بين أشد الحوادث اختلافا- هي الحالة العادية لعقل المتوحش. وذلك على أعظم جانب من الأهمية بالنسبة لاستعمال العلامات.
لنفترض أن متحضرا علم طريقه بغصن شجرة أو خط صليبا على الرمال أو فوق صخرة ما, فإنه في هذه الحالة يكون مسوقا بباعث عقلي محض، كأنه يقصد إلى العثور على طريقه عند العودة أو إلى إعطاء إشارة ما إلى زملاء له يتبعونه. أما في ذهن المتوحش فإن مجرد رسم علامة ما يؤدي إلى تعقيدات غيبية ويوحي ببواعث مختلفة كل الاختلاف, فإذا ترك غصنا في طريقه مثلا, فذلك لتملك الأرض التي يطؤها أو لإفساد سحر ومنع تأثيره أو لاجتذاب روح أو إقصائها أو لتضليل عدو خفي بسد طريقه عليه، أو لإعطائه وسيلة يستفيد منها في الإضرار بك؛ وبالاختصار يرى في هذا العمل حدثا كبيرا يؤدي إلى نتائج حسنة أو سيئة ذات أصداء واسعة في هذا الكون الفسيح.
كذلك صورة الحمار أو صورة الكلب لا توقظ في أذهاننا بوصفنا متحضرين إلا فكرة الحمار أو الكلب دون شيء سواها, ولكنها بالنسبة للمتوحشين هي الحمار بعينه أو الكلب بعينه, فإذا كانت الصورة تمثل حيوانا ضارا أو عدوا عاديا بدل أن تمثل كائنا لا ضرر منه فما أثقل النتائج التي تؤدي إليها! عندئذ يجري على لغة العلامات جميع الأحداث السحرية التي للغة المتكلمة، من تحريم ومن كنايات مثلا فيصير من الخطر أن يرسم نمر أو فرس من أفراس البحر بقدر ما يكون من الخطر في تسميتها؛ لأن الصورة كالاسم تكون جزءا من ميدان الوجود الغيبي١ وقد تدفعهم عاطفة مضادة لتلك، ولكنها من أصل غيبي أيضا، إلى أن يعنوا بمعرفة تصوير العدو أو الحيوان المخوف لاستمالته والتلطيف منه أو لاتخاذه حليفا ثمينا. فنرى بعض المتوحشين يرسمون على أسلحتهم ثعبانا أو ببرا معتقدين أن هذا الحيوان أو ذاك يخلع على المادة التي يرسم عليها جزءا من قدرته, فما دام الرمح أو الطرس قد زينا على هذا النحو فقد اكتسبا قوة سحرية؛ فالببر مثلا يهبهما القوة والثعبان يمنحهما المكر الذي يفسد حيل الأعداء, وبهذه
стр. 387
الطريقة تتكون مجموعة كاملة من الأحجبة والتمائم التي تترجم بواسطة الصور الرمزية عن إدراكات المتوحشين الغيبية.
من المبالغة الواضحة أن نحصر نشاط البدائيين العقلي في مثل هذه الحدود الضيقة. فلنترك له إذن شيئا من السعة ولنسلم بأنه في بعض الأحيان ينفض عن نفسه نير المشاغل الغيبية. فقد تكون العلامة عندهم أيضا نوعا من الانعكاس الخارجي تشهد بحاجتهم اللاشعورية إلى إظهار ما في باطنهم، إلى إبراز نفسيتهم ومن هذا القبيل مثلا ذلك العبث التافه الذي يقوم به العابر عندما يحفر اسمه على الجدران بسن مبراته، أو تلك الحركات التي يقوم بها المتنزه، وقد أثملته الشمس والهواء الطلق، عندما يقرع جزوع الأشجار بطرف هراوته فيسقط براعمها. بل لنسلم للبدائي بقابليته للمتع الفنية. ولم لا؟ فالرسوم التي خطتها على عظام الرنة أيدي أناس من عصر المغارات يذكرنا كمالها التام بفناني اليابان. فلنا أن نفخر بعمل هؤلاء الأسلاف الغابرين الذين سبقوا أوتامارو OUTAMARO وهكساي HOKSAI بآماد وآماد، فلماذا ننفي عنهم إحساسهم باللذة عندما قاموا بهذا العمل لا لشيء إلا لشعورهم بالارتياح لما هو جميل؟ فعندما نريد أن نحلل بدقة منابع النشاط العقلي عند البدائيين، يجب علينا بلا ريب ألا نسقط من حسابنا الأفعال التفكيرية والبواعث الفنية. ولكن هذا لا يمنع من وجود اختلاف جوهري بين البدائي والمتحضر. فقد يجوز لهذا الأخير أن يحيد عن القواعد التي يفرضها العقل، ولكنه عندما يثوب إلى نفسه ويعود إليه توازنه، فإن عقله يرجع بطبيعة الحال إلى الإدراك المعقول للأشياء، بل إنه لا يدرك حماقته إلا باستعمال عقله. أما البدائي فحالة عقليته الطبيعية هي الحالة الغيبية. فالغيبية تحيط بها من كل جانب وتغذيها وتسندها. وحتى عندما يبدو أنها قد خرجت منها لحظة ما، فإنها تبقى غائرة فيها بجذور عميقة.
فكرة البدائي عن العلامة تستبعد كل إمكان لكتابة ككتابتنا، لأن كتابتنا تقوم على مبدأ عقلي؛ فتاريخ نشوء الكتابة يفترض إذن كون العقلية المعقولة قد تخلصت من العقلية الغيبية, وهذا لا يقع دفعة واحدة, ولعل نقطة البدء تنحصر
стр. 388
في كون العلامة تحتمل في نفس الوقت تفسيرات عدة وتصلح لغايات كثيرة١ فكون العلامة تميمة محملة بالقوى السحرية لا يمنع من كونها صورة مادية لأحد الأشياء وأنها تظهر أمام العقل على هذا النحو. ففي هذه الحال يمكن أن تستبعد عن العلامة الخصائص السحرية شيئا فشيئا، وفي هذا إخضاع للتصورات الذاتية والغيبية للتصورات الموضوعية والمعقولة، وأخيرا الاستعاضة بهذه عن تلك.
فرأس الببر المحفور على خشب الرمح قد وضع عليه حقا ليزوده بقوة سحرية، ولكنه في الوقت نفسه يتيح لصاحب السلاح أن يتعرف سلاحه، إذا كانت أسلحة الجيران لا تحمل هذه العلامة، وبذلك يصبح الرأس علامة الملكية, وغصن الشجرة الملقى في الطريق لغاية سحرية يمكن أن يكون مفيدا في تعليم الطريق، فيصير عند اللزوم علامة للتذكرة. من ذلك نرى أن الحدث الغيبي يدخل فيه عنصر معقول يتدرج فيه نحو الغلبة شيئا فشيئا حتى ينتهي بالسيادة, ومن ثم كان أولئك الذين يرون في علامات الملكية وإشارات التذكرة مبدأ الكتابة على حق في رأيهم٢.
ولكنا في حالة العلامات التذكارية لسنا من الكتابة إلا في منتصف الطريق لأنها إذا كانت تستخدم لتمثيل بعض صور الفكر، فإنها لا تعبر عن الفكر نفسه مطلقا. ولدينا مثل شهير على ذلك في عصا الرسل "Stick messages" المستعملة عند الأستراليين. فهذه العصا المغطاة بالحزوز تستخدم في إبلاغ تعاليم وأوامر، وأحيانا في إبلاغ سلاسل من الأوامر على جانب كبير من التعقيد. ولكن لا يستطيع تفسيرها إلا العارفون. فعصا الرسول لا يمكن فهمها دون الرسول نفسه. وهي أولا وقبل كل شيء وسيلة يتخذها المرسل لمنع الخطأ والخيانة. فهي بمثابة مرشد ومعين للذاكرة. إذ إن تركيب هذه الحزوز يقدم خطة رياضية مصورة للرسالة التي يجب أن تؤدي، وهيكلا عظيما للحديث. فهي تشير إلى
стр. 389
عدد الأفكار وإلى تسلسلها بعضها من بعض، ولكن الأفكار نفسها غير موجودة فيها.
الأفكار غير موجودة فيها بالنسبة لكثيرين من الناس على الأقل، إذ يمكننا أن نتصور دون عناء أن يقوم بين المتراسلين اتفاق سري لا يعلم به حتى الرسول نفسه، وبمقتضاه يمثل كل حز فكرة معينة, وفي هذه الحال نكون أمام كتابة حقة، كتابة بدائية محدودة الوسائل، ولكنها تسمح بإيصال فكرة بين شخصين في صورة مادية، وهذا على وجه التقريب هو تعريف الكتابة.
ومن هذه الفصيلة، فصيلة "عصا الرسل" ما يسمى بالكبوات البيروية quippos des pruviens والومبومات الإيروكوية Wampums des Iroquois. والقراء يعرفون ما يراد بهذين المصطلحين. فالكبوات حبال مصنوعة من خيوط الصوف المختلف الألوان تعقد عليها في أبعاد مختلفة عقد على جانب كبير من التعقيد فإذا ما ركبت ألوان هذه الحبال مع سمك العقد ومواضعها وجمعت كل الحبال بعضها مع بعض بطريقة متفق عليها، أمكن الحصول على وسيلة لتمثيل الأفكار تمثيلا رمزيا، ولبيان تسلسلها بعضها من بعض, هذه الكبوات قد لعبت دورا هاما في "خطابات إحدى البيرويات" لمدام دي جرافيني، لذلك كان لها الحق في أن تحتل مكانها بين الآداب الفرنسية. أما الومبومات فهي عقود القواقع المرصوصة بعضها فوق بعض، وتركيبها يكون أشكالا هندسية. ويقال إن بعضها يشتمل على ما لا يقل عن ٦٠٠٠ إلى ٧٠٠٠ حبة، وأطول واحدة عرفت منها تتكون من ٤٩ صفا من القواقع, ونلاحظ أن الكبوات والومبومات تستخدم عنصرا جديدا، وهو اللون الذي يزيد الوسائل تنوعا ومن ثم يساعد على سهولة التعبير.
ومع ذلك فإن الكبوات والومبومات، مهما بلغت من درجات الكمال. لم تكن إلا وسائل للتذكرة. وحتى لو ثبت أنها كانت تستطيع الإيحاء ببعض الأفكار، فمن غير الممكن تشبيه تراكيبها بتراكيب أي نظام من نظم الكتابة؛ لأن هذه النظم تهدف إلى التعبير عن جميع الأفكار, والذي منع من تطور كتابة مشتقة من الكبوات والومبومات إنما هي المادة التي تكونهما. فهي لا تحتمل
стр. 390
أي استكمال من الوجهة العملية, ويؤكد بعض المؤلفين أن الكبوات على الأقل، تستطيع أن تنجح في تكوين مركبات أبجدية؛ ولكن من المحقق أنهم يقصدون محاولات متأخرة عملت قياسا على الأبجدية الأوربية, وعلى هذا النحو أنشئت في إيرلندة الأبجدية الأوجامية على نسق الأبجدية اللاتينية وذلك بواسطة حزوز تحفر على حواف أحجار مرفوعة, ولكن مثل هذه المحاولات كان نصيبها الفشل المحقق.
أما الكتابة فقد تدرجت في طريق آخر, وابتدأت من الصورة التي تجعل العين تحس بفكرة الشيء، ولا سيما الصورة المرسومة على الحجر أو الصلصال أو على لحاء السحر أو الرق.
اليوم الذي فيه اعتبرت العلامة تمثيلا موضوعيا هو يوم ميلاد الكتابة, فيمكننا أن نقول بأن أول نقش إغريقي هو المجذاف الذي نصبه أوليس على قبر البينور Elpenor "الأودسة ١١/ ٧٧ و١٢/ ٢٥" فهذا المجذاف قد نصب لتعريف المارة بمهنة المتوفى، على نحو ما تشير لافتات الحوانيت عندنا وما هو من قبيلها إلى نوع التجارة وصفة السلع، وكما تشير لوحات النذور التي تعلق في الكنائس على بواعث عرفان أصحابها، فهذا المجذاف كان شعارا. وقد استخدمت الإنسانية زمنا طويلا هذا النوع من اللغة الشعارية حتى في العهود التاريخية إلى أن صرنا لا نرى فيها إلا نوعا من الدلالة الرمزية. تشهد بذلك تلك الرسالة التي يقول هيرودوت "ج٤ ص١٣١" بأن السيتيين بعثوا بها إلى دارا والتي كانت تتكون من طائر وفأر وضفدعة وخمسة سهام. فقد كان ذلك إعلانا مصورا أمكن للحكيم جبرياس Gabryas أن يفسر معناه.
وقد خطا الإنسان خطوة شاسعة نحو الأمام عندما عرف يرسم ويتخذ من الصورة شعارا للشيء فقد استطاع بتركيبه لسلسلة من الصور أن يصور حديثا متماسكا متتابعا, ولدينا بعض هذه الصور المتكلمة في النقوش المصورة التي اكتشفت على صخور إسكنديناوة والتي ترجع إلى عهد ما قبل التاريخ، ونجد منها أيضا ما يزال مستعملا حتى يومنا هذا بين سكان أمريكا البدائيين١. ويشبه
стр. 391
هذا بعض صور مقاطعة الإبينال Epinal؛ ويمكننا أن نأخذ عن هذا النوع من الكتابة فكرة خيرا من كل ما تقدم إذا تصورنا حادثة يومية نراها تعرض في السينما بدلا من أن نقرأها في صحيفة.
من هذا كله نشأت الكتابة التصويرية ideographique، وهي أول كتابة نعرفها وإليها ترجع جميع نظم الكتابة المستعملة بين بني الإنسان, وتنحصر في تمثيل كل فكرة أو كل شيء بعلامة مساوية, ويمكننا أن نكون فكرة عما كانت عليه في بدايتها بفضل ثلاث كتابات نعرفها الآن معرفة تامة، وهي الكتابة الصينية والكتابة المسمارية والكتابة الهيروغليفية, ولكن ينبغي لنا أن ننبه إلى أن هذه الكتابات الثلاث جميعها لم تبق تصويرية محضة، وأن تصوير الفكرة أو الشيء لا يلعب في أقدم ما نعرفه فيها إلا دورا محصورا، ذلك بأن التصوير فيه وجوه كثيرة من القصور ويترك للعقل مجالا شاسعا للتكميل.
ولو فرضنا أن جميع الأفكار في لغة ما قد زودت اليوم بعلامات متساوية متميزة وهو ما لا يمكن تحقيقه عمليا فإن هذا النظام المعقد يصبح قاصرا في الغد، لأنه يتعذر عليه أن يصور جميع ألوان الفكر الدقيقة التي لا تحدد وأن يتبع تطورها الدائم, فالكتابة التصويرية عندما تستقر وتثبت نهائيا تصير ثوبا جامدا يسجن الفكر بين جوانبه، فلا يتوانى الفكر عن تحطيم العقبة وجعل حطامها غير صالحة للاستعمال. مثل هذه الكتابة لا تصلح على أحسن الحالات إلا لعلم من علوم الباطنية قد حدد على صورة لا يراد له التحول عنها قيد أنملة؛ لهذه الكتابة أن تكون نوعا من الرموز الجبرية لأعمال المعامل, ولكنها لا تستطيع بأية حال أن تكون أداة لتبسيط المعرفة وتعميمها ولا للتربية الشعبية ولا للتقدم الاجتماعي, والكتابة الصينية أو الهيروغليفية من خير الأمثلة على ما نقول, فنحن نعرف مقدار ما يوجه إليهما من نقد على الرغم مما تناولهما من إصلاح.
لعل المزية الوحيدة التي تستطيع الكتابة التصويرية أن تفخر بها، هي أن قراءتها في متناول أناس يتكلمون لغات مختلفة. فقانون الإشارات الملاحية يقرؤه جميع الملاحين بطريقة واحدة وإن فهموه بلغات مختلفة. والكتابة
стр. 392
التصويرية، وهي تمثل الأفكار لا الأصوات، لها نفس المميزات التي لقانون الإشارات, وذلك أنها تسقط وساطة الكلام وتصور لغة التفكير لا لغة الكلام.
ومن اليسير أن نبين تفاهة هذه الميزة. فقانون الإشارات لا يطبق بطبيعة وضعه إلا على عدد محصور من المعاني المهنية المحدودة، أي التي لا يعتريها التغيير، ويمكن لعدد من الناس ذوي المهنة الواحدة أن يصطلحوا عليها بسهولة, ولكن هذا القانون لا يمكن تعميمه بحال, ولأجل أن يكون للكتابة التصويرية قيمة عامة، يجب ألا تتكون إلا من علامات يمكن لكل إنسان قادر على التفكير أن يدركها على الفور, وهذا سراب خداع لأنه لا يمكن تحقيقه إلا بالنسبة للمعاني المشخصة، كمعاني الطائر والقلم والثور والعين والشمس, ولكن صعوبته تبدأ عندما يدور الأمر حول المعاني المجردة. لأننا إذا رمزنا لهذه المعاني بصور تحكمية، رأينا أنفسنا نبتعد عن مبدأ الكتابة التصويرية، وإذا استخدمنا في ذلك صور الأشياء المشخصة، بأن نتخذ مثلا من القلم رمزا للعدالة ومن الثور رمزا للغنى ومن العين رمزا لسلطة الملكية، كنا قد أوجدنا على الفور ما يوقع القارئ في اللبس.
وماذا يكون الحال بالنسبة للمعاني النحوية، والكتابة التصويرية لا تملك وسيلة التعبير عنها؟ نعم، قد يمكن لبعض اللغات ألا تتأثر بهذا النقص الخطير، وهي اللغات عديمة التصريف. فإذا كانت الروابط النحوية تنحصر في ترتيب الكلمات، أمكن للكتابة التصويرية أن تعبر عن النحو. إذ يمكننا أن نتصور بسهولة وجود علامة لكل من فكرة أنا، وإرادة، وأكل، ولحم؛ وفي هذه الحال يمكن للكتابة التصويرية أن تصور بسهولة جملة قصيرة مما يسمى لغة الزنجي الصغير على هذا النحو: أنا إرادة أكل لحم "moi vouloir manger viande". إذ لا يلزم حينئذ إلا تحديد الترتيب الذي يجب أن تقرأ عليه علامات هذه الكتابة، لأن النظام الصرفي في هذه الحال ينحصر كما قلنا في ترتيب الكلمات. ولكن ذلك لا يذهب بنا بعيدا، لأن اللغة مهما تجردت من النحو، فإنها تحتوي على معان نحوية أولية لا يمكن للكتابة التصويرية أن تعبر عنها بصورة طبيعية، مثل التمييز بين الفرد والجنس وبين الاسم والفعل والدلالة على زمن الفعل وصفته وعلى النفي،
стр. 393
إلخ. فإذا صورنا هذه المعاني بعلامة خاصة تضاف إلى علامة الفكرة. كالأس يضاف إلى الحرف الجبري، كنا قد أدخلنا في هذه الكتابة مبدأ جديدا، هو مبدأ التفريق بين العلامات الفارغة والعلامات المليئة, وبذلك تنعقد الكتابة التصويرية باتباعها نظامين مختلفين، لأننا إما أن نضيف إلى العلامة الدالة على الفكرة معالم خاصة تشير إلى القيمة الصرفية؛ وفي هذه الحال يكون عندنا نوع من الصور تتغير أشكالها تبعا للاستعمال الذي تتخذه في الجملة الكلمة التي تشير إليها هذه الصور والتي يضاف إليها عناصر جديدة، وهذا يعقد الصور ويجعلها لا تنتهي عددا فتصير الكتابة غير قابلة للاستعمال, وإما أن نتبع الصورة الأساسية بعلامة أو ببضع علامات يشار بها إلى القيمة النحوية, ووجه الصعوبة في ذلك يرجع إلى وجوب استعمال علامات عديدة يضاف بعضها إلى بعض للتعبير عن معنى واحد, والطريقة الأولى أنسب للغات ذات المقطع الواحد، والواقع أنها تستعمل بالفعل في كتابة لغات الشرق الأقصى كالصينية, ولكن الحقيقة أنها حتى في الصينية تمزج بالطريقة الثانية. وذلك لأنه من العسير حقا أن نكتب لغة لا نراعي فيها إلا مبدأ التصوير.
لا توجد كتابة تصويرية واحدة قد بقيت على ما هي عليه. ولعل ذلك يرجع إلى قصور هذه الكتابة قصورا بينا، ولكنه يرجع كذلك إلى ذلك التطور الضروري الذي جعل من اللغة المكتوبة وسيطا طبيعيا بين لغة التفكير ولغة الكلام.
العقل في متناوله وسائل متنوعة للترجمة عن التفكير، فكان لديه الإشارة والصوت، ثم خلق الصورة بعد ذلك سمحت له هذه الوسائل باستعمال العلامات الاصطلاحية التي كانت تطبق من قبل -بشيء من التحوير- على حالات مختلفة، ولكنها كانت تتداخل في غالب الأحيان, ولعل مرجع ذلك إلى أنه كانت توجد حالات تستطيع الإشارة فيها أن تعبر عن الفكرة خيرا من الصوت، وعن الصوت خيرا من الصورة. ومع ذلك فلم تلبث القيمة الرمزية للصوت أن تنجح في أن تصحب القيمة الرمزية للصورة على وجه العموم وأن تحل محلها عند الحاجة؛
стр. 394
حتى أصبحت الصورة والصوت بديلين متبادلين, وعندما وصلا إلى درجة التعادل، أمكن للعقل أن ينظر إلى الصورة على أنها شعار الصوت، ثم على أنها أداة لتثبيته بالكتابة, وعندما صار اسم الشيء بدوره مرتبطا بالشيء، انتهى أيضا بأن صار مرتبطا بالصورة التي أيقظت فكرة هذا الشيء. فالعلامة التي كانت تمثل الشيء صارت أيضا علامة الصوت الذي يعبر عن هذا الشيء, وبهذا نشأت الكتابة الصوتية.
لنفرض أن لدينا علامة كتابية، وأن هذه العلامة الكتابية صورة خنزير، وأنها لم تكن تدل في الأصل إلا على "الخنزير" "بالفرنسية pore بَوُر" فلما كانت هذه العلامة تقرأ "بُور" فإنها قد تنتهي بتمثيل الاسم الذي يحمله هذا الحيوان في الفرنسية "بور" لا تمثيل الحيوان نفسه، وبالتالي بتمثيل الصوت الذي يكون هذا الاسم. ومن ثم فقد تستعمل في الكتابة الصوتية لكل كلمة تتكون من هذا الصوت، فتستعمل لكتابة الصوت "بور por" دون أي اعتبار آخر، سواء أكان ذلك للدلالة على الخنزير pore أم على الميناء port أم على ثقوب البشرة pores؛ بل أكثر من ذلك قد تستعمل في الكلمات التي تتكون من عدة مقاطع للدلالة على هذا المقطع por "بُور" بصفة عامة ودون اعتبار للمعنى؛ فنراها تدخل في كتابة "trans por" ter"" "ينقل" و"col "por" teur" "بائع متجول" و""por" nographe" "صورة مخلة بالآداب"، إلخ، وهذه هي الطريقة التي تستخدم في المجتمعات التي تعقد للتسلية، فإذا أريد مثلا الدلالة على معنى كلمة "مألوف" رسمت صورة للماء وصورة لكوز من اللوف.
ولكن هذا الذي يعتبر تسلية وهوى تحكميا في هذا النوع من اللعب، ليس في الكتابة التصويرية إلا اصطلاحا محددا بقواعد صارمة. ومع ذلك فإن في هذه الكتابة وجهين من النقص خطيرين, وذلك أن عدد العلامات في مثل هذه الكتابة لا يمكن إلا أن يكون محدودا للأسباب التي ذكرنانها آنفا، في حين أن عدد الأفكار لا يمكن أن يحد, فعدد الأفكار يتجاوز بالضرورة عدد العلامات، لذلك يجب أن يصطلح على الدلالة بالعلامة الواحدة على أفكار عديدة, والمعتاد في هذه
стр. 395
الحالة ألا يجمع تحت العلامة الواحدة إلا الأفكار المتجاورة، مجازية كانت أو حقيقية. لذلك نرى الكتابة المسمارية لا تشير بالقرص إلى الشمس فحسب، بل أيضا إلى النور والبريق والبياض والنهار، وفي الكتابة الهيروغليفية تشير العين أيضا إلى النظر والسهر والعلم. ولما كان يدل على كل واحدة من هذه الأفكار في الكلام بصوت يخالف الصوت الذي يدل به على الأخرى، أصبح للعلامة من القيم الصوتية الجديدة بقدر ما تدل عليه من أفكار, فقد تمثل العلامة الواحدة في الكتابة المسمارية خمسة عشر صوتا أو عشرين صوتا مختلفا، وهذا ما يعبر عنه العلماء بقولهم إن العلامة الواحدة متعددة الأصوات Polyphone.
وعلى العكس من ذلك قد يقع في كل اللغات أن يعبر بصوت واحد عن أشياء مختلفة كل الاختلاف. ومن هذا القبيل في الفرنسية الصوت بور pore الذي تكلمنا عنه "por, pore, port", وكذلك الصوت vin؛ " vainc," vint, vingt, vin" والصوت sin؛ "sein, saint, seing, ceint, cinq" إلخ، فالكتابة التصويرية تدل بطبيعة الحال على كل واحدة من هذه الكلمات بعلامة مختلفة. أي أنها تدل على الصوت por بثلاث علامات وعلى الصوت vin بخمس علامات وعلى الصوت sin بست علامات, وقد عد العلماء ست عشرة علامة في الكتابة المسمارية للدلالة على المقطع تو tou. وهذا ما يعبرون عنه بقولهم، إن العلامات المتعددة تشترك في التعبير عن صوت واحد homophones.
فاشتراك عدة علامات في التعبير عن صوت واحد ودلالة العلامة الواحدة على أصوات عدة عيبان متضادان كان يمكن لنتائجهما أن تتعادل فيمحو بعضها بعضا. وهذا ما يقع في بعض الأحيان. ولكن الأمثلة التي ذكرناها تكفي للدلالة على الصعوبات المستعصية التي اعترضت سبيل القائمين بفك طلاسم هذه الكتابات١.
стр. 396
لما اتخذ الأشوريون الكتابة المسمارية أصلحوا عيوب الدلالة على أصوات عديدة بعلاقة واحدة وذلك باستعمال مكملات صوتية, فنراهم بعد أن يكتبوا الكلمة كتابة تصويرية يعينون نطقها بكتابة المقطع الأخير منها كتابة صوتية، وهذا المزج بين الكتابة التصويرية والكتابة الصوتية من خصائص الكتابة الأشورية ومن أسباب التعقيد فيها؛ وقد استلزمه ذلك النقص الأساسي الذي يرجع إلى التعبير عن أصوات مختلفة بعلامة واحدة polyphonie١.
واشتراك علامات عدة في التعبير عن صوت واحد يؤدي أيضا إلى عيب لا يقل خطورة عن العيب السابق, وذلك أنه يوقع في حيرة الاختيار بين عدة أفكار يعبر عنها بصوت واحد, وقد ابتكروا نظام المفاتيح لتلافي هذا العيب, والمفاتيح هي العلامات التكميلية التي تضاف إلى الصور الصوتية لتعيين معناها, فبدلا من أن يدل على النطق الحقيقي للصورة بتكملة صوتية، يستعمل المفتاح للإشارة إلى المرادف المطلوب من بين جميع المترادفات التي قد يتجه إليها الذهن, ولنرجع إلى المثل السابق لتوضيح ما نقول، فنفترض أن هناك صورة كتابية تدل على هذا الصوت por "بور" كما هو في الفرنسية فلكي يؤمن اللبس، تضاف إلى الصورة علامة خاصة يدل بها على أن المقصود هو الحيوان pore أو الميناء البحري port أو حمل شيء ما port أو انتصاب القامة port أو ثقب من ثقوب البشرة pore. فهذه العلامة هي مفتاح اللغز.
والصينية هي التي طبقت هذه الطريقة تطبيقا منهجيا كاملا. وقد قلنا بأن الصينية، وهي لغة لا تصريف فيها، أكثر اللغات قبولا للكتابة التصويرية. ولتلافي اللبس الناجم من التعبير بصور مختلفة عن الصوت الواحد، اخترعت الكتابة الصينية أنواعا من الأسس تركبها مع الصورة الصوتية لتعين بها معنى الكلمة، هذه الأسس كانت فيما مضى غير محدودة العدد، فقصر عددها في سنة ١٦١٦ على ٢١٤ أس، واستقر عددها على هذا الوضع منذ ذلك الحين، ويطلق عليها في الصينية اسم pou أي "أقسام" أو "طبقات". والواقع أنها مميزات
стр. 397
ولكن الكتابة الهيروغليفية كان حتما عليها أن تصير كتابة صوتية بعد حين، وخاصة لأنها كانت تستعمل في تسجيل لغة ذات تصاريف.
وأول مرحلة أمكن الوصول إليها في هذا السبيل هي مرحلة المقطعية. وهي مرحلة على جانب من الأهمية لأنها تبرز لنا أهمية المقطع "انظر ص٨٥", ولكن لا ينبغي أن يغرب عن بالنا أن المقطعية كانت من مستلزمات تطور الكتابة التصويرية نفسه.
فهذا الأمر يوجد بطبيعته في اللغة الوحيدة المقطع، إذ إن كل كلمة من كلماتها تتكون من مقطع واحد, أما في اللغات الأخرى فإن الأمر ينتهي إلى نفس النتيجة بسبب أن كل صورة كتابية كانت تستعمل للدلالة على مقطع واحد "هو المقطع الأول على وجه العموم" من الكلمة التي تمثلها تلك الصورة. وهذا هو السبب في أن أسماء الحروف في الأبجدية السامية مثلا هي بعض أسماء الأشياء المختلفة التي يبدأ اسمها بالحرف المقابل، وكذلك الحال في الأبجدية الأجامية عند الإرلنديين. وفضلا عن ذلك تمتاز المقطعية بالاختصار؛ لأنها تسجل السواكن المبدئية للمقاطع بدقة ويمكن أن يكتفي بها على وجه الإجمال بالنسبة للغات التي ليس فيها مجاميع من السواكن والتي يمكن فيها تعيين نغمة الحركة بواسطة اعتبارات صرفية كما هي الحال في اللغات السامية. ومن ثم أمكن لهذه المرحلة الوسطى أن تكون مرحلة نهائية في كثير من الحالات. فلم تلجأ السامية إلى الإشارة إلى الحركات إلا في عصر متأخر، عندما بدأ يستعمل اللغة أناس لا يعرفونها معرفة تامة.
وجدت المقطعية مكانا لها في الشرق الأقصى أيضا, فقد استخرج اليابانيون من الكتابة الصينية الجارية، بعد محاولات كثيرة لا يعنينا أن نتكلم عنها في هذا المقام، أبجدية تتكون من سبع وأربعين علامة ويطلقون عليها اسم "كاتا-كانا". "kata-kana". ولكنهم لا يستعملونها بصفة مطردة، لأن نظام الكتابة الجارية عندهم مرحلة وسطى بين الكتابة الصينية والكتابة المقطعية. أما أهل كوبا فقد اتخذوا كتابة مقطعية من أصل آرامي وجعلوا منها كتابتهم الوطنية "انظر أواخر هذا الفصل".
стр. 398
تعتبر الكتابة القبرصية أيضا من الكتابات المقطعية، وقد نجح العلماء في فك طلاسمها بفضل استعمالها في تسجيل اللغة الإغريقية١؛ لذلك كان ما لدينا مسجلا بهذه الكتابة نصوصا إغريقية على وجه الخصوص. وأصل هذه الكتابة غير معروف، ولكن من المحقق أنها ابتكرت لتسجيل الإغريقية، وإن كانت لا تسجلها إلا بصورة ناقصة. وقد استعيض عنها في قبرص نفسها بالإنجليزية الإغريقية.
الأبجدية الحرفية آخر مرحلة في سبيل استكمال الكتابة, وقد أدت إليها الحاجة إلى رقم الحركات دون اضطرار إلى زيادة العلامات التي كانت تكون الأبجدية المقطعية. إذ أخذت الأبجدية المقطعية السامية في وقت من الأوقات تزود برموز لرسم الحركات نسميها matres lectionis "علامات الضبط" وذلك لتيسير القراءة. وقد أحسنت الأبجدية الإغريقية استغلال هذه الرموز حتى خلقت منها علامة لكل حركة, وقد كتب ربنان أن "الإبجدية الحرفية من خلق الساميين"٢.
ولم تلبث الأبجدية الإغريقية، بعد استكمالها على أيدي اليونيين، أن انتشرت في كل بلاد الإغريق على وتيرة واحدة. وقد نقل الإغريق الأبجدية إلى جهة الغرب.
стр. 399
ففي إيطاليا انتقلت الأبجدية إلى اللاتينيين وإلى الأترسكتين من كوميس Cumes, وهي مستعمرة من مستعمرات أوبين دي شالسيس Eubeens de chalcis ودخلت الأبجدية وادي الرون على أثر تأسيس مرسيليا، ولا زلنا نعثر فيه على نقوش جولية مكتوبة بالحروف الإغريقية وترجع إلى بدء التاريخ الميلادي.
أما من الناحية الشرقية فإن الآرامية هي التي قامت بدور نشر الأبجدية، وهو دور عظيم تبرره ظروف التاريخ, ولكن التغير الذي طرأ على الكتابة هو الذي ساعد على القيام بهذا الدور. فكما أن استعمال الأوراق البردية والحاجة إلى الإسراع في الكتابة قد أديا إلى تحول الكتابة الهيروغليفية في مصر إلى كتابة هيراطيقية ثم إلى كتابة ديموطيقية، فإن الكتابة الفينيقية قد أخذت عندما استعملت في الآرامية صورة جارية وعملية، إذ استدارت الزوايا وانمحت رءوس الحروف، وصارت الشرط المتطرفة تنتهي بنوع من الذيل يدور حول نفسه, وقد امتدت الأبجدية الآرامية إلى الهند, إذ إن معظم النظم الكتابية المستعملة في آسيا الوسطى مشتقة منها. هذا وقد أمكن لها أن تصل إلى الشرق الأقصى، فهي التي تكون الكتابة الكورية التي تستعمل حتى اليوم.
الكتابة الحرفية، وهي آخر مراحل التطور الكتابي، انتشرت في أوربا ابتداء من التاريخ المسيحي بفضل الإغريق والرومان, والذي يفسر هذا الحادث سبب تاريخي، وهو انتشار المسيحية, فإن الحواريين الذين لقنوا المسيحية للشعوب الوثنية علموهم أيضا قراءة النصوص المقدسة، واضطرهم ذلك إلى تكوين أبجديات على نسق الأبجدية التي كانوا هم أنفسهم يقرءون بها هذه النصوص, ومن ثم اتخذت الأبجدية الإغريقية مثالا للأبجدية القوطية بفضل فلفيلا wulfila. وللأبجدية السلافية بفضل سيريل Cyrille وميتود Methode. أما الألمانية القديمة والإنجليزية القديمة والإيرلندية القديمة فقد اشتقت كتابتها من الأبجدية اللاتينية.
نحن نعرف على وجه العموم الصورة التي تكونت بها هذه الأبجديات المختلفة ففلفيلا مثلا بدأ بأن أخذ من الأبجدية الإغريقية جميع الحروف التي تعبر عن أصوات موجودة في لغته، واحتفظ لها بقيمتها, وبالنسبة للأصوات الأخرى
стр. 400
ومهما يكن من شيء، فهناك خلاف جوهري بين الأبجديات المشتقة من الإغريقية والأبجديات المشتقة من اللاتينية. فالأولى قد وضعت بدقة تامة وقام بها أشخاص ذوو حس مرهف بالروابط الصوتية فأظهروا في تسجيلهم لفروق النطق الدقيقة مهارة فائقة, ومن كانت الأبجدية القوطية التي قام بها فلفيلا wulfila أداة لائقة وعلى جانب كبير من الدقة، والأبجدية السلافية التي وضعها سيريل وميتود تعتبر تحفة حقيقية. فما أوسع الفرق بينها وبين أبجدية الإنجليزية السكسونية أو الإيرلندية! فهؤلاء قد ظلوا قرونا طويلة يفتشون عن وسيلة يطبقون بها الأبجدية اللاتينية على لغتهم، ولكنهم لم ينجحوا قط في مسعاهم.
والحقيقة أن وسائل الأبجدية اللاتينية كانت تقصر على الغرض الذي هدفوا إليه, فالنظام الصوتي لكل من هاتين اللغتين يختلف عنه في اللاتينية أشد اختلاف إذ تحتوي اللاتينية على عدد هام من الأصوات الانفجارية، مجهورة كانت أو مهموسة؛ أما الإيرلندية فتمتاز بالأصوات الاحتكاكية، هذا إلى أنها أكثر تنوعا في الأصوات من اللاتينية. والكتابة الإيرلندية قامت شيئا فشيئا ممزقة وعلى فترات، تكونت بعد تحسسات طويلة وبعد سلسلة طويلة متتابعة من الإجراءات الناقصة غير المتصلة؛ لذلك كان تفسيرها يتطلب دائما مجهودا من القارئ, فهي عكس الكتابة القوطية على خط مستقيم، تلك الكتابة التي نشأت دفعة واحدة وبطريقة منهجية في ذهن مبتكرها. ولكن لا ينبغي لنا من ذلك أن نضيف إلى
стр. 401
هذا المبتكر فضل هذا النجاح كاملا, إذ إن المادة التي كانت موضع دراسته كانت أكثر قبولا للنجاح, فالقوطية كما عرفنا إياها فولفيلا، ذات اطراد نحوي جميل، يكشف عن لغة مشتركة قد سويت واستقرت؛ أما الإيرلندية فكانت على جانب لا يوصف من الفوضى في اللحظة التي حاول فيها أهلها أن يثبتوها بالكتابة, ويمكننا أن نقرر نفس الشيء بالنسبة للسلافية القديمة في مقابلة الألمانية القديمة أو الإنجليزية القديمة.
стр. 402
الجزء الخامس: الكتابة
الفصل الأول: أصل الكتابة وتطورها
...
تعبر على نحو ما عن الأفكار العامة والطبقات الاجتماعية والطبيعية والكليات العقلية, فعلى هذا النحو تتكون الحروف الصينية من عنصرين: الأولى صورة الفكرة ideogramme التي صارت صورة صوتية phonogramme، وتعبر عن الصوت المقطعي الذي يكون الكلمة، والثاني بمثابة مفتاح المشكلة ويعين معنى الكلمة.
اللغات التي من أجلها اخترعت الكتابة المسمارية والهيروغليفية أول ما اخترعت، كانت لغات تصريفية؛ لذلك لم تنجح فيها إلا بقدر ضئيل تلك الطريقة التي استعملت في تكميل الكتابة الصينية. ومع ذلك فإن المصريين باختراعهم للمميزات، قد أوجدوا ما يعادل الأقسام عند الصينيين, فالصورة الهيروغليفية التي تقرأ ankh تدل إما على "الحياة"، وإما على "الأذن" فإذا ما أريد بها أن تدل على هذا المعنى الأخير بالذات صحبت بصورة الأذن التي تؤدي وظيفة المميز, ومن ثم نعثر في الكتابة المصرية -حتى بعد أن صارت كتابة صوتية محضة- على بعض المميزات المتفرقة التي أبقت التقاليد على استعمالها أما الكتابة المسمارية فلم تخل يوما -حتى في أوج انتشارها- من بعض حالات اللبس, ولتسهيلها من الوجهة العملية اضطر أهلها إلى جعلها مقطعية، وعلى هذه الصورة نراها تستعمل في تسجيل إحدى اللغات الهندية الأوربية، وهي الفارسية القديمة وذلك في نقوش دارا. ولكنها على وجه العموم كانت أقصر الكتابات التصويرية عمرا، وسمارية الأشمينين كانت آخر مثال منها, إذا لم تلبث أن استعيض عنها في كل مكان بكتابات صوتية، ولا سيما بالكتابة الآرامية المشتقة من الأبجدية الفينيقية.
أما الأبجدية الفينيقية -نحو ما نراها على شاهد ميسا Mesa القبري "وهو اليوم في متحف اللوفر" ذلك الشاهد الذي يرجع إلى ما قبل المسيح بتسعمائة سنة فإن البعض يعدها صورة مشوهة من الكتابة الهيروغليفية, ولكن هذا التشويه قد وقع بالتدريج على خطوات عدة, وقد بينا فيما سبق كيف يصل التطور الطبيعي بالصورة الفكرية إلى أن تصير صورة صوتية, وقد استقرت بعض الكتابات كالصينية في منتصف الطريق بين الخطتين بفضل نظام من التراكيب العلمية؛
стр. 403
الفصل الثاني: اللغة المكتوبة والرسم
أحسن بنو الإنسان في كل العصور أهمية اللغة المكتوبة، فأرجعوا أصل الكتابة إلى الوحي الإلهي. إذ اعتقد العبريون أن موسى تلقاها من ذات الإله، وعزاها المصريون إلى الإله توت "أفلاطون، فيدروس: ٢٧٤"، ووضع الإغريقيون اختراع الكتابة في نسق مع ممارسة الزراعة واكتشاف النار، فرفعوا كدموس Cadmus إلى مرتبة تريتوليم Triptolieme أو بروميتيه Promethee.
ولكن ليس معنى هذا أن الأولين من بني الإنسان قد صدمتهم فائدة هذا الابتكار، أو أنهم أحسوا الخدمات التي يمكن أن يؤديها إلى سلالتهم؛ بل لقد رأوا في الكتابة إجراء غيبيا أثار انتباههم بخصائصه المخوفة, فالكتابة بالنسبة إليهم كانت علما, والعلم قد أثار دائما خوف البشر، وهم على حق في ذلك لأنه يسمح لمن يستحوذ عليه بفعل الشر والخير على السواء.
أولئك الذين بدءوا باستعمال الكتابة كانوا يستعملونها في عمليات شبه سحرية, فالكتابة في أصلها كانت طريقة من طرق السحر, وقد احتفظت اللغة المكتوبة بهذه الصفة زمنا طويلا، فكتابة اسم على قطعة من اللحاء أو من إهاب حيوان، كان معناها إمساك الكاتب لصاحب الاسم تحت تصرفه، معناها قسره وتقييده, معناها القدرة على رفعه أو خفضه، على نجاته أو إهلاكه تبعا لإرادته, وأول ما خط من سطور تحتوي على اسم أحد الأشخاص، كان ضربا من الرقى: تعاويذ يقصد بها النجاح أو الشفاء، الإخضاع أو الإضرار. وإذا كانت الكلمة الملفوظة لها قوة سحرية "انظر ص٢٣٨" فالكلمة المكتوبة من باب أولى. ومن ثم كان الكتاب الأولون من السحرة.
стр. 404
الكتابة والقدر SORT لا ينفصلان عند كثير من الشعوب؛ فالكتابة عند الكلتيين والجرمانيين من عالم "الغيب" "بالقوطية RUNA", وهي ضرب من ممارسة السحر١, وقطعة الخشب التي تحفر عليها الحروف كانت تستخدم في نفس الوقت للأذى السحري, وظل المعنيان مختلطين حتى أيامنا هذه في مفردات الأرلنديين والبريتانيين, وكما أن كلمة Buchstabe "ومعناها الحرفي: عصا من الزان" تدل على "الحرف" في الألمانية، فإن كلمة crann-chur "قذف الخشب" معناها "القدر" في الإيرلندية، وكذلك كلمة coel-bren "حرفيا: خشب النبوءة" في الغالية٢.
وحتى بعد أن تجردت الكتابة من كل صفة سحرية، ظلت محاطة بهالة من الخوف والاحترام. ذلك أن الناس قد احتفظوا بما للنص المكتوب من خرافة, وقد استغل الدين والقانون هذه العاطفة ليفرضا على أذهاننا النص المكتوب الذي لا يعتريه تحويل أو تبديل والحرف الذي يتحدى ما يقتضيه العقل, ونرانا لا نزال نكرر: "هذا مكتوب" أو "لقد كان ذلك مكتوبا" كما لو كنا نشاطر الشرقيين عقليتهم التي تتصور المقدور مسجلا في كتاب كبير تطوى منه في كل يوم صفحة، هذا على أن أهمية النص المكتوب شيء طبيعي, إذ إن المكتوب يبقى، على حين تتبدد الألفاظ. والكلمة إذا سجلت عندما تخرج من بين حواجز الأسنان، استقرت إلى الأبد كأنها وثيقة إثبات، وبعد كل هذا فإن الإنسان يؤخذ "بما كتب". فالكتابة بعد أن لم تصبح رباطا سحريا، قد بقيت رباطا على كل حال.
وهكذا نرى أن الاستعمال يتفق مع التقاليد في تأكيد اختلاف اللغة المكتوبة عن اللغة المتكلمة. والواقع أنهما لا يختلطان أبدا. ومن الخطأ أن تظن أن النص المكتوب يعتبر تمثيلا دقيقا للكلام. فلسنا على عكس ما يتصور كثير
стр. 405
من الناس, نكتب كما نتكلم؛ بل إننا نكتب "أو نحاول أن نكتب" كما يكتب غيرنا, وإن أقل الناس ثقافة يشعرون، بمجرد وضع أيديهم على القلم، بأنهم يستعملون لغة خاصة غير اللغة المتكلمة، لها قواعدها واستعمالاتها كما أن لها ميدانها وأهميتها الخاصين بها "انظر ص٣٤٠". وهذا الشعور له ما يبرره.
اللغة المكتوبة هي الطابع المميز للغات المشتركة. واللغة المشتركة بطبعها في نزاع دائم مع اللغة المتكلمة؛ لأن هذه الأخيرة في خضوعها للتأثيرات الفردية، تميل دائما إلى الابتعاد عن المثل الأعلى الذي تحتذية اللغة المشتركة, واللغة المكتوبة معرضة بدورها لضربات اللغة المتكلمة؛ لأن اللغة المشتركة تعتمد في مقاومتها على الكتابة أولا وقبل كل شيء, ومن جهة أخرى تستعمل الكتابة في التعبير عن كثير من اللغات الخاصة، بل لا وجود لبعض هذه اللغات الخاصة إلا في صورة مكتوبة. ولهذا الاعتبار أيضا كان الخلاف بين الكلام والكتابة أمرا مقررا ثابتا.
هذا الخلاف يتجلى في أوضح صوره في مسألة الرسم, فلا يوجد شعب لا يشكو منه إن قليلا وإن كثيرا, غير أن ما تعانيه الفرنسية والإنجليزية من جرائه قد يفوق ما في غيرهما, حتى أن بعضهم يعد مصيبة الرسم عندنا كارثة وطنية١. لذلك يهمنا أن نعرف مدى هذا الشر والأسباب التي أدت إليه وأنواع الدواء التي يمكن أن يعالج بها.
لعرض هذه المسألة على خير وجوهها، يجدر بنا أولا أن نتساءل إلى أي حد يمكن للرسم أن يخفف من وطأة الخلاف القائم بين الكلام والكتابة، وإلى أي
стр. 406
درجة تستطيع الكتابة أن تمثل النطق. فبعض أنواع الرسم تدين بتعقيداتها إلى الرغبة في تعليم القارئ نطق الكلمات على أدق صورة ممكنة, وتنشأ هذه التعقيدات في غالب أمرها في الخارج. فالعناية التي تبذلها اللغة في تسجيل الأصوات ترجع إذن إلى انتشار اللغة بين أقوام لم يكونوا يتكلمونها بسليقتهم, وهكذا تطور استعمال النبرات على الكلمات الإغريقية في مصر، حيث كان يتكلم الإغريقية أناس من غير الإغريق، فكانوا في حاجة إلى العناية بمعرفة الموضع الذي ينبر في الكلمة, وكذلك كان بدء تعليم الكتابة السامية بالحركات في بلاد الحبشة لما دخلت فيها اللغة العربية, إذ إن النصوص الحبشية الأولى مكتوبة بخط سيئ خال من الحركات، فالكتابة الحبشية أول كتابة سامية اتجهت إلى تعليم الحركات، وهذا شيء لا بد منه بالنسبة لقوم لم يتعودوا بعد النظام الصرفي السامي المعقد. وكان ذلك تقدما لا ريب فيه، جعل من الكتابة صورة من الكلام أقرب إلى الحقيقة.
ومع ذلك فلا يوجد رسم واحد يمثل اللغة المتكلمة كما هي, فإننا إذا تصورنا رسما مما يسمى بالرسم الصوتي، وقد زود بحروف متنوعة وبعلامات للتشكيل، فإن هذا الرسم لا يتيح معرفة النطق الحقيقي معرفة تامة لشخص لم يسمع الكلام باللغة التي يقرؤها. ومن ثم كان من المعتاد في كتب الأصوات أن تصور الأصوات اعتمادا على لغة معروفة للقارئ لا على الجهاز الصوتي للإنسان, وهذه الطريقة أبسط وأدق من غيرها, فيقال إن هذه العلامة أو تلك تمثل الـTH "ث" الإنجليزية الرخوة، أو الراء البارسية أو الـCH الألمانية الصلبة "خ", وأفضل من ذلك أن يقال مثلا إن الحركة الفلانية هي الـa "الفتحة" الفرنسية في كلمة كذا إذا نطقت على الطريقة الباريسية. وإن كان لا يستفيد من هذا التحديد من لم يسمع كلام إنجليزي أو ألماني أو باريسي.
ولكن هذه الوسيلة أيضا غير كافية. لأن القارئ، مهما سوعد بمقابلات دقيقة في اللغات التي يعرفها، لا يستطيع إدراك أصوات لغة جديدة وأن يقوم بتحقيقها دون أن يسمع نطقها بنفسه. ذلك لأن اللغة المتكلمة من التعقيد بحيث
стр. 407
تشتمل على أكداس من تفاصيل الشدة والتنغيم والنطق الفجائي، مما لا يستطيع رسم تصويرها مهما بلغ من درجات الكمال.
ففكرة عمل رسم صوتي يطبق على جميع اللغات سراب خداع؛ لأن تنوعات النطق من الكثرة بدرجة يستحيل معها أن يكون الرسم غير تقريبي, وهذا ما نراه في المحاولات التي عملت لإيجاد رسم واحد منسجم لكتابة الأعلام الجغرافية, فقد اصطدم القائمون بهذا الأمر بتلك الصعوبة الدائمة، وهي أن الرسم لا يخلو أبدا من الإيقاع في اللبس١. بل إن علماء اللغة يلاقون أشد العناء في وضع نظام ينطبق على اللغات التي يدرسونها٢.
إما إذا أردنا أن نصل بمبدأ الرسم الصوتي إلى غايته الحتمية، فإن ذلك يؤدي بنا تقريبا إلى عمل نظم من العلامات المختلفة لكل لغة على حدتها؛ لأنه لا يوجد إلا القليل من اللغات التي تتفق في نظامها الصوتي وفي نظام حركات جهازها النطقي فلا يكاد يوجد صوت واحد مشترك بين الإنجليزية والفرنسية, وإذن يجب وضع علامات مختلفة لرسم الإنجليزية. وهذا يؤدي بنا إلى أن نجعل عدد علامات الرسم غير محدود, لكل ذلك كان من الخير أن ندع الأمور على ما هي عليه، إذ إنه يتحتم على من يريد معرفة قيمة العلامة أن يكون قد سمع الكلام باللغة التي هو بصددها كما بينا سابقا.
نضيف إلى ذلك أن أتم نظم الرسم لا تستطيع مطلقا أن تصور الخصائص اللهجية، وأنه لا يمكننا أن نشير في الكتابة مثلا إلى خصائص النطق التي يتميز بها أهل البيكاردي أو الفرنش كنتيه، بله أهل مرسييا أوجسكونيا.
وهذه صعوبة أولى.
وهناك صعوبة ثانية ترجع إلى أن الرسم الصوتي يصاب بالقصور على مرور
стр. 408
الزمن وبسرعة تختلف باختلاف اللغات, إذ إن السبب الأساسي لأزمات الرسم ينحصر في استحالة مسايرة الرسم لحركة اللغة، وذلك في نفس الوقت خير شهادة على اختلاف اللغة المكتوبة عن اللغة المتكلمة. فاللغة المكتوبة تتطور دون توقف١. أما اللغة المكتوبة فمحافظة بطبعها، لا لأنها تعبير مشخص للغة المشتركة وقد قننها النحاة فحسب، بل أيضا لأنها لا تستطيع التغير بنفس السرعة التي تتغير بها اللغة الكلامية. نعم إن قوة التقاليد تصير أمرا خطيرا عندما تحميها المدرسة والآداب وإجماع المثقفين, ولكن التقاليد هنا ليست العقبة الوحيدة في سبيل تطور الكتابة, فالثبات ضروري للغة المكتوبة، لأنها تعتبر لغة مثالية حددت معالمها نهائيا, ولا يمكن المساس بها إلا بعد فوات الأوان, فمهما عنينا بجعل هذا الكساء مرنا مطابقا لحنايا الجسم الذي يكسوه، فلن نستطيع مطلقا أن نخضعه لنزوات الطبيعة وأن نجعله ينمو بنمو الجسم لأنه شيء ميت يغطي كائنا حيا.
يدهش الإنسان أحيانا من إبطاء اللغة النقية في مسايرتها للتقدم الذي تقوم به اللغة الكلامية في ميدان الصرف والمفردات, فالأكاديمية لم تجز حتى الآن عبارات من قبيل "je m'en rappelle" أو "de facan a ce que"، مع جريانها في الاستعمال منذ قرن, ولكن لا أهمية لذلك، ما دامت هذه العبارات قد أصبحت اليوم من المقررات, وكثير من الاتجاهات المتنوعة التي تبدو في اللغة يكون مصيرها الإخفاق, وإذا كان الاتجاه جديرا بالبقاء فإنه يتطلب وقتا طويلا للوصول إلى غرضه، فإذا فرضنا أنه سجل في نفس اليوم الذي وصل فيه إلى غايته، كان القيام بهذا العمل متأخرا عن أوانه، ما دام هذا الاتجاه قائما مؤثرا منذ زمن طويل، وكذلك الحال بالنسبة للرسم، فإنه لا يعتمد بطبيعة الحال إلا الصور التي محصت وثبتت بالاستعمال مهما كانت دقته ومسارعته نحو التقدم.
ولكن من العسير أن يكون الرسم دائما دقيقا سباقا إلى التقدم, إذ يجب
стр. 409
التفريق بين اللغات بالنسبة لهذا الاعتبار. ويدهش الإنسان أحيانا بحق عندما يرى اختلاف لغات مثل الإنجليزية والألمانية والفرنسية والأسبانية من حيث قيمة الرسم. فرسم الألمانية لا يعد رديئا ورسم الأسبانية جيد جدا، أما رسم الإنجليزية أو الفرنسية فسيئ, ولا يمكن أن يسبقهما في هذا المضمار إلا رسم لغة التبت أو اللغة الإيرلندية, وقد ذكر بعض علماء اللغات الكلتية على سبيل التسلية رسم بعض الكلمات الإيرلندية من قبيل saoghal و lanamhain و Oidhche و cathughadh التي تنطق على وجه التقريب sil و lanun و i و cahu. وبهذا تستطيع الإيرلندية أن تستثير غيرة الفرنسية التي تكتب oiseau ما تنطقه wazo والإنجليزية التي تكتب و enough و knight و Wrought وتنطق enaf و naft و rot. ولكنا لا ينبغي لنا أن ننسى الظروف المخففة في حكمنا على هذه اللغات، فالاختلافات التي نلاحظها بين الرسوم المختلفة ترجع إلى أسباب تاريخية.
لنلاحظ أولا وقبل كل شيء أن اللغات المشتركة التي تعبر عنها هذه الرسوم قد تكونت في عهود على جانب من القدم, ثم لنلاحظ بعد ذلك أن التطور الصوتي في بعض اللغات أسرع منه في غيرها وأنه يغير نطق الكلمات تغييرا تاما؛ فالإيطالية والأسبانية قد بقيتا أقرب إلى اللاتينية من الفرنسية بكثير. والإنجليزية قلبت النظام الصوتي الذي ورثته عن الجرمانية, ولنلاحظ على وجه الخصوص أن الظروف التي نشأت فيها الرسوم كانت تختلف في كل قطر عنها في الآخر, وقد أثر على الرسم كثير من الأسباب الخارجية بل والفردية, مثل ذلك تأثير المصلح الديني الغالي سالسبوري Salisbury الذي صارت ترجمته للكتاب المقدس في سنة ١٥٦٧ حجة، فالعادة التي أدخلها في كتابة الضمير الذي لا ينطق إلا i "اِي" على هذا النحو ei ظلت متبعة حتى أيامنا هذه. وفي روسيا أثر تقاليد اللغة السلافية القديمة، وهي لغة دينية كانت من القوة بحيث جعلت الروسية الحديثة تكتب حالة من حالات الإضافة togo في حين تنطقها tavo, وتأثر الرسم عندنا في نهاية القرن السادس عشر بأثر العلماء المشربين بالروح الكلاسيكية ومسائل علم الاشتقاق. فهم أول المسئولين عن المتاعب التي نعاني اليوم نتائجها، ولكنهم كانوا على اتفاق
стр. 410
مع روح العصر الذي عاشوا فيه, وهذه الحالة النفسية بذاتها قد وقعت في أيرلندة حيث وضع الرسم بعد محاولات عديدة قام بها قوم من المتحذلقين المفتونين بحب التقاليد, ففي غضون القرن السادس عشر قامت محاولات لإصلاح رسم اللغة الغايلية في المخطوطة الشهيرة التي قام بنسخها السير جيمس مكجريجور Sir james Macgregor، عميد لسمور lismore "في أرجيلشير Argyllshire، وبفضل هذا الكتاب يمكننا أن نحكم بمقدار اختلاف اللغة المكتوبة عن اللغة المتكلمة في ذلك الحين, ولكن لا ينبغي لنا أن نبالغ في تقدير ما في الرسم الأيرلندي من تعقيدات فجزء كبير منها يرجع إلى غلطة مبدئية تنحصر في اتخاذ الحروف علامات لتحديد نطق الحروف الأخرى, وهذا قد طبع الكتابة بطابع ممل، ولكن يمكن التعود عليه بعد قليل من الممارسة, والدليل على جودة الرسم التقليدى في بعض الأحيان أننا نستطيع بشيء كثير من الدقة أن نقرأ النصوص الأيرلندية المعقدة التي ترجع إلى عهد مخطوطة عميد لسمور، بينما نعجز عن تحديد ما لبعض رسوم هذه المخطوطة نفسها من قيمة.
стр. 411
ينطقون الكلمات Chaptel "سلالة" و dompter "يروض" و sculpter "ينحت" promptement "على الفور" بالمجموعة الصوتية pt "بت"، وهو نطق غير سليم. وهناك ما هو أنكى من ذلك؛ فإن كلمة lais القديمة -وهي من فعل laisser "يدع"- قد كسيت رداء جديدا لم يكن من حقها أن تلبسه، فصارت تكتب legs بحرف g، وذلك تحت تأثير الفعل leguer "يودع". واليوم ينطقها الكثيرون بهذا الحرف كما ينطقون اسم العلم Laygues, ومن ثم نرى أن الرسم من العوامل التي تؤدي إلى تغيير المفردات١. فنراه يفصل بين festoyer و fete وبين legs و laisser بينما نراه يصل forsene ""متهور غضبا"" بكلمة force "قوة" وذلك بكتابتها forcene كما أنه يحرف الاشتقاق بعض الأحيان؛ فإن الاستعمال السيئ لـ"ge" بدلا من "j" قد أوجد كلمة Gageure التي ينطق بها سواد الناس في عصرنا هذا على وزن beurre، مع أنها مشتقة من gager "راهن" بواسطة اللاحقة ure مثل picure "لدغة" من piquer "لدغ" و mouillure "تبلل" من mouiller "بلل". وإذا أردنا أن نعدد هنا آثام الرسم في الفرنسية فلن نستطيع الانتهاء منها٢. وإن المناقشات التي دارت حديثا حول هذا الموضوع قد سمحت بتسجيل قوائم بهذه الآثام وإن في مادتها من الغزارة ومن الشهرة ما يعفينا من محاولة ذكرها في هذا المكان.
وهي دائما في سبيل الزيادة، لأن أزمة الرسم تتوقف على الظروف الاجتماعية التي تتطور فيها اللغة، فبمقدار اتساع الخلاف بين الفرنسية الأدبية والفرنسية الكلامية "انظر ص٣٤٣-٣٤٤" تزداد حدة الشر؛ لأن عددا من الكلمات التي تستعمل الآن في المحادثة سيترك نهائيا اللغة المكتوبة وعندئذ لا يحفظ إلا من الكتب ولا تعمل على الاحتفاظ بسلامة نطقها أية رواية شفهية، فتصبح هذه
стр. 412
الكلمات بمثابة الكلمات الأجنبية التي تدخل في اللغة بواسطة الكتب, فنحن نقول rail "شريط السكة الحديد" أو wagon "عربة القطار" متأثرين بالصورة المطبوعة فنطبق النطق الفرنسي على الرسم الإنجليزي؛ ولكنا نقول Bifteck على النطق الإنجليزي، لأننا أخذنا هذه الكلمة عن الرواية الشفهية. وكلمة gageure كل صحفية مثل كلمة rail وكلمة wagon؛ وهذا يفسر لنا ما طرأ عليها. فالكتاب يعكس دائما في اللغة رد فعل الصورة المكتوبة على الصورة الشفوية.
وفي إنجلترا أيضا يعلن تباين اللغتيين عن نفسه منذ زمن طويل. فرطانات الأقاليم الإنجليزية مشربة جميعها باللغة الأدبية من تأثير الكتب والصحف بوجه خاص. وهذه اللهجات ليست في غالب أمرها إلا اللغة الأدبية بعد أن صبغت بالصبغة اللهجية كما هي الحال في فرنسا "انظر ص٣٣٦ و٣٣٧". غير أن صبغ اللغة الأدبية بالصبغة اللهجية يعرض صاحبها للوقوع في الأخطاء, وهذا مثل نموذجي من تلك الأخطاء؛ كلمة light التي تنطق lait في اللغة المشتركة لا تزال تنطق lixt في شمال القطر وبالقياس على ذلك راح أهل الأقاليم ينطقون كلمة delight كأنها dilixt بدلا من dilait مع أنها من أصل آخر غير الكلمة الأولى، وقد يجمعون بين الخطتين فيقولون في Light؛ Laixt, وهي طريقة أخرى لصبغ اللغة بالصبغة اللهجية على نحو خاطئ١.
تأثير الرسم على النطق في الألمانية أشد منه في الفرنسية أو الإنجليزية، وهذا يرجع إلى أن الألمانية المشتركة لغة كتابية أولا وقبل كل شيء "انظر ص٣٣٢" ففي إبان تكوين اللغة المشتركة سوى النطق على الرسم في غالب الحالات؛ لأن الرغبة كانت تتجه في ذلك الحين إلى إقامة نطق عام، لا هو نطق إقليم معين ولا نطق مجموعة اجتماعية بعينها، فالاستعمال كان يتجه ولا زال يتجه إلى تطبيق الألمانية الكلامية على رسم الألمانية الأدبية. فمن ذلك مثلا، أن الحركة المركبة ie في الألمانية العليا الوسطى صارت i طويلة "ي" دون أن يتغير الرسم لهذا السبب، ولكن لما كانت المستشارية السكسونية تكتب je بدلا من ie عندما تكون
стр. 413
في مبدأ الكلمة، فقد أدخل هذا الاختلاف في النطق أيضا، ومن ثم نرى jemand "بعض الناس" و je في مقابلة niemand "لا أحد" و nie "لا"١. ومع ذلك فإن الألمانية تمتاز عن الفرنسية والإنجليزية بأن الرسم بعد أن استقر فيها بقي ثابتا. أما في الفرنسية فإن التباين الذي بين الفرنسية الكتابية والفرنسية الكلامية لا يزداد مع الأيام إلا اتساعا.
لا يمكننا إلا أن نمتدح المجهودات التي تبذل لإصلاح عيوب الرسم. وحجة القائمين بها تتلخص فيما يلي: الرسم الفرنسي عبارة عن نظام توافقي قام بوضعه جملة وتفصيلا طائفة من متحذلقي العلماء. وما وضعه التوافق يستطيع التوافق أن يلغيه. وليس في إصلاح رسم اللغة إضرار باللغة نفسها. بل إن في ذلك تخليصا لها من داء ينخر في جسمها وتوفيرا لوقت ثمين يضيع على أولادنا هباء منثورا وتسهيلا للأجانب الذين يتعلمون لغتنا.
وكلها أسباب وجيهة وكنا نتمنى لو أنصت لها الناس في كل مكان, ولعله كان يلزم لذلك أن تكلف لجنة من العلماء المختصين بالبحث عن الوسائل الناجعة في إصلاح الرسم في الفرنسية، وأن يكون ذلك بصفة دائمة, كما يفعل الأطباء إذ يسهرون على المريض حتى شفائه التام. وهذا العمل يستلزم وقتا طويلا، إذ لا ينبغي أن يسار فيه إلا ببطء شديد, إذ إن هناك أسبابا كثيرة تبعث على التبصر في هذا الأمر. وسنشير فيما يلي إلى بعضها.
فإذا قمنا بإصلاح شامل دفعة واحدة كنا قد استبدلنا مكان اللغة المكتوبة التي تعودنا عليها لغة كتابية أخرى جديدة, ويترتب على هذا أن نطرح وراء ظهرنا دفعة واحدة جميع المطبوعات التي نشرت بالفرنسية منذ قرون، وهو أمر مستحيل، هذا إلى أن مثل ذلك العمل يوجب على جيل أو جيلين من الفرنسيين أن يتعلموا لغتين بدلا من لغة واحدة، وإن هناك من العادات والتقاليد الأدبية ما لا يستطيع المرء أن يغيره بجرة قلم واحدة. وطبعا من الواجب جعل الفرنسية
стр. 414
أسهل تحصيلا وأقرب منالا بالنسبة للأجانب. وعلى الفرنسيين الذين يرجون لقطرهم مستقبلا استعماريا ناجحا، أن يفكروا في صعوبة كتابتهم الكفيلة بأن ينفر منها من يريد تعلمها من سكان إفريقية الوسطى أو الشرق الأقصى, ولكن يبدو أن صعوبات الكتابة الإنجليزية لم تعرقل نجاح الإمبراطورية الإنجليزية, وإنه ينبغي بذر الاضطراب في العادات التي درج عليها مواطنونا في سبيل إرضاء بعض الأجانب. والواقع أن أقل تغيير في قواعد الرسم كفيل بزعزعة العادات المكتسبة زعزعة ضارة؛ لأننا إذا طبقنا الحد الأدنى من الاصطلاحات التي يقترحها المصلحون, لم تبق صفحة واحدة مكتوبة بالفرنسية ودون أن تتغير تغيرا تاما, ويتحتم على العين والفكر أن يظلا ساهرين على تصحيح ما يقع من أخطاء حتى يصابا في نهاية الأمر بالملل, ولكن يمكن الإجابة على تلك الاعتراضات بأن الصعوبات الناشئة لا يمكن أن تؤثر على أكثر من جيل أو جيلين، وأن ما نعمل نحن على نسيانه من العادات القائمة يوفر على أحفادنا مئونة حفظه, وهذه إجابة وجيهة, ومع ذلك فإن الاعتراض ينبهنا إلى مقدار التبصر الذي يجب أن نراعيه في كل إصلاح للرسم.
فإذا ما اقتصرنا على التبسيط التدريجي حسب خطة موضوعه, فإننا نكون قد احترمنا حقوق اللغة الكتابية التي لا ينبغي لنا أن نهدرها.
يميل بعض العلماء إلى اعتبار اللغة المكتوبة خادما مطيعا للغة الكلام, وهذا رأي طائفة من علماء الأصوات وأساتذة اللغات الحية الذين يهتمون بالحد من تطرف أساتذة المدارس، أولئك الذين يحصرون اللغة كلها في اللغة الكتابية. ولكن هل يجوز لنا حقا أن نقول بأن تلك الكلمة المكتوبة تنطق على هذا النحو وأن تلك الكلمة الملفوظة تكتب على ذاك؟ وهل توجد الكلمة في الصوت المنبعث من الفم أم في الكتابة التي تسود وجه الصحيفة؟ الواقع أنها بالنسبة لكل شخص متحضر توجد في هذه وفي تلك على السواء, فكثير من المتحضرين يتفاهمون فيما بينهم بالكتابة أكثر مما يتفاهمون بالكلام. وأغلب الظن أننا إذا رجعنا إلى أصول الكتابة وجدنا أن اللغة المتكلمة هي المنبع الذي استمدت منه اللغة الكتابية. فعندما اعتزم فلفيلا
стр. 415
wulfila أن يسجل لغة القوطيين اجتهد في أن يوجد لكل صوت من أصوات اللغة صورة كتابية مناسبة. وبهذا المعنى يصح لنا أن نقول إن الكتابة قد اقتفت أثر النطق, ويسير الحال على هذا المنوال في أيامنا عندما يعمد أحد الجوابين إلى تسجيل لغة من لغات البدائيين لم تكن قد كتب من قبل, طبعا لا يدرك الأمي من الكلمة إلا صورتها السمعية، ولكن عندما تنتشر الكتابة ويفرض تعلم القراءة على جميع أبناء القطر تزداد أهمية الكلمة المكتوبة شيئا فشيئا.
واليوم لا نستطيع أن نتصور اللغة دون صورتها الكتابية. ولا تظهر الكلمات أمام أذهاننا إلا في الثوب الذي يخلعه عليها الرسم. فيمكننا أن نقول هنا إن العضو قد خلق الوظيفة، وأية وظيفة؟ وظيفة بلغت من الطغيان حدا جعل اللغة المكتوبة تفوق اللغة الكلامية وضوحا عند بعض الناس، وهم أولئك الذين نطلق عليهم اسم البصريين, فنسمع بطلا من أبطال دي موسيه يقول بأنه لا يستطيع أن يفهم بوضوح إلا ما كان مكتوبا بالخط المستدير المجسم, هذه الفكاهة المسلية يمكن أن تنطبق على كثير من الناس, فهذا مثلا لا يفهم صفحة يسمعها ولا يحسن فهمها إلا إذا قرأها, وذلك لا يستفيد من درس يلقى عليه إلا إذا هُيِّئ له بعد ذلك أن يرى فحواه مطبوعا أمام عينيه. إن هذه حالة قصوى تلفت النظر بندرتها, ولكن إذا راقب كل منا نفسه بعض الشيء، تحقق من قربه منها إن قليلا وإن كثيرا.
عندما نسمع حديثا ما نلاحظ في أغلب الأحيان أن الكلمات تقرع في نفس اللحظة جهازنا البصري بقدر ما تقرع جهازنا السمعي، بمعنى أن الأثر الواقع على المراكز السمعية ينتقل بدوره إلى المراكز البصرية, وحينئذ نبصر الكلمات التي تسمعها أذننا, بل نحن أيضا عندما نتكلم نرى الكلمات التي نلفظها، فتمر أمام عقلنا كأنها مسطورة في كتاب مفتوح, والصورة التي تتخذها على شفتينا محددة غالبا بالمنظر الذي تظهر فيه أمام عقولنا. لذلك كان من خير الوسائل لتجنب أخطاء النطق أن نرجع إلى صورة الكلمة البصرية التي تصحب دائما صورتها السمعية في ذهننا, وكذلك صورة الكلمة البصرية يصحبها عند القراءة إحساس سمعي،
стр. 416
فنرانا نغني لأنفسنا جمل الكتاب الذي نقرؤه, وعندما نكتب، نرى قلمنا يتبع الإشارات التي يمليها على الصوت الداخلي, فيمكننا أن نقول بأنه في أثناء النشاط اللغوي لدى الشخص المتحضر العادي، تشترك صورة اللغة جميعها في العمل.
اللغة الكتابية إذن ذات أهمية عظيمة في سيكولوجية اللغة، فما دمنا نعلم القراءة والكتابة للأطفال، يجب ألا نسقط من حسابنا حقوق اللغة الكتابية وإن تعارضت أحيانا مع حقوق اللغة الكلامية، ولكن هذه الحقيقة لا تستبعد إمكان إصلاح الرسم. إذ من الطبيعي أن نعمل على تضييق الشقة بين اللغة الكتابية واللغة الكلامية. ولكن لا ينبغي لنا أن ننسى أن الحصول على تعادل تام بين اللغتين أمر مستحيل؛ وإذا كانت الكلمة توجد في الصورة الكتابية وفي الصورة الكلامية على السواء، فلعله ليس من الشر أن يوجد في الرسم بعض وجوه من الشذوذ والنفور والعيوب, فبذلك تحفر صورة الكلمات في الذاكرة بطابع أعمق, وإن غرابة اللباس تعبر بشكل أوضح عن الفكرة التي ترتديه.
يقول فولتير: "الكتابة صورة الصوت، فكلما قربت منه في سيماها، كانت خيرا" وهذا القول لا يصدق إلا من الناحية النظرية، ولا يمكن أن يتخذ مبدأ وطريقة إلا عندما يحتاج الأمر إلى وضع كتابة للغة جديدة، أما في لغة كاللغة الفرنسية، فإننا نحد من نطاق الكتابة دون مبرر، إذا أردنا أن نجعل منها صورة للكلام نعم أغلب الظن أن اللغة المكتوبة قد ولدت من اتفاق قام بين بضعة أفراد, ولكن هذا الاتفاق قد امتد حتى شمل المجتمع بأسره وفرض نفسه عليه بقوة صارمة, وليس العقل هو الذي ينظم حياتنا الاجتماعية، بل العادة, وحجج الفلسفة كلها عبث في عبث أمام قدرة العادة. فعندما أريد الاستفادة في العمل من نور النهار أطول مدة ممكنة، كان المعقول أن تغير مواعيد العمل، لا أن تغير الساعة، ومع ذلك فإن الساعة هي التي غيرت، لأننا لم نقبل أن نتناول طعام الغذاء في الساعة الحادية عشرة إلا إذا أطلق على هذه الساعة اسم الظهر, فنحن عبيد العادات الاجتماعية إلى هذا الحد والرسم هو إحدى هذه العادات بالنسبة لكل شخص متحضر, فلا يمكن إصلاحه إلا بأشد الحذر وباستيحاء العادة نفسها.
стр. 417
خاتمة: تقدم اللغة
تقدم لنا الكتابة مثالا فائقا على تلك الأدوات التي يخلقها الإنسان والتي تستكمل مع الزمن وجوه الكمال التي يستلزمها الاستعمال أو يوحي بها فبين العلامات التي كانت تحفر بالأمس على الأحجار وبين الحروف التي تطبع اليوم على الورق تقدم شاسع لا ينحصر في الناحية المادية وحدها.
يتوقع الإنسان أن يصل إلى مثل هذه الخاتمة في دراسة اللغة باعتبارها نتيجة عمل عقلي قامت به الأجيال المتوالية. أليست أداتنا اللغوية أيضا تسير في طريق الإصلاح المستمر؟ والتراكيب المتنوعة التي يصب فيها العقل الأصوات لكي تترجم عن الأفكار، ألم تحقق هي أيضا شيئا من التقدم في خلال الأجيال؟ واللغة تبدو لنا في حركة دائمة، أهي حركة خادعة تبلى مكانها في مجهودات عقيمة؟ أم أن اللغة تهدف نحو غاية مثالية لا تني تقترب منها في كل خطوة من خطوات تطورها؟ نحن نعرف تاريخ بعض اللغات في خلال فترات واسعة ممتدة, ونراها في غالب الأجيال تتغير بسرعة عظيمة, فنحن إذن على حق أن نتساءل عن معنى هذه التغيرات، أو بعبارة أخرى أن نعرض على بساط البحث مسألة تقدم اللغة.
ولكن من المناسب أولا وقبل كل شيء أن نحدد ماذا نعنى كلمة "تقدم اللغة" فأولئك الذين يستعملونها لا يفعلون أكثر من إدخالهم في علم اللغة مصطلحا من تاريخ الأدب, إذ إن العادة قد جرت وقتا طويلا على اعتبار معنى التقدم في الأدب دينا ومذهبا؛ فكان الناس لا يرون في تطور الأنواع الأدبية genres litterraires إلا صعودا نحو الكمال أو انحدارا إلى الانحلال. وهذا هو الرأي الكلاسيكي الذي يذهب إلى أن الفن والذوق بعد أن يصلا إلى درجة
стр. 418
كمالهما لا يسعهما إلا الانحدار والفساد, وعلماء الفيلولوجيا الكلاسيون قد نقلوا هذه الفكرة إلى الدراسة اللغوية متخيلين أنه يوجد في تاريخ الإغريقية واللاتينية نقطة كمال وصلت إليها هاتان اللغتان بعد مجهودات طويلة، ومن بعدها سارتا في طريق الاضمحلال.
ففي اللاتينية كان شيشيرون هو المقياس، ومع ذلك كان يروق لهؤلاء الباحثين أن يفتشوا في كتاباته عن مواضع النقص، فأبعدوا من آثاره الخطابات التي كان يكتبها لأصدقائه على أنها كم مهمل لا يليق بقدره, واللاتينية الحقة عندهم تتلخص في طائفة من الخطب والدراسات الفلسفية التي تركها الخطيب الكبير وقد يضيفون إليها شروح قيصر وتراجم كرنليوس نيبوس Cornelius Nepos أما بقية الكتاب اللاتينيين فكانوا موضع ريب أو رفض صريح. فلكريس lucrece كان خشنا قليل العناية، وبلوت plaute متبربر لم يصقل بعد، وسلوست Salluste موبوء بالحوشية، وتيت ليف Tite-live يفوح بالريفية و Tacite غريب الأطوار مشتت الذهن، كأنه يجد لذة في الإكثار من الأخطاء اللغوية. وكانوا لا يقدرون مؤلفي العصر الإمبراطوري إلا بمقدار اقترابهم, بواسطة التقليد الأعمى، من لغة شيشيرون التي قرروا أنها مقياس اللغة اللاتينية.
ويمكننا أن نقول هذا القول بعينه في اللغة الإغريقية, وهذه الطريقة في معالجة اللغات القديمة تقوم على الخلط الكريه بين اللغة الأدبية واللغة بوجه عام، اللغة التي يتكلمها جميع الناس في القطر كله والتي تتغير مع الزمن. نعم، لعلماء اللاتينية أن يقرروا مثالا أعلى للغة اللاتينية وأن يفرضوه على طلاب هذه اللغة في موضوعاتهم الإنشائية. فهذه خطة النحو المذهبي الذي يتلخص في هذه العبارة التقليدية: قل كذا ولا تقل كذا, واتباعها يتفق مع تقاليد الكتاب اللاتينيين الذين كانوا يرون في شيشيرون استاذا ومثالا يحتذى, ولكن هذه الخطة الصناعية لا ينبغي أن تطبق على دراسة اللغة.
ومع ذلك فهذا ما كان يعمله لغويو القرن المنصرم١ الذين كانوا يقررون
стр. 419
على عاتقها أن ترد إلى اللغات الحديثة اعتبارها وترى أن أكمل اللغات هي تلك التي قطعت في التطور أطول شوط وهي بذلك لا تؤدي إلا إلى إيقاظ تلك المعركة الخالدة، معركة القديم والجديد، بتطبيقها على المسائل اللغوية, وتتجدد هذه المعركة كل خمسين عاما، فتكشف لنا عن ميل الناس إلى الأشياء المتناقضة وعن الإغراء الذي توجهه إليهم الأشياء القديمة والأشياء الحديثة كل بدورها.
ولا شك أن بعض اللغات الحديثة كالفرنسية والإنجليزية تتمتع بأوفى قسط من المرونة واليسر والطواغية فالفرنسية تمتاز خاصة بدقتها ووضوحها، لا تطيق التبذل ولا الإغراق في المبالغة ولا ذلك البريق الذي تجيزه لغات مجاورة، وإنما مسعاها الأول إلى الدقة الذي لا تحتاج إلى مزيد من شرح ولا تدعو حالتها إلى اعتذار عن تقصير على حد تعبير فولتير. ولكن هل يستطيع إنسان أن يدعي أن اللغات القديمة كالإغريقية أو اللاتينية تقل عنها شأنا؟ وإذاكان علينا أن نختار من بين سائر اللغات تلك اللغة التي تستحق أن تكلل بالغار، فمن يجرؤ على تضحية اللغة الإغريقية؟ ومن ذاق مرة حلاوة هذه اللغة ذات الجوهر الرباني، وجد كل لغة عداها، إما تافهة وإما مرة. ولسنا نتكلم عن الأفكار التي جعلت تلك اللغة وعاء لها، ولا تلك الآداب التي تعتبر بحق مدرسة للحكمة والجمال, و"كنزا من دواء الروح" كما كان يتكلم المصريون عن كتبهم, فاللغة الإغريقية في شكلها الخارجي، دون أي اعتبار آخر، تعد متعة عقلية معدومة النظير وليس ائتلاف النغم ورقة الأصوات وثراء المفردات كل مزاياها، بل ليست أقوم ما فيها من مزايا, ففي ميدان النحو تمتاز الإغريقية من بين سائر اللغات بدقة دوال النسبة فيها التي ترهف تركيب الكلمات، وبالمرونة الخفيفة التي تميز تنظيمها وتعمل على إظهار التفكير في كل قيمته وتحيط بكل حناياه ومنعرجاته، وتكشف بشفافيتها عن كل دقائقه, ولا نعلم أن الوجود قد رأى أداة أكمل منها في التعبير عن الفكر الإنساني.
ولكن إذا علمنا أنه قد أمكن للغات أخرى من نوع آخر أن توفى بالحاجات المتنوعة التي تطلبتها أفكار لا تقل عن الأفكار الإغريقية ثراء وتعقيدا، رأينا أنه من العبث أن نبحث عن المثل الأعلى للكمال اللغوي في نوع من اللغات دون سواه.
стр. 420
وقد يكون من المسلى أن يقوم إنسان بالبرهان على أن اللغة التي كتب بها هومير وأفلاطون وأرشميد تفوق لغة شكسبير ونيوتن ودارون أو تتخلف عنها. فقد أمكن لكل هؤلاء أن يعبروا تعبيرا تاما عما أرادوا التعبير عنه، ولكن بوسائل مختلفة. وكلهم يتساوون في الفضل لأن كلا منهم أمكنه أن يجد في لغته العبارة المساوية لفكرته, والواقع أننا لا نعلم إطلاقا لغة قد قصرت عن خدمة إنسان عنده فكرة يريد التعبير عنها, فلا ننصت إذن إلى أولئك المؤلفين العاجزين الذين يحملون لغاتهم مسئولية النقص الذي في مؤلفاتهم، لأنهم هم المسئولون على وجه العموم عن هذا النقص.
نعم، إن من حسن طالع الكاتب أن يجد أمامه تقاليد يسير عليها وأن يستعمل لغة قامت بتحضيرها وصقلها سلسلة طويلة من الكتاب, ولكن الأمر هنا لا يعدو الاختلاف في درجة الصعوبة. يقول ديكارت Descartes في "حديث المنهج": "أولئك الذين يفكرون خير تفكير ويهضمون أفكارهم خير هضم ليجعلوها واضحة مفهومة، يستطيعون دائما أكثر ممن عداهم أن يفهموا الآخرين آراءهم ولو لم يتكلموا غير البريتانية السفلى".
ومع ذلك فإن المسئولية لا تقع كلها على موهبة الكاتب وحدها. إذ يجب أن نعمل حسابا للوسط الذي يعيش فيه أيضا. إذ لما كان المتكلم لا يتكلم إلا ليسمع والكاتب لا يكتب إلا ليقرأ، كان من الضروري للكاتب أن يجد له جمهورا على درجة من الثقافة نسمح له بفهمه. لقد قال نوفون Buffon في مثل ذلك: "لم نصل إلى الكلام الجدي والكتابة الجدية إلا في الصورة المستنيرة". ولو أن بريتانيا أراد أن يكتب مؤلفا فلسفيا بلغته, لتيسر له ذلك على أرجح الفروض؛ ولكن البريتانيين، أو الذين يتكلمون منهم البريتانية على الأقل، لا يحفلون بالفلسفة لسوء الحظ، كما أن الفلاسفة لا يفهمون شيئا في البريتانية على وجه العموم. ولذلك يخشى على صاحبنا ألا يقرأه إنسان ولا يفهمه إنسان, فطاقة اللغة تتوقف على عدد الذين يمارسونها ودرجة تعلمهم, وهذا هو السبب في أن اللغات الكلتية أقل قيمة من اللغات الرومانية أو الجرمانية, ومع ذلك فقد استطاعت الإيرلندية والغاية طوال عصور
стр. 421
عديدة أن تعبرا عن أفكار شعرية فائقة الجمال، لعلها آصل ما خلفته العصور الوسطى من هذا القبيل, وقد نأسف على أن دافيد أب جويليم Dafydd ab Gwilym لم يكتب بالإيطالية كما كتب دانتي أو بالألمانية كما كتب فلفرم فوق إيشنباخ Wolfram von Eschenbach: فكان يستطيع اليوم أن يتذوق شعره عدد كبير من الناس, ولكن ما معنى ذلك؟ أين يذهب مجد هومير أو أفلاطون في اليوم الذي يزول فيه تعلم الإغريقية من المدارس؟ لا شك أن نعيق الغراب وتغريد العندليب يستويان تماما يوم لا يجدان أحدا يصغى إليهما.
إذا تابعنا المناقشة المتقدمة, أقحمنا أنفسنا في طريق لا يؤدي إلى غاية, فقيمة اللغات من الناحية الجمالية أو النفعية لا يصح أن يكون لها حساب في الكلام على تقدم اللغة. فموهبة الكتاب تستطيع في فترة من النشاط الأدبي القوي والرخاء الوطني والسيادة السياسية، أن تخلع على اللغة درجة من الكمال تكاد تكون مطلقة وبالتالي حالا من الهيبة تفرضها على الكون بأسره. وهذا ما تيسر للإغريقية في العهد الأتيكي وللاتينيه في عهد أغسطس وللفرنسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر, ولكن ينبغي في الكلام على مسألة تقدم اللغة أن نغض النظر عن مثل هذا الكمال المؤقت الذي قد تصادفه هذه اللغة أو تلك, بل إن فكرة الكمال بعيدة عن تقدير التقدم إلى حد أننا لا نستطيع تبريرها إذا أردنا تطبيقها على جزء واحد من أجزاء اللغة، كالأصوات مثلا أو الصور النحوية.
تمتاز بعض اللغات على بعضها الآخر بالانسجام والعذوبة، ويمتاز بعضها على غيره بسهولة النطق. ومع ذلك فليس القصد إلى تزويد النطق ببعض المزايا التي تنقصه هو الذي يتحكم في مصير التغيرات الصوتية. هذا إلى أن تقدير هذه المزايا يرجع إلى حد كبير إلى الذوق الشخصي، ومن ثم يدخل في المناقشة عنصر ذاتي من شأنه أن يزيفها من أساسها.
كذلك ليس من اليسير أن نبرر فكرة التقدم في ميدان النظام الصرفي، إذا اقتصرنا في ذلك على البنية النحوية.
стр. 422
كان ميدان البحث اللغوي منذ أربعين عاما يخضع للنظرية القائلة بأن اللغات تمر بحالات ثلاث على التتابع: حالة العزل وحالة الإلصاق وحالة الإعراب. وكان من المسلم به أن كل لغة من اللغات المعروفة كانت على إحدى هذه الحالات الثلاث وفقا لمرحلة التطور التي عرفناها فيها. ومعنى ذلك أن هذه النظرية كانت تسعى إلى حصر التقدم اللغوي في النظام الصرفي١.
ما سبق أن قلناه عن تغيرات النظام الصرفي والروابط التي بين دوال النسبة والكلمات، يكفي للحكم على ما في تصور تاريخ اللغات على هذا النحو من زيف. لسنا ننكر أن العناصر النحوية آتية في غالب الأحيان من بلى كلمات قديمة كانت قائمة بذاتها. وأننا قد نجد في المفردات أصل اللواحق، بل والزوائد التي عمل الزمان على إلصاقها بالكلمات المنتهية بها، ومن ثم كان إلصاق العناصر التي كانت منعزلة في بادئ أمرها يسمح للغات بأن تجدد نظامها الصرفي. ومن جهة أخرى، كثيرا ما يعمل البلى الصوتي على اختزال طوال الكلمات وهدم الإعراب وإرجاع الكلمات التي كانت قد صارت متعددة المقاطع إلى حالة وحدة المقطع، أي إلى إحياء حالة الإلصاق من جديد.
ولكن هذه الحالات المختلفة تنشأ عن أسباب تعمل جميعها في وقت واحد في كل اللغات: أسباب تؤثر على كل نقطة في النظام الصرفي ويتوقف إخفاقها أو نجاحها المؤقتان على ظروف خاصة بكل لغة. هذا إلى أن التغير لا يكون تاما إطلاقا فكيرا ما تبقى الصيغ القديمة إلى جانب الصيغ المستحدثة. حتى لنلاحظ في النظام العام للغات التي لها تاريخ طويل والتي عانت تطورا ضخما كالفرنسية أو الإنجليزية مزيجا من النظم التي تضم حالات مختلفة.
وهكذا كانت وحدة المقطع تعتبر في يوم من الأيام من مميزات اللغة الإنجليزية. والواقع أن الإنجليزية تمتاز بصيغها القصيرة التي قد تصل إلى وحدة المقطع، بخلاف صيغ الإنجليزية القديمة المكدسة بالمقاطع والمثقلة باللواحق والزوائد. وهذه نتيجة البلى الصوتي الذي كان بعيد المدى في الإنجليزية. وكان يمكن للغة
стр. 423
أن تقاوم هذا البلى كما فعلت لغات أخرى. فاللغات الرومانية مثلا تتجنب وحدة المقطع بإضافة اللواحق, إذ تقول في الفرنسية Soleil "شمس" حيث كان يقوم اللاتينيون Sol، واستعضنا بالفعل Gemir؛ "il gemit: يئن" عن الفعل القديم geindre؛ "il geint يئن" "مقطع واحد" وقد لوحظ أن اللغة الأسبانية لا تكاد تحتوي على كلمة واحدة تتكون من مقطع واحد.
ومع ذلك فلا ينبغي لنا أن نبالغ في وحدة المقطع الإنجليزية التي ليست في غالب أمرها إلا مسألة ظاهرية محضة١. ولنحاذر أن نخدع هنا بالكتابة أو بالعادات التي يفرضها علينا استعمال كتب النحو والمعاجم. فكثير من بين الكلمات الإنجليزية التي يمكن تمييزها بالتحليل النحوي، ليس لها وجود مستقل، وكثير منها ليست إلا دوال نسبة أولا توجد إلا في تراكيب ثابتة متصلة بدوال نسبة لا تستطيع الانفصال عنها. فجملة I DO'NT KNOW لا تحتوي على كلمات أكثر مما في اللاتينية nescio. إذ إن العنصر know -وهو أكثر عناصرها دلالة- لا يستعمل منفردا.
وكذلك العناصر الأخرى ليس لها وجود مستقل, وإنما هي أدوات نحوية غير قائمة بذاتها، ولا توجد إلا بوصفها عناصر من مجاميع قائمة بذاتها، هذا إلى أن وحدة المقطع في الكلمات الإنجليزية الأصل قد تضاءلت في وسط الكلمات التي استعارتها اللغة من اللاتينية والفرنسية. ونحن نعرف مقدار ترحيب الإنجليزية باستقبال الكلمات الأجنبية التي تراها مفيدة أو صالحة.
هذه العادة تسمح لها بألا تستعمل الاشتقاق في مفرداتها إلا لماما, فبينما نراها تترك جانبا كبيرا من الكلمات الوحيدة المقطع الموروثة من المتاع القديم على ما هي عليه دون أن تضيف إليها لواحق أو مزيدا من العناصر العرضية، نراها في الوقت نفسه تستقبل بين مفرداتها عددا كبيرا من الكلمات الفرنسية أو اللاتينية المتعددة المقاطع عن طريق الاستعارة.
كما أن معارضة حالة التصريف بحال العزل أو الإلصاق تبدو وهما من الأوهام إذا رجعنا إلى الصورة الكلامية التي فيها تختلط هذه الحالات المختلفة في تأليف
стр. 424
يوفق بينها. فالمتكلم إنما يتكلم بجمل لا بكلمات منعزلة. والفرق الوحيد الذي يوجد بين اللغات ينحصر في مكان دوال النسبة، وفي طبيعة الرباط الذي يربط هذه الدوال بالكلمات. وهو اختلاف عرضي لا جوهري. فلا نستطيع أن نستخلص منه قاعدة لتصنيف اللغات، ومن باب أولى لا يمكننا أن نرى فيه عنصرا نقيس به مسألة التقدم اللغوي.
ولا ينبغي أن ننسى أن كل تجديد لغوي لا يمكن أن يكون إلا ضئيلا. إذ لا يوجد في الميدان اللغوي كسب دائم يوفر اللغة التي نحصل عليه ثراء نهائيا.
فالربح المكتسب عرض زائل في كل الأحوال وكثيرا ما تقابله خسائر من ناحية أخرى. لقد رأينا كيف تمكنت الفرنسية من خلق أداة استفهام لها. ولزم لهذه الأداة، كي تحيا وتشتد وتنمو، تعاون ظروف عدة كلها عرضية. ويمكننا أن نتنبا، دون أن نتعرض لخطأ كبير، بأن هذه الأداة بدورها ستفقد عن طريق التطور الطبيعي هذه التعبيرية التي تملكها الآن وتصير عديمة القيمة ثم تخرج من الاستعمال. هذا هو تاريخ كل ما تكونه اللغة. ونحن نعرف كيف نشأت أدوات الاستفهام اللاتينية، على ما لها من صلاحية وقوة في التعبير، وكما أننا نعرف أيضا كيف بادت. فعبارة Num uides "لعلك ترى؟ "، إذا نطقت بنغمة الاستفهام صارت عبارة استفهامية في حالة توقع جواب منفي "كلا" وعبارة Videsne "لا ترى؟ " إذا نطقت بنغمة الاستفهام صارت استفهامية كأنها "ألست ترى؟ " وذلك في حالة ما يكون الجواب المتوقع بالإيجاب: "بلى". وكان ذلك ربحا قيما للغة اللاتينية ولكنه لم يدم، إذ لم يلبث أن تلاشى بفعل البلى الصوتي الذي حرم ne, num من قوتهما التعبيرية. فالتقدم، إذا صح لنا أن نستعمل هذه الكلمة، لم يكن إلا عابرا.
الخسائر أيضا لا يمكن أن تفسر بافتراض التقدم. فما يؤسف له أن الفرنسية الحديثة قد صيرت الزمنين الماضيين اللذين كانت تملكهما وهما الماضي المحدد والماضي غير المحدد، زمنا واحدا. مع أن الخلاف الذي كان يفرق بينهما كان خلافا حقيقيا، وكان استعمالها يمكن القارئ من البيان عن معان دقيقة، اختفت اليوم من الوجود
стр. 425
لاختفاء ما يعبر به عنهما, ونحن نعرف السبب الذي أدى بأحد هذين الزمنين "وهو الماضي المحدد على وجه العموم" إلى الضياع؛ وذلك أن الزمنين قد تكافآ وتعادلا؛ لأن الماضي غير المحدد "من قبيل j'ai fait"، كان في بادئ أمره زمنا مركبا ثم اتحد جزآه وفقد القيمة الحرفية التي كانت لا تزال تحس في فعله المساعد. ومن الممكن أن تشعر اللغة، بعد أن تعالى أثر هذا النقص، بالحاجة إلى التعويض عنه، فتصل يوما بوسيلة، إلى التمييز بين القصص البسيط الذي كان يعبر عنه فيما مضى بالماضي المحدد "il fit" وبين الحدث الذي كان يعبر عنه بالماضي غير المحدد "il a fait". ولكن سنظل حتى هذه اللحظة نتكلم لغة جردت من أحد عناصرها المفيدة. أما عن الماضي التابع غير التام l'imparfait du subjunctif فلا يمكن لأحد أن يشعر بمثل هذا الأسف على فقدانه؛ ومع ذلك فقد كان هذا الزمن يقوم بكثير من الخدمات الجليلة، إذ كان يسد فراغا كبيرا في نظامنا الفعلي بتكميله لسلسلة الأزمان. ومع ذلك فلا معنى للأسف عليه. لقد اختفى بالرغم من جهود المدرسة لحفظه من الضياع، إذ راح هو أيضا ضحية لاتجاهات لا تستطيع الإرادة الإنسانية لها دفعا.
وإذا كانت قائمة الأرباح والخسائر على هذا النحو في كل تطور صرفي، فلن تستطيع الوصول إلى تحرير معنى التقدم, فكل تغير يقع على اللغة لا يصيب إلا جزئية خاصة من جزئياتها، وليس له في ذاته أثر عام. نعم، لا شك أننا إذا نظرنا إلى لغة واحدة في فترتين من تاريخها، وجدنا أنفسنا أمام حالتين مختلفتين؛ فنلاحظ أن العناصر التي تكونها قد تغيرت وتبدل مكانها وانقلبت، ولكن الأرباح والخسائر تكاد تتعادل في مجموعها, وقد بينا فيما سبق لماذا لا نستطيع اللغة مطلقا أن تصل بتطورها الطبيعي إلى الكمال المنطقي الذي يمنح منحا إراديا للغات قد وضعت وضعا صناعيا من أولها إلى آخرها "انظر ص٢١٣". فالحالات المختلفة لكل تطور صرفي تذكرنا بالصور المختلفة التي نراها في الكالبيدوسكوب kaleidoscope الذي يمكن للإنسان أن يحركه دون خطة مرسومة فيتغير