد نالتا من سلامتها، وليس البلى على درجة واحدة في كل مكان ولكنه محسوس على كل حال، ويذكر أ. در A. Dirr -وهو خير من درس هذه المسألة١- أن تبسيط النظام الصرفي أظهر نتائج هذا العمل. أكد جريم Grimm منذ ١٨١٩ أن فقدان النحو٢ نتيجة حتمية لصراع اللغات. والواقع أن هذه النتيجة ليست حتمية. ولكنا نشاهد وقوعها في كثير

стр. 364

من الأحيان. فاللغات التي تنتقل تفقد على وجه العموم خصائصها الفردية بأسرع من غيرها وذلك لأنها معرضة لتأثيرات متعددة ومتنوعة تقع عليها من لغات تختلف عنها كثيرا في غالب الأحيان. والانتقال في غالب أمره سبب في التحلل اللغوي. وهذا يفسر لنا الاختلاف المشاهد بين اللهجات الإغريقية في المستعمرات واللهجات الإغريقية في بلاد الإغريق نفسها. إذ يجب أن نضيف إلى الأسباب الوجيهة حقا التي ذكرت لتفسير هذا الاختلاف "انظر الصفحات الأخيرة من الخاتمة" تأثير اللغات غير الإغريقية التي كانت مستعملة في الأقطار التي مد الإغريق إليها نشاطهم. فيمكننا أن نسلم بأن تبسيط النظام الصرفي نسبيا وتحطيم بعض السمات الصوتية في لهجات هذه المستعمرات يرجعان إلى مجاورة تلك اللهجات للغات مختلفة، حتى ولو لم نسلم بأن تلك اللغات قد أثرت في بنية اللهجات نفسها. ذلك أن الناس الذين كانوا يتكلمون هذه اللغات قد أخذوا يتكلمون الإغريقية، ففرضوا على الإغريق عادات جديدة اطمأن إليها الإغريق أنفسهم بمضي الزمن، ولا سيما وقد كانوا قليلي العدد.

стр. 365

اللغة المسماة PIDGIN-ENGLISH التي تعد لغة مشتركة في مواني الشرق الأقصى واللهجة التي يطلق عليها BROKEN-ENGLISH "الإنجليزية المكسرة" التي يتكلمها سكان سيراليون الأصليون، تعد كل منهما أيضا لغة مختلطة كالسبيرية١. وأساس البدجن إنجلش، اللغة الصينية التي تتميز بضآلة نحوها. وما هي في حقيقة أمرها إلا اللغة الصينية بمفردات إنجليزية. فقد تمكن القائمون بهذا الأمر أن يكونوا من المفردات الإنجليزية -وهي خير ما يصلح لهذا الغرض- جملا تسير في ترتيب الكلمات على مثال الجمل الصينية. وينتج من ذلك في غالب الأمر مركب عجيب يبرهن على وجود تشابه محسوس بين اللغتين. فعندنا في هذه الحالة لغة تقوم على أساس المزج، ولكن خلو هذه اللغة من النحو خلوا يكاد يكون تاما قد رشحها بصورة عجيبة للقيام بالدور الذي ألقي على عاتقها. ولغات المولدين أيضا يمكن أن تعد أمثلة للغات المختلطة. وهي تستند على لغة أوربية إما الفرنسية أو الأسبانية أو الإنجليزية، ولكن هذه اللغات قد تجردت من خصائصها الصرفية فأصبحت في حالة تشبه حالة الغبار فهي رمال ذهبت عنها المادة الجيرية، وأحجار لا ملاط بينها، ومادة متحللة لا قوام لها. ذلك لأن حاجة السكان الأصليين في معاملتهم التجارية إلى التكلم مع التجار الأجانب قد دفعتهم إلى تعلم اللغة الأجنبية التي حلت بمضي الزمن محل لغتهم الأصلية. ولكن هذا التعلم لم يكن كاملا على الإطلاق؛ بل كان يقتصر على السمات السطحية للغة، وعلى العبارات التي تدل على الأشياء الشائعة الاستعمال والأفعال الضرورية للحياة. أما عنصر اللغة الداخلي بما فيه من تعقيدات دقيقة، فلم يهضمه إطلاقا المواطن الأصلي. يمكننا أن نقول إن لهذه الظاهرة عللا اجتماعية. فكلام المولدين كلام قوم منحطين ومرءوسين، لم يعمل رؤساؤهم يوما على جعلهم يتكلمون لغة صحيحة ولم يريدوا

стр. 366

أن يعملوا ذلك إطلاقا. فتعتبر لغاتهم من اللغات الخاصة إلى حد ما، على النحو الذي كانت عليه اللغات الغجرية الآنفة الذكر، ولكن مع اختلاف الأسباب، ولكن يبقى أن لغات المولدين تعتبر لغات مختلطة كالسبيرية والبدجن إنجلش والإنجليزية "المكسرة"، وقد نتجت من اختلاط لغتين أو أكثر، ولما كانت خالية من نظام صرفي مميز لها، لم يكن في وسع واحدة من اللغات الداخلة في تكوينها أن تدعيها لنفسها. فهذا مثل حقيقي من الخلاسية اللغوية. وسنرى النتائج التي تنجم عنها في الفصل التالي.

стр. 367

الفصل الخامس: القرابة اللغوية, والمنهج المقارن ١: استعمال عبارة "القرابة" في مسائل اللغة يؤدي إلى لبس كبير، وكثيرا ما أوقع في الخطأ أشخاصا من غير العارفين بالأمور اللغوية. بل أخطر من ذلك أن بعض علماء اللغات أنفسهم قد أخذوا أحيانا هذا التعبير المجازي، على علاته وراحو يضعون القوائم بأنساب اللغات على طريقة أوزييه Hozier. وظن بعضهم منذ ذلك الحين أنه في حل من القول بأن اللاتينية قد ولدت الفرنسية أو الإيطالية، ومن الكلام عن اللغات الأمهات واللغات البنات واللغات الأخوات. وكلها مصطلحات سيئة لأنها تعطي فكرة زائفة عن علاقة اللغات بعضها ببعض. إذ لا شيء من الشبه بين قرابة اللغات وبين التتابع أو التولد بالمعنى الفسيولوجي لهذه المصطلحات. لا يتأتى لإحدى اللغات أن تلد لغة أخرى، وليس في وسع أي عالم لغوي أن يحدد الساعة التي وقع فيها هذا الميلاد. فإذا قلنا إن الفرنسية قد خرجت من اللاتينية، فمعنى ذلك أن الفرنسية هي الصورة التي صارت إليها اللاتينية خلال العصور في إقليم من الأقاليم. وإذن فليست الفرنسية في كثير من الوجوه إلا اللاتينية نفسها. وكلما أو غلنا في تاريخ اللغة الفرنسية، وجدنا حالات متنوعة يتلو بعضها بعضا وتقربنا شيئا فشيئا من اللغة اللاتينية. ومع ذلك فمن المحال أن نعين الحد الذي تنتهي عنده اللاتينية وتبدأ الفرنسية. وتاريخ اللغة الفرنسية

стр. 368

مشحون بالثغرات، فهناك فترات لا نعرف عنها إلا القليل، وكانت ذات أثر حاسم في تكوين هذه اللغة. ومن جهة أخرى لم تكن الحركة التي ابتعدت بالفرنسية عن اللاتينية متماثلة الأجزاء، ومع ذلك فبين اللاتينية والفرنسية، رغم تنوع الأحوال التي تقلبت على الفرنسية، استمرار تاريخي هو الذي يكون القرابة بين اللغتين. وهذا هو الوجه الأول من وجهي المسألة، ويمكننا أن نسميه بالتتابع. وهناك وجه آخر يجب أن يحسب حسابه، وهو الوجه الوضعي Synchronisme. يمكننا بسهولة بناء على ما قلناه في الانفصال الطبيعي لإحدى اللغات، أن نطلق مصطلح القرابة اللغوية أيضا على لهجتين خارجتين من لغة واحدة. فقد يحدث في بعض المناطق أن تنقسم لغة من اللغات، التي يتكلمها أصحابها في صورة واحدة لا اختلاف فيها، إلى عدد من مجاميع اللهجات تتميز كل منها ببعض الخصائص التي تمتد إلى عدد من المجاميع المجاورة. عندئذ يقال بأن هذه المجاميع ترتبط بصلة القرابة، وتظل كذلك مهما كانت التغيرات التي تصيب كل واحدة منها. ومهما عظم البون بين اللغة المشتركة المبدئية وبين اللهجات التي خلقها الانقسام، فإنه يجب التسليم بوجود القرابة ما دامت ثابتة تاريخيا. ولا ينبغي لنا أن ندخل في حسابنا هنا تلك الفوارق التي تفرضها الحالة السياسية أو الاجتماعية على اللغة فالقرابة اللغوية تضم دون أي تمييز اللهجات التي نزلت إلى طبقة اللغات المحلية. أو الرطانات أو العاميات الخاصة بأرباب الصناعات وتلك اللهجات التي ارتفعت إلى مصاف اللغات المشتركة. فالبيكاردية والبواتية والنورماندية كلها قريبة بعضها من بعض، وقريبة أيضا للفرنسية، لهجة الإيل دي فرانس التي صارت لغة مشتركة لأقاليم مترامية الأطراف. وإذا كان من يتصدى لتأريخ اللغة الفرنسية يهتم بتمييز جميع الفروع التي تنطوي عليها هذه اللغة، فإن من حق من يريد أن يشمل تطور اللغة بنظرة عامة أن يعتبرها وحدة متحركة خلال العصور التي مرت بها. والواقع أن التغيرات التي أصابت اللغة

стр. 369

ترجع في معظمها إلى تطورها الذاتي. أما تفتت اللهجات وتكوين اللغة المشتركة وامتدادها إلى اللغات المحلية حتى تتوغل فيها شيئا فشيئا، ذلك العمل الواسع الذي أجملنا تاريخه فيما تقدم، فكل هذا قد وقع داخل اللغة الفرنسية نفسها دون أن يقلق إطلاقا صلات القرابة التي بين لهجاتها١. ومع ذلك فالقرابة درجات. فالبروفنسية le provencal مثلا لغة مشتركة تضم عددا كبيرا من اللهجات المحلية التي تسير معها جنبا إلى جنب. ونحن نعرف أن هذه البروفنسية نشأت من توحد لهجات محلية، وهذه اللهجات نفسها خارجة من المصدر نفسه الذي خرجت منه لهجات شمال فرنسا، أي أنها هي الأخرى من اللاتينية. فمما لا يحتاج إلى بيان إذن أن تكون صلة القرابة بين اللهجات البروفنسية المحلية بعضها وبعض أوثق من القرابة التي تجمع بين أية واحدة من هذه اللهجات نفسها وبين إحدى اللهجات الفرنسية المحلية. ذلك لأن الفرنسية والبروفنسية تجتمعان في طور بعينه من أطوار اللغة يعد سابقا عليهما. فهما حالتان مختلفتان من لغة واحدة. وقد ظلتا على اختلافهما في خلال العصور، وهذه اللغة الواحدة يمكننا أن نسميها لاتينية الجول العامية. وإن كانت التسمية لا تعنينا كثيرا. ومعنى ذلك أننا إذا أردنا تحقيق القرابة بين اللغتين، اضطررنا إلى أن نؤلف بين الوجهين اللذين أشرنا إليهما فيما تقدم, الوجه التتابعي والوجه الوضعي. ولكن هذا التأليف قد يمتد بنا إلى ما وراء ذلك، قد يتسع في الزمان والمكان حتى يشمل جميع اللغات الرومانية الصادرة عن اللاتينية أيضا. فاللغة التي سميناها لاتينية الجول العامية ليست إلا صورة خاصة قد لا تختلف إلا قليلا عن اللاتينية العامية العامة التي أخرجت الإيطالية في إيطاليا والأسبانية في أسبانيا والبرتغالية في البرتغال والرومانية في رومانيا ولغات أخرى أقل أهمية من هذه اللغات. كل هذه اللغات تعتبر لغات مشتركة صقلتها التقاليد الأدبية، وعملت

стр. 370

الظروف السياسية على بقائها وتعميمها وكل منها تضم عددا كبيرا من اللهجات وفروعها وقرابة هذه اللهجات جميعا بعضها ببعض "بغض النظر عن اختلاف اللغات المشتركة" وقرابة اللهجات المحلية كلتاهما على درجات كثيرة. إذ إن بعضها لا يزال أكثر اقترابا من البعض الآخر، لأن اختلاف كل منها عن صواحبها لم يتحقق إلا منذ عهد قريب. ولكن فريقا منها، قد انفصلت لهجاته منذ عهد بعيد، فلم يبق بينها تشابه كبير. وذلك كما لو قارنا رطانة برتغالية برطانة رومانية مثلا. ويقوم التباعد على وقوع تطورات مستقلة، وذلك بغض النظر عن التأثيرات الخارجية التي لا نتكلم عنها الآن، ومع ذلك فليست البرتغالية والرومانية في نظر العالم اللغوي إلا صورتين من لغة واحدة هي اللاتينية. ونحن نعرف هذه اللاتينية. فيجوز لنا إذن أن نقدر الطريق التي قطعته حتى وصلت إلى اللغات الرومانية المستعملة اليوم، وأن نحدد درجات القرابة على ضوء التغيرات التي وقعت وعلى أهمية كل منها. ولسنا في حاجة إلى بيان المعونة الهامة التي تقدمها للباحثين في هذه اللغات معرفتهم بالتاريخ السياسي والاجتماعي, فهي رقابة دائمة ووسيلة قيمة لتحديد التاريخ الدقيق لكل تقلب من التقلبات التي مرت بها الشعوب واللغات في آن واحد, ولكن الوثائق التي في متناول يدنا تقف عند اللاتينية؛ فلسنا نعرف شيئا عن حالات اللاتينية السابقة للقرن الثالث قبل الميلاد أو حوالي ذلك التاريخ, وبهذا نفقد خير وسيلة للتحديد وخير ضمان نستند عليه في تحقيق قرابات تقوم على ظروف اللغة والتاريخ معا. ومع ذلك ففي وسعنا أن نرقى في بحثنا إلى ما قبل اللاتينية بفضل المنهج المقارن الذي يجب علينا الآن أن نحدد مداه١. ليس المنهج المقارن إلا امتدادا للمنهج التاريخي في أعماق الماضي السحيق.

стр. 371

وينحصر في نقل منهج التفكير الذي يطلق على العهود التاريخية إلى عهود لا نملك عنها أية وثيقة. رأينا أن اللغات الروماية الحالية إنما نتجت من تطور اللهجات الخارجية من اللاتينية تطورا مستقلا وإن كان متوازيا. وتقوم وحدة اللغات الرومانية على مجموعة من السمات المشتركة بين كل هذه اللغات، ومن هذه السمات نعرف قرابتها, ومعظم هذه السمات كانت توجد في اللاتينية نفسها على اختلاف بينها في درجة الظهور، وبعضها ناتج من حالات تجديد مشتركة، ولكن هذا السمات التي نعثر عليها في كل اللغات الرومانية يمكن -إذا لم يوجد لها نظائر في اللاتينية نفسها- أن تعتبر بقايا من تلك الحالة اللغوية غير المعروفة لنا تماما والتي تسمى باللاتينية العامية، وهي الواسطة بين اللاتينية الكلاسية واللهجات الرومانية, فهناك إذن نحو مقارن للغات الرومانية, وهذا النحو لا يمكننا من إقامة صلات مباشرة من التتابع بين هذه اللغات وبين اللاتينية فحسب، بل يسمح لنا أيضا بإقامة البنية النحوية لحالة لغوية تقل الوثائق التي لدينا عنها أو تنعدم تماما. ولكن اللاتينية نفسها ليست لغة منعزلة لا رابطة بينها وبين لغات أخرى. بل يحتوي نحوها على سمات مشتركة بينها وبين الإغريقية. سمات لفتت أنظار القدامى أنفسهم. وأدرك المحدثون أن الإغريقية واللاتينية تتصل بمجاميع أخرى من اللغات تشمل أراضي واسعة وتمتد من السنسكريتية في الهند إلى أقصى طرف أوربا الغربية. وأطلقوا على هذه اللغات اسم اللغات الهندية الأوربية لما لم يجدوا لها اسما آخر. وبالطبع يجب أن تفهم هذه "اللغات" بالمعنى الذي أعطيناه لهذه الكلمة فيما سبق. فهي مجموعات لغوية أمكن لكل منها أن تصل في فترة من فترات التاريخ إلى نوع من الوحدة، ولكنها جميعا قد انقسمت وتباينت خلال العصور على النحو الذي أشرنا إليه. تمكن العلماء بجمعهم للسمات المشتركة بين هذه اللغات أن يكونوا ما يسمى

стр. 372

بالنحو المقارن للغات الهندية الأوربية١. ذلك النحو الذي يضم إلى سلسلة طويلة من أنحاء مقارنة أضيق منه دائرة، ونعني نحو اللغات الرومانية المقارن، ونحو اللغات السلافية المقارن ونحو اللغات الجرمانية المقارن، إلخ. وينتهي كل واحد من هذه الأنحاء المقارنة إلى إعادة تكوين حالة لغوية في صورة إجمالية غالبا. وهذه الحالات اللغوية المبعوثة التي تسمى بالجرمانية المشتركة٢ والسلافية المشتركة مثلا، وكل منها تعتبر في منطقتها نظيرة اللاتينية العامية "أو الرومانية المشتركة". التي انتهى إليها نحو اللغات الرومانية المقارن. وعلماء اللغات الرومانية يجدون في بقاء اللاتينية سنادة قوية يعتمدون عليها في استنباط نتائجهم، لذلك يحق لعلماء اللغات الجرمانية والسلافية أن يندبوا سوء حظهم لعدم وجود وثائق من الجرمانية المشتركة أو السلافية المشتركة يقابلون بها نتائج بحثهم. ولكن ينبغي لنا ألا نبالغ في فقر العالم اللغوي الجرماني أو السلافي بالنسبة للعالم الروماني. فهذا الأخير لا يرجع إلى اللاتينية إلا للتثبت من نتيجة وصل إليها، ولكنه يقيم فروضه دون رجوع إليها، وأحيانا يسره أن يبين بالبرهان أنه على حق في استنتاجه رغم معارضة اللاتينية الكلاسية الموجودة في النصوص. أما اللاتينية نفسها فلا يستعملها علماء اللغات الرومانية إلا للاستعانة بها على إعادة بناء هذه اللاتينية العامية التي تعد نقطة البدء في عملهم ونقطة الانتهاء أيضا. ولما كان علماء اللغة الذين يعيدون بناء الهندية الأوربية لا يشتغلون بوجه عام إلا في لغات مشتركة أعيد بناؤها بطريق الفرض أيضا، كانوا مضطرين إلى إبراز عمل أكثر إجمالا من عمل سابقيهم. فالهندية الأوربية التي عملها علماء اللغات ليست لها حقيقة واقعية: بل ليست كما قيل فيها إلا "نظاما من المقابلات".

стр. 373

ويترتب على ذلك أن أعلم العلماء بالهندية الأوربية لا يستطيع أن يعبر بها عن جملة بسيطة من قبيل "الحصان يجري" أو "البيت كبير". وأقصى ما يصل إليه في الحذق بها ينحصر في قواعد البنية النحوية, فلا يوجد إذن من يستطيع أن يتكلم الهندية الأوربية. ولكن على العالم اللغوي أن يعرف ما هي فصائل هذه اللغة وكيف كانت تعبر عنها، وماذا كانت قيمة اللواحق والخواتم فيها. وهذا هو المهم لأنه يسمح لنا بإقامة الروابط التاريخية التي تجمع هذه اللغات بعضها ببعض على وسائل لغوية. فمع أن المنهج المقارن يولي وجهه شطر الماضي السحيق، فإنه في الواقع لا يؤتي ثمرته إلا في اتجاه عكسي، لأنه يوضح تفاصيل اللغات الثابتة بالوثائق. وأظهر نتيجة لنحو اللغات الهندية الأوربية المقارن تنحصر في تحديد صلات القرابة بين هذه اللغات١. فكل اللغات الفارسية واللغات السلافية والجرمانية والرومانية والكلتية، إذا اعتبرت من الوجهة الزمنية، تبدو للعالم نتيجة لسلسلة متتابعة من التباين لحالة لغوية واحدة سابقة عليها جميعا، وتسمى بالهندية الأوربية. هل يمكننا أن نرجع بالتاريخ إلى أبعد من هذا؟ لا شيء يمنع من الاعتقاد في إمكان ذلك. بل إن بعض علماء اللغة المحدثين مقتنع به تمام الاقتناع. ونحن نعرف كيف تكون نحو اللغات الهندية الأوربية المقارن بضمه إلى عدة أنحاء مقارنة أخرى. وإذن فإننا إذا ثابرنا على تفتيش تاريخ اللغات واستخراج القواعد العامة التي تبنى عليها. فقد نصل إلى أن نعيد بناء لغات مشتركة أخرى تكون بالنسبة للهندية الأوربية كالسلافية المشتركة بالنسبة للجرمانية المشتركة أو اللاتينية بالنسبة للإغريقية. أو كالفرنسية بالنسبة للإيطالية إذا لم نرد التوغل في الماضي. لوحظ منذ زمن طويل وجود بعض مواضع من الشبه بين الهندية الأوربية والفينية الأجرية, وقد وجدت في ميدان السامية -حيث قطع البحث المقارن

стр. 374

مرحلة لا بأس بها- بعض سمات خاصة فيها وجوه شبه غريبة بالهندية الأوربية؛ حتى استنتج بعض اللغويين من ذلك إمكان وجود أسرة لغوية تضم اللغات السامية واللغات الهندية الأوربية١. فتكون كل منهما تمثل مجموعة لغوية واحدة، وتكون الفرنسية في حقيقة أمرها هي العربية أو الحبشية كما ثبت بالبرهان أنها هي نفس الروسية والفارسية والإرلندية. ولا ينبغي أن تثنينا عن هذه المحاولة تلك الخلافات الصارخة الموجودة بين هذه اللغات، لأنه إن كان في افتراض أسرة هندية أوربية سامية شيء من الجرأة، فليس مبعث هذه الجرأة أن ذلك الفرض يرجع إلى أصل واحد لغات مختلفة تمام الاختلاف. فالحقيقة الواقعة أن السامية تظهر منذ الآن أقرب إلى الهندية الأوربية من سائر المجاميع اللغوية التي حددت معالمها حتى الآن. أفيمكن لهذه بدورها أن تتداخل شيئا فشيئا حتى تنصهر في وحدات واسعة يضاف بعضها إلى بعض؟ ٢ إن هذا السر في ضمير المستقبل؛ إذ إن هناك عددا كبيرا من اللغات التي لم يطبق عليها المنهج المقارن بعد أو التي لم يقل فيها كلمته الأخيرة. من ذلك نرى مقدار المدى الذي يستطيع المنهج المقارن أن يصل إليه، ولكنا نرى أيضا مقدار النقص الذي ينطوي عليه, فهو يستند على مبادئ لغوية فحسب، ولا يستطيع أن ينتظر من العلوم المجاورة إلا معونة ضئيلة. إذ يجب علينا أن نحذر الخلط بين القرابة اللغوية كما نستخرجها من المنهج المقارن, وبين القرابة الجنسية وقرابة المدنية. فهذه ثلاث مذاهب من الدراسة مختلفة. يشتغل في ميدان ما قبل التاريخ ثلاث طوائف من العلماء، وكل طائفة منها تعمل مستقلة عن الأخريين. وهؤلاء هم: علماء الأنتروبولوجيا وعلماء الآثار وعلماء اللغة, فالأولون تحت يدهم الهياكل العظمية والجماجم، وأصحاب الطائفة

стр. 375

الثانية أمامهم أدوات الحضارة من حلي وأسلحة وآنية وآلات متنوعة في أشكالها ومواد صنعها، وبالاختصار كل ما بقي من عدد ما قبل التاريخ وعتاده؛ أما اللغويون فيشتغلون بمقارنة الأصوات والكلمات, والطوائف الثلاث جميعا يعنون بجمع الأشياء التي يشتغلون فيها جمعا منهجيا. وترتب كل طائفة أشياءها في سلاسل تحاول إن استطاعت أن تقيم بينها روابط تاريخية أو نسبية. ولكنهم لم يصلوا حتى الآن إلى شيء يذكر في التنسيق بين سلاسلهم وسلاسل أصحابهم. فليس هناك مقياس مشترك. يقدم لنا النحو المقارن نظاما تصنف فيه اللغات في أسرات تبعا لخصائصها, فبمقارنة الأصوات والصيغ تتجلى ضروب التجديد الخاصة بكل لغة في مقابلة البقايا الباقية من حالة قديمة. وقد نجح اللغويون في أن يحددوا ما قبل تاريخ اللغات الهندية الأوربية، ولكنهم لم يصلوا إلى معرفة من كانوا يتكلمونها, ولم يستطيعوا أن يحددوا أسلاف الإغريق أو الجرمان أو اللاتينيين أو الكلتيين, وإنما يعرفون فقط التغيرات التي مرت بها الجرمانية والإغريقية واللاتينية والكلتية حتى وصلت إلى الحالة التي تكشف عنها النصوص. أما الأسماء التي أطلقوها على اللغات التي أعادوا بناءها فتحكمية، قد اتفقوا عليها مجرد اتفاق, فكلمة "الهندية الأوربية" إذا خرجت من الاستعمال اللغوي لم يبق لها أي معنى، ومثلها الكلمات "إيطالية مشتركة" و"كلتية مشتركة" "وجرمانية مشتركة". فهذه الكلمات إنما تمثل دلالات لغوية، ولا معنى لها إلا في ذهن العالم اللغوي. كذلك المصطلحات التي يستعملها علماء الآثار لا يصح لها أن تخرج من ميدان علم الآثار. فالعالم الأثري الذي يكون مجموعة من الزهريات أو من الحراب ذات الطابع المعين ويحدد منطقتها الجغرافية، يحار كيف يجيب إذا ما سئل عن اسم المدينة التي تنتسب إليها. فالعدد أشياء عديمة النسب، عديمة النسب إلى حد اضطر العلماء إلى الاصطلاح على تسميتها باسم المكان الذي يكشف عنها فيه. وعلماء الآثار يتكلمون عن دلاء هلشتات أو عن حراب التين أو عن الزخارف الفلانوفية أو عن أثاث أونيتتس. كذلك يتكلم علماء الأنتروبولوجيا عن الإنسان النياندرتالي

стр. 376

أو جمجمة الشايل -أو- سان. ويقارنون في شوب الأرض المختلفة بين ذوي الجماجم المستطيلة وذوي الجماجم المستديرة دون أن يستطيعوا تعيين اللغة التي تقابل كل قسم من أقسامهم الأنتروبولوجية. ذلك لأن وجود الجمجمة بين يدينا لا يستطيع بحال أن يعرفنا شيئا عما كانت تحتويه في صنوقها العظمي ولا عن أنواع الترابط بين الكلمات والأفكار التي كانت تتكون فيها، ولا عن الصور الكلامية التي كانت تنشأ في مراكزها المخية, وقد قلنا فيما تقدم "ص٢٩٧": إن تحقيق الرابطة بين اللغة والجنس أمر مستحيل كذلك لا يمكننا أن نعرف أي الأدوات كانت تستخدم لدى الشعوب التي نعرف لغتها، ولا إلى أي حد توجد صلة بين مختلف اللغات ومختلف المدنيات. فالذي نعلمه علم اليقين وقامت في صحته البراهين شيء واحد فقط: هو أن اللغة الواحدة قد تتكلمها أجناس متباينة، وأن من الأقوام من يتكلمون لغات مختلفة ويستعملون جميعا أدوات واحدة. كما أن أي تقدم يحصل في ميدان العدد لا يبقى مقصورا على شعب واحد؛ حتى ليستحيل علينا حساب الحركات الجنسية بأوربا فيما قبل التاريخ وفقا للتتابع العصور الأثرية "العصر الحجري وعصر البرنز وعصر الحديد". فلم تكد المطبعة تخرج من يد المخترع حتى انتشرت في أقطار مختلفة الأجناس واللغات كألمانيا وإيطاليا وفرنسا. وإذن فليس التوفيق بين النتائج التي تقدمها فروع العلم الثلاثة التي تكلمنا عليها أمرا عسيرا من الوجهة العملية فحسب، بل يعد أمرا مستحيلا من الوجهة النظرية أيضا. فالقرابة اللغوية لا تستطيع أن تعول على عون يذكر من قبل علم الآثار أو علم الأنتروبولوجيا, وكل ما يستطيع أن يعلقه العالم اللغوي على فروع العلم المجاورة من أمل هو أن تمده بفرض يسير على هديه أو بوسيلة للتأكد من صحة بحوثه. وليس أمامه للبرهان على القرابة إلا الوسائل اللغوية. ولكن المنهج المقارن إذا ترك لوسائله الخاصة، صار أحيانا عديم الجدوى؛ لأنه يفترض أن تطور اللغات قد وقع بصورة مطردة متصلة لم يصبها عارض خارجي, ومع أنه امتداد للتاريخ، فإنه يتحدى التاريخ، إذ لا يستخدم إلا مقررات نظرية

стр. 377

ويتخذ من التاريخ صورة مبسطة تنحصر في سلسلة متتابعة مطردة من الأسباب والمسببات عاطلة من كل ما يخلع على التاريخ طابعه الحقيقي، وهو التعقد والتنوع. وقد يكون هذا المنهج مدفوعا إلى ذلك بضرورة حتمية، لأنه في جهله بالظروف السياسية والاجتماعية التي فيها تطورت اللغة، يبنى ما قبل تاريخها بوسائل لغوية. وهو في هذا الميدان يشعر بقوته؛ لأن التجربة قد دلت على اتصال الرواية اللغوية. ولكن عدم وجود مقررات محددة عن ظروف التطور التاريخي يضعف كثيرا من النتائج التي نحصل عليها بوساطة المنهج المقارن والخاصة بتحديد القرابة اللغوية وهذا هو ما اضطرنا إلى تحديد هذه القرابة بواسطة وجوه الشبه الموجودة في اللغات, وتلك طريقة خطرة. فقد يوجد في الطبيعة أحيانا أقرباء يشبه بعضهم بعضا إلى حد يعجزنا عن التفريق بين الواحد منهم والآخر. ولكن المتماثلين ليسوا جميعا من الأقرباء، وكذلك الحال في المسائل اللغوية، فكثيرا ما تكون وجوه الشبه من عوامل الخداع. يمكن للمفردات بتمامها أن تتغير، دون أن يغير ذلك من بنية اللغة الصوتية أو

стр. 378

النحوية تغييرا محسوسا. ومن المهم جدا أن نعرف مفردات اللغة التي نريد دراسة المدينة التي تمثلها وبذلك تكون المفردات جسرا بين اللغة وعلم الآثار, ولكن هذا الجسر يؤدي من كلتا ناحيتيه إلى طريق مغلق؛ لأننا لا نستطيع أن نستدل من المفردات على طابع اللغة، حتى ولا على الطابع الذي تنضوي تحته أدوات المدنية. ولنذكر المثل التالي من اللغات الهندية الأوربية التي نحن بصددها. نحن نعرف في غرب أوربا وجنوبها نوعين كبيرين من المفردات يرجعان إلى ما قبل التاريخ، ولكن الخطوط التي تفصل بينهما لا تطابق الخطوط التي تفصل بين اللهجات. وأحد هذين النوعين -ويسمى بالمفردات الغربية- يمتد في الميدان الإيطالي والكلتي والجرماني ويختلط في الميدان البلطي السلافي، ولا سيما في بلاد البلطيق، بمفردات شرقية بحتة، والثاني -ويسمى بمفردات البحر المتوسط- يمكن العثور عليه في الإغريقية على وجه الخصوص ولكنه اصطدم بالمفردات الغربية وحل محلها جزئيا في أهم لهجة من اللهجات الإيطالية، وهي اللاتينية لذلك نجد في الكلتية والجرمانية وفي الإيطالية إلى حد ما عددا كبيرا من الكلمات المشتركة. ولكن هذه اللغات الثلاث تختلف في درجة القرابة بينها من وجهة البنية النحوية, فالصلة الصرفية١ وثيقة بين الكلتية والإيطالية، وثيقة إلى حد دفع بعض اللغويين إلى القول بوحدة إيطالية كلتية. أما الجرمانية فتختلف بنيتها النحوية عما في الكلتية اختلافا شديدا؛ وإذا كانت تقرب من الإيطالية في بعض الوجوه، فإنها أيضا تقرب من السلافية البلطية في وجوه أخرى. وقصارى القول أن الروابط الصرفية بين هذه اللغات لا تتفق مع الروابط التي بين مفرداتها. وهذا القول يسري أيضا على الروابط الصوتية، بل قد يبدو غريبا أن ندخل الصوتيات في هذا المضمار. لأن التغيرات الصوتية تقع، على ما يبدو، بطريقة آلية مستقلة عن إرادة المتكلم، بل وعلى غير شعور منه، ولكنها أيضا تقع باضطراد محدود من حيث المبدأ وتنوع محير في نتائجه، إلى حد يجعل من العسير علينا أن نجد فيها خصائص لنوع معين من اللغات. يضاف إلى ذلك أنه لما كان الإطلاق

стр. 379

من أظهر خصائص التغيرات الصوتية، لم يكن في إمكاننا هنا أن نقسم الصيغ إلى ضعيفة وقوية كما هي الحال في النظام الصرفي، والصيغ القوية كما نعلم شهود عدول على حالات قديمة قد تغيرت, فهذه البقايا هي التي تعلن عن أصول النظام الصرفي وتسمح لنا بمعرفة روابط القربى, ولكن النظام الصوتي لا يدع بقايا، ولذا لا يعرفنا بشيء من هذا القبيل. ولا يكون الدارس في منأى من المصاعب حتى عندما يقصر دراسته على الظواهر الصرفية. لأن النظام الصرفي أيضا ينطوي على حالات من اللبس؛ لأن الدارس عندما يقيم القرابة على وجوه الشبه في البنية النحوية، يفترض أن هذه البنية تتغير بصورة مطردة مستمرة. ولكن ما الذي يضمن لنا هذا الاستمرار؟ نحن نعرف مقدار المؤثرات الخارجية التي يتعرض لها النظام الصرفي, فإذا لم تصب هذه المؤثرات إلا الأجزاء الثانوية والسطحية من النظام، بقي لنا عدد كاف من السمات المميزة التي تسمح لنا بتحديد القرابة. ولكن يمكننا أن نتصور حالة قصوى تصل فيها اللغة بعد أن يتكرر التأثير عليها، إلى أن يتركب فيها بدرجة متساوية مزيج صرفي من أسرتين متقاربتين, وهذه هي نفس الحالة التي تخيلناها من قبل وأطلقنا عليها اسم الخلاسية، وهي حالة شديدة الندرة, ونحن نعرف من ميدان التاريخ الطبيعي، وإن كانت ظروفه مختلفة جدا عن ظروفنا، مقدار الصعوبة التي يلاقيها العالم في تصنيف مادته إلى أسرات بسبب الخلاسية التي تعمل دون توقف على كسر النظام والوحدة. ففي حالة الخلاسية اللغوية يصير النظام الصرفي مقياسا غير ذي جدوي. كذلك يصبح هذا القياس غير ناجع إذا كانت التغيرات الصرفية قد وقعت بسرعة خاطفة، أو إذا كانت الحالات التي نعرفها منها يفصل بعضها عن بعض آماد بعيدة حتى أصبحت اللغتان اللتان تنتسب إليهما هذه الحالات لا تشتركان في شيء من الوجهة الصرفية وإن كانتا ترجعان إلى أصل واحد, فلو أننا لا نعرف من الفرنسية إلا الحالة التي عليها اللغة المتكلمة في صورتها الحاضرة، وكنا فضلا

стр. 380

عن ذلك نجهل اللغات الرومانية الأخرى واللاتينية لكان من الصعب علينا أن ندلل على أن الفرنسية لغة هندية أوربية لأنه لم يبق في الفرنسية من الهندية الأوربية إلا بعض تفاصيل من البنية مثل المقابلة il est "هو يكون" ils sont "هم يكونون" "في النطق Ison, ile" أو مثل -ولعل ذلك أدل- صيغ أسماء العدد أو الضمائر الشخصية، مع بعض المفردات كأسماء القرابة. هذا كل ما بقي في الفرنسية من الهندية الأوربية. ومن يدري لعلنا نجد فيها أدلة أقوى من تلك تبعث على وصلها بالسامية أو الفينية الأجرية. وقد يوجد فوق سطح المعمورة لغات هندية أوربية لا نعرفها، إذ إنها فقدت كل قرينة تشير إلى أصلها، وذلك لأنها لا تاريخ لها، ولأن استعمالها مقصور على أقوام أميين. فإذا ما طبقنا عليها الطريقة الصحيحة لم نستطع الاستدلال على قرابتها للإغريقية أو اللاتينية أو السنسكريتية. ولكن هذه الطريقة تفرض علينا أيضا أن نقول باستحالة البرهان على عدم وجود قرابة ما بين لغتين من اللغات. ويمكننا أن نذهب إلى أبعد من ذلك. وذلك أننا إذا أردنا استخدام النظام الصرفي في الاستدلال على القرابة اللهجية، وجب أن يكون هذا النظام متميزا قاطعا في الدلالة وإلا فقد يستحيل الاستدلال, ومن ثم كان لا بد من تحديد القرابة اللغوية على درجات، وهذه الدرجات لا ترجع إلى الصلات التاريخية التي بين اللغات، وإنما ترجع فقط إلى درجة تميز البنية الصرفية. فهناك لغات معقدة النحو، فيها متاع عديد من دوال النسبة المتنوعة ومميزات الفصائل واللواحق التي ترتبط كل واحدة منها بمكان معين والتي تطبع الجملة بسلسلة من الخصائص المميزة، ومن هذا القبيل لغات المجموعة البنطية. ومثل هذه اللغات تتطلب مجهودا شاقا ممن يبغي إجادتها، ولكنها تمتاز بخصائص صرفية واضحة المعالم. فإذا صادفنا في كل مكان على وجه البسيطة لغة تحتوي بنيتها على نفس الخصائص الصرفية وتستخدم وسائل الإلصاق والتصنيف بعينها أو وسائل أخرى يرجع اختلافها عنها إلى تغيرات صوتية طبيعية، كان لنا الحق في أن نقرر انتساب هذه اللغة إلى العائلة البنطية وأن نستخدمها في النحو المقارن لهذه المجموعة اللغوية.

стр. 381

غير أنه توجد من جهة أخرى، لغات لا نحو لها، ينحصر نظامها الصرفي في وسائل غير ملموسة، من تركيب كلمات منعزلة. وقد ذكرنا من أمثلة هذا القبيل لغات السودان ولغات الشرق الأقصى فالخصائص الفردية تكون في هذه الحال أقل وضوحا، لأن الوسائل التي تقوم على ترتيب الكلمات فضلا عن كونها أقل تنوعا من دال النسبة الصوتية فإن قيمتها في الدلالة أقل من قيمة هذه الأخيرة. لأنه إذا كان الأمر إنما يدور حول وضع هذه الكلمة أو تلك في مكان ما من الجملة، كما هي الحال في الإيرلندية التي تضع الفعل على رأس الجملة, أو التركية التي تضعه في نهايتها، فقد يمكن اعتبار هذا الترتيب بصفة عامة نتيجة لتأثيرات آلية بعضها صرفي، ومن ثم يمكن تفسيرها بحالة اللغة العامة. أما إذا كان الأمر يتعلق باتجاه عام يخضع مكان الكلمات إلى الروابط التي توجد بين الأفكار المراد التعبير عنها، كما هي الحال في الصينية، كان هذا الاتجاه موسوما بشيء من العقلية والإطلاق يجعله ممتعا جدا في نظر من يسعى إلى تكوين نظرية عامة وإنسانية عن كليات العقل, ولكنه لا يساعد العالم اللغوي المؤرخ الذي يحاول أن يستخلص من لغة ما التفاصيل الخاصة التي تفصلها عن غيرها. وفي الوقت نفسه يستحيل تحديد القرابة اللغوية في مثل هذه الحالة المتطرفة، إذ يرى الباحث نفسه مضطرا في تحديدها إلى التعويل على المفردات، وهي كما رأينا خطة محفوفة بالأخطار. فالصينية تقول مثلا: WOO PU PHA THA وترجمته الحرفية بالفرنسية هي: moi pas craindre lui "بالعربية: أنا لا خوف هو" وهي فرنسية من نوع خاص تسمى فرنسية "الزنجي الصغير" le francais petit-negre. ولكنا نعرف من سكان إفريقية الغربية الأصليين من يتكلمون الفرنسية دائما على هذه الصورة, فلو أنهم تكلموا الصينية لتكلموها بهذه الطريقة عينها, دون اختلاف اللهم إلا في استعمالهم لكلمات أخرى، أي في حالتنا تلك في استعمالهم لأصوات أخرى، ففي "لغة الزنجي الصغير" قد تختلف المفردات فتكون فرنسية أو صينية مثلا، ولكن الصورة الكلامية فيها واحدة دائما لا تختلف، ولذلك

стр. 382

لا نستطيع أن نميز فيها طريقة التفكير الفرنسية عن طريقة التفكير الصينية. كيف نعمل إذن عندما نريد أن نصنف في عائلات بعض اللغات التي تكاد تخلو من النحو كاللغات التي أشرنا إليها، ولا سيما إذا كانت مفرداتها قد تغيرت بفعل الأحداث الخارجية؟ وهذه هي الحال مثلا في لغات إفريقية الغربية المشار إليها التي تتنوع مفرداتها إلى أقصى حد بفعل الظروف التاريخية والتي تتفق كلها من حيث الفقر النحوي أو تكاد١. فلما كان لا نعرف الحالات السابقة لهذه اللغات ولا نعلم من تاريخها ما يتجاوز خمسين عاما، لم يكن في وسعنا تحديد أصل مفرداتها ولا تكوينها, إذ لا يوجد لدينا في هذه الحال أية وسيلة لتصنيف هذه اللغات في أسرات؛ أو إذا أقدمنا على تصنيفها كان عملنا ينقصه كثير من التحقيق والتدقيق. فنحن هنا ضحايا لانعدام الوثائق، وضحايا أيضا لطريقتنا التي تحرم علينا أن نطلب إلى فروع المعرفة الأخرى ما نستعيض به عن نقص الوسائل اللغوية. يجب أن نستخلص من هذه الاعتبارات أن التدليل على القرابة اللغوية شيء نسبي. ويتوقف أولا وقبل كل شيء على وفرة الأدلة اللغوية التي تكون، بعد أن يشهد لها التاريخ السياسي أو الاجتماعي. مجموعة لها قيمتها من البراهين، ولكن هذا الاستدلال في حالة اللغات المجهولة التاريخ يتوقف أيضا على ثراء القواعد النحوية وتنوعها، وأخيرا كثيرا ما تضطرب القرابة في داخل الأسرة الواحدة من جراء تأثير اللهجات بعضها على بعض. قد يجيب بعض النظريين من علماء اللغة بأن هذا أمر ضئيل الأهمية؛ لأن القرابة اللغوية في نظرهم موجودة بصفة مطلقة، بغض النظر عن كل استدلال, ويرجعون ذلك إلى شعور الأفراد وإرادتهم في أن يتكلموا لغة آبائهم, والواقع أن مبدأ الشعور بالاستمرار اللغوي هذا يكفي في معظم الحالات في تقرير وجود القرابة اللغوية في حد ذاتها, ولكن لا يمكننا أن نقطع باستحالة وقوع خطأ ما من جانب المتكلمين؛ لأننا إذا سلمنا بقيام الخلاسية التي تدمج خصائص لغتين مختلفتين

стр. 383

لتخرج منهما لغة واحدة، فقد يصادف أن ينتقل المتكلمون من نظام لغوي إلى آخر بصورة غير محسوسة, وبذلك يغير الجيل الجديد لغته دون إدراك منه. وهذه بالطبع حالة قصوى لا يمكن عادة أن تقع بين أمم متحضرة ولكنها غير مستحيلة الوقوع في بعض الظروف اللغوية والاجتماعية, فلا يمكننا هنا أن نغض النظر عنها, ويجب أن نعترف بسوء أثرها على القرابة اللغوية, إذ إنها لا تعمل على جعل الاستدلال على القرابة مستحيلا فحسب، بل أيضا تؤدي إلى طمس معالم هذه القرابة واختفائها. من حسن الحظ أن معظم لغات الأرض. ولا سيما اللغات الثاتبة التاريخ، قد أمكن تحديد قرابتها بدقة مدهشة؛ حيث نجح العلماء في تكوين عائلات لغوية كبيرة، كالهندية الأوربية١ والسامية٢ والفينية الأجرية٣ والبنطية٤ والملايوية اليولينزية٥، إلخ. نعم قد تكون صلات القرابة داخل كل أسرة موضعا للجدل من جهة التفاصيل في بعض الأحيان، ولكن المبدأ الذي تقوم عليه لا يقبل الريب. وليس من شك في أن تقدم الفيلولوجيا المقارنة سيؤدي إلى ازدياد عدد الأسر اللغوية الصحيحة التكوين.

стр. 384

الجزء الخامس: الكتابة الفصل الأول: أصل الكتابة وتطوره ا ١: إذا كانت مسألة أصل اللغة لا تنطوي على حل مرض، فإن الأمر على خلاف ذلك في مسألة أصل الكتابة؛ لأن هذه الأخيرة يمكن مواجهتها بطريق مباشر وفي وسع الباحث أن يحيط ويلم بها في مجموعها, وذلك لأن أصل الكتابة قريب منا نسبيا, ولم تعرف لنا اللغات القديمة إلا منذ سجلتها الكتابة، ولكنا نعرف الكثير منها منذ تلك اللحظة عينها؛ وكثيرا ما يكون أول نص منها يقع تحت أيدينا هو أول النصوص التي سجلته الكتابة, ولدينا من جهة أخرى لغات لم تكتب إلا في أيامنا هذه، بل وتحت أبصارنا, ومن ثم كان في وسعنا أن نضع يدنا على الوسائل التي بواسطتها تصير اللغة المتكلمة لغة مكتوبة، وهي في عنفوان حياتها، وأن نقدر نتائج عملها. ومع ذلك يجب علينا لفهم مسألة أصل الكتابة، أن نتخلص من عوائدنا العقلية بوصفنا قوما متحضرين. فالذي في ذهننا هو أن القيمة الرمزية للكتابة

стр. 385

أمر طبيعي. إذ لا يلزم لأطفالنا إلا بعض المران وشيء من التفكير ليفهموا أن ما يرونه مكتوبا بالمداد الأسود على الورق الأبيض ليس إلا صورة الكلمات التي تسمعها آذانهم, ولا يمر بهم وقت طويل حتى يتعودوا هذه الرياضة الذهنية التي تنحصر في التوفيق بين الرسم والصوت وفي الجمع في دائرة الإدارك بين التصورات البصرية والتصورات السمعية, والزمن الذي قضيناه في طفولتنا لإخضاع عقلنا لهذه الرياضة كان من القصر بحيث لم يبق منه شيء في ذاكرتنا. فالفكرة التي في أذهاننا عن اللغة المكتوبة، قد حصلناها دون مجهود، وبصورة قريبة من الطبيعة. ومع ذلك فمن المؤكد أن هذه الفكرة ليست طبيعية بالنسبة للإنسان. فنحن نجني ثمار التحسسات العقلية التي قام بها أسلافنا الغابرون، فهم الذين سهلوا مهمتنا بتحضيرهم لعقليتنا. فما أكثر ما بذلوا من وقت ومن مجهود في تمرين الدماغ الذي ورثونا إياه، تمرينا جعلنا لا نشعر حتى بوقوع هذا التمرين. نحن نعرف أن بني الإنسان بدءوا بكتابة الأفكار قبل أن يكتبوا الكلمات؛ لأن الصورة استعملت في أول الأمر علامة للأشياء, ولكنهم لم يعثروا على هذا الاستعمال نفسه في أول لفتة؛ لأنه يستلزم كون الإنسان قد أدرك القيمة العقلية للعلامة الكتابية, ولكنا نعرف أن بعض المتوحشين لا يزالون حتى يومنا هذا يوحدون توحيدا تاما بين الصورة والشيء, وهذا التوحيد الذي يبدو لنا غريبا لا يرجع إلى خداع أو إلى خلط فاحش، بل يرجع إلى أن المتوحش يدرك جميع الأشياء سواء في ذلك المواد وصورها بصورة غيبية, ففي غيبيته يتكون العالم الخارجي من سلسلة من الظواهر مزودة بصفات خفية، وليست الصفات المتبادلة بينها مما يخضع للتناقض, وكأن نشاطه هو مشتبك بسدى العالم الخارجي, فلا يقوم بفعل دون أن يكون له أثره في الكون المرئي وغير المرئي, وما نسميه بالخرافة -وهي تنحصر في إعطاء أتفه الأحداث معنى غيبيا وفي إيجاد صلة خفية

стр. 386

بين أشد الحوادث اختلافا- هي الحالة العادية لعقل المتوحش. وذلك على أعظم جانب من الأهمية بالنسبة لاستعمال العلامات. لنفترض أن متحضرا علم طريقه بغصن شجرة أو خط صليبا على الرمال أو فوق صخرة ما, فإنه في هذه الحالة يكون مسوقا بباعث عقلي محض، كأنه يقصد إلى العثور على طريقه عند العودة أو إلى إعطاء إشارة ما إلى زملاء له يتبعونه. أما في ذهن المتوحش فإن مجرد رسم علامة ما يؤدي إلى تعقيدات غيبية ويوحي ببواعث مختلفة كل الاختلاف, فإذا ترك غصنا في طريقه مثلا, فذلك لتملك الأرض التي يطؤها أو لإفساد سحر ومنع تأثيره أو لاجتذاب روح أو إقصائها أو لتضليل عدو خفي بسد طريقه عليه، أو لإعطائه وسيلة يستفيد منها في الإضرار بك؛ وبالاختصار يرى في هذا العمل حدثا كبيرا يؤدي إلى نتائج حسنة أو سيئة ذات أصداء واسعة في هذا الكون الفسيح. كذلك صورة الحمار أو صورة الكلب لا توقظ في أذهاننا بوصفنا متحضرين إلا فكرة الحمار أو الكلب دون شيء سواها, ولكنها بالنسبة للمتوحشين هي الحمار بعينه أو الكلب بعينه, فإذا كانت الصورة تمثل حيوانا ضارا أو عدوا عاديا بدل أن تمثل كائنا لا ضرر منه فما أثقل النتائج التي تؤدي إليها! عندئذ يجري على لغة العلامات جميع الأحداث السحرية التي للغة المتكلمة، من تحريم ومن كنايات مثلا فيصير من الخطر أن يرسم نمر أو فرس من أفراس البحر بقدر ما يكون من الخطر في تسميتها؛ لأن الصورة كالاسم تكون جزءا من ميدان الوجود الغيبي١ وقد تدفعهم عاطفة مضادة لتلك، ولكنها من أصل غيبي أيضا، إلى أن يعنوا بمعرفة تصوير العدو أو الحيوان المخوف لاستمالته والتلطيف منه أو لاتخاذه حليفا ثمينا. فنرى بعض المتوحشين يرسمون على أسلحتهم ثعبانا أو ببرا معتقدين أن هذا الحيوان أو ذاك يخلع على المادة التي يرسم عليها جزءا من قدرته, فما دام الرمح أو الطرس قد زينا على هذا النحو فقد اكتسبا قوة سحرية؛ فالببر مثلا يهبهما القوة والثعبان يمنحهما المكر الذي يفسد حيل الأعداء, وبهذه

стр. 387

الطريقة تتكون مجموعة كاملة من الأحجبة والتمائم التي تترجم بواسطة الصور الرمزية عن إدراكات المتوحشين الغيبية. من المبالغة الواضحة أن نحصر نشاط البدائيين العقلي في مثل هذه الحدود الضيقة. فلنترك له إذن شيئا من السعة ولنسلم بأنه في بعض الأحيان ينفض عن نفسه نير المشاغل الغيبية. فقد تكون العلامة عندهم أيضا نوعا من الانعكاس الخارجي تشهد بحاجتهم اللاشعورية إلى إظهار ما في باطنهم، إلى إبراز نفسيتهم ومن هذا القبيل مثلا ذلك العبث التافه الذي يقوم به العابر عندما يحفر اسمه على الجدران بسن مبراته، أو تلك الحركات التي يقوم بها المتنزه، وقد أثملته الشمس والهواء الطلق، عندما يقرع جزوع الأشجار بطرف هراوته فيسقط براعمها. بل لنسلم للبدائي بقابليته للمتع الفنية. ولم لا؟ فالرسوم التي خطتها على عظام الرنة أيدي أناس من عصر المغارات يذكرنا كمالها التام بفناني اليابان. فلنا أن نفخر بعمل هؤلاء الأسلاف الغابرين الذين سبقوا أوتامارو OUTAMARO وهكساي HOKSAI بآماد وآماد، فلماذا ننفي عنهم إحساسهم باللذة عندما قاموا بهذا العمل لا لشيء إلا لشعورهم بالارتياح لما هو جميل؟ فعندما نريد أن نحلل بدقة منابع النشاط العقلي عند البدائيين، يجب علينا بلا ريب ألا نسقط من حسابنا الأفعال التفكيرية والبواعث الفنية. ولكن هذا لا يمنع من وجود اختلاف جوهري بين البدائي والمتحضر. فقد يجوز لهذا الأخير أن يحيد عن القواعد التي يفرضها العقل، ولكنه عندما يثوب إلى نفسه ويعود إليه توازنه، فإن عقله يرجع بطبيعة الحال إلى الإدراك المعقول للأشياء، بل إنه لا يدرك حماقته إلا باستعمال عقله. أما البدائي فحالة عقليته الطبيعية هي الحالة الغيبية. فالغيبية تحيط بها من كل جانب وتغذيها وتسندها. وحتى عندما يبدو أنها قد خرجت منها لحظة ما، فإنها تبقى غائرة فيها بجذور عميقة. فكرة البدائي عن العلامة تستبعد كل إمكان لكتابة ككتابتنا، لأن كتابتنا تقوم على مبدأ عقلي؛ فتاريخ نشوء الكتابة يفترض إذن كون العقلية المعقولة قد تخلصت من العقلية الغيبية, وهذا لا يقع دفعة واحدة, ولعل نقطة البدء تنحصر

стр. 388

في كون العلامة تحتمل في نفس الوقت تفسيرات عدة وتصلح لغايات كثيرة١ فكون العلامة تميمة محملة بالقوى السحرية لا يمنع من كونها صورة مادية لأحد الأشياء وأنها تظهر أمام العقل على هذا النحو. ففي هذه الحال يمكن أن تستبعد عن العلامة الخصائص السحرية شيئا فشيئا، وفي هذا إخضاع للتصورات الذاتية والغيبية للتصورات الموضوعية والمعقولة، وأخيرا الاستعاضة بهذه عن تلك. فرأس الببر المحفور على خشب الرمح قد وضع عليه حقا ليزوده بقوة سحرية، ولكنه في الوقت نفسه يتيح لصاحب السلاح أن يتعرف سلاحه، إذا كانت أسلحة الجيران لا تحمل هذه العلامة، وبذلك يصبح الرأس علامة الملكية, وغصن الشجرة الملقى في الطريق لغاية سحرية يمكن أن يكون مفيدا في تعليم الطريق، فيصير عند اللزوم علامة للتذكرة. من ذلك نرى أن الحدث الغيبي يدخل فيه عنصر معقول يتدرج فيه نحو الغلبة شيئا فشيئا حتى ينتهي بالسيادة, ومن ثم كان أولئك الذين يرون في علامات الملكية وإشارات التذكرة مبدأ الكتابة على حق في رأيهم٢. ولكنا في حالة العلامات التذكارية لسنا من الكتابة إلا في منتصف الطريق لأنها إذا كانت تستخدم لتمثيل بعض صور الفكر، فإنها لا تعبر عن الفكر نفسه مطلقا. ولدينا مثل شهير على ذلك في عصا الرسل "Stick messages" المستعملة عند الأستراليين. فهذه العصا المغطاة بالحزوز تستخدم في إبلاغ تعاليم وأوامر، وأحيانا في إبلاغ سلاسل من الأوامر على جانب كبير من التعقيد. ولكن لا يستطيع تفسيرها إلا العارفون. فعصا الرسول لا يمكن فهمها دون الرسول نفسه. وهي أولا وقبل كل شيء وسيلة يتخذها المرسل لمنع الخطأ والخيانة. فهي بمثابة مرشد ومعين للذاكرة. إذ إن تركيب هذه الحزوز يقدم خطة رياضية مصورة للرسالة التي يجب أن تؤدي، وهيكلا عظيما للحديث. فهي تشير إلى

стр. 389

عدد الأفكار وإلى تسلسلها بعضها من بعض، ولكن الأفكار نفسها غير موجودة فيها. الأفكار غير موجودة فيها بالنسبة لكثيرين من الناس على الأقل، إذ يمكننا أن نتصور دون عناء أن يقوم بين المتراسلين اتفاق سري لا يعلم به حتى الرسول نفسه، وبمقتضاه يمثل كل حز فكرة معينة, وفي هذه الحال نكون أمام كتابة حقة، كتابة بدائية محدودة الوسائل، ولكنها تسمح بإيصال فكرة بين شخصين في صورة مادية، وهذا على وجه التقريب هو تعريف الكتابة. ومن هذه الفصيلة، فصيلة "عصا الرسل" ما يسمى بالكبوات البيروية quippos des pruviens والومبومات الإيروكوية Wampums des Iroquois. والقراء يعرفون ما يراد بهذين المصطلحين. فالكبوات حبال مصنوعة من خيوط الصوف المختلف الألوان تعقد عليها في أبعاد مختلفة عقد على جانب كبير من التعقيد فإذا ما ركبت ألوان هذه الحبال مع سمك العقد ومواضعها وجمعت كل الحبال بعضها مع بعض بطريقة متفق عليها، أمكن الحصول على وسيلة لتمثيل الأفكار تمثيلا رمزيا، ولبيان تسلسلها بعضها من بعض, هذه الكبوات قد لعبت دورا هاما في "خطابات إحدى البيرويات" لمدام دي جرافيني، لذلك كان لها الحق في أن تحتل مكانها بين الآداب الفرنسية. أما الومبومات فهي عقود القواقع المرصوصة بعضها فوق بعض، وتركيبها يكون أشكالا هندسية. ويقال إن بعضها يشتمل على ما لا يقل عن ٦٠٠٠ إلى ٧٠٠٠ حبة، وأطول واحدة عرفت منها تتكون من ٤٩ صفا من القواقع, ونلاحظ أن الكبوات والومبومات تستخدم عنصرا جديدا، وهو اللون الذي يزيد الوسائل تنوعا ومن ثم يساعد على سهولة التعبير. ومع ذلك فإن الكبوات والومبومات، مهما بلغت من درجات الكمال. لم تكن إلا وسائل للتذكرة. وحتى لو ثبت أنها كانت تستطيع الإيحاء ببعض الأفكار، فمن غير الممكن تشبيه تراكيبها بتراكيب أي نظام من نظم الكتابة؛ لأن هذه النظم تهدف إلى التعبير عن جميع الأفكار, والذي منع من تطور كتابة مشتقة من الكبوات والومبومات إنما هي المادة التي تكونهما. فهي لا تحتمل

стр. 390

أي استكمال من الوجهة العملية, ويؤكد بعض المؤلفين أن الكبوات على الأقل، تستطيع أن تنجح في تكوين مركبات أبجدية؛ ولكن من المحقق أنهم يقصدون محاولات متأخرة عملت قياسا على الأبجدية الأوربية, وعلى هذا النحو أنشئت في إيرلندة الأبجدية الأوجامية على نسق الأبجدية اللاتينية وذلك بواسطة حزوز تحفر على حواف أحجار مرفوعة, ولكن مثل هذه المحاولات كان نصيبها الفشل المحقق. أما الكتابة فقد تدرجت في طريق آخر, وابتدأت من الصورة التي تجعل العين تحس بفكرة الشيء، ولا سيما الصورة المرسومة على الحجر أو الصلصال أو على لحاء السحر أو الرق. اليوم الذي فيه اعتبرت العلامة تمثيلا موضوعيا هو يوم ميلاد الكتابة, فيمكننا أن نقول بأن أول نقش إغريقي هو المجذاف الذي نصبه أوليس على قبر البينور Elpenor "الأودسة ١١/ ٧٧ و١٢/ ٢٥" فهذا المجذاف قد نصب لتعريف المارة بمهنة المتوفى، على نحو ما تشير لافتات الحوانيت عندنا وما هو من قبيلها إلى نوع التجارة وصفة السلع، وكما تشير لوحات النذور التي تعلق في الكنائس على بواعث عرفان أصحابها، فهذا المجذاف كان شعارا. وقد استخدمت الإنسانية زمنا طويلا هذا النوع من اللغة الشعارية حتى في العهود التاريخية إلى أن صرنا لا نرى فيها إلا نوعا من الدلالة الرمزية. تشهد بذلك تلك الرسالة التي يقول هيرودوت "ج٤ ص١٣١" بأن السيتيين بعثوا بها إلى دارا والتي كانت تتكون من طائر وفأر وضفدعة وخمسة سهام. فقد كان ذلك إعلانا مصورا أمكن للحكيم جبرياس Gabryas أن يفسر معناه. وقد خطا الإنسان خطوة شاسعة نحو الأمام عندما عرف يرسم ويتخذ من الصورة شعارا للشيء فقد استطاع بتركيبه لسلسلة من الصور أن يصور حديثا متماسكا متتابعا, ولدينا بعض هذه الصور المتكلمة في النقوش المصورة التي اكتشفت على صخور إسكنديناوة والتي ترجع إلى عهد ما قبل التاريخ، ونجد منها أيضا ما يزال مستعملا حتى يومنا هذا بين سكان أمريكا البدائيين١. ويشبه
следующие страницы →