← Адаб

Адаб · id 11565

في الأدب الحديث

عمر الدسوقي

Полный текст (895 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

أيها القائمون بالأمر فينا ... هل نسيتم ولاءنا والوداد فأي تخاذل تراه في هذا البيت، وأي ضعف؟؟ وهل هذا موقف عتاب، ومذاكرة الود، ولم يبق هؤلاء ودًّا يتذكر؟؟. وقد يشفع له ما أتى في قصيدته بعد ذلك من سخرية لاذعة في مثل قوله: خفضوا جيشكم وناموا هنيئًا ... وابتغوا صيدكم وجوبوا البلادا وإذا أعورتكم ذات طوق بين ... تلك الربى فصيدوا العبادا ومن شدة وعنف في قوله: ليت شعري أتلك "محكمة التفـ ... ـتيش" عادت أم عهد "نيرون" عادا كيف يحلو من القوى التشفي ... من ضعيف ألقى إليه القيادا ومن قسوة وسخرية لاذعة بمصر وأهلها، وأنها أمة ضعيفة مستخذية، ولا تجيد إلا الكلام والتحسر البكاء: أمة النيل أكبرت أن تعادي ... من رماها، وأشفقت أن تعادي ليس فيها إلا كلام وإلا ... حسرة بعد حسرة تتهادى ويشتد على المدعي العمومي إبراهيم "بك" الهلباوي الذي أيد الاتهام، وكان حريصًا على مصر في قوله: إيه يا مدره القضاء ويا من ... ساد في غفلة الزمان وشادا أنت جلادنا فلا تنس أنا ... قد لبسنا على يديك الحدادا وصور حافظ بعد ذلك هول الحادثة ووصفها وصفًا دقيقًا رائعًا في قصيدته التي استقبل بها اللورد كرومر حين عودته من مصيفه، ولم يكن بمصر حين الحادثة، ويشير فيها إلى تقرير كرومر عن الحادثة الذي أرسله لوزارة الخارجية البريطانية، وكذب فيه، وعزاها إلى التعصب الديني.

стр. 527

نقلت لنا الأسلام عنك رسالة ... باتت لها أحشاؤنا تلتهب ماذا أقول وأنت أصدق ناقل ... عنا ولكن السياسة تكذب وينفي عن المصريين التعصب الديني المزعوم بقوله: إن أرهقوا صيادكم فلعلهم ... للقوات لا للمسلمين تعصبوا ولربما ضن الفقير لقوته ... وسخا بمهجته على من يغضب ثم يصف شعر قوي أخاذ صادق التصوير تلك الفظائع التي انتقم بها الإنجليز من الفلاحين المظلومين: جلدوا ولو منيتهم لتعلقوا ... بحبال من شنقوا أو لم يتهيبوا شنقوا ولو منحوا الخيار لأهَّلوا ... بلظى سياط الجالدين ورحبوا يتحاسدون على الممات، وكأسه ... بين الشفاه وطعمه لا يعذب ونلاحظ أن حافظ لم يقتصر على التنديد بسياسة الإنجليز في مصر كما فعل بعض الزعماء السياسيين حينئذاك، ولكنه حاول أن يصل إلى تفسير الحادث، والرجوع بها إلى أسبابها وعللها، وقد أشار إلى هذه الأسباب لا بوحي من العاطفة، ولكن بوحي من النظرة الصادقة إلى واقع الحال، فعزاها إلى غرور مستشار الداخلية، واستسلامه للغضب، ولجوئه إلى العنف والشدة، وأشار بعد ذلك إلى الدرس الذي يجب أن يحذقه ذوو الشأن من مثل هذه الحادثة حيث يقول: أو كلما باح الحزين بأنه ... أمست إلى معنى التعصب تنسب كن كيف شئت ولا تكل أرواحنا ... للمستشار فإن عدلك أخصب قد كان حولك من رجالك نخبة ... ساسوا الأمور فدربوا وتدربوا أقصيتهم عنا وجئت فتية ... طاش الشباب بهم وطاش المنصب ويختمها بلوم مصر والسخرية من أهلها: وإذا سئلت عن الكنانة قل لهم ... هي أمة تلهو وشعب يلعب واستبق غفلتها ونم عنها تنم ... فالناس أمثال الحوادث قُلّب

стр. 528

وتراه بعد ذلك يستقبل "إلدون جورست" الذي عين عميدًا لإنجلترا بعد كرومر في سنة ١٩٠٧ بقصيدة قوية يدافع بها عن مصر، ويبين له سوءات كرومر عله يتعظ فلا يقع في مثلها١. ولكني وقفت أنوح نوحًا ... على قومي وأهتف بالنشيد وأدفع عنهم بشبا يراع ... يصول بكل قافية شرود ويقول مشيرًا إلى كرومر وتقاريره: رمانا صاحب التقرير ظلمًا ... بكفران العوارف والكنود وأقسم لا يجيب لنا نداء ... ولوجئنا بقرآن مجيد وبشر أهل مصر باحتلال ... يدوم عليهم أبدًا لأبيد وأنبت في النفوس لكم جفاء ... تعهده بمنهل الصدور فأثمر وحشة بلغت مداها ... وذكاها بأربعة شهود٢ ثم يشير إلى الأثر الذي تركته هذه الحادثة في نفسو المصريين، وكيف أنها هزتهم هزًّا عنيفًا، وأيقظتهم من سباتهم العميق، فهبوا يذودون عن أنفسهم الظلم والبغى، وينددون بالاحتلال وقسوته، والاستعمار وشدته، هبوا ثائرين ينشدون الحرية، ويغضبون للعزة والكرامة الوطنية. قتيل الشمس أورثنا حياة ... وأيقظ هاجع القوم الرقود فليت كرومر قد دام فينا ... يطوق بالسلال كل جيد ويتحف مصرانا بعد آنٍ ... بمجلود ومقتول وشهيد لننزع هذه الأكفان عنا ... ونبعث في العوالم من جديد وشتان بين موقف شوقي وحافظ إزاء هذه الحادثة. أما رثاء حافظ لمصطفى كامل فقد قال فيه ثلاثة قصائد. أولاها ألقيت على قبر الفقيد ساعة دفنه، والثانية في ذكرى الأربعين والثالثة بعد مرور عام على

стр. 529

وفاته وإذا أمعنا النظر في القصيدة الأولى وجدناها -بطبيعتها وسرعتها وإنشائها لوعة صادقة، تصور هول الفجيعة، ودمعة حارة، وزفرة عميقة، جاءت من وحي العقل الباطن، لا نتيجة تفكير وتروٍ، ومست جوانب العظمة في مصطفى كامل، وبينت ما عمله لمصر، وما يرجوه الشاعر من مصر بعد وفاته، وكانت خير معبر عن شعور المصريين إزاء هذا الخطب الفادح تلك القصيدة التي مطلعها١: أبا قبر هذا الضيف آمال أمة ... فكبر وهلل وألق ضيفك جاثيًا عزيز علينا أن نرى فيك مصطفى ... شهيدًا العلا في زهرة العمر ذاويا وبعد أن يشير بأعماله يشعر أنه أكثر من البكاء والعويل، وأن الأمة حزينة، ولعل مصطفى كامل لا يرضى بهذا الضعف فيقول له: عهدناك لا تبكي وتنكر أن يرى ... أخو البأس في بعض المواطن باكيا فرخص لنا اليوم البكاء وفي غد ... ترانا كما تهوى جبالًا رواسيا ويستحث المصريين على الوفاء لهذا الراحل الكريم بالمحافظة على مبدئه، وسياسته، والتمسك بشعاره فيقول: أيا نيل إن لم تجر بعد وفاته ... دمًا أحمر لا كنت يا نيل جاريًا ويا مصر إن لم تحفظي ذكر عهده ... إلى الحشر لا زال انحلالك باقيا ويا أهل مصر إن جهلتم مصابكم ... ثقوا أن نجم السعد قد غار هاويًا أما القصيدة الثانية التي قالها في حفل الأربعين فقد خفت فيه حدة العاطفة، وحرارة اللوعة، وصور فيها حافظ بشعوره الواعي الحوادث الخارجية، ووصف الجنازة، ومواقف مصطفى كامل التاريخية المجيدة، ومطلع تلك القصيدة: نثروا عليك نوادي الأزهار ... وأتيت أنثر بينهم أشعاري ويصور فيها جهاد مصطفى كامل بقوله:

стр. 530

قد ضاق جسمك عن مداك فلم يطق ... صبرًا عليك وأنت شعلة نار أودى به ذاك الجهاد وهده ... عزم يهد جلائل الأخطار وظهر حافظ في هذه القصيدة بأنه شاعر الوطنية الحقة، وبأنه لا يعرف مداجاة الإنجليز ولا موادعتهم، وعبر كما فعل في قصيدته الأولى عن عاطفة كل مصري وشعوره. أما قصيدته الثالثة التي قالها بعد مرور عام على وفاة الزعيم، فقد كانت أروع هذه القصائد، ولا من حيث تصويرها للوعة والأسى، وحرقة الفراق، وعظم المصاب، ولا من حيث تصويرها لجهاد الفقيد ودفاعه الحار عن مصر وقضيتها، وإيقاظه قومًا ظن أعداؤهم بهم الظنون ورموهم بكل نقيصة، ولكن من حيث وصفه آلام مصر وآمالها، وشعورها إزاء الاحتلال ومصائبه. وقد أسفر حافظ عن ذات نفسه في هذه القصيدة، فجهر بعدائه الصارخ للإنجليز ولم يعد بعد ذلك الذي يلين القول، ويدعو إلى المهادنة وهي خير ما يمثل شعر حافظ السياسي، الذي اكتسب به لقب "شاعر النيل"، استمع إليه كيف يصور الثورة التي كانت متأججة فهمدت، والفراغ الذي تركه مصطفى في ميدان السياسة: ياأيها النائم الهاني بمضجعه ... ليهنك النوم لا هم ولا سقم باتت تسئلنا في كل نازلة ... عنك المنابر والقرطاس والقلم تركت فينا فراغًا ليس يشغله ... إلا أبي ذكيٌ القلب مضطرم منفر النوم سباق لغايته ... آثاره عمم آماله أمم ثم يقول له، وقد انطلق على سجيته معبرًا عما يجيش في نفس كل مصري: لبيك نحن الأولى حركت أنفسهم لما ... سكت ولما غالك العدم قيل اسكتوا فسكتنا، ثم انطقنا ... عسف الجفاة وأعلى صوتنا الألم إذا سكتنا تناجوا. تلك عادتهم ... وإن نطقنا تنادوا فتنة عمم

стр. 531

ويصور رجال السياسة الإنجليزية بقوله: تصغى لأصواتنا طورًا لتخدعنا ... واارة يزدهيها الكبر والصمم فمن ملاينة أستارها خدع ... إلى مطالبة أستارها وهم ماذا تريدون لا قرت عيونهم ... إن الكنانة لا يطوي لها علم وقد تنبه الإنجليز إلى أن حافظ قد تجاوز حده، وإلى أنه انضم صراحة إلى الجبهة الوطنية، وصار شاعرهم الفذ، الذي يهيج النفوس بعشره الذي يعبر فيه عن عواطفهم بسهولة ويسر ورشاقة، فعملوا على وضعه في قفص الوظيفة حتى يسكت عنهم؛ أو يرجع إلى سياسته القديمة من مهادنتهم، فعين على يد حشمت باشا ناظر المعارف في ذلك الوقت رئيسًا للقسم الأدبي في دار الكتب المصرية سنة ١٩١١، وظل بهذه الوظيفة إلى سنة ١٩٣٢ حين أحيل إلى المعاش، وأنعم عليه برتبة "البكوية" في سنة ١٩١١، ثم أنعم عليه بـ "نيشان النيل" من الدرجة الرابعة، وبذلك كبل حافظ بقيود الوظيفة والألقاب، وضن بمنصبه كل الضن، وخشي عليه كل الخشية وصار لا يقول شعرًا يغضب به أحدًا من ذوي السلطان خشية أن يزحزحوه عنه. أو ينالوه بأذى فيه، وإن قال شعرًا سياسيًّا أخفاه ولم ينسبه إلى نفسه. وليته سكت بعد أن دخل قفص الوظيفة، ولكنه أخذ يدعو إلى التعاون مع الإنجليز من مثل قوله عقب إعلان الحماية، وتوليه السلطان حسين كامل عرش مصر مهنئًا له وناصحًا بأن يتبع آراءهم وينصاع لأوامرهم: ووال القوم إنهم كرام ... ميامين النقيبة أين حلُّو لهم ملك على التاميز أضحت ... ذراه على المعالي تستهل وليس كقومهم في الغرب قوم ... من الأخلاق قد نهلوا وعلو فإن ناديتهم لباكٍ منهم ... وليس لهم إذا فتشت مثل وإن شاورتهم والأمر جد ... ظفرت لهم برأي لا يزل وإن ناديتهم لباك منهم ... أساطيل وأسياف تسل فماددهم حبال الود وانهض ... بنا فقيادنا للخير سهل

стр. 532

وهي قصيدة لعمري تدل على أن صاحب ذلك الشعر ليس هو الحافظ الملتهب الجبار الذي كان يصب شآبيب سخطه على الإنجليز، ويريد أن يطردهم من مصر، وإلا فما باله ينصح السلطان بأن يماددهم حبال الود. وماله ينصحه بمشاورتهم ويشيد بقوتهم؟ وثمة قصيده أخرى تنم عن ذلك التغيير في شعر حافظ السياسي، وخضوعه التام لأسر الوظيفة وإقراره بالأمر الواقع من سلطان الإنجليز بمصر وبطشهم، تلك هي تلك هي التي قالها عند تعيين "السر مكماهون" عميدًا لإنجلترا بمصر سنة ١٩١٥ ومنها يقول له معترفًا بأنه صاحب الأمر المطلق، ومن بيده الحل والعقد في البلاد: ودع الوعود فإنها ... فيما مضى كانت روايه أضحت ربوع النيل سلـ ... ـطنة وقد كانت ولايه فتعهدوها بالصلا ... ح وأحسنوا فيها الوصايه أنتم أطباء الشعو ... ب وأنبل الأقوام غايه أنى حللتم في البلا ... د لكم من الإصلاح غايه فهذه النغمة التي يمجد فيها الإنجليز، ويشيد بعدلهم، ومقدرتهم على الإصلاح، ويطلب منهم أن يهتموا بشئون التعليم في مصر، ويتعهدوا البلاد بالرعاية، ويقول لهم: إنههم أنبل الشعوب وأعدلهم تشعرنا بأن حافظًا نسي أن مصر محتلة، وأنها كانت تطالب بالاستقلال وكأن لم تكن ثمة صرخات مدوية، رددها مصطفى كامل في الخافقين ورددها صحبه الأمجاد، ورددها حافظ نفسه، والكل يطلبون منهم أن يبرحوا مصر غير مأسوف عليهم، واستمع إليه يقول في آخرها: هذا حسين فوق عرش ... النيل تحرسه العناية هو خير من يبني لنا ... فدعوه ينهض بالبناية فالأمر كما يقول بيد الإنجليز، إن شاءوا تركوه ينهض بالبناية، وإن شاءوا أبوا عليه ذلك، فهو لا يملك في الواقع من أمر مصر شيئًا.

стр. 533

وليس معنى ذلك أن عوامل الوطنية قد ماتت في نفس حافظ، ولكن كان -كما ذكرنا- يخشى أن يفقد مورد رزقه إن هو جاهر برأيه، ولذلك تراه يقول بعض القصائد السياسية ويكتمها، أو ينشرها بغير اسمه من مثل قصيدته في وصف مظاهرة السيدات في سنة ١٩١٩، ولم تنشر باسمه إلا في سنة ١٩٢٩ حين أمن عاقبة نشرها وهي التي يقول في أولها: خرج الغواني يحتججـ ... ـن ورحت أرقب جمعهنه ومن مثل قصيدته التي قالها في عهد إسماعيل صدقي ١٩٣٠، وقد ألغى الدستور وثارت مصر بأسرها ضده، ولم يشر إليها أو ينشدها ضده، ولم ينشدها أحدًا من أصدقائه إلا بعد أن خرج إلى المعاش، ويقول الأستاذ أحمد أمين: "ولقد أنشدني قصيدته هذه التي مطلعها": قد مر عام يا سعاد وعام ... وابن الكنانة في حماه يضام وهي التي يقول فيها مخاطبًا صدقي "باشا": ودعا عليك الله في محرابه ... الشيخ القسيس والحاخام لا هم أحى ضميره ليذوقها ... غصصًا وتنسف نفسه الألم صدقي، فأشرت عليه أن ينشر بعضها، أو يكتبها، أو يمليها، أو يحتفظ بها بأي شكل من الأشكال فقال: "إني أخاف السجن ولست أحتمله"١. لقد أطال حافظ الصمت، ومرت بمصر أحداث جسام، فالثورة المصرية العارمة، وتغير نظام الحكم، واستقلال البلاد نسبيًّا، ومجيء الدستور وحكم الشعب، لم تحرك من حافظ سكانًا، وإذا تكلم فبحذر ورفق من مثل قوله في تصريح ٢٨ من فبراير ١٩٢٢ الذي منحت مصر به الدستور: أصبحت لا أدري خبرة ... أجدت الأيام أم تمزح ألمح لاستقلالنا لمعة ... في حالك الشك فاستروح

стр. 534

وتطمس الظلماء آثارها ... فأنثني أنكر ما ألمح قد حارت الأفهام في أمرهم ... إن لمحوا بالقصد أو صرحوا ومن مثل قوله في عيد الاستقلال متشائمًا: كم خدرت أعصاب مصر نوافح ... لوعودهم كنوافح التفاح فتعلل المصري مغتبطًا بها ... أرأيت طفلًا عللوه بداح وتأنقوا في الخلف حتى أصبحت ... أقوالهم تدري بغير رياح وقد نشرت لحافظ عدة مقطوعات شعرية في ١٩٣٢ بعد أن أحيل إلى المعاش ينعى فيها على الإنجليز حيادهم الكاذب، ويعيب عليهم تغير أخلاقهم من أنهم اشتهروا بمتانة الأخلاق. لا تذكروا الأخلاق بعد حيادكم ... فمصابكم ومصابنا سيان حاربتم أخلاقكم لتحاربوا ... أخلاقنا فتألم الشعبان ويقول عن حيادهم: قصر الدبارة قد نقضت ... العهد نقص الغاضب أخفيت ما أضمرته ... وأنبت ود الصاحب الحرب أروح للنفو ... س من الحياد الكاذب ويقول في إجدى هذه المقطوعات مخاطبًا الإنجليز: فعدلتم هينهة وبغيتم ... تركتم في النيل عهدًا ذميمًا فشهدنا ظلمًا يقال له العد ... ل وودًا يسقي الحميم الحميما ويبدو أن هذه المقطوعات قيلت في مناسبات مختلفة، وفي سنوات عديدة، كلما هاجمت الحوادث فؤاد الشاعر وأثارت حزنه وشجنه، وكان ينظمها لينفس بها عن آلامة المكبوتة ولكنه كان يخشى من نشرها حتى لا يضايقه الإنجليز في رزقه، أو يغروا به أحد المستوزرين فيصب عليه شآبيب غضبه ولم تكن نفس حافظ تحتمل الأذى، أن ترغب في العودة إلى ضيق العيش، وقد ذاقت منه ألوانًا،

стр. 535

فطوى هذه المقطوعات. إلى أن أحيل إلى المعاش فلم يجد بأسًا -وقد صار حرًّا من قيود الوظيفة- من نشرها، وأغلب الظن أن شاعر النيل لو مد له في أجله بعد خروجه إلى المعاش لعاد سيرته الأولى، وملأ الدنيا شعرًا متحمسًا وطنيًّا رائعًا كما كان في عهده الأولى، ولكن عاجلته المنية بعد أن تحلل من الوظيفة بأربعة شهور. أما موقف شوقي إزاء هذه الحوادث القومية الوطنية بعد ثورة ١٩١٩. فقد اختلف جد الاختلاف عن موقفه من قبل، كما اختلف عن موقف حافظ. ترك شوقي مصر منفيًّا بعد أن خلع عباس في سنة ١٩١٤، ورأى الناس قد تنكروا لهجتى أعز أصدقائه قد تحاموا لقياه أو تحيته حين يرونه خوفًا من أن يتهموا بمصادقته١. ولذلك رحب بالمنفي ليريحه من تلك الوجوه المنافقة، وقد قال يخاطب ولديه وهو يعبر القناة في طريقه إلى المنفي مشيرًا إلى سطوة الغاصب المحتل، وعسفه وتبجحه، ويفصح عن كامن غضبه وسخطه. "تلكما يا ابني القناه، لقومكما فيها حياه، ذكرى إسماعيل ورياه" إلى أن يقول: تفارق برًّا مغتصبه مضري الغضبة، قد أخذ الأهبة واستجمع كالأسد للوثبة، ديك على غير جداره خلال له الجو فصاح، وكلب في غير داره انفرد وراء الدار بالنباح"، وقد أشار إلى هؤلاء الذين تنكروا له بعد أن تغيرت الحال السياسية، وذهب عنه جاهه وسلطانه بمصر، وفي إحدى أندلسياته بقوله: وداعًا أرض أندلس وهذا ... ثنائي إن رضيت به ثوابًا شكرت الفلك يوم حويت رحلي ... فيا المفارق شكر الغرابا فأنت أرحتني من كل أنف ... كأنف الميت في النزاع انتصابا ومنظر كل خوان يراني ... بوجه كالبغي رمى النقابا وقضى في المنفى خمسة أعوام ألهب فيها النفي ولوعة الفراق إحساسه بالغربة وشوقه إلى مصر الحبيبة، فنفثها نفثات حارة من قلب مفعم بالحب والحنين إلى الأرض التي شهدت ملاعب صباه، ونشاط شبابه، ونمو مجده وفيها الأهل والأحباب والخلان والأصحاب.

стр. 536

على جوانبها رفت تمائمنا ... وحول حافاتها قامت رواقينا ملاعب مرحت فيها مآربًا ... وأربع أنست فيها أمانينا ومطلع لسعود من أواخرنا ... ومضرب لجدود من أوالينا وأتى به شعرًا علويًّا في أندلسياته المشهورة بفيض وطنية صادقة بعيدة عن مهاترات الأحزاب، ونغمًا خالدًا لم تسمع مصر مثله في ماضيها الطويل منذ أن دوت في أرجائها لغة الضاد، أربي على البارودي وتميز عنه باستطراداته البديعة في وصف مصر وطبيعتها وتاريخها، فقال في سينيته المشهورة. وسلا مصر هل سلا القلب عنها ... أو أسا جرحه الزمان المؤسي كلما مرت الليالي عليه ... رق والعهد بالليالي تقسي مستطار إذا البواخر رنت ... أول الليل أو عوت بعد جرس راهب في الضلوع للسفن فطن ... كلما ثرن شاعهن بنقس يا ابنة اليم ما أبوك بخيل ... ماله مولعًا بمنع وحبس نفسي مرجل وقلبي شراع ... بهما في الدموع سيري وأرسي واجعلي وجهك الفنار ومجراك ... يد الثغر بين رمل ومكس وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه في الخلد نفسي شهد الله لم يغب عن جفوني ... شخصه ساعة ولم يخل حسي وعاد والثورة المصرية على أشدها، بسعي من رشدي باشا لدى السلطة المحتلة، وبإيحاء من السلطان حسين كامل قبل وفاته بعد أن رجاه في ذلك كثيرون من أصدقاء شوقي١. عاد شوقي والثورة المصرية في عنفوانها، وقد لمعت في سماء الوطنية أسماء لم يكن من قبل ذكر، وهبت الأمة جميعها غاضبة لحقها المغصوب، ودم بينها المسكوب، واستقلالها المسلوب، وشعر الإنجليز أنهم أمام أمة جادة في طلب حرياتها، تستهين بالدماء وبالأموال، متحدة الصفوف

стр. 537

لا يجد فيها العدو ثغرة ينفذ منها إلى التفرقة بينهم، وأخذوا يتراجعون رويدًا رويدًا، أو يحيكون الشباك للتفرقة، فألفوا لجنة "ملنر" ثم قدم ملنر مشروعه، فرفضه الوفد أول الأمر، وعدله بعد ذلك ملنر تعديلًا يسيرًا، فلم يشأ سعد أن يبت هو والوفد الذي سافر للمفاوضة في الأمر وحده، وأرسل المشروع مع أربعة١ من أعضاء الوفد ليعرضوه على الأمة لتقول فيه كلمتها، وقد وجه سعد إلى الأمة كلمة قال فيها عن المشروع: "غير أنه نظرًا لاشتماله على مزايا لا يستهان بها، وتغير الظروف التي حصل التوكيل فيها، وعدم العلم بما يكون من الأمة بعد معرفتها بمشتملاته، وقياس المسافة التي بينه وبين أمانيها، ورأى إخواننا معنا خروجًا من كل عهدة، وحرصًا على كل فائدة، واستبقاء لكل فرصة، ألا يبتوا فيه رسميًّا بما يقتضيه توكيلهم، قبل عرضه عليكم أنتم نواب الأمة المسئولون، وأصحاب الرأي فيها"٢. وإن كان سعد قد بين لأصحابه بمصر أنه حماية، وأنه يرفضه، وقد قال في كتابه لهم٣: "أظنكم تستشفون أني لست من رأى المشروع الذي ستعرضونه على الأمة، أنتم والقادمون إليكم من إخوانكم، وهذا موافق للحقيقة؛ لأنه -وأريد أن يكون الأمر بيني وبينكم- مشروع ظاهره الاستقلال والاعتراف به، وباطنه الحماية وتقريرها"٤. فلم يكن سعد صريحًا في الخطاب الذي وجهه للأمة، وظن بعض الناس أنه يوافق عليه، ووجد فيه بعضهم خطوة إلى الأمام، ومن هؤلاء شوقي. وقد نزل إلى معترك السياسة غب وصوله من منفاه، بعد أن أوصدت في وجهه أبواب القصر وتغير سكانه، ولم يعد مقيدًا بقيوده، فقال في مشروع ملنر: ما بال قومي اختلفوا بينهم ... في مدحة المشروع أو ثلبه كأنهم أسرى أحاديثهم ... في لين القيد وفي صلبه يا قوم هذا زمن قد رمى ... بالقيد واستكبر عن سجنه لو أن قدًّا جاءه من عل ... خشيت أن يأبى على ربه وهذه الضجة من ناسه ... جنازة الرق إلى تربه

стр. 538

وهذا كلام ظاهره أن شوقي يرفض المشروع، فلا يصح أن يوجد خلاف بين المصريين حول الرق والاستقلال، فالاستقلال واضح، والرق واضح، ولكنه يقول بعد ذلك مؤيدًا المشروع على أنه خطوة إلى الأمام، والطفرة محال، ولا سيما ونحن عزل من السلاح. لا تستقلوه فما دهركم ... بحاتم الجود ولا كعبه٢ نسمع بالحق ولا نطلع ... على قنا الحق ولا قضبه ينال باللين الفتى بعض ما ... يعجز بالشدة عن غصبه قد أسقط الطفرة في ملكه ... من ليس بالعاجز عن قلبه وقد لامه كثيرون على قصيدته تلك، مع أنه معذور، إذ إن ساسة الأمة كانوا غامضين وقد وجد فيها شوقي بارقة أمل، ونرى شوقي بعد ذلك يقول في تصريح ٢٨ من فبراير سنة ١٩٢٢، والذي اعترفت فيه إنجلترا باستقلال مصر مقيدًا بقيود أربعة، ومنحتها الدستور، معتقدًا كذلك أنه خطوة إلى الأمام، وأن مصر لم تنل كل أمانيها، وأن الجهاد لم يزل أمامها طويل، ولكن الغاية قد قربت. لا ريب أن خطى الآمال واسعة ... وأن ليل سراها صبحه اقتربا وأن في راحتي مصر وصاحبها ... عهدًا وعقدًا بحق كان مغتصبًا تمهدت عقبات غير هينة ... تلقى ركاب السرى من مثلها نصبا أقبلت عقبات لا يذللنا ... في مواقف الفصل إلا الشعب منتخبًا وفيها يقول: قالوا: الحماية زالت قلت لا عجب ... بل كان باطلها فيكم هو العجبا رأس الحماية مقطوع فلا عدمت ... كنانة الله حزمًا يقطع الدنيا كان شوقي ينظر في ميدان السياسية المصرية نظرات عامة، ويستقرئ العظات والعبر ولم يدع حادثة تمر من غير أن يدلي فيها برأيه، بعيدًا عن الحزبية التي صدعت وحدة الأمة، ومزقت شملها، ومكنت للعدو أن يستعيد بعض سيطرته، ولذلك وجه إلى الزعماء في ذكرى مصطفى كامل سنة ١٩٢٥ هذه

стр. 539

القصيدة العظيمة في معانيها وغاياتها الوطنية، ملتمسًا من مليك البلاد، أن يجمع الصفوف بحكمته، وسديد رأيه، أبقاء على نهضة الأمة، وحفاظًا على قوتها أن تتبدد: إلام الخلف بينكم إلام ... وهذه الضجة الكبرى علام؟ وفيم يكيد بعضكم لبعض ... وتبدون العداوة والخصاما؟ وأين الفوز لا مصر استقرت ... على حال ولا السودان داما؟ وأين ذهبتم بالحق لما ... ركبتم في ضيته الظلاما؟ أبعد العروة الوثقى وصف ... كأنياب الغضنفر لن يراما تباغيتم كأنكم خلايا ... من السرطان لا تجد الضماما؟ يقول شوقي في عيد الاستقلال، وعيد الدستور، وفي نجاة سعد زغلول حين اعتدى عليه، وقد قال في إحدى قصائده يصف ثورة مصر وانتفاضتها القوية في سنة ١٩١٩، وإصرارها في عزم وحمية على رجوع سعد من منفاه وهي عزلاء من السلاح، وتتحدى إنجلترا المنتصرة التي يربض جيشها على ضفاف الوادي بحرابه ومدافعه وطائراته، وكيف خضعت إنجلترا لهذه الثورة العاتية، وأرجعت سعدًا إلى عرينه. أتذكر إذ غضبت للباة ... ولمت من الغيل أشبالها وألقت بهم في غمار الخطوب ... فخاضوا الخطوب وأهوالها وثاروا فجن جنون الرياح ... وزلزلت الأرض زلزالها وبات تلمسهم شيخهم ... حديث الشعوب وأشغالها ومن ذا رأي غابة كافحت ... فردت من الأسر رئبالها وأهيب ما كان بأس الشعوب ... إذا سلح الحق عزالها وكان يتأثر بالحوادث السياسية كل التأثر، وتنفعل لها نفسه وتهتز لها أعصابه، وتحفز خياله١. ولم يقيد شوقي في شعره بالوطنيات المصرية، بل

стр. 540

تعدي مصر إلى شقيقاتها من البلاد العربية، وإلى البلاد الإسلامية، ويشجعها على طلب الاستقلال، ويأسى لما تصاب به من نكبات، ويرثي كبار زعمائها وقادتها. وبحث شباب مصر في أكثر من موطن على أن يعتصموا بالقوة فإن الحق الذي لا تدعمه القوة لا يلقى آذانًا مصغية، ويذكر المصريين بأن الغرب رفض الاستماع إلى وفد مصر في مؤتمر لوزان حينما كان يوزع الغنائم والأسلاب: أتعلم أنهم صلفوا وتاهوا ... وصدوا الباب عنا موصدينا ولو كنا هناك نجر سيفًا ... وجدنا منهم عطفًا ولينا ويذكرهم بأن الأماني والأحلام لا تحقق الرغاب فيقول: وما نيل المطالب بالتمني ... ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا فبينما كان شوقي يملأ الدنيا بشعره، كان حافظ راضيًا بما قسم الله له من رزق، حريصًا على ألا يضيع منه: يكبت شعوره، وخشى أن تطوح به السياسة في أودية لا يعرف لها قرارًا. هذا وقد ظهر بجانب شوقي وحافظ عشراء آخرون تباينوا شعورًا، وسياسة، إزاء كل هذه الحوادث، وتأثروا بمؤثرات شخصية: فإسماعيل صبري كان وطنيًّا صادقًا، ولكنه كان مقيدًا بقيود الوظيفة، ولم يكن شاعرًا محترفًا، إنما كان الشعر عنده ترفًا، ولم يخض غمار السياسة كما خاضها حافظ وشوقي، وإن لم يقل عنهما وطنية، ينم عنها ما قاله في بعض الحوادث التي هزت مشاعره هزًّا عنيفًا فلم يجد من القول بدًّا. ليس في ديوان صبري أي قصيدة يمدح بها السلطان عبد الحميد، أو سواه من الأتراك الذين مدحهم شوقي أو مدحهم حافظ، ولست أدري أيعود هذا إلى أنه كان يخشى الإنجليز وهو الموظف في الحكومة المصرية التي تسيطر إنجلترا على شئونها، والذين كانوا يسعون سعيًا حثيثًا لقطع الصلة بينها وبين مصر، حتى يخلوا لهم الجو، ويثبتوا أقدامهم بوادي النيل؟ أو يعود هذا إلى أنه كان ينظر إلى

стр. 541

مصر وأملها في الاستقلال نظرة قومية، فلا يمدح إلا أمراءها الذين تولوا الملك في عهده كإسماعيل، وتوفيف، وعباس، وحسين كامل، شأن الرجل المستنير الذي يرغب في نهضة بلاده مستقلة عن كل نير أجنبي، ولا يدعو إلا للنهضة التعليمية، والشورى، ورقى مصر في جميع نواحي الحياة؟ نرى إسماعيل صبري حتى في شعره الذي قاله في حرب طرابلس بين تركيا وإيطاليا لا يصدر عن عاطفة دينية حادة كما كان يصدر شوقي مثلًا، وكما كان يشعر كثير من شعراء هذا الجيل، وإنما كان صبري ينظر إلى هذه الحادثة نظرة إنسانية، فيها اعتداء قوي مدجج بالسلاح، على ضعيف أعزل، وفيها تنكر لمعاني الإنسانية الجميلة. لا يثق بعضنا ببعض وهذا ... ما أعد الإنسان للإنسان وإن تسلم على الغريب فسلّم ... في ظلال السيوف والمران ربما أصبح العناق صراعًا ... في زمان الأداب والعرفان ولا نراه يكبر ويهلل حينما تعلن تركيا الدستور في سنة ١٩٠٨: فما الذي يعود على مصر من ذلك إذا لم تنل هي الدستور، وحكم الشورى، فليست مصر في نظرة مقاطعة عثمانية، حتى ينالها ما نال تركيا، ولكنها محكومة حكمًا غريبًا تتنازعه سلطتان، وأهلها يعاونون الاسبتداد والبغي: يا مصر سيرى على آثارهم وقفي ... تلك المواقف في أسنى مجاليها لا يؤيسنك ما قالوا وما كتبوا ... بين البرية تضليلًا وتمويها إن يمنعوا الناس من قول فما منعوا ... أن ينطق الحق بالشكوى ويبديها الحق أكبر من أن تستبد به ... يد وإن طال في بطل تماديها يا آية الفخر هلا تنزلين -كما ... نزلت ثم- على مصر وأهليها كيما نجر ذيولًا منك جررها ... من قبلنا الترك في أوطانهم تيها يا "عابدين لأنت اليوم مصدرها ... وفي ذراك -بإذن الله- موحيها وتراه عند الانقلاب العثماني، وخلع السلطان عبد الحميد، ويرى في ذلك عظة بالغة لكل حاكم مستبد فيقول لعبد الحميد:

стр. 542

عبد الحميد سيحصى ما صنعت غدا ... بين الأنام ويلقى في الموازين إن يرجح الخير نعم الخير من عمل ... دخلت في زمرة الفر الميامين أو يغلب الشر لا كانت عصابته ... عددت في صرحه أقوى الأساطين لا يرهقنك حكم الناس فهو غدًا ... مستأنف عند سلطان السلاطين ونراه يستحث عباسًا في أكثر من مناسبة ليمنح مصر الدستور، وليحكم بالشورى: سدد سهام الرأي بالشورى يحط ... بك منه في ظلم الحوادث فيلق عوذت مجدك أن تمام وفي الحمى ... أمل عقيم أو رجاء مخفق كل الممالك نوِّلت ما ترتجي ... من أنعم الشورى وملكك مطلق مر بالذي صرحت قبل به وقل ... وأصدق، فمثلك من يقول ويصدق أما في علاقة مصر بالإنجليز، فلا شك أن صبري كان غير راضٍ عنها، ولكنه لم يكن يفصح عن مكنون نفسه، وإن يحول دلت مواقفه العديدة، على الوطنية المضطربة بين جوانحه فقد اشتهر صبري بصداقته لمصطفى كامل، وقد حدث حينما كان محافظًا للإسكندرية من سنة ١٨٩٦ إلى ١٨٩٩ -أن أراد مصطفى كامل إلقاء خطبة وطنية بها، فأوعزت الحكومة إليه أن يحول بينه وبين ما يريد، محتجة بالخوف على الأمن أن يختل نظامه، والقانون تنتهك أحكامه، فأبى على الحكومة كل الآباء، وخلى بين مصطفى وبين شعبه يخطبه كما يشاء، وقال للحكومة: أنا مسئول عن الأمن والنظام، ومحتمل ما تعقبه هذه الخطبة من تبعات١. ذكر الأستاد أحمد الزين أنه عاش ما عاش لم يزر إنجليزيًّا قط "وقد سألته عن ذلك فقال نعم، وطالما استمالني لورد كرومر إلى زيارته فلم أفعل، فقلت مازحًا: لعلك لو فعلت كنت اليوم رئيسًا للوزارة. فقال: وماذا تفيدني رئاسة الوزارة غير إغضاب ضميري وإرضاء ذوي المطامع وأصدقاء الجاه"٢.

стр. 543

وكان بعد أن عين وكيلًا لوزارة "الحقانية" في سنة ١٨٩٩ حريصًا على صداقة مصطفى كامل، لا يبالي أغضب الإنجليز أما أرضاهم في هذا، وكان يخرج من الوزارة في غالب الأيام ويعرج على صاحب "اللواء"، ويقضي معه وقتًا طويلًا، مع أن سواه من الموظفين كانوا لا يجرءون على مثل هذا، وقد أشار شوقي في رثاء إسماعيل صبري إلى ذلك حيث يقول: ويح الشباب وقد تخطر بينهم ... هلى متعو ابتمس طواف لو عاش قدوتهم ورب "لوائهم" ... نكس اللواء لثابت وقاف فلكم سقاه الود حين وداده ... جرب لأهل الحكم والأشراف ولقد تأثر إسماعيل صبري بتلك الغضبة الصاخبة التي غضبها مصطفى كامل حين وقعت حادثة دنشواي، ولكنه لم يقل حين وقوعها شيئًا وأثر الصمت، وأغلب الظن أن صمته كان تقية منه وحرصًا على وظيفته؛ ولأن يد الإنجليز حينذاك كانت بطاشة قاسية، وإذا تجرأ مصطفى كامل، ورجال السياسة على ضرب تلك اليد حتى تكف عن الأذى، فقد كانوا في حرية نسبية، غير مقيدين بقيود الوظيفة، فلما نجحوا في حملتهم على المعتمد البريطاني اللورد كرومر، وأجبروه على الاستقالة، وصدر العفو عن المسجونين، انطلقت الألسنة التي أحجمت عن الكلام في أبان المحنة، ومن هؤلاء شوقي كما عرفت ذلك آنفًا، ومنهم كذلك إسماعيل صبري، فقال من قصيدة يهنئ فيها "عباسًا": بعيد الأضحى بعد مرور عامين على دنشواي: ويذكر هذه الحادثة ويشكره على أن عفا عن المسجونين. وأقلت عثرة قرية حكم الهوى ... في أهلها وقضى قضاء أخرق وإن أنَّ فيها بائس مما به ... وأرنَّ جاوبه هناك مطوق وارحمتا لجناتهم ماذا جنوا ... وقضاتهم ما عاقهم أن يتقوا؟ ما زال يقذى كل عين ما رأوا ... فيها ويؤذي كل سمع ما لقوا حتى حكمت فجاءت حكمك آية ... للناس طي صحيفة تتألق

стр. 544

وتراه لا يكتفي بهذا، ولكنه يشير بعد ذلك إلى أن هذا القانون الظالم الذي طبق في هذه الحادثة، سيظل يبعث الفزع والرعب في القلوب، وأن ما ارتكبه من مأثم، وما طعن به مصر من جراح لن يكفر عنها بشيء ولن تلتئم هذه الجراح ما دام الاحتلال قائمًا وجنوده تبرق وترعد: قانون "دنشاواي" ذلك صحيفة ... تتلى فترتاع القلوب وتخفق هل يرتجى صفو ويهدأ خاطر ... والماء حول نصوصها يترقرق ومضاجع القوم النيام أو أهل ... بمعذ يردي، وآخر يرهق لن تبلغ الجرحى شفاء كاملًا ... وما دام جارحها المهند يبرق هذا كل ما قاله صبري، وكنى عن المحتل الغاصب بالجارح المهند، ولم يصرح به، ولا نسمع له شيئًا آخر في الإنجليز من قريب أو بعيد، ولكننا نسمع له مقطوعات قصيرة، في البيتين والثلاثة، يضمنها رأيه في وزراء مصر قبل الحرب العالمية الأولى، بدعابة مرحة، كأنها صورة هزيلة فكهة مما تنشره الصحف اليوم، من ذلك قوله في مصطفى فهمي باشا الذي عرفت من أمره ما عرفت، وأنه كان أحب للإنجليز وأخلص لهم من أنفسهم، فلما سقطت وزارته التي طال عليها الأمد، وملها المصريون، وضاقوا بها ذرعًا في سنة ١٩٠٩ قال إسماعيل صبري: عجبت لهم قالوا: "سقطت" ومن يكن ... مكانك يأمن من سقوط ويسلم فأنت امرؤ ألصقت نفسك بالثرى ... وحرمت خوف الذل ما لم يحرم فلو أسقطوا من حيث أنت زجاجة ... على الصخر لم تصدع ولم تتحطم ولما مات مصطفى كامل شق عليها نعيه وهو الصديق الوفي، الذي كان يحرص على وداده، وعلى الرغم مما كان بينه وبين الإنجليز من عداوة سافرة، وعلى الرغم من أن إسماعيل صبري كان موظفًا في الحكومة، فوقف على قبره، وهو يوسد الثرى ينعاه، فلم يكد ينطق بالبيت الأول من قصيدته وهو: أداعي الأسى في مصر ويحك داعيا ... هددت القوى إذا قمت بالأمس ناعيا

стр. 545

حتى ملكته العبرة، وغاب عن الوعي، وفقدت القصيدة١، ولولا قصيدته في مصطفى كامل في حفل الأربعين ما عرفنا عن شعوره إزاء هذه الكارثة شيئًا، وهذه القصيدة فيها عاطفة جياشة، تنبئ عن لوعة صديق محزون هده الحزن، ولم يصور فيها مصطفى كامل الوطني المشتعل حماسة وثورة على قيود الرق وأغلاله، بما يليق به، واكتفى بذكر الشجن والأسى والحسرات لفراقه وليس فيها من نبأ عن وطنية مصطفى كامل إلا إشارات عائرة، وما عدا ذلك فهو تصوير لعظم الفجيعة. عللاني بالتعازي وأقنعا ... فؤادي أن يرضى بهن تعازيا وإلا أعيناني على النوح والبكا ... فشأنكما شاني وما بكما بيا وما نافعي أن تبكيا غير أنني ... أحب دموع البر والمرء وافيا إيا مصطفى تالله نومك رابنا ... أمثلك يرضى أن ينام اللياليا تكلم فإن القوم حولك أطرقوا ... وقل يا خطيب الحي رأيك عاليا ويخيل إليك أن سيفيض في ذكر مزاياه ويتحدث بإسهاب عن وطنيته، ولكنه يشير بعد أبيات في إيجاز شديد إلى أن مصطفى كامل كان سلاح مصر، وكوكبها المضيء في دجنة الحوادث، وأنها فقدت هذا السلاح وهي أحوج ما تكون إليه، وهذا الكوكب وهو تتخبط في الظلماء، ولولا ما خلفه من الأماني في نفوس مواطنيه لكان في بكائهم عليه بكاء على أمانيهم. فقدناك فقدان الكمي سلاحه ... وسارى الدياجي كوكب القطب هاديا وبتنا ودمع العين أندى خمائلا ... وأكثر إسعافًا من الغيث هاميًا ولولا تراب من أمانيك عندنا ... كريم بكينا إذ بكينا الأمانيا وأشار كذلك إلى قوة حجته، وعظيم دفاعه عن مصر في إيجاز: فليتك إئ أعيبت كل مساحل ... قنعت فلم تعي الطبيب المداويا وليتك إذ ناضلت عن مصر لم تفض ... مع الحبر قلبا يعلم الله غاليا

стр. 546

فهو لا ينطلق على سجيته، ويخيل إليك أنه يمشي بحذر، خائفًا يترقب فثمة الإنجليز وثمة القصر، وكلاهما غير راضٍ عن مصطفى كامل، وهو شاعر يدين للقصر بالولاء كما ينطق بذلك ديوانه الذي يغص بقصائد المديح يرجيها في كل مناسبة للخديو، ولكنه كان -على كل حال- أجرأ من شوقي في هذه المناسبة، ولعل جرأته أتت من أنه كان قد اعتزل الخدمة١ وأصبح لا يخشى بأس الإنجليز. ثم تمر مصر أحداث، ويطوح الإنجليز بعباس، ويأتي السلطان حسين كامل بعد إعلان الحماية، فيهنئه ولكنه كان أشد وطنية من صاحبيه حافظ وشوقي، فلم يشر إلى الإنجليز أي إشارة، ولم يدع إلى التعاون معهم، أو يثن عليهم، بل اكتفى بأن هنأه، وذكر أن الإمارة لم تزل في أهلها، وأنهم يتناوبون العرض ماجدًا بعد ماجد، وأن أهل مصر لا يزالون على الود القديم. إلى غير ذلك من المعاني التي تقال في مثل هذه المناسبة: إن الإمارة لم تزل في أهلها ... شماء عالية القواعد والذرا والتاج مقصورًا عليهم ينتفي ... منهم كبيرًا للعلاء فأكبرا والعرش إن أخلاه منهم ماجد ... ذكر الأماجد منهم وتخيرا عزى عن العباس أنك عمه ... وأجل من ساس الأمور ودبرا ولكنه يفضل "حسينًا" بعد ذلك على "عباس"، ويحتج لاختياره، ولو أنه اكتفى بما قاله في البيت الأخير، لكان خيرًا له؛ لأن عباسًا حظي منه بمدح شتى، ورفعه فيها إلى السماكين، وكان واجب الوفاء يدعوه ألا يذم صاحبه الذي مدحه بالأمس، وألا يدعو الناس للشكر على أن جاء حسين بدلًا منه: والبيت "بيت محمد" قد شاده ... لبنيه لم يستثن منهم معشرًا والعم أكبر حكمة ودراية ... بالأمر لو أن المكابر فكرا حال إذا نظر الأريب جمالها ... شكر الإله وحقه أن يشكرا وهذا التقلب في المديح يدل على أن الشاعر لم يكن صادقًا في مديحه لعباس أو حسين، وإنما يدل على أنه كان مع الحاكم أيًّا كان، شأن معظم شعراء المديح

стр. 547

الذين لا يصدرون في شعرهم عن عاطفة جياشة صادقة وإنما يصدرون عن مراءاة ونفاق ورغبة في الحظوة والمكانة لدى ولي الأمر أيًّا كان خلقه ووطنيته. هذا هو إسماعيل صبري، كان وطنيًّا صادقًا ولكن في هدوء وحذر، يريد الإصلاح والرقى لقومه عن طريق التعليم والنهضة الصحيحة، ويخشى التيارات السياسية المتلاطمة الأمواج، ولا أدل على وطنيته ومنهجه من قصيدته التي يقول فيها على لسان فرعون مخاطبًا مصر والمصريين محرضًا إياهم على النهوض، تلك القصيدة التي مطلعها: لا القوم قومي ولا الأعوان أعواني ... إذا ونى يوم تحصيل العلا واني والتي يقول فيها: لا تقربوا النيل إن لم تعلموا عملًا ... فماؤه العذب لم يخلق لكسلان ردوا المجرة كدًّا دون مورده ... أو فاطلبوا غيره ريًّا لظمآن وسنعود إليها فيما بعد إن شاء الله. أما محمد عبد المطلب فقد تمثلت فيه الوطنية المصرية الصحيحة، خاض غمارها بحماسة وعنفوان وصدق، لا يبالي بما يصيبه من جراء حمساته أو عنفوانه، ولقد نمى هذه الوطنية في نفسه عاملان قويان: أولًا، نشأته البدوية العربية، وفي العرب إباء وشمم، وأنفة من الظلم، ونزع إلى الحرية، وفي البداوة الصرامة والقوة والعنفوان والصراحة، والعامل الثاني نشأته الدينية وتدينه، والإسلام يدعو إلى العزة والكرامة والسيادة. فلا يدع إذا رأينا الشيخ محمد عبد المطلب وطنيًّا متدفق الوطنية، متطرفًا منذ أن اشتعلت الثورة المصرية سنة ١٩١٩. ولكن قبل أن نعرض شعره السياسي في الثورة نعود إلى الخلف قليلًا لنرى موقفه من تركيا والإنجليز قبل الحماية وبعد أن أعلنت. لم يكن الشيخ محمد عبد المطلب تركي النزعة، ولا يمت إلى الأتراك بجنس ولا نسب، ولا مقربًا من الأمير أو حاشيته، ولا هو من كبار الموظفين الذين يرجون الخير من الأتراك

стр. 548

لقبًا أو منحة، ولم يك في أوائل هذا القرن شاعرًا مشهورًا، بل كان مدرسًا في إحدى قرى الصعيد؛ ولذلك كله لا نراه يعنى بتوجيه المدائح للخليفة بتركيا؛ ولا يشعر كما شعر كل مسلم محب لعظمة الإسلام، وقوة دولته، وليس لعبد المطلب في ديوانه إلا قصيدة واحدة رفعها إلى عبد الحميد بعد أن أعلن الدستور سنة ١٩٠٨، وعم الفرح جميع الأقطار الإسلامية، وأمل الناس خيرًا في عبد الحميد وفي دور الخلافة، فقد صور في هذه القصيدة الظلم الذي كان يرزح تحته الأتراك، وكاد يؤدي بالدولة كلها إلى هوة سحيقة ما لها من قرار، وذلك حيث يقول: يا عيد حي وأنت خير نهار ... "عبد الحميد" بدولة الأحرار ملك أقام على الخلافة منهم ... حرسًا وقاها دولة الأشرار من بعد ما كاد الزمان يحلها ... بالجور دار مذلة وبوار يخشى البريء ويأمن الباغي الردى ... والجار مأخوذ بجرم الجام عهد مضى -لا عاد- كبل دولة الـ ... إسلام في الأغلال والآصار فرمت مقاتلها يد الأطماع من ... دول كَلِفْن بحب الاستعمار وتراه ينهئ الطيارين التركيين حين وصولهما إلى مصر لأول عهد الناس بالطيران، على أنهما قوة للإسلام: طير السلام بطائر الـ ... إسلام والأسد المزير يا طائر الإسلام يهفو ... بالعواصم والثغور يختال في الملكوت زهوًا ... فوق آمنة العنبر١ أحييتما ميتًا من الـ ... آمال في قلب كبير إلى أن يقول: يا دولة الإسلام هبي يا ... كواكبه أنيري مدى جناحيه على ... النسرين والشعري العبور٢ فلعل دائرة تجـ ... ـد عهود بعد الدثور

стр. 549

ويقول في انتصار الأتراك على اليوانان في سقاريا، معبرًا عن الشعور الإسلامي حينذاك: هذا مقامك شاعر الإسلام ... فقف القريض على أجل مقام عادت صوار منا إلى إمادها ... من بعد ما ظفرت بخير مرام ويقول في حرب طرابلس التي أرادت بها إيطاليا أن تنتزع تلك الولاية العربية الإسلامية من تركيا سنة ١٩١١، وهبت مصر تشد أزر الترك، وتسعف جرحى الحرب، وترسل المال والزاد، وكان المصريون ينظرون إلى هذه الحرب على أنها حرب ضد الإسلام، وضد دولة الإسلام، وأنهم طرف فيها: هي اليهجاء كم طحنت قرونًا ... وكم صحنت حوادثها قرونًا١ ويقول فيها مخاطبًا الطليان: خرجتم من منازلكم بغاة ... على أوطاننا تتغلبونا غداة ملأتم الدنيا صياحًا ... به بين الأزقة تهتفونا وأقلقتم ملوك الأرض لما ... برزتم تبرقون وترعدونا ويقول مخاطبًا ملوك أوربا: بغت روما فلم نسمع نكيرا ... ولو شاء واسمعنا المنتكرينا وإن تغضب ذيادًا عن حياض ... لنا هدمت إذا هم يسخطونا ملوك الغرب ما هذا التعامي ... وما للحق بينكم مهينًا يساق ضعافنا للموت بغيًا ... وأنتم تسمعون وتبصرونا ويقول في هذه الحرب قصيدة أخرى يحرض فيها المسلمين على التطوع والجهاد مع إخوانهم أهل طرابلس: بني أمنا ابن الخميس المدرب ... وأين العوالي والحسام المذَرَّب؟ وأين النفوس اللاءكن إذا دعا ... إلى الله داعي الموت في الموت ترغب

стр. 550

ولكنا نراه لا يأس حين تسقط الخلافة، وتزول من تركيا بعد الحرب العالمية الأولى إذا انقطعت الصلة التي كانت تربط مصر بتركيا، ولم يشعر نحوها كما كان يشعر من قبل. ونرى عبد المطلب يثور ويغضب حين تعلن بريطانيا الحماية على مصر، وتتعسف في تسخير المصريين لخدمة الجيوش المحتلة، وتسوقهم كالأنعام لخدمة جيوشهم المحاربة، وتصادر أرزاقهم، وتحكمهم بيد غليظة آثمة: كان صريحًا عنيفًا، ولم يخش بأسًا، ولا عنتًا؛ وكان هو الصوت الأدبي المدوي الذي ثار وغضب، فمن ذلك قوله مشيرًا إلى من نفتهم سلطة الاحتلال: وما ملهم فيها ثواء وإنما ... نجو بالنوى من ظلم أرعن أحمق يناديه فينا قائد الجيش قومه ... وما قادهم إلا إلى شر مأزق تسعف بالأحكام غير موفق ... وما ظالم في حكمه بموفق فكم ساق من مصر إلى الموت فتية ... زهاها الصبا في عنفوان وريّق جموع كأرجال النعام تلفها ... يد القهر للآجال من كل مَنْعَق له عصب في غورها وصعيدها ... تخيير أبناء الشباب تنتقى ومن لم يسقه السوط والسف ساقه ... إلى حيث شاءوا جهد عيش مرمق ففي كل بيت صوت ثكلى مرنة ... وتحنان باك بالأسى متمنطق ويقول منها في الحماية: دجت يوم إعلان الحماية شمسه ... فيالك من يوم على مصر أورق١ به لقحت سود الليالي فليته ... قضى في بطون الغيب لم يتخلق ويقول في المحتل الغاصب وسيرته بمصر: يرى نفسه فوق القوانين بيننا ... متى ما نذكره القوانين يحنق يبيح غدًا ما حرم اليوم بالهوى ... لغير الهوى في حكمه لم يوفق إلاهة جبار وإمرة خاطل ... وتدبير أعمى في الحكومة أحمق يقرب خوانًا ويرفع جاهلًا ... ويسعد أشقاها ويشقى بها التقى إذا ما مضى هذا أتى ذلك بعده ... على النهج لم يعدل ولم يترقرق

стр. 551

وهي قصيدة كل بيت فيها ينطق عن شعور متقد، وصراحة تامة في كشف عورات الإنجليز وسوءاتهم، وسوء سيرتهم بمصر، وما لاقت على أيديهم من الذلة والمهانة والجهل: وبالعلم سل دنلوبهم لم لم يدع ... ذواقًا من العرفان للمتذوق وأغلب الظن أنه لم ينشرها غبّ إعلان الحماية؛ لأنها اشتملت على حوادث الحرب كلها حتى انتهت. وربما كان قد بدأها يوم إعلان الحماية، وساير بها حوادث الحرب حتى وضعت أوزارها. ثمة قصيدة أخرى قالها حين نفت سلطة الاحتلال أعضاء الوفد المصري وعلى رأسهم سعد زغلول. وهي تدل على جرأة وبأس لم يتأتيا لشاعر مصري قبله، قيلت، الثورة المصرية في عنفوانها، لتزيدها ضرامًا، وتؤجج في كل نفس نارًا وسخطًا على المحتل الذميم الذي تنكر لمصر بعد أن ساعدته على انتصاره، وسخر كل شيء فيها من مال ورجال ليحرز هذا النصر، ولكن لا عجب فهذا شأن الإنجليز دائمًا؛ وما وعودهم في خلال الحرب العالمية الثانية لمصر وغيرها من البلاد التي رزئت بهم ببعيدة عنا فلما انتصروا أنكروا وعدهم وعادوا جشعهم الاستعمار، ولم تتخلص مصر من بلائهم إلا بعد أن أرغموا على وعودهم وعاودهم جشعهم الاستعماري، ولم تتخلص مصر من بلائهم إلا بعد أن أرغموا على ذلك إرغامًا. بيد أنا لم نجد بعد الحرب العالمية الثانية شاعرًا مثل عبد المطلب يذكرهم بوعودهم، وبما قدمت مصر لهم من خدمات، حيث يقول: أيها السائرون بالوفد مهلًا ... خبرونا عن وفدنا أين ولى مر عهد الهوان لا عاد عهد ... كان ويلا على البلاد وخبلا مر عهد الهوان كم جر فيه ... أهل مصر بالضيم قيدًا وغلا ويقول فيها مخاطبًا اللورد اللنبي: أيها القائد المدل علينا ... قاتل الله من علينا أدلًا ما لمصر تجزى جزاء سنمار ... لديكم وبالدنية تبلى وأراكم لولا بنيها سقيتم ... من حياض المنون علا ونهلا سائلو الشام هل بغير بنينا ... جبتم الوعر من فلسطين سهلا

стр. 552

أو مددتم بغير أبناء مصر ... في بلاد العراق للفوز حبلا أنسيتم في مصر ما منحتكم ... من هبات ما جاوزت بعد حولا أم نسيتم أبناءها يفتك المو ... ت بهم فيا لوغي وباء وقتلا إلى آخر هذا الشعر العلوي الذي لم نسمع مثله من حافظ، أو شوقي، أو صبري أو غيرهم من شعراء ذلك الجيل. الذين عاصروا الثورة، ورأوا حماسة الأمة الفياضة، وآمالها العريضة تحثهم على الجهاد والموت. وظل عبد المطلب على صراحته تلك طوال الثورة، فإذا اشتد الإنجليز وطغوا، وأحكموا الرقابة على القول والنشر، احتال للتعبير عن آماله وعن شعوره الوطني، بالرمز كقصيدته على لسان عصفور في قفص١ وغيرها من القصائد، وإذا عاد "سعد" من المنفى استقبله بقصيدة وطنية رائعة. ويموت محمد فريد٢ فيرثيه رثاء الوطني الحزين الذي يعرف فضله على القضية المصرية، وأنه كان في الرعيل الأول من المجاهدين الذين صلوا بنار الاحتلال، وضحوا بالأموال، وبالراحة والأمن في ظلال الوطن، وآثروا النفي والغربة في سبيل مبدئهم. ما أنكرت مصر ابنها فنبت به ... ولكنه دهر على الحر يجنف ويقول معبرًا عن شعور "فريد" حين فارق مصر: حرام علينا أرضها وسماؤها ... ألية من لا يمتري حين يحلف ويا فلك باسم الله مجراك أقلعي ... فإما الردى أو ينصف النيل منصف ويقول عن جهاده: عرفنا له بر الوفى بعهدها ... إذا خان قوم عهد مصر فلم يفوا أفاض عليها نفسه بعد ماله ... وما بهم عنها متاع وزخرف

стр. 553

ويقول حين اعتدى الجنود الإنجليز على قرية العزيزية١ ومثلوا بأهلها تمثيلًا شنيعًا وساقوهم رجالًا ونساء إلى العراء، وأضرموا النار في القرية وعبثوا بشرف النساء، وقتلوا كثيرًا من الرجال: يا مصر ما بال الأسى لك حالا ... لو أن مفجوعًا يرد سؤالًا ما عهد ولسن أين ولسن؟ وهل درى ... أنا بمصر نكابد الأهوالا؟ أمن العدالة عنده أن يبتلى ... شعب يريد بأرضه استقلالا؟ ما بال أبناء الحضارة أوغلوا ... في أرض مصر نكاية ونكالا إلى أن يقول واصفًا تلك البشائع: ما لي أقلب ناظري فلا أرى ... في مصر غير نوادب وثكالى ودم يعز على أبيه مسيله ... عبثت به أيد هناك فسالا وعزيز قوم في الحديد مصفد ... سيم الهوان وحمل الأثقالا يسعى إلى دار الإسار وحوله ... نذر المنايا بندقًا ونصالًا ولرب وجه بالجمال عرفته ... لم تبق فيه الحادثات جمالًا تلك العقائل يرتمين مع الظبا ... مستقبلات للردى استقبالا وأرى ابن "لندن" نحوهن مصوبًا ... بيض الظبا متوثبًا مختالًا وارحمتاه لقرية مفجوعة ... والليل يرخي فوقها أسدالًا محزونة خبأ القصاء لأهلها ... تحت الظلال وقعية ونكالا من غادة غال البغاء عفافها ... فكبى الحجاب عفافها المغتالا وهي قصيدة طويلة تصور أبياتها في إتقان بارع، وعبارات تثير العبرة، وتجلب الشجن هذه الحوادث المفجعة وتصرخ بالظلم، وتنطق بآيات الوطنية، وتحض على الثورة في جراءة وصراحة حتى ينكشف هذا الكابوس، وينجلي ذلك البلاء.

стр. 554

ولم يترك عبد المطلب أي حادثة من حوادث الثورة من غير قصيدة رنانة يترجم فيها عن شعور الشعب، وشجعه على الجهاد، ولا نراه يصمت بعد أن تهدأ الثورة قليلًا، ويؤلف وفد المفاوضات، بل يترقب المصير، ويخشى أن يعصف دهاء الإنجليز بما ضحى الثوار من أجله، فإذا عاد عدلي يكن من مفاوضاته مخفقًا، لم يكن لمكر الإنجليز وخبثهم ويفرط في حقوق البلاد، أقام الناس حفلا يكرمونه على تمسكه بحقوق مصر وسارع عبد المطلب ينظم قصيدة يثبت بها القلوب القلقة، ويؤيد بها تمسك البلاد بحقها الكامل، وأنشدها في الحفل مهنئًا عدلي على موقفه هذا، وفيها يقول: زعموا سفاها أن وحدتنا ... أمست حديثًا في الورى كذبًا لا والدم الغالي تسيل به ... فوق التراب أسنة وظبا لا واتحاد الأمتين١ جرى ... بين الممالك أية عجبًا لا والحسان البيض حاسرة ... والموت يحجل حولها شعبًا لا والشباب النضر في لجب ... يستعذب التعذيب والعطبا ما إن أصاب بني أبي وهن ... إن المفرق بيننا كذبًا أبناء مصر جميعهم بطل ... دب لنصر بلاده انتدبا وقال بعد ذلك في الدستور، وأول اجتماع لنواب الأمة، وفي مقتل السردار، وفي الاعتداء على سعد زغلول، وفي استقالة وزارة سعد عقب مقتل السردار، وفي غير ذلك من المناسبات الوطنية العديدة. وكل شعره الوطني يرمى إلى الاستمرار في الجهاد، ووحدة صفوف الأمة، ومناوأة الإنجليز في شدة وصرامة حتى تنال حقوقها كاملة. وله نشيد وطني قوي يتقد حماسة. ومثل هذه النغمات العلوية لم يجرؤ سواه من شعراء طبقته على ترديدها إلا محرم والكاشف، وعبد الملطب٢ يقف بينهم متميزًا في هذا الميدان، وقد شغل

стр. 555

الشعر السياسي جزءًا غير قليل من ديوانه وكان به لسان الشعب المجاهد، والمعبر عن آلامه وآماله في صراحة وقوة وجزالة. أما خليل مطران فقد اتخذ مصر دار إقامة منذ سنة "١٨٩٢"١، وقد كانت مصر تتمتع بشيء من الحرية الصحفية في تلك الحقبة، على نحو ما ذكرنا آنفًا، وقد هاجر إليها كثير من أحرار السوريين الذين فروا من الجو الخانق المخيم على شتى الولايات العثمانية، ويجثم فوقه شبح الاستبداد الحميدي؛ وقد كان هؤلاء المهاجرون فريقين، منهم من يدعو إلى الجامعة الإسلامية. ويبغي الإصلاح لتركيا حتى تنهض البلاد العربية التابعة لها وتساير موكب الزمن، وكان أكثر هؤلاء من المسلمين، وقليل من المسيحيين، ومنهم من أظهر بالغ سخطه على الاستبداد الحميدي، ومصادرة الحريات، ومقاومة النزعات الاستقلالية في البلاد؛ وأغلب هؤلاء من السوريين والمسيحيين٢. ولكن مصر كما علمت فيما سبق كانت تشايع تركيا، ولا تتدعو إلى الانفصال عنها لأسباب عدة ذكرناها في موضعها، ولذلك كل الاتجاه العام حتى بين السوريين أنفسهم هو عدم تحدي الشعور المصري. وكان خليل مطران من أولئك الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم هربًا بحريتهم، وعاش في فرنسا ردحًا من الزمن، ولكنه وجد عنتًا من الفرنسيين بتحريض سفير تركيا، ووقف مترددًا بين النزوح إلى الغرب إلى "شيلي" أو الرجوع إلى الشرق، وفيه مصر مباءة الأحرار، ومثواهم الأمين، وقد تغلب حبة للعمل في ميدان الإصلاح فآثر الهجرة إلى مصر واتخذها دار إقامة، وشارك في تحرير الأهرام، وقد دلت كتاباته الصحفية، وقصائده التي قالها في تلك الحقبة على أنه لم يكن من الثائرين ضد تركيا الداعين إلى الانفصال عنها، وإنما كان يرجو لها الخير والإصلاح، وكان يدعو إلى الجامعية العثمانية مع الداعين، وهو يقول من قصيدته "فتاه الجبل الأسود": طغت أمة الجبل الأسود ... على الحكم فاتحها الأيد

стр. 556

فيها ويقول: وما الترك إلا شيوخ الحرو ... ب ومر تضعوها من المولد إذا ألقحوها الدماء فلا ... نتاج سوى الفخر والسؤدد سواء على المجد أيًّا تكن ... عواقب إقدامهم تمجد وقد فرح كما فرح المسلمون قاطبة بإعلان الدستور العثماني، وأنشد في حفل أقيم بفندق "شبرد" ابتهاجًا بهذا الحادث الذي كان يعد عظيمًا حيذاك، والذي رأيت أن شعراء مصر وغير مصر قد هللوا له وكبروا، وأثنوا على عبد الحميد الطاغية؛ لأنه منح قومه الحربة، وهم جند الخلافة والذادة عن حماها، فقال مطران مع القائلين: يا أيها ذا الوطن المفدى ... تلق بشرًا وتمل السعدا يا عيد ذكر من تناسى أننا ... لم نك من أبقة العبدي١ كنا على الأصفاد أحرارًا ... أن الرزايا ألزمتنا حدّا وقال من قصيدة أخرى، يصف فيها كيف تم هذا الانقلاب، وكيف جاهد أحرار تركيا حتى قضوا على عهد الاستبداد، وما شعور النازحين من ديارهم هربًا بحريتهم يوم أعلن الدستور، إلى غير ذلك من المعاني التي أوحى بها هذا الحادث: حييت خير تحية ... يا أخت شمس البرية حييت يا حرية الشمس للأشباح ... وأنت للأرواح كالشمس يا حرية كوني لنا عهد سعد ... وعصر فخر ومجد يدوم يا حرية ويقول عن المهاجرين الذين فروا من الاضطهاد التركي: من الجياع الظماء ... ألقتهم الدأماء

стр. 557

في كل أرض قصية أشتات جاه ومجد ... ضموا لأشرف قصد قامت به عصبية ويقول مخاطبًا عبد الحميد: عبد الحميد أصبتا ... بما إليه أجبتنا بنيك من أمنية لا ضير فيها عليكا ... والخير منها إليكا يعود قبل الرعية ما شارك الملك أمه ... في الحكم إلا أتمه بحكمة وروية وقد تألم العرب بعامة، والمسلمون بخاصة، حين اعتدى الطليان على طرابلس المسكينة وأرادوا انتزاعها من يد الدولة العثمانية وتصدى لها جنود الأتراك، وهب الناس في كل قطر إسلامي يدعون لمساعدتهم، وإغاثة الجرحى وإسعافهم، فقال داعيًا إلى إعانة أهل طرابلس، مصورًا ما وصلوا إليه من البؤس والفاقة، وما ذاقوه من حر الحرب، وما ارتكبه الطليان من فظائع: وارحتاه لقوم فارقوا النعما ... من غير ذنب لهم واستقبلوا النقما لولا بشاشة إيمان تثبتهم ... تخيروا دون تلك العيشة العدما ما حال أم لها طفل بجانبها ... غير المدامع في يوميه ما طمعا ورضع وجدوا الأثداء لاذعة ... كالجمر فانفطموا واستنكروا الحلما وغانيات أباحتها الخطوب فلو ... لم تعصم النفس ساء الفقر معتصما ويقول في تلك الحرب كذلك، عاتبًا على المتقاعسين عن نصرة تركيا ونصرة أهل طرابلس: صدقت في عتبكم أو يصدق الشمم ... لا المجد دعوى ولا آياته كلم يا أمتي حسبنا بالله سخرية ... منا، ومما تقاضى أهلها الذمم إن كان من نجدة فينا تفجُّعنا ... فليكفنا ذلنا، وليشفنا السقم

стр. 558

لا تنكروا عذلي هذا فمذرتي ... جرح بقلبي دام ليس يلتئم نحن الذين أبحنا الراصدين لنا ... حمى به كانت العقبان تعتصم وفيها يقول محييا الترك وشجاعتهم: أبناء "عثمان" حفَّاظ وقد عهدوا ... تاريخ "عثمان" فيه الفتح والعظم هم الحماة لأعلاق الجدود فلن ... يرضوا بأن ينثر العقد الذي نظموا أما موقفة حيال الاستعمار الإنجليزي، والأحزاب قبل الحرب الأولى، فقد كان من أول الأمر، حذرًا، يقف موقف الحيدة، خشية أن يميل به الرأي إلى جهة ما، فيتهم بمناصرتها، وقد اتخذ هذا الموقف لأنه كان يشعر بأنه دخيل في المحيط المصري١، هذا إلى محبته للعزلة وإيثاره لها، وقد تجلى هذا الحياد في المقالات العديدة التي كان ينشرها في الأهرام، على أنه ما لبث أن خاض غمار السياسة المصرية، ومال مع الحزب الوطني، وناصر مصطفى كامل بقلمه؛ ولا شك أنه ما قال في الترك ما قال، ولا سيما قصائد في حرب طرابلس، وفي الدستور العثماني، إلا وهو متأثر بسياسة الحزب الوطني، مع ما كان له من فكرة سابقة وجهاد قديم في سبيل الجامعة الإسلامية، ونلاحظ أنه لم يمدح عبد الحميد، ويرفع إليه التهاني في الأعياد وغيرها، كما كان يفعل سواه من الشعراء، ولم يكن من المنتظر من مثل مطران، وهو الذي ترك وطنه هربًا من الاضطهاد الحميدي، ولجأ إلى مصر ليتمتع بحرية الفكرة أن يمدح عبد الحميد الطاغية، بل إن له قصائد رمزية حمل فيها عبد الحميد الطاغية مثل قصيدة مقتل "بزرجمهر"٢، والتي يقدم لها بقوله: "اشتهر كسرى بالعدل وكان بلا نزاع أعدل ما يكون الملك المطلق في أحكامه بلاده، فإن كان ما وصفناه في هذه القصيدة إحدى جنايات مثله في العادلين، فما حال الملوك الظالمين؟ ". ونلاحظ أنه في الفترة التي سبقت اتصاله بالحزب الوطني كان ولا شك يغالب شعوره نحو الإنجليز، فقد وجد أن مصر في ذلك العهد تتمتع بحرية لم

стр. 559

يجدها في الشام، وأن كرومر قد منح الصحافة شيئًا من هذه الحرية، ولكنه كما ذكرنا كان يخشى أن يجاري بعض المهاجرين من أبناء وطنه في ميولهم الإنجليزية كأصحاب المقطم مثلًا؛ فيتهم بالميل لحزب من الأحزاب، ولذلك لا تجد له شعرًا في كرومر، أو في مدح السياسة الإنجليزية بمصر، وإنما قد انتهز فرصة وفاة الملكة فيكتوريا١ فرثاها بقصيدة أثنى فيها ثناء جمًّا على أبناء التاميز، وأشاد بقوتهم وعظمتهم كما رثاها حافظ إبراهيم حين كان متأثرًا بسياسة أستاذه الشيخ محمد عبده٢. وفي تلك القصيدة يقول مطران٣: بنوك فروع للعلى وأصول ... وملكك ما للشمس عنه أقول وسعدك في الأمثال سار ولم يكن ... له في سعود المالكين مثيل ويظهر أن طبيعة مطران كانت ميالة إلى الوطنية الصادقة، ولا شك أن مصر والشام كانتا في حالتين متشابهتين في جهاد كل منهما في سبيل الحرية، فكان يجد في الوطنية المصرية صدى لما في نفسه من نزعة للحرية ومتنفسًا لآماله كبتت يومًا ما، وقد وجد في مصطفى كامل زعيمًا قويًّا، ومجاهدًا صادقًا الجهاد، لا يدخر مالًا، أو شبابًا، أو حياة في سبيل مبدئه، فناصره، فنجد له قصيدة قالها في افتتاح مدرسة مصطفى كامل وقد تحولت إلى كلية٤، ولما مات مصطفى كامل رثاه مطران، وقد قدم لقصيدته في رثائه حين نشرها بالديوان في الطبعة الأولى بقوله: "مصاب الشرق في رجله المفرد، وبطله الأوحد، مصطفى باشا كامل، أيتها الروح العزيزة، إن في هذا الديوان الذي أختتمه برثائك، نفحات من نعمائك، ودعوات من دعواتك، فإلى هيكلك المدفون بالتكريم، تحية الأخ المخلص للأخ الحميم، ووداع المجاهد المتطوع للقائد العظيم". وهي قصيدة جمعت معاني جمة، فمن إظهار لما بلغه المصاب من نفوس المصريين بخاصة والشرقيين بعامة، لفقدهم هذا الأمل المرجى، والصوت الذي

стр. 560

أتى بعد أن رجف المرجفون بأن بلاد العروبة والإسلام تغط غطيطًا عميقًا، ولا تهفو إلى الحرية فدوى في الخافقين، وإشادة بعظمة الإسلام، وأنه دين الحضارة والعزة، وأن دفاع مصطفى عنه كان دفاعًا حقًّا عن دين أهل للسيادة، وأن مثل مطران في نضج عقله لا يسعه إلا أن ينبري للدفاع عنه: ولعل حرًّا لا يدين به انبرى ... ليذود عنه خصمه المتعسفا قد كان للإسلام عهد باهر ... نلنا به هذا الرقى مسلقًا ملأ البلاد إنارة وحضارة ... ومنى السماحة عوده مستأنفًا ويذكر فيها جهاد مصطفى في سبيل مصر، ويبين مواقفه الخالدات الباهرات: مصر العزيز قد ذكرت لك اسمها ... وأرى ترابك من حنين قد هفا وكأنني بالقبر أصبح منبرًا ... وكأنني بك موشك أن تهتفا مصر التي لم تحظ من نجبائها ... بأعز منك، ولم تعز بأحصفا مصر التي لم تبغ إلا نفعها ... في الحالتين ملاينا ومعنِّفا مصر التي غسلت يداك جراحها ... بصبيب دمعك جاريًّا مستنزفًا مصر التي كافحت لُدّ عداتها ... متصدرًا لرماتها مستهدفًا مصر التي سقت الجيوش مناقبًا ... ومنى لتكفيها المغير المجحفا مصر التي أحببتها الحب الذي ... بلغ الفداء نزاهة وتعففًا ثم يشيد بخلق مصطفى كامل، وقوة قلمه محررًا في صحفه العديدة، وبقوة لسنه، وشدة عارضته، حين يحاج خصوم مصر، ويفحمهم بالأدلة المقنعة، والبراهين الساطعة، بحرارة إيمانه وقوة يقينه. يحيي حرارتها ويهدي نورها ... متماهل الإشراق أو متخطفًا تالله ما أنت الخطيب وإنما ... وقف القضاء من المنصة موقفًا عن نقطة تقع الصروف مواعظًا ... وكأمره أمر الزمان مصرفًا إلى غير ذلك من المعاني الجليلة، ولا ينسى الغرس الذي وضعه مصطفى بيده في تربة مصر، وتعهده حتى نماه وكيف يجب على خلفائه من بعده، بل

стр. 561

على المصريين أجمعين أن يحافظوا عليه حتى يؤدي أكله طيبًا، ألا وهو حرية مصر كاملة. وقد ظل خليل مطران على تعاقب السنين يحفظ عهد مصطفى كامل، ويشيد بذكراه وله في سنة ١٩٣٣ قصيدة ألقاها في ذكرى مرور عام على وفاة حافظ إبراهيم، ضمنها وصفًا رائعًا للنهضة القومية، التي كونت حافظًا، وكيف أن هذه النهضة هي عرس مصطفى كامل وكيف تعهدها بجهاده إلى أن مات، وبموته كانت الآية التي تم بها استقرارها١، وفيها يقول عن حافظ معللًا نبوغه في الوطنيات: ما تجلى نبوغه كتجليه ... وقد هب مصطفى للجهاد يوم نادى الفتى العظيم قلبي ... من نبا قبله بصوت المنادي٢ وورى ذلك الشعور الذي كان ... كمينًا كالنار تحت الرماد يتجلى هذا الشعور كذلك في مراثيه لرجال الحزب الوطني فيرثي محمد أبو شادي وينوه بجهادها معًا في سبيل مصر، وما لا قيا من عنت وإرهاق: زمان قضينا المجحد فيه حقوقه ... ولم نله عن لهو ورشف رضاب محضنا به مصر الهوى لا تشويه ... شوائب من سؤل لنا وطلاب فداها ولم يكربه أن جار حكمها ... فذل محماميها وعز محاب فكم وقفة إذ ذاك والموت دونها ... وقفنا وما نلوي إتقاء عقاب وكم كرة في الصحف والسوط مرهق ... كررنا وما نرتاض غير صعاب ويرثي الشيخ عبد العزيز جاويش فيزفر زفرة حارة، ويبكي زمن الجهاد، والأيام التي صحب فيها هؤلاء الكرام الأعزة فيقول: طيبوا قرارا أيها الأعلام ... وعلى ثراكم رحمة وسلام مصر التي متم فداها أصبحت ... وكأنما فيها السرور حرام ذهب الأعزة "مصطفى" ورفاقه ... ما كاد يخلو من شهيد عام

стр. 562

ويرثي على فهمي كامل١، ويرثي أمين رافعي٢، ومحمد فريد٣، وغيرهم من أعلام الحزب الوطني، بل يؤيد الأحياء منهم في المعارك السياسية بعد إعلان الدستور، وها هو ذا يؤيد الأستاذ محمد محمود جلال من رجال الحزب الوطني في حملة انتخابية، ولم يؤيده سواه. يا من حمدت به اختبا ... ري في اختباري للصحاب وهكذا يظهر مطران في شتى الماسبات وفاءه للحزب الوطهني ورجاله، ولعل هذا ناشئ من أن عهد جهاده مع الحزب الوطني كان في أيام الشباب، وهي عزيزة الذكريات؛ ومن أنه وجد فيه تطرقًا في الوطنية يشبع نهم نفسه التي حرمت الجهاد في موطنها الأصلي. وقد أكرمت مصر مطران، واحتفت به وآثره الخديو عباس عبد وفاة مصطفى كامل بالعناية والرعاية؛ فساعده في شغل منصب الأمين المساعد بالجمعية الزراعية بعد أن أفلس على أثر مضاربات في السوق المالية، وشكا حاله في عشره. وأنعم عليه بالوسام المجيدي الثالث في أغسطس سنة "١٩١٢"٤، وقد أوعز إلى إسماعيل "باشا" أباظة الذي اشتهر بأدبه وباتصاله بالأدباء في ذلك الوقت؛ وفي أن يوحي للأدباء المصريين والسوريين بإقامة حفل يكرمون مطران، وقد أقيم هذا الحفل في إبريل سنة ١٩١٣ تحت رعاية الخديو عباس، وناب عنه فيه الأمير "السابق" محمد علي، وأثنى على مطران ثناء جمًا٥، وأغدق عليه الشعراء المصريون المشهورون جليل الثناء، فكرمه شوقي وحافظ وإسماعيل صبري وأحمد نسيم وغيرهم، وما قاله الأمير "السابق" محمد علي في حديثه له٦: "قد عرفت مطران من عهد والدى حتى الآن، فرأيته امتاز بانصرافه كل هذا الزمان إلى المحافظة على خطة ولاء مستقيمة لم يحد عنها كل حياته القلمية

стр. 563

في مصر، وهذا الثبات على المبادئ والإخلاص الدائم لمصر والمصريين هو فضيلة يجب اعتبارها وإكرام المتحلى بها". وقد كان لعطب عباس عليه أثر في شعره فمدحه بأكثر من قصيدة١. ولكنه بعد أن خلع عن العرش لم يذكره مطران بكلمة خشية سلطة اللاحتلال، وقد مرت فترة الحرب العالمية الأولى، وما عانته مصر في خلالها من عسف وظلم، وهو صامت لا يتكلم، فلما اضطرمت نار الثورة المصرية، وظهرت على مسرح السياسة وجوه جديدة، خص منها بالمحبة والثناء سعد زغلول، وإن لم يكن له في الثورة وحوادثها الدامية، وظلم المحتل الغشوم وجبروته أي كلمة وأول صوت نسمعه له هو تحية "سعد" حين عودته من سيشل٢ بقصيدته التي مطلعها: خفت لطلعة وجهك الأعلام ... ومشت تحيط بركبك الأعلام٣ ولكنه يقف بعد ذلك من الحوادث المصرية موقفه الأول، وهو الحياد، والترقب؛ لأنه ثمة أحزابًا، وانشقاقًا في الصفوف، ويخشى أن يتهم بالميل لهذا الحزب أو ذاك فيجني عليه هذا الاتهام، والحزبية في مصر قاسية لا تغفر للمرء حسن ماضيه، وعظيم بلائه في سبيل بلاده، وتراه يرثي زعماء الأحزاب قاطبة: ثروت، وعدلي، وسعد، ولا يقول إلا في الأمور الوطنية العامة كتمثال نهضة مصر، وعيد الجلاء، وتمثال سعد، وتمثال مصطفى كامل وما شابهها، وانصرف إلى العمل في خدمة المسرح المصري، مديرًا للفرقة القومية، وعكف على قول الشعر الخالد. وثمة شاعر آخر يمثل لونًا في السياسة والشعر غير ألوان هؤلاء الذين ذكرناهم، وهو ولي الدين يكن، أهمله مؤرخو الأدب والنقاد المصريون، فلا يعرف عنه الناس إلا قليلًا؛ وذلك لأنه لم يكن ذلك الوطني المصري المخلص، بل كان من حزب الاحتلال، ورجال كرومر.

стр. 564

وكان ولي الدين أول أمره من دعاة الجامعة الإسلامية، وممن يعني بشئون تركيا، أكثر من عنايته بشئون مصر، ويدعو لتأييد حكومتها، ويدافع عن عبد الحميد ورجاله ولما رحل إلى تركيا فيما بين عامي ١٨٩٥، ١٨٩٦، وأقام بها ثمانية أشهر غمره فيها عبد الحميد بعطفه ورضاه، وأنعم عليه بالمرتبة الثانية، ولكنه شاهد في أثناء مقامه الفساد الذي عم الأداة الحكومية التركية، والعسف والاضطهاد للأحرار، والوشاية، والرشوة، فرجع إلى مصر حانقًا ساخطًا على هذا الفساد. داعيًا إلى الإصلاح، وأنشأ جريدة الاستقامة في سنة ١٨٩٧، وجعلها اللسان المعبر للأحرار المهاجرين إلى مصر والذين تمتلئ قلوبهم غيظًا وموجدة على ما لاقوا وما تلاقى أوطانهم من ظلم عبد الحميد، وعدوان رجاله، فمنعتها الحكومة التركية بعد قليل من دخول ولاياتها، وصار يكتب في جريدة المشير١ والمقطم والقانون الأساسي٢. وكان عبد الحميد يجد كل الجد في استرضاء هؤلاء الثائرين، ويعدهم الوعود الخلابة، ويمنيهم بتحقيق الإصلاح المنشود، وإعلان الدستور فدعا إليه ولي الدين فيمن دعا، فسافر إلى الآستانة سنة ١٨٩٨، وعين في مجلس المعارف الأعلى، ولكن ما لبث أن سئم تلك الحياة الفاسدة، فكان على خصام دائم مع رجال الحكومة، وأخذ يطعن عليهم جميعًا في الصحف الأجنبية فنفي إلى "سيواس" بالأناضول، وظل في منفاه إلى أن أعلن الدستور سنة ١٩٠٨ فعفي عنه، ورجع إلى مصر، ووجد في صمر "خليفة كرومر" يحوط هؤلاء الساخطين على تركيا بعنايته ورعايته، فأخذ ولي الدين بعد عودته يكتب في الأهرام والمقطم والمؤيد والرائد المصري٣ والزهور٤ ثم أنشأ جريدة "الإقدام" في الإسكندرية سنة ١٩١٣، وعين كاتبًا في وزارة العدل حتى سنة ١٩١٤، وبعد أن تولى السلطان

стр. 565

حسين عرش مصر لقى منه عطفًا شديدًا فعين كاتبًا في الديوان السلطاني، ونعم بقربه، وخصه بأحسن مدائحه. قال ولي الدين يكن في أول مقال له بجريدة المقطم بعد عودته من زيارته الأولى لتركيا، وشاهد عن كثب الفساد الشامل من الأداة الحكومية: "هذا قلم أرن القوس صائب الرمية فلأجرينه حتى لا تبقى من دار الظلم لبنة على لبنة، وبياض على سواد، ولأسيرن قوارعه شربًا في كل قاتم الأعماق، شاسع الأطراف، إلى أن يقول نصير الحمية: لبيك، ونستريح وإخواننا مما نحن فيه". واحتضنته الحكومة البريطانية كما احتضنت غيره من الساخطين على تركيا، فازداد لها حبًّا، وأصبح لا يذكرها إلا بكل خير، ولا يذكر عميدها اللورد كرومر إلا أشاد بفضله ونعته أحسن النعوت، ودعاه مصلح مصر، وأبا المصريين المشفق١، قال في المعلوم والمجهول: "ولا أظن رجلًا يشفق اللورد كرومر على المصريين، فهو أبو حريتهم، ومصدر إنصافهم، ومورد سعدهم إلا أنه كان يخدم من يحبونه". وكان من المناوئين لمصطفى كامل، ويرى استعانته بسياسة فرنسا قبل الاتفاق الودي في سنة ١٩٠٤ خطأ جسيمًا، بل يرى أن فرنسا هي التي خلقت مصطفى كامل. ويرى أن مصر ليست للمصريين بل هي للعثمانيين فقال عن عبد الله نديم: "وإنما أحدث الخلاف بيننا أنه كان عدوًا للعثمانيين، وهو من قدماء من يقولون: "مصر للمصريين" ونحن نقول: "مصر للعثمانيين" وعلى أن ولي الدين يريدها ولاية عثمانية محكومة بيد إنجليزية. ولعلك ترى من هذه الصورة الموجزة أن ولي الدين من الأدباء الذين فسدت عقيدتهم الوطنية، والتوت أفكارهم في طرق معوجة ونظروا إلى الأمور نظرة ساذجة، واغتر بالحرية الكاذبة التي منحها الإنجليز للصحافة في مصر، مع أنهم يريدون بينهم الفرقة ويمدون لهم في حرية القول وهو أهون الأمور لديهم،
следующие страницы →