مقدمة الطبعة السادسة:
على الرغم من أننا نعيش في عصر توفرت فيه وسائل النشر، وأصبح الكتاب العربي سهل التناول، كثير التداول، وعلى الرغم من أني أؤرخ أدب العصر الحديث في مصر، فإني أشعر بأن المهمة شاقة، وأن الأدب العربي في عصوره الماضية أيسر تأتيًا، وأقرب منالًا: ولذلك ما زالت منذ أن صدرت الطبعة الأولى لهذا الجزء يجد لي في كل يوم جديد، وتتبدى لي في كل حين فكرة. وما ذاك إلا لأن الأبحاث التي تعرضت لهذه الحقبة لم تلم أشتات الموضوع، وتجمع مادته في الأضابير والمخطوطات والمجلات والصحف السيارة، والكتب المطمورة، ولهذا أخذت نفسي يتقصى مصادره، والبحث عن مادته ما وسعني الجهد حتى أبلغ بالكتاب الغاية التي أرجوها له، والتي يتطلبها مني البحث العلمي الدقيق.
وهأنذا أتقدم لقراء العربية بالطبعة السادسة لهذا الجزء وفي كل باب من أبواب الكتاب زيادات كثيرة وتنقيحات لم أر منها بدًا.
ولست أزعم أن الكتاب قد بلغ الكمال أو قاربه، فما زالت هذه الحقبة في حاجة ملحة للدرس والتمحيص. وإنني أعد القارئ العربي الكريم -الذي أدين له بفضل التشجيع- أن أبذل في الاستزادة من الأدب الحديث ومصادره غاية جهدي حتى يصل الكتاب إلى ما نصبو إليه، ولا يسعني إلا أن أقابل تشجيع قرائي من أبناء العروبة بالشكر الوافر، والعمل المتصل، والله أسأل أن يوفقني إلى إرضاء العلم وجمهور الأدباء وطلاب البحث، إنه نعم الموفق للصواب.
عمر الدسوقي
стр. 422
الفصل الأول: المؤثرات العامة في الشعر الحديث الثقافة الأجنبية
...
الفصل الأول: المؤثرات العامية في الشعر الحديث الثقافة الأجنبية
تحدثت في الجزء الأول من كتاب الأدب الحديث١ عن الاتصال بالأدب الأجنبي، في إيجاز، وعرض سريع، وأعود هنا إلى الموضوع بشيء من البسط، لندرك الصراع العنيف بين فرنسا وإنجلترا على تثبيت كل منهما نفوذها الأدبي بهذه الديار.
يرجع اتصال مصر الحديثة بالثقافة الغربية إلى الحملة الفرنسية، وقد وفينا موضوع الحملة الفرنسية حقه من البحث في الجزء الأول من هذا الكتاب. وجاء محمد علي فاتجه صوب فرنسا يستخدم علماءها وقواد جيشها وأطباءها في نهضة مصر، ويرسل البعثات العديدة إلى فرنسا، بل ينشئ مدرسة للطلبة المصريين بباريس. وقد عاد هؤلاء الطلبة إلى مصر وتولوا زعامة حركة الإصلاح بها، وعلى رأسهم رفاعة الطهطاوي، وعلي مبارك. ولكن عباسًا الأول كان من النافرين كل النفور من الثقافة الأجنبية ولا سيما الفرنسية. فألغى نظام التعليم الذي وضع على النهج الفرنسي، ولم يرسل إلى فرنسا سوى ثلاثة من الطلاب في حين أرسل خمسة وأربعين طالبًا إلى الدول الأخرى، وفي موقف عباس الأول إزاء الثقافة الفرنسية يقول الأمير عمر طوسون٢: "شعرت فرنسا بانصراف هذا العاهل "عباس الأول" عن الاتجاه إليها، خصوصًا بعد ما نحي عن مناصب الحكم في بلاده أكثر الأجانب وبخاصة الفرنسيين، فجاء ذكره على ألسنة مؤرخيها مشوبًا بالقدح خاليًا من المدح".
وغضب عباس على هؤلاء المصريين الذين حذقوا الفرنسية وعملوا على نشرها، فنفي رفاعة الطهطاوي إلى السودان، وأغلق مدرسة الألسن. إلخ ما عرفت في الجزء الأول من كتابنا هذا. ولكن فرسنا المستعمرة لم تكن ترضى بهذا، وإن فاتها الغزو الحربي فعزيز عليها أن يفوتها الغزو الأدبي، والتمكين للغاتها وأدبها بأرض مصر، فتفيد نفوذًا وتجارة، ولعلها تجد فرصة مواتية
стр. 423
فتتدخل في شئون مصر، ولذلك حثت علماءها على تأدية الرسالة التي اضطلع بها المجمع العلمي المصري١، وشجعت الفرنسيين على الإقامة بمصر، وحثت الأثرياء على دفع الأموال الطائفة في القروض التي أصدرتها الحكومة المصرية، وفي إنشاء قناة السويس، وتأسيس المصارف العقارية إلى غير ذلك: وبهذا خضعت مصر اقتصاديًّا لفرنسا، ولم تنس نشر الثقافة الفرنسية بمصر، ونظرت إلى هذه المسألة في جد بالغ. استمع إلى ما يقوله أحد دعاتها في هذا الموضوع: "إن العقل المصري وهو يتهيأ للأفكار الجديدة لا يزال مملوءًا بتقاليد الماضي، ويجب علينا أن تغيير نفوس هؤلاء القوم. ونعلم هذه العقول التي جففتها الشمس طريقة التفكير، وأن نستميل بالحب هذه القلوب التي لم تعرف إلا الجشع ونهب الأجانب، وأن نجبر مصر الدهشة المذهولة على أن ترفع رأسها فوق الصحاري والبحار. إن هذا عمل جسيم يحتاج إلى كثير من الصبر والتضحية وعدم الأثرة، كما يحتاج إلى وقت طويل ومجهود شاق ومحبة عظيمة".
"لقد اجترأ شعب واحد على تقدير هذا المجهود، وتعهد بإنجازه، ألا وهو شعب فرنسا، ولكنها ليست فرنسا الغازية التي اجتاحت البلاد، بل فرنسا "ديلسبس"، و"فرير أتدريان"، وفرنسا "ماريت" و"ماسبيرو"٢.
"إن عمل فرنسا بمصر كالخميرة تمتزج بالعجين فيرتفع، فقد تغير المصريون وتحركوا بتأثير أفكارنا وتعليمنا وأمثلتنا، ومنح المصريون في مدارسنا النهوض والانتعاش، ووجدوا في رءوس الأموال الفرنسية ما ساعدهم على بناء نجاحهم الزراعي، واتخذت مصر من قناة السويس مركزًا وسطًا تجبي فيه الضرائب على السلع التجاربة والعقلية بين الشرق والغرب، وأخيرًا ستستمر مصر مدينة لعظمة فراعنتها الذين أرجعهم علماؤنا الأثريون المتحمسون إلى الضوء من أجداثهم٣".
стр. 424
عمدت فرنسا لبسط نفوذها الثقافي بمصر إلى الإرساليات التبشيرية والتعليمية وقد أسس الآباء العزاريون أول مدرسة فرنسية بمصر سنة ١٨٤٤، ثم جاء الفرير وأسسوا أول مدرسة لهم سنة ١٨٤٥، وقد اعترفت الحكومة بخدماتهم التعليمية للبلاد فوهبتهم بعد خمسة أعوام من قدومهم إلى مصر قطعة فسيحة من الأرض شيدوا عليها مدرستهم١.
ثم جاء راهبات المحبة "منشئات أخوية الراعي الصالح" وأسسن مدرسة لتربية البنات سنة ١٨٤٦. وحذا حذوهن الراهبات الفرنسيسكان وأنشأن مدرسة بالقاهرة سنة ١٨٥٩ بالقرب من الأزبكية، وأخرى ببولاق سنة ١٨٩٨، وغيرها بالمنصورة سنة ١٨٧٢. وقد أم هذه المدارس كثير من الطلبة والطالبات من كل جنس حتى بلغ عددهم في عهد إسماعيل ما يربو على ثلاثة آلاف طالب وطالبة، على الرغم من أن الغرض الأساسي لهذه البعثات كان نشر الدين الكاثوليكي، وخدمة الاستعمار الفرنسي، والتمكين لنفوذ فرنسا الأدبي بمصر، وفي ذلك يقول اللورد كرومر: "إن الفرنسيين قد قضوا نصف قرن قبل الاحتلال البريطاني ينشرون لغتهم بكل ما لديهم من وسائل، في حين ظلت الحكومة البريطانية متعطلة لا تبذل أي جهد في تعليم المصريين"٢.
وعلى الرغم من أن فرنسا كانت تسودها روح الإلحاد فإنها شجعت رجال الدين الذين ينشرون الثقافة الفرنسية في الخارج، وأرسلت البعثات "العلمانية" إلى مصر، فأسست عددًا من المدارس، ونوه المسيو "هريو" رئيس مجلس النواب الفرنسي، ورئيس البعثات العلمانية في الشرق بمنهج هذه المدارس، وأنها تعمل على احترام جميع العقائد ونشر الثقافة الفرنسية، والاهتمام بالروح الوطنية في البلاد، وأظهر أن البعثات العلمانية لا تسير في هذا المنهج إلا على ضوء التقاليد التي اشتهرت بها فرنسا، وهي الدفاع عن حرية الشعوب وكرامتها الشخصية"٣.
стр. 425
وقد زاد عدد تلاميذ المدارس الفرنسية بمصر حتى صار في سنة ١٩٢٦ أكثر من اثنين وأربعين ألف تلميذ وتلميذة، يربو هذا العدد على ضعف مجموع الطلاب الذين يتعلمون في المدارس الأجنبية الأخرى بمصر سواء كانت إيطالية أو أمريكية أو إنجليزية أو يونانية١.
ولعلك تدرك الآن السر في انتشار اللغة الفرنسية بمصر، وتمسك الأجانب عامة بها، وجعلها لغتهم الأولى في معاملاتهم. لقد ساعد ذلك على انتشار الأدب الفرنسي، حتى برع فيه بعض المصريين وأخذوا ينمون الشعر ويؤلفون الكتب باللغة الفرنسية، بيد أننا لا ننسى أن هؤلاء الذين يتعلمون في مدارس أجنبية وبخاصة المدارس الفرنسية، لا يعرفون شيئًا من اللغة العربية، والحق أن فرنسا لو مكن لها أن تستعمر مصر كما استعمرت الجزائر وتونس وسوريا ولبنان. وقضت بها أمدًا طويلًا كما قضت بتلك البلاد لضعف شأن العربية، وانحط الأدب العربي أيما انحطاط، فقد عملت فرنسا في كل بلد احتلته على محو اللغة الأصلية محوًا تامًّا بمحاربتها، وعدم العناية بها، ونشر اللغة الفرنسية، وصبغ الأهالي بالصبغة الفرنسية في كل شيء. حتى يمسخوا ويشوهوا، وتفنى شخصيتهم ومقومات وطنيتهم في فرنسا كما حدث لأهل الجزائر وتونس، وكما أوشك أن يحدث لأهل لبنان لو لم يكن أمد الاحتلال الفرنسي بها قصيرًا.
ومع كل هذا فقد كان لنشر الثقافة الفرنسية بمصر أثر واضح في الأدب العربي الحديث أشرنا إلى بعضه في الجزء الأول٢، وسنعود للحديث عنه فيما بعد.
стр. 426
هذا ما كان من سعي فرنسا في نشر لغتها، وتقوية نفوذها بمصر! أما إنجلترا فقد أدركت أهمية مصر منذ أن غزاها نابليون ووثقت من أن دولة قوية مثل فرنسا تستطيع أن تحول بينها وبين مستعمراتها في الشرق الأقصى إذا استقرت بوادي النيل: ولذلك عملت إنجلترا جهدها على إخراج نابليون وجنده من مصر، وكانت موقعة أبي قير المشهورة. وكم تمنت إنجلترا بعد ذلك أن تبسط سيادتها على هذه الديار الغنية. التي تتوسط العالم، وأرادت بادئ الأمر أن تكسب ثقة تركيا بها، وأن تعمل على أن يستقل المماليك بشئون البلاد، وتتولى هي حماية شواطئها الطويلة، بيد أن هذه المحاولة باءت بالإخفاق. ولما لم تجد بدأ من القوة لتحقيق بغيتها غزت مصر سنة ١٨٠٧ بقيادة "الجنرال" "فريزر"، ولكن الشعب المصري وأهل رشيد تصدوا لهذا الغزو الذي لا مسوغ له إلا الجشع الاستعماري، وهزم الإنجليز هزيمة منكرة برشيد في تلك السنة، وبذلك استراحت مصر من الإنجليز وطمعهم خمسة وسبعين عامًا١. حين دخلوها بعد الثورة العرابية متذرعين بأسباب سخيفة بادية الضعف والطمع.
وظنت إنجلترا حين منيت بهزيمة رشيد أنها تستطيع أن تنشر نفوذها عن طريق الإرساليات التبشيرية والتعليمية كما فعلت فرنسا، وأن تمهد لها الإرساليات سبيل التدخل السافر في شئون مصر، كما مكنت لها شركاتها التجارية غزو الهند واحتلالها، فأرسلت أول بعثة تبشيرية إلى مصر سنة ١٨٤٠، وجاءت البعثة الإسكتلندية البروتستانتية وفتحت لها مدرسة بالإسكندرية، وتلتها بعثة أخرى سنة ١٨٦٠ برئاسة "مس وتلي" كريمة رئيس أساقفة "دبلن"، ووهبت هذه الفتاة حياتها ونشاطها للمهمة التي اغتربت من أجلها وسعت جهدها للنجاح في تعليم الفتاة المصرية، وأسست مدرسة بالقاهرة لهذه الغاية ولاقت صعوبات جمة، وعناء شديدًا في حمل المصريات على الاستجابة لندائها، ولكنها صابرت وثابرت، من غير أن تعرف التبرم والسخط والملل عشر سنوات كاملة
стр. 427
بدت لها بعدها تباشير النجاح، فغص معهدها بالتلميذات، وشجعها الخديو إسماعيل بأن وهبها قطعة أرض رحبة بالفجالة وأمدها بالمال اللازم لتشيد هذه المدرسة فصارت من أرقى مدارس مصر وأقبل عليها الفتيات المصريات والأجنبيات، ولا سيما بعد أن فتح إسماعيل المدرسة السنية سنة ١٨٧٣ تشجيعًا على تعليم البنت، ووضعها تحت رعاية إحدى زوجاته.
ولم تكن المدارس الإنجليزية وحدها مصدر الثقافة الإنجليزية بمصر، بل ساعدها في ذلك الميدان مجيء أول بعثة أمريكية في الشرق سنة ١٨٥٥، في عهد سعيد، وكان ميالًا بطبعه للأجانب، يمنحهم تشجيعه ومساعدته. واتخذت البعثة الأمريكية مقرها بالقاهرة، ودأبت في جد وحرص على نشر رسالتها في جميع أرجاء مصر والشرق العربي، تؤيدها الأموال الأمريكية الطائلة، والأسباب التربوية الحديثة، ولم تدع عاصمة من عواصم القطر، بل ولا مركزًا مهمًا من مراكزه إلا أسست فيه فرعًا ومدرسة تنشر تعاليمها، حتى وصل عدد مدارسها في سنة ١٩٣٢ إلى ما يزيد على اثنين وأربعين مدرسة، بها ما يربو على ٦٩٩٤ تلميذًا وتلميذة١.
وعلى الرغم من كل ذلك فقد ظل نفوذ الإنجليز الأدبي والثقافي بمصر محدود الأثر، لا يستطيع مغالبة النفوذ الفرنسي، إلى أن جاء عهد الاحتلال على أثر الثورة العرابية في سنة ١٨٨٢؛ وقد أفضنا في الحديث عن هذه الثورة وكيف دخل الإنجليز مصر وذكرنا الأسباب الواهية التي حاولوا أن يسوغوا بها هذا التدخل الذميم أمام مصر، وأمام دول الغرب التي كانت تقف لهم بالمرصاد٢.
وما أن استقر الإنجليز بمصر حتى نشطوا لتثبيت أقدامهم بها، فأرسلوا في سنة ١٨٨٣ عددًا غير قليل من غلاة المستعمرين وذوي الخبرة في إذلال
стр. 428
الشعوب واستغلالها، وعلى رأسهم ذلك الداهية السير "إدفالين بارنج" الذي عرف فيما بعد باسم "اللورد كرومر"، والذي حكم مصر أربعة وعشرين عامًا إلى أن أخرج منها سنة ١٩٠٧.
كانت مصر ترزح تحت وطأة الديون الثقيلة التي أرهقها بها إسماعيل، والتي اتخذها الغربيون ذريعة لبسط نفوذهم المالي عليها وقد جاء "كرومر"، ومصر في عجز عن تسديد ديونها، فأحكم تدبير المال، وأخذت مصر في سنة ١٨٨٩ تسدد أقساط تلك الديون التي جعلت للأجانب امتيازات بهذه الديار صيرتهم السادة المترفين، وأصحاب الجاه والسلطان وجعلت أهلها أدنى من الإجراء والخدم، أذلاء مضطهدين. ولم تستطع مصر أن تتخلص من هذه الديون على الرغم من عبقرية "كرومر" المالية إلا في سنة ١٩٤٢.
وكما كانت حال مصر المالية بالغة السوء، فإن أحوالها الاجتماعية كانت أشد سوءًا. وقد ذكر "كرومر" في كتابه مصر الحديثة "Modern Egypt" ما قدمه لمصر في هذا الميدان، وهاك طرفًا من قوله يمن به على مصر والمصريين:
"لقد سرت بالتدريج روح جديدة إلى سكان مصر، وتعلم الفلاح كيف يمعن النظر في حقوقه، وتعلم الباشا أن لمن يجاوره من الفلاحين حقوقًا يجب احترامها، وعلى الرغم من أن السوط كان لا يزال معلقًا على جدار المديرية فإن المدير لم يجرؤ على رفعه واستعماله فوق ظهر الفلاح.
وقد اختفت السخرة البغيضة من مصر، وذهب الرق عمليًّا من الوجود، وانقضى أجل الأيام السعيدة التي كان يتمتع فيها المرابون باستنزاف دماء المصريين، وأصبح للقانون الكلمة العليا في كل مكان بعد أن كان القضاء يباع ويشترى، وابتدأ المصريون يحبون أرضهم ويعملون بها بعد أن كانوا يحتقرونها؛ لتمنحهم هباتها وخيراتها فاستجابت لدعوتهم كريمة معطاءة.
وقد أحكم توزيع مياه النيل بالعدل والقسطاس المستقيم بين أرض الأمير الكبير والفلاح الصغير، ونظمت وسائل النقل واتسع نطاقها وأصبح المرضى
стр. 429
يعالجون في مستشفيات جيدة الإدارة، ولم يعد المجرمون والمجانين يعاملون الآن معاملة الوحوش الضاربة، بل إن الحيوان الأعجم قد مسته يد الرفق فوجد من يعني به"١.
وفي اعتقادي أن بعض ما ذكره "كرومر" صحيح، وبعضه قد بالغ فيه، فإن الإصلاح قد ابتدأ على يد محمد علي، وذهب عهد الأتراك والمماليك، المليء بالمآسى الدامية، والسخرة المقيتة، وشعرت مصر بشيء من العزة الاستقلال في عهد محمد علي وإسماعيل، ولولا ما أراده إسماعيل من الطفرة لمصر في نهضتها لسارت قدمًا في سبيل الرقى، غير متخلفة، أو محتاجة إلى أي مساعدة أجنبية، وقد ذكرنا في الجزء الأول ما قام به عرابي في هذا الشأن، وكان من الممكن أن يتم ما بدأه لو لم ينف عن مصر ويحتلها الإنجليز٢.
أجل؛ إن الإنجليز قد أحكموا توزيع المياه بالعدل، ورفعوا عن كاهل الفلاح كثيرًا من الضرائب المرهقة التي نفرته من الأرض، ودفعته إلى الهرب منها. ولم يكن غرض الإنجليز -فيما أعتقد- هو خدمة الفلاح محبة فيه، ورغبة في إسعاده لوجه الخير، ولكن كان غرضهم الأول هو خدمة بلادهم. فمصر الغنية الهادئة، الرخيصة الخصبة، تستطيع أن تعين إنجلترا المعوزة في المحصولات الزراعية بما تغله من خيرات، الفلاح الذي يمثل جمهرة الأمة وسواد الشعب، إذا شعر بشيء من الطمأنينة والراحة تغني بمأثر الإنجليز، وسخط على سادته وكبرائه، وفي هذا تمكين لقدم المستعمرين، وتكأة يعتمدون عليها في تسويغ مقامهم غير الحميد بمصر، واستعمار أهلها.
ولا أدل على أنهم لم يقصدوا بهذه الإصلاحات نهضة مصر، أو رقى أهلها، من سياساتهم التعليمية بهذه البلاد، فقد نهجوا فيها نهجًا استعماريًّا بغيضًا، ورجعوا بتقدمها العلمي الذي أحرزته على يد محمد على وخلفائه، ورجال البعثات
стр. 430
المصريين سنين طويلة إلى الخلف، ولقد شهد بذلك أكثر من مؤرخ إنجليزي منصف، أو ناقد متبرم من إخفاق الإنجليز في نشر نفوذهم الأدبي والثقافي بمصر١.
رأى كرومر بعد أن خطا في إصلاحاته المالية والاجتماعية والداخلية خطوات واسعة، أن عليه واجبًا نحو نشر الثقافة الإنجليزية بمصر، وقد راعه ذلك البنيان الضخم من الثقافة الفرنسية، الذي شيدته همم الإرسالات، وعززته الحكومة الفرنسية, ورجال الاقتصاد والأعمال الفرنسيون، هالته كثرة المدارس الفرنسية في مصر، وحماسة هؤلاء الذين تعلموا بها -أو في فرنسا ذاتها- لنشر الثقافة الفرنسية، ورأى أن الفرنسيين قد بذلوا غاية جهدهم لمساعدة هؤلاء الذين يتخرجون في مدارسهم، فاشترطوا على الإنجليز أن يظل لهم النفوذ الأول ببعض المصالح الحكومية كما كان شأنهم قبل الاحتلال البريطاني، فاستأثروا بمصلحة الآثار المصرية -وظلت إلى أن جاءت الثورة في أيديهم- ونظارة مدرسة الحقوق، واستولوا بأموالهم وقروضهم وشركاتهم ومؤسساتهم التجارية على أكثر من نصف المصالح الاقتصادية والأموال المنقولة بمصر، ووجد الشبان المصريون والأجانب الذين يتخرجون في مدارسهم متسعًا للعمل بهذه الشركات والمؤسسات، وصارت اللغة الفرنسية لغة التعامل والتداول والتجارة بين الأجانب بمصر، وبينهم وبين المصريين. حتى اضطرت المحاكم المختلطة أن تصدر تسعة أعشار أحكامها باللغة الفرنسية، فضلًا عن الموظفين العديدين الذين وجب عليهم إتقان اللغة تلبية لجمهرة المتقاضين أمام المحاكم المختلطة.
وعلى الرغم من الاحتلال الإنجليزي وطول أمده فلا تزال اللغة الفرنسية هي اللغة الأولى في السوق المصرية حتى اليوم، وهي لغة التخاطب بين الأجانب
стр. 431
المختلفي الجنسية، لقد استجابت فرنسا والفرنسيون لنصيحة نابليون التي يقول فيها: "علموا اللغة الفرنسية ففي تعليمها خدمة الوطن الحقيقية".
رأى كرومر كل هذا، وأن الشعب المصري لا يمكن أن يقبل الاستعمار الإنجليزي إلا إذا أقبل على الثقافة الإنجليزية، وقدم له الإنجليز عملًا مجديًا في سبيل تعليمه، ولكن هل كان كرومر جادًّا في تعليم المصريين؟ أو أن غايته هي بسط نفوذ الاستعمار، ولو أدى ذلك إلى الرجوع بالتعليم إلى الوراء؟!
لقد وضع كرومر سياسة تعليمية سار عليها أمدًا طويلًا، وجاء "دانلوب" في سنة ١٩٠٦ وورثها عنه ولقنها منه، وعمل على تنفيذها: وتتلخص هذه السياسة في الأمور التالية:
١- نشر التعليم بين الفتيات المصريات، ولعله تأثر في ذلك بما قدمته "مس ونلي" من خدمات في هذا المضمار، وظن أن تعليم البنت وتلقينها الثقافة الإنجليزية يهيئ الفرصة لوجود جيل من الأبناء يحبهم ويعطف عليهم.
٢- العمل على محو الأمية بين الفلاحين والطبقات الفقيرة بمصر، وذلك بتعميم مدارس القرى في الريف، ومدارس المساجد في المدن.
٣- إعداد فريق من الشبان المصريين لتولي الأعمال الكتابية والإدارية، والفنية المتواضعة في الحكومة.
٤- مناهضة الثقافة الفرنسية، واللغة العربية في المدارس وإحلال اللغة الإنجليزية محلها.
وقد أخفق كرومر في هذه السياسة كل الإخفاق؛ لأنه لم يكن خبيرًا بشئون التعليم؛ ولأنه قاوم الحركة الوطنية التي بدأت سيرها منذ عهد محمد علي، والتي نهضت باللغة العربية، وساعدت على انتشار اللغة الفرنسية؛ ولأنه لم يفهم نفسية المصريين على حقيقتها، وظن أنه حين ينهض بتعليم الفتاة يجد إقبالًا على سياسته تلك، ونسي أن الحجاب كان ذا سيطرة قوية حينذاك، وأن المصريين
стр. 432
نظروا إلى اللغة الإنجليزية على أنها لغة المحتل الغاصب، فانصرفوا عن مدارسه، ومما عمل على شدة إخفاق سياسته في ميدان التعليم ذلك المستشار الإنجليزي الذي وضعه بوزارة المعارف يسير أمورها، وهو لا يعرف من شئون التربية قليلًا أو كثيرًا، ألا وهو المستر "دوجلاس دانلوب" الذي خدم وزارة المعارف من سنة ١٩٠٦ إلى ١٩١٩.
اجتمعت في دوجلاس دانلوب سوأتان، فهو قسيس إسكتلندي، وقد اشتهر أهل إسكتلندا بغلوهم الاستعماري، ونظرتهم إلى الشعوب الملونة نظرة ازدراء، واعتقدوا أنهم لا يصلحون لإدارة أمورهم بأنفسهم، وأنه لا بد لهم من قيادة غربية حتى تستقيم أمورهم. وقد جاء دانلوب خير مثل يضرب لضيق الأفق، ونقص الثقافة، والتعصب الذميم لرأيه، وأصدق ما وصف به هذا الذي نكتب به مصر بعامة، ووزارة المعارف بخاصة ما قاله عنه وعن سياسته البغيضة في التعليم "السير فالنتين تشرول" في كتابه المسألة المصرية:
"لقد كانت سياستنا التعليمية تفتقر إلى الروح المعنوية، والإلهام القوي؛ لأننا تركناها في يد مستشار وزارة المعارف مستر دانلوب. وكان دانلوب حسن النية، دءوبًا على الجد والعمل، غير أن أراءه في التربية لم تتعدَ ما كانت توحي به تلك الدروس التربوية التي تلقاها في حداثته".
"ومهما امتاز دانلوب من صفات محمودة فإنه كان ضيق الفكر، قصير النظر يؤمن بالكمية لا بالنوع. أي كثرة المواد الدراسية لا نوعها، وكان وهو متربع في كرسي مكتبه بوزارة المعارف يصدر الأوامر والنظم والقوانين المتعددة كما تتصورها عقليته، وقلما كان يأبه لرأي سواه. أما نصح المصريين له فكان -بالطبع- لا يجد منه أذنًا مصغية ولا يتسع له صدره"١.فلا بدع إذا أخفق كرومر في سياسته التعليمية بمصر وهذه عِدده
стр. 433
ووسائله، لقد أتى كرومر مصر ونسبة تعليم البنات بها ثلاثة في الألف١ في سنة ١٨٨٣ وخرج من مصر سنة ١٩٠٧ ونسبة تعليم البنات ثلاثة في الألف٢ كذلك، وأي إخفاق أعظم من هذا في أول مشروع في منهجه التعليمي!!.
وإذا قيل: لقد امتحن كرومر بتعليم البنت، وأبت مصر المحافظة التي كان للدين بها أثر كبير أن تدفع فتياتها إلى ميدان التعليم ولا سيما وميدان العمل لم يكن قد فتح أمام الفتاة كما هو الشأن اليوم، ولعله كان أكثر نجاحًا في مشروعه الثاني وهو محو الأمية؛ لأنه تعليم للذكور وتعليمهم استمرار للنهضة التي وضع أسسها محمد علي ونماها إسماعيل.
لقد بذل كرومر في تعليم الذكور جهدًا كبيرًا، وأعان مكاتب القرى بالمال، وأنشأ مجالس المديريات، وأعطاها سلطة فرض ضرائب محدودة لتستعين بها على محو الأمية، ومع كل هذا جاءت النتيجة عكس ما قدر "كرومر". فقد ابتدأ عهده في سنة ١٨٨٣ ونسبة المتعلمين٣ من الذكور ١٦% ورحل عن مصر سنة ١٩٠٧ ونسبة المتعلمين٤ لا تزيد عن ٨%، ومعنى ذلك أن عدد المتعلمين قد تضاءل إلى النصف، فهل يعد هذا نجاحًا، أم إخفاقًا ذريعًا؟ ولعل من أسباب هذا الإخفاق وإحجام كثير من المصريين عن التعليم ما نهجه كرومر من فرض اللغة الإنجليزية على المدارس الابتدائية والثانوية، وعدم تشجيع التعليم العالي كما سنذكر بعد قليل، فلم يجد المصريون أمامهم إلا طريقة معقدة تتنافى ودينهم ولغتهم كما وجدوا مستقبلهم معتمًا لا يشجعهم على دفع أبناءهم إلى المدارس المصرية التي صبغت بصبغة إنجليزية، ولقد كانت جمهرتهم متدنية، ونظرت إلى هذا النوع من التعليم على أنه شيء ليس فيه ما يرضى الله أو الدين أو الوطن، ولم يقبل على المدارس المصرية إلا القليل من أبناء المدن
стр. 434
والذي يعنينا هنا أثر هذه السياسة في الأدب: فقد نقص عدد القراء في عهد الاحتلال الإنجليزي نقصًا زريًّا، لمن ينتج الأدباء؛ وأي تشجيع يجدونه من أمتهم؟ أو من ولي الأمر فيهم، وهو إنجليزي اللسان والحكم.
وإذا كنا للآن وبعد أن مضى أكثر من نصف قرن، تغيرت فيه نظم التعليم ونالت مصر فيه حريتها، وكثر فيها المتعلمون كثرة نسبية، وعظم الاعتناء باللغة العربية -إذا كنا للآن نشكو من قلة عدد القراء، وعدم الاستبجابة، أو الرغبة في قراءة الكتب الأدبية، فما بالك بما حدث في عهد كرومر من هذه النسكة المريعة من ثقافة الشعب، وتعليم جمهرة بنيه؟
لا يسعنا إلا أن نقول كما قال الأستاذ "جب"١ في هذا: "من أن مصر التي بدأت فيها النهضة منذ قرن من الزمان على يد محمد علي، والتي كانت النموذج الذي احتذته تركيا، وهي الدولة صاحبة السيادة الاسمية على مصر، قد أصيبت في آدابها، وتأخرت عن تركيا، ولا سيما في فن القصة، وقد مضى القرن التاسع عشر -على الرغم من أن بعض القصص الأدبية قد نقلت إلى اللغة العربية، ولم يتقدم مؤلف واحد بقصة كاملة استوفت شروط القصة الحديثة، اللهم إلا شبه قصة هي: حديث عيسى بن هشام، للمويلحي الصغير".
ولولا أن الصحف والمجلات، قد أوت الأدباء وأفسحت لهم ميدان الكتابة، لما وجد هؤلاء سبيلًا للنتاج الأدبي أو شبه الأدبي ولقضي على أقلامهم، ولانصرفوا لاحتراف شيء آخر غير الأدب، يصيبون منه بعض ما يقوم برزقهم ورزق أولادهم وأسرهم.
ولقد كان لذلك تأثير آخر في الاتجاه الأدبي الحديث؛ لأن الكتاب جودوا المقالة، وراجت سوقها، بيد أن الصحف السيارة ليست ميدانًا للتجويد الأدبي؛ لأن جمهرة قرائها من غير الأدباء؛ ولأنها تعني بالأخبار والحوادث قبل أن تعني بالمقالة الإنشائية، أو يجب أن يكون كذلك على الأقل، فيجب على الكاتب أن يراعي
стр. 435
مستوى الجمهور الذي يكتب له، ورغباته اليومية؛ ولهذا نزل الكاتب من عليائه إلى المستوى الذي يتطلبه الجمهور، في أسلوبه وموضوعه، وطريقة عرضه.
وثمة شيء آخر هو أن الكاتب لم يكن حرًّا فيما يختار من موضوعات؛ لأن الصحف سياسية قبل كل شيء تهتم بالسياسة الخارجية والداخلية، وهي تمثل لونًا معينًا من هذه السياسة، وقد كان بمصر حينذاك أحزاب مختلفة، حزب الخديو، وحزب الإنجليز، وحزب الوطنيين، ولكن حزب ألسنة من الكتاب والصحف تدافع عن سياسته، وتحصي على الآخرين أخطاءهم، وتفند أقوالهم، ولذلك كله اضطر الكتاب إلى خوض غمار المعارك الحزبية والسياسية، ولم يعد للأدب الخالص، أو الموضوع الذي تشبعت به نفس الكاتب وامتلأت مشاعره مجال في الصحف إلا قليل. وقد عاد كل هذا على الأدب بالضرر، فكسدت سوقه، وخمدت قرائح الكتاب، وتعطلت أقلامهم الرفيعة، وسنعود إلى الحديث في توضيح هذا بعد قليل إن شاء الله.
أما ما قصده "كرومر" من إعداد طائفة من الشبان المصريين لشغل بعض وظائف الدولة غير ذات الخطر، فقد نجح فيه أيما نجاح واستطاع أن يخرج ألات صماء، ليس عندهم شيء من الجرأة وحرية الرأي، والقدرة على الابتكار، ثقفوا ثقافة محدودة، فبعضهم اكتفى بالتعليم الابتدائي وآخرون زادوا قليلًا فنالوا الشهادة الثانوية، وقد ملئت أدمغتهم بمعلومات كثيرة غير مفيدة في حياتهم الفعلية، وكان الغرض الأول أن يظلوا مرءوسين للإنجليز الذين غصت بهم مصالح الدولة، لا يتطلع أحدهم إلى منصب كبير، وليس في مكنته أن يشغل هذا المنصب الكبير إذا تطلعت نفسه إلى ذلك؛ لأنه لم يعد الإعداد الواجب لشغل مثل هذا المنصب.
ومما يؤسف له أن سياسة "كرومر ودانلوب" في التعليم قد ظلت أمدًا طويلًا -بعد أن نالت مصر حريتها، وتخلصت من الإنجليز في التعليم- وهي السياسة المتبعة في مصر، وصار المنصب الحكومي هو غاية ما يتطلع إليه الشباب
стр. 436
في مصر، والأمل الذي يجمع له كل قواه. وفي ذلك يقول مستر: "مان" في تقريره لوزارة المعارف: "ليس في العالم على الأرجح قطر يتمتع فيه موظف الحكومة بمنزلة كبيرة بين الأهلين كالتي يتمتع بها الموظف بمصر؛ وقد لا يوجد في أي بلد آخر آباء يصحون بالشيء الكثير في سبيل جعل أبناءهم موظفي حكومة بأي شكل كان"١.
ولم تكن هذه الغاية وحدها هي كل ما جناه الإنجليز على التعليم بمصر، بل إن مستر دانلوب، الذي أسلمه كرومر قيادة التعليم في مصر سنة ١٩٠٦ قبل أن يغادرها، قيد التعليم بقيود شنيعة من القوانين الصارمة، لا يحيد عنها، ولا يعرف سواها، وأكثر من حشو أدمغة التلاميذ بشتى المعلومات المفيد منها، وغير المفيد وصار المعلم في المدارس آلة صماء أمام القانون، وصار التلميذ آلة في يد المعلم، وفقد كلاهما شخصيته وصارت المدارس أشبه بالسجون، والهم الأكبر الذي يشغل التلميذ، والمدرس، وناظر المدرسة، ووزارة المعارف وعلى رأسها "مستر دانلوب" هو نجاح التلميذ في الامتحان. أما أن تعني وزارة المعارف، وتعني المدرسة معها بشخصية التلميذ، ودراسة مواهبه واستعداده، وتحسس ميوله، وتصقل خلقه، وتنمي ملكاته العليا فذلك أمر لا يخطر لوزارة المعارف، ولا لمستر دانلوب ببال، ولو كان خطر له ما قدم عليه؛ لأنه كان يريد إخراج جيل مشوه التعليم، لا يصلح للحياة الحرة الكريمة.
لقد قيد مستر دانلوب المعلمين بقيود سخيفة وضعها في قانون نظام المدارس، وهذا دليل على أنه لم يكن يثق في هؤلاء المعلمين، وأول ما يجب على المهيمن على شئون التعليم أن يثق بالمربي والمعلم، فإن لم يعفل هذا، وأبى إلا أن يندس بين المعلن وتلميذه في كل لحظة، ويشعره بأنه من ورائه يقيد أنفاسه ويحصي أخطاءه منها ما صغر منها وما كبر، أفسد عليه أمره، وأفسد التعليم كله، وصار المعلم ينظر إلى هذا المهيمن على التعليم نظرته إلى الحاكم المستبد
стр. 437
الذي يدفع إليه أجرًا ويتقاضاه عملًا، فصانعه وخادعه، وقامت التهمة بينه وبين رئيسه مقام الثقة، وقام الخوف والشك بينهما مقام الأمن واليقين: ولم يعد ينظر إلى التلميذ على أنه أمانة قد أؤتمن عليها، ووديعة قد كلف حمايتها وحياطتها، وفرد من أفراد الشعب قد كلف تربيته وتنميته، وتعهده بالرعاية والعناية، حتى ينمو ويزكو ويصير رجلًا، وإنما ينظر إليه على أنه مادة للعمل الذي يعيش منه، وموضوع للنشاط الذي يكسب منه القوت، فيعامله معاملة المادة الجامدة الهامدة، لا معاملة الكائن الحي، ولا معامة الإنسان الناطق"١. ويصوغ هذه المادة كما يجب أن يكون هذا الرئيس لا كما يجب أن تكون. ويصبح هذا المعلم آلة من الآلات، وأداة من الأدوات في هذا المصنع العقيم السخيف الذي نسميه المدرسة.
وإليك ما يقوله مستر "بويد كاربنتر": "على المستر دانلوب" تقع تبعة فساد التعليم المصري، والرجوع به القهقرين وإخراج موظفين جل اعتمادهم في أثناء دراستهم على الاستظهار والحفظ، لا على القوى العقلية السامية الأخرى: من التعقل والموازنة، والابتكار، والاستنباط. وقال: إن الطالب المصري يعتمد في تحصيله على ذاكرته، وعلى التكرار الآلي للحقائق المحفوظة، لا على ذكائه وتفكيره، فينشأ عن ذلك ضيق أفقة، وجهله بالحوادث المعاصرة، وحاجته الشديدة للمعلومات العامة وللسرور والإقبال على ما يدرس٢.
لم يكن "دانلوب" مخلصًا لمصر، بل كان استعماريًّا من النوع الذي يسيئ لبلده وللبلد المحكومة على السواء، فسياسته التعليمية لم تكن هي التي تنتهجها إنجلترا في تعليم أبنائها، وتربية شبابها؛ لأن الإنجليز قد اشتهروا بنوع من التربية فيه كثير من المزايا، التي تبعث في الشباب الحرية في العمل والتفكير، والاعتماد على النفس، والمغامرة في الحياة وارتياد مجهولاتها؛ وبفضل هذه التربية الاستقلالية التي لا تجدها نظم مدرسية صارمة، ولا قوة قوانين ظالمة ولا مناهج غاصة بالتافه من المعلومات، وإنما عمادها الطبيعة، طبيعة الوجود، وطبيعة
стр. 438
الطفل، ودراسة ميوله وغرائزه، وتنمية ملكاته إلى أقصى حد تستطيع أن تصل إليه، استطاعوا بفضل ذلك كله أن يكونوا في طليعة الأمم، وأن تتسع إمبراطوريتهم وتجارتهم، ولم يرضوا بالحياة الضنكة في ديارهم إذا قتر عليهم في أرزاقهم، بل جابوا البحار، والصحاري، والغابات، واستوطنوها واستغلوها، ثم لما كثرت مصالحهم طالبوا دولتهم بحمايتهم، فبسطت سلطانهم على كثير من بقاع الأرض.
ولقد كانت التربية في إنجلترا موضع تقدير من مفكري أوربا، ولا سيما فرنسا التي يعامل فيها الطفل منذ حداثته معاملة الرجال، فيغشى مجالس الرجال، ويستمع إلى أحاديثهم التي يجدر به ألا يسمعها، والتي لا يصح أن يستمع إليها، ويقضي معهم سهرته في الوقت الذي يجب أن يأوي فيه إلى فراشه، ويلبسه أهله السراويل الطويلة تشبهًا بالرجال، وهو في أمس الحجاة إلى الهواء والشمس، وعلى العموم لا يعاملونه معاملة طفل ينمو، له رغباته التي يجب أن تحترم في حدود المعقول، ويجب أن توجه برفق إلى الخير، ولا يتركونه للطبيعة يتملى من محاسنها، ومفاتنها، ويتلقى عنها دروس الحرية والكرم والشجاعة١، وإنما يعاملونه معاملة رجل مثلهم. كانت التربية الاستقلالية هذه معمولًا بها في إنجلترا على الرغم من أن إنجلترا لم تشتهر بعلماء التربية والنظريات التربوية كما اشتهر سواهم من الأمم.
ومما يدل على تقدير المفكرين لتربية النشء في بلاد الإنجليز ما قاله العلامة: "جوستاف لوبون" من: "أن المبدأ الأساسي في التربية التي يسير عليها الإنجليز هو أن يقضي النشء زمن الدراسة في المعاهد والمدارس والكليات، لا ليؤديه سواه، ولكن ليتعلم إلى الحد الذي يمكنه من أن يستخدم استقلاله الذاتي استخدامًا نافعًا، فالنشء لديهم يؤدب نفسه بنفسه وبذلك يتصف بهذه الخلة الحميدة ألا وهي ضبط النفس، وهي مصدر الحكم الذاتي"٢، وعلى العكس من ذلك كله كانت سياستهم التعليمية في مصر.
стр. 439
وظلت سوءات الإنجليز في تعليم الشعب المصري تؤتي ثمارها البغيضة، حتى بعد أن تولى المصريون شئون التعليم، إذ لم يكن من الميسور أن نتخلص من أوضار هذه العهد دفعة واحدة، وقد ظل أكثر من ثلاثين عامًا، وسادت نظمه وقوانينه جميع مراحل التعليم؛ لأن الجيل الذي تربى على أيديهم صار يملك قيادة المصريون في التعليم، ويوجههم تلك الوجهة التي تربى عليها في صغره؛ لأن الفساد كان أعظم من أن يزول في سنوات معدودات، ولذلك ظلت آثامه ردحًا غير قليل من الزمن تسيطر على المدرسة المصرية، وفي ذلك يقول الدكتور طه حسين: "وهناك التعليم الرسمي المدني تنشئه الدولة وتقوم عليه، وقد كان إلى الآن متواضعًا هين الأمر، يقصد به أغراض متواضعة هينة، وقد رسم له الإنجليز طريقة محدودة ضيقة، فأفسدوه وأفسدوا نتائجه وآثاره أشد الفساد ونحن نبذل منذ أعوام جهودًا مختلفة مضطربة لإصلاح ما أفسد الإنجليز، فلا نكاد نوفق في بعض الأمور، حتى تعدو العاديات فتردنا إلى الإخفاق والخذلان"١.
وشكت الجامعة مر الشكوى من أن طلبتها ليسوا في مستوى ثقافي يمكنهم من الدراسة الجامعية الصحيحة؛ ولأنهم ليسوا في مستوى عقلي يخلق منهم علماء أجلاء لديهم قوة الابتكار، وحرية الفكرة، والاستقلال في الرأي، وإليك ما يقوله نجيب الهلالي "باشا" في تقريره عن التعليم الثانوي سنة ١٩٣٥: "ذلك إلى أن جميع المعاهد تشكو من أن الطلبة لا تتحقق فيهم الصفات المطلوبة للدراسة العالية، من حيث روح التعقل، وقوة الملاحظة، والاعتماد على النفس، وحب البحث، حتى إنهم يضرون أساتذتهم إلى إملاء الدروس عليهم إملاء. مما يعوق الدراسة العالية في صورتها الكاملة"٢.
ويقول الدكتور طه حسين: "فما زال الشبان يأتون إلى الجماعة ضعافًا قاصرين، وما زال الشبان يستقبلون حياتهم جاهلين لها، عاجزين عن التصرف فيها، ضعافًا عن أن ينهضوا بأعبائهم: يذهبون إلى الدواوين موظفين فتشكو
стр. 440
الدواوين من سوء إعدادهم للعمل فيها، ويعرضون أنفسهم على أصحاب الأعمال الحرة، فلا يكادون يجربونهم حتى يزهدوا فيهم ويعرضوا أشد الإعراض عن استخدام زملائهم؛ لأنهم لم يعدوا للأعمال الحرة إعدادًا صالحًا١.
لقد كان هَمُّ الإنجليز الأول من هذه السياسة التعليمية الفاسدة أن يخرجوا طبقة من الموظفين الحكوميين، لم يتعمقوا في الدراسة، ولا يصلحون للقيادة، بل يكونون آلات في أيدي رؤسائهم من الإنجليز وأتباعهم. كان لهذا ولا ريب تأثير كبير في الأدب؛ لأنه صبغ حياة الموظفين بصبغة مادية رخيصة، ألا وهي السعي وراء الوظيفة، لا يبغون بها بدلًا، ولا يستطيعون عنها حولًا، ولا يعرفون كيف يفكرون في سواها لاكتساب العيش إذا تطردوا منها، كأنهم السمكة جف من حولها الماء، أو الطيور حرمت الهواء.
وشعب هذه حال المثقفين فيه لا ينظر إلى الأدب إلا بمنظار المادة، ولا يرى فيه ما يراه الغربيون من أنه وسيلة للتعبير عن مشاعر الأديب أيًّا كانت هذه المشاعر والأحاسيس التي تفيض بها القلوب، ووجداناتهم. ولذلك انصرف الأدباء إلى تملق الرؤساء، وأصحاب الحول والطول، يمدحونهم أحياء ويرثونهم أمواتًا وقلما ركن أحدهم إلى نفسه يسمع هتافها الخالص، ونداءها الحر، فيسجله شعرًا صادرًا من أعماق فؤاده، وطيات نفسه، ويخرج به على الناس، براء من المديح والمداهنة، والمخادعة والملاينة، والنفاق الاجتماعي والغرض المادي، ويأتي به صورة صحيحة لما يجيش في نفسه من خواطر، ويعتلج في حناياها من مشاعر، ويعتمل فيها من فكر.
ومن العجيب أن الثورة الفكرية، التي أحدثها السيد جمال الدين الأفغاني بمصر، وحمل مشعلها تلاميذه من عبده، قد أطفأها الإنجليز بطريقتهم العقلية في الثقافة والتربية، ولم ينج من شرهم إلا نفر قليل شاهدوا هذه الثورة الفكرية في عنفوانها، ورضعوا أفاويقها فظلوا إلى أوائل هذا القرن يحملون المشعل، ويهدون الأمة سواء السبيل.
стр. 441
أما الشعراء فلم يتأثروا بهذه الثورة في قليل أو كثير، ولم يلتفتوا كما التفت الكتاب إلى الشعب يفصحون عن علله وأدوائه وآلامه وآماله، ويغذوا فيه تلك الروح الوثابة، بل انصرفوا إلى الأمراء والوزراء، وذوي الجاه والمال يتملقونهم ويستجدونهم، لقد صار النثر بفضل ثورة جمال الدين ومحمد عبده وعبد الله نديم والمويلحي وأضرابهم معبرًا عن حاجات الشعب، بينما ظل الشعر بمنأى عن رغباته ومطالبه، مكيلًا بقيود الماضي.
حتى هؤلاء الذين تتلمذوا على البارودي لم يحاكوه في نبل أغراضهن وصدق عاطفته، وجمال تصويره لبيئته، لقد كان البارودي صادقًا في شعره حين يصف الريف المصري وما فيه من مناظر وزرع نضير، وهدوء، وشمس ضاحية صافية، وظل وريف: وحين يرثي أحباءه وأقاربه وأصدقاءه، وحين يصف بطولته وشجاعته في ميادين القتال، ويصف بجانب هذا الميدان وطبيعته، والأعداء وأحوالهم: حين يعبر عن ميوله السياسية، وما قاساه على يد الخديو من اغتراب ومحنة، وحنين إلى الأهل والوطن، ولم يمدح البارودي إلا نادرًا، ولم يرث إلا صديقًا حبيبًا.
وعلى العكس منه نرى هؤلاء الذين انتهجوا نهجه في الأسلوب، واغترفوا من تلك الينابيع العربية التي وردها، نراهم مداحين، هجائين، ندابين لكل عظيم ويقول الدكتور طه حسين: "وأصبح الشعر بفضل الشعراء، وكسلهم العقلي فنًا عرضيًا لا يحفل به إلا للهو والزينة والزخرف، فإذا أراد بنك مصر أن يفتتح بناءه الجديد طلب إلى شوقي قصيدة، فنظم له شوقي هذه القصيدة. وإذا أرادت "دار العلوم" أن تحتفل بعيدها الخمسيني كما يقولون طلبت إلى شوقي والجارم وعبد المطلب أن ينظموا لها قصائد، فنظموا لها القصائد، وإذا مات عظيم وأريد الاحتفال بتأبينه، أو نبه نابه، وأريد الاحتفال بتكريمه طلب إلى الشعراء أن ينظموا الشعر في المدح والرثاء، فنظموا كما كان ينظمه القدماء، فانحط العشر حتى أصبح كهذه الكراسي الجميلة المزخرفة التي تتخذ في الحفلات والمأتم، وأصبحنا لا نتصور
стр. 442
حفلة بغير قصيدة لشوقي أو حافظ، كما أننا لا نتصور عيدًا أو مأتمًا بغير مغنٍ أو مرتل قرآن. فأما الشعر الذي يقال لنفسه، الذي يقال ليحلو مظهرًا من مظاهر الجمال الطبيعي. الذي يقال ليكون صلة بين نفس الشاعر ونفس القراء، الذي يقال لا يلتملق عاطفة من العواطف، أو هوى من الأهواء، فلا تلتمسه عندنا، ولكن التمسه عند قوم آخرين عرف شعراؤهم لأنفسهم كرامتها فربئوا بها عن أن تكون أداة للهو والزينة"١.
وكان جمهور المثقفين يطرب لهذا النوع من الأدب؛ لأنه لا يعر ف غيره، ولأنه يحاكي تلك الألوان التي عرفها في المدرسة من الأدب العربي القديم، ووعتها حافظته. وفضلًا عن هذا كله فإن هذا النوع من الأدب كان نتيجة لازمة للتربية الإنجليزية في مصر، التي اهتمت بتنمية الذاكرة، وقدرتها على الاستيعاب، وأهملت المواهب الإنسانية الأخرى كالتفكير والتأمل، ودقة الملاحظة، والابتكار العقلي، والحرية في الرأي.
ويقول مستر "مان" في تقريره عن التعليم في مصر زمن الإنجليز: "يشهد الإنسان التلاميذ بالمدارس المصرية مشتغلين في الغالب. إما بالإصغاء إلى المعلم، وإما بتدوين مذكرات، أو تذكر ما استظهروا، وإما بعمل تمرينات متماثلة، وبسرعة واحدة، وتحت رقابة صارمة، ويندر أن يقع النظر على التلاميذ يعملون عملًا مستقلًا، أو يطالعون مطالعة خاصة".
ويقول في موضع آخر من تقريره: "إن من الأمور البديهية التي لا تحتاج إلى التدليل أن طريقة الاستظهار ليست بالطريقة الصالحة لتحصيل العلم، إذ إن كل محاولة لاستعمال قوة الحفظ، وهي من المدارك الدنيا -بدلًا من قوة الفهم- وهي من المدارك العليا، لا بد من أن تؤدي إلى إضعاف قوى التصور، والتعقل والاستنباط؛ لأن الملكات التي لا تستخدم يصيبها الوهن٢.
стр. 443
ويقول اللدكتور هيكل؛ ويجب أن نعترف، ونفوسنا يملؤها الحزن والأسى، أن تربيتنا وتهذيبنا، لم يعد أكثريتنا للتأثر الفردي، والإحساس الذاتي، فهما يرسمان أمامنا مختلف صور الحياة. ويتركان لحسنا ولفكرنا أن يميز من هذه الصور ما يأخذه بهما ويلفتهما لفتات خاصة. بل هما يجيئان بصور الحياة مصبوبة في قوالب قررتها الجماعة في عصور سالفة فيطبعانها في حسنا وفكرنا طبعًا يقيدهما بهذه القوالب، ويكرههما على الخضوع لها والإيمان بها١.
ويقول في موضع آخر: "وإنما رجاؤنا أن تصدر الثورة المجددة التي ينبعث أصحابها في طلب الكمال الشعري لذاته عن الجيل الجديد، الذي يتلقى العلم اليوم، والذي نجاهد كلنا في سبيل تلقينه إياه، على غير تلك القواعد القديمة، التي كانت تبعث الجمود في الأذهان والقلوب والعواطف. وعلينا إذا أردنا معاونته على القيام بهذا الواجب أن نهاونه على تقرير حرية العاطفة بمقدار ما أعناه على تقرير حرية الفكر، وأن نوسع أمامه من أفاق الفن بمقدار ما نوسع من أفاق العلم، وأن نعرض عليه من صور الحياة الماضية والحاضرة ما يسمح له بحرية الاختيار، فإذا نحن قمنا بهذا الواجب كان لنا أن نؤمل من بين هذا الجديد، في أولئك الأفذاد الذين يقيمون صرح الشعر على أسس صالحة، والذين يجعلوننا نحس إذ تنشد شعرهم بائتلاف جواب نغمته مع سائر أنغام الحياة الحضارة وصورها، بدل أن نرى أنفسنا كمن يشدو بقيثاؤته وسط الأطلاق، ويريد أن يبعث أمام خياله حياة ليس لها بشيء مما في حياته اتصال٢.
عمد الشعراء إلى استظهار كثير من الأدب العربي القديم، حتى يستقيم لهم الأسلوب ويتملكوا ناصية القافية، ويكثر محصولهم من الكلمات والتعبيرات. بيد أن هذا الاستظهار أورثهم الجمود، والتقليد للأدب العربي القديم: في أساليبه،
стр. 444
وصور بيانه من كناية واستعارة وتشبيه ومجاز، وفي موضوعاته. ولم يستخدموا اللغة التي أحاطوا بمفرداتها في أغراض عصرهم، وتصوير بيئتهم، والتعبير عن خلجات نفوسهم، وهزات مشاعرهم، في صور من البيان جديدة مستمدة من بيئتهم الحضرية. وهزات مشاعرهم، في صور من البيان جديدة مستمدة من بيئتهم الحضرية. ومدنيتهم الحديثة، وإنما احتذوا حذو الشعراء الأقدمين في كل شيء وعارضوهم في مشهورات قصائدهم١.
وإذا كان المديح، والتهاني، والرثاء، من خير ما ورثناه عن الشعر العربي القديم، وإذا كان الشعراء الذين سلكوا هذا الطريق خلدوا في الأدب العربي؛ فما ذلك إلا لأن عصرهم كان يمجد هذا النوع من الأدب، ولأن الحياة الاجتماعية كلها تدور حول الأمير، بيده السلطات: الدينية والدنيوية، وهو ووزراؤه. وأهل بيته أصحاب الجاه والمال، وهو المتصرف المطلق في حياة الشعبِ، إن كان صالحًا سار فيهم بكتاب الله وسنة رسوله، وحكم بالعدل. إن كان فاسدًا ذاقوا على يديه، وعلى أيدي ولاته ضروب الذلة والمهانة، فلا بدع إذا أغدق الشعراء على هذا الأمير الثناء؛ ليحرضوه على فعل الخير، وليرسموا له الطريق الصالحة التي تسعد الشعب وتسعدهم٢.
ولولا خلال سنها الشعر ما درى ... بناة العلاء من أين تؤتي المكارم
وبذلك كان الأدب في العصور الإسلامية السابقة أدبًا أرستقراطيًا. أما نحن فقد تغيرت بنا صروف الزمن، ولم يعد الأمير هو كل شيء في حياتنا، وصارت للشعب حقوق يجب أن تحترم، وآمال لا بد أن تتحقق، وصارت الأمة تنادي بأنها مصدر السلطان، ولم يعد الأمير وحاشيته ووزراؤه هم مصدر المال دون سواهم، بل تعددت سبل الكسب أمام الشعراء فلا معذرة لهم.
لم يفطن أدباؤنا إلى كل ذلك، بل نقلوا إلينا الأدب القديم في كل صوره، وعارضوا كبار الشعراء في العصر العباسي، أمثال أبي تمام، والبحتري، والمتنبي، فجاءت قصائدهم في كثير من معانيها وألفاظها بياتها وصور بيانها متأثرة بقصائد الأولين.
стр. 445
إن اللغة توفيقية ما في ذلك ريب. ولا بد للأديب الذي يبغي التفوق والخلود من أن يلم بها إلمامًا تامًا، ويعرف أسرارها ودقائقها وشتى أساليبها، ولمن يتأتى له ذلك بإدمان القراءة في كتب الأدب قديمها وحديثها، وحفظ الجيد من روائع الشعر والنثر، ولكن الذي نلوم عليه الشعراء في ذلك الوقت هو جمودهم، وتقليدهم لهذا الأدب موضوعًا وأسلوبًا وبيانًا، مع أن صور البيان القديمة لا يناسب كثير منها العصر الذي نعيش فيه. إن ألفاظ اللغة مثل اللبنات التي يشيد بها البيت، وهندسة البيوت تتغير من عصر إلى عصر تبعًا لحالة الناس من البداوة والحضارة، والغنى والفقر. والتعليم والجهل، فإذا كنا في عصرنا الحاضر نشديد بيوتًا كما كان يشيدها العرب في العصر العباسي، ولا نلتفت إلى ما يتطلبه عصرنا، وما عرفناه عند غيرنا من فن حديث في البناء، كان ذلك ولا شك سوء استعمال. وإذا وصف "شوقي" مركب أم المحسنين بالهودج، مع أنها كانت تركب سيارة فخمة تطوي الأرض طيًّا، وحفلت بشتى ألوان الراحة، كان ذلك أيضًا سوء استعمال، وسوء اختيار. والله در حافظ إبراهيم حين وصف الشعر في ذلك الوقت، وصرخ صرخة مدوية يطلب فيها التجديد بقوله:
ملأنا طباق الأرض وجدًا ولوعة ... بهند ودعد والرباب وبوزع
وملت بنات الشعر منا مواقفًا ... بسقط اللوى الرقمتين ولعلع
وأقوامنا في الشرق قد طال نومهم ... وما كان نوم الشعر بالمتوقع
تغيرت الدنيا وقد كان أهلها ... يرون متون العيش ألين مضجع
وكان يريد العلم عيرًا وأينقًا ... متى يعيها الإيجاف في البيد تطلع
فأصبح لا يرضى البحار مطية ... ولا السلك في تياره المتدفع
وقد كان كل الأمر تصويب نبلة ... فأصبح بعض الأمر تصويب مدفع
ونحن كما غنى الأوائل لم نزل ... نغني بأرماح بيض وأدرع
عرفنا مدى الشيء القديم، فهل مدى ... لشيء جديد حاضر النفع ممتع
стр. 446
وحين قال مخاطبًا الشعر:
ضعت بين النهى وبين الخيال ... يا حكيم النفوس يابن المعالي
ضعت في الشرق بين قوم هجود ... لم يفيقوا وأمة مكسال
قد أذالوك بين أنس وكاس ... وغرام بظبية أو غزال١
ونسيب ومدحة وهجاء ... ورثاء وفتنة وصلال
حملوك العناء من حب ليلى ... وسليمى ووقفة الأطلال
وبكاء على عزيز تولى ... ورسوم راحت بهن الليالي
وإذا ما سمعوا بقدرك يومًا ... أسكنوك الرجال فوق الجمال
فارفعوا هذه الكمائم عنا ... ودعونا نشم ريح الشمال٢
نعم إن حافظًا قد رغب في التجديد، ولكنه لم يستطع التجديد إلا في حدود ضيقة؛ إذ جدد في أغراضه، وإن لم يجدد في صوره. وسنخصه ببحث طويل إن شاء الله. ولكن صيحته هذه تدل على ما كان عليه الشعر في أول عهده، وعلى الرغبة الملحة في مسايرة العصر ومقتضياته: لقد جنى الإنجليز بسياستهم التعليمية على الأدب بعامة، وعلى الشعر بخاصة، وإذا كانت هناك نهضة في الأدب بعد ذلك فهي ليست ثمرة تعليمهم، وإنما هي نتيجة بواعث أخرى سنذكرها فيها بعد إن شاء الله.
رأى "كرومر"بعد أن فرغ من الإصلاحات المالية والداخلية التي منَّ بها علينا في كتابه "مصر الحديثة" وفي خطبة الوداع التي ألقاها حين غادر مصر، وعدد فيها ما ظنه خيرًا قدمه لمصر، رأى بعد هذا أن يلتفت إلى نشر الثقافة الإنجليزية بالبلاد. ونسى أن إصلاحاته المالية والداخلية كلها قد أحبطتها سياسته التعليمية حتى دعت شاعرًا مثل حافظ أن يقول مخاطبًا "اللورد كرومر":
стр. 447
تمن علينا اليوم أن أخصب الثرى ... وأن أصبح المصري حرًّا منعمًا
أعد عهد إسماعيل جلدًا وسخرة ... فإني رأيت لمن أنكى وآلمًا
عملتم على عز الجماد وذلنا ... فأعليتم طينًا وأرخصتم دمًا
إذا أخضبت أرض وأجدب أهلها ... فلا أطلعت نبتًا ولا جادها السما
وإلى أن يقول مودعًا ومشيرًا إلى مأساة التعليم على عهده:
يناديك قد أزريت بالعلم والحجا ... ولم تبق للتعليم يا لرْد معهدًا
وأنك أحصبت البلاد تعمدا ... وأجديت في مصر العقول تعمدا
وأودعت تقرير الوداع مغامرًا ... رأينا جفاء الطبع فيها مجسدًا
يناديك: أين النابغون بعهدكم ... وأي بناء شامخ قد تحددًا
فما عهد إسماعيل والعيش ضيق ... بأجدب من عهد لكم سال عسجدًا
وليس هذا كل ما جناه كرومر على عقول المصريين، فمساعيه في نشر الثقافة الإنجليزية في البلاد عنوة وفرض اللغة الإنجليزية على البلاد قسرًا قد جعلت عهده من أسوأ العهود التي مرت على مصر العربية الإسلامية.
راع كرومر حينما فكر في نشر الثقافة الإنجليزية ذلك البناء الضخم من الثقافة الفرنسية الذي شيدته همم الإرساليات التبشيرية، البعثات العلمانية، وتشجيع الحكومة الفرنسية وأموال رجال الاقتصاد والأعمال من أهل فرنسا، وهالته كثرة المدارس الفرنسية بمصر، وحماس هؤلاء الذين تعلموا بها، أو في فرنسا ذاتها لنشر اللغة الفرنسية بمصر، وحماس هؤلاء الذين تعلموا بها، أو في فرنسا ذاتها لنشر اللغة الفرنسية، وآدابها، ورأى أن الفرنسيين قد بذلوا غاية جهدهم لمساعدة هؤلاء الذين يتخرجون في مدارسهم فاشترطوا على الإنجليز -أول سني الاحتلال- أن يظل لهم النفوذ الأول ببعض المصالح الحكومية، كما كان قبل الاحتلال، فخلصت لهم إدارة مصلحة الآثار المصرية، التي أشرفوا عليها منذ أن اكتشف "حجر رشيد". وخلصت لهم كذلك إدارة مدرسة الحقوق، واستولوا بأموالهم وقروضهم وشركاتهم، ومؤسساتهم التجارية على أكثر من نصف المصالح الاقتصادية والأموال المنقولة بمصر١ ووجد الشبان المصريون
стр. 448
والأجانب الذين يتخرجون في مدارسهم مجال العمل فسيحًا في شركاتهم ومؤسساتهم الاقتصادية والمالية كما ذكرنا آنفًا.
ولانتشار نفوذهم بين الأجانب وإقبالهم على مدارسهم صارت اللغة الفرنسية هي لغة المعاملات التجارية سواء بين الأجانب بعضهم وبعض أو بينهم وبين المصريين، واضطرت المحاكم المختلطة أن تصدر تسعة أعشار أحكامها باللغة الفرنسية، فضلًا عن المواطنين الذين يجب عليهم أن يحسنوا هذه اللغة ليتعاملوا مع جمهور المتقاضين.
وعلى الرغم من الاحتلال الإنجليزي، وطول أمده. والمحاولات التي بذلها كرومر، وبذلها "دانلوب" من بعده فقد ظلت اللغة الفرنسية هي اللغة الأولى في السوق المصرية ردحًا طويلًا وظلت كذلك لغة التخاطب بين الأجانب المختلفي الجنسية المقيمين بمصر. لقد استجابت فرنسا والفرنسيون لنصيحة نابليون التي يقول فيها: "علموا اللغة الفرنسية ففي تعليمها خدمة الوطن الحقيقية".
رأى كرومر المستعمر الإنجليزي الأول كل هذا النفوذ للثقافة الفرنسية، ورأى أن قدم الاحتلال لن تطمئن بهذه الديار إلا إذا عمل على إضعاف هذا النفوذ الفرنسي المكين ومكن للغة الإنجليزية، وأجبر المصريين على قبولها لغة أجنبية لها المكانة الأولى في البلاد وقد سلك في تحقيق هذه الغاية عدة طرق منها:
الكف عن إرسال البعثات إلى أوربا بعامة، وفرنسا بخاصة؛ لأنه رأى رأى العين ما قدمه رجال البعثات لوطنهم من أياد بيضاء في كل سبيل من سبل النهضة، وكل باب من أبواب القوة، منذ عصر محمد علي حتى زمن الاحتلال المشئوم، وأن هؤلاء الرجال الذين اختيروا من صميم الريف صاروا فيما بعد القادة المفكرين، والعلماء الناصحين، والساسة القادرين، وأنهم نهضوا باللغة العربية نهضة عظيمة فدبت فيها روح الحياة، وأخذت تستعيد سابق قوتها بترجمة كثير من الكتب العلمية في الطب والهندسة، والحيل "الميكانيكا"؛ والرياضة والقانون والجغرافيا والتاريخ، والاجتماع والاقتصاد وغير ذلك على النحو الذي فصلناه في الجزء الأول من هذا الكتاب.
стр. 449
أجل! بدأت اللغة العربية تساير ركب الحياة وتعني بالمصطلحات العلمية التي زودها بها هؤلاء العلماء الأجلاء الذين عكفوا على الكتب العربية القديمة ينقبون فيها عما عساه يصلح للحضارة الحديثة؛ فإن استعصى عليهم شيء عربوه، أو وضعوا له كلمات.
رأى كرومر هذا الأثر الجليل الذي يتركه رجال البعثات في مصر، فعز عليه أن تظل هذه النافذة التي ينسكب منها نور العلم على ربوع وادي النيل مفتوحة، وهو الذي يريد أن يمكن للاستعمار في هذه الديار، ولن يتأتى له ما يريد إلا إذا ظلت مصر في ظلام دامس، تتخبط في طريق مضلة، متخلفة عن ركب المدينة، لا تجد لها قائدًا رشيدًا ولا تسمع رأيًّا سديدًا فيوجهها الغاصبون كما يشاءون: ولهذا أرغم الحكومة المصرية على إلغاء البعثات إلى فرنسا؛ فصدر بذلك قرارها في أواخر أغسطس سنة ١٨٩٥، وكان لهذا القرار ضجة صاخبة في الجرائد المصرية والفرنسية على السواء١.
ولقد نجم عن هذه السياسة الاستعمارية البغيضة أن ضعف نفوذ اللغة العربية على مر الأيام حتى تجني عليها بعض ساستهم، ورماها بالفقر والعقم، وفي ذلك يقول "اللورد جراي" حين سئل في مجلس العموم البريطاني عن تعليم اللغة العربية بمصر: "لا تصلح اللغة العربية اليوم لتعليم العلوم إذ تفتقر إلى الاصطلاحات العلمية والفنية"٢. ولست أدري كيف ينتظر الإنجليز من اللغة العربية أن ترقى، وتعني بالمصطلحات العلمية والفنية، وقد أوقفوا تيارها المتدفق وحالوا بينها وبين العلوم الحديثة في بلاد الغرب؟؟.
وكان من الطبيعي كذلك أن يتناقص عدد المثقفين الذين يستطيعون التدريس بالمعاهد المصرية العالية، فحل محلهم إنجليز يلقون دروسهم بلغتهم، دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة الترجمة، أو أن تكون ثمة واسطة بينهم وبين الطلبة كما كان الشأن في عهد محمد علي. ولم يكن الطلبة المصريون قد حذقوا اللغة الإنجليزية إلى الدرجة التي تمكنهم من فهم ما يلقى عليهم لأول وهلة، ولذلك
стр. 450
لجئوا إلى الحفظ والاستظهار، كي ينجحوا في الامتحان وصاروا آلات صماء لا تفكر ولا تعي، ولا تقدر على الابتكار أو التجديد، وبعد كل هذا نسمع من أحد علمائهم وهو السير "وليام ولكوكس" المهندس المشهور يقول في طلبة مدرسة الهندسة: "لقد كنا نؤمل خيرًا كثيرًا في طلبة مدرسة الهندسة في الأيام الأخيرة، بيد أنهم لم يبتدعوا شيئًا ذا بال، وكل ما عملوه أنهم نقلوا أفكار من كانوا أسعد منهم جدًّا، وتعلموا دروسهم. وقرءوها في كتبهم"١.
وطالما ألح المصريون على الإنجليز في أن تستأنف البعثات العلمية طريقها إلى أوربا، ولكنهم كانوا يجيبون في غطرسة بالغة: بأن المصريين ليسوا أهلًا للتدريس بالمعاهد العالية، ولو تلقوا علومهم في معاهد الغرب، ولم يكتفوا بهذا بل عبثوا بمدرسة المعلمين "الخوجات" التي كانت تعد المصريين لتدريس اللغات الأجنبية، والرياضة والعلوم "النورمال فيما بعد"، وصاروا يفتحونها عامًا، ويلغونها عامًا، فأصبح لا يقصدها إلا كل مرتاب في مستقبله، عالم أن منتهى أمره أن سيكون معلمًا صغيرًا في مدرسة ابتدائية بمرتب يتناول مثله كاتب بسيط في أحد الدواوين٢. ولما لم يجد الإنجليز من المصريين من يصلح للتدريس في المدارس الثانوية -بعد أن حالوا بينهم وبين الاستعداد لتلك المهمة- تذرعوا بذلك، وملئوا المدارس الثانوية بالإنجليز، وكان من الطبيعي أن تحول الكتب من العربية إلى الإنجليزية. بل إنهم فرضوا على تلامذة المدارس الابتدائية أن يتعلموا اللغة الإنجليزية، وجعلوا إتقان هذه اللغة شرطًا للتوظف في الحكومة، وأرغموا المرحوم على باشا مبارك على أن يصدر قرارًا في سنة ١٨٨٩ ينص فيه على أن تكون لغة التعليم في المدارس المصرية هي اللغة الإنجليزية.
وظل على هذا المنوال ردحًا غير قصير من الزمن، والمصريون يلحون في عودة اللغة العربية إلى المدارس المصرية، والإنجليز يصمون آذانهم، ويسيرون لطيتهم حتى بلغ التذمر غايته في سنة ١٩٠٨، وندد عقلاء المصريين بهذه السياسة المعوجة التي تهدف إلى القضاء على اللغة العربية، وحرمان مصر أقوى دعائم شخصيتها المتميزة بها عن سواها، وفي ذلك يقول عثمان "باشا" غالب:
стр. 451
"عرف الإنجليز أن أحسن واسطة لمحو وجود الشعب، واستقلاله، أي لقتله أدبيًّا، هو محو لغته الوطنية أو إضعافها، ألم يعرف ذلك الإنجليز المحبون للتوسع في الملك من التواريخ القديمة؟ إنهم عرفوه، ولكن يبلغوا إلى هذا الغرض ساروا تحت رداء الشروع في الإصلاحات. فألفوا الجمعيات، واللجان عقب اللجان، بمهارة وفكر، وكانت نتيجة مناقشتهم أن قرروا أمورًا كانت مكتوبة ومسجلة من قبل، ويكفيني لإثبات هذا الأمر للناس أن أحول أنظارهم إلى تلك الطرق التي اتبعوها لمحو اللغة الفرنسية من مدارسنا١.
ولا جدال في أن وقف البعثات إلى فرنسا قد أضعف نشر الثقافة الفرنسية في البلاد، وبخاصة على أيدي هؤلاء الذين كانوا يغشون معاهد فرنسا ويعودون حاملين لواء الثقافة الفرنسية، ولما أبرمت معاهدة سنة ١٩٠٤ بين إنجلترا وفرنسا، تلك المعاهدة التي أطلقت يد إنجلترا في مصر، على أن تخلص مراكش لفرنسا، هدأ بال الإنجليز نوعًا ما؛ لأن فرنسا كانت متزعمة مناهضتهم بمصر؛ وطالما رأى فيها طلاب الحرية من المصريين نصيرًا قويًّا يفسح لهم صدره، ويشجعهم في صحفه وأنديته٢. وقد شجع ذلك مستر "دانلوب" بعد أن عين مستشارًا للمعارف على أن يقوض آخر المعاقل الفرنسية في المدارس المصرية، فأخذ في مضايقة "مسيو لامبير" ناظر الحقوق، حتى اضطره إلى التخلي عن وظيفته وعين بدلًا منه مستر "هيل" الإنجليزي، وفي ذلك يقول "ميسو لامبير" منددًا بسياسة دانلوب ومظهرًا عوار طريقته في التعليم:
"وقد حارب المستر دانلوب تقدم التعليم الفرنسي في مدرسة الحقوق بلا تبصر، على حين أن تعليم الحقوق في هذه المدرسة لا يزال تعليمًا فرنسيًّا، ما دامت قوانين البلاد لم تغير تغير كليًّا. وقد مثل رواية مضحكة للتعليم العالي في مدرسة الحقوق فوقف تعيين ما يحتاج إليه القسم الفرنسي من الموظفين، وحجته في ذلك أن مصير هذا القسم إلى الزوال في القريب العاجل، وطرد من القسم الأكبر وهو الذي تدرس فيه الحقوق الفرنسية باللغة الإنجليزية الأساتذة الأكفاء الذين قاموا بأمره في مبدأ تأسيسه، وهم من القضاة الذين
стр. 452
أفادتهم إقامتهم الطويلة في الديار المصرية خبرة بأسرار قوانينا، واستبدل بهم شبانًا من الإنجليز يعينون بمجرد تخرجهم في الكلية الإنجليزية فيقدمون إلى مصر وهم والطلبة المكلفون بتعليمهم سواء في الجهل بالقوانين المصرية١.
ثم التفت الإنجليز بعد ذلك إلى المدارس الفرنسية بمصر، ورأوا أن خير وسيلة لإضعاف نفوذها، والتقليل من الإقبال عليها أن يظهر عميدهم بمظهر الغيور على مصلحة المصريين، الذي يخشى من طغيان الثقافة الأجنبية على من يغشي المدارس الفرنسية منهم، ولذلك أوجب تعلم كل العلوم باللغة الإنجليزية في المدارس المصرية، ليجد المصريون فيها غناء عن المدارس الأجنبية، ويحذقون في الوقت ذاته لغة حية راقية من اللغات الأجنبية وهي الإنجليزية، وشجع كرومر الإنجليز على العمل بالمدارس المصرية معلمين ونظارًا، وعمل هؤلاء من جانبهم على الدعاية للغة الإنجليزية، وصبغت المدارس العالية كالطب، والزراعة، والهندسة، والمعلمين، بصبغة إنجليزية خالصة، فلم يجد الطالب مندوحة إذا أراد أن يتم تعليمه العالي إلا أن يجيد اللغة الإنجليزية حتى يستطيع متابعة الدراسة في المدارس العالية؛ بل اشترط كرومر على كل موظف بالدولة أن يجيد هذه اللغة، ليتمكن من التفاهم مع رؤسائه الإنجليز الذين استولوا على كل المصالح والدواوين.
وبهذا قل نوعًا ما نفوذ الثقافة الفرنسية في كثير من مصالح الدولة ومعاهدها. بيد أن هذا لم يذهب كل ما لها من قوة، بل أتى اضطهاد كرومر لها بنتيجة لم يكن ينتظرها، وذلك لأنه أخطأ السبب الحقيقي الذي دفع بالمصريين والأجانب للتعليم في المدارس الفرنسية، وذلك السبب هو أن التعليم بالمدارس الفرنسية، كان أرقى نوعًا وأتم نظامًا منه في المدارس الأخرى، ولم يكن وراءه غاية استعمارية ظاهرة، ولو كان السبب هو مجرد رغبة المصريين في تعلم لغة أجنبية لقل الإقبال على المدارس الفرنسية منذ أن فرضت اللغة الإنجليزية على المدارس
стр. 453
المصرية في سنة ١٨٨٩، ولكننا رأينا العكس، إذا اشتد الإقبال على هذه المدارس١ حتى صار عددها مائة وعشرين مدرسة بها ما يزيد عن اثنين وأربعين ألف تلميذ وتلميذة، ولم تفلح كل الوسائل التي قدمها الإنجليز لجذب الأجانب المقيمين بمصر للإقبال على مدارسهم؛ وذلك لأن معظم اقتصاديات مصر كانت في أيدٍ فرنسية، وكانت لا تزال هي اللغة السائدة في السوق المصرية، ولذلك قال أحد علمائهم داحضًا مزاعم هؤلاء الذين تنبئوا بتقلص ظل الثقافة الفرنسية من مصر: "لا حجة لما يقول به المتشائمون من أن نجم فرنسا في مصر قد أفل، وأن لغة أخرى حلت محل الفرنسية في عاصمتي تلك الديار -القاهرة والإسكندرية- وما عليك إلا أن تسير بالشواع الكبرى، حتى تتحقق من ذلك وتسمع بأذنيك باعة الصحف ينادون بأسماء أكثر الجرائد اليومية انتشارًا مثل: "لا بورص إجبشيان، والجورنال دي جيبت، والجورنال دي كير". وإذا شاهدنا عن بعد شخصين مختلفي الجنسية يتحدثان، فتأكد أن الحديث بينهما يدور باللغة الفرنسية فهي اللغة الغالبة، كما أنها لغة السياسة ولغة القضاء؛ لأن تسعة أعشار القضايا التي تعرض أمام المحاكم المختلطة تستعمل فيها اللغة الفرنسية٢.
لقد كان هذا الصراع بين الفرنسية والإنجليزية على حساب اللغة العربية، فأضعف شأنها، وكاد يؤدي بها لأن الطبقة المثقفة من أبناء الأمة الذين كان يرجى منهم العمل على إحياء اللغة العربية والنهوض بها، صاروا لا يرونها في المدارس إلا لمامًا وأصبحت لغة التعليم لديهم هي اللغة الإنجليزية، وبذلك أحجم كثير من العلماء عن التأليف باللغة العربية كما أن الطلبة عمدوا إلى الحفظ والتقليد في المدارس، وكانوا أبعد الناس عن الابتكار والاستقلال في الرأي؛ لأن هذه اللغة التي فرضت عليهم كانت أجنبية عنهم ولم يجدوا حيلة للنجاح في الامتحان، إلا أن يحفظوا دروسهم بالإنجليزية حفظًا، ولم يفهموا. أضف إلى كل هذا حرمان مصر من البعثات والتعليم العالي الصحيح؛ لأن التعليم العالي الذي كان موجودًا حينذاك
стр. 454
فرض على الطلبة أن يستقوا العلم من منيع واحد لا يحيدون عنه ولا يعرفون سواء ويتقيدون بوجهة نظر واحدة، ولا يسمعون لها مناقشة أو نقضًا. وهيهات أن يجدي مثل هذا التعليم في تكوين ملكة البحث أو الابتكار، أو التعمق في المادة أو الوقوف على أسرارها.
ولقد كان لكل هذا أثر في الأدب الحديث ونهضته: إذ أوقفت اطراد نموه، واكتمال قوته، وجعلته لا يجد سبيلًا للتقدم إلا بتقليد الأدب العربي القديم وحده، لولا بعض أمثلة قليلة ترجمت في تلك الحقبة من الآداب الغربية، لذلك يقول هيوار: ما فتئت اللغة العربية غارقة في الاستعمارات القديمة، وهي لا تستعمل إلا مجموعة من التعبيرات التي لا يتأتى فهمها إلا لأهل الثقافة، مما يحول دون اتصالها بجمهرة الشعب لتحدثهم بما يفهمون فالمقالة السياسية. ومرادفاتها الرامية إلى محاكاة مقامات الحريري إلا فكاهة للقارئ المثقف يتسلى بها. نود أن تأخذ اللغة العربية في المستقبل بجلاء التعبير، وببساطة الأسلوب، فإذا جاء يوم تتحقق فيه هذه الأمنية كان ذلك بداية عهد جديد للآداب العربية"١.
وقد كان المقدر للأدب العربي بعد أن نهض في أواخر عهد إسماعيل، وأخذ يتجه صوب الأدب الغربي ليفيد فكرة، ومنهجًا، ويجمع بين ما ورثه عن العرب، وما تقدمه له أوربا، وبعد أن ظهر أمثال محمد عثمان جلال وأديب إسحق ومن شاكلتهما، وبعد أن عرفت مصر في تلك الحقبة ألوانًا مختلفة من الآداب الأوربية، أن تزداد صلة الأدب الغربي، ويأخذ عنه بعض أساليبه، ولكننا نلاحظ كما لاحظ الأستاذ "جب" ضعف المصريين في الأدب إبان هذه السنوات العجاف٢، حتى لقد مضى القرن التاسع عشر ولم يظهر فيه إلا شبه قصة مصرية هي ما كتبه محمد المويلحي في "حديث عيسى بن هشام".
لقد امتدت يد الإنجليز للغة العربية في كل مكان، ولم يبقَ إلا مدرسة واحدة ظلت اللغة العربية فيها تتمتع بشيء من القوة النسبية، تلك هي "دار العلوم"، ولقد حاولوا مرات أن يصبغوها صبغة إنجليزية لولا تدخل الشبح محمد عبده صديق كرومر، فكفوا أيديهم عنها، وقد رأس الشيخ محمد عبده سنة ١٩٠٤ الامتحان
стр. 455
النهائي لدار العلوم، وقدم تقريرًا لناظر المعارف عن حال المدرسة جاء فيه: "وإني أنتهز الفرصة للتصريح بمكانة هذه المدرسة في نفسي، وما أعتقد من منزلتها في البلاد المصرية، ومن اللغة العربية، وإن الناس لا يزالون يذكرون اللغة العربية، وإهمال أهلها في تقويمها، يوجهون اللوم للحكومة لعدم عنايتها بأمرها، ولم أسمعهم قط ينصفون هذه المدرسة ولا يذكرونها من حسنات الحكومة فإن باحثًا مدققًا إذا أراد أن يعرف أين تموت اللغة العربية وأين تحيا، وجدها تموت في كل مكان، ووجدها تحيا في هذا المكان".
حقًّا إن اللغة العربية في هذه الحقبة كانت تموت في كل مكان، وتحيا في دار العلوم، ولكن ماذا عساه تقدمه دار العلوم وحدها للغة العربية، والمدارس مصبوغة صبغة أجنبية، وإنجلترا تحاول أن تبدل لسان المصريين العربي إلى لسان إنجليزي، وبيدها السلطان، ووظائف الدولة، وأبناؤها هم رؤساء المصالح وذوو النفوذ فيها؟ إذ كان ثمة خير قدمته دار العلوم في هذه الحقبة للغة العربية فهو حفظها اللغة العربية من الضياع، حتى أتيح لها أن تنهض فيما بعد نهضته قوية فارعة بعد أن تخلصنا من تلك السياسة الاستعمارية المشئومة.
ولكن هل نجح الإنجليز حقًّا في إماتة اللغة العربية في كل مكان؟ إذا كانوا قد حاولوا أن يخرجوا جيلًا من المصريين يحذق لغتهم أكثر مما يجيد لغته في المدارس المصرية، فإن الجيل الماضي كان قوي التأثير في الجمهور، وهو المسيطر على الصحافة، والصحافة مدرسة عامة، ولذلك شن الإنجليز حملة شعواء على اللغة العربية الفصحى، وحاولوا أن يقنعوا المصريين بأن سبب تأخرهم في ميدان الحياة. وتخلفهم عن الأوربيين في الابتكار الأدبي والعلمي يرجع إلى تمسكهم بلغة القرآن، والأساليب العربية القديمة. وأن الأولى لهم أن ينهضوا باللغة العامية حتى يسايروا ركب الحضارةِ، فهي لغة حية، دائمة التجديد، ويفهمها جمهور الشعب، ولا نهضة لأمة إلا إذا نهض سواد الشعب فيها، وفهم ما يكتبه العلماء والأدباء، ولن يفهم هذا إلا إذا كانت الكتابة باللغة العامية.
استمع لأحد دعاتهم وهو السير "ويليام ولكوكس" في خطبته التي ألقاها في نادي الأزبكية سنة ١٨٩٣، والتي جعل عنوانها، لم لم توجد قوة الاختراع
стр. 456
لدى المصريين؟ " وذكر أن العامل الأكبر في فقد قوة الاختراع لديهم هو استخدام اللغة العربية الفصحى في القراءة والكتابة، ونصحهم باتخاذ اللغة العامية أداة للتعبير الأدبي، اقتداء بالأمم الأخرى واستشهد بالأمة الإنجليزية. وقال: إنها أفادت فائدة كبيرة منذ هجرت اللاتينية التي كانت لغة الكتابة والعلم يومًا ما.
وكان هذا الرجل من أشد أعداء اللغة الفصحى، وقد بذل غاية جهده لمحاربتها والقضاء عليها، وقد مكنته الظروف من أن تثول إليه مجلة الأزهر التي كان يحررها إبراهيم "بك" مصطفى والد الدكتور حسن "بك" رفقي، في أواخر سنة ١٨٩٢. واتخذها منبرًا يتهجم فيه على لغة القرآن.
وقد ألقى خطبته السابقة في نادي الأزبكية بالإنجليزية، وقد نشرها مترجمة إلى العربية في مجلته، ولكنها عربية ركيكة سخيفة١.
وقد ظل منذ ذلك الحين يكيد للعربية، ويوحي إلى أهلها بأنهم ليسوا عربًا وأن لا صلة لهم ولا للغتهم بالعرب؛ بل ادعى ما هو أدهى؛ إذ زعم أن اللهجة التي يتكلمها المصريون تمت إلى اللغة الفينيقية أو "البونية" كما سماها، انحدرت إليهم منذ أن كان الهكسوس بمصر، وأنه لا صلة لها بالعربية، وأخذ يتلمس لذلك براهين مضحكة في كتابه الذي أشرنا إليه آنفًا: "سوريا ومصر وشمال أفريقية ومالطة تتكلم البونية لا العربية٢" وقد نشره في سنة ١٩٢٦.
وفيه عدد الصعوبات التي يجدها المصريون في تعلمهم اللغة العربية، ورأى أن تحل محلها اللغة العامية، وأن يعم التعليم بها، وجعل مدة هذا التعليم عشر سنوات رأى أنها كفيلة بأن تمحو الأمية من مصر، وعلى حد تعبيره "كفيلة بأن تخلص المصريين من السخرة الثقلية التي يعانونها من جراء الكتابة بالعربية الفصحى".
ولم يكتف بهذا، لأنه رأى الأمة معرضة عن دعوته الاستعمارية الهدامة، التي تنطوي على تعصب ديني بغيض، وعلى نية استعمارية خبيثة، لأنه وغيره
стр. 457
من غلاة الاستعمار الإنجليزي يعلمون أن العربية لغة القرآن، ولغة الشعوب العربية الممتدة من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وأنها تربط بينهم برباط وثيق يحمل أمجادهم وتاريخهم وأدبهم، وتراث أسلافهم الفكري الذي به يعتزون, والذي يذكرهم بمجد تليد عليهم أن يعلموا على إحيائه وهم في فجر نهضته عقلية، علم هذا، من ثم أخذ يكيد للعربية، ويحاول تمزيق هذه الوشائح المتينة بين العرب، وبينهم وبين دينهم الذي يدعوهم للعزة والإباء والثورة للحرية، وقد فطن قادة الفكر في مصر إلى هذه الدعوة المسمومة التي روج لها باسم الشعب، وباسم فقدان قوة الاختراع والابتكار، فقاوموها مقاومة عنيفة.
ولم يكتف ويلككس بهذا التهجم على العربية، وكان يعتقد كما كان غيره من الأجانب يعتقدون. أن السبب الذي يجعل العامية في مرتبة منحطة، وأن الناس لا يقبلون على تعلمها والاحتفاء بها عدم وجود الكتب الأدبية المؤلفة بالعامية؛ ومن ثم نشط، ونشط غيره ممن يضمر مثل نيته من الأجانب إلى التأليف باللغة العامية، فترجم قطعًا من بعض روايات شكسبير إلى العامية المصرية، قطعة من هاملت، وأخرى من هندي الرابع.
فجاءت ترجمة سخيفة، وفقدت هذه الآثار الأدبية قيمتها وجمالها؛ لأن العامية لم تسعفه بالتعبير الصحيح، ولم تستطع أن تنهض بتلك المواقف الخالدة العنيفة١ بل جاءت عبارتها سوقية مبتذلة.
وترجم كذلك بعض فصول من الإنجيل إلى اللغة العامية فأساء إساءة كبرى إلى الإنجيل؛ لأن عبارته فيه كانت تتهالك ركاكة وغثاثة وسوقية٢.
ثم ألف كتابًا علميًّا باللغة العامية هو كتاب "الأكل والإيمان"٣ ليبرهن على أن اللغة العامية صالحة؛ لأن تكون لغة العلم: فخالته العامية، ولجأ في كثير من تعابيره إلى الفصحى لتمده بالكلمة الصحيحة، وقد ساقه في صيغة حوار بين تلميذ يسأل وأستاذ يجيب.
стр. 458
ولكن كتبه هذه لم تأته بالثمرة الموجوة، ولم يستجب المصريون لدعوته ودعوة غيره من المستعمرين كي يتخذوا العامية أداة للتعبير الأدبي ويهجروا الفصحى لغة القرآن، وذات المجد العريق.
وفي سنة ١٩٠١، أصدر "مستر ويلمور" أحد قضاة مصر كتابًا١ تناول فيه هذه المسألة ونصح المصريون بهجر اللغة الفصحى، واتخاذ اللغة العامية أداة للتعبير والكتابة، وقد أثار هذا الكتاب ضجة في الصحف المصرية. وتصدى أكثر من كاتب للرد عليه. وكانت مجلة الهلال ميدان هذه الردود وقد أيدت اللغة العربية ودافعت عنها٢ ثم جاء إسكندر معلوف من سوريا، وحاول أن يوهم الجمهور المصري بأن أهم أسباب تأخره في الحقيقة هو تمسكه باللغة العربية الفصحى وعجب من تمسك المصريين بها مع أن الفرس والهنود والأتراك مسلمون، وهم لا يستخدمون العربية، واحتج بأن الحكومة المصرية قد تركتها في مدارسها، وأحلت محلها اللغة الإنجليزية، وقد أثنى عليها ثناء مستطابًا لإقدامها على هذه الخطوة، ورأى أن الخطوة الثانية التي يجب أن يخطوها المصريون هي أن تدع الصحف والمجلات هذه اللغة وتكتب باللغة العامية، حتى يفيد العامة وجمهرة الشعب بما تكتب، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة ثالثة وهي تدوين العلوم والآداب باللغة العامية وبذلك يستطيع الشعب كله أن يحصل العلم بسهولة ويسر، وأهاب بالكتاب المصريين والعلماء أن يخطوا هذه الخطوات في سبيل رقى بلادهم٣.
ومن المصريين الذين أيدوا ويلككس في دعوته إلى العامية حين نشر رسالته التي يزعم فيها أننا نتحدث بالبونية لا بالعربية "سلامة موسى" فقد أثنى على ولككس ثناء مستطابًا وزعم أنه شغلته هموم مصر كثيرًا ومن أكبر همومه التي أقضت مضجعه هذه اللغة التي نكتبها ولا نتكلمها.
стр. 459
وأخذ سلامة موسى يدعو كما دعا ولككس إلى اتخاذ العامية لغة للكتابة بدعوى أن الفصحى فيها صعوبة. يعانيها الخاصة أكثر مما يعانيها العامة، وأنها عاجزة عن تأدية الرسالة الأدبية والعلمية ويقول: "ولكن نكبتنا الحقيقية هي أن اللغة العربية لا تخدم الأدب المصري ولا تنهض به؛ لأن الأدب هو مجهود الأمة وثمرة ذكائها وابن تربتها ووليد بيئتها، فهو لا يزكو إلا إذا كانت أدائه لغة هذه البيئة التي نبت فيها".
ويزعم كذلك أن الفصحى: "تبعثر وطنيتنا المصرية وتجعلها شائعة في القومية العربية فالمتعمق في اللغة الفصحى يشرب روح العرب ويعجب بأبطال بغداد بدلًا من أن يشرب الروح المصرية ويدرس تاريخ مصر، فنظره متجه أبدًا نحو الشرق، وثقافته كلها عربية شرقية -وليس من مصلحة الأمة المصرية أن ينزع شبابها نحو الشرق".
ثم راح يثني على ولككس، ولكنه رأى أن الانتقال إلى العامية فيه طفرة ولم يحن الوقت بعد لأن نخطو هذه الخطوة الواجبة، ولا بد من "تسوية" بين العامية والفصحى، فاقترح عدة اقتراحات عجيبة تفضي في مجموعها إلى تشويه الفصحى وإفسادها كاقتراحه إلغاء الألف والنون من المثنى والواو والنون من جمع المذكر السالم، وإلغاء التصغير وجمع التكسير، وإلغاء الإعراب والإكتفاء بتسكين أواخر الكلمات، وإدخال الكلمات الأعجمية "الأوربية كما هي"١. وهذه اقتراحات تدل على كراهية مقيتة للغة العربية وكل ما تحمله من تاريخ وأدب ودين وقومية، وهذا ما كان يريده المستعمرون حتى يتقطع ما بيننا وبين تراثنا الفكري الخالد وبيننا وبين ديننا، ومن ثم نمسخ مسخًا ونقبل على الثقافة الإنجليزية ونتشرب روحها وروح الإنجليز معها، فلنرضى بالاستعمار والمذلة والعار في فرح ومسرة واطمئنان.
ولقد لفتت هذه المشكلة كذلك نظر مستر "مان"٢ حين بحث أمور التعليم في مصر، فجاء في تقريره: إن الطفل المصري عندما يبدأ دراسته بالمدرسة
стр. 460
لا يتعلم كما يتعلم الطفل الأوربي طرق كلامه المألوف وقراءته فحسب، وإنما يتعلم لغة أخرى شديدة الصعوبة، تختلف عن لغته المعتادة اختلافًا بينًا: ويتعلم في ذات الوقت كتابتها وقراءتها، فحالته هذه تشبه حال طفل إنجليزي يتكلم ويسمع اللغة الإنجليزية العادية في المنزل والشارع والمدرسة على السواء ولكنه مضطر ألا يستعمل في القراءة والكتابة إلا اللغة الإنجليزية التي كانت شائعة في عصر ألفريد الأكبر".
ويقول بعد ذلك: "إن هذه الطريقة من شأنها أن توقف نمو التفكير عند الطفل"، ولكن هل تعلم الطفل المصري في المدرسة اللغة الإنجليزية في جميع مواد الدراسة، وهو يتكلم ويسمع اللغة المصرية الدارجة، ولا يوجد بين اللغة الإنجليزية والمصرية الدارجة أي صلة؛ ثم تعلم قراءتها وكتابتها أيسر عليه من تعلم اللغة الفصحى؟ لا يرى أن هذه الطريقة التي أرغم عليها أطفال المصريين لا توقف نمو تفكيرهم فحسب، ولكنها تقتل كل الملكات العقلية من تصور وإدراك واستنباط وتفكير؟ أنسي مسترمان، ومن دعا هذه الدعوة أن أطفال الأوربيين أنفسهم يتعلمون في المدرسة لغة تختلف عن لغة البيت والشارع في الغالب، وأن لكل أمة لهجة دارجة، وأخرى فصيحة؟ ووجود اللهجات الدارجة أمر طبيعي، فلو اتخذت أمة لغتها العامية الحالية أداة للتعبير والكتابة، ووضعت لها القواعد، وصنفت فيها الكتب لتحلل الناس بعد أمد يسير من هذه القواعد في النطق والتركيب، وأوجدوا لهم لغة دارجة لا تتقيد بقوانين، تخفيفًا عن أنفسهم، وجريًا على عادة التساهيل والإهمال والنسيان!!
ثم إن ثمة اعتبارات كثيرة خاصة باللغة العربية الفصحى تتعلق بالدين، والقرآن الكريم وتتعلق بوشائج القربى بيننا وبين الناطقين بها، فلو عمد كل شعب عربي إلى اتخاذ لغته الدارجة وسيلة للكتابة والتعبير لتقطعت بيننا هذه الوشائج. وتبددت قوانا المادية والمعنوية على مر الأيام. ويظهر أن مستر "مان" فطن إلى هذه الاعتبارات، وأدرك جم الصعوبات التي تقف في سبيل اللغة العامية، وأن اللغة الفصحى لا بد منتصرة في النهاية على الرغم من تلك الدعاية القوية التي أثيرت ضدها من الإنجليز وأشياعهم. فقال: "على أني أعترف في الوقت أن مسألة اللغة هذه مشبكة بجميع أنواع التقاليد الدينية والقومية والاجتماعية اشتباكًا لا فكاك منه، وأنها لهذا السبب أعسر من أن تحل استنادًا إلى الاعتبارات التربوية وحدها١".