← Адаб

Адаб · id 11565

في الأدب الحديث

عمر الدسوقي

Полный текст (895 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فسلفة- وصلوا إلى أصفى وأنقى صورة دينية عرفها التاريخ.. والساميون تنقصهم الدهشة التي تدعو إلى التساؤل والتفكير؛ لأن اعتقادهم في قدرة الله يجعلهم لا يدهشون لشيء". ثم ينتقل إلى الخصائص الأدبية التي ميزت العرب بالشعر, ووصمت غيرهم بالقصة, فيقول: "والتوحيد أثر أيضًا في الشعر العربي؛ لأن الشعر العربي يعوزه الاختلاف، فموضوعات الشعر -أي: أغراضه- محدودة، قليلة العدد جدًّا عند الساميين، والشعر العربي الذي تمثله القصيدة يعبر عن إحساس شخصي، وعن حالة نفسية خاصة, والأبطال في هذه الشعر نفس منشئيه، وهذه الصفة الشخصية التي تجدها في الشعر العربي والشعر الإسرائيليّ ترجع إلى خاصية أخرى من خصائص النفس السامية، وهي انعدام المخيلة الخالقة، ومن هنا لا نجد عندهم أثر للشعر القصصي أو التمثيلي"١. ولقد أردت بهذا النص الذي سقته لك من "رينان", أن أبين التعصب الذميم الذي يوحي إلى هؤلاء الشعوبيين مثل هذا الكلام، فيسلبون أممًا قويةً لها مجدها التاريخيّ والأدبيّ كل الفضائل العقلية -وهم في ذلك على باطل- ويتبعهم وللأسف فئة من أدبائنا، فيكونون حربًا على قومهم، ليس ثمة فرق -كما رأيت- بين كلام "رينان" وكلام "أحمد أمين", إن رينان ينعى على العقلية السامية أنها لم يكن لها "ميثولوجيا" أي: خرافات دينية كما عند اليونان، وليس أبعث على الضحك من التنويه بعظم العقلية اليونانية وما رزقته من عبقرية؛ لأنها آمنت بالخرافات، وألَّهَت الأشخاص والأبطال، والتمست الطريق إلى الحقيقة فضلت سواء السبيل، وأمعنت في الأساطير دون أن تصل إلى الله٢ لقد جعل

стр. 387

هؤلاء الباطل حقًّا، وأشادوا باليونان لأنهم أخفقوا في الاهتداء إلى وحدانية الله التي آمن العالم بها فيما بعد على يد موسى وعيسى ومحمد ﵈, والتي أمنت بها أوربا الآرية، وكفرت بآلهة "الأولب" وميثولجيا اليونان. ولعلك تعجب إذا قررنا لك أن المدنية الأوربية الحديثة بنظمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية, وحياتها العلمية هي من أثر العقلية السامية قديمًا؛ حين تتلمذوا على العرب وشروحهم للفلسفة اليونانية والطب والكيمياء والجبر والهندسة وغيرها، وحديثًا ممثلةً في بني إسرائيل الذين نزحوا إليها من مئات السنين بعد أن عاشوا طويلًا في الصحراء، ولو كانت البيئة الصحراوية لا تنتج إلّا عقولًا مجدبة وخيالات ضحلة، وفكرًا غير قادر على الخلق والابتكار، ونفسًا لا تعرف الفلسفة ولا تقدرها, لظل اليهود كذلك في رحلتهم الدائمة بأوربا مهما تغيرت بهم البلاد والبيئات، ولكنا نرى الأوربيين في كثير من الأحيان يعترفون للتوارة بالفضل، وللشعب الإسرائيلي وليد الصحراء بالعبقرية والنبوغ، والعقلية السامية متكافئة في اقتدارها وعالميتها، واللغة العربية والعبرية توأمان نشأتا من أصل واحد, وهذا "رينان" يقول: "ليس في ماضي النوع الإنساني ما يثير اهتمام الفكر الفلسفيّ سوى تاريخ ثلاث شعوب، تاريخ إسرائيل، والتاريخ الإغريقي، والتاريخ الروماني". وما بالنا نقص عليك أقوال الأوربيين، ولا نسوق لك الأمثلة الحية الصادقة على أن اليهود هم الذين أسسوا الحضارة الأوربية الحديثة، وهم قادة الفكر فيها حتى اليوم، على الرغم من أنهم قلة مضطهدة. إن الفلسفة في ألمانيا ابتدأت من القرن التاسع عشر حين ظهر فيها الفيلسوف اليهودي باروخ "سبونزا"١ في أمستردام، بعد أن درس ما جاء به فلاسفة قومه من أمثال ابن ميمون، وابن عزرا، وفلسفة ابن جبريل الصوفية،

стр. 388

وموسى القرطبي وغيرهم من فلاسفة اليهود بالأندلس، وهو الذي يقول فيه هيجل الفيلسوف الألماني "لن تكون فيلسوفًا إلّا إذا درست سبونزا أولًا"١. وكما بدأ سبونزا الفلسفة الحديثة في ألمانيا، وبنى على نظرياته أو حاول الرد عليها من أتى بعده من فلاسفة الألمان؛ أمثال: "كانت، وهجل، وشوبنهور، ونتيشه" فإن كارل ماركس ١٨١٨، وماكس نوردو ١٨٤٩ اليهوديين قد توجا هذه الفلسفة النظرية التي ابتدأت تؤتي ثمارها في القرن العشرين, فهيجل الألماني وكارل ماركس اليهودي- واضع كتاب رأس المال, ومنشء أول جمعية شيوعية ثورية، ومؤسس جماعة العمل الدولية، ومؤلف المتن الاشتراكي في السياسة الاقتصادية -قد بعثا الشيوعية، وفي كارل ماركس اليهودي يقول برناردشو الفيلسوف الإنجليزي المعاصر: "لا يدعي نبي الشيوعية عيسى أو محمدًا أو لوثر أو أغسطين، ولكنه يسمى كارل ماركس، وتبتدي فلسفتهم بالفيلسوف الألماني هيجل، وفيورباخ، ويتوجها كتاب كارل ماركس: رأس المال، وهو توراة الطبقة العاملة وإنجيلها، ويصفونه بأنه ملهم ومعصوم، ومحيط بكل شيء خبرًا"٣ ولم يتجرد كارل ماركس -الذي اعتنقت روسيا بأسرها وعشرات الملايين في العالم تعاليمه، من يهوديته، فقد كان عضوًا بالجمعية اليهودية بباريس، وما نورد صاحب كتاب "لانحلال" فكان في بودابست من أكبر أعوان "تيودر هرتزل" مؤسس الحركة الصهيونية في آواخر القرن التاسع عشر، ووضع خطة إنشاء الدولة اليهودية بفلسطين. وإذا أردنا أن نعد فلاسفة اليهود ومفكريهم الذين أثروا في الحركة الفكرية بأوربا أعجزنا الحصر، ولكن لا ننسى "فرويد" واضع فكرة التحليل النفسية، وصاحب نظرية العقل الباطن، وناهيك بما لها اليوم من مكانة في عالم الفكر، ولا ننسى "برجسون" اليهودي الفرنسي شيخ الفلسفة الحديثة وصاحب نظرية

стр. 389

مقاومة المادية في أوربا١, وبرنادشو أشهر الفلاسفة المعاصرين مدين بفلسفته وآرائه لأستاذه اليهودي "صمويل بتلر" صاحب المبادئ العائلية الثورية، التي نادى فيها بإعطاء أفراد الأسرة من: الأم والفتيات والغلمان حق التصرف حسب أهوائهم على الرغم من إرادة الأبوين. و"أينشتين" صاحب نظرية النسبية، وأكبر علماء العصر الحديث يهودي قح، و"توماس مان" و"إميل لودفج" الكاتبان الألمانيان المشهوران من نبغاء اليهود في العصر الحاضر. إن جامعات أوربا تغص بالأساتذة الإسرائيليين، ويسيطر اليهود على شئون المال والاقتصاد والطب وصناعة الأفلام وإخراجها, والصحافة بأنواعه، حتى لا تخلو صحيفة في أوربا وأمريكا من نفوذٍ يهوديٍّ إما في رأس المال أو التحرير، وهكذا يستولي اليهود اليوم وقبل الحرب الأخيرة، وفي القرن الماضي على عقلية الشعوب الأوربية؛ فيقرءون ما يريد اليهود، ويشاهدون في الخيالة ما يخرج اليهود، وهذا هو السر في أن هذه الفئة القليلة من الناس هي التي تتحكم في سياسة أوربا وأمريكا، وتخضعها لمشيئتها، وهذا هو السر في انتصار أوربا لهم في القضية الفلسيطينية، وذلك لشدة سيطرتهم على الرأي العام الأوربيّ والأمريكي على السواء. فهل بعد ذلك يفخر الجنس الآري بالخلق والابتكار, وهو خاضع لسيطرة أدنى العنصرين الساميين؟ ولو كانت المسألة ترجع إلى البيئة الأولى التي خرج منها الجنس السامي, ما كان لهؤلاء اليهود شأن يذكر في قيادة الفكر الأوربي، وقيادة الشعوب الغربية وإخضاعها لسلطانها، على الرغم من قلة عددهم وهوان أمرهم٢.

стр. 390

وأما المثل الأعلى الذي يدعي الشعوبيون أنه مفقود عند العرب, فحسبنا أن نقول في الرد على دعواهم: إن الحياة العربية في الجاهلية كانت مليئة بأمثلة الوفاء والكرم والشجاعة، كانت الفضائل والذكر الحسن هي الغاية التي يصبو إليها كثير من أبناء الصحراء, وكلها مُثُلٌ عليا, لو سارت عليها الإنسانية لسعدت١، ولقد برهنت لك على أن الكلمة موجودة في اللغة العربية وفي القرآن الكريم الذي نزل على عرب الجاهلية، ولو لم يعرف العرب هذه الكلمة ويفهموا مدلولها ما نزل بها القرآن الكريم، على أن الغرب لا يعرف في لغة من لغاته كلمات كثيرة تملأ الحياة العربية، وتفخر بها الإنسانية فكلمات "العرض" و"المروءة" و"النجدة" ليس لها ما يقابلها في الأعجمية. وإذا عدنا إلى الناحية الأدبية وجدنا الشعر العربي -وهو مفخرة العرب ومجتلى بيانهم- تكثر فيه ألوان الحكمة مصوغة صياغة متقنة، وما الحكمة إلّا حقيقةً مجردة تدل على تفهم لأسرار الوجود، وعلى الخيال الشامل الذي ينتظم طبائع البشر وأحوالهم, ويصدر عليهم حكمًا يصلح لكل زمان ومكان, وينطبق على كثير منهم مهما اختلفت عصورهم وبيئاتهم. وبعد فلنسأل سؤالًا آخر وهو: أحقًّا توجد فوارق عقلية أصيلة بين الشعوب، يمتاز أحدها بالذكاء الغالب، والعقلية الخالقة، والخيال المبتكر، وتسلب الطبيعة أحدها, فهو فدم في جملته بطئ التفكير، ليس له قدرة على الخلق والابتكار وإن أجاد التقليد؟؟ وإذا وجدت الفروق العقلية بين الشعوب كما يدعي المتعصبون لأجناسهم، والمنساقون وراء عواطفهم، فهل هذه الصفات لازمة للشعب لا تتغير بتغير البيئة والزمان؟ وعلى أي أساس وجدت هذه الفروق العقلية؟ أهي نتيجة للبيئة الطبيعية أم البيئة الاجتماعية؟ يقول سرل برت C.Burt في كتابه كيف يعمل العقل٢: إن هذه التعميمات التي تشغف بها بعض الجهات لتفضيل ما يسمونه الأجناس الآرية

стр. 391

على السامية، والشعوب البيضاء على الصفراء والسوداء, لا يمكن الأخذ بها على علاتها، حقيقةً إن ذكاء الزنجيّ المتوسط في الاختبارات التي طبقت إلى الآن لا يبلغ إلّا تسعة أعشار المتوسط من الشعوب البيضاء, ولكن الصينيين واليابانيين لا يقلون عن مستوى الغرب، وقد قام اثنان من طلبتي باختباراتٍ أثبتا بها أن ذكاء اليهود أعلى من ذكاء غيرهم.. ونتائج الباحثين في الولايات المتحدة تؤيد هذا, على أن هذه الفروق بين الأجناس مهما تميزت وتحددت فإنها ليست قط على درجة من العظم، فما لاحظناه قبل بين الذكور والإناث ينطبق هنا أيضًا على الأجناس المختلفة، فالفروق الواسعة في الذكاء بين الأفراد المنتمين إلى شعب واحد أوسع وأبعد مدى من الفروق بين شعب وآخر, فإذا أردنا فروقًا بينةً بين قوم وآخرين, فلنبحث عنها في الطبع أو المزاج؛ وهنا لا نجد مقاييس علمية نستعين بها، ولكنا نعتمد على الملاحظة، وما تكونه من فكرة عامة وهما دليلان غير مأمونين". ويقول بعد استعراض أجناس أوربا المختلفة، وما بينها من خلافات في شكل الجمجمة وتركيب الأجسام ولون الشعر والعيون، وما يوصف به رجل الشمال من أنه مخلوق عمليّ، ورجل وسط أوربا بميله إلى الحقيقة، ورجل الجنوب بميله إلى الجمال: "ولكن العالم المدقق لا يكاد يسمع مثل هذه الدعاوى العريضة حتى يبدو عليه القلق والحذر، فإن حقائق الطبيعة الإنسانية قلما تخضع لمثل هذا التقسيم الحاد"١. وبعد دحض هذه الآراء المبنية على التعصب الجنسي والفخر الكاذب؛ كدعوى الألمان أنهم "من الشعوب الآرية أنبل الناس جميعًا" قال: "والآن أظن أن النقطة التي نستطيع التسليم بها هي أنه لا الجنس وحده، ولا البيئة الجغرافية وحدها بمستطيعة تعليل التفاوت البيِّن بين المدنيات المتعاقبة٢".

стр. 392

لقد أقرَّ من طعنوا في الأجناس السامية وانتقصوا عقليتهم بذكاء هذه الأجناس, فـ "رينان" يقر للعربي بالذكاء وحضور البديهة كما مر بك، وأحمد أمين يعلل لهذا الذكاء بأن العربيّ عصبي المزاج، "والمزاج العصبي يستتبع عادة ذكاء، وفي الحق أن العربي ذكي يظهر ذكاؤه في لغته، فكثيرًا ما يعتمد على اللمحة الدالة والإشارة البعيدة, كما يظهر في حضور بديهته١" وقد رأيت منذ لحظة ما أثبتته اختبارات "برت" وتلاميذه من ذكاء اليهود وتفوقهم في ذكائهم. "والذكاء العظيم هو الركن الأساسي في النبوغ في أيِّ ميدان من ميادينه، وليس من الضروري أن نفترض أن موهبة الخلق الأدبي، أو الاستمتاع بالأدب تتوقف على ملكة أخرى خارقة أو خارجة عن حياته العادية" هذه هي النتجية التي وصل إليها وارتضاها "برت" في بحثه لطرائق سلوك العقل في الفن, فقال: "كل هذه النواحي من البحث أدت إلى نتيجة واحدة، فالفنان -من حيث موهبته على خلق العمل الفني- كالمقدرة على تذوقه, لا تتوقف على ملكة إضافية خارجة عن مجرى حياتنا اليومية، وهي في درجاتها العليا ليست إلّا إحدى ثمرات الحياة العقلية الطبيعية٢". فإذا تقرر أن الأجناس السامية على نصيب كبير من الذكاء، وأن الذكاء العظيم أساس النبوغ في أيِّ ميدان من ميادينه، وأن موهبة الخلق الأدبيِّ لا تتوقف على ملكة أخرى خارقة، فالعربي بفطرته ومواهبه مهيأ للخلق الأدبي والنبوغ، وليس من الضروري أن يكون النبوغ هو ذلك القصص شعرًا ونثرًا, وقد عرفت منزلة القصص وأيّ لون من ألوان الأدب هو، وأدركت أن القصة لا تتطلب خيالًَا جامحًا محلقًا عميقًا، وأن العرب صدفوا عنها لما وهبوه من خيال واسع، ولأن دينهم أغناهم عن النظر في حلول المشكلات الاجتماعية التي تعنى بها القصة, وقد مهر العربي في ألوان أخرى من الأدب، بل في أعلى أنواع التعبير وأسماها وهو الشعر. وليست القصة إلّا أحد مظاهر الخيال كله، "فالفخر

стр. 393

الحماسة والغزل والوصف والتشبيه والمجاز, كل هذا ونحوه مظهر من مظاهر الخيال١, والخيال كما نعلم هو وضع الأشياء في علاقات جديدة، وهو نوعان: تفسيري وابتكاري، ويتمثل التفسيري في تلك الصيغ البيانية العددية، أما الابتكاري فيتثمل في خلق أشياء ومناظر وشخصيات ليس لها وجود، وكلا النوعين يغص به الأدب العربي على طريقته الخاصة، وقد أفضت في بيان ذلك في غير هذا الكتاب٢, ومع ذلك فالشعر العربي في كل عصوره مليء بالقصص المحبوكة العقدة الرائعة الخيال٣, ولا يمنع أنه من الشعر الوجداني, فقد مرت بأوربا فترة ساد فيها الشعر الوجداني, ولا تزال له السيطرة, وبطل عهد الملاحم والمسرحيات الشعرية. ثم هناك سؤال آخر علينا أن نسأله قبل أن ندع الكلام في هذا الموضوع، وهو: أحقًّا تبتدئ الحضارة الإنسانية بعلوم اليونان وثفاتهم، لم يسبقهم في ذلك سابق، وأن هذه الديانات والميثولوجيا والقوانين والفلسفة هي كلها من ابتكار اليونان، وحدهم وبذلك احتلوا هذه المكانة السامية في التاريخ، وبهم تميزت الشعوب الأورةبي وفاقت غيرها؟ كثير من الناس الذين لم يبحثوا الموضوع أو بحثوه بحثًا سطحيًّا, يقولون في غير تردد: أجل! هذه المدنية والثقافة والفلسفة التي رويت عن اليونان هي من ابتكارهم، والإنسانية مدينة لهم بالشيء الكثير في هذا المضمار. ولكن هناك من شك في ذلك, بل هناك من أثبت بأدلة يقينة أن اليونان في دياناتهم، آلهتهم، وأسماء بعض هذه الآلهة، وما تتطبه الديانة من طقوس, ثم في قوانينهم، وفي آدابهم تتلمذوا على المصريين القدماء وأخذوا عنهم وأثبت أن

стр. 394

هوميروس في الإلياذة اقتبس كثيرًا من القصص المصرية بأشخاصها وخيالاتها وأجوائها، بل أخذ قصصًا مصرية معينة وأدخلها في ملحمته، وليس هؤلاء العلماء الذين قاموا بهذه الأبحاث من المتجنين على اليونان أو المبغضين لهم، بل على العكس هم من المعجبين بهم والمعنيين ببحث آثارهم وترجمتها إلى لغاتهم وشرحها والتعليق عليها، ولكن اطلعوا على أشعار مصرية, وآثار قديمة, وقرءوا المصرية التي عثروا عليها فوجدوا التشابه بل التطابق. ومن هؤلاء العلماء فيكتور بيرار Victor Berard الفرنسي مترجم الإلياذة وشارحها، ثم جولنيشيف M.W.Golenicheff الروسي أحد علماء المصرولوجيا، وقد أثبت عبد القادر حمزة باشا١ النصوص المصرية القديمة التي عثر عليها هذان العالمان، والتي لها مشابه في الإلياذة، كما أورد الأدلة القاطعة التي لا يأتيها الشك على تلمذة اليونان للمصريين، ومن علمائهم ومشريعهم وأدبائهم ومؤرخيهم أتى مصر وتأثر بما فيها من علوم ومعارف, ودرس على أساتذتها وكهنتها, وهو فصل ممتع حقًّا ولولا خشية الإطالة للخصناه تتمة للبحث، ولكن هذا الجزء أوشك على الانتهاء وهناك بعض نقط تحتاج إلى نظرة قبل أن نفرغ منه، وحسبنا أن نقول كما قال الأستاذ العقاد٢ في بدعة السامية والآرية واختلاف العقليتين، وكيف ظهرت هذه البدعة: "ونشأت في إبَّان ذلك بدعة الآرية والسامية، وهي تلك البدعة التي تقضي للآريين بالسبق والرجحان في كل فضيلة من فضائل الأمم أو فضائل الأفراد، وقد ظهر بطلانها الآن، أو ظهر على الأقل أن الحاجز الذي أقامه مبتدعوها بين أجناس الشعوب مصطنع ملفق لا يسلم من ثغرة شك هنا أو ثلمة ضعف هناك، بل هو ينعكس في أحوال شتّى, فتصبح المزية للساميين من حيث أرادها القوم للآريين، ولكن البدعة قد خدعت أناسًا كثيرين في إبان نشأتها, فتحدثوا عنها كتحدث الناس بالغرائب والملح المستطرفة، ومازالت تجني على الأفكار، حتى أوغل فهيا بعض الغلاة من دعاتها

стр. 395

فاستخرجوا منها دليلًا على رجحان بعض الأمم الأوربية على بعض، واستئثار جماعة من تلك الأمم بشرف السيادة والابتكار, وشعائر الحضارة والثقافة دون الجماعة الأخرى, فتصدى لها يومئذ من الأوربيين من ينكرها ويزيفها ويبالغ في السخر بها, بعد أن كانوا يتفقون على تروجيها، والإغضاء عنها حين كانت معرفتها لاصقة بالشرق وحده موقوفة عليه دون غيره". وبحسبي الآن ماسقته من أدلة١ على أن أسطورة العقلية السامية والآرية لا تثبت أمام الأدلة العلمية، وأن القصة، على الرغم من وجودها في الأدب العربيّ كما هي موجودة عند كل الأمم، وإن لم تأخذ القالب الفني الذي لم يظهر بالقصص الأوربي إلّا في أواسط القرن الثامن عشر, لا تحتل هذه المكانة الممتازة في عالم الأدب، ولا يوصف من لم ينبغ في تأليفها بعقم الخيال وجمود العاطفة وضحالة الفكر. وكم كان بودي أن أفيض في أدب القصة, وأبين أصولها وكيفية إنشائها, ولكن هذا يحتاج إلى كتاب قائم بنفسه, وإنما دعاني إلى الخوض في القصة على هذه الطريقة إقبال المترجمين في العهد الذي نتحدث عنه عليها إقبالًا زائدًا، وتأثر الأدب العربي الحديث بها بعد ذلك تاثرًا بالغًا، حتى دعا ذلك إلى القول بأنها لم يكن موجودة عند العرب, وأن العقلية السامية لا تستطيع إنتاج القصة لما بها من فقر في الخيال, وقد مر بك قبل عند كلامنا على الترجمة الجهود التي بذلت في سبيل ترويج القصة الغربية، وأن هذا الطور هو طور النقل والتمثيل, ولم يكن قد بدأ بعد طور التقليد والمحاكاة, ولا سيما في الرواية, وإن ابتدأ في المسرحية مبكرًا نوعًا ما, وسنعود إلى الكلام في توسع عن القصة في الأدب المصري الحديث في الأجزاء التالية -إن شاء الله, أما المسرحية فقد أفردنا لها كتابًا خاصًّا هو الآن بين أيدي القراء.

стр. 396

٢- المقالة والصحافة: وإذا كان القرن التاسع عشر قد انقضى، ولم تحتل فيه القصة العربية الموضوعة مكانها في عالم الأدب، وكان أغلب القصص التي تطبع مترجمة من شتّى اللغات، فإن المقالة منذ بدأت الصحافة العربية بإنشاء الوقائع المصرية، ثم روضة المدارس، ثم الجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية، وقد صارت عماد الكُتَّاب والأدباء والقالب المعتاد الذي يصبون فيه أفكارهم، وينشرونها بين الناس. وليست المقالة غريبةً عن الأدب العربي القديم، وإن تغيرت صيغها وشروطها، فعبد الحميد الكاتب حين تكلم عن الشطرنج أو الصيد أو الكتابة, كان يكتب شيئًا قريبًا من المقال، والفصول الأدبية التي أنشأها الجاحظ في كتبه: البخلاء, والمحاسن, والأضداد، والحيوان, والبيان والتبيين، مقالات مطولة تنقصها شروط المقالة الحديثة، وإن كان هذا القول لا يرضي بعض النقاد، بل إنهم لا يوافقون على المقالة الأدبية التي يدبجها الكتاب اليوم إذا قاسوها بمقاييس النقد الأجنبية، ويتطلبون من المقالة أن تكون "على غير نسق من المنطق، وأن تكون أقرب إلى قطعة مشعثة من الأحراش الوحشية منها إلى الحديقة المنسقة المنظمة" ويحتجون بتعريف "جونسون" ومكانته من الأدب الإنجليزي في الذورة العليا للمقالة الأدبية بـ "أنها نزوة عقلية لا ينبغي أن يكون لها ضابط من نظام، هي قطعة لا تجري على نسق معلوم، ولم يتم هضمها في نفس كاتبها"١ ويطبقون هذا القول على المقالة الأدبية في مصر؛ فيرون ألا يكون لها نقط ولا تبويب ولا تنظيم. وهذا لعمري شرط لا يوافق عليه الأدباء في كل أنحاء العالم, فقد تغيرت المقالة منذ عهد "جونسون" في القرن الثامن عشر حتى اليوم, ومنذ أن قال "بيكون" يصف مقالاته: "إنها ملاحظات مختصرة كتبت من غير اعتناء" واشترط النقاد في المقالة شروطًا أخرى غير تلك التي سار عليها "جونسون أو بيكون" ورأوا أن الكاتب ملزم بالتفكير فيما يريد أن يكتب قبل أن يتناول القلم.

стр. 397

ثم السير في موضوعه سيرًا منطقيًّا متجنبًا الفضول، ومركزًا فكره في النقط الرئيسية، على أن يكون لموضوعه وحدة تربط بين أجزائه، وأن يكون واضحًا في تعابيره، ومنتخبًا لكلماته، ولأسلوبه طلاوة, وعليه جمال, وقد يحتاج المقال إلى مقدمة, وقد لا يحتاجها، ولكن لا بد له من نتيجة أو خاتمة، ولابد من تنسيق الأفكار؛ فالأفكار غير المنسقة تدعو إلى اضطراب الكاتب في كتابته، وعدم فهم القارئ لما يكتب، وليست هذه الشروط -كمات يقال سخرية- هي شروط الإنشاء المدرسي، وشتان بين هذا وبين المقال الأدبي، فإن الفكرة التي يراد التعبير عنها سواء كانت في نفس طالب مبتدئ, أو كاتب نابغ, محتاجة إلى الوضوح وإلى التمهيد لها؛ ثم إلى عرضها عرضًا جيدًا منطقيًّا يفهمه القارئ بيسر، لا أن تكون مشعثة غامضة تسير في غير اتساق ونظام، فإن ذلك قد يؤدي إلى عدم فهمها فضلًا عن أنه لا يتفق مع البلاغة في شيء١. هذا وقد تكون المقالة: ١- إخبارية تقص حادثة ما، أو مجموعة من الحوادث، وهي حينئذ قريبة من الأقصوصة تتخذ شكلًا قريبًا من شكلها، وفيها ما يثير الشوق، وياسر الانتباه, ويدعو إلى التقصي والتتبع، ومن المقالات الإخبارية التراجم.

стр. 398

٢- وقد تكون وصفًا لحادثة أو شخص أو شيء, تعطي تقريرًا كاملًا تفصيليًّا عنه وعن محيطه. ٣- وقد تكون معرضًا لفكرة وتوضيحًا لها حينما تكون الفكرة غامضة، والموضوع معنويًّا ومهمة العرض أن يفسر لماذا حدث هذا الشيء، أو كيف يمكن أن يحدث ذلك الشيء، والفرق بين العرض وبين الوصف أن العرض لا يأبه بالتفصيلات, ولكن يعنى بالصفات العامة وبالمبادئ، والميزات التي تخص نوعًا ما؛ وقد تذكر بعض التفاصيل أثناء العرض، ولكنها لا تحتل المكانة الأولى، بل تذكر لإيضاح فكرة, أو تضرب مثلًا على قانون عام، فقد تصف صورة ما، ولكن الكلام عن التصوير عرض، وقد تصف مسجدًا ما، ولكن الكلام عن هندسة المساجد يحتاج إلى عرض. ٤- وهناك المقالة الجدلية التي تناقش فكرة ما، وتبين ما بها من خطأ وصواب، وصدق وكذب، وقد يكون الموضوع عادة سؤالًا يناقشه الكاتب ويجيب عنه بما يراه؛ كسؤالنا مثلًا عن الحرب وهل هي معقولة؟ أو عن الكذب وهل ثمة ما يسوغه في الحياة؟ أنتصدق على الشحاذين؟ وهذه الصور هي التي تظهر فيها المقالة في الأدب الغربي١، ونرى مثلها في الأدب العربي الحديث٢؛ لأنها صورة طبيعية يلجأ إليها كل كاتب، وقد بينت لك فيما سبق الفرق بين أسلوب المقالة الصحفية والمقالة الاجتماعية. والكلام عن المقالة يدعونا حتمًا إلى الكلام عن الصحافة في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر؛ لأن المقالة لم تظهر إلّا في الصحف، ونحن قد تتبعنا الصحافة في عصر إسماعيل وأوئل عهد توفيق, أما الصحافة في عهد الاحتلال فقد تكلمنا عنها آنفًا عن مجلة الأستاذ عبد الله نديم التي أنشئت في سنة ١٨٩٣، وكيف كانت حربًا عوانًا، ونارًا مضطرمة على الاحتلال والأجانب، ولكن هؤلاء ضاقوا به ذرعًا فأغلقوا جريدته ونفوه من البلاد.

стр. 399

وإذا كان عبد الله نديم قد ترك مصر، وعطلت جريدته الوطنية الحرة، فإن الأسباب التي تدعو إلى ظهور مثلها في حرارتها وصدق لهجتها ومحاربتها الاستعمار الإنجليزي كانت قائمة، على الرغم من أن سياسة الإنجليز في أوائل عهد الاحتلال كانت ترمي إلى كم الأفواه، وقتل الروح الوطنية في نفوس دعاة الحرية، وإن تظاهروا بأنهم أطلقوا للصحافة العنان وتركوها حرةً تقول ما تشاء١؛ لأن كرومر ممثل الاحتلال بمصر لم يكن يأبه للصحافة وما قد تثيره من سخط, وتحت إمرته جيش إنجليزي جاثم على صدر الوادي يبطش بكل من تحدثه نفسه بالشغب، وعلى أن الصحافة في رأي كرومر كانت من الهوان والضعف بدرجة لا تدعو إلى القلق والاضطراب؛ وإذا بدر من إحدى الصحف ما يسيء إلى الإنجليز, أو يشوه سمعتهم بمصر, عاجلوها بالتعطيل, ولقد مرَّ بك كيف حاربوا مجلة العروة الوثقى ومنعوها من دخول مصر، وعطلوا جريدة الأهرام شهرًا٢ لتنديدها بالسياسة الإنجليزية في سنة ١٨٨٤، وتبطش يد الاستعمار بكثير من الجرائد لأتفه الأسباب فتعطل جريدة الوطن مع أنها موالية لهم، وتلغي الزمان، ومرآة الشرق لأنهما من محاربي الاحتلال. وتاريخ الصحافة في هذه الحقبة متاثرة بعدة عوامل: ١- فتركيا كانت -على الرغم من ضعفها، وإذعانها للأمر الواقع في مصر- تحاول إثارة النفوس ضد الاحتلال الإنجليزي، ضنًّا بمصر الغنية أن تفلت من يدها إلى الأبد، وكان كثير من المصريين يدين لتركيا بالولاء، وهو ولاء ديني مبعثه وجود الخلافة العثمانية، والمسلمون مكلفون شرعًا بطاعة الخليفة، وكانت هذه النزعة تتملك قلوب الجمهرة الغالبة من المصريين وبعض السوريين المقيمين بها، وقد ظهر من الجرائد التي تحمل لواء هذه السياسة وتنفث الحمم

стр. 400

ملتهبًا، والسم ناقعًا ضد الإنجليز وسياستهم الاستعمارية جريدة "المؤيد, ثم جريدة "اللواء". ٢- وهناك الاحتلال البريطاني، وهو احتلال تديره سياسة محنكة يصفها اللورد كرومر بقوله: "يجب أن تكون السياسة الاستعمارية قائمة على قواعد التبصر والحكمة، ويجب أن تكون أصول أحكامنا -التي هي الصلة بيننا وبين جميع الشعوب الداخلة في حكمنا، من حيث الاعتبار السياسي والاقصادي والأدبي- قواعد صحيحة سليمة منزهة عن الشائبة والنقص، هذا هو حجر الزاوية في بناء الإمبراطورية، إن المبرر الأكبر للاستعمار يجب أن يظهر جليًّا في حسن التصرف بما في أيدي هذه الإمبراطورية من القوى١" وأراد الاحتلال أن يجتثَّ نفوذ تركيا من الأساس، ويقتلع من النفوس هذا الولاء، وقد استطاع أن يجد لسياسته هذه أنصارًا ومؤيدين, وأن يجتذب قلوبًا عزيزة المنال تدافع عنه أو تسكت عن مخازيه، وجد الاستعمار أنصاره بين بعض السوريين المسيحيين الناقمين على تركيا استبدادها وغلظتها وسوء تصرفها معهم في ديارهم، وتفريقها بين عناصر الأمة، فرأوا في الإنجليز من يحميهم ويعطف عليهم؛ فأنشئوا جريدة المقطم٢ تشيد بسياستهم، وتلهج بأعمالهم، وقد صرَّح أصحابها بأن غرضهم السياسي من تأسيسها معلوم ظاهر في كل صفحة من صفحاته، "وهو تأييد السياسة الإنجليزية التي لولاها ما كان في الشرق بلد يستطيع أن يعيش فيه ويجاهر بآرائه وأقواله٣ ومن هؤلاء الذين شرعوا أقلامهم في محاربة الترك وتأييد الإنجليز: سليم سركيس صاحب جريدة "المشير" ويقول من مقالة، بعنوان "هل مصر عثمانية؟ "٤: "لم أجد قي حياتي، ولا قرأت في مطالعاتي عن أمة تريد الانتقال من الاستقلال إلى ظلمات العبودية إلّا هذا القسم من الأمة المصرية الذين يريدون التمسك بأذيال العرش العثماني"، ومن شعره في التنديد بظلم الأتراك قوله٥:

стр. 401

نرجو صلاح الترك قد ... خابت أمانينا الكواذب هي دولة ظملت وليس الـ ... عدل عن ظلم بذاهب فانشد معي قولًا ترد ... ده المشارق والمغارب ليس العجيبة فقدها ... بل عيشها إحدى العجائب وقد وجد الإنجليز بجانب هؤلاء أقلامًا أخرى تناصرهم لنفورهم من الظلم التركي؛ مثل: ولي الدين يكن، مع أنه كان تركيًّا صميمًا لا يبغي بتركيا بديلًا، ولكنه كان يحب الإنجليز لحمايتهم -فيما يزعم- الأحرار، وقد مر بك كيف اجتذبوا إليهم الشيخ محمد عبده، وإن لم يكن من صنائعهم، ولكنه كان من المحتمين بهم, المستظلين بظلهم, وقد استطاعو أن يطلفئوا تلك النار الملتهبة التي يصبها عليهم الشيخ علي يوسف وشيعته في المؤيد، وأن يسكتوا تلك الأقلام القوية التي تصور في جرأة وقوة فظائعهم, وتملأ القلوب إحنًا وبغضاء عليهم١، ولكن لم يستطيعوا مع كل هذا أن يجعلوا من المؤيد بوقًا يدعو لهم, وسنعود إليه بعد قليل. وبذلك انقسمت الصحافة قسمين؛ قسم يشايع تركيا, وفي الغالب يدعو للخديو ويناوئ الإنجليز، ويندد بالاستعمار, إما مدفوع بالولاء الديني، أو الكراهة للإنجليز, أو بتحريض دولة أجنبية؛ مثل: الأهرام وفرنسا، وقسم يدافع عن الإنجليز ويذيع مساوئ العهد التركي، ويترنم بنعمة الاحتلال، وينتقص المصريين وعلى رأسهم الخديو، ويتمثل في جريدة المقطم, وفي بعض الأقلام التي فتنها بريق الحرية الكاذبة التي لوح بها الإنجليز.

стр. 402

وأكبر ظاهرة تستحق منا العناية قبل أن نفرغ من هذا الجزء ظهور جريدتين إسلامتين كان لهما شأن عظيم في تاريخ مصر، وفي توجيه الحركة والإصلاح الاجتماعي, وقد أشرنا إليهما فيما سبق إشارات عابرة, ولكن سنخص المؤيد هنا بكلمة؛ لأن الصحافة اليومية المشهورة بمصر كانت إلى ظهور المؤيد واللواء سورية تتحكم فيها نزعات وأهواء متباينة، وأما اللوء فله شأن آخر, وموعدنا به في الأجزاء التالية -إن شاء الله؛ لأنه أنشيء في السنة الأخيرة من القرن التاسع عشر، والكلام عنه يطول. المؤيد: والفضل في ظهور المؤيد يرجع إلى سياسة الإنجليز واصطناعهم أصحاب المقطم، فإن هذا أثار حفيظة الوطنيين، فتقدم الشيخ علي يوسف١ صاحب مجلة الآداب لإخراج المؤيد, جريدة وطنية مصرية, وشجعه رياض باشا وكثير من زعماء مصر٢، وغدت المؤيد ميدانًا تتألف فيه الأقلام الوطنية الجريئة, تثيرها حربًا شعواء على الاستعمار الإنجليزي وعلى الأجانب الذين يناصرونهم، ونازلت المقطم نزالًا عنيفًا مرًّا، فما لبثت أن راجت حتى صارت أقوى جريدة عربية في الشرق العربي كله، وفسحت صدرها لمصطفى كامل ولفئة صالحة من كتاب الشباب، وتلاميذ جمال الدين ومحمد عبده٣, وعنيت بالمسائل الوطنية في جميع نواحيها، وبالأمور الإسلامية، ولم يستطع الإنجليز أن يعطلوها كما عطلوا

стр. 403

الأستاذ لعبد الله نديم لقوتها وكثرة قرائها، ولكن تمكنوا بعد مدة من استمالة الشيخ علي يوسف إليهم، ولعل صحبته لمحمد عبده قد أثرت فيه؛ فنهج منهجه في مسالمتهم. لقد كانت المؤيد أمل المصريين، ومدرسة تخرَّج فيها عدد كبير ممن قادوا الأمة في الصحافة بعد ذلك، وكانت غنية منتشرة في العالم الإسلامي كله، وهي أول جريدة استعملت مطبعة كهربائية في الشرق، وقد احتلت منزلةً كبيرةً في نفوس الناس, حتى اعترف لها بهذه المكانة العدو والصديق، ولذلك عزَّ على المصرين وقوفها موقفًا سلبيًّا من الاستعمار الإنجليزي بعد أن كانت من أكبر خصومه، وإن لم تفقد قراءها، لسابق فضلها وقوة تحريرها، ولسياستها الإسلامية، ولحسن الدعاية لها، وفي المؤيد وصاحبه يقول حافظ إبراهيم حين أخرج المؤيد في ثماني صفحات سنة ١٩٠٦. أحييت ميت رجائنا بصحيفة ... أثنى عليها الشرق والإسلام أضحت مصلى للهداية عندما ... سجدت برحب فنائها الأقلام فعلى مؤيدك الجديد تحية ... وعلى مؤيدك القديم سلام ويقول ولي الدين يكن عنه: "الشيخ على يوسف سهل التأليف، شديد المضاء، وهو في بيانه أقرب إلى العامة منه إلى الخاصة، وإذا غلب بصورته دون روحه، صحافي محنك، وليست الكتابة من عمله: كأنما يراعه سوطه ... يضرب إن جد ولا يكتب لا تدع العجمة أسلوبه ... فليس في أسلوبه معرب ولعلك أدركت أن ولي الدين ليس ممن يحبون الشيخ، وقد كانا على طرفي نفيض في سياستهما كما مر بك.

стр. 404

وفيه قال يوسف البستاني: "أنظر إليه بعين الصحافي فأراه عظيم البراعة في تقليب اليراعة, وشديد الحصافة في ميدان الصحافة، ولو وجد قلمه من عواطفه دعامة لرفعه بيينا إلى مقام الزعامة، ولقد زاد فضله أنه من الطبقة العصامية وجهال اللغات الأجنبية"١. ويقول تشارلز آدمز "أما الشيخ علي يوسف فقد كان صحفيًّا ماهرًا، وله دهاء يشوبه المكر أحيانًا، وقد رفع المؤيد إلى مقام الصدارة في العالم العربي"٢. وحسبنا هذه الكلمة الموجزة عن الصحافة في أخريات القرن التاسع عشر, ولنا إليها عودة في الأجزاء التالية -إن شاء الله؟ لأن كثيرًا من الصحف التي ظهرت في هذه الحقبة ازدهرت ونمت في القرن العشرين، وتأثرت بعوامل سياسية واجتماعية كانت وليدة أحداث في أوائل هذا القرن.

стр. 405

المراجع: براهيم عبده ١- تطور الصحافة المصرية. ٢- أعلام الصحافة. ابن إياس الجركسي: بدائع الزهرو في وقائع الدهور. أحمد أمين: ١- قصة الفلسفة الحديثة جزءان. ٢- فجر الإسلام. ٣- مجلة الثقافة, مقالات عن زعماء الإصلاح الاجتماعي. أحمد تيمور: أعيان القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر. أحمد سمير: سلافة النديم. أحمد صبري: مجلة الأنصار. أحمد عرابي: كشف الستار "محطوط بدار الكتب رقم ١٥٤٢" ومنه جزء مطبوع بمطبعة مصر. أحمد فارس الشدياق: منتخبات الجوائب. أحمد الإسكندري وآخرون: ١- المنتخب. ٢- المفصل. إسماعيل أدهم: توفيق الحكيم الفنان الحائر الجود: " The fransit of Egypt P.G Elgood" إلياس الأيوبي: تاريخ مصر في عهد إسماعيل "جزءان". أمين باشا سامي: تقويم النيل, الجزء الثاني والثالث. أنيس المقدسي: العوامل الفعالة في الأدب العربي الحديث. برت "C.Burt": كيف يعمل العقل، الجزء الثاني, ترجمة محمد خلف الله. برودلي: "How we defeadrd Arabi "A.M. Broadley بروكلمان: "Gsschichte Derarabischen litteraturre "Carl Brockelmann محلق الجزء الثاني. "The person Revolutien "A.G.Broadley بطرس البستاني أدباء العرب الجزء الثالث بلنت: التاريخ السري لاحتلال انجلترا مصر، ترجمة البلاغ. تشارلتن: فنون الأدب, تعريب زكي نجيب محمود. تشالس آدم: الإسلام والتجديد, ترجمة عباس العقاد.

стр. 406

توفيق الحكيم: ١- تحت شمس الفكر. ٢- مقالة في مجلة أخبار اليوم ٢٧/ ٣/ ١٩٤٨. جاك تاجر: حركة الترجمة بمصر. جب "Bulletin of the school of Oriental Studies "H.R. Gibb الجبرتي "الشيخ عبد الرحمن": عجائب الآثار في التراجم والأخبار. جميل صليبا: ابن خلدون - منتخبات. جورجي زيدان: ١- تاريخ آداب اللغة العربية, الجزء الرابع. ٢- تراجم مشاهير الشرق, جزءان. جومار: Journal Asiatque عدد أغسطس ١٨٢٨. حسن قويدر: نيل الأرب في مثلثات العرب. حسين المرصفي: الوسيلة الأدبية. خليل مطران: المقتطف إبرايل ١٩٣٣. رفاعة الطهطاوي: أ- تخليص الإبريز في تلخيص باريز. ب- مناهج الألباب. ج- المرشد الأمين. د- مواقع الأفلاك. روتشين - تيودور: تاريخ المسألة المصرية, ترجمة عبد الحميد العبادي. رينان: "Histire General et System Cemopare des Langues Stemitiques "Renan زكي نجيب محمود: ١- قصة الفلسفة الحديثة, جزءان. ٢- مقدمة كتاب أدب المقالة. ستودراد: حاضر العالم الإسلامي, أربعة أجزاء, ترجمة عجاج نويهض. سليم خليل نقاش: مصر للمصريين. سليم سركيس: جريدة المشير. سميث "Essay writing and Rhetoric The Intelligent Woman's Guide. "Egerton Smith شكيب أرسلان: ١- تعليقات على هامش حاضر العالم الإسلامي. ٢- مقدمة النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي. صالح مجدي: حلية الزمان في وصف مناقب خادم الوطن "مخطوط".

стр. 407

طه حسين: أ- فسلفة ابن خلدون الاجماعية, تعريب محمد عبد الله عنان. ب- في الأدب الجاهلي. ج- حافظ وشوقي. عباس العقاد: أ- شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي. ب- سعد زغلول سيرة وتحية. ج- الفصول. د- ١١ يوليو وضرب الإسكندرية. عثمان أمين: محمد عبده في سلسلة أعلام الإسلام. عبد الرحمن الرافعي: ١- الحركة القومية. ٢- عصر إسماعيل, جزءان. ٣- تاريخ الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي. ٤- مصطفى كامل. عبد القادر حمزة: على هامش التاريخ المصري القديم ج١. عبد الله فكري: الآثار الفكرية. عبد الله نديم: الأستاذ والتنكيت والتبكيت. علي أبو النصر: الديوان. علي مبارك: الخطط التوفيقية. عمر الدسوقي: ١- إخوان الصفا. ٢- الفتوة عند العرب. ٣- المسرحية. ٤- دراسات أدبية. فرح أنطوان: مجلة الجامعة. فون فسينديك: ابن خلدون مؤرخ الحضارة العرابية, ترجمة محمد عبد الله عنان. فيليبدي طرازي: الصحافة العربية, أربعة أجزاء. قدري طوقان: جمال الدين أراؤه وأثره - محاضرة. كلوت بك: لمحة عامة إلى مصر. لوبان "English Essays "J.H. Lobban ويس شيخو: أ- تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر, جزءان.

стр. 408

لويس شيخو: ب- مجلة الشرق. مارون عبود: مجلة الكتاب, فبراير ١٩٤٨. محمد بهجت الأثري: أعلام العراق. محمد حسين هيكل: مقدمة لديوان البارودي. محمد الخضري: محاضرات في التاريخ الإسلامي "الدولة العباسية". محمد خلف الله: من الوجهة النفسية في دراسة الأدب. محمد رشيد رضا: أ- تاريخ الأستاذ الإمام, ثلاثة أجزاء. ب- المنار. محمد صبري: La Gense de l.htm'Esprit National Egyptiona. محم صبيح: محمد عبده, كتاب الشهر. محمد عبده: ١- الوقائع المصرية. ٢- مجلة العروة الوثقى. محمد عثمان جلال: العيون اليواقظ. محمد الغمراوي: النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي. محمد كرد علي: خطط الشام, الجزء السادس. محمد المخزومي: خاطرات. محمود سامي البارودي: الديوان. محمود صفوت الساعاتي: الديوان. محمود الخفيف: أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه. مصطفى لطفي المنفلوطي: ١- مختارات المنفلوطي. ٢- ترجمة للساعاتي في الديوان. مخائيل شاروبيم: الكافي في تاريخ مصر. نجيب العقيقي: المستشرقون. يونج: "Egypt "G, Young

стр. 409

الفهرست ... الفهرس: الصفحة الموضوع ٣ مقدمة الطبعة الأولى. ٩ مقدمة الطبعة السابعة. ١١ الفصل الأول - البعث. ١٣ قبيل البعث. ١٧ البعث. ٢٠ البعثات. ٢٤ الترجمة. ٢٥ رفاعة الطهطاوي. ٢٨ أعماله بعد عودته. ٣٣ رفاعة والقانون. ٣٣ رفاعة والمرأة. ٣٤ وفاته. ٣٤ صفاته. ٣٩ الطباعة والصحافة. ٤١ الصحافة. ٤٥ الأدب في عهد محمد علي. ٤٥ الشيخ حسن العطار. ٤٧ الشيخ حسن قويدر.

стр. 410

الصفحة الموضوع ٥٠ السيد علي الدرويش. ٥٢ المعلم بطرس كرامة. ٥٣ الشيخ ناصيف اليازجي. ٥٧ الشهاب الألوسي. ٦١ التأليف في عصر محمد علي. ٦٧ الفصل الثاني: النهضة. ٦٩ التعليم. ٧٣ الجمعيات العلمية. ٧٥ الصحافة. ٧٦ أحمد فارس الشدياق. ٨٥ مجلة اليعسوب. ٨٦ مجلة روضة المدارس. ٨٩ أديب أسحاق. ١٠١ الطباعة. ١٠٣ الترجمة والتأليف. ١٠٣ محمد عثمان جلال. ١١٤ النهضة في بلاد الشام. ١١٩ الفصل الثالث - الأدب في عصر إسماعيل: ١٢١ المدارس الأدبية في هذا العصر.

стр. 411

الصفحة الموضوع ١٢٤ السيد علي أبو النصر. ١٢٨ الشيخ علي الليثي محمود صفوت الساعاتي. ١٣٣ عبد الله فكري. ١٤٤ السيد عبد الله الألوسي. ١٦٠ حسين بيهم. ١٦٣ الفصل الرابع - بعث الشعر العربي. ١٦٧ محمود البارودي. ١٦٧ حياته. ١٧٨ أخلاقه. ١٨٣ ثقافته. ١٨٥ شعره. ١٩٠ القديم في شعره. ١٩٦ الجديد في شعره. ١٩٦ الوصف. ٢٠٧ الشعر السياسي. ٢١٩ النسيب. ٢٢٠ الهجاء. ٢٢ المخترعات الحديثة. ٢٢٥ نظرة عامة.

стр. 412

الصفحة الموضوع ٢٢٦ الرثاء. ٢٢٨ المدح. ٢٣٠ فخره. ٢٣١ الزهد. ٢٣٣ الحكمة. ٢٣٤ هنات. ٢٣٧ منزلته. ٢٣٩ الفصل الخامس - نهضة النثر: ٢٤١ موضوعاته. ٢٥٨ مميزاته. ٢٥٩ أنواعه. ٢٦١ جمال الدين الأفغاني. ٢٦٧ أثره بمصر. ٢٧٢ العورة الوثقى. ٢٧٥ نبذ من آرائه. ٢٧٨ أسلوبه في الكتابة. ٢٨٠ الشيخ محمد عبده. ٢٨٣ في الأزهر. ٢٩٠ محمد عبده والثورة.

стр. 413

الصفحة الموضوع ٢٩٣ بعد الثورة. ٢٩٤ بعد العودة من المنفى. ٣٩٦ إصلاح الأزهر. ٣٠١ وفاته. ٣١٠ أثره في النثر. ٣٠٨ عبد الله نديم. ٣١٢ في غمار الثورة. ٣٢١ آثاره وأثره. ٣٣٠ أسلوبه. ٣٣٧ منزلته. ٣٣٩ أحمد عرابي. ٣٤٠ نشأته وشخصيته. ٣٤٤ عرابي الخطيب الزعيم. ٣٥٠ محاكمته. ٣٥٥ أسلوبه وأثره. ٣٥٧ الفصل السادس- الاتصال بالأدب الأجنبي: ٣٥٦ أ- الترجمة والتاليف. ٣٦٣ النهضة القانونية. ٣٦٥ كتب الاقتصاد السياسي.

стр. 414

الصفحة الموضوع ٣٦٦ كتب الاجتماع. ٣٦٧ الكواكبي. ٣٦٩ النهضة الأدبية. ٣٦٩ المسرح. ٣٧٠ القصص المترجمة. ٣٧١ التأليف في القصة. ٣٧٣ ب- المستشرقون: ٣٧٧ الجمعيات الأسيوية. ٣٧٧ المؤتمرات. ٣٧٧ المكتبات. ٣٧٨ معاهد اللغات الشرقية. ٣٧٩ أشهر المستشرقين. ٢٩٠ ج- أثر الاتصال بالأدب الأجنبي. ٣٩١ القصة. ٣٩٢ السبب في عدم اهتمام العرب بالقصة. ٣٩٤ مناقشة مزاعم المستشرقين. ٤٠٩ المقالة والصحافة. ٤١٠ شروط المقالة. ٤١٠ أنواع المقالة.

стр. 415

الصفحة الموضوع ٤١٢ الصحافة الحديثة. ٤١٥ المؤيد. ٤١٩ المراجع.

стр. 416

المجلد الثاني مقدمات مقدمة الطبعة الأولى ... بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين مقدمة الطبعة الأولى: إن الحقبة التي نؤرخ لها في هذا الجزء من كتاب "الأدب الحديث" حقبة غنية بمن ظهر فيها من الأدباء والكتاب والشعراء، وفيها عظم اتصال الشرق بالغرب، وكثر النقل والتعريب من الأدب الغربي نثرًا وشعرًا. وزادت المدارس الأجنبية على اختلاف لغاتها بمصر، وعظم نفوذ الإنجليز بها إبان الاحتلال، وفرضوا لغتهم على المدارس فحذقها التلاميذ، وعرفوا كثيرًا من آثارها الأدبية. وأتت نهضة مصر في القرن التاسع عشر بعض ثمارها الشهية، فكثر المطبوع والمقروء من الأدب العربي، وتنبه الناس بمصر إلى أن ثمة آدابًا أرقى معًا عرفوا في مستهل ذلك القرن. وقد ضرب البارودي نموذجًا حيًّا قويًّا بمحاكاته لأساليب فحول شعراء العربية. ونهض جمال الدين الأفغاني وتلاميذه: محمد عبده، وسعد زغلول، وعبد الله نديم، واللقاني، والمويلحي بالنثر نهضة قوية، وحرروه من قيوده التي كبل بها طويلًا، وسخروه لخدمة المجتمع المصري. وأذكى الاحتلال الإنجليزي، وما جلبه من ذله وبغي نار الحماسة الوطنية في قلوب الصفوة الممتازة من أبناء الأمة، فشنوها حربًا شعواء لا هوادة فيها على المستعر الغاصب، وكان عمادهم الخطابة الصريحة الجريئة، والكتابة الملتهبة القوية، يقودهم مصطفى كامل، ومحمد فريد، وعبد العزيز جاويش، وعلي يوسف، وأضرابهم، على المنابر تارة، وفي الصحف تارة أخرى.

стр. 417

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى، واصطلى العالم بسعيرها أربع سنوات كاملة، وما أن وضعت الحرب أوزارها، واستراح الناس من ويلاتها، حتى هبت الشعوب المغلوبة تطالب بحقوقها في ثورات عنيفة بمصر وأيرلندا وغيرهما؛ وخلفت الحرب آثارًا كثيرة بمصر تتمثل في الغلاء الذي يرزح تحت وطأته جمهرة بنيها، وفي شدة الإقبال على المدينة الغربية بخيرها وشرها، وفي نضج الفكرة القومية وتحديد أهداف البلاد.. إلى آخر ما هنالك من آثار كان لها في الأدب شأن عظيم. ومن العسير علينا أن نلم في هذا الجزء بكل ألوان الأدب شعرًا ونثرًا، بجميع البلاد العربية، فالدراسة المنتجة هي التي تتناول موضوعًا خاصًّا، في بلد بعينه، وتوفيه حقه من البحث، وقد آثرت أن أقصر هذا الجزء على: "الشعر بمصر بعد البارودي". وموضوع الشعر بمصر ليس موضوعًا هينًا، فمنذ أن ظهر البارودي بزعامته القوية، ومصر توقد الطريق في هذا الميدان، ويتلقف الراية شاعر بعد شاعر، ويتباين تأثرهم بالثقافة الغربية قوة وضعفًا، كما يتباين حظهم في تقليد الأدب العربي القديم؛ ولذلك تعددت مدارسهم، وتنوعت موضوعاتهم، وغزر نتائجهم. وصار الدارس للشعر في العصر الحديث لا يجد أمامه مندوحة من العكوف على بيئة خاصة، ويتعرف فيها على التيارات المختلفة التي أثرت في الشعر وعملت على تعدد مذاهبه وألوانه، وبذلك يكون قد أدى بعض ما يجب عليه نحو عصره وبيئته. وإذا كنت قد اكتفيت بالكلام على الشعر في مصر بعد البارودي. فليس ذلك إهمالًا أو إغفالًا لشعراء العربية في الأقطار الشقيقة، وقد نبغ منهم فحول زينوا عصرهم وخلدوا أسماءهم، ورفعوا ذكر بلادهم من أمثال: الزهاوي، والرصافي، والشبيني بالعراق، وبشارة الخوري، وشبلي الملاط، وإلياس أبي شبكة، وأنور العطار، وعمر أبي ريشة، وسعيد عقل بسوريا ولبنان. ولكن التعرض لشعراء العربية في مخلتف بيئاتهم إن تيسر لنا أداؤه فلن يكون ذلك دفعة واحدة وفي كتاب واحد، وإلا جاء ناقصًا مبتورًا لا قيمة له، ولا

стр. 418

جدوى منه؛ إذ سيكون عرضًا خاطفًا لا عمق فيه، ولا تحليل ولا موازنة. وليس ذلك هدفنا من دراسة الأدب الحديث. بل إننا نقصد إلى تحديد معالمه، وتعرف مدارسه والفحص عن العوامل المتباينة التي شكلته وألهمته وأثرت فيه، ولا يتأتى هذا إلا بالتخصص في الدراسة، ولا سيما إذا شفعت بتراجم وافية لكبار الشعراء. ولذلك رأيت من الخير لنفسي وللأدب الحديث أن أتكلم عن الشعر في مصر، ولعل من أبناء العروبة من يتطوع لدراسة الشعر في العراق، وآخر في الشام، فيعطينا فكرة قوية واضحة، وبحثًا مستفيضًا عن بيئته ومجتمعه وألوان الشعر ثمة. فالبلاد العربية على الرغم من اتحاد اللغة والاشتراك في الأمال والأماني والتاريخ والدين تتباين في كثير من الأمور: في طبيعة أرضها واختلاف مناظرها، والعوامل السياسية والاقتصادية التي طرأت عليها، وحظها من الاتصال بالحضارة الغربية، ونهضتها التعليمية والأدبية، وفي مجتمعاتها. إلى غير ذلك وليس الأدب إلا صورة من البيئة التي نبت فيها، وأوحت به، ولو كان أدبًا عالميًا تنجذب إليه كل نفس، ويهفو إليه كل عقل. وإذا كنت قد سلكت في الجزء الأول من "الأدب الحديث" غير هذه الطريق؛ فذلك لأن جمهرة الأدباء من شعراء وكتاب كانوا من أتباع المدرسة التقليدية ولم يتميز أحدهم عن الآخر إلا في الأداء، وقد تشابهوا موضوعًا وصورًا. وليس الحال كذلك اليوم بعد أن خطونا في نهضتنا شوطًا طويلًا، وعظم اتصالنا بالثقافة الغربية والأخذ منها. ورأيت لزامًا عليّ قبل أن أخوض في موضوع الشعر أن ألقي نظرة فاصحة إلى المجتمع المصري، ومدى تأثره بالثقافة الغربية التي وفدت إلينا وتأثرنا بها، من إبداعية "رومانتيكية"، وواقعية رمزية وسواها. وخصائص كل مدرسة في الأدب الغربي، وكيف طبقها شعراؤنا على أدبنا، وإلى أي حد اقتبسوا منها: ومدى تمسكهم بالأدب العربي القديم أسلوبًا، وقالبًا، وموضوعًا. ثم أتحدث بعد هذا عن المدارس الشعرية في مصر: من محافظة مقلدة ومجددة محترسة في تجديدها تجمع بين القديم والجديد، إلى مجددة متبرمة

стр. 419

بالأدب القديم، إلى أخرى ثائرة غارقة في التجديد، خارجة على كل ما يمت إلى القديم بصلة. وهذا يتطلب مني الترجمة لكبار شعراء كل مدرسة، ودراسة آثارهم، ومعرفة خصائصهم، وهو عمل ضخم أرجو الله أن يعينني على إنجازه وإتقانه. لقد نقد النقاد المفكرون بمصر الشعر، وتكلموا عنه، ووجهوا الشعراء إلى ما يريدون وقد استجاب بعضهم للنقد والتوجيه، واستعصى آخرون عليهم. وظهرت تراجم موجزة لكبار الشعراء، ولكنها تسير على المنهج القديم في البحث، لا تنفذ إلى المؤثرات العامة والخاصة في حياة الشاعر، وتتعرف على مزاجه الأدبي، وألوان ثقافته، وتدرس آثاره دراسة مستفيضة. وكتبت مقالات مبتورة عن المدارس الأدبية الغربية، ولكنها الغربية، ولكنها لم تتعرض للشعر المصري وإلى أي حد تتلمذ على هذه المدارس. وربما كان كتاب الدكتور إسماعيل أدهم عن خليل مطران أول كتاب يتعرض لشاعر معاصر على طريقة علمية صحيحة. ولكن أسلوب الدكتور أدهم أسلوب فيه بعض الغموض؛ لأنه غريب عن العربية، وطريقته في البحث قد جنحت إلى الحقائق العلمية الجافة، وطبق في كتابه المنهج العلمي أكثر مما يجب، فجاء الكتاب محدود الفائدة. ثم إنه ترجمة لشاعر واحد وإن كان شيخ المجددين بمصر. ولم يظهر حتى اليوم كتاب يضم أشتات هذا الموضوع، ولذا أشعر بضخامة هذه الدراسة، وصعوبتها وأرجو أن أوفق في بحثي هنا، وأقدم للمكتبة العربية ما تسد به ذلك النقص. ولست أزعم أني في هذا الجزء سأوفي الموضوع كل حقه، وأترجم ترجمات مسهبة لكل شاعر، فذلك فوق ما أطيق، ويطيقه هذا الجزء ذو الصفحات المحدودة مهما كثرت، ولهذا اقتصرت فيه على تبيان المؤثرات العامة في الشعر بعد البارودي وعلى بعض رجال المدرسة التقليدية. وأعترف أن ما قدمته ليس إلا محاولة لدراسة الشعر في العصر الحديث على طريقة علمية، تحتاج فيما بعد من الدرس والتمحيص وأن بها قصورًا كثيرًا

стр. 420

عن الغاية التي أصبوا إليها، ولذلك أتقدم بالمعذرة للقراء سلفًا: راجيًا أن يكون منهم من هو أشد مني مُنة، وأقوى براعًا، وأطول باعًا، وأوفى دراسة، وأنفذ بصيرة فيكمل هذا النقص ويوفي الموضوع حقه من البحث، والله هو الموفق للصواب. عمر الدسوقي

стр. 421

مقدمة الطبعة السادسة: على الرغم من أننا نعيش في عصر توفرت فيه وسائل النشر، وأصبح الكتاب العربي سهل التناول، كثير التداول، وعلى الرغم من أني أؤرخ أدب العصر الحديث في مصر، فإني أشعر بأن المهمة شاقة، وأن الأدب العربي في عصوره الماضية أيسر تأتيًا، وأقرب منالًا: ولذلك ما زالت منذ أن صدرت الطبعة الأولى لهذا الجزء يجد لي في كل يوم جديد، وتتبدى لي في كل حين فكرة. وما ذاك إلا لأن الأبحاث التي تعرضت لهذه الحقبة لم تلم أشتات الموضوع، وتجمع مادته في الأضابير والمخطوطات والمجلات والصحف السيارة، والكتب المطمورة، ولهذا أخذت نفسي يتقصى مصادره، والبحث عن مادته ما وسعني الجهد حتى أبلغ بالكتاب الغاية التي أرجوها له، والتي يتطلبها مني البحث العلمي الدقيق. وهأنذا أتقدم لقراء العربية بالطبعة السادسة لهذا الجزء وفي كل باب من أبواب الكتاب زيادات كثيرة وتنقيحات لم أر منها بدًا. ولست أزعم أن الكتاب قد بلغ الكمال أو قاربه، فما زالت هذه الحقبة في حاجة ملحة للدرس والتمحيص. وإنني أعد القارئ العربي الكريم -الذي أدين له بفضل التشجيع- أن أبذل في الاستزادة من الأدب الحديث ومصادره غاية جهدي حتى يصل الكتاب إلى ما نصبو إليه، ولا يسعني إلا أن أقابل تشجيع قرائي من أبناء العروبة بالشكر الوافر، والعمل المتصل، والله أسأل أن يوفقني إلى إرضاء العلم وجمهور الأدباء وطلاب البحث، إنه نعم الموفق للصواب. عمر الدسوقي

стр. 422

الفصل الأول: المؤثرات العامة في الشعر الحديث الثقافة الأجنبية ... الفصل الأول: المؤثرات العامية في الشعر الحديث الثقافة الأجنبية تحدثت في الجزء الأول من كتاب الأدب الحديث١ عن الاتصال بالأدب الأجنبي، في إيجاز، وعرض سريع، وأعود هنا إلى الموضوع بشيء من البسط، لندرك الصراع العنيف بين فرنسا وإنجلترا على تثبيت كل منهما نفوذها الأدبي بهذه الديار. يرجع اتصال مصر الحديثة بالثقافة الغربية إلى الحملة الفرنسية، وقد وفينا موضوع الحملة الفرنسية حقه من البحث في الجزء الأول من هذا الكتاب. وجاء محمد علي فاتجه صوب فرنسا يستخدم علماءها وقواد جيشها وأطباءها في نهضة مصر، ويرسل البعثات العديدة إلى فرنسا، بل ينشئ مدرسة للطلبة المصريين بباريس. وقد عاد هؤلاء الطلبة إلى مصر وتولوا زعامة حركة الإصلاح بها، وعلى رأسهم رفاعة الطهطاوي، وعلي مبارك. ولكن عباسًا الأول كان من النافرين كل النفور من الثقافة الأجنبية ولا سيما الفرنسية. فألغى نظام التعليم الذي وضع على النهج الفرنسي، ولم يرسل إلى فرنسا سوى ثلاثة من الطلاب في حين أرسل خمسة وأربعين طالبًا إلى الدول الأخرى، وفي موقف عباس الأول إزاء الثقافة الفرنسية يقول الأمير عمر طوسون٢: "شعرت فرنسا بانصراف هذا العاهل "عباس الأول" عن الاتجاه إليها، خصوصًا بعد ما نحي عن مناصب الحكم في بلاده أكثر الأجانب وبخاصة الفرنسيين، فجاء ذكره على ألسنة مؤرخيها مشوبًا بالقدح خاليًا من المدح". وغضب عباس على هؤلاء المصريين الذين حذقوا الفرنسية وعملوا على نشرها، فنفي رفاعة الطهطاوي إلى السودان، وأغلق مدرسة الألسن. إلخ ما عرفت في الجزء الأول من كتابنا هذا. ولكن فرسنا المستعمرة لم تكن ترضى بهذا، وإن فاتها الغزو الحربي فعزيز عليها أن يفوتها الغزو الأدبي، والتمكين للغاتها وأدبها بأرض مصر، فتفيد نفوذًا وتجارة، ولعلها تجد فرصة مواتية

стр. 423

فتتدخل في شئون مصر، ولذلك حثت علماءها على تأدية الرسالة التي اضطلع بها المجمع العلمي المصري١، وشجعت الفرنسيين على الإقامة بمصر، وحثت الأثرياء على دفع الأموال الطائفة في القروض التي أصدرتها الحكومة المصرية، وفي إنشاء قناة السويس، وتأسيس المصارف العقارية إلى غير ذلك: وبهذا خضعت مصر اقتصاديًّا لفرنسا، ولم تنس نشر الثقافة الفرنسية بمصر، ونظرت إلى هذه المسألة في جد بالغ. استمع إلى ما يقوله أحد دعاتها في هذا الموضوع: "إن العقل المصري وهو يتهيأ للأفكار الجديدة لا يزال مملوءًا بتقاليد الماضي، ويجب علينا أن تغيير نفوس هؤلاء القوم. ونعلم هذه العقول التي جففتها الشمس طريقة التفكير، وأن نستميل بالحب هذه القلوب التي لم تعرف إلا الجشع ونهب الأجانب، وأن نجبر مصر الدهشة المذهولة على أن ترفع رأسها فوق الصحاري والبحار. إن هذا عمل جسيم يحتاج إلى كثير من الصبر والتضحية وعدم الأثرة، كما يحتاج إلى وقت طويل ومجهود شاق ومحبة عظيمة". "لقد اجترأ شعب واحد على تقدير هذا المجهود، وتعهد بإنجازه، ألا وهو شعب فرنسا، ولكنها ليست فرنسا الغازية التي اجتاحت البلاد، بل فرنسا "ديلسبس"، و"فرير أتدريان"، وفرنسا "ماريت" و"ماسبيرو"٢. "إن عمل فرنسا بمصر كالخميرة تمتزج بالعجين فيرتفع، فقد تغير المصريون وتحركوا بتأثير أفكارنا وتعليمنا وأمثلتنا، ومنح المصريون في مدارسنا النهوض والانتعاش، ووجدوا في رءوس الأموال الفرنسية ما ساعدهم على بناء نجاحهم الزراعي، واتخذت مصر من قناة السويس مركزًا وسطًا تجبي فيه الضرائب على السلع التجاربة والعقلية بين الشرق والغرب، وأخيرًا ستستمر مصر مدينة لعظمة فراعنتها الذين أرجعهم علماؤنا الأثريون المتحمسون إلى الضوء من أجداثهم٣".

стр. 424

عمدت فرنسا لبسط نفوذها الثقافي بمصر إلى الإرساليات التبشيرية والتعليمية وقد أسس الآباء العزاريون أول مدرسة فرنسية بمصر سنة ١٨٤٤، ثم جاء الفرير وأسسوا أول مدرسة لهم سنة ١٨٤٥، وقد اعترفت الحكومة بخدماتهم التعليمية للبلاد فوهبتهم بعد خمسة أعوام من قدومهم إلى مصر قطعة فسيحة من الأرض شيدوا عليها مدرستهم١. ثم جاء راهبات المحبة "منشئات أخوية الراعي الصالح" وأسسن مدرسة لتربية البنات سنة ١٨٤٦. وحذا حذوهن الراهبات الفرنسيسكان وأنشأن مدرسة بالقاهرة سنة ١٨٥٩ بالقرب من الأزبكية، وأخرى ببولاق سنة ١٨٩٨، وغيرها بالمنصورة سنة ١٨٧٢. وقد أم هذه المدارس كثير من الطلبة والطالبات من كل جنس حتى بلغ عددهم في عهد إسماعيل ما يربو على ثلاثة آلاف طالب وطالبة، على الرغم من أن الغرض الأساسي لهذه البعثات كان نشر الدين الكاثوليكي، وخدمة الاستعمار الفرنسي، والتمكين لنفوذ فرنسا الأدبي بمصر، وفي ذلك يقول اللورد كرومر: "إن الفرنسيين قد قضوا نصف قرن قبل الاحتلال البريطاني ينشرون لغتهم بكل ما لديهم من وسائل، في حين ظلت الحكومة البريطانية متعطلة لا تبذل أي جهد في تعليم المصريين"٢. وعلى الرغم من أن فرنسا كانت تسودها روح الإلحاد فإنها شجعت رجال الدين الذين ينشرون الثقافة الفرنسية في الخارج، وأرسلت البعثات "العلمانية" إلى مصر، فأسست عددًا من المدارس، ونوه المسيو "هريو" رئيس مجلس النواب الفرنسي، ورئيس البعثات العلمانية في الشرق بمنهج هذه المدارس، وأنها تعمل على احترام جميع العقائد ونشر الثقافة الفرنسية، والاهتمام بالروح الوطنية في البلاد، وأظهر أن البعثات العلمانية لا تسير في هذا المنهج إلا على ضوء التقاليد التي اشتهرت بها فرنسا، وهي الدفاع عن حرية الشعوب وكرامتها الشخصية"٣.

стр. 425

وقد زاد عدد تلاميذ المدارس الفرنسية بمصر حتى صار في سنة ١٩٢٦ أكثر من اثنين وأربعين ألف تلميذ وتلميذة، يربو هذا العدد على ضعف مجموع الطلاب الذين يتعلمون في المدارس الأجنبية الأخرى بمصر سواء كانت إيطالية أو أمريكية أو إنجليزية أو يونانية١. ولعلك تدرك الآن السر في انتشار اللغة الفرنسية بمصر، وتمسك الأجانب عامة بها، وجعلها لغتهم الأولى في معاملاتهم. لقد ساعد ذلك على انتشار الأدب الفرنسي، حتى برع فيه بعض المصريين وأخذوا ينمون الشعر ويؤلفون الكتب باللغة الفرنسية، بيد أننا لا ننسى أن هؤلاء الذين يتعلمون في مدارس أجنبية وبخاصة المدارس الفرنسية، لا يعرفون شيئًا من اللغة العربية، والحق أن فرنسا لو مكن لها أن تستعمر مصر كما استعمرت الجزائر وتونس وسوريا ولبنان. وقضت بها أمدًا طويلًا كما قضت بتلك البلاد لضعف شأن العربية، وانحط الأدب العربي أيما انحطاط، فقد عملت فرنسا في كل بلد احتلته على محو اللغة الأصلية محوًا تامًّا بمحاربتها، وعدم العناية بها، ونشر اللغة الفرنسية، وصبغ الأهالي بالصبغة الفرنسية في كل شيء. حتى يمسخوا ويشوهوا، وتفنى شخصيتهم ومقومات وطنيتهم في فرنسا كما حدث لأهل الجزائر وتونس، وكما أوشك أن يحدث لأهل لبنان لو لم يكن أمد الاحتلال الفرنسي بها قصيرًا. ومع كل هذا فقد كان لنشر الثقافة الفرنسية بمصر أثر واضح في الأدب العربي الحديث أشرنا إلى بعضه في الجزء الأول٢، وسنعود للحديث عنه فيما بعد.
следующие страницы →