لدى المصريين؟ " وذكر أن العامل الأكبر في فقد قوة الاختراع لديهم هو استخدام اللغة العربية الفصحى في القراءة والكتابة، ونصحهم باتخاذ اللغة العامية أداة للتعبير الأدبي، اقتداء بالأمم الأخرى واستشهد بالأمة الإنجليزية. وقال: إنها أفادت فائدة كبيرة منذ هجرت اللاتينية التي كانت لغة الكتابة والعلم يومًا ما.
وكان هذا الرجل من أشد أعداء اللغة الفصحى، وقد بذل غاية جهده لمحاربتها والقضاء عليها، وقد مكنته الظروف من أن تثول إليه مجلة الأزهر التي كان يحررها إبراهيم "بك" مصطفى والد الدكتور حسن "بك" رفقي، في أواخر سنة ١٨٩٢. واتخذها منبرًا يتهجم فيه على لغة القرآن.
وقد ألقى خطبته السابقة في نادي الأزبكية بالإنجليزية، وقد نشرها مترجمة إلى العربية في مجلته، ولكنها عربية ركيكة سخيفة١.
وقد ظل منذ ذلك الحين يكيد للعربية، ويوحي إلى أهلها بأنهم ليسوا عربًا وأن لا صلة لهم ولا للغتهم بالعرب؛ بل ادعى ما هو أدهى؛ إذ زعم أن اللهجة التي يتكلمها المصريون تمت إلى اللغة الفينيقية أو "البونية" كما سماها، انحدرت إليهم منذ أن كان الهكسوس بمصر، وأنه لا صلة لها بالعربية، وأخذ يتلمس لذلك براهين مضحكة في كتابه الذي أشرنا إليه آنفًا: "سوريا ومصر وشمال أفريقية ومالطة تتكلم البونية لا العربية٢" وقد نشره في سنة ١٩٢٦.
وفيه عدد الصعوبات التي يجدها المصريون في تعلمهم اللغة العربية، ورأى أن تحل محلها اللغة العامية، وأن يعم التعليم بها، وجعل مدة هذا التعليم عشر سنوات رأى أنها كفيلة بأن تمحو الأمية من مصر، وعلى حد تعبيره "كفيلة بأن تخلص المصريين من السخرة الثقلية التي يعانونها من جراء الكتابة بالعربية الفصحى".
ولم يكتف بهذا، لأنه رأى الأمة معرضة عن دعوته الاستعمارية الهدامة، التي تنطوي على تعصب ديني بغيض، وعلى نية استعمارية خبيثة، لأنه وغيره
стр. 457
من غلاة الاستعمار الإنجليزي يعلمون أن العربية لغة القرآن، ولغة الشعوب العربية الممتدة من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وأنها تربط بينهم برباط وثيق يحمل أمجادهم وتاريخهم وأدبهم، وتراث أسلافهم الفكري الذي به يعتزون, والذي يذكرهم بمجد تليد عليهم أن يعلموا على إحيائه وهم في فجر نهضته عقلية، علم هذا، من ثم أخذ يكيد للعربية، ويحاول تمزيق هذه الوشائح المتينة بين العرب، وبينهم وبين دينهم الذي يدعوهم للعزة والإباء والثورة للحرية، وقد فطن قادة الفكر في مصر إلى هذه الدعوة المسمومة التي روج لها باسم الشعب، وباسم فقدان قوة الاختراع والابتكار، فقاوموها مقاومة عنيفة.
ولم يكتف ويلككس بهذا التهجم على العربية، وكان يعتقد كما كان غيره من الأجانب يعتقدون. أن السبب الذي يجعل العامية في مرتبة منحطة، وأن الناس لا يقبلون على تعلمها والاحتفاء بها عدم وجود الكتب الأدبية المؤلفة بالعامية؛ ومن ثم نشط، ونشط غيره ممن يضمر مثل نيته من الأجانب إلى التأليف باللغة العامية، فترجم قطعًا من بعض روايات شكسبير إلى العامية المصرية، قطعة من هاملت، وأخرى من هندي الرابع.
فجاءت ترجمة سخيفة، وفقدت هذه الآثار الأدبية قيمتها وجمالها؛ لأن العامية لم تسعفه بالتعبير الصحيح، ولم تستطع أن تنهض بتلك المواقف الخالدة العنيفة١ بل جاءت عبارتها سوقية مبتذلة.
وترجم كذلك بعض فصول من الإنجيل إلى اللغة العامية فأساء إساءة كبرى إلى الإنجيل؛ لأن عبارته فيه كانت تتهالك ركاكة وغثاثة وسوقية٢.
ثم ألف كتابًا علميًّا باللغة العامية هو كتاب "الأكل والإيمان"٣ ليبرهن على أن اللغة العامية صالحة؛ لأن تكون لغة العلم: فخالته العامية، ولجأ في كثير من تعابيره إلى الفصحى لتمده بالكلمة الصحيحة، وقد ساقه في صيغة حوار بين تلميذ يسأل وأستاذ يجيب.
стр. 458
ولكن كتبه هذه لم تأته بالثمرة الموجوة، ولم يستجب المصريون لدعوته ودعوة غيره من المستعمرين كي يتخذوا العامية أداة للتعبير الأدبي ويهجروا الفصحى لغة القرآن، وذات المجد العريق.
وفي سنة ١٩٠١، أصدر "مستر ويلمور" أحد قضاة مصر كتابًا١ تناول فيه هذه المسألة ونصح المصريون بهجر اللغة الفصحى، واتخاذ اللغة العامية أداة للتعبير والكتابة، وقد أثار هذا الكتاب ضجة في الصحف المصرية. وتصدى أكثر من كاتب للرد عليه. وكانت مجلة الهلال ميدان هذه الردود وقد أيدت اللغة العربية ودافعت عنها٢ ثم جاء إسكندر معلوف من سوريا، وحاول أن يوهم الجمهور المصري بأن أهم أسباب تأخره في الحقيقة هو تمسكه باللغة العربية الفصحى وعجب من تمسك المصريين بها مع أن الفرس والهنود والأتراك مسلمون، وهم لا يستخدمون العربية، واحتج بأن الحكومة المصرية قد تركتها في مدارسها، وأحلت محلها اللغة الإنجليزية، وقد أثنى عليها ثناء مستطابًا لإقدامها على هذه الخطوة، ورأى أن الخطوة الثانية التي يجب أن يخطوها المصريون هي أن تدع الصحف والمجلات هذه اللغة وتكتب باللغة العامية، حتى يفيد العامة وجمهرة الشعب بما تكتب، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة ثالثة وهي تدوين العلوم والآداب باللغة العامية وبذلك يستطيع الشعب كله أن يحصل العلم بسهولة ويسر، وأهاب بالكتاب المصريين والعلماء أن يخطوا هذه الخطوات في سبيل رقى بلادهم٣.
ومن المصريين الذين أيدوا ويلككس في دعوته إلى العامية حين نشر رسالته التي يزعم فيها أننا نتحدث بالبونية لا بالعربية "سلامة موسى" فقد أثنى على ولككس ثناء مستطابًا وزعم أنه شغلته هموم مصر كثيرًا ومن أكبر همومه التي أقضت مضجعه هذه اللغة التي نكتبها ولا نتكلمها.
стр. 459
وأخذ سلامة موسى يدعو كما دعا ولككس إلى اتخاذ العامية لغة للكتابة بدعوى أن الفصحى فيها صعوبة. يعانيها الخاصة أكثر مما يعانيها العامة، وأنها عاجزة عن تأدية الرسالة الأدبية والعلمية ويقول: "ولكن نكبتنا الحقيقية هي أن اللغة العربية لا تخدم الأدب المصري ولا تنهض به؛ لأن الأدب هو مجهود الأمة وثمرة ذكائها وابن تربتها ووليد بيئتها، فهو لا يزكو إلا إذا كانت أدائه لغة هذه البيئة التي نبت فيها".
ويزعم كذلك أن الفصحى: "تبعثر وطنيتنا المصرية وتجعلها شائعة في القومية العربية فالمتعمق في اللغة الفصحى يشرب روح العرب ويعجب بأبطال بغداد بدلًا من أن يشرب الروح المصرية ويدرس تاريخ مصر، فنظره متجه أبدًا نحو الشرق، وثقافته كلها عربية شرقية -وليس من مصلحة الأمة المصرية أن ينزع شبابها نحو الشرق".
ثم راح يثني على ولككس، ولكنه رأى أن الانتقال إلى العامية فيه طفرة ولم يحن الوقت بعد لأن نخطو هذه الخطوة الواجبة، ولا بد من "تسوية" بين العامية والفصحى، فاقترح عدة اقتراحات عجيبة تفضي في مجموعها إلى تشويه الفصحى وإفسادها كاقتراحه إلغاء الألف والنون من المثنى والواو والنون من جمع المذكر السالم، وإلغاء التصغير وجمع التكسير، وإلغاء الإعراب والإكتفاء بتسكين أواخر الكلمات، وإدخال الكلمات الأعجمية "الأوربية كما هي"١. وهذه اقتراحات تدل على كراهية مقيتة للغة العربية وكل ما تحمله من تاريخ وأدب ودين وقومية، وهذا ما كان يريده المستعمرون حتى يتقطع ما بيننا وبين تراثنا الفكري الخالد وبيننا وبين ديننا، ومن ثم نمسخ مسخًا ونقبل على الثقافة الإنجليزية ونتشرب روحها وروح الإنجليز معها، فلنرضى بالاستعمار والمذلة والعار في فرح ومسرة واطمئنان.
ولقد لفتت هذه المشكلة كذلك نظر مستر "مان"٢ حين بحث أمور التعليم في مصر، فجاء في تقريره: إن الطفل المصري عندما يبدأ دراسته بالمدرسة
стр. 460
لا يتعلم كما يتعلم الطفل الأوربي طرق كلامه المألوف وقراءته فحسب، وإنما يتعلم لغة أخرى شديدة الصعوبة، تختلف عن لغته المعتادة اختلافًا بينًا: ويتعلم في ذات الوقت كتابتها وقراءتها، فحالته هذه تشبه حال طفل إنجليزي يتكلم ويسمع اللغة الإنجليزية العادية في المنزل والشارع والمدرسة على السواء ولكنه مضطر ألا يستعمل في القراءة والكتابة إلا اللغة الإنجليزية التي كانت شائعة في عصر ألفريد الأكبر".
ويقول بعد ذلك: "إن هذه الطريقة من شأنها أن توقف نمو التفكير عند الطفل"، ولكن هل تعلم الطفل المصري في المدرسة اللغة الإنجليزية في جميع مواد الدراسة، وهو يتكلم ويسمع اللغة المصرية الدارجة، ولا يوجد بين اللغة الإنجليزية والمصرية الدارجة أي صلة؛ ثم تعلم قراءتها وكتابتها أيسر عليه من تعلم اللغة الفصحى؟ لا يرى أن هذه الطريقة التي أرغم عليها أطفال المصريين لا توقف نمو تفكيرهم فحسب، ولكنها تقتل كل الملكات العقلية من تصور وإدراك واستنباط وتفكير؟ أنسي مسترمان، ومن دعا هذه الدعوة أن أطفال الأوربيين أنفسهم يتعلمون في المدرسة لغة تختلف عن لغة البيت والشارع في الغالب، وأن لكل أمة لهجة دارجة، وأخرى فصيحة؟ ووجود اللهجات الدارجة أمر طبيعي، فلو اتخذت أمة لغتها العامية الحالية أداة للتعبير والكتابة، ووضعت لها القواعد، وصنفت فيها الكتب لتحلل الناس بعد أمد يسير من هذه القواعد في النطق والتركيب، وأوجدوا لهم لغة دارجة لا تتقيد بقوانين، تخفيفًا عن أنفسهم، وجريًا على عادة التساهيل والإهمال والنسيان!!
ثم إن ثمة اعتبارات كثيرة خاصة باللغة العربية الفصحى تتعلق بالدين، والقرآن الكريم وتتعلق بوشائج القربى بيننا وبين الناطقين بها، فلو عمد كل شعب عربي إلى اتخاذ لغته الدارجة وسيلة للكتابة والتعبير لتقطعت بيننا هذه الوشائج. وتبددت قوانا المادية والمعنوية على مر الأيام. ويظهر أن مستر "مان" فطن إلى هذه الاعتبارات، وأدرك جم الصعوبات التي تقف في سبيل اللغة العامية، وأن اللغة الفصحى لا بد منتصرة في النهاية على الرغم من تلك الدعاية القوية التي أثيرت ضدها من الإنجليز وأشياعهم. فقال: "على أني أعترف في الوقت أن مسألة اللغة هذه مشبكة بجميع أنواع التقاليد الدينية والقومية والاجتماعية اشتباكًا لا فكاك منه، وأنها لهذا السبب أعسر من أن تحل استنادًا إلى الاعتبارات التربوية وحدها١".
стр. 461
وقد أثارت هذه الحملة الجائرة ضد اللغة الفصحى سخط الأدباء والكتاب، ورجال الوطنية المصرية، فقابلوها بحملة أشد منها، واشتهر من هؤلاء محمد المويلحي صاحب حديث عيسى بن هشام، وألفت جمعيات من أدباء مصر لنشر الفصحى والذود عنها، ومقاومة اللغة العامية وطغيانها، ولقد أسهم الشعراء في هذه المعركة، فقال حافظ إبراهيم قصيدته المشهورة عن اللغة العربية سنة ١٩٠٣، مرددًا فيها شتى الحجج التي يدافع بها أنصار الفصحى، ومشيرًا إلى حملات الإنجليز عليها، وهذه هي القصيدة التي لا تتضح مراميها التاريخية إلا بعد معرفة المعركة على حقيقتها، وقد قالها على لسان اللغة الفصحى:
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي ... وناديت قومي فاحتسبت حياتي
رموني بعقم في الشباب، وليتني ... عقمت، فلم أجزع لقول عداتي
ولدت ولما لم أجد لعرائسي ... رجالًا، وأكفاء وأدت بناتي
وسعت كتاب الله لفظًا وغاية ... وما ضقت عن أي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة ... وتنسيق أسماء لمختراعات
أنا البحر في أحشائه الدركامن ... فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسني ... ومنكم وإن عز الدواء أساتي
فقلا تكلوني للزمان فإنني ... أخاف عليكم أن تحين وفاتي
أيطربكم من جانب الغرب ناعب ... ينادي بوأدي في ربيع حياتي
ولو تزجرون يومًا علمتم ... بما تحته من عثرة وشتات
أرى كل يوم بالجرائد مزلقًا ... من القبر يدنيني بغير أناة
وأسمع للكتاب في مصر ضجة ... فأعلم إن الصائحين نعاتي
أيهجرني قومي عفا الله عنهم ... إلى لغة لم تتصل برواة
سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى ... لعاب الأفاعي في مسيل فرات
فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة ... مشكلة الألوان مختلفات
إلى معشر الكتاب والجمع حافل ... بسطت رجائي بعد بسط شكاتي
فإما حياة تبعث الميت في البلى ... وتنبت في تلك الرموس رفاتي
وإما ممات لا قيامة بعده ... ممات لعمري لم يقس بممات
стр. 462
فأنت ترى كيف بسط حافظ في قصيدته هذه المشكلة، وبين مساوئ العامية، ومزايا الفصحى وصور شعور المصريين إزاء هذه القصة. ولقد كانت هذه الحملات المتتابعة على اللغة الفصحى، سواء باضطهادها في مدارس الدولة وإحلال الإنجليزية محلها، أو بالدعوى إلى هجرها، واتخاذ اللغة العامية بديلا عنها سببًا في يقظة مفكري الأمة وانتباههم إلى تلك المؤامرات الإنجليزية على قومية المصريين، ولذلك ترقبوا الفرص السانحة لإحباط هذه المؤامرة فما أن تولى سعد زغلول نظارة المعارف في سنة ١٩٠٧ حتى تقدم الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد، ومحمود باشا سليمان، وأمين باشا الشمسي باقتراح في الجمعية التشريعية يطلبون فيه إرجاع اللغة العربية في المدارس. وإبطال التعليم باللغة الإنجليزية، وأن يكون الشروع في ذلك من السنة التالية أي سنة ١٩٠٧. فرد عليهم سعد زغلول، وهو في رده يبين ما وصلت إليه الحال في مصر من تغلغل النفوذ الأجنبي، وسيطرتهم على كل شيء. حتى أصبح متعذرًا على المصري أن يجد سبيلًا إلى الرزق في بلاده إلا إذا تعلم لغة أجنبية، وأصبح من العسير الحصول على معلم كفء يستطيع تدريس المواد المختلفة باللغة العربية، وهذا لعمري منتهى الانحطاط السياسي والاجتماعي، قال سعد زغلول: "الحكومة لم تقرر التعليم باللغة الإنجليزية إلا ليتقوى التلاميذ فيها، ويمكنهم الاستفادة من المدنية الأوربية، ويفيدوا بلادهم، ويقدروا على الدخول في معترك الحياة، حياة العلم والعلم والعمل.
"وإذا فرضنا أنه يمكننا أن نجعل التعليم من الآن باللغة العربية، وشرعنا فيه فعلًا، فإننا نكون قد أسأنا إلى بلادنا، وإلى أنفسنا إساءة كبرى؛ لأنه لا يمكن للذين يتعلمون على هذا النحو أن يتوظفوا في الجمارك، و "البوسطة"، والمحاكم المختلطة، والمصالح العديدة المختلفة التابعة للحكومة، والتي يقتضي نظامها وجود كثيرين من الموظفين العارفين بإحدى اللغات الأجنبية حق المعرفة، ولا أن يستخدموا في "بنك" أو مصرف، ولا أن يشتركوا في شركة من الشركات الأجنبية التي كثر تأسيسها الآن في بلادنا، ولا أن يكونوا محامين أمام المحاكم المختلفة، ولا مترجمين ولا غير ذلك من كل ما يحتاج إلى البراعة في لغة أجنبية وهو كثير جدًّا في بلادنا.
стр. 463
إذا قطعنا النظر عن ذلك كله، وأردنا أن نشرع من فورنا في التعليم باللغة العربية صادفنا صعوبات مادية، وهي قلة المعلمين الأكفاء الذين يمكنهم تعليم الفنون المختلفة باللغة العربية، فإذا كنتم توافقون على الاقتراح المقدم إليكم كنتم كمن يحاول الصعود إلى السماء بلا سلم.
لذلك كله أرجو ألا تندفعوا في هذه المسألة وراء إحساسكم، وأن تستشيروا قبل البيت فيها العقل والحكمة إذ لا فائدة لكم أن تطلبوا طلبًا تعلمون من الآن أنه لا يقابل بغير الرفض لاستحالة تنفيذه، كل ما يمكنكم أن ترغبوه مني، وما يمكنني أن أشتغل به، وأقدمه خدمة لوطني هو السعي في تذليل تلك الصعوبة المادية وهو ما عقدت النية عليه من توسيع نطاق مدارس المعلمين، والإرساليات إلى أوربا، وتحسين حال موظفي المدارس، حتى يمكن وجود عدد كافٍ يتولى التعليم باللغة العربية كما أرغب وترغبون، وإني إذا وفقت لتحقيق هذه الأمور الثلاثة خدمت بلادي خدمة جليلة"١.
وهذه وثيقة تاريخية غنية عن التعليق، ولم يقل ما قاله إلا تحت ضغط الظروف الواقعية، وهي فقر الأمة في رجالها ولا سيما المعلمين الأكفاء وفقر اللغة العربية بسبب الاضطهاد الإنجليزي لها، وسيطرة الأجانب على شئون مصر الاقتصادية والحكومية، وجعل اللغة الأجنبية صاحبة المقام الأول عمليًّا ورسميًّا في البلاد ثم كراهية الإنجليز لعودة العربية إلى الحياة والقوة، ولذلك عرض سعد وهو وزير ما عساه يصادف الاقتراح من صعوبات، حتى عد تنفيذه مستحيلًا.
وقد وضع محمود "باشا" سليمان تعديلًا للاقتراح، بعد سماع هذه الخطبة، بأن الجمعية العمومية تعتمد على وعد ناظر المعارف بتنفيذ المشروع بحسب الإمكان، وأخذت الآراء على الاقتراح بعد تعديله فتقرر قبوله، بيد أن ناظر
стр. 464
المعارف صرح بعد ذلك بأنه لا يمكن تنفيذ المشروع في ذلك الوقت للصعوبات الموجودة، ومتى زالت هذه الصعوبات أمكن تنفيذه. فأعيد الاقتراع على الاقتراح الأول في مقابل تصريح ناظر المعارف، فقررت الجمعية بأغلبية ستين صوتًا وجوب تنفيذ المشروع كما عرض بادئ الأمر وصوت خمسة مع ناظر المعارف عدا الوزراء، وكأن الجمعية خشيت ألا يستطيع سعد التنفيذ، كما لم يستطع رياض "باشا" ذلك من قبل حيث حاول هذه المحاولة في سنة ١٨٩٣، فوضعت الحكومة أمام الأمر الواقع.
وابتدئ في تحويل التعليم باللغة العربية في المدارس الابتدائية من سنة ١٩٠٨، ولم يأتِ عام ١٩١٢ حتى صار التدريس في جميع المدارس الابتدائية باللغة العربية، واستأنفت القافلة سيرها إلى اليوم بعد هذه المحنة التي دامت قرابة عشرين عامًا.
ومع هذا ظل دعاة العامية لا يهدءون ولا يفترون، ومنهم محمد تيمور الذي جد في الدعوة سنة ١٩٢١ وألف بها قصصًا ومسرحيات١، ومع ذلك كله ظلت اللغة العربية قوية شامخة، وتزداد كل يوم قوة وقد زادتها فكرة القومية العربية ازدهارًا، بل كانت الفصحى من أهم عناصر القومية العربية.
وعلى الرغم مما بذلته إنجلترا من جهد في نشر اللغة الإنجليزية، ومحاربة الثقافة الفرنسية واضطهاد اللغة العربية الفصحى، فإنها لم تفلح في أن توجد طائفة من المصريين يعشقون اللغة الإنجليزية، ويجيدونها إجادة تمكنهم من التأليف فيها، كما مهر بعض المصريين في التأليف باللغة الفرنسية من أمثال واصف غالي، وأحمد راسم، والأمير حيدر فاضل، ومحمد ذو الفقار وغيرهم، ولعل السر في ذلكم هو شعور المصريين بأن هذه اللغة هي لغة الغاصب المحتل، وأنه يفرضها عليهم فرضًا، وكل شيء يجبر عليه المرء مبغوض لديه ولو كان
стр. 465
حسنًا، ثم إن إنجلترا لم تشجع المصريين على الإفادة من دراستهم اللغة الإنجليزية، فلم تعترف بشهادتهم في بلادها، وحالت بينهم وبين البعثات العلمية ولم تعن العناية الواجبة بمؤسساتها العلمية بمصر في تلك الحقبة بينما سارت فرنسا على النقيض من ذلك، فأسست مدرسة الحقوق الفرنسية، والمعهد العلمي الفرنسي، ولقد أدركت إنجلترا أنها أخطأت في حق لغتها وفي حق المصريين على السواء، وأخذت تعمل على تدارك ما فاتها، فأنشأت بعض المعاهد العلمية مثل المدرسة الإنجليزية بمصر الجديدة، وكلية فيكتوريا، والمعهد العلمي البريطاني، وأخذت تشجع المصريين على السفر لإنجلترا، واعترفت بشهادات الكليات الجامعية، ومكنتهم من الدراسات العالية، بيد أن كل هذا حدث بعد أن غلت يدها من شئون التعليم وخروج دانلوب في سنة ١٩١٩، وفطنتها إلى أنها أخطأت في الماضي خطأ جسيمًا، وأن فرنسا قد سبقتها في هذا الميدان، وقد فسر أحد الأدباء الإنجليز تغلب فرنسا على إنجلترا في نشر الثقافة بمصر بقوله: "تملك إنجلترا بمصر جيشًان وتملك فرنسا فكرة، وتدبر إنجلترا شئون التعليم، وتغذيه فرنسا بفلسفتها، ولما كانت فرنسا تملك هذه الفلسفة ولا تملك إنجلترا منها شيئًا، فقد برهن القلم الفرنسي على أنه أقوى من السيف الإنجليزي"١.
وقد قوى نفوذ الثقافة الإنجليزية على مر الأيام في مصر بخاصة، وفي الشرق العربي بعامة بفضل المؤسسات الثقافية العديدة، من إنجليزية وأمريكية، فقد نمت المؤسسات الأمريكية نموًّا زائدًا حتى صار لأمريكا جامعة بمصر، وأخرى ببيروت تعد من أكبر جامعات الشرق، ويؤمها طلاب من كل البلاد العربية، وينفق عليها مال وفير.
стр. 466
أدى إنشاء الجامعية المصرية الحديثة إلى تخصص بعض الطلاب في اللغة الإنجليزية، ليكونوا مدرسين متمكنين فيها وحلوا محل خريجي المعلمين العليا١. الذين كانوا يؤدون هذه المهمة في عهديها الإنجليزي والمصري. وقد درجت مصر قبل الحرب العالمية الأخيرة على إرسال فريق من نوابغ المدرسين للتخصص في اللغة الإنجليزية بإنجلترا، وقد أفادوا في نقل بعض عيون الأدب الإنجليزي إلى اللغة العربية بأقلام قوية، وأسلوب طيب.
وتوسعت مصر في إرسال البعثات في عهد الاستقلال، وكانت أكثرية البعثات الحكومية إلى إنجلترا لدراسة العلوم. والطب والهندسة، واللغات، والفلسفة، والفنون الحربية والاقتصاد، واللغات الشرقية، والتربية، والزراعة وغيرها، بيد أن وزارة المعارف رسمت لأعضاء البعثات الحكومية في أول الأمر - وذلك قبل أن ترسل الجامعة بعثاتها- طريقًا عقيمة، وقيدتهم في الدراسة تقييدًا أضر بهم وبمصر، "وحسبك بوزارة المعارف حين ترسل المناهج، والبرامج، وتختار الجامعات والمدارس، وتعين الدرجات والإجازات، وهي إلى الآن لا تزال تجهل من أمور التعليم العالي في أوربا أكثر جدًّا مما تعلم، وقد كانت قبل الاستقلال خاضعة لسلطان الإنجليز، وكان أبغض شيء إلى الإنجليز أن يتصل المصريون بالتعليم الأوربي العالي، فلما أكرهوا على أن يخلوا بين المصريين وبين ذلك رسموا لهم المناهج والبرامج، مضيقين لا موسعين، ومخادعين لا ناصحين، وما زلنا نذكر العهد الذي كان المصريون يبتهجون فيه أشد الابتهاج حين يظفر أحدهم بأيسر الدرجات الجامعية في أوربا، والذي كانت تسخط فيه المعارف أشد السخط وأقساه على الذين يعجبهم العلم وتخلبهم الدرجات الجامعية، فيتجاوزون، أو يحاولون أن يتجاوزوا ما رسم لهم من خطة، وما توضع لهم من منهاج٢، ثم توالت بعثات الجامعات المصرية، بجانب بعثات وزارة المعارف.
стр. 467
واشترطت الجامعة على الطلاب أن يحصلوا على أرقى الدرجات الجامعية؛ ولم تقصر بعثاتها، على إنجلترا؛ بل تعددت جهات الدراسة. قد كان عدد أعضاء البعثات الجامعية في سنة ١٩٢٥ لا يزيد عن عشرين طالبًا من جميع كليات الجامعة، ثم بلغ الخمسين في سنة ١٩٣٨ ولما نشبت الحرب العالمية الأخيرة في سنة ١٩٣٩ توقفت بعثات الجامعة، ثم استأنفت سيرها بعد أن وضعت الحرب أوزارها في سنة ١٩٤٥ وصار لجامعة "فؤاد الأول" في سنة ١٩٥٠ مائة واثنان وتسعون عضوًا في بعثات علمية للخارج جلهم في أوربا. وبعضهم في أمريكا١. هذا عدا بعثات جامعة الإسكندرية؛ وما أرسلته جامعة أسيوط "محمد علي سابقًا" من بعثات استعدادًا لتكوين هيئة تدريس قوية بها.
هذا وقد نص في قانون جامعة "القاهرة" على أن اللغة العربية هي لغة التدريس بالجامعات، وإن ظلت بعض الكليات حتى اليوم تتخذ الإنجليزية لغة التدريس في جميع المواد مثل الطب البشري، والطب البيطري، وبعضها يستخدمها في أكثر المواد مثل كلية العلوم والهندسة، بعضها يستخدم اللغتين الفرنسية والإنجليزية بجانب اللغة العربية مثل كلية التجارة، والحقوق٢.
ومهما يكن من أمر فقد ازددنا صلة باللغة الإنجليزية على مر الأيام، واستطاع بعض أدبائنا الذين درسوا على النظام الإنجليزي بالرغم من عقمه وفساده أن يجيدوا اللغة الإنجليزية فهمًا وقراءة وهم الذين أسسوا المدرسة المصرية الحديثة في الشعر من أمثال عبد الرحمن شكري، والمازني، والعقاد.
ويقول الدكتور طه حسين: "وآية ذلك أننا حتى في أشد أوقات السيطرة الإنجليزية وضغطها على التعليم وتضييقها لحدوده، قد انتفعنا من هذا التعليم الضيق المحدود أكثر مما أراد الإنجليز، وأي دليل على ذلك أقوى من الذين أخرجتهم مدارس الاحتلال هم الذين اتسعت عقولهم لفهم الحرية والوطنية،
стр. 468
واستقرت عزائمهم لمناهضة الاحتلال نفسه، وهم الذين أثاروا مصر وقادوها في الجهاد، وكسبوا لها النظام: الديمقراطي، والحياة المستقلة"١ وهم الذين قادوا حرية الفكر بمصر، ووجهوا الأدب والدراسات الأدبية وجهة حديثة.
ويقول العقاد في هذه المدرسة الحديثة التي تأثرت بالأدب الإنجليزي: "فالجيل الناشئ بعد شوقي كان وليد مدرسة لا شبه بينها وبين من سبقها في تاريخ الأدب العربي الحديث، فهي مدرسة أوغلت في القراءة الإنجليزية، ولم تقصر قراءتها على أطراف من الأدب الفرنسي، كما كان يغلب على أدباء الشرق الناشئين في أواخر القرن الغابر، وهي على اتصالها في قراءة الأدباء والشعراء الإنجليزية لم تنس الألمان والطليان والروس والأسبان، واليونان، واللاتين الأقدمين "عن الإنجليزية طبعًا" ولعلها استفادت من النقد الإنجليزي فوق فائدتها من الشعر وفنون الكتابة الأخرى، ولا أخطئ إذا قلت: إن "هازلت" هو إمام هذه المدرسة في النقد؛ لأنه هو الذي هداها إلى معاني الشعر والفنون، وأغراض الكتابة ومواضع المقارنة والاستشهاد٢، وسنعود إن شاء الله إلى هذه المدرسة، وتبيان خصائصها وإلى أي حد جدت في شعرنا الحديث.
وليس معنى هذا أن نفوذ الثقافة الفرنسية بمصر قد زال أمام قوة الثقافة الإنجليزية، فإن كثيرًا من المعاهد المصرية لا تزل تعني باللغة الفرنسية عناية زائدة، وتدرس بها كثيرًا من المواد كالحقوق والتجارة، وبكلية الأدب قسم خاص للغة الفرنسية، ولا يزال الإقبال على الدراسة بفرنسا قويًّا، يقصدها كثير من الطلبة الحكوميين لدراسة الطب والحقوق والفلسفة والآداب، وترسل الحكومة بعض بعثاتها، لدراسة القانون والفلسفة، واللغة الفرنسية٣.
ولعلك رأيت أن الحال في مصر منذ الاحتلال الإنجليزي حتى اليوم قد تغير
стр. 469
تغيرًا شديدًا. وأننا ازددنا ارتباطًا بأوربا وثقافاتها المختلفة، ولقد كان لكل هذا أثر في الأدب العربي بعاة وفي الشعر بخاصة.
١- لقد تأثرنا في حياتنا الخاصة، وطرق معيشتنا، ونظرتنا إلى الحياة، وما الأدب إلا انعكاس لما يشعر به الأديب في حياته، وتغيرت قيم الأشياء أمام أعيننا، وعكفنا على تقليد أوربا في كل شيء وجعلناها مثلًا أعلى في كل ما يتعلق بحياتنا المادية والمعنوية، وفي ذلك يقول الدكتور طه حسين: "حياتنا المادية أوربية خالصة في الطبقات الراقية، وهي في الطبقات الأخرى تختلف قربًا وبعدًا عن الحياة الأوربية باختلاف قدرة الأفراد والجامعات، وحظوظهم من الثروة وسعة اليد، ومعنى هذا أن المثل الأعلى للمصري في حياته المادية إنما هو المثل الأعلى للأوربي في حياته المادية، تتخذ من مرافق الحياة وأدواتها ما يتخذون، ونتخذ من زينة الحياة ومظاهرها ما يتخذون، نفعل ذلك عن علم به وتعمد له أو نفعل ذلك من غير علم، وعلى غير عمد، ولكننا ماضون فيه على كل حال، وليس في الأرض قوة تستطيع أن تردنا عن أن نستمتع بالحياة على النحو الذي يستمتع بها الأوربيون.
مدت أوربا الطرق الحديدية، وأسلاك "التلغراف والتليفون" فمددناها، وجلست أوربا إلى الموائد، واتخذت من آنية الطعام، أدواته وألوانه، فصنعنا صنيعها ثم تجاوزنا ذلك إلى ما اصطنع الأوربيون لأنفسهم من لباس، ثم تجاوزنا ذلك إلى جميع الأنحاء التي يحيا عليهم الأوربيون فاصطنعناها لأنفسنا غير متخيرين ولا مختاطين ولا مميزين بين ما يحسن منها وما لا يحسن، وما يلائم منها وما لا يلائم. ونستطيع أن نقول: إن مقياس رقي الأفراد والجامعات في الحياة المادية مهما تختلف الطبقات عندنا إنما هو حظنا من الأخذ بأساليب الحياة المادية الأوربية.
وحياتنا المعنوية على اختلاف مظاهرها وألوانها أوربية خالصة: نظام الحكم عندنا أوربي خالص، نقلناه عن أوربا نقلًا في غير تحرج ولا تردد، وإذا عبنا أنفسنا بشيء من هذه الناحية فإنما نعيبها بالإبطاء في نقل ما عند الأوربيين من نظم الحكم وأشكال الحياة السياسية"١.
стр. 470
والحق أن مصر منذ حملة نابليون حتى اليوم، وهي تسعى سيعًا حثيثًا في أن تحاكي أوربا في كل شيء، وقد بهرتها تلك القوة المادية الضخمة التي جعلت أوربا تتحكم في العالم، وجد محمد علي وإسماعيل في تزويد مصر بكل ما يكفل لها تلك القوة، من مصانع، وجيوش، وأساطيل، وعلماء في كل فن، ولكن تيار النهضة قد وقف منذ الاحتلال الأجنبي، ولقد ازداد حب المصريين لمحاكاة الأجانب وتقليدهم في كل ما يزاولون من شئون الحياة، عملًا بالقاعدة المعروفة: "المغلوب مولع بتقليد الغالب"، ولقد نظروا إليهم نظرة إكبار وتقدير، وفقدوا الثقة في أنفسهم، وأوهمهم هؤلاء أنهم لا يصلحون إلا أن يكونوا مرءوسين، منقادين، مع أنهم كانوا إلى عهد قريب سادة مكرمين يخشى بأسهم أهل أوربا أنفسهم.
ورأى المصريون منذ أخفقت الثورة العرابية ألا سبيل إلى النهضة الحقيقية، والاستقلال الكامل إلا بتهيئة الشعب لتحمل أعباء هذا الاستقلال. وقديمًا نادى محمد عبده بإنشاء مدرسة للقادة والزعماء، واختلف هو وأستاذه جمال الدين في هذا وتبنى محمد عبده هذه الفكرة بعد أن عاد من منفاه ورأى أن يسير في النهضة ببطء، وثقة وتأكد، وأن الطفرة التي أرادها إسماعيل، ودعا إليها جمال الدين لا تجدي شيئًا، بل ربما أعقبت خسرانًا وندمًا وأنه خير لهذه الأمة -إن أرادت القوة والعافية- أن تستكمل تعليم أبنائها، وتنزه الدين وتطهره وتعد نفسها لكي تتبوأ مكانها بين أمم العالم وتشاطرها١.ولقد هادن محمد عبده الإنجليز، حتى يتمكن من الإصلاح المنشود، ويقول: "أما أمر الحكومة والمحكوم فتركته للقدر يقدره، وليد الله بعد ذلك تدبره، لأنني عرفت أنها ثمرة تجنيها الأمم من غراس تغرسه، وتقوم على تنميته السنين الطوال، فهذا الغراس هو الذي يجب أن نعنى به الآن"٢، وقال عنه كرومر: "إنه كان رجلًا مستنيرًا بعيد النظر، اعترف بما لحكومة الشرق من سيئات، وسلم بضرورة المعاونة الأوربية في الإصلاح"٣.
стр. 471
ولقد اعتنق تلاميذ محمد عبده هذه الفكرة وعلى رأسهم سعد زغلول، ولطفي السيد وحافظ إبراهيم١. ثم جاءت النهضة القومية على يد مصطفى كامل٢ ودعا إلى الأخذ بأساليب الرقي والنهوض مع وجوب التخلص من الأجنبي وشرور الاحتلال، ولكنه اتفق مع تلامذة محمد عبده على وجوب العناية بكل ما يرقى بهذه الأمة صناعيًّا وعلميًّا، وتجاريًّا، وحربيًّا حتى تكون في درجة تمكنها من المحافظة على استقلالها، إن نالته أو المطالبة به عن جدارة إن لم تكن قد أخذته.
أنتج كل هذا رغبة شديدة في تقليد الحياة الأوربية مادية ومعنوية، وتطرف بعض الدعاة إلى هذا التقليد ونادوا بنفض أيدينا من الماضي جميعه وأخذنا عن أوربا كل شيء حسنًا أو قبيحًا، ماديًّا ومعنويًّا، واعتدل بعضهم، ونادى بأن نجح بين محاسن تقاليدنا، ومحاسن المدينة الأوربية٣. ومهما يكن من أمر فمن أبرز الظواهر في أخريات عهد الاحتلال وعهد الاستقلال الاهتمام الزائد بالإصلاح الاجتماعي في كل مرافق الحياة، والحياة في الغالب تهدف إلى أن تكون على نمط أوربا لكثرة إعجابنا بها؛ ولأنها صاحبة السيطرة العلمية والمادية اليوم، وتجد لهذه النغمة صدى في أقوال الشعراء فهم لا يملكون إلا الإعجاب بحاضرة الغرب، ويحثون قومهم على السعي في اللحاق به، فهذا حافظ إبراهيم يقول:
أي رجال الدنيا الجديدة مُدُّوا ... لرجال الدنيا القديمة باعًا
وأفيضوا عليهم من أياديـ ... كم علومًا وحكمة واختراعًا
كل يوم لكم روائع آثا ... ر توالون بينهن تباعًا
كم خبلتم عقولنا بعجيب ... وأمرتم زمانكم فأطاعا٤
стр. 472
ويبدي ولي الدين يكن إعجابه بالحضارة والعصر الجديد حين يركب الطيارة فيقول:
الناس ملوا من المطايا ... فجاء من بعدها البخار
وملة أكثر البرايا ... ثم اعتلوا في السما فطاروا
يا حبذا عصرنا الجديد
السحب نابت عن الأرائك ... لمعشر قدرقوا إليها
وضجت الطير والملائك ... في إثرهم حسرة عليها
وهذه حسرة تزيد١
ويشير حافظ إبراهيم كذلك إلى علم الغرب ومدنيته؛ وتذليله لقوى الطبيعة، وتسخيرها لخدمة الإنسان:
وطويتم فراسخ الأرض طيًّا ... ومشيتم على الهواء اختيالًا
ثم سخرتم الرباح فسستم ... حيث شئتم جنوبها والشمالا
تسرجون الهواء إن رمتم السيـ ... ـر وفي الأرض من يشد الرحالا
واتخذتم موج الأثير بريدًا ... حين خلتم البروق كسالى
ثم حاولتم الكلام مع النجـ ... ـم فحملتم الشعاع مقالا
إلى أن يقول حاثًّا بني وطنه على مباراة هؤلاء الغربيين في حضارتهم، وأخذهم بأسباب الوصول إلى هذه الغاية.
ليت شعري متى أرى أرض مصر ... في حمى الله تنبت الأبطالا
وأرى أهلها يبارونكم علمًا ... ووثبًا إلى العلا ونضالًا
قد نفضنا عنّا الكرى وابتدرنا ... فرص العيش وانتقلنا انتقالا
وعلمنا بأن غفلة يوم ... تحرم المرء سعيه أحوالًا٢
стр. 473
ويزداد الشعور بأن الشعب المصري لا يرجى منه خير إلا إذا أزيح عنه كابوس الجهالة وتعلم بنوه تعليمًا كاملًا صحيحًا، حتى يكشف التعليم عن تلك الثورة المعنوية الكامنة، في هذه العقول الغفل، فيدعو الوطنيون إلى التعليم القومي والإكثار من إنشاء المدارس١، وينادي مصطفى كامل في سنة ١٩٠٤ و ١٩٠٥ بإنشاء جامعة مصرية٢، يقوم على هذا المشروع جماعة من المصلحين الذين تشربوا مبادئ محمد عبده٣، ويقول مصطفى كامل في هذا: "مما لا يرتاب فيه إنسان أن الأمة المصرية أدركت في هذا الزمان حقيقة المراكز الذي يجب أن يكون لها بين الأمم، وأبلغ الأدلة على ذلك نهضتها في مسألة التعليم، وقيام عظمائها وكبرائها وأغنيائها بفتح المدارس، وتأسيس دور العلم بأموالهم ومجهوداتهم، ولكن قد آن لهم أن يفكروا في الوقت الحاضر في عمل جديد، الأمة في أشد الحاجة إليه، ألا وهو إنشاء جامعة للأمة بأموالها"٤. وفرح الشعراء بإنشائها أيما فرح، وهذا شوقي يقول:
ألق في أرض منف أس جامعة ... من نورها تهتدي الدنيا بنبراس
أو نفض عن الشرق يأسًا كاد يقتله ... فلا حياة لأقوام مع اليأس
ترك النفوس بلا علم ولا أدح ... ترك المريض بلا طب ولا آس٥
ودعا الشعراء دعوة حارة إلى المبادرة بتأسيس المدارس وتعليم الشعب، وأثنوا ثناء مستطابًا على كل من هزته الأريحية فجاد بالمال في هذا السبيل، فهذا محمد عبد المطلب يمدح ثلاثة من الأعيان تبرعوا بمقدار من الأفدنة لمدارس المنوفية فيقول:
ثلاثة أمجاد إذا عدة سادة ... من الناس بَذَّوا بالندى سَرَواتها
سراة قالوا العم من عثراته ... ندى فأقول مصر من عَثَراتها٦
стр. 474
وهذا مطران يصور حالنا من الجهل، وكيف نهضت أوربا، ويبحث على تشيد المدارس:
هم فتحون السماء ... ويملكون الهواء
ويقطعون الصحاري ... ويعبرون الماء
ونحن نمكث في عقـ ... ـر دار غرباء
كأننا قد خلقنا ... نلابس الغبراء
نرنو ونأسى ونفنى ... مع العيون بكاء
ولا نرى غير ذكرى ... أجدادنا تأساء
نال التوكل منا ... والضعف ما الجهل شاء
إلى أن يقول:
بالعلم تدارك مصر الـ ... ـحرية العصماء
وتستعيد الفخار الـ ... ـقديم والعلياء
وتسترد من الدهـ ... ـر عزها والرخاء١
ويقول من قصيدة أخرى:
يا آخذين بتعليم الصغار لقد ... صنتم مرابعكم من أكبر المحن
مساوئ الجهل في الأطفال شاملة ... لقومهم كلهم في مقبل الزمن
كم عز من ضعة شعب بفتيته ... وكان آباؤهم في أوضع المهن
هو ابتناء لما ترجون من عظم ... وهو اتقالا لما تخشون من فتن٢
ويقول شوقي في التعليم والعلم:
كانت لنا قدم إليه خفيفة ... ورمت بـ "دنلوب" فكان الفيلا
حتى رأينا مصر نخطو إصبعًا ... في العلم إن مشت الممالك ميلا
стр. 475
تلك الكفور وحشوها أمية ... من عهد خوفو لم تر القنديلا
ويرى قاسم أمين أن المرأة المخدرة لا تنفع الأمة، ويدعو دعوته المشهورة إلى السفور ومشاركة المرأة الرجل في الحياة تقليدًا لأوربا، ويدعو إلى الحد من تعدد الزوجات، وإلى تشريع خاص بالطلاق١، وجاءت بعده ملك حفني ناصف التي اشتهرت بلقب "باحثة البادية" وعززت دعوته مع شيء من التحفظ، فلم تذهب إلى كل ما ذهب إليه، وإن دعت إلى السفور المحتشم، واستنكرت اختلاط الجنسين٢.
وقد قامت ضجة عظيمة حول دعوة قاسم أمين هذه، واختلف الناس فيها اختلافًا بينًّا٣ حتى ألف في الرد عليه أكثر من ثلاثين كتابًا٤. وسجل الشعر الحديث هذه الدعوة، وانقسم الشعراء بين مشجع لها، ومندد بها، فهذا شوقي لا يرى في أول الأمر التشجيع على السفور ويقول قصيدته المشهورة التي أهداها لملك حفني ناصف "باحثة البادية".
صداح يا ملك الكنا ... رويا أمير البلبل
ويزين الحجاب للمرأة ويحذرها من السفور فيقول:
أنت ابن رأي للطبيـ ... ـعة فيك غير مبدل
أبدًا مروع بالإسا ... ر مهدد بالمقتل
إن طرت عن كنفي وقعـ ... ـت على النسور الجهل٥
حرصي عليك هوى ومن ... يحرز ثمينًا يبخل
وقد٦ ردت عليه بقصيدة طويلة بينت فيها رأيها في هذه القصيدة وسلكت -كما ذكرنا- مسلكًا وسطًا.
стр. 476
ومطلع قصيدتها:
يا هذه لا تعذلي ... وإذا أبيت فقللي
وفيها تقول:
مجد الفتاة مقامها ... في البيت لا في المعمل
والمرء يعمل في الحقو ... ل وعرسه في المنزل
من الوليد يعنيه ... في لبسة والمأكل
ويميط عنه أذى الهوى ... يتلطف وتحيل
وأخذت تعدد ما يجب على المرأة أن تقوم به في منزلها، وليس معنى هذا أن تظل حبيسة المنزل:
لكن إذا دعت الضرورة للخروج فحيهل
سيرى كسير السحب لا تأتي ولا تتعجل
وتنكبي نهج الزحام وفضلي النهج الخلي
لا تخضعي بالقول أو تتبرجي أو ترفلي
لا تكنسي أرض الشوارع بالإزار المسبل
أما السفور فحكمه في الشرع ليس بمعضل
ذهب الأئمة فيه بين محرم ومحلل
ليس النقاب هو الحجاب فقصري أو طولي
فإذا جهلت الفرق بينهما فدونك فاسألي
ونرى حافظًا يحاول أن يقف موقفًا وسطًا في القضية فيقول:
أنا لا أقول دعوا النساء سوافرًا ... بين الرجال يَجُلْن في الأسواق
يدرجن حيث أردن من وازع ... يحذرن رقبته ولا من واق
стр. 477
يفعلن أفعال الرجال لواهيا ... عن واجبات نواعس الأحداق
كلا ولا أدعوكم أن تسرفوا ... في الحجب والتضييق والإرهاق
ليست نساءكم حلي وجواهرًا ... خوف الضياع تصان في الأحقاق
فتوسطوا في الحالتين وأنصفوا ... الشر في التقييد والإطلاق١
ومهما يكن من أمر فقد أجمع الشعراء والأدباء والمصلحون على وجوب النهوض بالمرأة وتعليمها٢. ودعوا إلى رعاية الطفل حرصًا على مستقبل الأمة، فيقول حافظ في قصيدته التي مطلعها:
شبحًا أرى ذاك طيف خيال ... لا بل فتاة بالعراء حيالي٣
ويقول في قصيدة أخرى مطلعها:
صفحة البرق أومضت في الغمام ... أم شهاب يشق جوف الظلام٤
ويقول محمد عبد المطلب في قصيدته التي مطلعها:
مصر أمي، فداء أمي حياتي ... سلمت أمنا من العاديات٥
وينشد الشعراء أشعارهم حين يرون بادرة إصلاح تشجيعًا للقائمين بها: عند افتتاح مستشفى أو ملجأ، أو مصنع، أو مصرف وما شاكل ذلك، وعند كل ما من شأنه الرقي بمصر حتى تصير في حياتها المادية والعلمية والصحية مساوية لأوربا.
وقد وصف الشعراء بعض العادات التي سرت لبيئتنا من أوربا، فهذا شوقي يصف حفلة راقصة في قصر عابدين بقصيدته التي مطلعها:
стр. 478
مال واحتجب ... وادعى الغضب١
وبقصيدته التي مطلعها:
طال عليها القدم ... فهي وجود عدم٢
ويتكلمون عن الموسيقى٣، والفنون الجميلة٤، ويصفون مختلف المخترعات كالغواصة٥ والطيارة والسيارة والمذياع، والحفلات المختلفة ذات الطابع الغربي ... إلى غير ذلك مما يمثل عصرهم أتم تمثيل، ويظهره في ثوب المدينة الحديثة ويعالجون مشكلات المجتمع المصري، والسوءات التي نقلناها عن أوربا من انتحار الطلبة٦. وطريق الغواية وإفساد الفتيات٧ وما شاكل هذا، وسنعود إلى أغراض الشعر الحديث بعد البارودي بشيء من التفصيل فيما بعد، وإنما سقنا هذه الأمثلة لندلل على أننا حقًّا نسير وراء المدنية الغربية في حياتنا المادية والمعنوية، وأن أدبنا قد تأثر إلى حد كبير بهذه المظاهر شعرًا ونثرًا، وأن أثر الأجانب كان فينا قويًّا، وقد ازداد تعلقنا بهذا اللون من الحياة بعد الحرب العالمية الأولى ونلنا قسطًا وفيرًا من الحرية والاستقلال. وظهور عهد الاستقرار والسلام والرخاء في البلاد، فزاد العبث واللهو، والافتتان بكل ما تتجلبه أوربا، وكان لهذه الحياة أثر كبير في الأدب، فنحا الشعراء الذين ظهروا بعد الحرب العالمية الكبرى نحو المجون والغزل الفاحش، والخروج على كل التقاليد العربية والإسلامية، وليس من همي الآن، وفي هذا الفصل أن أسهب في الكلام على هذا اللون من الشعر، وإن قلمي ليعف عن أن يسجل بعض الغزل الرذيل الذي يعبر عن عاطفة منحرفة، ونفس مريضة.
على أن هذا النوع من الغزل الذي ظهر كأثر من آثار انغماسنا في الحضارة المادية، ونسياننا المثل العليا، وكل ما يغذي النفوس ويسمو بها؛ يدعونا إلى الكلام عن أثر آخر للثقافة الأجنبية، وذلك هو:
стр. 479
٢- تقليدنا لمذاهب الأدب الأوربي، وصرنا نسمع، ولا سيما بعد الحرب العالمية الأولى بما يسمى المدرسة الرمزية والمدرسة الواقعية، و"السريالية"، والمدرسة الإبداعية "الرومانتيكية"١، ومعظم الشعراء الذين فتنوا بهذه المدارس، قلدوها تقليدًا، من غير أن يكون ثمة داعٍ لهذا التقليد؛ إذ لم تظهر هذه المذاهب الأدبية في أوربا إلا نتيجة لعوامل اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية شجعت على ظهورها. وسنعود إلى بعض هذه المدارس بشيء من التفصيل عند الكلام على المدرسة المجددة في الشعر الحديث إن شاء الله.
٣- التجديد في القوالب الأدبية، فلم تعد القصيدة وحدها في الشعر -كما كانت في القديم- هي القالب الوحيد الذي يفصح فيه الشاعر عن خلجات قلبه، ويحمله خياله ومعانيه، بل عمد الشاعر إلى المسرحية الشعرية، واختلفت مسرحياتهم طولًا وقصرًا. وأكثروا من الرباعيات، والتواشيح. بل إن بعضهم قد أسرف فنظم ما يسمى بالشعر المرسل، ولم يكن حظ النثر دون الشعر في هذا المضمار، بل بذّه، وسار في التجديد شوطًا أوسع، ولم تعد المقالة وحدها صاحبة السيطرة في النثر، بل اهتم الأدباء بالأقصوصة ثم بالقصة الطويلة، وإن كان حظ الأدب العربي من القصص الطويلة الجيدة حتى اليوم ضئيلًا، وأكثر من كتابة المسرحيات الاجتماعية، واشتهر كتاب خطوا في المسرحية خطوات موفقة. ولتفصيل هذا الموضوع مكان آخر إن شاء الله.
٤- الاقتباس من معاني الأدب الأوربي وأغراضه، وذلك لكثرة الترجمة في هذا العصر كثرة عجيبة، سواء من الشعر أو النثر، فتجد كبار الكتاب أو الأدباء يسهمون في المجلات الأدبية بمقالات من إنشائهم أحيانًا، وينقلونها عن الآداب الأوربية أحيانًا، واشتهر من بين الأدباء الذين زودوا الأدب العربي بكثير من آراء المفكرين الغربيين والأدباء ولا سيما الإنجليز: الأستاذ العقاد فيترجم لتوماس
стр. 480
هاردي أكثر من قطعة١، ويدافع عن مذهبه في الشعر وتشاؤمه، ويترجم لأناتول فرانس "باقة من حديقة أبيقور"٢، ويترجم الدكتور طه حسين لبودلير٣ وغيره، وينشر هذه التراجم في كتابه "من حيث الشعر والنثر" ويترجم بعض الأدباء "سادهانا" و"هدية العشاق" لطاغور٤، وتعني مجلة السياسة الأسبوعية بالأدب الفرنسي عناية فائقة، وكانت تسير نحو التجديد بخطى وثابة.
وقد ظهرت كتب مترجمة في الأدب مثل: "أناتول فرانس في مباذله" للأمير شكيب أرسلان، و"الزنبقة الحمراء" و"تأيبس"، لأناتول فرانس، إلى غير ذلك من الكتب الأدبية، التي ذكرت بعضًا منها على سبيل المثال. على أن أهم ظاهرة في العصر الحديث هي كثيرة القصص المترجمة، قصيرة أو طويلة، جيدة أو رديئة، وقد ساعد على هذا وجود المجلات الأدبية، تنافسها على أن يكون بكل عدد قصة مترجمة، وأحيانًا قصة موضوعة؛ واشتهر من المترجمين عن القصص الإنجليزي بعد الحرب العالمية الأولى محمد السباعي، وقد نشر كثيرًا من قصصه المترجمة في البلاغ الأسبوعي، وهو ينقل عن الإنجليزية قصصًا لأدباء أوربا بعامة سواء كانوا من الإنجليز أو الألمان مثل: "لوريلا" لبولي هايتس، أو من الروس مثل: "الشيطان وصانع الأحذية، ومهزلة غرامية، وليلة هائلة" للقصصى الروسي تشيكوف، أو الفرنسية مثل: "قصة العقد، والحب الضائع، والزجاجة ورزا، والشعر"، وغيرها للقصصى الفرنسي الواقعي: جي دي موبسان٣، ويترجم السباعي كذلك رباعيات الخيام عن الإنجليزية بأسلوب ممتاز، ولكنه كان يجنح في ترجمته إلى عدم التقييد بالأصل.
ونرى قصصًا طويلة تترجم عن الأدب الأوربي بأسلوب أدبي ممتاز فيترجم الدكتور طه حسين "زاديج" لفولتير، ويترجم الدكتور محمد عوض "فاوست" للشاعر الألماني جيته ويترجم الأستاذ أحمد حسن الزيات "ألام فرتر" لجيته،
стр. 481
ويترجم "رفائيل" للامرتين، ويظهر قبل ذلك المنفلوطي في رواياته ماجدولين، والشاعر والفضيلة مترجمة عن الأدب الفرنسي١ ويترجم السباعي رواية المدينتين لتشارلز دكنز، ويترجم الدكتور طه حسين عددًا من المسرحيات الفرنسية.
ونرى خليل مطران يترجم لنا بعض روايات شكسبير، وأسس الدكتور أحمد زكي أبو شادي مدرسة شعرية هي مدرسة "أبولو" عام ١٩٣٣، وأصدر مجلة بهذا الاسم غصت صفحاتها بالمترجم من الشعر العربي، والمنظوم على نمطه٢.
ولقد كانت المجلات الأدبية كما ذكرنا حاملة الترجمة في كل الفنون، فالسياسة الأسبوعية، والبلاغ الأسبوعي، الجديد للمرصفي، والمجلة الجديدة لسلامة موسى، ثم الرسالة لأحمد حسن الزيات، وأختها الرواية، ثم مجلة الثقافة غصت بالموضوعات والقصص المترجمة، وقد كان لكل هذا أثر في اقتباس الأدباء والشعراء من معاني الأدب الأوربي، قصدوا ذلك الاقتباس أو لم يقصدوه، كما أنهم تأثروا في موضوعاته وطريقته، وسنرى هذا الأثر عند الكلام عن المدارس الشعرية في العصر الحديث إن شاء الله.
٥- ونتج عن تأثرنا بالثقافة الأجنبية كثرة تعريب الكلمات ودخول عدد وفير من أساليب التعبير الغربية التي تلمسها لدى الكتاب غير المتمكنين من الأدب العربي القديم، والذين لا يستطيعون أن يصوغوا العبارات المترجمة صياغة عربية أصيلة، وقد انقسم المترجمون حيال اللغة العربية إلى أنواع ثلاثة فبعضهم يتجرم "ولا سيما المسرحيات" بلغة عامية أو عربية قريبة من العامية ولا يتحرجون في استعمال الكلمات الأجنبية، وأسلوبهم فيه كثير من الأسلوب الغربي، وقد راعى هؤلاء حال الجمهور المصري الذي سيشهد هذه المسرحيات، فلم يعنوا بالصياغة العربية والترجمة القوية من أمثال محمد تيمور، ومحمود
стр. 482
تيمور، والدكتور هيكل، ونوع ثانٍ ينقل باللغة العربية السهلة التي يتكلمها الناس، ولا ترقى إلى اللغة الأدبية أو تدانيها، بل هي أشبه بلغة الصحف، ومن هؤلاء: المازني ومحمد عوض، ومع هذه البساطة في التعبير والدقة في الترجمة قل أن نجد ليدهما أساليب تنكرها العربية، وإن كان المازني قد جنح في أخريات حياته إلى التساهل في استخدام الكلمات العامية في مقالاته الصحفية وفي بعض قصصه مع أنه في مستهل حياته الأدبية كان من أكبر المحافظين على الفصحى وعلى تجويد الأسلوب، وقد برع المازني في أخريات حياته في الترجمة من الإنجليزية إلى العربية براعة جعلته في الصف الأول في هذا المضمار، ونوع ثالث كان يتحرج من الإسفاف في التعبير أو الحيدة عن صحيح اللغة أو الكتابة بأساليب مرقعة، ولا هي بالعربية الأصيلة أو الغربية الخالصة، وإنما كان يترجم ترجمة أدبية قوية ممتازة الأسلوب مثل مطران في ترجماته لروايات شكسبير، ومثل طه حسين في ترجماته، ومثل الزيات في آلام فرتر ورفائيل. ومثل السباعي١ في قصصه المترجمة، وإن كان لا يتقيد بالأصل، ومثل عباس حافظ في قطعه الأدبية المترجمة٢.
وقد كان ثمة صراع بين الذين يؤثرون السهولة والراحة، ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث وراء الكلمة الفصيحة حين الترجمة أو التأليف, وينقلون الآثار الأدبية الرائعة في لغاتها إلى اللغة العامية المصرية فيسيئون إلى هذا الأدب الجميل، ويسيئون إلى لغتهم إساءة بالغة، فالأثر الذي تتركه مثل هذه القطع المترجمة أثر وقتي يزول بخروج المتفرج من المسرح أو أثر خلقي إن كانت الرواية خلقية أو اجتماعية، أما الأثر الأدبي فلا وجود له البتة؛ لأن العامية لا تستطيع النهوض والوقوف للغة العربية كما ذكرنا في غير هذا الموضع٣. وبين هؤلاء الذين تمكنوا في اللغة العربية تمكنًا عظيمًا، فهم يبغون في ترجماتهم تزويد هذه اللغة بألوان من المعاني، والأفكار، والموضوعات تجعلها من اللغات العالمية الغنية.
стр. 483
وللأستاذ العقاد في الدفاع عن الفصحى مقال قيم١، وللرافعي. رد مفحم مدعوم بالأدلة الباهرة على هؤلاء الذين حاولوا تمصير اللغة أو الجنوح إلى العامية نشره تحت عنوان: "تمصير اللغة"٢ وقد قال شوقي مُثْنِيًا على الفصحى وقدرتها على التعبير في كل زمان:
لغة الكامل في استرساله ... وابن خلدون إذا صح وصابا
إن للفصحى زمامًا وبيدًا ... وتجلب السهل وتقتاد الصعابا
لغة الذكر لسان المجتبي ... كيف تعبا بالمنادين جوابًا
كل عصر دارها إن صادفت ... منزلًا رحبًا وأهلًا وجنابا
إيت بالعمران روضًا يانعًا ... وادعها تجر ينابيع عذابًا
ويقول الدكتور طه حسين في مقدمة "قصص تمثيلية" موضحًا وجهة نظره في هذا الموضوع:
"هذه فصول في النقد والتحليل تناولت بها طائفة من آيات التمثيل الحديث، ونشرتها "السياسة"، متفرقة، ثم طلب إلى بعض القراء أن أجمعها في أسفار فأجبتهم إلى ذلك دون أن أغير فيما نشرته -السياسة- قليلًا أو كثيرًا. ولقد كتبتها وجمعتها، ولا أريد من ذلك إلا أمرين اثنين: الأول أن أظهر قراء العربية على نحو من الأدب الغربي، والثاني أن يكون لهذه القصص، وما فيها من الآراء الفلسفية، والمذاهب الفنية المختلفة أثر في نفوس الأدباء الذين يعنون منهم بالتمثيل العربي خاصة، يحملهم على أن يعنوا بهذا الفن الناشئ في أدبنا عناية ترفع من شأنه، وتجعله خصبًا مفيدًا، فإن أوفق إلى ما أريد بعضه أو كله فأنا سعيد".
هذا بعض ما كان للثقافة الأجنبية، وشدة اختلاطنا بالأدب الغربي نتيجة تلك العوامل التي أتينا عليها آنفًا من آثار في أدبنا شعرًا ونثرًا، ألمت بها إلمامًا سريعًا، كم كان بودي أن أقف على كل أثر من هذه الآثار، وأوفيه حقه من البحث
стр. 484
في هذا المقام، ولكن المقام أضيق من أن يتسع لكل هذا.
والآن وقبل أن أترك هذا الموضوع أرى لزامًا على وأنا أؤرخ لهذه الحقبة من الأدب الحديث وقد ذكرت فيما سبق سيئات "كرومر" في التعليم، أن أقول كلمة إنصاف، وأسجل هنا أثرًا حميدًا من آثاره، ألا وهو حرية الصحافة في عهد الاحتلال، أو بعبارة أدق في عهد كرومر خاصة.
وإذا كان للورد كرومر من حسنات تذكر من هذا السبيل فأول هذه الحسنات وأقواها أثرًا في الأدب هي إطلاقه الحرية التامة للمطبوعات، وعلى الأخص الصحافة المصرية، فلم يكمم أفواه الصحافة، أو يقيدها بقانون خاص، وتركها للقانون العام. وصل كرومر مصر سنة ١٨٨٣ والصحافة مقيدة بتلك القوانين الصارمة التي سنها إسماعيل، التي كان يسلطها سيفًا بتارًا على رءوس الصحفيين الذين ينتقدونه، ولا ننسى أنه أغلق جريدة التجارة التي أنشأها أديب إسحق، وأغلق أبا نضارة التي أنشأها يعقوب صنوع، وكاد يبطش بالأهرام لولا توسط الفرنسيين، ثم جاءت الثورة العرابية فشدت الرقابة على الأفكار وعلى تداولها ولا ننسى أن عبد الله نديم ظل مختفيًا ردحًا طويلًا من الزمن وأنه كان يخشى الظهور لما اشتهر به من مناوأته للخديو توفيق، وقد أغلق توفيق الأهرام سنة ١٨٨٤ لأنها كتبت مقالًا تقرر فيه أن الحكومة لا تخدم مصر وإنما تخدم إنجلترا، ولكن الضباط الملكفين بإغلاقها سرعان ما فتحوها بأمر اللورد كرومر واعتذروا لصاحبها رسميًّا.
كانت هذه القوانين تحتم على صاحب المطبعة دفع تأمين لا يقل عن مائة جنيه عند فتحها، ومن ينشئ مطبعة بدون ترخيص من الحكومة يغرم غرامة قد تصل إلى مائة وخمسين جنيهًا، ومن أراد أن يصدر كتابًا أو صحيفة لا بد له من عرضهما على قلم المطبوعات قبل أن يسمح له بإصدارها، وربما وجد من المضايقات وإحالة الأمر إلى وزير الداخلية، وتعويق إصدار الرخصة للصحيفة ما يجعله يعدل عن إصدارها١.
جاء كرومر وهذه القوانين قائمة ومعمول بها فعلًا، فلم يلعنها؛ ولكنه أهلمها، وترك الحرية للمطابع ولصحافة. فانتشرت المطابع انتشارًا عظيمًا حتى بلغ عددها في أواخر عهد الاحتلال ما يربو على ٢١٧ مطبعة في القاهرة
стр. 485
وحدها١. وأبيح للكتاب ورؤساء الأحزاب وغيرها إنشاء الصحف والمجلات من غير حاجة إلى استصدار رخص خاصة من قلم المطبوعات٢.
ولا شك أن إطلاق الحرية للصحافة وللكتب، قد حررها من ربقة الحكومة وسيطرتها، فلم تعد ميدانًا للملق والنفاق. والكذب، والدفاع بالباطل، عن تصرفاتها الخاطئة وتكبير حسناتها التافهة، بل صارت رقيبًا قويًّا، ولسان صدق الأمة ومطالبها القومية، وحربًا مريرة قاسية على الإنجليز وفظائعهم بمصر، والتشهير بهم في العالمين، ولا شك أن هذه كانت شجاعة فائقة من اللورد كرومر والتشهير بهم في العالمين، ولا شك أن هذه كانت شجاعة فائقة من اللورد كرومر الذي كان الحاكم المطلق لمصر في ذاك الوقت أقوى من الجالس على العرش، بل أقوى سلطة في البلاد، يزور قراها ويستقبل استقبال الملوك، ولا يستطيع إنسان أن يبت في صغيرة أو كبيرة من شئون الدولة إلا بأمره وبعد أخذ رأيه.
أتى كرومر وعدد الصحف لا تزيد على بضع وعشرين صحيفة، ولكن لم يأت عام ١٩٠٣ حتى كان بالقطر ١٧٦ صحيفة خص القاهرة منها ١٣٣ ما بين جريدة ومجلة٣.
ولقد أدى ازدياد الصحف إلى التنافس بينها، وأدى التنافس إلى تجويد المقال، واختيار الكتاب الأكفاء ذوي الأفكار الحية الجديدة، وإشباع نهم الجمهور للطريق الجديد من المقالات والأخبار، والتحدث بإسهاب عن مآسيه وأرزائه، وأمانيه وأدوائه، وكيف ننسى أنه في هذه الحقبة ظهر مصطفى كامل، وأشعلها حربًا مرة قاسية في الشرق والغرب على المحتل الغاصب، وكانت جريدة المؤيد في أول الأمر ميدانًا لمكافحته، ثم أنشأ جريدة اللواء٤، بل أصدر جريدتين إحداهما بالفرنسية l etendar egyptien والثانية وبالإنجليزية٥ The egytion stna dard؛ حتى يكون التشهير بفظائع الإنجليز أهم أقوى، ولم يصادر له اجتماع عقده، وقد كان عدد الحاضرين يبلغ أحيانًا سبعة آلاف، ولم تغلق له جريدة مرة
стр. 486
وكان يكتب فيها جماعة من ذوي الأقلام الملتهبة القوية مثل عبد العزيز جاويش، ومحمد فريد.
وكان إنشاء الأحزاب مباحًا كذلك، وقد أنشئ حزب الإصلاح برئاسة الشيخ على يوسف مناوئًا للحزب الوطني، بعد أن فسدت العلاقة بين الخديو عباس والزعيم مصطفى كامل في سنة "١٩٠٤"١، ثم أنشئ حزب الأمة في سنة ١٩٠٧، وهي السنة التي رحل فيها "كرومر"، ولكنه شهد مولد هذا الحزب قبل أن يغادر مصر وكان عنه راضيًا.
كان حزب الأمة أول الأمر متأثرًا بأفكار الشيخ محمد عبده ونظرته في السياسة والإصلاح، وكان الشيخ محمد عبده على صلة طيبة بالإنجليز كما عرفنا في الجزء الأول، وقال كرومر في شأن رجال حزب الأمة في تقريره السنوي سنة ١٩٠٦: "إنهم فئة قليلة من المصريين، ولكن عددها أخذ في الازدياد، ولا يسمع عنهم إلا الشيء القليل، بيد أنهم ليسوا أقل استحقاقًا لوصف الوطنية من الحزب الوطني الذي اختص نفسه بهذا الوصف؛ وهم ينشدون رقي بلادهم، ويعملون على تقدم إخوانهم في الدين من غير أن يصطبغوا بفكر الجامعة الإسلامية، وهم يرغبون في التعاون مع الأوربيين على إدخال المدينة الأوربية في مصر، وإنني أرى أن الأمل الوحيد للوطنية المصرية في معناها العملي الصحيح معقود بأعضاء حزب الأمة٢.
وقد أنشأ هذا الحزب "الجريدة" وكان يرأسه وقت تأسيسه حسن باشا عبد الرزاق وكان من أخلص الناس للشيخ محمد عبده، وبعد وفاته في سنة ١٩٠٧ تولى الرئاسة محمود باشا سليمان، ثم أحمد لطفي السيد الذي يرأس تحرير الجريدة، ويقول الدكتور هيكل في أغراض الجريدة وحزب الأمة: "على أن المصريين قد رأوا فشل السياسة الأولى التي جروا عليها، وهي سياسة الاعتماد
стр. 487
على فرنسا، ثم على أوربا، ثم على الباب العالي، وقدر جماعة منهم أن لا بد من الأخذ بسياسة أخرى هي إعداد الأمة بأدوات الاستقلال من علم وأخلاق، وغرس الإيمان بنفسها لا لمجرد كراهية الإنجليز، ولا حبًّا في الباب العالي ومقام الخلافة، ولكن حبًّا في الاستقلال والحرية لذاتهما، وكان لطفي السيد لسان الذين فكروا هذا التفكير١.
ولقد أفضت قليلًا في الكلام عن حزب الأمة وجريدته؛ لأنه كان حزبًا يدعو إلى التجديد مع الاعتدال، والتوفيق بين المدينة الحديثة، والحضارة الإسلامية وتعاليم الشرع، أو كانوا كذلك في أول الأمر؛ لقرب تأثرهم بآراء الشيخ محمد عبده؛ ولأن البيئة المصرية حينذاك لم تكن تتحمل التطرف الشديد في التجديد، ولكنهم فيما بعد، حين تمتعت مصر بشيء من الاستقلال والحرية دعوا إلى التجديد السافر في غير تحفظ، وإلى حرية الرأي ولو كان فيه شطط وخروج عن الدين والتقاليد. ويعتبر رجال هذا الحرب أنفسهم سواء -في السياسة أو العلم- من القادة الذين يجب أن يستمع الشعب لآرائهم، ويسير وراءهم، ولهم في السياسة منحى معروف ينم على أنهم أخلصوا للإمام محمد عبده ونظرته السياسية بعد وفاته، وتمسكوا بتعاليمه، فمنهم صار الأحرار الدستوريون فيما بعد، وهم الذين دعوا إلى إنشاء الجامعة المصرية، وقاموا بإنشائها فعلًا في سنة ١٩٠٨، وإن كان مصطفى كامل قد سبقهم في الدعوة إلى تأسيسها على نحو ما ذكرناه آنفًا، وهم الذين تولوا إدارتها فترة طويلة من الزمن في عهدها الحكومي، وقادوا الحركة الفكرية والتجديد في مصر في الآداب والفلسفة والاجتماع بقوة وجرأة، وربما كانت لنا عودة إليهم فيما بعد إن شاء الله.
على أن إنشاء الجريدة كذلك كان فتحًا جديدًا في عالم الصحافة من جهتين: إذ ضاعفت الأجور للكتاب، فارتفع مستواهم الأدبي، وجارهم في ذلك أصحاب الصحف الأخرى، وجودت المقالة تجويدًا عظيمًا، بيد أن الجريدة لم تستمر بعد
стр. 488
قيام الحرب العالمية الأولى، وقد خلقتها في عهد الاستقلال جريدة السياسة اليومية وأختها السياسية الأسبوعية.
كانت الصحافة من قبل تطرح على المشتركين، الذين يعدون الاشتراك فيها كرمًا وأريحية يحبون بها صاحب الجريدة، ولكنها بفضل المنافسة، والحرية، والاهتمام بالشعب وآماله والمزايدة في الوطنية، وتنبه شعور الجمهور للإصلاح والتخلص من الإحتلال من التصريح بأن صحافة وادي النيل بلغت، أو كادت تبلغ شأو الجرائد الأوربية من حيث الحجم، ووفرة الأخبار، وغير ذلك من المحاسن: والفضل في ذلك عائد إلى الحكومية المصرية، التي تحدت الحكومات الأوربية ما أمكن -بتأثير الاحتلال الإنجليزي- وعلى الجملة فالصحافة العربية في تاريخ حقبتها الثانية لا تستحق أن تعد بين الصحف الراقية إلا في مصر، ولا يمكن أن ترتقي في سائر الأفكار إلا بقدر ارتقاء المحيط الذي تصور فيه، كما نشاهد الآن ذلك بالفعل في أمريكا الشمالية، والجنوبية"١.
ومما يدل على أن كرومر كان له الفضل في حرية الصحافة المصرية، أنه بعد رحيله لم تقوَ الحكومة، ولا رجال الاحتلال على مواجهة الحرية الصحفية، والقوة التي كانت تهجم بها على الفساد الحكومي، وتنغص على المحتل إقامته، وتبين مساوئ حكمه، وفساد إدارته، وتعسفه فأعادوا في ٢٥ من مارس ١٩٠٩ قانون المطبوعات القديم الذي كان قد صدر في أخريات الثورة العرابية، أي قبل الاحتلال في ٢٦ نوفمبر ١٨٨١، وكان هذا القانون يخول وزير الداخلية الحق في إنذار الصحف، وتعطيلها مؤقتًا، أو نهائيًا من غير محاكمة أو دفاع، وكان بعثه وإعادة العمل به نكسة للحرية الصحفية، وقضاء على ما بقي للشعب المصري من متنفس، وكان صدوره أول مظهر للتحالف بين الخديو عباس والاحتلال ضد الحركة الوطنية٢.
стр. 489
وقد أثار هذا القرار حنق الشعب كله ضد بطرس غالي رئيس الوزراء حينذاك، وقامت المظاهرات العديدة في كل مكان بمصر تنادي بإلغائه، وتظهر سخطها على الوزارة التي سمحت برجوع هذا القانون، الذي صار سيفًا مسلطًا على الأفكار الحرة، وعلى رجال الوطنية الذين برموا بتلكؤ الإنجليز، ووعودهم الكاذبة. وقد حوكم المرحوم الشيخ عبد العزيز جاويش بمقتضى هذا القانون لأنه كتب مقالًا في ذكرى دنشواي، وحبس ثلاثة أشهر في أغسطس سنة ١٩٠٩، ومع أن ما قام به الوطنيون في سنة ١٩٠٦ حين وقع حادثه دنشواي، وما شنوه من حرب شعواء ضد الاحتلال في الداخل والخارج، وضد كرومر بصفة خاصة كان أعنف وأقوى ما رآه الإنجليز حتى ذلك الوقت، وكان السبب في أن ضحت إنجلترا بكرومر إرضاء للمصريين أولًا، ولتهدئة السخط الذي أظهره الرأي العام الأوربي حين سمع بهذه الفظائع الوحشية ثانيًا. ولم يفكر كرومر وكان بيده كل سلطان- أن يكمم أقفواه الجرائد أو يصارد الاجتماعات التي كانت تندد بسوءات حكمه.
وبمقتضى هذا القانون أنذرت جريدة اللواء الإنذار الأول في سنة ١٩٠٩، ثم عطلت نهائيًّا في أغسطس سنة ١٩١٢، وأوقفت جريدة "العلم" شهرين، وكانت قد ظهرت بجانب اللواء في ٧ من مارس.١٩١٠، وصدر الأمر بإيقافها في ٢٠ مارس، ثم نهائيًّا في ٧ من نوفمبر سنة ١٩١٣ وبمقتضى هذا القانون كذلك حبس محمد فريد ستة أشهر؛ لأنه كتب مقدمة لديوان "وطنيتي" الذي نظمه الشيخ على الغاياتي، وصودر الديوان، وحبس الشيخ جاويش ثلاثة أشهر مع الشغل؛ لأنه كتب مقدمة أخرى لهذا الديوان كذلك١.
وظل هذا القانون الصارم سيفًا بطاشًا، ويفتك بالصحافة الحرة، ويطيح بالآراء الجريئة بل يئدها قبل أن ترى الحياة، إلى أن شبت الحرب العالمية الأولى في أغسطس سنة ١٩١٤، وأعلنت الحماية على مصر، وجاءت معها الأحكام العرفية، فقضت على البقية الباقية من الحرية الصحفية، وكانت المؤيد قد توقفت عن
стр. 490
الصدور قبل ذلك بعد أن عين الشيخ على يوسف شيخًا للسادة الوفائية في سنة ١٩١٢، وودع المؤيد ورئاسة تحريره في سنة ١٩١٣، وأسندت رئاسة تحريره لمحمد بك أبو شادي، ولكن الديون كانت قد أثقلت المؤيد، فأصر الدائنون على بيع داره وأثاث بيت صاحبه لاستيفاء الدين، فبيعت في مارس ١٩١٣ وفي ٢٥ من أكتوبر سنة ١٩١٣ توفي الشيخ علي يوسف وهو في الخمسين من عمره، ذهب ذلك الصوت المصري الجريء مع من ذهب من أعلام النهضة١.
أما "الجريدة" لسان حزب الأمة، والصوت الجديد في الصحافة فقد توقفت كذلك في سنة ١٩١٤، وجنت عليها الحرب فيما جنت٢.
كانت الحرب العالمية الأولى نكبة على الناس، وقد حاول الإنجليز أن يتخذوا منها ذريعة للقضاء على ما بقي للمصريين من حرية واستقلال وشعور بالكرامة والوطنية، فمهدوا الطريق لإعلان الحماية على مصر ليقطعوا بذلك آخر صلة لها بتركيا، وليحكموها بيد من حديد بحجة الدفاع عن أنفسهم، وتأمين خطوط مواصلاتهم، فأعلنوا قانون التجمهر في ١٨ أكتوبر سنة ١٩١٤، الذي يقضي بألا يجتمع أكثر من خمسة أشخاص في مكان ما٣، وغلوا البلاد بالأحكام العرفية في ٢ من نوفمبر "١٩١٤"٤. ثم أعلنوا الحماية في يوم ١٨٩ من ديسمبر "١٩١٤"٥ وقد احتجت جريدة "الشعب" التي كان يصدرها أمين الرافعي احتجاجًا على إعلان الحماية٦، وعطلت الجمعية التشريعية في ٢٧ من أكتوبر ١٩١٥، فلم يبق في مصر أي صوت ينطق بلسان الشعب، أو يستطيع أن يتفوه بكلمة حق.
وهكذا صمت المصريون أمام هذا الإرهاب الشنيع طوال أربع سنوات، تضيق صدورهم بما ترتكبه "السلطة" من آثام، ولا تنطلق ألسنتهم بما يعتلج في
стр. 491
حنايا هذه الصدور من آلام، وقد أشار سعد زغلول إلى ما عاناه المصريون في خلال هذه المدة من عنت وإرهاق في حديثه مع المعتمد البريطاني في سنة ١٩١٩ بعد أن أعلنت الهدنة بقوله: "وإن الناس ينتظرون بفروغ صبر زوال هذه المراقبة كي ينفسوا عن أنفسهم، ويخففوا عن صدورهم الضيق الذي تولاهم أكثر من أربع سنين"١.
ثم اضطرمت الثورة في مصر سنة ١٩١٩، وكان من أهم أسبابها على ما أعتقده كبت الحريات، والتضييق الشديد على الآراء والأفكار طول عشرة سنوات كاملة، بل منذ خرج كرومر من مصر سنة ١٩٠٦، ولقد كان كرومر استعماريًّا محنكًا، فسمح للمصريين بأن ينفسوا عن أنفسهم بالكتاب اوالخطابة فنأوا عن الثورة، وإن أطاحت به هذه الحرية التي منحها لهم وأبعدته عن مصر على أثر تلك الغارة الشعواء التي شنوها عليه بعد حادثة دنشواي الدامية، أما خلفاؤه فلم ينهجوا نهجه، ولم يتمرسوا بحكم الشعوب، ويدرسوا نفسياتها ويعالجوها بما يناسبها، فكانت ثورة ١٩١٩، وكانت خيرًا وبركة على وادي النيل.
ولما شبت الثورة ازدادت رقابتهم على الصحف شدة وعنفًا حتى أن الصحف المصرية لم تستطع أن تشير إلى أول اجتماع عقده الوفد المصري برياسة سعد زغلول في دار حمد الباسل إلا بأنه اجتماع ضم كثيرًا من أعيان العاصمة والأقاليم ودعوا لتناول "الشاي" والحلوى ثم انصرفوا رويدًا رويدًا وجماعات، وهم يتحدثون بفخامة هذا الاجتماع وبفضل الداعي وكرمه٢ ومن يقرأ هذا الكلام لا يفهم منه شيئًا يمت إلى السياسة بصلة، مع أن هذا الاجتماع كان إيذانًا بالثورة، وقد وضعت فيه مبادئ الجهاد، والوقوف في وجه المحتل الغاصب، وقد طبع الوفد ما اتخذه من قرارات، ووزعها على الناس حين عجزت الصحف عن نشره.
ولما طارت أول شرارة من نار الثورة في مارس سنة ١٩١٩، واستشهد كثير من الشباب في ميدان التضحية، وكثرت الاعتقالات واستبدت السلطة الغاشمة،
стр. 492
وأمعنت في طغيانها، ولم يجد الناس في الصحف غناء لمعرفة أخبار الثورة والجهاد، وانتشرت المطبوعات والصحافة السرية التي كانت تحمل الحملات الشديدة على الإنجليز، وعلى الوزارة، وعلى القصر، وكان للطلبة جريدة سرية باسم "المصري الحر" ولها مطبعة سرية خاصة، وكان الناس يتلقفون هذه النشرات بلهف بالغ، ويتبادون الاطلاع عليها، فساء ذلك المحتل الغشوم، وأمعن في إرهابه وعنته، وأصدر الجنرال "بلفن" أمرًا شديدًا بمعاقبة كل من يلجأ إلى طبع أو إذاعة أو توزيع أي نشرة أو صورة عقابًا صارمًا، وذلك في يونية سنة "١٩١٩"١.
ولما عقدت معاهدة الصلح في قصر "فرساي" في ٢٨ من يونية ١٩١٩، وتقرر فيها الاعتراف بشريعة الحماية على مصر، وتساهلت السلطة العسكرية البريطانية بعض الشيء مع المصريين، ألغيت الرقابة على الصحف ابتداء من أول يولية سنة ١٩١٩، ونشرت رئاسة مجلس الوزراء بيانًا في ٢٦ يونية نصحت فيه أصحاب الصحف أن يلزموا الاعتدال حتى لا يلجئوا الحكومة إلى العودة لوضع القيود والروابط، ولكن الإلغاء كان صوريًّا؛ لأن إدارة الرقابة أرسلت إلى الصحف مذكرة سرية تفرض فيها الرقابة أشد وأنكى مما كان٢.
ثم مضت الثورة في طريقها لا تلوي على شيء، واشترك فيها الأمراء والفقراء، وأهل المدن، وأهل القرى، وعمت البلاد من شاطئ البحر المتوسط إلى حدود السودان، وكثر عدد القتلى والشهداء، وتأليف وزارات لم تستطع حكم البلاد، وظلت من غير حكومة فترات طويلة، وهنا اضطرت السلطة البريطانية إلى إعادة الرقابة على الصحف مرة أخرى في مارس "١٩٢٠"٣.
ولما دعا عدلي يكن لمفاوضة الإنجليز رسميًّا، وكان سعد زغلول بباريس حينذاك، وطلب منه عدلي أن يشترك في المفاوضة أرسل إليه في ١٩ من مارس ١٩٢٠ بأنه عائد إلى مصر، وقد اشترط للاشتراك في هذه المفاوضة شروطًا كان منها إلغاء الأحكام العرفية، والرقابة على الصحف قبل الدخول في المفاوضات٤.
стр. 493
وقد حقق عدلي يكن بعض هذه الشروط في مايو سنة ١٩٢١، فرفعت الرقابة عن الصحف١.
وانقسم الوفد المصري على نفسه، واختلف سعد وعدلي على رئاسة الوفد، ثم نفى سعد وصحبه إلى جزيرة سيشل في ١٥ من ديسمبر سنة ١٩٢١، وأعادت السلطة العسكرية الرقابة على الصحف مرة أخرى، وبطشت بكل صحيفة كانت تناوئها. ولما أعلن تصريح٢٨ من فبراير ١٩٢٢، وقاومته أغلبية الأمة، وكثرت الاغتيالات السياسية أساء ثروت "باشا" معاملة الصحف التي كانت تندد بالتصريح، وتعارض سياسته، فعطل جريدة "الأهالي" تعطيلًا نهائيًّا في سنة ١٩٢٢، وعطل جريدة الأمة لمدة ثلاثة أشهر، وعطل الأهرام وأصدر أوامر مشددة إلى الصحف بتجنب ذكر اسم سعد وزملائه المنفيين٢.
وأخيرًا وضع الدستور المصري، وأعلن في ١٩ من إبريل سنة ١٩٢٣، وقد كفلت المواد ٤ و٥ و١٣ و١٤ و٢١ منه الحرية الشخصية، وحرية الاعتقاد، وحرية الرأي بحيث لا يجوز القبض على أي إنسان ولا حبسه إلا وفق أحكام القانون، وكفلت المادة ١٥ منه حرية الصحافة، وحظرت الرقابة على الصحف، ومنع إنذارها وتعطيلها أو إلغائها إداريًّا، وانتهت الأحكام العرفية في ٥ من يولية سنة ١٩٢٣. وتمتعت مصر بفترة من الحرية النسبية حرمتها أمدًا طويلًا.
بيد أننا نقول والأسف يملأ قلوبنا إن الإنجليز قد تركوا لهم أذنابًا وصنائع في مصر، عبثوا بها وبحريتها، وكانوا يعبدونها من دون الله، ومن دون الوطن، ونراهم تضيق صدورهم حين يشاهدون الأمة جادة في نيل استقلالها كاملًا غير منقوص، وكأني بهم ينظرون نظرة الذئب إلى فريسته أو الوصي إلى اليتيم الصغير، ويدعون أن الأمة لم تزل في حاجة إلى الهداية والرشد، وأنهم هم القادة الأكفاء الذين أرسلتهم العناية الإلهية للأخذ بيدها، ولكن هل في تعطيل الدستور والعبث به، ووضع دساتير فجة، وفي كبت الحريات والحد من الأفلام الجريئة هداية أو رشاد؟!
стр. 494
لقد انفصل عن الوفد جماعة نفسوا على سعد رئاسته، وأسس حزب الأحرار الدستوريين في أكتوبر سنة ١٩٢٢، وتصدعت وحدة الأمة، واجتهد القصر في أن يحتفظ لنفسه ببعض مزايا الحكم، وألف حزب الاتحاد، ثم حزب الشعب، ثم اندمج كلاهما في حزب الاتحاد الشعبي، وكانا يشايعان القصر، وقد أدت هذه الفرقة إلى تناحر الأحزاب فيما بينها، وشدد رجال الأحزاب النكير على الحريات، والصحف المعارضة كلما تولوا الحكم. وعمدت الصحف إلى المهاترات الحزبية، وانصرفت جهود الأمة إلى دعم الحزبية، لا إلى المطالبة بالاستقلال؛ وقد ظل الأمر كذلك بعد الحرب العالمية الثانية، فرأينا نيابة الصحافة تجد في تعقب الصحف ومؤاخذتها، وفرض الغرامات على أربابها.
ولكن على الرغم من كل هذا فقد خطت الصحف في عهد الدستور خطوات واسعة جدًّا في سبيل الرقي من حيث المادة، والحجم، والفن الصحفي، وظهر إلى جانب الصحف اليومية مجلات أسبوعية وشهرية عنيت بالآداب والعلوم والفنون، وتفرغ لتحريرها صفوة الكتاب والأدباء، وعملت على تحبيب الأدب للجمهور وكانت أداة فعالة في التقريب بين الشرق والثقافة الغربية. وقد بلغت هذه الصحافة الأدبية الذروة بعد إعلان الدستور فترى السياسة الأسبوعية تحمل مشعل التجديد، وتحث الناس على الأخذ بأسباب الحضارة الأوربية دون مراجعة أو تردد، وتستمر حقبة من الزمن وهي في عنفوانها، ثم تضمحل بضعف الأحرار الدستوريين سياسيًّا، ويظهر بجانبها البلاغ الأسبوعي ينافسها في ميدان الأدب، ويظل حقبة يغذي الأدب العربي بأفاويق الأدب الغربي، وبعرض أراء جمهرة من الكتاب والشعراء عرضًا جذابًا وتظهر مجلة الجديد في سنة ١٩٢٨ لنائل المرصفي، ولكنها لا تبقى أكثر من سنتين، ومن ثم تظهر في الأفق مجلة قوية بأقلامها والمحررين فيها، وكانت ثمرة ناضجة لهذه الجهود الطويلة الذي بذلها محمد عبده وأتباعه ألا وهي مجلة الرسالة للأستاذ أحمد حسن الزيات، وتظل سنوات في مقدمة المجلات الأدبية في الشرق، إلى أن تظهر مجلة الثقافة للأستاذ أحمد أمين ولجنة التأليف والترجمة وتبقى قوية بضع سنوات ثم تضعف هذا عدا الهلال والمقتطف والزهراء لمحب الدين الخطيب وغيرها.
стр. 495
ثم تعلن الحرب العالمية الثانية في سبتمبر ١٩٣٩، وتعلن معها الأحكام العرفية، ويشح الورق، وتفرض الرقابة على المطبوعات، وينقص حجم الصحف، وتضعف الصحافة الأدبية تدريجيًّا، ويظهر في أعقاب الحرب نجم جديد في عالم الصحافة الأدبية وهي مجلة الكتاب التي تصدرها دار المعارف١. ويهتم الغربيون ببث دعاياتهم وثقافاتهم بين شعوب الشرق، فتصدر مجلة "المختار" الأمريكية في خلال الحرب، وكلها ترجمة عن المجلات الأمريكية، وفيها رأي العرب لونًا جديدًا حقًّا من الثقافة والتحرير ثم عجزت عن الاستمرار بعد سنوات وظهرت الهلال في ثوب جديد محتذية حذوها، متقربة نوعًا ما من ثقافة الشعب ومستواه دون أن تسف.
ولعلك رأيت بعد هذا العرض السريع للصحافة في عهد الاحتلال والاستقلال مبلغ ما عانيناه من عنت، ومبلغ ما وصلنا إليه من حرية، سنعود مرة أخرى إلى الصحافة عند التحدث عن أثر النهضة القومية في الأدب إن شاء الله.