← Адаб

Адаб · id 11565

في الأدب الحديث

عمر الدسوقي

Полный текст (895 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

حنايا هذه الصدور من آلام، وقد أشار سعد زغلول إلى ما عاناه المصريون في خلال هذه المدة من عنت وإرهاق في حديثه مع المعتمد البريطاني في سنة ١٩١٩ بعد أن أعلنت الهدنة بقوله: "وإن الناس ينتظرون بفروغ صبر زوال هذه المراقبة كي ينفسوا عن أنفسهم، ويخففوا عن صدورهم الضيق الذي تولاهم أكثر من أربع سنين"١. ثم اضطرمت الثورة في مصر سنة ١٩١٩، وكان من أهم أسبابها على ما أعتقده كبت الحريات، والتضييق الشديد على الآراء والأفكار طول عشرة سنوات كاملة، بل منذ خرج كرومر من مصر سنة ١٩٠٦، ولقد كان كرومر استعماريًّا محنكًا، فسمح للمصريين بأن ينفسوا عن أنفسهم بالكتاب اوالخطابة فنأوا عن الثورة، وإن أطاحت به هذه الحرية التي منحها لهم وأبعدته عن مصر على أثر تلك الغارة الشعواء التي شنوها عليه بعد حادثة دنشواي الدامية، أما خلفاؤه فلم ينهجوا نهجه، ولم يتمرسوا بحكم الشعوب، ويدرسوا نفسياتها ويعالجوها بما يناسبها، فكانت ثورة ١٩١٩، وكانت خيرًا وبركة على وادي النيل. ولما شبت الثورة ازدادت رقابتهم على الصحف شدة وعنفًا حتى أن الصحف المصرية لم تستطع أن تشير إلى أول اجتماع عقده الوفد المصري برياسة سعد زغلول في دار حمد الباسل إلا بأنه اجتماع ضم كثيرًا من أعيان العاصمة والأقاليم ودعوا لتناول "الشاي" والحلوى ثم انصرفوا رويدًا رويدًا وجماعات، وهم يتحدثون بفخامة هذا الاجتماع وبفضل الداعي وكرمه٢ ومن يقرأ هذا الكلام لا يفهم منه شيئًا يمت إلى السياسة بصلة، مع أن هذا الاجتماع كان إيذانًا بالثورة، وقد وضعت فيه مبادئ الجهاد، والوقوف في وجه المحتل الغاصب، وقد طبع الوفد ما اتخذه من قرارات، ووزعها على الناس حين عجزت الصحف عن نشره. ولما طارت أول شرارة من نار الثورة في مارس سنة ١٩١٩، واستشهد كثير من الشباب في ميدان التضحية، وكثرت الاعتقالات واستبدت السلطة الغاشمة،

стр. 492

وأمعنت في طغيانها، ولم يجد الناس في الصحف غناء لمعرفة أخبار الثورة والجهاد، وانتشرت المطبوعات والصحافة السرية التي كانت تحمل الحملات الشديدة على الإنجليز، وعلى الوزارة، وعلى القصر، وكان للطلبة جريدة سرية باسم "المصري الحر" ولها مطبعة سرية خاصة، وكان الناس يتلقفون هذه النشرات بلهف بالغ، ويتبادون الاطلاع عليها، فساء ذلك المحتل الغشوم، وأمعن في إرهابه وعنته، وأصدر الجنرال "بلفن" أمرًا شديدًا بمعاقبة كل من يلجأ إلى طبع أو إذاعة أو توزيع أي نشرة أو صورة عقابًا صارمًا، وذلك في يونية سنة "١٩١٩"١. ولما عقدت معاهدة الصلح في قصر "فرساي" في ٢٨ من يونية ١٩١٩، وتقرر فيها الاعتراف بشريعة الحماية على مصر، وتساهلت السلطة العسكرية البريطانية بعض الشيء مع المصريين، ألغيت الرقابة على الصحف ابتداء من أول يولية سنة ١٩١٩، ونشرت رئاسة مجلس الوزراء بيانًا في ٢٦ يونية نصحت فيه أصحاب الصحف أن يلزموا الاعتدال حتى لا يلجئوا الحكومة إلى العودة لوضع القيود والروابط، ولكن الإلغاء كان صوريًّا؛ لأن إدارة الرقابة أرسلت إلى الصحف مذكرة سرية تفرض فيها الرقابة أشد وأنكى مما كان٢. ثم مضت الثورة في طريقها لا تلوي على شيء، واشترك فيها الأمراء والفقراء، وأهل المدن، وأهل القرى، وعمت البلاد من شاطئ البحر المتوسط إلى حدود السودان، وكثر عدد القتلى والشهداء، وتأليف وزارات لم تستطع حكم البلاد، وظلت من غير حكومة فترات طويلة، وهنا اضطرت السلطة البريطانية إلى إعادة الرقابة على الصحف مرة أخرى في مارس "١٩٢٠"٣. ولما دعا عدلي يكن لمفاوضة الإنجليز رسميًّا، وكان سعد زغلول بباريس حينذاك، وطلب منه عدلي أن يشترك في المفاوضة أرسل إليه في ١٩ من مارس ١٩٢٠ بأنه عائد إلى مصر، وقد اشترط للاشتراك في هذه المفاوضة شروطًا كان منها إلغاء الأحكام العرفية، والرقابة على الصحف قبل الدخول في المفاوضات٤.

стр. 493

وقد حقق عدلي يكن بعض هذه الشروط في مايو سنة ١٩٢١، فرفعت الرقابة عن الصحف١. وانقسم الوفد المصري على نفسه، واختلف سعد وعدلي على رئاسة الوفد، ثم نفى سعد وصحبه إلى جزيرة سيشل في ١٥ من ديسمبر سنة ١٩٢١، وأعادت السلطة العسكرية الرقابة على الصحف مرة أخرى، وبطشت بكل صحيفة كانت تناوئها. ولما أعلن تصريح٢٨ من فبراير ١٩٢٢، وقاومته أغلبية الأمة، وكثرت الاغتيالات السياسية أساء ثروت "باشا" معاملة الصحف التي كانت تندد بالتصريح، وتعارض سياسته، فعطل جريدة "الأهالي" تعطيلًا نهائيًّا في سنة ١٩٢٢، وعطل جريدة الأمة لمدة ثلاثة أشهر، وعطل الأهرام وأصدر أوامر مشددة إلى الصحف بتجنب ذكر اسم سعد وزملائه المنفيين٢. وأخيرًا وضع الدستور المصري، وأعلن في ١٩ من إبريل سنة ١٩٢٣، وقد كفلت المواد ٤ و٥ و١٣ و١٤ و٢١ منه الحرية الشخصية، وحرية الاعتقاد، وحرية الرأي بحيث لا يجوز القبض على أي إنسان ولا حبسه إلا وفق أحكام القانون، وكفلت المادة ١٥ منه حرية الصحافة، وحظرت الرقابة على الصحف، ومنع إنذارها وتعطيلها أو إلغائها إداريًّا، وانتهت الأحكام العرفية في ٥ من يولية سنة ١٩٢٣. وتمتعت مصر بفترة من الحرية النسبية حرمتها أمدًا طويلًا. بيد أننا نقول والأسف يملأ قلوبنا إن الإنجليز قد تركوا لهم أذنابًا وصنائع في مصر، عبثوا بها وبحريتها، وكانوا يعبدونها من دون الله، ومن دون الوطن، ونراهم تضيق صدورهم حين يشاهدون الأمة جادة في نيل استقلالها كاملًا غير منقوص، وكأني بهم ينظرون نظرة الذئب إلى فريسته أو الوصي إلى اليتيم الصغير، ويدعون أن الأمة لم تزل في حاجة إلى الهداية والرشد، وأنهم هم القادة الأكفاء الذين أرسلتهم العناية الإلهية للأخذ بيدها، ولكن هل في تعطيل الدستور والعبث به، ووضع دساتير فجة، وفي كبت الحريات والحد من الأفلام الجريئة هداية أو رشاد؟!

стр. 494

لقد انفصل عن الوفد جماعة نفسوا على سعد رئاسته، وأسس حزب الأحرار الدستوريين في أكتوبر سنة ١٩٢٢، وتصدعت وحدة الأمة، واجتهد القصر في أن يحتفظ لنفسه ببعض مزايا الحكم، وألف حزب الاتحاد، ثم حزب الشعب، ثم اندمج كلاهما في حزب الاتحاد الشعبي، وكانا يشايعان القصر، وقد أدت هذه الفرقة إلى تناحر الأحزاب فيما بينها، وشدد رجال الأحزاب النكير على الحريات، والصحف المعارضة كلما تولوا الحكم. وعمدت الصحف إلى المهاترات الحزبية، وانصرفت جهود الأمة إلى دعم الحزبية، لا إلى المطالبة بالاستقلال؛ وقد ظل الأمر كذلك بعد الحرب العالمية الثانية، فرأينا نيابة الصحافة تجد في تعقب الصحف ومؤاخذتها، وفرض الغرامات على أربابها. ولكن على الرغم من كل هذا فقد خطت الصحف في عهد الدستور خطوات واسعة جدًّا في سبيل الرقي من حيث المادة، والحجم، والفن الصحفي، وظهر إلى جانب الصحف اليومية مجلات أسبوعية وشهرية عنيت بالآداب والعلوم والفنون، وتفرغ لتحريرها صفوة الكتاب والأدباء، وعملت على تحبيب الأدب للجمهور وكانت أداة فعالة في التقريب بين الشرق والثقافة الغربية. وقد بلغت هذه الصحافة الأدبية الذروة بعد إعلان الدستور فترى السياسة الأسبوعية تحمل مشعل التجديد، وتحث الناس على الأخذ بأسباب الحضارة الأوربية دون مراجعة أو تردد، وتستمر حقبة من الزمن وهي في عنفوانها، ثم تضمحل بضعف الأحرار الدستوريين سياسيًّا، ويظهر بجانبها البلاغ الأسبوعي ينافسها في ميدان الأدب، ويظل حقبة يغذي الأدب العربي بأفاويق الأدب الغربي، وبعرض أراء جمهرة من الكتاب والشعراء عرضًا جذابًا وتظهر مجلة الجديد في سنة ١٩٢٨ لنائل المرصفي، ولكنها لا تبقى أكثر من سنتين، ومن ثم تظهر في الأفق مجلة قوية بأقلامها والمحررين فيها، وكانت ثمرة ناضجة لهذه الجهود الطويلة الذي بذلها محمد عبده وأتباعه ألا وهي مجلة الرسالة للأستاذ أحمد حسن الزيات، وتظل سنوات في مقدمة المجلات الأدبية في الشرق، إلى أن تظهر مجلة الثقافة للأستاذ أحمد أمين ولجنة التأليف والترجمة وتبقى قوية بضع سنوات ثم تضعف هذا عدا الهلال والمقتطف والزهراء لمحب الدين الخطيب وغيرها.

стр. 495

ثم تعلن الحرب العالمية الثانية في سبتمبر ١٩٣٩، وتعلن معها الأحكام العرفية، ويشح الورق، وتفرض الرقابة على المطبوعات، وينقص حجم الصحف، وتضعف الصحافة الأدبية تدريجيًّا، ويظهر في أعقاب الحرب نجم جديد في عالم الصحافة الأدبية وهي مجلة الكتاب التي تصدرها دار المعارف١. ويهتم الغربيون ببث دعاياتهم وثقافاتهم بين شعوب الشرق، فتصدر مجلة "المختار" الأمريكية في خلال الحرب، وكلها ترجمة عن المجلات الأمريكية، وفيها رأي العرب لونًا جديدًا حقًّا من الثقافة والتحرير ثم عجزت عن الاستمرار بعد سنوات وظهرت الهلال في ثوب جديد محتذية حذوها، متقربة نوعًا ما من ثقافة الشعب ومستواه دون أن تسف. ولعلك رأيت بعد هذا العرض السريع للصحافة في عهد الاحتلال والاستقلال مبلغ ما عانيناه من عنت، ومبلغ ما وصلنا إليه من حرية، سنعود مرة أخرى إلى الصحافة عند التحدث عن أثر النهضة القومية في الأدب إن شاء الله.

стр. 496

الفصل الثاني: النهضة القومية المظهر السياسي ... الفصل الثاني: النهضة القومية والنهضة القومية من أهم العوامل التي أثرت في أدبنا الحديث شعرًا ونثرًا حتى صار أدبًا قويًّا عملاقًا، استعادت به اللغة العربية سابق رونقها وبهائها أيام عصرها الذهبي في عهد العباسيين، بل أربت على ما كان لها من مجد بسبب اتصالنا القوي بالثقافة الغربية، وتغذيتها تغذية متواصلة بثمرات الأدب الأوربي فعرفت ألوانًا من الأدب لم تتذوقها. وللنهضة القومية مظاهر شتى، أثرت كلها في الأدب تأثيرًا بليغًا وسنذكر هذه المظاهر بشيء من التوسع، ونتكلم على آثار كل منها في الأدب على قدر ما تسمح لنا به هذه الصفحات المحدودة. المظهر السياسي: انتهت الثورة العرابية -كما عرفنا في الجزء الأول- بالاحتلال الإنجليزي لمصر في سنة ١٨٨٢، وقد كان لإخفاق الثورة العرابية أثران جوهريان: أولهما: الاحتلال البريطاني، وقد أكد الإنجليز منذ أن وطئت أقدامهم أرض مصر، أنهم لا يريدون اغتصابها أو احتلالها ولكنهم جاءوا لحماية الخديو من الثورة وتثبيت عرشه، وأنهم جاءوا وهم ينوون الجلاء العاجل، حين تستقر الأمور ويهدأ الشعب١، ولكن الإنجليز كانوا يخادعون الأمة المصرية، ويتربصون بها الدوائر من زمن بعيد منذ حملة نابليون على مصر، ومنذ غزوتهم لها بقيادة الجنرال "فريز" سنة ١٨٠٧ وهزيمتهم في موقعة رشيد٢.

стр. 497

وثانيهما: سريان روح الخضوع واليأس في نفوس المصريين بعد الاحتلال ومن مظاهر هذا اليأس تنصل زعماء الثورة العرابية من تبعاتها، والتجائهم إلى الإنجليز يستمدون منهم الصفح والمعونة. وقد ظلت مصر في هذه الحالة الشنيعة من الخضوع، والاستسلام، والاستعمار يمكن لأقدامه، ويوطد من دعائمه إلى أن قيض الله لمصر في آخريات القرن التاسع عشر بضع نفر من المواطنين عملوا جهدهم إلى أن يعيدوا لها ما عزب من آمالها. ولقد مر بك في الفقرة الأولى من هذا الفصل كيف أن اللورد كرومر قد طغى وبغى وتجاوز حده، وحكم مصر بيد حديدية إنجليزية، حتى صار فيها الحاكم المطلق، تحت إمرته جيش قوي، وشئون المال والأشغال والعدل في يد مستشاريه الإنجليز، ووزراؤنا لا يعنيهم إلا أن يرضوا العميد البريطاني، ولا سيما مصطفى فهمي الذي تولى الوزراء ثلاثة عشر عامًا متوالية من سنة ١٨٩٥ إلى سنة ١٩٠٨، وكان أطوع للإنجليز من بنان أحدهم، وكان إنجليزيًّا أكثر منهم، وكان يجاهر بأنه لا يستمد سلطانه من الخديو، وإنما يستمده من العميد البريطاني، ومثله نوبار ومحمد سعيد، ومن على شاكلتهم. ولما توفي الخديو توفيق وتولى عباس العرش في ٨ يناير سنة ١٨٩٢ استبشرت الأمة خيرًا بعهده. وأملت أن يجلو الإنجليز عنها، ولكن إنجلترا تذرعت بصغر سنة ونادت صحفها١ بأن "إرتقاء الخديو الشاب عرش مصر يجعل بقاء الاحتلال أكثر ضرورة من أي وقت فلا يجوز منذ الآن الكلام عن الجلاء" وقالت: "إن وفاة توفيق هدمت آخر حجة للجلاء". وابتدأ عباس يشعر بمرارة الاحتلال، والحد من سلطانه، وأخذ يناوئ الإنجليز، ويقف منهم موقفًا معاديًا في كثير من الأمور، وإن غلب على أمره في أكثر الأحيان، وكانت الأمة تشجعه، وتلتف حوله بادئ ذي بدء كما حدث حين أقال وزارة مصطفى فهمي الأولى "يناير ١٨٨٣" من غير أن يستأذن الإنجليز في ذلك،

стр. 498

إذا توافد عليه رجال الأمة وأمراؤها وعلماؤها وأعضاء مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية والقضاة يهنئونه ويشدون أزره١، وكما حدث في أزمة الحدود سنة ١٨٩٤، وقد أدى موقف عباس هذا إلى أن دب في نفوس بعض المصريين شيء من الحماس، وقد ظهرت أول الأمر عن طريق الصحافة. وذكرنا في الجزء الأول أن الصحافة المصرية في أخريات القرن التاسع عشر تأثرت بعاملين أولهما: تركيا، وكانت على الرغم من ضعفها، وإعانها للأمر الواقع تحاول إثارة النفوس ضد الاحتلال، وكان كثير من المصريين يدين لتركيا بالولاء، وهو ولاء ديني لا سياسي، مبعثه وجود الخلافة العثمانية، والمسلمون مكلفون شرعًا بطاعة الخليفة. وثانيهما: الاحتلال الذي حاول أن يجتث نفوذ تركيا من الأساس، ويقتلع من النفوس هذا الولاء، وقد استطاع أن يجد لسياسته هذه أنصارًا ومريدين، وأن يجتذب إليه قلوبًا عزيزة المنال تدافع عنه أو تسكت عن مخازيه، ووجد أن كثيرًا من السوريين المسيحيين ينقمون على تركيا استبدادها وغلظتها وسوء تصرفها معهم في ديارهم، وتفريقها بين عناصر الأمة، فاستمال هؤلاء الناقمين إليه، وحباهم عطفه ووده، وأنشئوا جريدة المقطم لسان حال لهم في ١٤ من فبراير سنة ١٨٨٩. وهكذا انقسمت الصحافة فريقين: فريق تركيا، وفي الغالب يدعو للخديو، ويندد بالاستعار، إما مدفوعًا بالولاء الديني، أو الكراهية للإنجليز، أو بتحريض دولة أجنبية تنفس على أبناء التاميز مركزهم في مصر والشرق العربي، وفريق يدافع عن الإنجليز، ويتغنى بمحامدهم، ويشيد بنعمة الاحتلال، ويذيع مساوئ العهد التركي، وما ارتكب فيه من ظلم وكانت "المؤيد" ثم "اللواء" تمثل الفريق الأول، "والمقطم" تمثل الفريق الثاني على نحو ما ذكرناه في غير هذا المكان٢.

стр. 499

طلع المؤيد على الناس في ديسمبر سنة ١٨٨٩، والاحتلال الإنجليزي في عنفوانه، والثورة العرابية قد أخفقت، وشرد زعماؤها، وكممت الأفواه، ولكن النفوس كانت تضطرم بنار الوطنية والقلوب تنطوي على حقد دفين لهؤلاء الذين اغتصبوا حرية مصر، واستباحوا حرماتها، مع أنها كانت بالأمس القريب في عهد إسماعيل تتطلع إلى مستقبل باسم. وكانت تعاليم جمال الدين الأفغاني، وما بثه في مصر من حب للحرية، وثورة على الاستبداد والبغي ورغبة ملحة في إصلاح المفاسد الاجتماعية، وتحقيق العدالة بين الناس، ومن نظام الشورى الصحيح لا تزال تطن في الآذان، وتتردد في الأذهان وكانت ثورة عرابي والمبادئ العظيمة التي نادت بها من رفع السخرة وإنصاف المصريين ضباطًا وشعبًا والعدالة الاجتماعية بين الطبقات، وإنشاء المجلس النيابي لتمثل فيه الأمة، وما راح ضحية هذه الثورة من ضحايا لا يزال كله ماثلًا في قلوب المصريين. بيد أن الإنجليز كبتوا هذا الشعور الجياش وحاربوا في عنف وقسوة دعاة الحرية، وإن تظاهروا بأنهم أطلقوا للصحافة العنان، وتركوها حرة تقول ما تشاء. وسارت المؤيد في محاربة الإنجليز من غير هوادة ومهادنة، وأفسحت صفحاتها لذوي الأقلام الملتهبة المستنيرة من أمثال سعد زغلول، وإبراهيم اللقاني، إبراهيم المويلحي، وعبد الكريم سلمان، ومحمد عبده، وتوفيق البكري، وفتحي زغلول وغيرهم وكانت المسرح الأول لمقالات مصطفى كامل المشتعلة ضد الاستعمار. وظل هذا ديدنها أمدًا طويلًا حتى بعد أن استمال الإنجليز صاحبها قليلًا، وفترت حدته نوعًا ما بتأثير الشيخ محمد عبده صديق "كرومر" من جهة، ولمهادنة عباس للاحتلال من جهة ثانية١. وقد يكون الشيخ على يوسف قد هادن الإنجليز، وسكت عن مخازيهم؛ ولكنه لم يثن عليهم أو يدعو لهم في يوم من الأيام، ولقد لاقى من رجال الحزب الوطني أشد العنف والإرهاق حين خفف لهجة المؤيد ضد الإنجليز، ولم تعد ترحب بمقالات مصفى كامل. وكان الشيخ علي يوسف موزع الولاء بين حبه للخديو وإخلاصه لمحمد عبده، فلما عقد الاتفاق الودي بين الإنجليز وفرنسا في سنة ١٩٠٤، وظهر إنحياز

стр. 500

الخديو بشكل واضح إلى الاحتلال، وقطع مصطفى كامل صلته بالخديو؛ لأنه لم يعد في نظره أهلًا لأن يتزعم الحركة الوطنية فانصرف عنه، وفي ذلك يقول: "لما رأيت، رغبة سموه في توطيد الحملات الحسنة بينه وبين ملك الإنجليز وحكومته، وجدت من واجبي أن أكون بعيدًا عنه" -لم يجد الشيخ على يوسف بدًّا من أن يتبع الخدو في سياسته، والشيخ محمد عبده في ميوله، ولكنه كما ذكرنا ظل حتى آخر لحظة من حياته عدوًا للإنجليز، وأن أسس حزب الإصلاح ليدافع عن الخديو وتركيا١. ظهرت في مصر إبان هذه الفترة ثلاثة أحزاب: أولها الحزب الإنجليزي ولسان حاله جريدة المقطم، ومن رجاله مصطفى فهمي، ونوبار، ومحمد سعيد وكثير من اللبنانيين الذين لجئوا إلى مصر، وكانت صدورهم حانقة على تركيا، وحزب الخديو وتمثله المؤيد وصاحبها، ويدين بالولاء لتركيا عن عقيدة دينية، وقد عبر المؤيد عن خدماته لها في موضع العتاب، حين اتهم بخروجه عن ولائه عقب وفاة السلطان عبد الحميد بقوله٢: "كان المؤيد -وما زال- خادم الدولة الأمين ورسولها الصادق إلى الأقطار الإسلامية، وصوتها المسموع في أنحاء العالم، وقد تأسس على دعامة التفاني في الإخلاص لعرش الخلافة العظمى. ولقد يعلم القراء أن المؤيد سعى سعيًا مجيدًا في مساعدة الدولة في حربيها الأخيرتين٣ بل هذه اللجنة العليا لحربي طرابلس والبلقان، وتلك الخطب الرنانة التي كان يلقيها مؤسس المؤيد في وسط جماهير المكتتبين للحربين للحث على البذل بجود وسخاء، وما كان يتبعها من الفصول التي تكتب في المؤيد بقلمه، وقلم إدارة التحرير كلها أدلة مجسمة على أن المؤيد قام للدولة العلية بالواجب في كل أدوار حياته".

стр. 501

وثالث هذه الأحزاب: الوطني، وقد كان مصطفى كامل يدعو أول الأمر لتركيا ويقول: "حقًّا إن سياسة التقرب من الدولة العلية لأحكم السياسات وأرشدها، ولا غرو أن كنا نتألم لآلام الدولة العلية، فما نحن إلا أبناؤها المستظلون بظلها الوريف المجتمعون حول رايتها. وقصارى القول إن الراية العثمانية هي الراية الوحدية التي يجب أن نجتمع حولها، ولا تتحقق وحدتنا بغير الاتحاد، والائتلاف قلبًا ولسانًا١. ويظهر أن موقف مصطفى كامل هذا كان موضع نقد كثير؛ إذ كيف يطلب لمصر الاستقلال التام، وطرد الإنجليز منها في الوقت الذي يريدها أن تكون خاضعة لتركيا، وقد دافع مصطفى كامل عن وجهة نظره في أكثر من خطبة، وبين بوضوح وجلاء، أنه إنما يدافع عن حق مصر الدولي، فتركيا بمقتضى معاهدة لندن سنة ١٨٤٠ الدولة صاحبة السيادة على مصر، وقد اعترفت الدولة جميعًا بهذه المعاهدة، بينما لا توجد لدى الإنجليز أن وثيقة تؤيد بقاءهم فيها، فكان مصطفى كامل يدعو الإنجليز وسائر دول أوربا إلى احترام هذه المعاهدة، أضف إلى هذا أن تركيا على الرغم من ضعفها، وسوء حالها كانت تناوئ الإنجليز في مصر، وتود أن يخرجوا منها، وهذا يزيد المصريين في مطالبتهم بالاستقلال قوة، ثم أن سيادة تركيا على مصر كانت سيادة اسمية، لا تتدخل في شئونها الداخلية أو الخارجية، منذ معاهدة لندن ١٨٤٠ بل قبل ذلك حين ثار عليها محمد علي وكاد يفتح القسطنطينية. ولقد أشار مصطفى كامل في غير ما خطبه ومقالة إلى هذه المعاني، فمن ذلك ما كتبه إلى مدام جولييت أدم: "إنك تعلمين خطتي نحو تركيا، وما أراه واجبًا نحوها، فقد أفصحت عن ذلك في خطبتي، واعترف كثيرًا من أصدقائنا اليونانيين بأن من السياسة القومية لمصر أن تكون حسنة العلاقة مع تركيا ما دام الإنجليز محتلين وطننا العزيز"٢.

стр. 502

ورد على منتقديه في اللواء بقوله: "أما دعواكم أن المواطنين المصريين يريدون الانتقال من استبداد إلى استعباد، وأنهم إنما يطالبون خروج الإنجليز من مصر ليدخلوا تحت حكم جديد، فهي دعوى لا يقبلها ذو لب، ولا يسلم بها أحد من العقلاء، فإننا نطلب استقلال وطننا، وحرية ديارنا، ونتمسك بهذا المطلب إلى آخر لحظة من حياتنا"١. وقال في إحدى خطبه: "إن مظاهرة الأمة المصرية نحو الدولة العلية هي مظاهرة ضد الاحتلال الإنجليزي، واشترك أفراد الأمة على اختلافهم في الاكتتاب للجيش العثماني هو اقتراح عام ضد الإنجليز في مصر"٢. وقال في موضوع آخر: "ماذا يكون مصير البلاد المصرية لو تنازلت تركيا عن حقوقها لإنجلترا، أو تعاهدت معها على ذلك بمعاهدة شبيهة بالمعاهدة الفرنسية الإنجليزية "١٩٠٤" ألا تصير ولاية إنجليزية؟ إذن فلماذا يدهش الكاتب من كوننا نجعل علائقنا مع تركيا حسنة، ونسعى لنيل الوسائل التي قد تفيدنا وتنفعنا؟ "٣. وقد جارى مصطفى كامل في ذلك رجال الحزب الوطني من بعده، فقد جاء في تقرير الحزب الوطني الذي أرسله إلى مؤتمر الصلح بعد الحرب العالمية الأولى، والذي نشر في إبريل سنة ١٩١٩ ما يأتي: "كان الحزب الوطني يطلب احترام معاهدة سنة ١٨٤٠، ولم يكن ذلك عن رغبة منه عن الاستقلال المطلق، أو كما يقول أنصار الاستعمار الإنجليزي سعيًا في تغيير النير الإنجليزي بسيادة تركيا -كلا- فإن الحزب الوطني يتوخى الوسائل السلمية دون غيرها، لذلك كانت سياسته الاحتفاظ بعضد الدولة العثمانية وتذكير الدولة بمعاهدتها الضامنة لمصر الاستقلال الداخلي، على -أننا والحق- يقال لم نشعر قط بسيادة تركيا الاسمية بجانب السلطة الإنجليزية، ولم نرَ منها منذ سنة ١٨٤٠ افتئاتًا على

стр. 503

استقلالنا الداخلي -لهذا كان من أسباب سكوتنا عن تركيا عدم شعورنا بثقل سيادتها، أما الآن وقد وصلت الإنسانية إلى هذه الدرجة من الرقى وجئنا أمام محكمة عادلة تريد أن ترد الحقوق إلى أربابها، فإن لنا أن نطلب كامل الحق -نطلب جلاء الإنجليز حالًا، واستقلال التام"١. ولقد حاول الإنجليز أن ينتزعوا اعترافًا بمركزهم في مصر، وقد مكنهم انتصارهم في الحرب العالمية الأولى من أخذ هذا الاعتراف دوليًّا فاعترفت تركيا بحماية إنجلترا على مصر في معاهدة سيفر "أغسطس سنة ١٩٢٠" وحذا حذوها كثير من الدول٢. ولقد أفضت في الحديث عن تركيا وموقف مصر منها؛ لأن أدبنا في هذه الحقبة، ولا سميا الشعر متأثر كل التأثر بهذه العلاقة سواء كانت سياسية، أو دينية لوجود خليفة المسلمين بتركيا، فأنت ترى شوقي، وهو شاعر الخديو، وفيه دم تركي يتغنى في مناسبات شتى بأمجاد الترك، ويرجى الثناء العاطر، والمديح المستطاب لعبد الحميد الطاغية، ويفرح المصريون، والعرب عامة حين يعلن الدستور في تركيا سنة ١٩٠٨ ويسجل الشعراء ذلك في أشعارهم، وما من شاعر في الجيل الماضي إلا ومدح عبد الحميد وغير عبد الحميد من سلاطين آل عثمان، وفرح بانتصار الأتراك في معاركهم، وحن لأحزانهم. وإذا تصفحت شعر شوقي تجد أنه أسرف في مدح عبد الحميد٣ الطاغية، وفي إظهار ولائه للأتراك فلا تكاد تمر مناسبة سارة أو محزنة لهم من غير أن يقول فيها قصيدة وهذا ديوانه بين أيدينا تجد فيه ما يقرب من خمس عشرة قصيدة في الأتراك وسلطانهم، وقوادهم والمناظر الجميلة ببلادهم، وتراه يبالغ في مدح عبد الحميد مبالغة غير مقبولة من مثل قوله:

стр. 504

فأحييت ميتًا دارس الرسم غابرًا ... كأنك فيما جئت عيسى المقرب سهرت ونام المسلمون بغبطة ... وما يزعج النوام والساهر الأب ويجعله عمر بن الخطاب في عدله، وحدبه على اليتامى بقوله: عمر أنت بيد أنك ظل ... للبرايا وعصمة وسلام ما تتوجت بالخلافة حتى ... توج البائسون والأيتام وسرى الخصب والنماء ووافى ... البشر والظل والجنى والغمام وبدا الملك ملك عثمان من علـ ... ـيك في الذروة التي لا ترام ويفصح عن محبته للأتراك بقوله: وزينب إن تاهت وإن هي فاخرت ... فما قومها إلا العشير المحبب وعن تبعية مصر لعبد الحميد بقوله: وإني لطير النيل لا طير غيره ... وما النيل إلا من رياضك يحسب ويبشر شوقي في بعض القصائد العثمانية إلى هذا المعنى السياسي الذي وضحناه آنفًا، وهو أن حسن العلاقة بين مصر وتركيا يحول دون تنازل الثانية عن حقها المعترف به دوليًّا ويجعل مركز الإنجليز في البلاد غير شرعي بقوله في قصيدة يهنئ فيها الخليفة بالعيد: أبا القمرين عرشك في قلوب ... تجاوز في الولاء المستطاعا ترى فيه الصبان لحق مصر ... فلولا العرش يعصمه لضاعا يود سواك أن تهدي إليه ... ولو تشري القلوب ولن تباعا ويقول له من قصيدة أخرى يستنجد به ويستصرخه: نستميح الإمام نصرًا لمصر ... مثلما ينصر الحسام الحسام فلمصر وأنت بالحب أدرى ... بك يا حامي الحمى استعصام وإلى السيد الخليفة نشكو ... جور دهر أحراره ظلَّام وعدوها لنا وعودًا كبارًا ... هل رأيت القرى علاها الجهام

стр. 505

فارفع الصوت إنها هي مصر ... وارفع الصوت إنها الأهرام وارع مصرًا ولم تزل خير راع ... فلها بالذي أرتك زمام وقد حزن شوقي أشد الحزن حين هوت الخلافة عن سلاطين آل عثمان، وندبها وبكاها في أكثر من قصيدة، ونصح لمن قاموا بهذا الانقلاب أن يبقوا على وشائج القربى بيننا وبينهم، وقد كان مدفوعًا ولا شك فعاطفته الدينية، والجنسية، فيقول للكماليين: يا فتية الترك حيًّا الله طلعتكم ... وصانكم وهداكم صادق الخدم أنتم غد الملك والإسلام لا براحًا ... منكم بخير غد في المجد مبتسم تحلم مصر منها في ضمائرها ... وتعلن الحب جمعًا غير متَّهم فنحن إن بعدت دارٌ وإن قربت ... جاران في الضاد أو في البيت والْحَرَم وترى شوقي يحزن لحزن الأتراك، ويفرح لأفراحهم فيقول عند سقوط أدرنه قصيدته التي مطلعها: يا أخت أندلس عليك سلام ... هوت الخلافة عنك والإسلام ويرثي طيارين تركيين سقطت بهما الطيارة في مصر بقصيدته التي مطلعها: انظر إلى الأقمار كيف تزول ... وإلى وجوه السعد كيف تحول ويرثي أدهم باشا التركي١ وعثمان باشا الغازي الذي اشتهر في حربه مع الروس٢ وإذا عذر شوقي في كثرة ما قال في تركيا، وفي شدة تعلقه بها؛ لعاطفته الدينية، ثم لوجود دم تركي فيه، ولأنه شاعر الأمير، والأمير من أصل تركي، فإنَّ كثيرًا من شعراء الجيل الماضي قد أظهروا هذه العاطفة نحو تركيا؛ فهذا السيد توفيق البكري يمدح السلطان عبد الحميد في قصيدة طويلة٣ يقول في أولها:

стр. 506

أما ويمين الله حلفة مقسم ... لقد قمت بالإسلام عن كل مسلم فلولاك بعد الله أمست دياره ... بأيدي الأعادي مثل نهب مقسم إمام في آل عثمان لحمة ... تبحبح منها في الذرى والمقدم وهذا حافظ يمدح عبد الحميد بأكثر من قصيدة فيهنئه بعيد جلوسه في سنة ١٩٠١ بقصيدة مطلعها١: وفيها يقول: وهل قر في برج السعود متوج ... كما قر في "يلديز" ذلك المعصَّب تجلى على عرش الجلال وتاجُه ... يهش وأعواد السرير ترحب سما فوقه والشرق حذلانُ شَيِّقُ ... لطلعته والغرب خذلان يرقب ويقول في قصيدة أخرى مطلعها٢: أثنى الحجيج عليك والحرمان ... وأجلَّ عيد جلوسك الثقلان وهذا محمد عبد المطلب يمدح عبد الحميد ويهنئه بالدستور في سنة ١٩٠٨ بقصدة يقول في أولها: يا عيد حي وأنت خير نهار ... عبد الحميد بدولة الأحرار ملك أقام على الخلافة منهم ... حرسًا وقاها صولة الأشرار ويفرح لانتصار الأتراك على اليونان في حرب "سقاريا"٣ إلى غير ذلك من المناسبات التركية.

стр. 507

وترى مصطفى صادق الرافعي يجاري شعراء زمانه فيمدح عبد الحميد بثلاث قصائد١، وقلما أحجم شاعر مصري مسلم عن إظهار عاطفته لخيلفة المسلمين وللأتراك، بل إن إعلان الدستور في تركيا كان عيدًا عامًّا لدى المسلمين في كافة أنحاء الأرض، وسجل شعراء العربية أينما حلوا سرورهم بزوال الطغيان وحكم الفرد، وبدء عهد جديد من الحرية سيان في ذلك المسلمون والمسيحيون٢. ومهما يكن تأويل رجال الحزب الوطني، وحزب الإصلاح لولائهم لتركيا وعرش الخلافة، فالحق الذي لا مرية فيه أن فكرة القومية المصرية لم تكن حتى نهاية القرن التاسع عشر قد نضجت النضج الكافي، ولم يكن المصريون يفكرون جديًّا في الاستقلال التام عن تركيا، وإن طمع في ذلك إسماعيل، بيد أن تركيا والدول قد كادوا له؛ وإن ظهر ذلك على لسان أحمد عرابي كما بينا ذلك في الجزء الأول وعلى لسان عبد الله نديم في الأستاذ، ونادى كلاهما بأن مصر للمصريين، ولكنها لم تكن دعوة مؤسسة على عقيدة ثابتة٣. وكيف تظهر فكرة الانفصال عن تركيا وخديو مصر يستمد سلطانه الشرعي من الخليفة ويدين له بالولاء ولو اسميًّا؟ أجل! ظهر في مصر حزب لم يكن راضيًا عن هذه السياسة٤ وشجعهم الإنجليز على ذلك، وأخذوا ينددون بمساوئ الحكم التركي بعامة، وبعهد عبد الحميد الطاغية بخاصة، استمع لخليل مطران يعزي الآستانة حين أشعلت فيها النار بعد صدور الدستور، واتهم بذلك أنصار عبد الحميد؛ إذ لم يطق صبرًا على حكم الشورى، وخلع في سنة ١٩٠٩، وتولى بعده السلطان محمد الخامس. فروق لا تستيئسي وذوى ... بالحق عن دستورك المجيد مكايد الطاغية المريد ... وفتك أهل البغي والجحود بالأبرياء الآمنين القود ... والشيب والأطفال في المهود٤ شر العدى لعهدك الجديد ... أصلوك نارهم بلا وعيد

стр. 508

واستمع كذلك لولي الدين يكن، وقد أوذي ونفي لأنه حمل حملة شعواء على عبد الحميد وطغيانه، ومساوئ العهد التركي: يا وطنًا قد جرى الفساد به ... متى يرينا إصلاحك الزمن دفنت حيًّا وما دنا أجل ... ما ضر لو دافنوك قد دفنوا ويعارض شوقي في قصيدته التي قالها غب خلع عبد الحميد والتي يقول في أولها: سل يلدزا ذات القصور ... هل جاءها نبأ البدور لو تستطيع إجابة ... لبكتك بالدمع الغزير ويقول ولي الدين في عبد الحميد: وخترت يا عبد الحميد ... وما استحيت من الختور إن الثلاثين التي ... مرت بنا مر العصور وهبتك تجربة الأمور ... فعشت في جهل الأمور ورددت عادية الخلا ... فة بعد ذلك للصغير من كان يدعوك الخبيـ ... ـر فلست عند بالخبير ولكن أمثال مطران، وولي الدين يكن كانوا يريدون إصلاح حال تركيا، ولم تظهر الفكرة الوطنية المصرية بعيدة عن الجامعة الإسلامية بوضوح وجلاء إلا على يد رجال حزب الأمة كما مر بك١ ولكن هذا الحزب في مبدأ نشأته كان مواليًا للاحتلال، وظل مترسمًا خطى الشيخ محمد عبده في ذلك السبيل حتى رحل كرومر عن مصر، فغمرته موجة الوطنية٢. ومهما يكن من اختلاف نظرة الشعراء في مصر إلى تركيا، فقد كانت هناك حقيقة واقعة كان يجب ألا يختلفوا فيها وهي ذلك الاحتلال الجاثم على صدر

стр. 509

مصر يسلبها أعز ما تصبو إليه الأمم وهو نعمة الاستقلال، وحرية التصرف، والسير في سبيل الرقي، ويسلبها في الوقت نفسه ثروتها، ويدفعها إلى ظلمات الجهل، أو إلى علم ضحل أحسن منه الجهل. وقد ظن الإنجليز منذ وطئت أقدامهم أرض مصر في سنة ١٨٨٢ أن الشعور الوطني قد خمدت جذوته، وزالت حدته، وضعفت شِرَّته، وأن المصريين قد استناموا لعدلهم المكذوب، أو لحكمهم المرهوب، ولكن راعهم صوت مصطفى كامل المدوي، الممتلئ قوة وفتوة وعزيمة، ونزاهة قلب وضمير ويد ولسان كأنه الشعلة المتقدة ترفعها يد الحق عالية تبدد ظلمات الجور والعسف والذلة والانحلال، فاستجابت القلوب لضوئها، وسارت في هديها، ولبى نداءه كل وطني غيور كان يكبت شعوره، وسارت أغلبية الأمة من خلفه ففزعت إنجلترا، وارتاعت لهذه الوطنية، وخشيت أن تجتاحها من مصر وأن تغرق الأرض تحت قدميها أو تفوض دعائم الاحتلال الذي شيدته في ما يقرب من عشرين عامًا، ويصير رمادًا لا أثر له. وكان الخديو عباس الثاني يشجع مصطفى كامل أول الأمر ويؤيده في جميع مجهوده، ويمده بالمال، لينفق على دعايته ضد الإنجليز١، ويتمكن من السفر إلى فرنسا؛ لأنها كانت تناصره، ووجد فيها أصدقاء من رجال الصحافة والسياسة يشدون أزره، وينشرون كلماته الملتهبة، ويبصرون الرأي العام الأوربي بمساوئ الاحتلال في مصر. بيد أن عباسًا قد رأى أنه لا يستطيع مسايرة الحركة الوطنية ولا سيما بعد أن اتفقت فرنسا وإنجلترا سنة ١٩٠٤ فأخذ يهادن الاحتلال، وعلم أن لا سبيل لمعاداته، وأن مصالحه الكثيرة تتعطل بسبب هذه العداوة، وحينئذ رأى مصطفى كامل أن يستقل بحركته، وأن يقطع صلته بالخديو وفي هذا يقول: "ولما رأيت رغبة سموه في توطيد الصلات الحسنة بينه وبين ملك الإنجليز وحكومته، وجدت من واجباتي أن أكون بعيدًا عن سموه"٢، وقال في مناسبة أخرى: "قد قلنا مرارًا إن سمو الأمير بعيد عن الحركة الوطنية، وأن

стр. 510

المجاهدين ضد الاحتلال مستقلون عن سموه كل الاستقلال، فهو إن قال كلمة في صالح الحركة الوطنية خدم نفسه وعرشه واستمال أمته إليه، وإن عمل ضدها أضر نفسه وعرشه ونفر أمته منه"١. أيقظ مصطفى كامل ورجال الحزب الوطني، ورجال الخديو عباس وعلى رأسهم الشيخ علي يوسف في المؤيد الشعور الوطني، وكان طبيعيًّا أن يظهر هذا الشعور في الأدب ولا سيما في الشعر؛ ولو نظرنا إلى شعرائنا الذين اشتهروا في ذلك الوقت وجدناهم يقفون من الاحتلال وشئونه مواقف متباينة، مع أن الواجب كان يقضي عليهم بأن تكون نظراتهم إليه واحدة؛ نظرة الساخط الغاضب الحانق على الحرية المسلوبة والحق المضاع، والظلم البين، والوطن المستباح. ولكنهم تأثروا بعده عوامل بعضها شخصية وبعضها سياسية. أما شوقي فكان شاعر القصر، وكان القصر متحفظًا في مجاهرته بالعداء للإنجليز، يساعد الوطنيين سرًّا، ولكن لا يريد أن يظهر حتى لا يتمسك عليه المحتل الغشوم بشيء فيسطقه عن عرشه، وهو صاحب الحول والطول والجيش المحتل، المدجج بالسلاح، وكثيرًا ما اصطدم بكرومر، ولكن الكلمة الغالبة والرأي النافذ كان في آخر الأمر لممثل الاحتلال٢ وظلت علاقته بكرومر سيئة حتى بعد أن انفصل عن الحركة الوطنية إلى أن ترك كرومر مصر؛ وذلك لأن كرومر كان عاتيًا جبارًا، وقد حدث بينهما ما لا يدع مجالًا للوفاق على الرغم من تساهل عباس وإظهاره الرضا عن الاحتلال، فقد كان من عادة الجيش البريطاني أن يقوم بعرض عسكري في يوم عيد ميلاد ملكهم وكان كرومر يرأس هذا العرض. ثم رأس خلفه "الدون جورست" ومنذ سنة ١٩٠٤ ابتدأ عباس يحضر هذا العرض ويقف تحت العلم البريطاني في ميدان عابدين إلى جانب كرومر، وقد اشتدت عليه حملة الوطنيين لذلك مما اضطره إلى التنصل، وإصداره بلاغًا يعزو فيه وجوده في أثناء العرض إلى محض الصدقة، ولكنه فعل ذلك في العام التالي، فهاج الطلبة، وثارت الصحافة وحدثت بعد ذلك حوادث اضطرته إلى العدول عن حضور العرض٣. ومن أمارات تساهل عباس مع كرومر كذلك أنه رضي بأن يعين له

стр. 511

"ياور" إنجليزي في سنة ١٩٠٥ هو وطسن باشا١ ولكن كرومر لم يثق بعباس مطلقًا فلما رحل عن مصر وعين "الدون جورست" بدلًا منه، ظهر عباس بخضوعه التام للإنجليز، واستسلامه لهم، وأخذ ينفي عن نفسه تهمة العمل ضد الاحتلال، ويذكر اللورد كرومر بالخير، ويصرح بأن المعتمد البريطاني لا يستطيع أن يحكم مصر وحده، وأنه مستعد للتعاون معه، وأنه لا فائدة للمصريين من استبدال احتلال باحتلال، وأن الاحتلال البريطاني أفضل من سواه٢. كان شوقي حبيسًا في قفص من ذهب، صنعه له القصر، وكان بهذا وبحكم نشأته البعيدة عن الشعب وآماله وآلامه، وبحكم صلته بالقصر، وما تفرصه عليه هذه الصلة من أتباع سياسة الأمير، وأن يفكر ويتدبر، ويقدر قبل أن ينطق، ويقيس صلته بالناس، وعداوته، وقربه، وبعده نرضى الأمير وسخطه، كان بحكم كل هذه المور بعيدًا عن طبقات الشعب، لا يعرف من السياسة القومية الصحيحة إلا بمقدار ما يشعر به عباس، وتارة يسمح له بالقول، وتارة يأبى عليه أن يجهر برأيه، وإن كان شوقي -والحق يقال يحب مصر من أعماق قلبه، وقد عبر عن هذا الحب بشتى السبل ولكن الذي لِيمَ عليه أنه لم يكن يجاري التيار الوطني المتدفق أيام أن كان مع عباس. لما رحل كرومر عن مصر، وعلاقته بعباس ما عرفت، وأساء في خطبة وداعه لإسماعيل كل الإساءة على الرغم من حضور الأمير حسين كامل قال قصيدته المشهورة٣. أيامكم أم عهد إسماعيلا ... أم أنت فرعون يسوى النيلا أم حاكم في أرض مصر بأمره ... لا سائلًا أبدًا ولا مسئولا يا مالكًا رق الرقاب ببأسه ... هلا اتخذت إلى القلوب سبيلا لما رحلت عن البلاد تشهدت ... فكأنك الداء العياء وبيلا

стр. 512

ولقد مرت بمصر حادثة فظيعة لم يقل فيها شوقي أول الأمر شيئًا، تلك هي حادثة دنشواي١، ولم ينطق إلا بعد مرور عام، وبعد أن ذهب كرومر من مصر. ولقد أظهرت هذه الحادثة رجال الاحتلال على حقيقتهم، وعرفت المصريين مقدار كذبهم ونفاقهم، لم يكن القصد الجنائي في هذه الحادثة متوافرًا في قليل أو كثير، فهي من أولها إلى آخرها قضاء وقدرًا، فلو أن صيادي الحمام ابتعدوا قليلًا عن جرن الغلال لما حدث شيء، بل لو هدأ هذا الجندي المصاب، ولم يجر فزعًا مسافة طويلة في الشمس المحرقة لما خر صريعًا بضربة شمس لا بضربة العصا، كما اعترف بذلك تقرير الطبيب البريطاني نفسه. ولكن رجال الاحتلال فقدوا أزمة أعصابهم، وطغت عليهم سورة الانتقام، على نحو ضاعت معه كل مظاهر العدالة التي هي أول واجب عليهم، كما أنها من أوائل حقوق المتهمين، ولكن كيف تذكر العدالة، وقد تصرف الإنجليز بنزق وطيش، حتى إنهم أرسلوا المشانق من القاهرة إلى دنشواي قبل أن تعقد المحكمة لنظر القضية، ولقد كانت محكمة عسكرية ممسوخة التكوين جل أعضائها من الإنجليز، فهي الخصم والحكم وتحاكم قومًا مدنيين، لا جنودًا محاربين. وفي إبان السلم لا في زمن الحرب، وفي وقت يسود فيه النظام والهدوء فلا أحكام عرفية، ولا إجراءات استثنائية؛ وهي محكمة لا تتقيد بقانون وحكمها غير قابل للطعن فيه أو النقض له، أو حتى لمجرد التعديل أو المراجعة او التصديق، بل حكمها مبرم كأنه القضاء النازل لا راد له، ولا حِوَل عنه. ومتهمون يساقون في عجلة متناهية إلى محكمة، ودفاع متخاذل لم يكترث بخطورة الاتهام، ولم يتناسب مع شدته

стр. 513

وقسوته. وحكم قاسٍ غريب يصدر في سرعة فائقة بإعدام أربعة من المتهمين شنقًا أولهم شيخ في الخامسة والسبعين. ونفذ الحكم في اليوم التالي لصدوره بطريقة وحشية تشمئز منها النفوس وتقشعر لهولها الأبدان، فقد شنق جهارًا في رائعة النهار وفي نفس المكان الذي وقعت فيه الحادثة، وعلى مرأى ومسمع من أهليهم وذويهم، وهذا -ولا ريب- منافٍ لكل قواعد الذوق والشعور الإنساني. وعلى العموم فإن الألفاظ لتتحاذل عن وصف هذه البشاعة، والفجر، والقسوة الغاشمة، ومتابعة تنفيذ الحكم من جلد، وتعليق للمشنوقين ... إلخ. ولقد استغل الوطنيون هذه الحادثة الفظيعة أروع استغلال، وشنها مصطفى كامل وصحبه حربًا شعواء على رجال الاحتلال، سمع صوتهم الإنجليز في بلادهم، وأثير بسببها الجدل في مجلس العموم البريطاني، وعدل رجال الاحتلال بعدها من سياستهم المتعسفة نحو مصر، وأجبر اللورد كرومر على الاستقالة عقب هذه الحادثة. وهي نهاية عهد كان الاحتلال يتمتع فيه بالاستقرار والطمأنينة، وبداية مرحلة جديدة من مراحل الجهاد القومي، عم فيها الشعور الوطني بعد أن كان الظن أن سواد الأمة راضٍ عن الاحتلال١. ومما يذكر في صدر حادثة دنشواي أن الكاتب العالمي "جورج برناردشو" كتب عن هذه الحادثة فصلًا من ست عشرة صفحة في مقدمة كتابه "جزيرة جون بول الأخرى" ولم يكتب أحد عن قضية دنشواي من الأجانب ما يضارعه في صدق العاطفة والدفاع ومضاء الحجة، وشدة الغيرة على المظلومين في هذا الحادث المشئوم، حتى لقد قرن "شو" في إنجلترا باسم دنشواي، ومما قاله في تلك المقدمة: "إن الفلاحين لم يتصرفوا في هذا الحادث غير التصرف الذي كان منتظرًا من جمهرة الفلاحين الإنجليز؛ لو أنهم أصيبوا بمثل مصابهم في المال والحرمان، وإن الضباط لم يكونوا في الخدمة يوم وقوع الحادث بل كانوا لاعبين عابثين، وأساءوا اللعب، وأساءوا المعاملة، وإن الفلاح الإنجليزي ربما احتمل عبثًا كهذا لأنه على ثقة من التعويض، ولكن القرويين لم تكن لهم هذه الثقة

стр. 514

بالتعويض، ولا بالإنصاف وإن أحد المشنوقين كان شيخًا في الستين، يبدو من الضعف كابن السبعين، فلو لم يشنق لجاز أن يموت في السجن قبل انقضاء خمس سنوات. ثم أجمل القول في الحادثة، ووقائع المحاكمة، وأقوال الشهود، وما جوزي به بعضهم على الصراحة في أداء الشهادة، وأشبع اللورد كرومر ووكيله "مستر فندلي" تقريعًا وسخرية على ما كتباه عن القضية إلى وزير الخارجية، ومنه قول "فندلي" في تسويغ عقوبة الجلد بمصر: "إن المصريين قدريون لا يهمهم الموت، كما تهمهم العقوبة البدنية"، فكان تعقيب "شو" على هذا التعليل العجيب، أن العجب إذا في أمر الأربعة المشنوقين، أليسوا من المصريين؟ وقد شملت حملته الوزارة البريطانية، والبرلمان الإنجليزي؛ لأنهم لم يمنعوا تنفيذ الحكم بعد تبليغه، وقال: "إن الإفراج عن المسجونين من أهل القرية أقل تفكير منتظر عن هذه الكارثة البربرية" وظل "شو" يتابع القضية بعد إقامة كرومر، وأعلن اغتباطه بعد سنة حين أثمرت حملته ثمرتها المشكورة، وأبلغوه أن العفو عن السجناء قريب١. قلنا: إن شوقي صمت عامًا كاملًا لم يقل كلمة؟ وكان المنتظر بعد أن عم الأسى من أقصاها إلى أقصاها، وتألم لمصابها حتى الإنجليز أنفسهم، وصار الناس كأنهم في مأتم على حد قول قاسم أمين: "رأيت عند كل شخص تقابلت معه قلبًا مجروحًا، وزورًا مخنوقًا، ودهشة عصبية بادية في الأيدي والأصوات. وكان الحزن على جميع الوجوه، حزن ساكن مستسلم للقوة، مختلط بشيء من الدهشة والذهول، وترى الناس يتكلمون بصوت خافت، وعبارات متقطعة، وهيئة بائسة، منظرهم يشبه منظر قوم مجتمعين في دار ميت"٢. نقول كان من المنتظر من شوقي وأمثال شوقي أن يعبروا عن عواطف المصريين جميعًا إزاء هذه الكارثة، وأن يشعلوها نارًا مضطرمة الأوار، متأججة

стр. 515

السعير، تحرق تلك القلوب الغليظة التي انتقمت من غير شفقة ولا رحمة من قوم عزل ضاعف مظلومين، ولكن شوقي اتبع سياسة القصر في ذلك، سياسة الحياد والمهادنة والخوف من كرومر الطاغية ولم ينطق إلا بعد مرور عام، فقال قصيدة من أربعة عشر بيتًا، وفيها ترديد لما قاله حافظ، وفيها يقول١. يا دنشواي على رباك سلام ... ذهبت بأنس ربوعك الأيام شهداء حكمك في البلاد تفرقوا ... هيهات للشمل الشيت نظام وفيها يقول: "نيرون" لو أدركت عهد "كومر ... لعرفت كيف تنفذ الأحكام نوحي حمائم دنشواي وروعي ... شعبًا بوادي النيل ليس ينام متوجع يتمثل اليوم الذي ... ضجت لشدة هوله الأقدام السوط يعمل والمشانق أربع ... متواحدات والجنود قيام وحدث بعد ذلك أن مات مصطفى كامل في ١٠ من فبراير ١٩٠٨، بعد أن قدم شبابه وذكاءه، وعزمه ومضاءه، وقودًا لشعلة الوطنية كي تظل مضيئة تعشى منها أبصار المستعمرين ويهتدي بسناها طلاب الحق والنصفة والاستقلال، ولكن سرعان ما نضب معين القوة من جسده وتهدم ذلك الجسم الفتي، والشباب الجريء؛ لأنه كان أضيق من أن يحتمل تلك النفس القوية التي كانت تكن فيه وتلك الروح الوثابة التي كانت تحترق بين جوانحه. فكان موته -وأمته أحوج ما تكون إلى قيادته وزعامته، ووطنيته وجرأته، وصوته المدوي بالحق، نكبة وطنية أصطكت لهولها الأسماع، وزلزلت القلوب، واهتزت المشاعر، وقرحت الجفون، وسحت العيون. وكان شوقي صديقًا لمصطى كامل، يرسل إليه القبلات في رسائله إلى محمد فريد من أوربا٢. وكان من المنتظر حين يرثيه شوقي وقد زاره وهو على فراش الموت أن يبدع في رثائه ويشيد بمواقفه، وإحيائه للأمة بعد أن استكانت، وتنغيصه على

стр. 516

المحتل مقامه بوادي النيل، ولكن شوقي رثاه عقب وفاته بقصيدة صور فيها في دق تامة إحساسه المتفجع في فقد صديق الصبا والشباب، وصور آخر لقاء كان بينهما تصوير الأخ المفجوع في أخ عزيز، وبعد عن السياسة كل البعد، ولم يتطرق إليها إلا بحذر بالغ، نائيًا عن الحديث في الجانب القوي من حياة مصطفى كامل، وأثره في النهضة الوطنية: رثى شوقي في هذه القصيدة صديقًا حميمًا، ولم يرث زعيمًا عظيمًا، ووطنيًّا، وإمامًا من أئمة الجهاد. ولا شك أن شوقي قد تأثر في رثائه هذا بسياسة القصر حينذاك، وهي سياسة الحيدة والتحفظ أمام كل ما يؤذي الإنجليز أو يغضبهم، أضف إلى هذا أن علاقة مصطفى كامل بعباس قد انقطعت أو كادت في أخريات حياته، بل كان مصطفى كامل قاسيًّا في انتقاده لتصرفات عباس، وميوله نحو الإنجليز، وتساهله معهم. وكان شوقي كلما اقترب في هذه القصيدة من الناحية السياسية كقوله: هل قام قبلك في المدائن فاتح ... غاز بغير مهند وسنان وتظن أنه سينتقل إلى جهاد مصطفى كامل، وكيف أثار الحمية والعزيمة في النفوس إذ بك تراه يفاجئك بشيء آخر بعيد عن هذا بقوله: يدعو إلى العلم الشريف وعنده ... أن العلوم دعائم العمران وبذلك يتخلص من السياسة قبل أن يتورط فيها، وإذا قاربها مرة أخرى في قوله: أخلع على مصر شبابك غاليًا ... والبس شباب الحور والولدان فلعل مصرًا من شبابك ترتدي ... مجد تتيه به على البلدان فلو أن بالهرمين من عزماته ... بعض المضاء تحرك الهرمان علمت شبان المدائن والقرى ... كيف الحياة تكون في الشبان نراه يبتعد سريعًا عن السياسة، عما عساه أن يتورط فيه من ذكر صلابة مصطفى، وعدم مهادنته الغاصبين، فيختم القصيدة على عجل وكأنه ينجو من أمر خطير، وشر مستطير بقوله:

стр. 517

مصر الأسيفة ريفها وصعيدها ... قبرٌ أبر على عظامك حاني أقسمت أنك في التراب طهارة ... ملك يهاب سؤاله الملكان على أن شوقي قد تدارك ما فاته في هذه القصيدة من وصف وطنية مصطفى كامل وأثره في مصر وفي جيله، وفي القضية الوطنية عامة، بعد أن زالت الأسباب التي كانت تلجم لسانه وتشل بيانه، ووفى هذا الصديق حقه، وهذا الزعيم ما يليق به من رثاء؛ إذ انتهز شوقي فرصة مرور سبعة عشر عامًا على وفاة مصطفى كامل، حين أقيمت له حفلة ذكرى، فقال قصيدة، ربما كانت أحسن ما قيل حتى اليوم في مصطفى كامل وفي جهاده، وهي من أروع الشعر العربي الحديث، قيلت في سنة ١٩٢٤، بعد أن عاد شوقي من منفاه، ورأى أن الدنيا قد تغيرت، وسدت دونه أبواب القصر، والثورة المصرية قد تأجج سعيرها، واشتد لظاها، وهبت مصر عن بكرة أبيها تدعو إلى الاستقلال التام أو الموت الزؤام، ومطلعها: شهيد الحق قم تره يتيمًا ... بأرض ضيعت فيها اليتامى ورثاه شوقي بعد ذلك في سنة ١٩٢٦ بقصيدة أخرى بعد أت التأم شمل الأحزاب المصرية المتنافرة، وفيها يقول: أيها القوم عظموا ... واضع الأس والحجر اذكروا الخطبة التي ... هي من آية الكبر لم ير الناس قبلها ... منبر تحت محتضرة لست أنسى لواءه ... وهو يمشي إلى الظفر حشرا لناس تحته ... زمرًا أثرها زمر وليس أدل على أن شوقي كان يصدر فيما يمر بمصر من أحداث، وفي نظراته إلى الأشخاص، وعلاقته بهم عن سياسة القصر، حذرًا تارة، جريئًا تارة

стр. 518

أخرى، من قصيدته التي قالها في رياض باشا، غب خطبته التي ألقاها في افتتاح مدرسة محمد علي الصناعية التي أنشأتها بالإسكندرية جمعية العروة الوثقى سنة ١٩٠٤ وكان اللورد كرومر ممن حضر هذا الافتتاح، فتملقه رياض باشا بكلام كفر به بنعمة وأصحاب عرشها، فأوسعه شوقي تأنيبًا وتعنيفًا، حيث يقول: غمرت القوم إطراء وحمدًا ... وهم غمروك بالنعم الجسام رأوا بالأمس أنفك في الثريا ... فكيف اليوم وأصبح في الرغام أما والله ما علموك ألا ... صغيرًا في ولائك والخصام إذا ما لم تكن للقول أهلًا ... فمالك في المواقف والكلام؟ خطبت فكنت خطبًا لا خطيبًا ... أضيف إلى مصائبنا العظام لهجت الاحتلال وما أتاه ... وجرحك منه لو أحسست دامي وما أغناه عمن قال فيه ... وما أغناك عن هذا الترامي ويختمها بقوله: أفي السبعين والدنيا تولت ... ولا يرجى سوى حسن الختام تكون وأنت أنت رياض مصر ... عرابي اليوم في نظر الأنام ولا ريب أن شوقي كان في هذه القصيدة يفصح عن شعور القصر، ومبلغ تأثره من خطبة رياض باشا، وفي وقت لم يكن عباس قد هادن فيه الإنجليز بعد، وكان العداء على أشده بينه وبين كرومر. ثم إن شوقي نظر إلى عرابي نظر الثائر على ولي نعمته توفيق، وكان السبب في نكبة الاحتلال، وموقف رياض من الإنجليز والتمكين لهم في مصر حري بأن يشبه موقف عرابي في نتائجه. وهذه لعمري وجهه نظر القصر في عرابي وثورته، مع أنه لم يكن يريد إلا الخير بمصر، وإن أخطأ التقدير والتدبير، وقد قال شوقي حين عاد عرابي من منفاه قصيدته التي مطلعها: صغار في الذهاب وفي الإياب ... أهذا كل شأنك يا عرابي

стр. 519

ولما قامت الحرب العالمية الأولى، وأعلنت الحماية، وكان عباس غائبًا عن مصر، فخلعه الإنجليز عن العرش في اليوم التالي لإعلان الحماية١. نرى شوقي يفرق من أن يصب عليه الإنجليز جام غضبهم، وأن يطوحوا به كما طوحوا بولي نعمته، فيسارع بنشر قصيدة يهنئ فيها السلطان حسين كامل بالعرش، ويعزي نفسه بأن صاحب العرش في مصر من ولد إسماعيل، وحسبه هذا سببًا يجعله من خدام العرش والمخلصين له: أأخون إسماعيل في أولاده ... ولقد ولدت بباب إسماعيلا!؟ ونراه يلتفت سريعة إلى الإنجليز يمدحهم فيها، ولكنه لا يطيل، بيد أنه يدعو إلى التعاون معهم، وكأنه يقرر "سياسة الأمر الواقع" ولم ير بدًّا من أن يقول ما قال، وقد أعلنت الحماية على مصر، ويوجه بعد ذلك الكلام إلى مصر البائسة، ويطلب منها أن تستسلم للقضاء، ويخبرها أن الرواية لم تتم فصولها بعد. وهذا ولا شك تغير في موقف شوقي إزاء الإنجليز اقتضته الظروف التي جرت على غير ما يهوى. استمع إليه يقول في هذه القصيدة: الملك فيكم آل إسماعيلا ... لا زال بيتكم يظل النيلا لطف القضاء فلم يمل لوليك ... ركنًا ولم يشف الحسود غيلا ويقول في مدح الإنجليز: الله أدركه بكم وبأمة ... كالمسلمين الأولين عقولًا حلفاؤنا الأحرار إلا أنهم ... أرقى الشعوب عواطفًا وميولا أعلى من الرومان ذكرًا في الورى ... وأعز سلطانًا وأمنع غيلًا لما خلا وجه البلاد لسيفهم ... ساروا سماحًا في البلاد عدولًا وأتوا بكبارها وشيخ ملوكها ... ملكًا عليها صاحًا مأمولًا

стр. 520

ويقول مخاطبًا أهل مصر: يا أهل مصر كلوا الأمور لربكم ... فالله خير موئلًا ووكيلًا جرت الأمور مع القضاء لغاية ... وأقرها من يملك التحويلا هل كان ذاك العهد إلا موافقًا ... للسلطتين وللبلاد وبيلا يعتز كل ذليل أقوام به ... وعزيزكم يلقي القياد ذليلًا دفعت بنافيه الحوادث وانقضت ... إلا نتائج بعدها وذيولًا وانقضَّ ملعبه وشاهده ... على أن الرواية لم تتم فصولا فشوقي كما ترى لم يكن صريحًا في هذه القصيدة، فبينا هو يحمد الله على أن الإنجليز لم يأتوا بملك جديد في غير البيت العلوي، كما كان منتظرًا، وأنهم اختاروا شيخ الملوك وأكبرهم سنًّا لهذا المنصب، تراه يطلب من المصريين أن ينتظروا في صبر حتى تتم فصول الرواية، وتراه ينعي على الموقف الغريب الذي كانت فيه مصر زمن عباس، إذ تتنازع فيه السلطتان: الشرعية، والفعلية التي أغتصبها عميد إنجلترا في مصر، وأنه موقف يعتز به كل ذليل، ويذل كل عزيز. ولكن موقف شوقي هذا لم يجده شيئًا ونفي شوقي في مصر؛ لأنه شاعر عباس، ولأنه قال: إن الرواية لم تتم فصولًا، فخشى الإنجليز من هذه الصيحة١. فأقام بالأندلس، واتخذ برشلونة له سكنًا، ثم عاد إلى مصر في أواخر سنة ١٩١٩، ووجد أن كل شيء قد تغير في مصر، فسكان "عابدين" غير من كان يعهدهم، فنأى عنه وفي النفس لوعة، وانصرف إلى النتاج الخالد، وكان له مواقف محمودة في السياسة الوطنية، سنتعرض لها فيما بعد إن شاء الله: هذا ما كان من أمر شوقي إبان الاحتلال، أما حافظ، فهو لا شك ممن كان يحب مصر ويعشقها:

стр. 521

لعمرك ما أرقت لغير مصر ... وما لي دونها أمل يرام ذكرت جلالها أيام كانت ... تصول بها الفراعنة العظام يقول فيها: أني لأحمل في هواك صبابة ... يا مصر قد خرجت على الأطواق لهفي عليك متى أراك طليقة ... يحمي كريم حمام شعب راق ولم يك حافظ في شعوره نحو الأتراك مثل شوقي، بل كان يمثل شعور عامة المصريين، المتعلمين وغير المتعلمين، فمصر بلد إسلامي، ويدين للخليفة في الآستانة بالولاء، ونرجو له ولجيوشه الظفر والنصر، وتأسي إذا نكبت هذه الجيوش، أو ضعفت دولة الخلافة وكان عبد الحميد رمزًا لهذه الخلافة، وإن كان طاغية مستبدًا، وإن ضعفت على يديه ضعفًا لا نهاية بعده، واقتطع من جسم الدولة على عهده أكثر من ولاية، ولكنه على كل حال خليفة المسلمين، فلا يدع إذا توجه إليه شعراء المسلمين بالمديح والتهاني في الأعياد. ولم يك حافظ يصدر في قصائده العثمانية هذه عن شعور تبعية قومية لتركيا، ولكن عن شعور ديني ليس غير. استمع إليه يقول مهنئًا عبد الحميد بعيد جلوسه في سنة ١٩٠١: لمحت جلال العيد والقوم هيب ... فعلمني أي العلا كيف تكتب ومثل لي عرش الخلافة خاطري ... فأرهب قلبي والجلالة ترهب ولكنك لا تجد في ديوانه أكثر من قصيدتين يمدح بهما عبد الحميد ويهنئه، فهذه قصيدة والأخرى قالها في سنة ١٩٠٨ بعد عودة عبد الحميد من الحج، وكان الدستور قد أعلن، وأطلق سراج المسجونين السياسيين وهي التي مطلعها: أثنى الحجيج عليك والحرمان ... وأجل عيد جلوسك الثقلان ولكن يقول في غير مدح عبد الحميد قصائد أخرى في مناسبات تنم عن هذه العاطفة الدينية من مثل قصيدته في تأسيس الدولة العلية ١٩٠٦ والتي مطلعها:

стр. 522

أيحصى معانيك القريض المهذب ... على أن صدر الشعر للمدح أرحب لقد مكن الرحمن في الأرض دولة ... لعثمان لا تعفو ولا تتشعب١ وقال عند الانقلاب العثماني الذي خلع فيه عبد الحميد سنة ١٩٠٩ قصيدته التي يقول فيها كنت أبكي الأمس منك فمالي ... بت أبيك عليك عبد الحميد ويشير إلى أن عبد الحميد كان حتى أمس خليفة يدعي له في مساجد المسلمين بقوله: كلما قامت الصلاة دعا الدا ... عي لعبد الحميد وبالتأييد إلى غير ذلك من المناسبات التي لا يحركه إليها إلا الشعور الديني، من مثل عيد الدستور التركي سنة ١٩٠٨، وعودة الطائرين العثمانيين، وحرب طرابلس، ولكنه بمجرد أن أعلنت الحماية على مصر، وزال آخر ما يصل بينها وبين تركيا من صلات بزوال الخلافة نفسها، لا نسمع له شيئًا عن تركيا، على العكس من شوقي؛ وذلك لأنه لم يكن يشعر إلا بهذا الشعور الديني وحده. ولكنه تأثر في السياسة المصرية بعدة عوامل. من ذلك طول صحبته للشيخ محمد عبده، وكثرة ملازمته له، وقد قال في ذلك: "فلقد كنت ألصق الناس بالإمام، أغشى داره، وأرد أنهاره، وألتقط ثماره٢، وقد عرفت أن الشيخ محمد عبده يدعو إلى الإصلاح البطيء، ويكره الطفرة، ويريد أن يهيئ الأمة ويعدها لأنها تحكم نفسها حكمًا صحيحًا، بالتعليم وارتقاء الشعب٣ حتى ينشأ جيل قوي يستطيع أن ينال الاستقلال وأن يحافظ عليه، وعرفت كذلك موقفه من عباس وموقف عباس منه٤، وأنه كان صديقًا للورد كرومر٥؛ لأنه كان يدفع عنه بطش عباس، ويمكنه من أن يسير في إصلاحاته بالأزهر، والأوقاف، والقضاء.

стр. 523

ولقد تأثر حافظ بمنهج أستاذه الإمام منذ أن اتصل به١، في السياسة والإصلاح، فكتابه "ليالي سطيح" ليس إلا من وحي تعليم الإمام، وقصائده الاجتماعية، ونقده للمجتمع المصري في شتى أحواله، ومختلف رجاله، ليس إلا تأثرًا بمنهج الإمام، أضف إلى هذا ما لاقاه حافظ من بؤس وفاقة في مقتبل حياته، وتعرفه على أحوال الشعب ومفاسد البيئة المصرية. والمعوقات الكثيرة التي تقف في سبيل النهضة؛ ولذلك تراه يكثر من شعره الاجتماعي، وينتقد كل فاسد؛ ينتقد العلماء الدجالين. كم عالم مد العلوم حبائلًا ... لوقيعة وقطيعة وطلاق والأطباء الجشعين غير المخلصين: وطبيب قوم قد أحل لطبه ... ما لا تحل شريعة الخلاق والموظفين المرتشين: ومهندس للنيل بات بكفه ... مفتاح رزق العامل المطراق والأدباء المنافقين الكاذبين: وأديب قوم تستحق يمينه ... قطع الأنامل أو لظى الإحراق وينعى على المصريين تواكلهم، وتخاذلهم عن النهوض والاهتمام بالإصلاح: وشعب يفر من الصالحات ... فرار السليم من الأجراب وغير ذلك من القصائد الاجتماعية العديدة التي سنعود إليها بالتفصيل فيما بعد إن شاء الله، وقد تأثر في موقفه مع الإنجليز برأي أستاذه فيهم، فتراه يردد تلك النغمة التي كان يرددها محمد عبده -على الرغم من وطنيته- نغمة الإعجاب بهم، والإطراء لمزاياهم:

стр. 524

يا دولة فوق الأعلام لها أسد ... تخشى بوادره الدنيا إذ زأرا يئول عرشك من شمس إلى قمر ... إن غابت الشمس أولت تاجها القمرا من ذا يناديك، والأقدار جارية ... بما تشائين الدنيا لمن قهرا إذا ابتسمت لنا فالدهر مبتسم ... وإن كشرت لنا عن نابه كشرا ويعلل قوة الإنجليز بالشورى والعدل، والتعاون: لا تعجبن لك عز جانبه ... لولا التعاون لم تنظر له أثرًا خبرتهم فرأيت القوم قد سهروا ... على مرافقهم والملك قد سهرا ولا يكتفي بمجرد إعجابه بهم، ودعوته المصريين إلى تقليدهم، والتطلع إلى ما يحتلونه من مكانة بين أمم الأرض، ولو فعل ذلك لكان ولا شك غير ملوم على ثنائه عليهم، ولكنه يشيد بما عملوا من إصلاح في مصر، ويردد ما قاله كرومر في خطبة وداعة من المن على مصر بإصلاحاته. استمع إليه يودع كرومر الداهية وكيف يثني عليه، وإذا تذكرنا أن كرومر كان مكروهًا من عباس، وأنه صديق محمد عبده لا تعجب لموقف حافظ: سنطري أياديك التي قد أفضتها ... علينا فلسنا أمة تجحدا اليدا أمنًا فلم يسلك بنا الخوف مسلكًا ... ونمنا فلم يطرق لنا الذعر مرقدًا وكنت رحيم القلب تحمي ضعيفنا ... وتدفع عنا حادث الدهر إن عدا ولولا أسى في دنشواي ولوعة ... وفاجعة أدمت قلوبًا وأكبدا ورميك شعبًا بالتعصب غافلا ... وتصويرك الشرقي غرًا مجردًا لذبنا أسى يوم الوداع لأننا ... نرى فيك ذاك المصلح المتوددًا ولكنه والحق يقال قد أوضح له بعد ذلك مساوئه في مصر، وأنه ولى الحكم آلات صماء تنصاع لأمره، ولا تبدي رأيًّا أو مشورة إلا حسب هواه، وأنه أفسد التعليم ومكَّن للغريب.

стр. 525

يناديك وليت الوزارة هيئة ... من الصم لم تسمع لأصواتنا صدى فليس بها عند التشاور من فتى ... أبي إذا ما أصدر الأمر أوردا وحاولت إعطاء الغريب مكانة ... تجر علينا الويل والذل سرمدا تأثر حافظ في رأيه في الإنجليز، ومخاطبتهم خطابًا لينًا بأستاذه الشيخ محمد عبده كما ذكرنا؛ لأن لمحمد عبده أيادي لا تنسى على حافظ، فقد كان فقيرًا فأعانه، وجاهلًا فعلمه، ومغمورًا فرفع ذكره، وعرفه بكثير من عظماء مصر وعلمائها، فلا بدع إذا انتهج منهجه في موادعتهم، ومعرفة منزلتهم، والاعتراف بما يسدونه إلى مصر من جميل. ولكن حافظًا -كان في طبعه- وطنيًّا مخلصًا، ولم يكن ولا شك ممن يؤيدون حكم الإنجليز بمصر عن عقيدة، لذلك نراه بعد موت أستاذه الشيخ محمد عبده سنة ١٩٠٥ يتغلب عليه عاملان آخران: هذه الوطنية الكامنة في نفسه، ثم ظهور رجال الوطنية المصرية يهزون مصر هزًّا عنيفًا، وتتنبه للخطر الجاثم فوق صدرها، ولا يرون الاحتلال ورجال نعمة، ولا يستسلمون للحوادث استسلام الشاة لذابحها. بل كانوا ثائرين لهم جرائد فيها أقلام مرهبة كالسيوف مضاء وحدة، يسلقون بها كل من يناصر الاحتلال ويؤيده. ونرى حافظ يستجيب لنداء وطنيته الكاملة في نفسه أولًا، ولنداء هؤلاء الثائرين ثانيًا بعد وفاة أستاذه، ويصدر في شعره عن عاطفة متقدة فيها مهادنة لرجال الاحتلال أو مد يد الصداقة إليهم فما أن وقعت حادثة دنشواي سنة ١٩٠٦، حتى أذاع قصيدته بعد صدور الحكم بخمسة أيام فنشرها في ٢ من يولية ١٩٠٦. وكان حافظ في هذه القصيدة، وقد ابتدأ يجهر بمعاداته الإنجليز؛ كمن يتحسس طريقًا لم يألفه، تراه حذرًا تارة، قويًّا تارة أخرى، معاتبًا في لطف أحيانًا، متهكمًا أحيانًا، كان من المنتظر منه والعاطفة على أشدها، ودماء القتلى تملأ الجو برائحتها وصرخات المجلودين تصم الآذان أن تكون قصيدته ثورة على الظلم والاستعباد والقسوة، ولكنه كما ذكرنا كان لا يزال قريب عهد بموالاتهم، اسمعه يقول في مطلعها:

стр. 526

أيها القائمون بالأمر فينا ... هل نسيتم ولاءنا والوداد فأي تخاذل تراه في هذا البيت، وأي ضعف؟؟ وهل هذا موقف عتاب، ومذاكرة الود، ولم يبق هؤلاء ودًّا يتذكر؟؟. وقد يشفع له ما أتى في قصيدته بعد ذلك من سخرية لاذعة في مثل قوله: خفضوا جيشكم وناموا هنيئًا ... وابتغوا صيدكم وجوبوا البلادا وإذا أعورتكم ذات طوق بين ... تلك الربى فصيدوا العبادا ومن شدة وعنف في قوله: ليت شعري أتلك "محكمة التفـ ... ـتيش" عادت أم عهد "نيرون" عادا كيف يحلو من القوى التشفي ... من ضعيف ألقى إليه القيادا ومن قسوة وسخرية لاذعة بمصر وأهلها، وأنها أمة ضعيفة مستخذية، ولا تجيد إلا الكلام والتحسر البكاء: أمة النيل أكبرت أن تعادي ... من رماها، وأشفقت أن تعادي ليس فيها إلا كلام وإلا ... حسرة بعد حسرة تتهادى ويشتد على المدعي العمومي إبراهيم "بك" الهلباوي الذي أيد الاتهام، وكان حريصًا على مصر في قوله: إيه يا مدره القضاء ويا من ... ساد في غفلة الزمان وشادا أنت جلادنا فلا تنس أنا ... قد لبسنا على يديك الحدادا وصور حافظ بعد ذلك هول الحادثة ووصفها وصفًا دقيقًا رائعًا في قصيدته التي استقبل بها اللورد كرومر حين عودته من مصيفه، ولم يكن بمصر حين الحادثة، ويشير فيها إلى تقرير كرومر عن الحادثة الذي أرسله لوزارة الخارجية البريطانية، وكذب فيه، وعزاها إلى التعصب الديني.

стр. 527

نقلت لنا الأسلام عنك رسالة ... باتت لها أحشاؤنا تلتهب ماذا أقول وأنت أصدق ناقل ... عنا ولكن السياسة تكذب وينفي عن المصريين التعصب الديني المزعوم بقوله: إن أرهقوا صيادكم فلعلهم ... للقوات لا للمسلمين تعصبوا ولربما ضن الفقير لقوته ... وسخا بمهجته على من يغضب ثم يصف شعر قوي أخاذ صادق التصوير تلك الفظائع التي انتقم بها الإنجليز من الفلاحين المظلومين: جلدوا ولو منيتهم لتعلقوا ... بحبال من شنقوا أو لم يتهيبوا شنقوا ولو منحوا الخيار لأهَّلوا ... بلظى سياط الجالدين ورحبوا يتحاسدون على الممات، وكأسه ... بين الشفاه وطعمه لا يعذب ونلاحظ أن حافظ لم يقتصر على التنديد بسياسة الإنجليز في مصر كما فعل بعض الزعماء السياسيين حينئذاك، ولكنه حاول أن يصل إلى تفسير الحادث، والرجوع بها إلى أسبابها وعللها، وقد أشار إلى هذه الأسباب لا بوحي من العاطفة، ولكن بوحي من النظرة الصادقة إلى واقع الحال، فعزاها إلى غرور مستشار الداخلية، واستسلامه للغضب، ولجوئه إلى العنف والشدة، وأشار بعد ذلك إلى الدرس الذي يجب أن يحذقه ذوو الشأن من مثل هذه الحادثة حيث يقول: أو كلما باح الحزين بأنه ... أمست إلى معنى التعصب تنسب كن كيف شئت ولا تكل أرواحنا ... للمستشار فإن عدلك أخصب قد كان حولك من رجالك نخبة ... ساسوا الأمور فدربوا وتدربوا أقصيتهم عنا وجئت فتية ... طاش الشباب بهم وطاش المنصب ويختمها بلوم مصر والسخرية من أهلها: وإذا سئلت عن الكنانة قل لهم ... هي أمة تلهو وشعب يلعب واستبق غفلتها ونم عنها تنم ... فالناس أمثال الحوادث قُلّب

стр. 528

وتراه بعد ذلك يستقبل "إلدون جورست" الذي عين عميدًا لإنجلترا بعد كرومر في سنة ١٩٠٧ بقصيدة قوية يدافع بها عن مصر، ويبين له سوءات كرومر عله يتعظ فلا يقع في مثلها١. ولكني وقفت أنوح نوحًا ... على قومي وأهتف بالنشيد وأدفع عنهم بشبا يراع ... يصول بكل قافية شرود ويقول مشيرًا إلى كرومر وتقاريره: رمانا صاحب التقرير ظلمًا ... بكفران العوارف والكنود وأقسم لا يجيب لنا نداء ... ولوجئنا بقرآن مجيد وبشر أهل مصر باحتلال ... يدوم عليهم أبدًا لأبيد وأنبت في النفوس لكم جفاء ... تعهده بمنهل الصدور فأثمر وحشة بلغت مداها ... وذكاها بأربعة شهود٢ ثم يشير إلى الأثر الذي تركته هذه الحادثة في نفسو المصريين، وكيف أنها هزتهم هزًّا عنيفًا، وأيقظتهم من سباتهم العميق، فهبوا يذودون عن أنفسهم الظلم والبغى، وينددون بالاحتلال وقسوته، والاستعمار وشدته، هبوا ثائرين ينشدون الحرية، ويغضبون للعزة والكرامة الوطنية. قتيل الشمس أورثنا حياة ... وأيقظ هاجع القوم الرقود فليت كرومر قد دام فينا ... يطوق بالسلال كل جيد ويتحف مصرانا بعد آنٍ ... بمجلود ومقتول وشهيد لننزع هذه الأكفان عنا ... ونبعث في العوالم من جديد وشتان بين موقف شوقي وحافظ إزاء هذه الحادثة. أما رثاء حافظ لمصطفى كامل فقد قال فيه ثلاثة قصائد. أولاها ألقيت على قبر الفقيد ساعة دفنه، والثانية في ذكرى الأربعين والثالثة بعد مرور عام على

стр. 529

وفاته وإذا أمعنا النظر في القصيدة الأولى وجدناها -بطبيعتها وسرعتها وإنشائها لوعة صادقة، تصور هول الفجيعة، ودمعة حارة، وزفرة عميقة، جاءت من وحي العقل الباطن، لا نتيجة تفكير وتروٍ، ومست جوانب العظمة في مصطفى كامل، وبينت ما عمله لمصر، وما يرجوه الشاعر من مصر بعد وفاته، وكانت خير معبر عن شعور المصريين إزاء هذا الخطب الفادح تلك القصيدة التي مطلعها١: أبا قبر هذا الضيف آمال أمة ... فكبر وهلل وألق ضيفك جاثيًا عزيز علينا أن نرى فيك مصطفى ... شهيدًا العلا في زهرة العمر ذاويا وبعد أن يشير بأعماله يشعر أنه أكثر من البكاء والعويل، وأن الأمة حزينة، ولعل مصطفى كامل لا يرضى بهذا الضعف فيقول له: عهدناك لا تبكي وتنكر أن يرى ... أخو البأس في بعض المواطن باكيا فرخص لنا اليوم البكاء وفي غد ... ترانا كما تهوى جبالًا رواسيا ويستحث المصريين على الوفاء لهذا الراحل الكريم بالمحافظة على مبدئه، وسياسته، والتمسك بشعاره فيقول: أيا نيل إن لم تجر بعد وفاته ... دمًا أحمر لا كنت يا نيل جاريًا ويا مصر إن لم تحفظي ذكر عهده ... إلى الحشر لا زال انحلالك باقيا ويا أهل مصر إن جهلتم مصابكم ... ثقوا أن نجم السعد قد غار هاويًا أما القصيدة الثانية التي قالها في حفل الأربعين فقد خفت فيه حدة العاطفة، وحرارة اللوعة، وصور فيها حافظ بشعوره الواعي الحوادث الخارجية، ووصف الجنازة، ومواقف مصطفى كامل التاريخية المجيدة، ومطلع تلك القصيدة: نثروا عليك نوادي الأزهار ... وأتيت أنثر بينهم أشعاري ويصور فيها جهاد مصطفى كامل بقوله:

стр. 530

قد ضاق جسمك عن مداك فلم يطق ... صبرًا عليك وأنت شعلة نار أودى به ذاك الجهاد وهده ... عزم يهد جلائل الأخطار وظهر حافظ في هذه القصيدة بأنه شاعر الوطنية الحقة، وبأنه لا يعرف مداجاة الإنجليز ولا موادعتهم، وعبر كما فعل في قصيدته الأولى عن عاطفة كل مصري وشعوره. أما قصيدته الثالثة التي قالها بعد مرور عام على وفاة الزعيم، فقد كانت أروع هذه القصائد، ولا من حيث تصويرها للوعة والأسى، وحرقة الفراق، وعظم المصاب، ولا من حيث تصويرها لجهاد الفقيد ودفاعه الحار عن مصر وقضيتها، وإيقاظه قومًا ظن أعداؤهم بهم الظنون ورموهم بكل نقيصة، ولكن من حيث وصفه آلام مصر وآمالها، وشعورها إزاء الاحتلال ومصائبه. وقد أسفر حافظ عن ذات نفسه في هذه القصيدة، فجهر بعدائه الصارخ للإنجليز ولم يعد بعد ذلك الذي يلين القول، ويدعو إلى المهادنة وهي خير ما يمثل شعر حافظ السياسي، الذي اكتسب به لقب "شاعر النيل"، استمع إليه كيف يصور الثورة التي كانت متأججة فهمدت، والفراغ الذي تركه مصطفى في ميدان السياسة: ياأيها النائم الهاني بمضجعه ... ليهنك النوم لا هم ولا سقم باتت تسئلنا في كل نازلة ... عنك المنابر والقرطاس والقلم تركت فينا فراغًا ليس يشغله ... إلا أبي ذكيٌ القلب مضطرم منفر النوم سباق لغايته ... آثاره عمم آماله أمم ثم يقول له، وقد انطلق على سجيته معبرًا عما يجيش في نفس كل مصري: لبيك نحن الأولى حركت أنفسهم لما ... سكت ولما غالك العدم قيل اسكتوا فسكتنا، ثم انطقنا ... عسف الجفاة وأعلى صوتنا الألم إذا سكتنا تناجوا. تلك عادتهم ... وإن نطقنا تنادوا فتنة عمم
следующие страницы →