← Адаб

Адаб · id 11565

في الأدب الحديث

عمر الدسوقي

Полный текст (895 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ولقد حاول بعض العلماء في ذاك الوقت ممن كان لهم شعور صادق بهذه الكارثة أن يبرهنوا لهؤلاء الأجانب على أن الشريعة الإسلامية تستطيع أن تنهض بالمجتمع المصري كل النهوض، وأن بها من الأحكام ما يجعل الأمم الإسلامية في غنًى عن قانون نابليون, أو القانون الروماني، وهاك عمر لطفي١ يضع باللغة الفرنسية بعض مواد الشريعة الإسلامية؛ ليدحض دعاوى هؤلاء المغرورين بمدنيتهم الزائفة, ومن لف لفهم ممن لم يعرفوا حقيقة الشريعة الإسلامية, ومن هذه المؤلفات التي قدمها عمر لطفي بالفرنسية للموازنة. ١- الدعوى الجنائية في الشريعة الإسلامية، وقد أعجب به الفرنج أيَّمَا إعجاب. ٢- حرمة المساكن. ٣- حق المرأة. ٤- وحق الدفاع. إن الاتجاه الذي سلكه العراق منذ سنوات, حين انتدب الدكتور عبد الرازق السنهوري لوضع قانون للمحاكم العراقية مستنبط من الشريعة الإسلامية, والاتجاه الذي اتجته سوريا في دستورها قبل الوحدة اتجاه سليم يدل على يقظةٍ وإدراكٍ صحيحٍ لقيم التراث الإسلاميّ، وحرص على عدم المسخ والفناء في الأمم الأجنبية. وظهرت قوة اللغة العربية كذلك، وأنها تستطيع أن تتحدى الاستعمار، وتسير في النهج العريض الذي خطه محمد علي وعبدته حكومة إسماعيل، على الرغم من العقبات التي أقامها الإنجليز أمامها؛ في رغبة العلماء والأدباء في أن يعرفوا أبناء أمتهم كثيرًا من أسس الحضارة الغربية، لعلمهم أن الاستعمار مهما كان جامحًا عنيفًا, لا يستطيع أن يستولي على إرادة العلماء ويمنعهم من

стр. 352

الاستمرار في تغذية اللغة العربية بهذه النفائس، وقد شملت الترجمة في هذا العصر الذي نؤرخ له ألوانًا جديدة من الفكر الغربيّ، فهناك "الاقتصاد السياسيّ"، وكان العرب يطلقون عليه المعاش, ومن الكتب التي وضعت أو ترجمت في هذا الموضوع: ١- كتاب الاقتصاد السياسي, أو فن تدبير المنزل, لخليل غانم ١٨٧٩. ٢- أصول الاقتصاد السياسي, لرفلة جرجس ١٨٨٩، وهو مقتبس من كتب إفرنجية عديدة. ٣ كتاب الاقتصاد السياسي, لجيفرنس, نقلته جمعية التعريب سنة ١٨٩٢. ٤- مبادئ الاقتصادي السياسي, تأليف محمد حسين فهمي. ٥- الموجز في علم الاقتصاد لـ "بول لروابوليه", نقله حافظ إبراهيم وخليل مطران في خمسة أجزاء بأمر حشمت ناظر المعارف سنة ١٩١٣. وهناك "علم الاجتماع" وقد مرَّ بك كيف بدأ هذا العلم على يد جمال الدين ومدرسته, وكيف شخصت أدواء الأمة الاجتماعية، ووصف لها الدواء على يد أديب إسحاق وعبد الله نديم ومحمد عبده، ولكن ما كتبه هؤلاء لم يبن على أصول علمية ثابتة، وقواعد مقررة، وإنما كان وليدة الخبرة والملاحظة والتجربة، وكان لا بُدَّ للنهوض بهذا العلم من دراسته عند علماء الغرب, ونقل أجلّ آثاره، مع تطبيق نظرياته على المجتمع المصريّ وعاداته وتقاليه وشرائعه وبيئته. وليس علم الاجتماع غريبًا عن اللغة العربية، فإن ابن خلدون في مقدمته, قد وضع له أسسًا متينةً, ونظرياتٍ سليمةً بنى عليها مونتوسكيو١ وسواه

стр. 353

أبحاثهم، ثم تطور هذا العلم واتسعت موضوعاته، ونظمت أبحاثه، وقد فطن لذلك علماء مصر, فترجم فتحي زغلول -كما مرَّ بك- كتابي روح الاجتماع، وتطور الأمم لـ "غوستاف لوبون" ونقل كذلك تقدم الإنجليز السكسونيين، وهو من الكتب الممتعة التي قرأناها بشغف، ونقل محمد زكي صالح نشوء الاجتماع لـ "بنيمامين كد". ومن الكتاب الاجتماعيين الذين أفادوا هذا العلم، وحاولوا إصلاح الأمة عن طريق الدرس والتمحيص والتحليل، والاستقراء والاستنباط، السيد عبد الرحمن الكواكبي١ ومن كتبه النفيسة التي بهرت جيله، وصار لها أكبر الأثر في اليقظة القومية بالشرق: ١- طبائع الاستبداد. ٢- أم القرى. وقد وضع كتبه في شكل روائي، وفهيا تحليل دقيق للأمراض الاجتماعية والسياسية, وفيها حملات شديدة على الحكومة العثمانية، وفيها علاج إيجابي سليم لأدواء المسلمين, وامتاز الكواكبي في كتابته بالذكاء والتخصص والتعمق والرزانة، ولو أتيح له أن يعرف لغة أجنبية فيطلع على أبحاث علم الاجتماع عند الغربيين لكان له -مع غزارة فكره وصدق نظره- في تقدم هذا العلم وتطوره شأن يذكر.

стр. 354

ومن المشكلات الاجتماعية التي أثيرت في هذه الفترة، وكان لها دويٌّ عظيمٌ مسألة الحجاب والسفور، ومركز المرأة في المجتمع، ولقد أدّى اختلاطنا الشديد بالأجانب، وتطعلنا إلى محاكاتهم في كل شيء، والسير على نهجهم في مدنيتهم إلى ظهور هذه المشكلة، وكان بعض المفكرين يرى سفور المرأة المسلمة ومساواتها بالرجل في كل شيءٍ مغالاةً منهم في المحاكاة, ولكنهم لم يجرءوا على الجهر بآرائهم أمام جمهور المسلمين في ذاك الوقت؛ لتمكن عادة الحجاب من النفوس، حتى ظهر قاسم أمين١, فنشر كتابيه "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة"، وقد كان لهما أثر بليغ في الحياة المصرية، وإن لم يظهر هذا الأثر سريعًا، بل ظلت المرأة مدة يتجاذبها السفور تارةً والحجاب تارةً، حتى خلعته أخيرًا, ولم يعد له أثر إلّا في بيئات محدودة. أما "الأدب" وهو الذي يعنينا في كتابنا هذا أكثر من سواه، فقد اشتدت فيه حركة التعريب، ولا سيما الروايات والقصص، وقد عرفت فيما سبق أن الكلية الأمريكية ببيروت أسست سنة ١٨٦٠, ثم أسست الكلية اليسوعية بعدها بقليل، وقد كان لهاتين الكليتين أثرٌ بارزٌ في توجيه النشء إلى القصة الغربية، ولما هاجر كثير من نصارى لبنان إلى مصر؛ حيث الحرية والشهرة والثورة, أخذ هؤلاء المهاجرون يترجمون القصص الأوربيّ ويذيعونه في الناس، وكانت بيروت قد شهدت من قبل قيام "مارون نقاش" يؤلف بعض المسرحيات أو يقتبسها من الأدب الغربيّ؛ مثل مسرحية: "البخيل" لـ "موليير"، وكان يدعو فنه هذا "الذهب الإفرنجي المسبوك" وكان لمارون ابن أخٍ اسمه سليم نقاش, رحل بعد موت عمه إلى مصر، وسعى فيها حتى أنشأ مسرحًا وفرقةً، وظهر بمصر في ذلك الوقت رجل يهوديّ اسمه "يعقوب صنوع", أسس مسرحًا عربيًّا بالقاهرة ترجم له عشرات

стр. 355

الروايات الفرنسية الغرامية بلغة عامية ركيكة, وقد تقدم الكلام عنه١، وظل المسرح منذ ذلك الوقت يعتمد على الرويات الأجنبية الممصرة، وأحيانًا يضع له بعض المؤلفين مسريحاتٍ لا تمثل الحياة المصرية في شيء، وبها كثير من عادات الغرب وتقاليده, ولم يتجه المسرح وجهة إصلاحية إلّا نادرًا, مثل ما مر بك من روايات عبد الله نديم وأضرابه٢. على أن الاهتمام بالمسرح وبالتمثيليات لم يكن كبيرًا، وإنما عُنِيَ المترجمون بنقل القصص الغربيّ بأنواعه وألوانه؛ ومن أقدم الذين اشتغلوا بترجمة القصص نجيب حداد اللبناني٣؛ فنقل إلى العربية رواية صلاح الدين تأليف "ولترسكوت" ورواية السيد Cid تأليف كروني Corneille وسماها: "غرام وانتقام", رواية "هير ناني" تأليف هوجو، وسماها: "حمدان", ورواية رميو وجوليت, تأليف سكسبير, وسماها: "شهداء الغرام"، ورواية البخيل لـ "موليير" ورواية الفرسان الثلاثة, تأليف إسكندر دوماس في أربعة أجزء, طبعت لأول مرة سنة ١٨٨٨. وفي أواخر القرن التاسع عشر "يونيو سنة ١٨٩٧", حضر إلى مصر كلٌّ من نقولا زرق الله، وخليل مطران، وطانيوس عبده، واشتغلوا بالصحافة، ثم التحق نقولا بجريدة الأهرام، وعكف على ترجمة الروايات بأسلوب سهل جذَّاب، وفي سنة ١٩٠٤ ترجم رواية "سقوط نابليون الثالث" في أكثر من ألف صفحة، وقد استهوت هذه الروايات الناشئة في مصر والبلاد العربية، فأقبلوا عليها إقبالًا شديدًا، وأخذ بعض المسلمين يقلد هؤلاء المترجمين, حتى لقد أنشأ أحدهم مجلة باسم "مسامرات الشعب" يحشد فيها كثيرًا من القصص الرخيص، وأخرج نقولا رزق الله٤ "سلسلة الروايات الجديدة" وكان العدد يحتوي على شذرات من الشعر القديم، وقصصًا قصيرة, إلى جانب الرواية الرئيسية، وأنشأ طانيوس عبده مجلة "الراوي" وفيها أخذ في تعريب الروايات الشهيرة مثل: "فوست" و"الملكة إيزابو".

стр. 356

وترجم فرح أنطون١ "الكوخ الهندي"، "بول وفرجين" و"أتلا" وغيرها من الروايات، كما ترجم خليل مطران كثيرًا من روايات شكسبير التمثيلية. وكان من الطبيعيّ بعد أن كثرت هذه الرويات في أيدي الشباب والرجال, أن يبدأ الأدباء في محاكاتها، وكان أول المقلدين وأنشطهم جرجي زيدان٢, فنحا في تأليف الروايات منحى "ولترسكوت" الإنجليزي، واستمد من التاريخ العربيّ قصصه وأبطاله، وغيَّرَ في حقائق التاريخ وبدَّلَ حتى يدخل عامل التشويق والتتابع القصصي, وأخرج عددًا كبيرًا من هذه القصص التاريخية؛ منها: فتاة غسّان، وأرمانوسه المصرية، وعذارء قريش, وغادة كرباء، والحجاج، وفتح الأندلس، وشارل وعبد الرحمن، إلخ هذه السلسلة الطويلة التي بلغت ثماني عشرة قصة مستمدة من التاريخ الإسلاميّ، وأربع قصص أخرى مكتوبة كلها بأسلوب صحفيّ، خالية من التحليل النفسي، والنظريات الفلسفية, وما هي إلّا تاريخ في قالب قصة لم تكمل شروطها الفنية، وتاريخ لم يحافظ فيه على الحقائق، وإن كانت الحقائق التاريخية ليست شرطًا في القصة التاريخية, كما نرى عن "سكوت"، وكما نرى عند شكسبير في "أنطوني وكليوباترة", "يوليوس قيصر" وغيرهما من الروايات والمسرحيات التاريخية، ولكن هذه القصص فيها نفحة الأديب، وخيال الشاعر، وعبقرية الفنان، وليست سردًا تاريخيًّا مكتوبًا بأسلوب صحفيّ، ومثل زيدان في هذا سليم البستاني٢ في رواية "زنوبيا وبدور" وغيره ممن سلكوا هذا النهج التاريخي، وزيدان أسلم من سواه عاقبة، ثم ظهرت بعد ذلك، وللأسف قصص رخيصة تتملق النزعات الدنيا عند الشعوب، وتقرأ لقتل الوقت، وتمثل كثيرًا من وجوه الحياة الإنسانية المخزية، فالإجرام

стр. 357

بأنواعه وطرقه، والعشق السافل, وما شاكل ذلك من نواحي الضعف الإنساني، ولا سيما وهي في المدنية الغربية المسمومة قد زحفت في صورة قصص مزرية بالأدب, مطوحة به في مهواة سحيقة، مضللة عقول النشء، ومفسدة لأهوئهم وأخلاقهم، وباعثة منازع الشر والإجرام على طريقة رعاع باريس, وغوغاء لندن، وصعاليك برلين, وشطار نيويورك وشيكاغو، من أمثال: "اللص الشريف" و"جونسون"، و"ملتون توب" و"طرزان": وغير ذلك مما لا يخرج عما كان متداولًا في مصر إبَّان عصور الضعف من قصة "أحمد الدنف" "ودليلة المحتالة" ومغامرات العيارين والشطار، وإن اختلف اللون والزمان والحوداث، ولكن الفكرة واحدة، والنهج متشابه، والغاية السلوى وقتل الوقت، وتملق النزعات الدنيا. وأين هذا من الأدب؟ وظل هذه الفيض من السخف يغمر المطابع العربية حتى قامت الحرب العالمية الأولى، واستمر بعدها ولا زال للآن، ولكنا نكتفي بتتبعه عند هذا الحد، ولنا في الكلام عن القصة ومنزلتها في الأدب عودةً قبل أن نفرغ من هذا الفصل -إن شاء الله، وحسبنا أن نقول هنا كلمةً طالما رددناها في هذا النوع من الاتجار بعقلية الجماهير: لقد تفتحت أعيينا في الصبا, فإذا نحن في بيداء موشحة, نخبط في دروب ملتوية, ونعرج يمنة ويسرة, بعيدين عن جادة الحق، وأبواق الثقافة الدخيلة يقودون القافلة إلى مصرعها الوخيم، وينفثون فيها السموم المخدرة حتى تستكين لهم وتسلم قيادها, وهي في غفلة عما انطوت عليه جوانحهم، جاءوا وهي ترزح تحت أصفاد الجهل والانحلال، وأرادوا مسخها وتشويهها، حتى تتناسى ماضيها, وتفقد ما كمن فيها من عزة وأنفة. جاءوا بقصص خليع يثير الشهوة، ويقتل الحياء، ويلطم وجه الفضيلة والشرف، يوحي بالإجرام والفسق، وجاءوها بمهازل تمثل على المسارح باسم الفن، وأدب موبوء يزلزل العقيدة، ويخدش وجه العفاف, ويعرض على الناس باسم القصة، إنه أدب نغل، ورود آسن, وغذاء عفن, التقطه من يتجرون بعقلية الجماهير، ومن وقعوا وقوع الذباب على الفضلات الفاسدة من نفايات الحضارة الأوربية, وقدموه لقونهم في شكل زريّ.

стр. 358

إن النفوس المريضة، والعقول الهزيلة, هي التي يخلبها الزيف، وتغويها المظاهر الخداعة، والقلوب الخالية من الإيمان هي التي تهيم بالأباطيل فتعتسف الطريق، وتنفذ في سراديب البهتان، وإذا أرادت أمة أن تنهض وتنشيء جيلًا طموحًا فتيًّا صدفت وعفت عن هذه الآداب المرقعة، والقصص الهزيلة، وجدَّت في تثقيف الجمهور وتهذيبه, فلا تترضاه أو تتملقه، أو تناشد عواطفه الجامحة النابية طمعًا في ثروة زائلة، وجاهٍ مؤقت، وعليها أن تقود هذا الجمهور الساذج إلى المعين العذب؛ فتشذب خلقه، وتروض نفسه، وتطبعه على الخير, وتزوده بما ينهض به. لم نعرض أدواء الأمم الأجنبية ومثالبها على جمهور قرائنا، وقد وضع هذا القصص الغريب لبيئة غير بيئتنا، وليعالج مشكلات لا وجود لها عندنا؟ إن القصة سلاح ذو حدين، واستعماله يحتاج إلى مهارة وخبرة، وقد أساء المترجمون استعماله؛ فطعنوا قومهم ومجتمعاتهم الطيبة في الصميم، وجنوا عليها جناية لا تغتفر. وقد انتشر هذا اللون من القصص بأوربا في أخريات القرن التاسع عشر باسم الواقعية, وقد لخصنا السمات العامة للمذهب الواقعيّ في كتابنا "المسرحية", ولا يزال الأدب الأوروبيّ والأمريكيّ واقعًا تحت تأثير المذهب الواقعيّ، ولقد جنى على بعض الأمم الغربية جنايةً فظيعةً, وأشاع فيها التحلل والضعف، ولذلك أخذ كثير من أدباء الغرب يناهضونه. ولعلك أدركت مما سبق كيف أن الأدب الأجنبي قد طغى تياره واشتد، فالمدارس تفرض فيها اللغة الإنجليزية في كل الدروس، ولا يعفى إلّا درس العربية والدين، والأدب أخذ يغرف من بحور الغرب دون تَحَرٍّ أو تدقيق، وجمهرة المثقفين تَجِدُّ فيم ينقل إليها صورًا من حياة الغرب لم تعهدها، والغرب هو المتملك القاهر، والنفوس تشرئب لمعرفة عاداته, وسر قوته, وكثير من ألوان حياته. ظلت المدارس المصرية خاضعة لهذه السيطرة الأجنبية حتى تولى سعد زغلول وزارة المعارف في سنة ١٩٠٦، ونازع المستشار الإنجليزي "دانلوب" في سطوته وجبروته، وألزمه حده لا يتعداه، وذلك بتشجيع الجمعية التشريعية التي

стр. 359

أصرت على إرجاع اللغة العربية، وعمل جاهدًا على غسل هذه الوصمة، والرجوع بلغة التدريس إلى اللغة العربية، فكان لها ما أرادت، وكانت حسنةً لا تنسى له وللجمعية التشريعية؛ لأنها أعادت التيار إلى مجراه القديم، وأخذ العلم الحديث يتدفق في هذا المجرى كتبًا طريفة التأليف، بارعة العرض, جذابة الأسلوب, وسار نهر العربية زخارًا صوب الكمال حتى يومنا هذا. وبقي درس اللغة الإنجليزية والأدب الإنجليزي درسًا أصيلًا في المدراس، يقف منه الشباب على لون من التفكير الأوروبي، وكان لهذا أثره العميق في التفكير العربيّ والنتاج الأدبي فيما بعد، وسنعود إلى هذا الموضوع بشيء من التفصيل في مقدمة الجزء الثاني إن شاء الله.

стр. 360

ب- المستشرقون: ومن أهم العوامل في النهضة الأدبية الحديثة, والاتصال بالفكر الأوربيّ بجانب الترجمة, ما قام به المستشرقون من جهدٍ في سبيل اللغة العربية وآدابها, وبحث العقيدة الإسلامية ومذاهبها، ونشر ما عفت عليه الدهور، وأغفلته يد النسيان من كنوز اللغة العربية. اتصل الغرب بالمشرق بادئ الأمر حينما كان الشرق في عنفوان صولته، وقمة مجده, يغص بالمدارس الجامعة، ويزخر بالكتب الثمينة، ويشمخ بعلمائه وفلاسفته ورياضييه، وكانت أوربا لا تزال في سِنَةٍ من النوم, حينما فرغ الشرق أو كاد من يقظته الطويلة وجهاده العنيف في سبيل العلم والمدينة، ولما استيقظت أوربا قليلًا، تلفتت فوجدت شعبًا غريبًا يعمر جزءًا خصبًا من قارتها، وقد أحاله جنةً فينانةً ترف فيها العلوم والفنون والآداب، فتطلع أهله إلى الأندلس منذ ذلك الحين، يرمقونها بعيون دهشة، وأفواه فاغرة، وبودهم أن يعرفوا بعض ما عليه أهلها من علم. وطئت أقدام العرب كثيرًا من أرض القارة الأوروبية, وعبرت بعضها عبور المسافر أو المغامر أو التاجر، ووقفت في بعضها وقفة الفاتح القادر، فعبروا فرنسا عبورًا سريعًا, وامتد طوفانهم إلى أودية "بوردو"، وتألب عليهم أوشاب أوربا من فرنسيين وألمان, وسواهم, حتى انحسر طوفان العرب عن فرنسا غب معركة

стр. 361

"بواتييه" أو بلاط الشهداء، بيد أن مقامه قد طال نوعًا في جنوب فرنسا من جهة البحر الأبيض المتوسط، وتركوا ثمة آثمارًا في صميم الحياة الفرنسية تدل على طول المكث والعشرة, ولا سيما في مقاطعة "بروفانس" وقد امتد نفوذهم منها حتى سويسرا عبر جبال الألب. وأقاموا بصقلية قرنين ونصف قرن من الزمان، وتركوا من المساجد والآثار في "بالرمو" ما يشهد بعزهم وثروتهم وحضارتهم, ولم يكن من السهل التخلص من ثقافتهم وآثارهم حتى بعد جلائهم عن بعض تلك البلاد والثغور، لا أدل على ذلك من صقلية, فقد ظلت العربية في بلاط ملوكها, وعلى ألسنة أهلها بعد نزوحهم عنها بقرون, وقد بلغ من سلطانهم أن ملوك صقلية تزيوا بزي العرب، ورأس وزاراتهم, وقاد جيوشهم, وأشرف على أمورهم عرب أقحاح ممن تخلف الجزيرة بعد نزوح جمهرتهم، وهاك ابن جبير يقول في رحلته المشهورة حين زار صقلية سنة ١١٨٧, في عهد الملك غليوم: "وشأن ملكهم هذا عجيب في حسن السيرة واستعمال المسلمين.. وهو كثير الثقة بهم, وساكن إليهم في أحواله والمهم من أشغاله، حتى إن الناظر في مطبخه رجل من المسلمين، وعليهم قائد منهم.. ومن عجيب شأنه المتحدث به أنه يقرأ ويكتب بالعربية، وشعاره على ما أعلمنا أحد المختصين به، الحمد الله، حق حمده". ولا عجب فالعرب في ذياك الوقت قد بلغوا شأوًا عظيمًا من الحضارة، وكان أهل أوربا في أشد الحاجة لمعونتهم وثقافتهم، وهاك "دوزي" يؤكد أن بعد أن وقف بالدرس على كنه الحضارة العربية في الأندلس: "أنه لم يكن في كل الأندلس أميّ يوم لم يكن في كل أوربا مَنْ يعرف القراءة والكتابة إلّا في الطبقة العليا من القساوسة" وصارت جامعة طليطلة قِبْلَةَ الطلاب من كل بقاع أوربا في القرن الثاني عشر, حتى بعد أن تقلص ظل الملك العربي عن معظم بلاد الأندلس، وبقيت العربية لغة الثقافة والمعاملات والعقود حتى سنة ١٥٨٠، وظلت بعض قرى بلنسية تتكلم العربية حتى القرن التاسع عشر، ولسنا الآن في صدد تبيان

стр. 362

أثر العرب في الحضارة الأوربية وآدابها وغنائها وموسيقاها، وبحسبك أن تعلم أن الفلسفة الإسلامية ظلت تدرس في جامعات أوربا حتى سنة ١٦٥٠, وأن أرسطو لم يكن يفهم إلّا بشروح ابن رشد، وأن طب ابن سينا كان غاية كل مشتغل بالطب في أوربا أمدًا طويلًا، وأن مئات الكلمات العربية التي تنبيء عن الحضارة والعلم قد دخلت اللغات الأوربية واستعجمت؛ من مثل: قيثارة, وقطران, وأميرال, وشراب, وزعفران، وكافور, وقرمز, وصك, ورزمة، وإكسير، وكيمياء، وجبر، وساقية, وما شاكل ذلك، وهم الذين علموهم صناعة الحرير والغلائل الموشاة، وصناعة السلاح والخز المذهب, والفسيفساء والبلور والورق والأصباغ والأدهان، والمعادن، وعلم الجبر والحساب بأرقامه١. واتصل الغرب مرةً أخرى بالشرق إبَّان الحروب الصليبية التي شنها متعصبة المسيحيين, حينما أَنِسُوا في عرب الأندلس ضعفًا، وظلَّت نحو قرنين وطوفان جنود أوروبا يتكسر على صفاة حماة الإسلام، ويرتد، ثم يعود أشد مما كان بأسًا، فتقابله صدمات تخفف من غلوائه، وهكذا حتى خمد، ولكن خلف هذا الاتصال الطويل آثارًا بعيدة الغور في كل من المغاربة والمشارقة، أما المغاربة فدهشوا من حضارة العرب في بلادهم, ووجدوا أشياء كثيرة لا عهد لهم بها، فقلدوا المشارقة في لبس الدروع الخفيفة المنسوجة, وفي استخدام الموسيقى العسكرية؛ واصطنعوا السيوف والرماح، وأخذوا عنهم فن بناء الحصون وحفر الخنادق، وإقامة الاستحكمات, واستعملوا النار لنقل أخبارهم في الليل, والحمام الزاجل بالنهار، وأخذوا كثيرًا من أصول الهندسة وتأسيس المنازل بالطنافس والنماذج والسجاد والأواني الخزفية وغيرها، وإن الفلسفة اليونانية التي يعتز بها الغرب، وعليها بنى حضارته وثقافته، إنما وصلت إليه عن طريق العرب، فهم الذين حفظوها وشرحوها وعلقوا عليها, وأضافوا إليها فلسفتهم وآراءهم, فلما استيقظت أوربا وجدت الطريق ممهدًا فسارت في المدنية بخطى واسعة.

стр. 363

كان هذا استشراقًا غير منظم، نشأ عن الاختلاط ولم ينتج عن الدرس، أما الاهتمام بالعلوم العربية ودراستها فقديمٌ يرجع إلى القرن العاشر الميلادي, واهتم ملوك أوروبا بآداب العرب وعلومهم، وأول من فعل ذلك فرديريك الثاني ملك صقلية سنة ١٣٥٠، ثم ألفونس ملك قشتالة, فقد جمع الأخير المترجمين كما فعل المأمون من قبل، أمر بترجمة كتب العرب, وكانوا ينقلونها إلى الإسبانية ثم إلى اللاتينية, وشاع خبر هذه التراجم فحاكه كثير من ملوك أوربا, ومضت القرون الوسطى والثقافة العربية من طب وهندسة وفلسفة وجبر وحساب وكيمياء وصناعة وأدب١ هي عماد الثقافة الأوربية، ولكن ما لبثت أوربا أن تخطت دور التعلم، ومهرت في شتّى أنواع العلوم، وبنت على هذا القديم الذي نقلته ومحصته ودرسته دراسة عميقة, علمًا جديدًا لا يزال في نموٍّ واطراد، وهو عماد الحضارة الغربية اليوم، ومع أن أثر العلوم والآدب العربية لا يجحد, فإن هذا الأثر قد ضعف على مر الأيام٢ واستقلت العلوم والآداب الأوروبية، وصارت مرجعًا ومعينًا، وتراثًا شائعًا للإنسانية، ومع كل هذا فقد تجدد نشاط الغرب في الاستشراق خلال العصور الحديثة، وظهر هذا النشاط في صور عدة:

стр. 364

١- الجمعيات الأسيوية: وهي جمعيات أنشأها المستعمرون أول الأمر لدراسة شئون الدول التي يحكمونها، وتعرف لغاتهم وآدابهم ونفسياتهم، حتى يكون حكمهم مبنيًّا على أسس متينة، ومن أقدم هذه الجمعيات تلك التي أنشئت في بتافيا عاصمة جاوا سنة ١٧٨١، ومن أشهرها الجمعية الأسيوية الملكية بلندن، وقد أسست سنة ١٧٢٣, ونظيرتها الفرنسية ١٨٢٠, ولكلٍّ من الجمعيتين مجلة مشهورة تعنى بالأبحاث الشرقية والإسلامية والعربية, وتقوم أحيانًا بطبع كتب لم تنشر من قبل, أو إخراجها بتعليقات قيمة، ومن ذلك نشر المجلة الأسيوية الإنجليزية لمقامات الحريري، وترجمان الأشواق لابن عربي "ترجمها نيكلسون"، وقد اعتنى الفرنسيون بخاصة في مجلتهم بالمذاهب الإسلامية؛ فبحثوا في الدروز والشيعة والإسماعيلية والوهابية والنصيرية, وماشاكل ذلك. وحذا كثر من الدول حذو إنجلتزا وفرنسا في إنشاء الجمعيات الأسيوية, فصار لأمريكا الجمعية الشرقية، ولألمانيا الجمعية الأسيوية، وفي إيطاليا والنمسا كذلك. ٢- المؤتمرات: ومن مظاهر نشاطهم المؤتمرات التي يعقدونها في إحدى مدنهم المشهورة, ويؤمها المستشرقون من كل دولة، وكثير من الأدباء والعلماء في الدول الشرقية، وتلقى فيها البحوث, وينتاقش المؤتمرون في شتَّى المسائل, ويطلعون على ما قام به كل من الخدمات في سبيل الاستشراق، وأول مؤتمر عقده المستشرقون هو مؤتمر باريس سنة ١٧٧٣، وتكررت بعد ذلك المؤتمرات حتى زدات في القرن العشرين، وقد أخذت مصر في العصر الحديث تشترك في هذه المؤتمرات, ومن أول من اشتركوا فيها عبد الله فكري، وحمزة فتح الله، وحفني ناصف وأحمد شوقي الشاعر. ٣- المكتبات: ومن العجب أن كثيرًا من نفائس الفكر العربي والإسلامي ليس في البلاد

стр. 365

العربية، وإنما اكتنزه الغربيون في مكاتبهم، وقد جمعوا كثيرًا من هذا التراث في خلال العصور الماضية، وأيام محن المسلمين بالأندلس وصقلية وفرنسا وإيطاليا, وأيام الحروب الصليبية, وأيام أن دخلو غزاة فاتحين، أو تجارًا مستعمرين، وحرصوا على اقتناء النسخ النادرة والكتب الثمينة؛ حتى تجمع في هذه المكتبات ما يزيد عن مائتين وخمسين ألف مجلد، ومن أشهرها: مكتبة برلين، وباريس، ولندن، وليبزيج، وليدن، وأكسفورد، وأدنبرة، وليننجراد، ومدريد. وقد عز على كثير من أدباء العرب وعلمائهم أن يظل هذا التراث النفيس غريبًا محتبسًا في مكاتب أوربا، فأخذوا منذ تنبهوا يغشون هذه المكتبات وينقلون بعض المخطوطات القيمة، أو يصورنها؛ وقد اهتمت بذلك جامعة القاهرة, ورصد لهذا العلم الأموال, وبعثت العلماء لهذه الغاية، وقد جدت الجامعة العربية في نقل كثير من هذه المخطوطات وتصويرها, حتى تهيأ لها عدد غير يسير منها, سيلقى ولا شك كثير من الضوء على الحقائق العلمية والأدبية والتاريخية المتداولة. على أننا ما زلنا نطمع في المزيد, وأن تنقل كل هذه الكتب وترد صورها على الأقل إلينا, فنحن أولى بها من سوانا, ولا سيما وقد نشأت بين ظهرانينا طائفة من العلماء المحققين الذين أجادوا إخراج هذه الكتب إخراجًا علميًّا صحيحًا، ومن أشهر الذين اهتموا بهذا وجلبوا عشرات الكتب النادرة أو صورها؛ المرحوم أحمد تيمور والمرحوم أحمد زكي. ٤- معاهد اللغات الشرقية: وفي العواصم الكبرى بأوربا، مدارس للغات الشرقية، يرد مناهلها طلاب أوربيون يدرسون اللغات كي يتمكنوا من العيش ببعض بلاد الشرق تجارًا أو موظفين أو سياحًا أو مستعمرين, كما يؤمها اليوم كثير من أبناء البلاد الشرقية والعربية، ويتزودون من علم كبار المشتشرقين، ويأخذون عنهم طرق البحث، والاستنباط، ومن أشهر هذه المعاهد مدرسة اللغات الشرقية بلندن وباريس وبرلين، وكل مدرسة تحوي مكتبة قيمة، تعنى بدارسة اللهجات وتسجيل الأصوات، ويدرس بمدرسة اللغات الشرقية بلندن ما يزيد عن ثلاثين لغة.

стр. 366

٥- أشهر المستشرقين المحدثين: ١- دي ساسي الفرنسيّ, توفي سنة ١٨٣٨: منشئ الجمعية الأسيوية الفرنسية، وكان من أعظم المسشترقين وأصبرهم على الدرس, وخلَّفَ عدة آثار تشهد بفضله، من ترجمةٍ لكليلة ودمنة، ومقامات الحريري، ورحلة عبد اللطيف البغدادي، وألفية ابن مالك, والبردة، وكتاب النقود للمقريزي، وكتاب الزاجل لابن الصباغ، وترجم كثيرًا من أشعار العرب كقصيدة الطغرائي: يا خالي البال، وله مؤلف في تاريخ العرب أيام الجاهلية، وآخر عن ديانة الدروز، وهو الذي أنشأ مع تلامذته المجلة الأسيوية Jourral Asisique. ٢- كاترمير Quatremere ١٨٥٧: وهو من تلاميذ دي ساسي الفرنسي، ومن أعماله: نقل تاريخ المماليك للمقريزي, وطبع مقدمة ابن خلدون في ستة أجزاء بالعربية والفرنسية، ونشر منتخبات من أمثال الميداني متنًا وترجمةً، وترجم المعلقات السبع، ومن أبحاثه المشهورة بالمجلة الأسيوية ماكتبه عن النبطيين والعباسيين، وكتاب الأغاني, والفاطميين، وذوق الشرقيين, وغير ذلك من الأبحاث المفيدة التي تدل على نشاط جَمٍّ، وصبر بليغ. ٣- مونك Muuk ١٨٦٧: وهو ألماني يهودي, درس على ساسي، وقدم مصر فجمع مخطوطات كثيرة منها تاريخ الهندي للبيروني, ومن آثاره: تأثير اللغة العربية في اللغة العبرية بعد التوراة, وبحث ونقد في ديانة الدروز, ومجموعة في الفلسفة العربية واليهودية "وهو كتاب نفيس". ٤- دي برسفال De Perecval ١٨٧١: وهناك أب وأبن بهذا الاسم، وكلاهما اشتغل بالعلوم الشرقية، وإنما نعني بهذا التاريخ الابن، وقد قام برحلة إلى لبنان، ومكث به ثلاث سنوات، وعُيِّنَ أستاذًا للعربية العامية في مدرسة اللغات الشرقية بباريس، ثم للفصحى في معهد

стр. 367

فرنسا, ومن آثاره: المعلقات السبع "وباكورة تاريخ العرب" في ثلاثة مجلدات, وقد طبع مرارًا. ٥- رينان Renan: وقد درس اللاهوت في أول نشأته، وتعمق في اللغات الشرقية، وقام برحلة في بلاد الشرق العربيّ، ومن مؤلفاته: تاريخ اللغات السامية, في جزأين, كتاب ابن رشد, وقد علق عليه بقوله: "ولولا ابن رشد لما فهمت فلسفة أرسطو وتاريخ فينيقية" وقد اشتهر بتعصبه الذميم ضد العرب والمسلمين، وفي كتابه تاريخ اللغات السامية مطاعن كثيرة على العقلية العربية سنرد على بعضها عما قليل. ٦- دي فو De Vaux: واشتهر بأبحاثه الرياضية والفلسفية، ومن أحسن كتبه: مفكرو الإسلام, في خمسة أجزاء، وكتاب الفلسفة المشرقية، وترجم قصيدة ابن سينا في النفس، وترجم تائية ابن الفارض. ٧- Massignon: وهو من المستشرقين المعاصرين: وكان عضوًا بمجمع اللغة العربية بمصر، ومن أكثر المستشرقين نشاطًا، وأطولهم باعًا، وقد كان أستاذًا لتاريخ الفلسفة في الجامعة المصرية، وتتلمذ أول أمره في الجزائر وتونس وفاس، ورحل إلى العراق، جاب كثيرًا من الأقطار العربية، ومن آثاره المهمة: أخبار الحلاج, والصوفية، والأمثال البغدادية للطالقاني، وكتاب مراكش في القرن السادس عشر، وله بحوث طيبة في دائرة المعارف الإسلامية. ٨- لفي بروفنسال Provencol: وهو كذلك من المستشرقين الفرنسيين المعاصرين، ولد بالجزائر سنة ١٨٩٤، وقد انتدب أستاذًا زائرًا بجامعة القاهرة، ومن أشهر آثاره: أسبانيا المسلمة في القرن العاشر, والحضارة العربية في أسبانيا، وثائق غير منشورة عن تاريخ الموحدين، وتقويم للسير الأندلسية في القرن الثالث عشر، وقد عاون في طبعة الذخيرة لابن بسام, من مطبوعات جامعة القاهرة.

стр. 368

أما المستشرقون الإنجليز فمن أشهرهم: ١- كارليل, توفي سنة ١٨٠٥, وهو صاحب كتاب الأبطال المشهور. ٢- إدوارد لين Lane: وقد قدم مصر سنة ١٨٢٥, ودرس عاداتها دراسة طيبة، حتى لقد لقبه أصدقاؤه بمصر بمنصور أفندي؛ لكثرة تقليده للمصريين في معيشتهم, ومن أجَلِّ آثاره: معجمه المشهور سواء العربي أوالإنجليزي، ومعجمه العربي نموذج احتذاه من قام بعمل المعاجم بعده، ومن آثاره كذلك: كتاب عن أخلاق المصريين وعاداتهم، وهو تحفة جميلة، وقد ترجمه أخيرًا الأستاذ عدلي نور بالرسالة, ثم نشر على حدة. ٣- وليم رايت Wright ١٨٩٦: ترجم رحلة ابن جبير ونقدها وعلق عليها، ومن أشهر كتبه وأعمها نفعا: كتابه في النحو, وقد طبع مرات، وله كتاب جيد في الموازنة بين اللغات السامية Comparative Grammer، واشترك مع "دوزي" في إخراج نفح الطيب للمقري، ونشر كتاب الكامل للمبرد، وكتاب تلقيب القوافي لابن كيسان، وكتاب أخبار الرواد، وترجم كليلة ودمنة، وهو صاحب أبحاث الأدب السوري في دائرة المعارف البريطانية. ٤- إداورد بروان T.BVrowne: وكان أستاذًا بجامعة كمبردج للعربية والفارسية، ومن آثاره: الطب عند العرب، وتاريخ الأدب الفارسي, ونشر كتاب مذكرة الشعراء لدولتشاه، وكتاب نهاية الأرب في أخبار الفرس والعرب, والصحافة والشعر في إيران الحديثة. ٥- السير توماس أرنولد Arnold: وهو أول أساتذ بمدرسة اللغات الشرقية بلندن، ومن مؤلفاته العظيمة ذات الأثر الجليل كتابه الدعوة إلى الإسلام، وقد ترجم إلى كثير من اللغات، وقمنا بترجمته ونشر جزء كبير من هذه الترجمة بمجلة الرسالة سنة ١٩٣٩، ولكن

стр. 369

حالت دون نشره عوامل مختلفة، وقد تمت ترجمته إلى العربية, ونشر في هذه السنة على يد بعض الأساتذة، وفيه يظهر توماس أرنولد دون تحيز سر الإسلام وعظمته. ٦- مرجوليوث، وقد اكتسب شهرة كبيرة في البلاد العربية, ونشر معجم الأدباء لياقوت الحموي، ونشوار المحاضرة، وديوان ابن التعاويذي، وحماسة البحتري, وترجم فصولًا من التمدن الإسلامي لجورجي زيدان. ٧- نيكلسون: وهو كذلك من أشهر المستشرقين وأبعدهم صيتًا، ولا سيما في أبحاثه عن التصوف الإسلامي، وله في ذلك كتاب في ثمانية مجلدات، ونشر ترجمان الأشواق لابن عربي، وترجم لابن الفارض في المجلة الأسيوية، وفكرة الشخصية في الصوفية، وله كتاب مشهور في تاريخ الأدب العربي, وتوفي نيكلسون من أمد وجيز. ٨- جب Gibb: وهو من أشهر المسشترقين الإنحليز, وقد درسنا عليه بمدرسة اللغات الشرقية بلندن, وكان عضوًا بمجمع اللغة العربية بمصر, وله عناية فائقة بالأدب الحديث في مصر والشام, ونشرت في مجلة معهد اللغات الشرقية بلندن من سنة ١٩٢٧-١٩٣٠, وله كتاب موجز عن تاريخ الأدب العربي، ومن أحدث كتبه وأنفعها كتاب "الميول الحديثة في الإسلام" غير أنه شديد العناية بتركيا وتطورها، وله أبحاث عن الفتوحات العربية في آسيا الوسطى وعلاقتها ببلاد الصين، وصار محررًا لدائرة المعارف الإسلامية، وهو أستاذ بجامعة "هارفرد" بأمريكا، وله خبرة واسعة ببلاد الشرق العربي. أما المستشرقون الألمان, فقد كان الحافز لهم على الاستشراق في مبدأ الأمر الاشتغال بالمسائل الدينية وترجمة التوراة, فاضطروا إلى دراسة العبرية ثم العربية، وبعد ذلك حفزته عوامل سياسية وتجارية إلى الاهتمام باللغات الشرقية، وإن لم يتهيأ لهم أن يكونوا مستعمرين لهم أملاك واسعة وإمبراطوريات شرقية مترامية الأطراف كالفرنسيين والإنجليز, ومع هذا فقد نبغ منهم عدد أفادوا الدراسات الشرقية والإسلامية فائدة لا تنكر، ومن أشهرهم:

стр. 370

١- فريتاخ, توفي سنة ١٨٦١: وتعلَّم على دي ساسي في باريس، واشتغل بالتدريس في جامعة "بون"، ومن آثاره ديوان الحماسة لأبي تمام مع شرح التبريزي وبترجمة لاتنية, وأمثال لقمان، وأمثال العرب, وأمثال الميداني بترجمة لاتينية، وفاكهة الخلفاء لابن عربشاه؛ وله معجم عربي لاتيني في أربعة أجزاء، وطَبَعَ معجم البلدان لياقوت مع فهارس قيمة وتذييل. ٢- فلوجل, توفي سنة ١٨٧٠: ومن آثاره: نشر كتاب كشف الظنون لحاجي خليفة, مع ترجمة لاتينية في سبعة مجلدات، ودراسة عن الكندي الفيلسوف العربي، ونشر كتاب التعريفات للجرجاني, وأتبعه بدراسة عن ابن عربي, ومدارس العرب النحوية حتى القرن العاشر، ونشر الفهرس لابن النديم كذلك. ٣ فليشر, توفي سنة ١٨٨٨: مؤسس الجمعية الشرقية الألمانية، وقد نشرت هذه الجمعية كثيرًا من الكتب القيمة؛ مثل: معجم البلدان تصحيح "وستنفلد" وشرح المفصل لابن يعيش, تصحيح "بان"، وكتاب الآثار الباقية للبيروني, تصحيح "سخو". ومن آثاره: ترجمة ألف ليلة وليلة في تسعة مجلدات, وتفسير القرآن للبيضاوي, وعجائب المخلوقات للقزويني. ٤- وستنفلد, سنة ١٨٩٩: ومن آثاره: مختلف القبائل ومؤتلفها, لمحمد بن حبيب، وتاريخ مكة للأزرقي، وأخبار قبط مصر للمقريزي، وجغرافية مصر للقلقشندي، وتاريخ الخلفاء الفاطميين، وتاريخ أطباء العرب، وديوان علقمة الفحل، وكتاب الاشتقاق لابن دريد، ومعجم البلدان لياقوت في جزأين، وآثار البلاد للقزويني، وطبقات الحافظ للذهبي، وغير ذلك من الكتب القيمة, وكلها تدل على نشاط وافر، ورغبة صادقة في خدمة الأدب العربيّ والتاريخ الإسلامي.

стр. 371

٥- نولدكه, توفي سنة ١٩٣١: ومن آثاره: قواعد اللغة العربية، وتقارب اللهجات، وتاريخ القرآن، ودراسة عن المعلقات، وتاريخ عرورة بن الورد، وتاريخ الفرس والعرب، والعرب في عهد الساسانيين, وله مختارات شعرية من العصر الجاهلي والإسلامي الأول، وجمعت مقالاته في مجلد؛ فبلغت خمسائة مقالة. ولم يقتصر الاستشراق على علماء هذه الدول، بل نرى في معظم البلاد الأوربية وفي أمريكا مستشرقين لهم باعٌ طويلٌ في نشر الكتب وتصحيحها, وترجمة بعضها إلى لغاتها, حتى لو لم يكن لهم مطمع استعماري، أو مقصد تجاري أو تبشيري، ومن هؤلاء المستشرقين: ١- كراتشوفسكي الروسي١: "ولا يزال حيًّا" وقد عُنِيَ عنايةً خاصةً بالأدب العربي الحديث، وانتدب أستاذًا بجامعة القاهرة، ومن آثاره التي يقال إنها لا تقل عن الثلاثمائة؛ بين مصنف ومترجم ومفسر: الرواية التاريخية في الأدب العربي المعاصر، نشر مخطوطتين مجهولتين عن الجغرافية وعلم الفلك في الحبشة وأسبانيا المسلمة والمتنبي وأبي العلاء، وطبع كتاب البديع لابن المعتز بتفسير وتعليق ومقدمة في ثمانين صفحة. ٢- دوزي الهولاندي, توفي سنة ١٨٨٣. ولد بليدن، وهي من أشهر المدن اهتمامًا بنشر الكتب العربية, ومن أشهر مؤلفاته: تاريخ الإسلام في إسبانيا في أربعة أجزاء، بدأه بدرس القبائل العربية في العصر الجاهلي, ثم عهد النبي ﵇، ثم عصر الأمويين، وتخلص إلى الأندلس, فأرخها من سنة ٧١١ إلى ١١١٠، وله كتاب "كلام كُتَّاب العرب في دولة العباديين" في ثلاثة أجزاء، ومن أجل آثاره: ملحق المعاجم العربية, ذكر فيه الألفاظ التي لم ترد بها, ويقع في جزأين، ومما نشره تاريخ ابن زبان، وتاريخ المعجب للمراكشي، وجغرافية الإدريسي.

стр. 372

٣- دي جويه De Goeje المتوفي سنة ١٩٠٩, وهو هولندي, وقد اشتهر بنشر المؤلفات العربية الهامة بعد تصحيحها وضبطها، فمما نشره: فتوح البلدان للبلاذري، وديوان مسلم بن الوليد، والمكتبة الجغرافية العربية في ثمانية مجلدات، وتاريخ الطبري الكبير في خمسة عشر مجلدًا مع فهارس قيمة، وغريب الحديث لأبي عبد الله القاسم بن سلام "وهو أقدم المخطوطات العربية بأوربا بعد القرآن"، ونشر كذلك رحلة ابن جبير، والمسالك والممالك لابن حوقل، وأحسن التقاسيم للمقدسي البشاري, والأعلاق النفيسة لابن رستة، وجزء من تجارب الأمم لابن مسكويه، وجغرافية الأصطخري، ورسالة حي بن يقظان، والتمدن الإسلامي لجرحي زيدان، وسيرة الرسول ﵇ لابن هشام، وعشرات الكتب والمخطوطات القيمة. ٤- جولد زيهير المجري, وتوفي سنة ١٩٢٩: وهو إسرائيلي تبحر في اللغة العربية، والشريعة الإسلامية، وله فيهما أبحاث تدل على سعة اطلاع، وطول باعٍ، ومن أشهر آثاره: العقيدة الإسلامية في الإسلام, وقد ترجم أخيرًا إلى العربية، وكتاب آداب الجدل عن الشيعة، والفقه العربي، التقية في الإسلام, ونشر كتاب المستظهري في الفضائح الباطنية وفضائح المستظهرية للغزالي، وغير ذلك من الكتب التي تدل على اهتمامه بالعقائد والمذاهب. وهذا وقد اشتهر في كثير من الدول بعض أفراد المستشرقين مثل: سانتلاتا، ونيلنو، وجويدي الكبيرن وجويدي الابن في إيطاليا١، والبارون كريمر, والدكتور مونر في النمسا، وفنديك، وماكدونالد, وشارلز آدمس في أمريكا، وكريمرسكي في بولندا, وبول كراوس في تشكوسلوفاكيا٢، وبركلمن في ألمانيا، وكتابه في تاريخ الأدب العربي من أهم المراجع المعتمدة, ولا سيما تلك الملاحق التي

стр. 373

الملاحق التي يضيفها إليه في كل عام، وقد قام بترجمته زميلنا المرحوم الدكتور عبد الحليم النجار. أثر المستشرقين: تفرغ المستشرقون للبحث، ومنحتهم أممهم المال والوقت، وتحت أيديهم المكاتب العامرة بالأبحاث وبالمخطوطات النادرة، وكلهم يعرف عدة لغات عربية وشرقية، فكان من الطبيعيّ أن تتسم آثارهم بسمات التحقيق والمثابرة والاطلاع والموازنة ومراجعة الأصول أو المخطوطات ووضع الفهارس, وغير ذلك مما كان مفقودًا في الكتب العربية. ولقد مهَّدوا السبيل أمام الباحثين بنشرهم المخطوطات الثمينة في طبعات أنيقة مصححة، مزودة بتعليقات نفيسة، وبفهارس تيسر الاطلاع وتجمع الأشخاص والأماكن، والموضوعات، واشتهروا بتحقيقاتهم اللغوية، وبأبحاثهم في أصول اللغات، وفقه اللغة، والساميات، وباكتشافاتهم الأثرية في بلاد العرب، وقد غيرت هذه الاكتشافات كثيرًا من نظريات التاريخ وحقائقه المتداولة، وامتازت أبحاثهم بحسن العرض، وبالتدقيق العلميّ، وبالنظرات الشاملة، وأهم أثر للمستشرقين يتضح في الكتب العربية التي ألفت على نمط كتبهم، ولا يهولنك هذا، فهم كما ذكرت لك قد أتقنوا طرق البحث في لغتهم، وطبقوها على الدراسات الشرقية التي يضطلعون بها، وعندهم من الوقت والمال ما يمكنهم من حسن الإخراج وجمال الأداء. إن الدراسات الأدبية وتاريخ الأدب بصورته التي نعرفها اليوم, هي أثر من آثار المستشرقين, وحسنة من حسناتهم؛ ولا تعجب, فالكتب العربية منذ طبقات الشعراء لابن سلام الجمحي, وما أتى بعده من كتب التراجم؛ كمعجم الأدباء لياقوت، ووفيات الأعيان لابن خلكان, لم تبحث في الأسباب والعلل والنتائج والبيئة والظواهر السياسية والاجتماعية، وتفاعل الأديب وعصره, كما نرى اليوم في الدراسات الأدبية، وإنما كان الأديب وحدة منفصلة لا تربطه بغيره روابط.

стр. 374

ومن الكتب التي ظهرت في هذه الحقبة التي نؤرخ لها -أي: أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين- وتجلَّت فيها آثار المستشرقين وطريقة بحثهم, بل وكثير من آرائهم وأحكامهم وأبحاثهم: ١- كتاب تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان، وقد اعتمد فيه على بروكلمن الألماني في كتابه تاريخ الأدب العربي، ولم يقف بروكلمن عن القرن التاسع عشر, بل أصدر ملاحق عديدة يسجل فيها تطور الآدب العربية في عصرنا هذا، وينقد معظم الأدب الذي تصدره المطبعة العربية ويتتبع الأديب منذ نشأته، ويسجل تطورات أدبه. ٢- كتاب الأدب لويس شيخو في الأدب العربي إبان القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، وكتابه هذا محاولة أولية لمحاكاة المستشرقين في كتاباتهم، وفيه كثير من طرق البحث القديمة، ويمنك أن تدرك الفرق بين ما يكتب اليوم وما كتبه الأب شيخو منذ ربع قرن. ٣-وتاريخ أدب العرب, لمصطفى صادق الرافعي، وهو من الكتب التي تدل على غزارة علم وسعة اطلاع، وبذل كثير من الجهد، ولكنه لم يبلغ في بعض أحكامه وطريقة عرضه ما بلغته الأبحاث الأدبية بعد، ويعد في الطليعة من الكتب التي ألفت على الطريقة الحديثة، وقد وفق فيه مؤلفه لكثير من اللمحات والأحكام الصائبة، مع أن الرافعي لم يكن يعرف إلّا القليل من اللغات الأجنبية. ٤- وآداب اللغة العربية في العصر العباسي, للشيخ أحمد الإسكندري. ٥- وبلوغ الأرب في أحوال العرب, للسيد محمود شكري الألوسي البغدادي١:

стр. 375

٦- وعلم الأدب لحفني ناصف. ٧- والاشتقاق والتعريب لعبد القادر المغربي. وكانت هذه الكتب بواكير الدراسات الأدبية التي نحا فيها الكتاب العرب منحى المستشرقين وتأثروا بهم في منهج أبحاثهم، ولكن لم تر الجامعة المصرية القديمة، ولا جامعة القاهرة عقب إنشائها غناءً عن المستشرقين، فأخذت تنتدبهم للقيام بالتدريس فيها، ونشر طرقهم السديدة في البحث بين طلاب الأدب، ولقد ظهر هذا الأثر جليًّا واضحًا في الأبحاث التي تلت ذلك، وما زلنا سائرين في هذا الطريق، نعتمد على أنفسنا مرة، ونستأنس بآرائهم مرةً، والبحوث الأدبية تكثر وتتنوع, ويظهر عليها أثر التحقيق العلمي السليم. ولعلك تسأل: أترى المستشرقين أعلم منا بلغاتنا وبأصول عقائدنا وفرقنا الدينية، وهل هم معصومون من التعصب والخطأ؟! في الحق إن كثيرًا من المستشرقين على حظٍّ كبير من العلم والمعرفة، ولكن الأمر الذي يهمنا نحن ليس العلم، وإنما المنهج وطريقة الاستقراء والاستنباط والدرس وتكوين الحكم بعد الموازنات، ومراجعة الأصول والمخطوطات, وكل ما قيل حول الموضوع، ولقد ذكرت لك آنفًا أن مكتبات أوربا تحوي مائتين وخمسين ألف كتاب عربيٍّ بين مخطوط ومطبوع، وهذه الثروة الهائلة حرية أن تتيح لمن يعيش معها, وقد كلفت له أسباب البحث الأخرى أن يتسع اطلاعه ويعمق نظره، ويقرب حكمه من الصواب، فلا بدع إذا كان بعض المستشرقين حجة في أبحاثهم التي تصدوا لها. أجل! إننا لا نبرئ كثيرًا منهم من التعصب، ولا سيما في المسائل التي تتعلق بالدين والعقيدة والجنس، وهيهات أن يكتب أحد عن الإسلام أو عن العرب دون أن ينزع في كتاباته إلى ما ينم عن تعصبه, وقليل منهم مَن استطاع أن يتجرد من عواطفه ونزعاته حين البحث؛ مثل: "السير توماس أرنولد" في كتابه "الدعوة إلى الإسلام".

стр. 376

أما عن الأدب فلا داعي للتعصب, اللهم ما أشاعوه عن أسطورة العقلية السامية والآرية حين كلامهم عن خلوِّ الأدب العربي من القصة، وتعليلهم لهذا بذلك التعليل السخيف، وهو عقم الخيال العربي وإجدابه١، ولعلك لم تنس الضجة التي أثيرت حول كتاب "في الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين, وما ثبت من أنه تأثر فيه برأي "مرجوليوث" وأخذه آراءه هذا المستشرق قضية لا جدال فيها، فأنكر قصة إبراهيم وإسماعيل, وشك مثله في معظم الشعر الجاهلي٢, وقلَّ منهم من خلا من التعصب الديني أو الجنسي. وللمستشرقين أخطاء كثيرة، يرجع بعضها إلى جهلٍ بالمصلطحات العربية وعدم معرفة معانيها الصحيحة، وتدعوهم إلى استنباطاتٍ فاسدة، فكازانوفا مثلًا يترجم كلمة أمي بشعبيّ، وكازميرسكي يترجم قوله تعالى للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ باعبدوا آدم, وأحيانًا يبالغون في التحليل والتعليل والتأويل، ويحاولون أن يجدوا شيئًا لم يوجد قط، فيضلون سواء السبيل، فترى كازانوفا مثلًا عند بحثه في "إخوان الصفا" يقع على نص في رسائلهم، ويجتهد في أن يستنبط منه تاريخ تأليفهم الرسائل بطريقة مضحكة أبعدته عن الصواب كل البعد٢. وعلى الرغم من كل هذا، فأخطاؤهم العلمية قليلة، وهي مغتفرة لهم إذا راعينا أنهم يبحثون في ديانات غيرهم ولغتهم وآدابهم وأخلاقهم، وأخطاؤنا نحن أكثر من أخطائهم وأشنع، ولا نستطيع أن نغمطهم حقهم، وننكر أياديهم على الأدب العربي والأبحاث الإسلامية واللغوية والاجتماعية، ونشرهم مئات الكتب والمخطوطات الثمينة التي أتاحت لنا معرفة ما كان عليه أسلافنا حق المعرفة، إننا لا زلنا نتلقى عنهم الكثير، وسوف نظل كذلك إلى أن يتاح لنا نقل صورة صحيحة من المخطوطات النادرة الموجودة لديهم، ونسخ الكتب القيمة التي تعوزنا في البحث، وإلى أن يتفرغ منا العلماء للبحث الطويل الشاق دون مراعاة الزمان والجهد كما يفعلون، وحينئذ نستطيع أن نجاريهم في مضمارهم، لهم فضل السبق.

стр. 377

أثر الاتصال بالأدب الأجنبي ... جـ- ثر الاتصال بالأدب الأجنبي: كان من الطبيعيّ أن يتأثر الشرق العربيّ، ولا سيما مصر، ولبنان، بهذا الاتصال المباشر بالأدب الأجنبي، ففي مصر يجثم الاحتلال الإنجليزي على صدر الوادي الخصيب، ويشتد نفوذ الأجانب من كل دولة، يفدون أفواجًا ينشدون الغنى والسعادة في هذه البلد المضيافة والأرض البكر، وتفرض اللغة الإنجليزية على تلاميذ المدراس المصرية، ويعمد الأدباء اللبنانيون والسوريون الذين يمموا صوب مصر هربًا بحرياتهم إلى الأدب الغربيّ ينقلون منه ألوانًا شتّى إلى اللغة العربية. ولا أريد في هذه العجالة أن أتقصَّى أثر الفكر الغربي في العقل العربيّ والنتاج الأدبيّ, فإن هذا الامتزاج بين الثقافتين لم تظهر آثاره الحقيقية إلا بعد فترة طويلة من الحقبة التي نؤرخ لها، حين شبَّ جيلٌ من الأدباء في هذه البيئة التي تلتقي فيها تعاليم محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ووطنية عبد الله نديم، وأدب حسين المرصفي والسيد بن علي المرصفي بقصص هوجو وفولتير وراسين وكورني وشكسبير وعشرات من قصاص فرنسا وإنجلترا وغيرهما، ولكن كانت السمة الغالبة على أخريات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين هي ازدياد نفوذ الأدب الأجنبيّ وإعجاب أبناء البلاد العربية به، فتمنَّى الشعراء أن يجددوا في الشعر، وأن ينسجوا على منوال شعراء الغرب، بل كان منهم من يود التحرر من قيود الشعر العربيّ, ويأخذ بحرية الشعر الفرنجي، فهتف حافظ بقوله: آن يا شعر أن نفك قيودًا ... قيدتنا بها دعاة المحال فارفعوا هذه الكمائم عنا ... ودعونا نشم ريح الشمال ويقصد بالشمال بلاد الغرب، وإن عجز حافظ عن فك القيود ولم يستطيع أن يخرج خروجًا تامًّا على الصور القديمة مهما كانت روحه التجديدية

стр. 378

راغبة في ذلك١, ولكن مما لا ريب فيه أن كثيرًا من المعاني الجديدة والصور الغربية والخيال الاوربي قد ابتدأ يتسرب إلى أفكار الشعراء وأخيلتهم، وإن لم يظهر أثره إلّا بعد مدة، وفي جيلٍ غير هذا الجيل الذي شهد زحف الآداب الغربية أول الأمر, وكم كان بودي أن أقف هنا وقفةً طويلةً لأبين هذا الأثر، ولكن موعدنا به في الجزء التالي إن شاء الله. أما النثر فقد كان التأثير فيه شديدًا، لانطلاقه وعدم تقيده بقوالب وأوزان وقوافٍ، ولأن النثر الغربي المترجم كان الكثرة الغالبة, ولا سيما القصة كما رأيت٢، وهنا يجدر بنا أن نتأنى قليلًا، فإن القصة قد صار لها في عالم الأدب العربي شأن كبير، وكانت الحقبة التي نؤرخ لها هي حقبة الحضانة التي نمت فيها القصة، وأخذت بعد ذلك تتفتح وتزدهر وتجري على الألسانة والأقلام، والقصة هي أكثر أنواع الأدب شيوعًا في الغرب، بل إن الأدب الغربي يتسم بأنه أدب القصة، وليس كذلك الأدب العربي، فلم كان هذا؟ وهل ما يدعيه بعض النقاد الغربيين، ويتبعهم في ذلك كثير من الكتاب العرب -من أن العقلية العربية مجدبة, عقيمة الخيال, ادعاء صحيح؟؟ -إن هذا الموضوع يتطلب منا كلمة موجزة قبل أن نفرغ من هذه الكتاب؛ لأن النثر -وهو كما قلنا قد تأثر بالأدب الغربي أكثر من الشعر- قد صار له ثوبان يظهر فيهما: القصة والمقالة. ١- القصة: وموضوع القصة موضوع طويل وشائق، فهناك تاريخ القصة ونشأتها في العالم، وأنواع القصة من: خرافة ومثل، وحكاية, وأقصوصة, ورواية, ثم ألوان الرواية من: واقعية أو خيالية أو تاريخية أو نفسية, إلى آخر هذه الأبحاث، ثم هناك شروط القصة وكيفية بنائها, وما يشترط في المقدمة والحوادث والعقدة والجو والحل، وهل تخالف القصة القصيرة في تركيبها وإنشائها الرواية؟ وبعد ذلك كله

стр. 379

هناك القصص الأوربي، والقصص العربي، وهل الأدب العربي كما يزعم بعض الباحثين مجدب من القصة؛ كل هذه موضوعات كنا نود البحث فيها، وإيفاؤها حقها١, ولكنها كما ترى طويلة وتحتاج إلى كتاب خاصٍّ نتناول فيه القصص منذ نشأته إلى اليوم، يتعرض للقصص العربي بالتفصيل مبتدئًا بالعصر الجاهلي, والموازنة بين خرافات الجاهلية وأساطير اليونان والرومان؛ ثم يتكلم على قصص القرآن، ثم القصص الإبداعي في العصر الأموي, أي: قصص الحب العذريّ، ثم تأثر الأدب العربي بالآداب الأجنبية، ولا سيما الأدب الفارسي, وظهور كليلة ودمنة، وقصص ابن عبدوس الجهشياري، والصادح والباغم, ثم ظهور المقامات، وبعد ذلك كله ظهور ألف ليلة وليلة, ومقدار ما به من فن، ومنزلته في عالم الأدب، ويتعرض الباحث في الأدب العربي حين يكتب في كل هذا للأثر العربي الخالص في هذه القصص، وللتأثير الأجنبي فيها؛ ليستخلص من كل ذلك حكمًا على العقلية العربية، وعلَّك قد رأيت من إثارة هذه الموضوعات أمامك أنها تحتاج إلى كتاب خاص، يتكلم عنها بإسهاب ويوفيها حقها من البحث والتمحيص، ولعل ذلك يكون قريبًا. أما الآن فإني أتعرض للقصة من ناحية واحدة، دعاني إليها كثرة ما ترجم من أدب الغرب وقصصه في أخريات القرن التاسع عشر والقرن العشرين، ودعوى الغربيين بأنها نتاج يصعب على العرب إخراج مثله؛ إذ ينقصهم الخيال المبتكر والعقل الخالق. يدعي هؤلاء أن السبب في فقدان القصة من الأدب العربي هي البيئة التي عاش فيها العرب دهورًا طويلة في صحرائهم المجدبة، التي قلما يطرأ على بساطها تغير، فشمسها ضاحية, وهواؤها راكد، لا غابات فيها تشق أشجارها أجواز الفضاء، وتتلون أوراقها ألوان مختلفة تبعًا لتغير فصول السنة، ويشعر من يغشاها برهبة تملأ جوانحه، وقشعريرة تسري في بدنه، ولا كهوف فيها تتحدث عن شعوب اتخذتها مسكنًا أمدًا غير يسير، ثم هجرتها، بعد أن تحضرت، وخلفت

стр. 380

فيها آثارًا لا تزال ناطقة, ولا سماء صاخبة متقلبة مزمجرة هادرة، ولا جبال يكسوها الثلج فيخطف البصر ويظهر جبروت الطبيعة؛ فلا بدع إذا جاء الخيال الساميّ صورة من هذه الصحراء، وعلى العكس من ذلك البيئة التي عاش فيها الآريون قبل أن يدخلوا إلى أوربان وهي شمال بلاد الهند، فإن الطبيعة فيها قاسية قسوة عارمة، والمناظر متنوعة، والغابات كثيفة دكناء, والجو متلقب لا يستقر على حال, فالرعود القاصفة، والريح العاصفة, والمطر الهطال, والبروق الخطافة, والسحب تتراكم في السماء كأنها جيوش يدفع بعضها بعضًا, وقد بثت هذه الطبيعة في نفس الإنسان الذي عاش في أحضانها شيئًا من الخشية والرعب وألهمته الأساطير والخرافات، فكان ذلك بدء القصة، وقد اختزن العقل الأوربي من صور هذه الحياة الأولى شيئًا غير قليل، وكان له بهذا الخيال المجنح والعقلية الخصبة، والنظرة الفاحصة، وهذه المواهب هي القصة. فالقصة في نظرهم الصورة المثلى التي يتجلى فيها الخيال وتظهر العبقرية، وخلوّ الأدب العربي منها فيما يزعمون دليل على ضعف العقلية العربية، وقد جاراهم في هذا بعض أدبائنا غير مدركين ما في هذه الدعوى من خداعٍ وأخطاء، استمع إلى الأستاذ أحمد أمين وكيف يجعل قلمه صدًى لهذه الفكرة الخاطئة فيقول عن العربي: "إن خياله محدود وغير متنوع، وقلما يرسم له خياله عيشة خيرًا من عيشته، وحياة خيرًا من حياته يسعى وراءها، لذلك لم يعرف المثل الأعلى، لأنه وليد الخيال، ولم يضع له في لغته لفظة واحدة دالة عليه، ولم يشر إليه فيما نعرف من قوله، قلما يسبح خياله الشعري في عالم جديد يستقي منه معنًى جديدًا, ولكنه في دائرته الضيقة استطاع أن يذهب كل مذهب": ويقول في موضوع آخر: "والمزاج العصبي يستتبع عادة الذكاء، وفي الحق إن العربي ذكي يظهر ذكاؤه في لغته, فكثيرًا ما يعتمد على اللمحة الدالة، والإشارة البعيدة، كما يظهر في حضور بديهته، فما هو إلّا أن يفجأ بالأمر فيفجؤك بالجواب الحسن، ولكن ليس ذكاؤه من النوع الخالق المبتكر، فهو يقلب المعنى

стр. 381

الواحد على أشكالٍ متعددة فيبهرك تفننه في القول أكثر مما يبهرك ابتكاره للمعنى، وإن شئت فقل: إن لسانه أمهر من عقله"١. هذا هو ما يقول الأستاذ أحمد أمين، ويقول مثله توفيق الحجيم٢ وعباس العقاد في الفصول٣ ونسي الأستاذ أحمد أمين حين أنكر أن العرب عرفوا المثل الأعلى, أو أشاروا إليه, قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٥ وأما أن المثل الأعلى كلمة واحدة أو كلمتان, فهذا لا يقدم في القضية ولا يؤخر، فلا الكلمة الواحدة تدل على عمق الخيال ولا الكلمتان تدلان على تقصيره، وهذا الكلام -وللأسف- صدًى لما يفتريه الشعوبيون على العرب، وما يقدمونه للانتقاص منهم والغض من شأنهم قديمًا وحديثًا. ولنعد إلى القصة وإلى هذه الخرافة -خرافة العقلية السامية والعقلية الآرية- فالقصة الفنية لم تعرف في الأدب العربي إلى سنة ١٧٤٠م؛ حيث ألف "رتشردسن" قصته "باملا"٦، وعدها النقاد قصة فنية, بل عدوها القصة الأولى، واشترطوا في القصة الجديرة بهذا الاسم شروطًا أهمها أن تكون واقعية، وفرقوا بين القصة وبين الشعر في هذا الباب بقوله: "الشعر صوت ينطق بما هو خارق للمألوف، وبما هو أسمى من مجرى الحياة المعهودة, وبالإحساس النادر الذي لا يلم بالإنسان إلّا قبسات متباعدة، فهو على الجملة يتحرك في مجال أعلى من مجال الحياة الواقعية، أما النثر فهو -على نقيض ذلك- أداة تعبر عن كل هذه الأشياء تعبيرًا أدق وأوفى مما يستطيع الشعر.. من هنا كان النثر أداة ملائمة للتعبير عن حوادث الحياة اليومية التي تجري على المألوف، ولا تكون عظيمة

стр. 382

المغزى, ولما كانت القصة حكاية تروي بالنثر وجهًا من أوجه النشاط والحركة في حياة الإنسان، فخير لها إذا أن تقص قصة عادية عن الإنسان العادي الحقيقي, كما تجري حياته في عالم الواقع المتكرر كل يوم". "الحكاية النثرية المثلى" -أي القصيدة- هي التي تشتمل كل ما للنثر من قدرة على التعبير، وقد علمت أن النثر من شأنه أن يعالج الواقعي المألوف، وإذًا فروعة القصة وبراعتها أن تروي حكاية الحوادث المألوفة الواقعية الجارية.. ولا يمكن لقصة بمعناها الصحيح أن تنشأ إلّا إذا اهتم الناس أولًا بأجزاء الحياة وتفصيلاتها اهتمامًا يحول التافه إلى شيء ذي وزن وشأن، وإلّا إذا أخذوا يستمتعون بمطالعة أوجه الحياة المألوفة كما تقع كل يوم". "على أن القصة الفنية الصحيحة تختار بطلها رجلًا عاديًّا ممن أهملتهم صحائف التاريخ ووقائعه، إذًا ليست القصة بحاجة إلى الرجوع إلى الماضي لانتقاء أبطالها من أعلام التاريخ, وأولى لها أن تقصد إلى تصوير هؤلاء الناس الذين نعيش بينهم. أضف إلى ذلك أن معرفة الدقائق التي أحاطت بحياة البطل التاريخي متعذرة أو مستحيلة"١ هذه هي القصة في عرف النقاد الغربيين تعنى بالوقائع وبالجزئيات وبالتفاصيل, وتبعد عن الخيال كل البعد، وإذا كان الأمر يحتاج إلى خيال وإلى مثلٍ أعلى, فالشعر هو وسيلة التعبير، وهذا الرأي الذي قررنا هو رأي المدرسة الواقعية في الأدب, والتي ابتدأت تتجه نحو واقع الحياة منذ القرن الثامن عشر، ولها اليوم السيطرة على الأدب الغربي كله، وقد فصلنا الكلام عن المذهب الواقعي في كتابنا "المسرحية" وأظنك أدركت الغرض الذي من أجله سقنا لك رأي نقاد الغرب في القصة؛ لأن العرب إذا لم يبرزوا في هذه القصة بمعناها الفني عند الغربيين فذلك لسببين: "إلى قوة الخيال عند العرب، وسطوة ذلك الخيال، فهو دائمًا مجنح يسبح في عالم المثل العليا -لا كما يقول الأستاذ أحمد أمين- ويأبى أن يعنى بالتوافه وبالحياة الواقعية وبالتفصيلات والجزئيات، وبالرجل العادي الذي أهمله التاريخ,

стр. 383

والذي لا يأبه له الناس, وإنما يعمد دائمًا إلى ما هو أسمى من ذلك وأجل شأنًا، ولذلك كان الشعر أعلى صور البيان عند العرب، ومفخرة أدبائهم. ومن العجب أن يرجع الأستاذ توفيق الحكيم عن تعظيم شأن القصة، ويفرق بينها وبين الأدب بقوله: الفرق بين الأدب وبين القصة؛ كالفرق بين المناطق العليا في الإنسان والمناطق الأخرى, وإذا كانت القصة تصور الإنسان في حياته، فإن الأدب يصور الفكر في حياة الإنسان، ذلك أن الإنسان ليس مجرد شخصية تتحرك في محيط البيئة المادية من ريف أو حضر أو منزل أو مقهى أو مكان عمل, مما درج القصاصون على تسميته بالحياة الواقعية، ولكن الإنسان أيضًا فوق ذلك وأكثر من ذلك عقل يتحرك في عوالم فكرية مرتفعة، وهي روح يسبح في معانٍ شعرية سامقة، فالعناية بحياة هذا الجزء الأعلى من الإنسان هو من اختصاص الأدب، ولكن انتشار القصة باعتبارها مطالعة سهلة, قد دفع الكثيرين إلى اختصار الطريق، والهرب من الجهد، واتخاذ القصة مركبًا هينًا، لا يكلف أكثر من سرد حوادث محلية، وحبك مواقف، ووصف أشخاص، ورسم مناظر من الحياة الجارية بأي أسلوب اتفق، ليطلق على هذا العمل الزهيد، بعدئذ اسم الأدب المبتكر والخلق الأصيل١". إذًا فالقضية على عكس ما يدعي الشعوبيون، ومن انخداعٍ بأقوالهم، ويؤيد قولنا هذا أن العربيّ لما اتصل قديمًا بآداب الفرس والهند لم يعجبه منها إلّا النوع الخياليّ المجنح الذي ينطق الحيوان، ويشخص الجماد، ويحلق بعيدًا عن مستوى الحياة الواقعية وأفعال الناس وأقوالهم، وقد أخذ العرب يحاكون هذا النوع من القصص حتى برعوا فيه، وعد ابن النديم في الفهرست من كتب الأسماء والقصص التي ألفها العرب على نمط كليلة ودمنة والصادح والباغم لابن الهبارية مائة وأربعين كتابًا. ولما ترجمت المجموعة الأولى من كتاب ألف ليلة وليلة، كانت تحتوي ألف خرافة فارسية وتسمى "هازار إفسانه" غير فيها العرب وبدلوا، وأضافوا إليها

стр. 384

أشياء كثيرة, حتى خرج من كل ذلك كتاب ألف ليلة وليلة، وهو ما هو عند الغربيين في الخيال الغريب والتأليف العجيب، والأجواء الساحرة، والافتنان في تصوير الشخصيات, وأنواع الملذات, فصار مضرب المثل، ومنبعًا ينهل منه كل من يريد أن يوصف بسعة الخيال، وشروده وجموحه، وقد أثر هذا الكتاب كثيرًا في الأدب الغربيّ منذ ترجم إلى اليوم -كما مر بك، مع أن جمهرة أدباء العرب لا يعترفون بسمو أدبه، ولا يقرون بعبقرية فنه، بل يعدونه أدبًا شعبيًّا يصلح للعامة في أسمارهم، والنساء في أويقات سرورهن، والأطفال في لهوهم وأحاديثهم، وفي العصر الحديث حين اتصل العرب بالأدب الغربيّ لم يرقهم منه إلّا الأدب الإبداعي "الرومانطيقي١" الذي يصور الأبطال، ويغرب في الخيال, ويترجم عن العواطف الجياشة, وظلوا حتى اليوم يعربونه ويحاكونه معرضين عن الأدب الواقعي إلّا القليل، مع أن الغربيين قد نفضوا أيديهم من هذا اللون الأدبي منذ مائة سنة، وعمدوا إلى الأدب الواقعي التحليلي كي يعالجوا به مشكلاتهم الاجتماعية المعقدة، وقد حاولت مدرسة لطفي السيد الأدبية أن تدخل الأدب التحليلي الواقعي، وظهرت لذلك آثار لم ترق بعد إلى المرتبة التي وصل إليها المنفلوطي أو الزيات في الأدب الرومانطيقي٢". كل هذا يدلنا على أنه ليس الخيال العربي، وعدم عمقه هو الذي حال بين العرب وبين القصة الواقعية التي لا يعترف النقد الحديث في أوربا بسواها, بل الخيال العربي المجنح وما به من عمقٍ هو الذي ربأ بالعرب عن أن ينزلوا إلى هذا القصص الواقعي. وثمة أمر آخر حال بين العرب وبين هذ اللون من الأدب، وهو أن الأدب الواقعي يعالج مشكلات اجتماعية وأخلاقية، ويتخذه المفكرون والمصلحون الاجتماعيون مطيَّةً لبثِّ أفكارهم، وعرض مقترحاتهم في المشكلات القائمة بمجتماتهم، ويعرضون حلولًا يعتقدون أنها تذلل هذه المشكلات، وتنير لأولي الأمر السبيل حين يشرعون أو يطبقون القوانين، ويعمدون أحيانًا إلى المسرحية

стр. 385

ويظهرون الشخصيات التي تمثل الناس في حياتهم المألوفة، وأحيانًا يلجأون إلى القصة الواقعية أو الأقصوصة, ويدعون الشخصيات التي يصورونها تتحدث كما هي في الحياة من غير أن يظهر المؤلف عواطفه أو يبرز شخصيته، حتى تكون قصته أقرب إلى الحقيقة وأدنى من الواقع, ولم يكن المجتمع الإسلامي في العصر الذهبي للأدب العربي أيام العباسيين, وأيام أن عرفوا شيئًا من القصص الفارسي وغيره بحاجة إلى من يحل له مشكلاته الاجتماعية والخلقية, ويشرع له القوانين ويبين له كيف يطبقها، فقد كان الشرع الإسلاميّ قائمًا, وهو تشريع من عند الله, يعتقد الناس أنه الحق والعدل، وأنهم في غنًى عن سواه من القوانين، وأن كل قضاياهم تحل على ضوئه، ولا يجوز لأحد أن يقترح تشريعًا مخالفًا أو حلًّا لا يوافق الشرع، ولذلك بطلت حاجتهم إلى مثل هذا القصص الواقعي الذي يصور الرجل العادي في حياته المألوفة ويحل مشكلاته ومشكلات مجتمعه. إن أسطورة العقل الآري وفضله على العقل السامي, التي طالما رددها أدباؤنا من غير أن يفطنوا إلى ما فيها من شعوبية كامنة، ومن غير أن يتبينوا وجه الصواب بعد أن غشى عليهم الحق ما عليه الشعوب العربية من هوان وضعف، فاعتقدوا باطلًا أن الحق مع القوة, وأن العقلية الآرية لابد أن تكون متفوقة ما دام أصحاب هذه العقلية هم المسيطرون على شعوب الأرض, إن هذه الأسطورة تنم عن تعصبٍ مكينٍ في نفوس قائليها, وعلى مغالطة ظاهرة، فهذا "أرنست رينان" وهو من غلاة الشعوبيين وأشدهم قسوةً على العرب ودينهم, والساميين وعلقليتهم, يقرر ما أورده أحمد أمين, ويحقر من العقلية السامية١ ويقول: "يبدو أن التفكير الفلسفيّ للبحث عن الحقيقة كان وقفًا على الجنس المسمى بالهندي الأوربي, أو الآري الذي يمتد من الهند إلى أقصى الغرب, وإلى أقصى الشمال، والذي كان يبحث منذ أقدم العصور إلى الآن في تفسير الله والإنسان والعالم تفسيرًا عقليًّا, وقد ترك وراءه في كل مراحل تاريخه آثارًا فلسفية خاضعة لنواميس تطور منطقي، أما الساميون فإنهم بدون تفكير أو تدليل -أي بدون

стр. 386

فسلفة- وصلوا إلى أصفى وأنقى صورة دينية عرفها التاريخ.. والساميون تنقصهم الدهشة التي تدعو إلى التساؤل والتفكير؛ لأن اعتقادهم في قدرة الله يجعلهم لا يدهشون لشيء". ثم ينتقل إلى الخصائص الأدبية التي ميزت العرب بالشعر, ووصمت غيرهم بالقصة, فيقول: "والتوحيد أثر أيضًا في الشعر العربي؛ لأن الشعر العربي يعوزه الاختلاف، فموضوعات الشعر -أي: أغراضه- محدودة، قليلة العدد جدًّا عند الساميين، والشعر العربي الذي تمثله القصيدة يعبر عن إحساس شخصي، وعن حالة نفسية خاصة, والأبطال في هذه الشعر نفس منشئيه، وهذه الصفة الشخصية التي تجدها في الشعر العربي والشعر الإسرائيليّ ترجع إلى خاصية أخرى من خصائص النفس السامية، وهي انعدام المخيلة الخالقة، ومن هنا لا نجد عندهم أثر للشعر القصصي أو التمثيلي"١. ولقد أردت بهذا النص الذي سقته لك من "رينان", أن أبين التعصب الذميم الذي يوحي إلى هؤلاء الشعوبيين مثل هذا الكلام، فيسلبون أممًا قويةً لها مجدها التاريخيّ والأدبيّ كل الفضائل العقلية -وهم في ذلك على باطل- ويتبعهم وللأسف فئة من أدبائنا، فيكونون حربًا على قومهم، ليس ثمة فرق -كما رأيت- بين كلام "رينان" وكلام "أحمد أمين", إن رينان ينعى على العقلية السامية أنها لم يكن لها "ميثولوجيا" أي: خرافات دينية كما عند اليونان، وليس أبعث على الضحك من التنويه بعظم العقلية اليونانية وما رزقته من عبقرية؛ لأنها آمنت بالخرافات، وألَّهَت الأشخاص والأبطال، والتمست الطريق إلى الحقيقة فضلت سواء السبيل، وأمعنت في الأساطير دون أن تصل إلى الله٢ لقد جعل

стр. 387

هؤلاء الباطل حقًّا، وأشادوا باليونان لأنهم أخفقوا في الاهتداء إلى وحدانية الله التي آمن العالم بها فيما بعد على يد موسى وعيسى ومحمد ﵈, والتي أمنت بها أوربا الآرية، وكفرت بآلهة "الأولب" وميثولجيا اليونان. ولعلك تعجب إذا قررنا لك أن المدنية الأوربية الحديثة بنظمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية, وحياتها العلمية هي من أثر العقلية السامية قديمًا؛ حين تتلمذوا على العرب وشروحهم للفلسفة اليونانية والطب والكيمياء والجبر والهندسة وغيرها، وحديثًا ممثلةً في بني إسرائيل الذين نزحوا إليها من مئات السنين بعد أن عاشوا طويلًا في الصحراء، ولو كانت البيئة الصحراوية لا تنتج إلّا عقولًا مجدبة وخيالات ضحلة، وفكرًا غير قادر على الخلق والابتكار، ونفسًا لا تعرف الفلسفة ولا تقدرها, لظل اليهود كذلك في رحلتهم الدائمة بأوربا مهما تغيرت بهم البلاد والبيئات، ولكنا نرى الأوربيين في كثير من الأحيان يعترفون للتوارة بالفضل، وللشعب الإسرائيلي وليد الصحراء بالعبقرية والنبوغ، والعقلية السامية متكافئة في اقتدارها وعالميتها، واللغة العربية والعبرية توأمان نشأتا من أصل واحد, وهذا "رينان" يقول: "ليس في ماضي النوع الإنساني ما يثير اهتمام الفكر الفلسفيّ سوى تاريخ ثلاث شعوب، تاريخ إسرائيل، والتاريخ الإغريقي، والتاريخ الروماني". وما بالنا نقص عليك أقوال الأوربيين، ولا نسوق لك الأمثلة الحية الصادقة على أن اليهود هم الذين أسسوا الحضارة الأوربية الحديثة، وهم قادة الفكر فيها حتى اليوم، على الرغم من أنهم قلة مضطهدة. إن الفلسفة في ألمانيا ابتدأت من القرن التاسع عشر حين ظهر فيها الفيلسوف اليهودي باروخ "سبونزا"١ في أمستردام، بعد أن درس ما جاء به فلاسفة قومه من أمثال ابن ميمون، وابن عزرا، وفلسفة ابن جبريل الصوفية،

стр. 388

وموسى القرطبي وغيرهم من فلاسفة اليهود بالأندلس، وهو الذي يقول فيه هيجل الفيلسوف الألماني "لن تكون فيلسوفًا إلّا إذا درست سبونزا أولًا"١. وكما بدأ سبونزا الفلسفة الحديثة في ألمانيا، وبنى على نظرياته أو حاول الرد عليها من أتى بعده من فلاسفة الألمان؛ أمثال: "كانت، وهجل، وشوبنهور، ونتيشه" فإن كارل ماركس ١٨١٨، وماكس نوردو ١٨٤٩ اليهوديين قد توجا هذه الفلسفة النظرية التي ابتدأت تؤتي ثمارها في القرن العشرين, فهيجل الألماني وكارل ماركس اليهودي- واضع كتاب رأس المال, ومنشء أول جمعية شيوعية ثورية، ومؤسس جماعة العمل الدولية، ومؤلف المتن الاشتراكي في السياسة الاقتصادية -قد بعثا الشيوعية، وفي كارل ماركس اليهودي يقول برناردشو الفيلسوف الإنجليزي المعاصر: "لا يدعي نبي الشيوعية عيسى أو محمدًا أو لوثر أو أغسطين، ولكنه يسمى كارل ماركس، وتبتدي فلسفتهم بالفيلسوف الألماني هيجل، وفيورباخ، ويتوجها كتاب كارل ماركس: رأس المال، وهو توراة الطبقة العاملة وإنجيلها، ويصفونه بأنه ملهم ومعصوم، ومحيط بكل شيء خبرًا"٣ ولم يتجرد كارل ماركس -الذي اعتنقت روسيا بأسرها وعشرات الملايين في العالم تعاليمه، من يهوديته، فقد كان عضوًا بالجمعية اليهودية بباريس، وما نورد صاحب كتاب "لانحلال" فكان في بودابست من أكبر أعوان "تيودر هرتزل" مؤسس الحركة الصهيونية في آواخر القرن التاسع عشر، ووضع خطة إنشاء الدولة اليهودية بفلسطين. وإذا أردنا أن نعد فلاسفة اليهود ومفكريهم الذين أثروا في الحركة الفكرية بأوربا أعجزنا الحصر، ولكن لا ننسى "فرويد" واضع فكرة التحليل النفسية، وصاحب نظرية العقل الباطن، وناهيك بما لها اليوم من مكانة في عالم الفكر، ولا ننسى "برجسون" اليهودي الفرنسي شيخ الفلسفة الحديثة وصاحب نظرية

стр. 389

مقاومة المادية في أوربا١, وبرنادشو أشهر الفلاسفة المعاصرين مدين بفلسفته وآرائه لأستاذه اليهودي "صمويل بتلر" صاحب المبادئ العائلية الثورية، التي نادى فيها بإعطاء أفراد الأسرة من: الأم والفتيات والغلمان حق التصرف حسب أهوائهم على الرغم من إرادة الأبوين. و"أينشتين" صاحب نظرية النسبية، وأكبر علماء العصر الحديث يهودي قح، و"توماس مان" و"إميل لودفج" الكاتبان الألمانيان المشهوران من نبغاء اليهود في العصر الحاضر. إن جامعات أوربا تغص بالأساتذة الإسرائيليين، ويسيطر اليهود على شئون المال والاقتصاد والطب وصناعة الأفلام وإخراجها, والصحافة بأنواعه، حتى لا تخلو صحيفة في أوربا وأمريكا من نفوذٍ يهوديٍّ إما في رأس المال أو التحرير، وهكذا يستولي اليهود اليوم وقبل الحرب الأخيرة، وفي القرن الماضي على عقلية الشعوب الأوربية؛ فيقرءون ما يريد اليهود، ويشاهدون في الخيالة ما يخرج اليهود، وهذا هو السر في أن هذه الفئة القليلة من الناس هي التي تتحكم في سياسة أوربا وأمريكا، وتخضعها لمشيئتها، وهذا هو السر في انتصار أوربا لهم في القضية الفلسيطينية، وذلك لشدة سيطرتهم على الرأي العام الأوربيّ والأمريكي على السواء. فهل بعد ذلك يفخر الجنس الآري بالخلق والابتكار, وهو خاضع لسيطرة أدنى العنصرين الساميين؟ ولو كانت المسألة ترجع إلى البيئة الأولى التي خرج منها الجنس السامي, ما كان لهؤلاء اليهود شأن يذكر في قيادة الفكر الأوربي، وقيادة الشعوب الغربية وإخضاعها لسلطانها، على الرغم من قلة عددهم وهوان أمرهم٢.

стр. 390

وأما المثل الأعلى الذي يدعي الشعوبيون أنه مفقود عند العرب, فحسبنا أن نقول في الرد على دعواهم: إن الحياة العربية في الجاهلية كانت مليئة بأمثلة الوفاء والكرم والشجاعة، كانت الفضائل والذكر الحسن هي الغاية التي يصبو إليها كثير من أبناء الصحراء, وكلها مُثُلٌ عليا, لو سارت عليها الإنسانية لسعدت١، ولقد برهنت لك على أن الكلمة موجودة في اللغة العربية وفي القرآن الكريم الذي نزل على عرب الجاهلية، ولو لم يعرف العرب هذه الكلمة ويفهموا مدلولها ما نزل بها القرآن الكريم، على أن الغرب لا يعرف في لغة من لغاته كلمات كثيرة تملأ الحياة العربية، وتفخر بها الإنسانية فكلمات "العرض" و"المروءة" و"النجدة" ليس لها ما يقابلها في الأعجمية. وإذا عدنا إلى الناحية الأدبية وجدنا الشعر العربي -وهو مفخرة العرب ومجتلى بيانهم- تكثر فيه ألوان الحكمة مصوغة صياغة متقنة، وما الحكمة إلّا حقيقةً مجردة تدل على تفهم لأسرار الوجود، وعلى الخيال الشامل الذي ينتظم طبائع البشر وأحوالهم, ويصدر عليهم حكمًا يصلح لكل زمان ومكان, وينطبق على كثير منهم مهما اختلفت عصورهم وبيئاتهم. وبعد فلنسأل سؤالًا آخر وهو: أحقًّا توجد فوارق عقلية أصيلة بين الشعوب، يمتاز أحدها بالذكاء الغالب، والعقلية الخالقة، والخيال المبتكر، وتسلب الطبيعة أحدها, فهو فدم في جملته بطئ التفكير، ليس له قدرة على الخلق والابتكار وإن أجاد التقليد؟؟ وإذا وجدت الفروق العقلية بين الشعوب كما يدعي المتعصبون لأجناسهم، والمنساقون وراء عواطفهم، فهل هذه الصفات لازمة للشعب لا تتغير بتغير البيئة والزمان؟ وعلى أي أساس وجدت هذه الفروق العقلية؟ أهي نتيجة للبيئة الطبيعية أم البيئة الاجتماعية؟ يقول سرل برت C.Burt في كتابه كيف يعمل العقل٢: إن هذه التعميمات التي تشغف بها بعض الجهات لتفضيل ما يسمونه الأجناس الآرية
следующие страницы →