← Адаб

Адаб · id 11565

في الأدب الحديث

عمر الدسوقي

Полный текст (895 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

على المصريين أجمعين أن يحافظوا عليه حتى يؤدي أكله طيبًا، ألا وهو حرية مصر كاملة. وقد ظل خليل مطران على تعاقب السنين يحفظ عهد مصطفى كامل، ويشيد بذكراه وله في سنة ١٩٣٣ قصيدة ألقاها في ذكرى مرور عام على وفاة حافظ إبراهيم، ضمنها وصفًا رائعًا للنهضة القومية، التي كونت حافظًا، وكيف أن هذه النهضة هي عرس مصطفى كامل وكيف تعهدها بجهاده إلى أن مات، وبموته كانت الآية التي تم بها استقرارها١، وفيها يقول عن حافظ معللًا نبوغه في الوطنيات: ما تجلى نبوغه كتجليه ... وقد هب مصطفى للجهاد يوم نادى الفتى العظيم قلبي ... من نبا قبله بصوت المنادي٢ وورى ذلك الشعور الذي كان ... كمينًا كالنار تحت الرماد يتجلى هذا الشعور كذلك في مراثيه لرجال الحزب الوطني فيرثي محمد أبو شادي وينوه بجهادها معًا في سبيل مصر، وما لا قيا من عنت وإرهاق: زمان قضينا المجحد فيه حقوقه ... ولم نله عن لهو ورشف رضاب محضنا به مصر الهوى لا تشويه ... شوائب من سؤل لنا وطلاب فداها ولم يكربه أن جار حكمها ... فذل محماميها وعز محاب فكم وقفة إذ ذاك والموت دونها ... وقفنا وما نلوي إتقاء عقاب وكم كرة في الصحف والسوط مرهق ... كررنا وما نرتاض غير صعاب ويرثي الشيخ عبد العزيز جاويش فيزفر زفرة حارة، ويبكي زمن الجهاد، والأيام التي صحب فيها هؤلاء الكرام الأعزة فيقول: طيبوا قرارا أيها الأعلام ... وعلى ثراكم رحمة وسلام مصر التي متم فداها أصبحت ... وكأنما فيها السرور حرام ذهب الأعزة "مصطفى" ورفاقه ... ما كاد يخلو من شهيد عام

стр. 562

ويرثي على فهمي كامل١، ويرثي أمين رافعي٢، ومحمد فريد٣، وغيرهم من أعلام الحزب الوطني، بل يؤيد الأحياء منهم في المعارك السياسية بعد إعلان الدستور، وها هو ذا يؤيد الأستاذ محمد محمود جلال من رجال الحزب الوطني في حملة انتخابية، ولم يؤيده سواه. يا من حمدت به اختبا ... ري في اختباري للصحاب وهكذا يظهر مطران في شتى الماسبات وفاءه للحزب الوطهني ورجاله، ولعل هذا ناشئ من أن عهد جهاده مع الحزب الوطني كان في أيام الشباب، وهي عزيزة الذكريات؛ ومن أنه وجد فيه تطرقًا في الوطنية يشبع نهم نفسه التي حرمت الجهاد في موطنها الأصلي. وقد أكرمت مصر مطران، واحتفت به وآثره الخديو عباس عبد وفاة مصطفى كامل بالعناية والرعاية؛ فساعده في شغل منصب الأمين المساعد بالجمعية الزراعية بعد أن أفلس على أثر مضاربات في السوق المالية، وشكا حاله في عشره. وأنعم عليه بالوسام المجيدي الثالث في أغسطس سنة "١٩١٢"٤، وقد أوعز إلى إسماعيل "باشا" أباظة الذي اشتهر بأدبه وباتصاله بالأدباء في ذلك الوقت؛ وفي أن يوحي للأدباء المصريين والسوريين بإقامة حفل يكرمون مطران، وقد أقيم هذا الحفل في إبريل سنة ١٩١٣ تحت رعاية الخديو عباس، وناب عنه فيه الأمير "السابق" محمد علي، وأثنى على مطران ثناء جمًا٥، وأغدق عليه الشعراء المصريون المشهورون جليل الثناء، فكرمه شوقي وحافظ وإسماعيل صبري وأحمد نسيم وغيرهم، وما قاله الأمير "السابق" محمد علي في حديثه له٦: "قد عرفت مطران من عهد والدى حتى الآن، فرأيته امتاز بانصرافه كل هذا الزمان إلى المحافظة على خطة ولاء مستقيمة لم يحد عنها كل حياته القلمية

стр. 563

في مصر، وهذا الثبات على المبادئ والإخلاص الدائم لمصر والمصريين هو فضيلة يجب اعتبارها وإكرام المتحلى بها". وقد كان لعطب عباس عليه أثر في شعره فمدحه بأكثر من قصيدة١. ولكنه بعد أن خلع عن العرش لم يذكره مطران بكلمة خشية سلطة اللاحتلال، وقد مرت فترة الحرب العالمية الأولى، وما عانته مصر في خلالها من عسف وظلم، وهو صامت لا يتكلم، فلما اضطرمت نار الثورة المصرية، وظهرت على مسرح السياسة وجوه جديدة، خص منها بالمحبة والثناء سعد زغلول، وإن لم يكن له في الثورة وحوادثها الدامية، وظلم المحتل الغشوم وجبروته أي كلمة وأول صوت نسمعه له هو تحية "سعد" حين عودته من سيشل٢ بقصيدته التي مطلعها: خفت لطلعة وجهك الأعلام ... ومشت تحيط بركبك الأعلام٣ ولكنه يقف بعد ذلك من الحوادث المصرية موقفه الأول، وهو الحياد، والترقب؛ لأنه ثمة أحزابًا، وانشقاقًا في الصفوف، ويخشى أن يتهم بالميل لهذا الحزب أو ذاك فيجني عليه هذا الاتهام، والحزبية في مصر قاسية لا تغفر للمرء حسن ماضيه، وعظيم بلائه في سبيل بلاده، وتراه يرثي زعماء الأحزاب قاطبة: ثروت، وعدلي، وسعد، ولا يقول إلا في الأمور الوطنية العامة كتمثال نهضة مصر، وعيد الجلاء، وتمثال سعد، وتمثال مصطفى كامل وما شابهها، وانصرف إلى العمل في خدمة المسرح المصري، مديرًا للفرقة القومية، وعكف على قول الشعر الخالد. وثمة شاعر آخر يمثل لونًا في السياسة والشعر غير ألوان هؤلاء الذين ذكرناهم، وهو ولي الدين يكن، أهمله مؤرخو الأدب والنقاد المصريون، فلا يعرف عنه الناس إلا قليلًا؛ وذلك لأنه لم يكن ذلك الوطني المصري المخلص، بل كان من حزب الاحتلال، ورجال كرومر.

стр. 564

وكان ولي الدين أول أمره من دعاة الجامعة الإسلامية، وممن يعني بشئون تركيا، أكثر من عنايته بشئون مصر، ويدعو لتأييد حكومتها، ويدافع عن عبد الحميد ورجاله ولما رحل إلى تركيا فيما بين عامي ١٨٩٥، ١٨٩٦، وأقام بها ثمانية أشهر غمره فيها عبد الحميد بعطفه ورضاه، وأنعم عليه بالمرتبة الثانية، ولكنه شاهد في أثناء مقامه الفساد الذي عم الأداة الحكومية التركية، والعسف والاضطهاد للأحرار، والوشاية، والرشوة، فرجع إلى مصر حانقًا ساخطًا على هذا الفساد. داعيًا إلى الإصلاح، وأنشأ جريدة الاستقامة في سنة ١٨٩٧، وجعلها اللسان المعبر للأحرار المهاجرين إلى مصر والذين تمتلئ قلوبهم غيظًا وموجدة على ما لاقوا وما تلاقى أوطانهم من ظلم عبد الحميد، وعدوان رجاله، فمنعتها الحكومة التركية بعد قليل من دخول ولاياتها، وصار يكتب في جريدة المشير١ والمقطم والقانون الأساسي٢. وكان عبد الحميد يجد كل الجد في استرضاء هؤلاء الثائرين، ويعدهم الوعود الخلابة، ويمنيهم بتحقيق الإصلاح المنشود، وإعلان الدستور فدعا إليه ولي الدين فيمن دعا، فسافر إلى الآستانة سنة ١٨٩٨، وعين في مجلس المعارف الأعلى، ولكن ما لبث أن سئم تلك الحياة الفاسدة، فكان على خصام دائم مع رجال الحكومة، وأخذ يطعن عليهم جميعًا في الصحف الأجنبية فنفي إلى "سيواس" بالأناضول، وظل في منفاه إلى أن أعلن الدستور سنة ١٩٠٨ فعفي عنه، ورجع إلى مصر، ووجد في صمر "خليفة كرومر" يحوط هؤلاء الساخطين على تركيا بعنايته ورعايته، فأخذ ولي الدين بعد عودته يكتب في الأهرام والمقطم والمؤيد والرائد المصري٣ والزهور٤ ثم أنشأ جريدة "الإقدام" في الإسكندرية سنة ١٩١٣، وعين كاتبًا في وزارة العدل حتى سنة ١٩١٤، وبعد أن تولى السلطان

стр. 565

حسين عرش مصر لقى منه عطفًا شديدًا فعين كاتبًا في الديوان السلطاني، ونعم بقربه، وخصه بأحسن مدائحه. قال ولي الدين يكن في أول مقال له بجريدة المقطم بعد عودته من زيارته الأولى لتركيا، وشاهد عن كثب الفساد الشامل من الأداة الحكومية: "هذا قلم أرن القوس صائب الرمية فلأجرينه حتى لا تبقى من دار الظلم لبنة على لبنة، وبياض على سواد، ولأسيرن قوارعه شربًا في كل قاتم الأعماق، شاسع الأطراف، إلى أن يقول نصير الحمية: لبيك، ونستريح وإخواننا مما نحن فيه". واحتضنته الحكومة البريطانية كما احتضنت غيره من الساخطين على تركيا، فازداد لها حبًّا، وأصبح لا يذكرها إلا بكل خير، ولا يذكر عميدها اللورد كرومر إلا أشاد بفضله ونعته أحسن النعوت، ودعاه مصلح مصر، وأبا المصريين المشفق١، قال في المعلوم والمجهول: "ولا أظن رجلًا يشفق اللورد كرومر على المصريين، فهو أبو حريتهم، ومصدر إنصافهم، ومورد سعدهم إلا أنه كان يخدم من يحبونه". وكان من المناوئين لمصطفى كامل، ويرى استعانته بسياسة فرنسا قبل الاتفاق الودي في سنة ١٩٠٤ خطأ جسيمًا، بل يرى أن فرنسا هي التي خلقت مصطفى كامل. ويرى أن مصر ليست للمصريين بل هي للعثمانيين فقال عن عبد الله نديم: "وإنما أحدث الخلاف بيننا أنه كان عدوًا للعثمانيين، وهو من قدماء من يقولون: "مصر للمصريين" ونحن نقول: "مصر للعثمانيين" وعلى أن ولي الدين يريدها ولاية عثمانية محكومة بيد إنجليزية. ولعلك ترى من هذه الصورة الموجزة أن ولي الدين من الأدباء الذين فسدت عقيدتهم الوطنية، والتوت أفكارهم في طرق معوجة ونظروا إلى الأمور نظرة ساذجة، واغتر بالحرية الكاذبة التي منحها الإنجليز للصحافة في مصر، مع أنهم يريدون بينهم الفرقة ويمدون لهم في حرية القول وهو أهون الأمور لديهم،

стр. 566

والقول ينفس عن المصريين، فلا يلجئون للفعل، ولما طال زمن الكبت في خلال الحرب العالمية الأولى وما قبلها، انفجر المرجل، وشبت الثورة. ولقد أردت بذكر شيء عن ولي الدين يكن في هذا المقام أن أعطي صورة واضحة لتأثير السياسة في الشعر، وأن واجبي وأنا أؤرخ هذه الحقبة ألا أهمل أدبيًا تعود الناس إهماله لأنه انحرف عن جادة الحق. لقد نجح الإنجليز بعض النجاح في جذب بعض الأقلام إليهم، وقد كاد حافظ إبراهيم ألا يحظى بلقب شاعر النيل، وأن يكون بوقًا من أبواقهم، لولا موت أستاذه محمد عبده، ولولا أنه مصري فيه بقية من خير جعلته يستجيب لدعاة الوطنية الصحيحة. أما ولي الدين يكن فلم يكن مصريًّا كامل المصرية، وكان مصريًّا بالوطن والإقامة تركيا بالمولد والجنس والعاطفة، وكانت الحرية التي يدعو إليها حرية مصر وتمتعها باستقلالها التام خالصًا دون الترك والإنجليز، بل هي حرية القول، والخوض في تركيا والدعوة إلى أن تظل مصر مفيدة بِغُلَّيْنِ. الغل التركي والغل الإنجليزي، وهذا لعمري خلط في فهم الأشياء وتسميتها بغير أسمائها الصحيحة. كان بعد تركيا وطنه الصحيح، إنه في مصر تركي مهاجر، ومصر ولاية تركية في نظره، وإن تمتعت بشيء من الحرية لوجود الإنجليز بها فلهم منه الثناء، وهذا مجمل رأيه السياسي، واستمع إليه يقول بعد عودته من تركيا لأول مرة يصور ما بها من فساد: يا وطنًا قد جرى الفساد به ... متى يرينا إصلاحك الزمن دفنت حيا وما دنا أجل ... ما ضر لو دافنوك قد دفنوا عز علينا "فروق" من قطنوا ... فيك فهم في العذاب قد قطعوا ولما قال شوقي قصيدته المشهورة: سل يلدزا ذات القصور ... هل جاءها نبأ البدور بعد خلع السلطان عبد الحميد ١٩٠٩، ورثى فيها حال السلطان المخلوع ردّ عليه ولي الدين يكن بقصيدة من الوزن والقافية، يندد فيها بحكم عبد الحميد

стр. 567

ويشمت به، ويقول في أولها مخاطبًا شوقي وعاتبًا عليه هذا الشعور الذي تنافى مع وجهة نظر المهاجرين: هاجتك خالية القصور ... وشجتك أفلة البدو وذكرت سكان الحمى ... ونسيت سكان القبور وبكيت بالدمع الغريـ ... ـر لباعث الدمع الغزير ولأهب المال الكثـ ... ـير وناهب المال الكثير حلمي الثغور الباسما ... ت مضيع أهلة الثغور ويقول من قصيدة أخرى متشفيًا في عبد الحميد، شامتًا به أشنع شماتة: نعم عبد الحميد أندب زمانًا ... تولى ليس يحمده سواكا تولى بين أبكار حسان ... تعلق في غدائراها نهاكا جعلت فداءها الدنيا جميعًا ... ومذ ملكتها جعلت فداكا وطال سراك في ليل التصابي ... وقد أصبحت لم يحمد سراكا أما عن ولائه للإنجليز ومدحه إياهم ففي ديوانه أكثر من قصيدة تنم عن إعجاب وولاء وتضفي عليهم عاطر المدح والثناء، فثمة قصيدة إلى "تومي إتكنس سدين الحرية وحاميها". إلى تومي إنكنس مني الثناء ... يزيد على الرمل في عده يفيد الربيع إذا فاض فيه ... ندى زهره، وشاذا ورده فلا يعرف السلم ندًّا له ... ولا يقع الحرب في لده ويقول في رثاء الملك إدوارد السابع١: وداعًا أيها الملك الجليل ... دنا سفر ومهدت السبيل بكى التاميز صاحبه المفدى ... فجاوبه هنا هرم ونيل أبا الأحرار لا ينساك حر ... شبابهمو يجلك والكهول

стр. 568

ويودع "الجنرال مكسويل" في سنة ١٩١٦ ويرجو أن يعود ثانية إلى مصر بقوله: سنذكر منك أخلاقًا حسانًا ... تزيد على النوى حسنًا وطيبًا ونتبعك الثناء بكل أرض ... يقوم إذا نزلت بها خطيبًا تودعك الأهلة مشرقات ... تحيي في مطالعها الصليبا لقد أمتعتها بالسلم حتى ... نكاد اليوم لا ندري الحروبا فعش يا ماكسويل لود مصر ... ونرجو بعد ذلك أن تؤوبا وعلى النقيض من هذا الأديب الذي اختلت بين يديه موازين السياسة، وقيم الأشياء، فراح يعتسف الطريق، ونجد شاعرين آخرين يجري في عروقهما الدم التركي، ولكنهما كانا مثلًا عاليًا في الوطنية الصادقة على اختلاف يسير بين نهجيهما، أعني بهما: أحمد محرم، وأحمد الكاشف. أما أحمد محرم فقد جمع إلى حماسته الوطنية، عاطفة دينية جياشة، والدين -كما ذكرنا آنفًا- يدعو إلى العزة والكرامة والسيادة، وقد صدق محرم حين قال: خلق العروبة أن تجد وتدأبا ... وسجية الإسلام أن يتغلبا كان أحمد محرم في أول أمره من دعاة الجامعة الإسلامية في ظل تركيا، وقد عرفت موقف مصر من هذه الدعوة ممثلًا في شعرائها الذين أسلفنا الكلام عنهم، وفي زعمائها الوطنيين، ينظر بعضهم إلى هذه الفكرة نظرة دينية، وينظر بعضهم إليها نظرة سياسية؛ لأن إنجلترا الغاصبة لا تملك وثيقة دولية تؤيد بقاءها في مصر، بينما قد اعترفت الدول جميعًا بمركز تركيا في هذه الديار، وكان أحمد محرم يتعلق بتركيا لسببين: ديني وجنسي، استمع إليه يدعو المسلمين جميعًا إلى الالتفاف حول راية الخلافة: هبوا بني الشرق لا نوم ولا لعب ... حتى تعد القوى أو تؤخذ الأهب ماذا تظنون إلا أن يحاط بكم ... فلا يكون لكم منجى ولا هرب كونوا بها أمة في الدهر واحدة ... لا ينظر الغرب يومًا كيف نحترب

стр. 569

ما للسياسة تؤذينا وتبعدنا ... عما يضم قوانا حين تقترب أغرت بنا الخلف حتى اجتاح قوتنا ... وطاح بالشرق ما نجني وترتكب ولم يكن يصدق أن تركيا ضعيفة، وأنها سميت في عالم السياسة بالرجل المريض، وأن الفساد قد دب في جسمها كله، وأنها على وشك الانهيار إن لم تتداركها يد الله، والإصلاح. وليس يزول ملك الترك حتى ... تزول الأرض أو تهوى السماء ويرى أنهم أهل لأن يتولوا شئون الخلافة، ويراعوا حقوقها، فهم عنها الذادة الأشاوس، وهم الذين انتهجوا خير منهج، وفاته أنهم منذ أن خرجوا من ديارهم غازين للبلاد الإسلامية سبب نكبتها، وما تردت فيه من جهل وذل وانحلال، ضعفت بضعفهم، وفسدت بفسادهم؛ فانهارت بانهيارهم حتى صارت لقمة مستطابة لذائب الغرب. لولا بنو عثمان والسنن ... شرعوا لما وضح السبيل الأقوم سطعوا بآفاق الخلافة فانجلى ... عنها من الحدثان ليل مظلم فهم ولاة أمورها وكفاتها ... وهم حماة ثغورها وهُم هُم وهو الشاعر الوحيد الذي دافع عن عبد الحميد، وأسف أشد الأسف لما أصابه بعد عزله في سنة ١٩٠٩، وقد أهمه وأحزنه أن رأى بعض الناس قد شمتوا به وهم الذين كانوا يلهجون بحمده، ويعيشون في نعمائه: كأن بغاة الجود والمجد لم تفد ... عليه، ولم تهطل عليهم مواهبه كأن بغاة الشعر لم تغش بابه ... بمستعليات تزدهيها مناقبه كأن الأولى زانوا المنابر باسمه ... أحلوا بدين الله ما لا يناسبه ثم أخذ يدافع عنه بحمية، وقد رأى الأعداء كثرًا، وكل يعدد مثالبه: ألم يستطر يومًا لخطب مساور ... محافظة من أن تسوء عواقبه ألا راحم هل من شفيع أما كفى ... أكل بني الدنيا عدو يغاضبه أكل مآتيه ذنوب أكله ... عيوب؟ ألا من منصف إذا نحاسبه

стр. 570

ويحاول أن يبرئ عبد الحميد مما وصم به، ويلقي التبعة على أتباعه وأعوانه، وحاشيته فهم الذين غشوه، وزينوا له الباطل، وخوفوه الموت، وافتروا عليه الكذب، ولذلك هم أولى بالعقاب دونه. أليس الأولى غشوه أجدر بالأذى ... وأولى الورى بالشر من هو جالبه هم اكتفوه بالدسائس وافتروا ... من القول ما يصمى عن الرشد كاذبه وهم خوفوه الموت حتى كأنما ... يلاقيه في الماء الذي هو شاربه ولا ريب أن أحمد محرم كان يصدر في مثل هذا الشعر عن نظرة سامية لمنصب الخليفة وبعده رمزًا لآمال المسلمين، ولا يريد أن تسوء سيرته في أذهان الناس، فتنتقص الخلافة معه، وتتزلزل مكانتها في النفوس، وقد لام صديقه أحمد الكاشف لأنه نشر قصيدة تهجم فيها على تركيا بعد أن كان يمدحها ويمدح خلفاءها ويشيد بهمم جندها وبلائهم في الحروب ويصور هزائمهم انتصارات، وسيئاتهم حسنات، ويعيب عليه كيف يذم بني جنسه، وفيه دم تركي، وذلك حين يقول له: عذلت بني عثمان والعذل يؤلم ... وملت عن المدح الذي كنت تنظم يلي! إنها الأوطان هاجك أنها ... بأدي بني التاميز نهب مقسم فجردت غضبًا ذا غرارين مخدمًا ... تسيل المنايا منه أو يقطر الدم حنانك في القوم الألي أنت منهم ... ورأيك في الأهل الذين هُم هُم ولمال اشتدت الحركة الوطنية بمصر على يد مصطفى كامل، وظهر من يدعو للقوية المصرية خالصة من دون الترك والإنجليز، نرى أحمد محرم يلبي الدعوة قويًّا صريحًا جريئًا شأن المؤمن الذي لا يرهب إلا الله، ولا يبالي أصابه الضر فيما يقول أم الخير، وقد قال في الرد على خطبة كرومر التي رمى فيها المصريين بالتعصب، وحمل على الإسلام حملة ظالمة قصيدة طويلة مطلعها: رويدك أيها الجبار فينا ... فإن الرأي ألا تزدرينا وطالما تغنى بحب مصر وأمجادها، بعد أن يئس من تركيا وتحطم المثل

стр. 571

الأعلى في نفسه وتقطعت الأسباب التي كانت تصله بها بعد إعلان الحماية على مصر، ثم زوال الخلافة نفسها. فإن يسألوا ما حب مصر فإنه ... دمى وفؤادي والجوانح والصدر أخاف وأرجو وهي جهد مخافتي ... ومرمى رجائي لا خفاء ولا نكر هي القدر الجاري، هي السخط والرضا ... هي الدين والدنيا، هي الناس والدهر بذلك آمنًا، فيا من يلومنا ... لنا في الهوى إيماننا ولك الكفر ويقول في قصيدة أخرى: وهبت الصبا والشيب والشوق والهوى ... لمصر وإن لم أقض حق الهوى مصرًا وقد وقف من الأحزاب المصرية موقف الناصح الأمين، لا يميل به الهوى إلى حزب دون آخر، يمحضهم النصح، ويستحثهم على الوحدة، والتمسك بالأهداف العليا للقومية المصرية، استمع إليه بنصح الوفد المصري حين ذهب لأوربا برئاسة سعد زغلول للدفاع عن القضية المصرية، والمطالبة بحقوقها: وفد الكنانة هل حملت رجاءها ... أم قد حملت أمانة الأزمان؟ الدهر عين والمماليك السن ... النيل قلب دائم الخفقان قل للألى وزنوا الشعوب: تذكروا ... في مصر شعبًا راجح الميزان وإذا رماك أولو الخصومة فارمهم ... بالحجة الكبرى وبالبرهان وإن كان هواه مع الحزب الوطني، حتى لقد أتهم بأنه من حساد "سعد"، مع أنه كان وطنيًّا مخلصًا لا يرتضى أنصاف الحلول، ولا يقنع إلا بالاستقلال الكامل، وقد قال يرد على هؤلاء الذين اتهموة بمناوأة "سعد"، يبين لهم رأيه في الاستقلال المزعوم، وأنه كان يرجو أن يكون سعد فوق السحاب، تنال البلاد خيرها واستقلالها التام على يديه، لا ذلك الاستقلال الذي سماه الاستقلال الذائب. دعاة الخير والإصلاح مرحى ... رضيناكم وإن كنتم غصابا رضيناكم على أن تنصفونا ... وألا تظلموا الشعب المصابا

стр. 572

أفي الإنصاف ألا توردوه ... على طول الصدى إلا سرابا زعمتم أننا حساد سعد ... وقلتم قول من جهل الصوابا ولو ركب الجواد بمصر سعد ... لقلنا ليته ركب السحابا كفى يا قوم بهتانا وزورًا ... فقولوا الحق واجتنبوا السبابا لأنتم خير من يرجى لمصر ... ولكنا نرى العجب العجابا وفي استقلالكم بعض المزايا ... ولكنا لمسناه فذابا لم يكن محرم في الواقع حزبيًّا، ولكنه كان شديد الحمية في التعصب لوطنه، استمع إليه حين الخلاف بين أعضاء الوفد المصري، وشاعت الفرقة يقول مشفقًا على وطنه من هذا النزاع: إذا اختلفوا أو اتفقوا فإنا ... سوى استقلال مصر لا نريد إذا لم يحفظ استقلال مصر ... فلا سعد يطاع ولا سعيد رجاء الشعب -لا الأحزاب تجدي ... إذا ضاع الغداة ولا الوفود نطيع العاملين ونفتتديهم ... وننصرهم إذا اشتد الوعيد إذا اعتصموا فنحن لهم حصون ... وإن زحفوا فنحن لهم جنود بأظهرنا وأيدينا جميعًا ... تحصن مصطفى ورمى فريد لقد كان حب مصر يملك عليه شغاف قلبه، حتى ليعز عليه أن يفرط في أي حق من حقوقها، وهو الذي قال فيها: وهبت الصبار الشيب والهوى ... لمصر وإن لم أقض حق الهوى مصرا بلاد حبتنى أرضها وسماؤها ... حياتي وأجرى نيلها في دمي الدرا أجل! كان محرم وطنيًّا شديد الغيرة على وطنه، متعصبًا في الحق. ليسا لتعصب للرجال معرة ... إن الكريم لقومه يتعصب

стр. 573

لقد غضب حين رضى قومه بالاستقلال الزائف، وتوج الجهاد الطويل بالخداع والمداهنة، ولذلك كان جريئًا في لومه وتعنيفه لساسة مصر حينذاك ولقد تميز محرم دائمًا بالجرأة، ولما رأى من عباس انحرافًا عن الجادة، ومهادنة للإنجليز، واستنزافًا لمال الشعب، وانصرافًا عن الإصلاح لم يتردد في أن يقول فيه ما كان يعد في ذلك الوقت جريمة، ويعرض صاحبه للعقاب الصارم: أضر الناس ذو تاج تولى ... فما نفع البلاد ولا أفادا وكان على الرعية شر راعٍ ... وأشأم مالك في الدهر سادا وتدعوه الرعية وهو لاهٍ ... فتصدع دون مسمعه الجمادا حياة توسع الأخيرا عارًا ... وذكر يملأ الدنيا سوادا فإيه يا عزيز النيل إيه ... أما ترضى لملكك أن يشادا وللشعب المصفّد أن تراه ... وقد نزع الأداهم والصفادا وقد قال بيته المشهور يعرض بعباس وقد سمن على دماء الشعب، بينما صار الشعب هزيلًا. رأيت الشعب والأمثال جم ... على ما كان مالكه يكون وأعجبت ما أرى شعب نحيف ... يسوس قطيعة راع بدين فإذا كان هذا مبلغ جرأته في تلك الآونة، على من يتمسح كل الشعراء بأعتابه، ويزيجون إليه المدح الكاذب! فيحجم محرم عن نقد سعد وغير سعد إذا ظن أنهم فرطوا في حق بلادهم. ولقد شرح لنا مذهبه وعلل غضبته كلما مس مصر ضر أو حاق بها شر في قوله: يا نيل والموفون فيك قلائل ... ليت الذعاف لمن يخونك مشرب أيخون عهدك غادر فيضمنه ... ما بين جانحتيك واد مخصب قتل الوفاء، فما غضبت وإنما ... يحمى الحقيقة من يغار ويغضب ولذلك كان متتبعًا في حرص بالغ شئون السياسة المصرية، وخطوات ساستها ولم يدع مقامًا إلا أدلى فيه برأيه، صادعًا بكلمة الحق، محذرًا، وناصحًا ومشجعًا ومقرعًا على حسب الموقف الذي يقفه الزعماء والمصلحون.

стр. 574

ولما عاد بعض أعضاء الوفد على الأمة مشروع "ملنر" خشي محرم أن يكون المشروع خدعة إنجليزية لا تحقق استقلال مصر، وصاح صيحة قوية يحذر فيها المصريين من نفاق الإنجليز، فطالما وعدوا الوعود ومنوا الأماني، ولم يتحقق لهم وعد، أو ينجزوا أمنية، كما يحذر المصريين من الفرقة، فطريق الحق واضحة: يا أيها القوم ماذا في حقائبكم ... إني أرى الشعب قد أودى به القلق جئتم إلينا فباتت مصر راجفة ... مما حملتم وكاد النيل يحترق لقد أقاموا طويلًا بين أظهرنا ... فما وثقنا بهم يومًا ولا وثقوا لا يعبث اليوم باستقلالكم أحد ... ولا يغركم التضليل والملق استعبد المال قومًا لو يقال لهم ... خوضوا إليه عذاب الله لانطلقوا برثت من كل ذي نفسين. واحدة ... تأبى القضاء وأخرى همها الورق ما كنت أحسب أن يقضي القضاء لا ... يومًا فتختلف الأهواء والطرق ويجزع ... ويشتد جزعه حين تتصدع وحدة الأمة، ويجد العدو ثغره واسعة في صفوفها ينفذ منها إلى مآربه، ويكثر التهاتر واللجاج فيما بينها، وتنصرف عن غايتها السامية. ألست ترى بنيها في شقاق ... فما يرجون ما عاشوا اتحادا ويقول: شرعوا العدواة بينهم لم يوصهم ... دين المسيح بها ولا الإسلام عوت الثعالب أمس حول عرينهم ... واليوم يزأر حوله الضرغام ويسدي لهم النصيحة الخالصة في أن يتحدوا، ويرأبوا الصدع. ويجمعوا الصفوف. يا قوم ماذا يفيد الخلف فاتفقوا ... وقوموا أمركم بالحزم يستقم صونوا العهود وكونوا أمة عرفت ... معنى الحياة فلم تعسف ولم تهم يا قوم لا تغفلوا إن العدو له ... عين تراقب منكم زلة القدم

стр. 575

ولعمري إن هذه النفس التي تحترق وطنية وألما لما نكبت به مصر في بنيها كانت جديرة بأن تتبوأ مكانتها اللائقة بها في عالم الأدب، ولقد حظي حافظ بالشهرة في عالم الوطنيات، مع أنه من عرفت، ولم يقف لحرّ الوطنية، وما يلاقيه الوطنيون في سبيل مبادئهم إلا أمدًا يسيرًا، وهو في شعره الوطني لا يشعرك بتلك الحرارة التي يبعثها في نفسك شعر أحمد محرم. ولكن عيب أحمد محرم، وعيب الكاشف معه أنهما آثرا العزلة بالريف حين فسدت الحياة في القاهرة، واختلف الناس فيما بينهم على المبادئ السامية، وكان في محرم زهد وعفة، وإيمان قوي، فلم يتملق رئيسًا، أو يعرف في الحق لينًا أو مواربة وكان حافظ رجل دنيا كثير الاختلاط بالناس. فالتمس له أصدقاؤه المعاذير حين قصر، وأغدقوا عليه عاطر الثناء حين وفق. أما أحمد محرم فقد بقي حتى اليوم محرومًا القلم القوي الذي يعرض دوره بين الناس، ويعرف به قومه، وهو الذي أثر الفقر، والوحدة، والحرمان في سبيل مبدئه، وكان شاعرًا صاحب رسالة، وكان من أقوى الشعراء ديباجة وأنصعهم بيانًا، كان عيب أحمد محرم أنه يمثل الفريق الجاد من الأمة، والذي يشعر بآلامها المبرحة وأدوائها المستعصية، وكان صاحب مثل أعلى في أمة هازلة تطرب للعبث، ويفتنها زبرج الحضارة الغربية ليفتننا عن أهدافنا القويمة. كان شاعر مصر سياسيًّا واجتماعيًّا؛ وكان شاعر العروبة والإسلام، متعدد النواحي الأدبية؛ ومع ذلك كل عاثر الجد في حياته؛ لأنه لم يتملق العظماء فيمدحهم بالباطل، ويرثيهم إذا ماتوا، بل كان شاعرًا صادق الشعور في كل ما ينطق به، لا نظامًا يقول في المناسبات، فلم يجد من يدفعه إلى عالم الصدارة كما وجد سواه من الشعراء، ولنا إليه عودة إن شاء الله. أما صديقه أحمد الكاشف فقد وقف نفسه على الشعر السياسي، وكان دون محرم اتساع أغراضه، إذ وقف على لون واحد من الشعر. ويمدح الترك حين كان مدحهم دينًا أو سياسية، ويشن الغارة الشعواء على الإنجليز على عهد كرومر، وغورست، وكتشنر ويمدح عباسًا وحسينًا، ويؤيد الثورة بكل قوة حين

стр. 576

اضطرمت في أرجاء البلاد، فإذا ما تصدعت صفوف الأمة، وصارت أحزابًا وشيعًا لا يعتزل الأحزاب كما اعتزلها محرم، ويسدي لها قول الناصح الأمين، وإنما ينحاز لفريق الأحرار الدستوريين فيمدح محمد محمود باشا، ويخصه بكثير من الثناء في مختلف المناسبات، ويمدح إسماعيل صدقي، وعلي ماهر وغيرهم، ولذلك سبب خاص يدركه من عرف البيئة التي عاش فيها الكاشف، فقد كانت أسرة الخطيب بالقرشية "بلد الكاشف" ذات جاه ونفوذ وثروة، وكان شوقي الخطيب في أول أمره نائبًا وفديًا ولم يكن الشاعر في صفاء مع هذه الأسرة كما لم يكن في صفاء مع أسرة المنشاوي من قبل، فانحاز إلى خصومهم السياسيين علهم ينصرونه إذا حزبه الضر، أو اشتدت وطأة خصومه عليه: ولكن حسب الكاشف قوله في وداع كرومر: ولبثت تبدو في زخارف مخلص ... للقوم تخفي ما اعتزمت وتحجب غافلتهم حينًا فلم يتلفتوا ... إلا ونابك فيهم والمخلب هل أنت فينا فاتح أو وارث ... أو قيهم أعلى وجار أقرب؟ أتطيل بينهم مقامك جاهدًا ... وتقول لم يتعلموا ويهذبوا وختمت عهدك بالذي اهتزت له ... أركان مكة واستغاثت يثرب ويشير في البيت الأخير إلى حادثة دنشواي، واسمعه يقول لكتشنر: لسنا قطيعًا غاب راعيه كما ... كنا ولست الضيغم الفتاكا فأقم بمصر مقام ضيف محسن ... وعليهم أن يكرموا مثواكا وأذكر لوادي النيل نعمته عسى ... تعطي بنيه بعض ما أعطاكا ولقد كان للنهضة القومية كما رأيت أثر بارز في الشعر الحديث، وكانت النهضة السياسية ويقظة الأمة من العوامل الفعالة في هذا الشعر، ولقد وجد لون جديد من الشعر السياسي في هذه الحقبة، وهو الأناشيد القومية، التي يتغنى بها الناس جماعات؛ وأول من نظمها في الأدب الحديث هو رفاعة الطهطاوي كما عرفت في الجزء الأول١، بيد أن شعراء القرن التاسع عشر الذين أتوا بعد رفاعة

стр. 577

الطهطاوي، لم يعنوا بهذا النوع من الشعر، وإذا لم تكن الأمور السياسية بمصر على ما يرام، وتوالت عليها النكبات بعضها في أثر بعض، وانتهت بالاحتلال المشئوم، ثم بوضع الحماية على مصر، فلما كانت الثورة القومية، في سنة ١٩١٩ تبارى الشعراء في وضع الأناشيد القومية، وقد نجح بعضها، ولم ينجح كثير منها؛ لأنه يشرط في النشيد القومي: قوة العبارة وسهولتها، وألا يكون وعظًا بل حماسة ونخوة، وأن يكون موضوعًا على لسان الشعب، وموافقًا لكل زمان١. ولكل أمة من أمم الغرب نشيد وطني تزهوبه، ويتغنى به الشعب في حفلاته العامة وينشده الطلبة في المدارس، والجنود في الميدان، فهو يعبر عن أمال أمة، ويبث في نفس كل فرد منها الحمية والحماسة، ويدفعه إلى العمل؛ إنه صورة مركزة للمثل العليا التي تنشدها أمة من الأمم، ولقد كان لنشيد "المارسلييز" أثر عظيم في الثورة الفرنسية، وقد ترجمه رفاعة بك إلى العربية شعرًا ولكن النشيد الذي يصلح لأمة لا يصلح لسواها، وقديمًا كان الفارس العربي يرتجز البيتين والثلاثة قبل المعركة ليثير في نفسه الحماسة، ويوهن من قوى خصمه المعنوية ولكنه كان نشيدًا فرديًّا ينشئه صاحبه لساعته. وقلما تجد شاعرًا من شعراء العصر الحديث ليس له نشيد قومي، فهذا شوقي يشترك في مسابقة للأناشيد، تختار اللجنة نشيده ولكن هذا النشيد يموت؛ لأن العبرة ليست باختيار اللجنة أو اختيار الحكومة، وإنما بقوة النشيد، وسيطرته على نفوس الناس، وبقائه على الزمن ولو لم يعترف به رسميًّا، وقد تعرض نشيد شوقي لانتقاد كثير وفيه يقول: بنى مصر مكانكم تهيا ... فهيا مهدوا للملك هيا خذوا شمس النهار له حليّا ... ألم تك تاج أولكم مليا على الأخلاق خطوا الملك وابنوا ... فليس وراءها للعز ركن أليس لكم بوادي النيل عدن ... وكوثرها الذي يجري شهيا

стр. 578

وقد أوسع الأستاذ العقاد هذا النشيد تجريحًا وطعنًا١ وهو على حق في بعض ما قال وإن لم يسلم نقده في مجموعه من التحامل، ولكن النشيد ليس به القوة التي تكفل له الخلود وقد وضع محمد عبد المطلب أكثر من نشيد فمن تلك قوله: مصر اسلمي مصر لك السلام ... والملك والدولة والدوام مصر لك التاريخ والأيام ... والنيل والفسطاط والأهرام أيام لا ملك ولا نظام ... أنت عروس الأرض والبلاد ولأحمد محرم نشيد بعنوان مصر الحرة قال في أوله: مصر انهضي فالدهر ساق وقدم ... شقي السحاب وارفعي النجم علم تحكمي يا مصر في كل الأمم ... تحكمي فهي عبيد وخدم ويقول في آخره معلنًا وفاءه لزعماء الحزب الوطني: نحن الوفاة والكريم من وفى ... نصون ما صان "الرئيس مصطفى ونقتفي إثر فريد وكفى ... هما إماما الشعب والنيل الحرم وممن اشتهر بوضع الأناشيد المرحوم مصطفى صادق الرافعي، وقد تغلب نشيده القومي على كل نشيد سواهن ولحن تلحينًا قويًّا، وحفظه الصغار والكبار ثم توجه به سعد باشا زغلول زعيم الحركة الوطنية، وصار هذا النشيد نشيدًا وطنيًّا لمصر، وأرى أنه يمثل ما يشترط في النشيد القومي تمام التمثيل، ولذلك أثبته هنا نموذجًا لهذا اللون من الشعر. اسملي يا مصر إنني الفدا ... ذي يدي إن مدت الدنيا يدًا أبدًا لن تستكيني أبدًا ... إنني أرجو مع اليوم غدا ومعي قلبي وعزمي للجهاد ... ولقلبي أنت بعد الدين دين لك يا مصر السلامة ... وسلاما يا بلادي إن رمى الدهر سهامة ... اتقيها بفؤادي واسلمي في كل حين

стр. 579

أنا مصري بناني من بنى ... هرم الدهر الذي أعيا الفنا وقفة الأهرام فيما بيننا ... لصروف الدهر وقفتي أنا في دفاعي وجهادي للبلاد ... لا أميل لا أمل لا ألين لك يا مصر السلامة ويك يا من رام تقيد الفلك ... أي نجم في السما يخضع لك وطن الحر سما لا تمتلك ... والفتى الحر بأفقه ملك لا عدا يا أرض مصر بك عاد ... إننا دون حماك أجمعين لك يا مصر السلامة للعلا أبناء مصر للعلا ... وبمصر شرفوا المستقبلا وفدى لمصرنا الدنيا فلا ... تضعوا الأوطان إلا أولًا جانبي الأيسر قلبه الفؤاد ... وبلادي هي لي قلبي اليمين لك يا مصر السلامة ومما يتصل بالشعر السياسي، ولا يقل عنه أثرًا في الوطنية المصرية، وإذكائه الحمية قلوب الناشئين، وصف الطبيعة المصرية، وتجلية محاسنها والتغني بها؛ لأنه يجعل المصريين يقدّرون وطنهم ويعشقونه، ويزدادون به تمسكًا وفيه فناء. وقد فطن لهذا الشعراء العرب في جاهليتهم وقلما خلت قصيدة كبيرة من وصف الطبيعة العربية برمالها، وعيونها، وسمائها وخمائلها، ووحشها، وما تثيره في نفس الشاعر من ذكريات، ولا يدعون صغيرة ولا كبيرة إلا التقطتها عيونهم اليقظة، وأذواقهم المرهقة، وأدارتها عقولهم الواعية، وأخرجتها وجداناتهم الحية شعرًا صادقًا في الوصف، حتى حيات الصحراء وذبابها كان لها نصيب في شعرهم، وخلعوا عليها بعض المحاسن، وظل شعراء العرب بعد أن هجروا صحراءهم مفتونين بجمال تلك الصحراء؛ لأن الشعر الجاهلي وهو المنبع الذي استقوا منه، والمدرسة التي تخرجوا فيها، كان من القوة والصدق في وصف تلك الديار، وإبراز ما فيها من جمال بحيث لم يجد الشعراء في العصور الإسلامية بدًّا من أن يذكروا نجدًا وغير نجد من الأماكن التي فتن بها شعراء العصر الجاهلي.

стр. 580

وقد فطن لهذا النوع من الوصف شعراء الغرب، وأدباؤهم، وقلما نجد شاعرًا غريبًا كبيرًا له في مناظر بلاده، وفي غيرها من مواطن الجمال في أوربا أكثر من قصيدة، وهذا النوع من الشعر فضلًا أنه من صميم الشعر القومي السياسي، فهو عمل فني خالص، ينطلق فيه الشاعر على سجيته، ولا يحفزه إليه إلا إشباع رغبته الفنية، وإحساسه بالجمال. والطبيعة المصرية ليست مملة كما يزعم بعض الناس الذين يدافعون عن أوربا، ونزوحهم إليها كل عام، ففيها مفاتن ساحرة، وفي ريفهان ونيلها، وجداولها، وصحرائها، وشطآن بحارها، وآثارها التي تعد لقدمها جزءًا من هذه الطبيعة. ثم في شمسها الضاحية، وهوائها الرقراق، وأمسياتها، وتألق النجوم في سمائها، وبلابلها وأطيارها. وقد فتن هذا الجمال شعراء مصر في القديم، وإن لم يفيضوا فيه فيقول محمد بن عاصم الموفقي قصيدته التي مطلعها: اشرب على الجيزة والمقس ... من قهوة صفراء كالورس ويقول البهاء زهير: علاحس النواعير ... وأصوات الشحارير ويقول علي بن موسى بن سعيد: انظر إلى سور الجزيرة في الدجى ... والبدر يلثم منه ثغرًا أشنبا تتضاحك الأنوار في جنباته ... فتريك فوق النيل أمرًا معجبًا بيننا مفضضًا في جانب ... أبصرت منه في سواه مذهبًا وكان الظن أن يلفت هذا الجمال البديع أنظار الشعراء في العصر الحديث، كما استرعى انتباه الشعراء في العصر القديم، ولكننا نعلم أنه قد انفضت فترة طويلة من الزمن ركد فيها الشعر العربي بعامة، ولم يبق منه إلا دماء يسير، وهذا الباقي في عصر الممالك وأوائل النهضة كان شعرًا تقليديًّا تغلب عليه الصنعة، والمحسنات اللفظية والمعنوية، وكان يقال في الأغراض التقليدية القديمة من مدح،

стр. 581

ورثاء، وفخر، وما شاكل ذلك، وقلما انطلق فيه الشاعر، وتحرر من تلك القيود، وأفصح عن خلجات شعورهن وحر وجدانه، وإحساسه بالجمال؛ وإذا فعل فإنه لم يكن يملك الأداة المعبرة؛ لفقره في اللغة، وعدم مطاوعتها له؛ لأنه كان في عصر عمت في الجهالة، وغلبت العجمة على الشعراء والأدباء. ولا شك أن في وصف الطبيعة المصرية والتغني بها ما يدل على إحساس شديد بمحبة الوطن، والتعليق به، والإعجاب بكل ما فيه، والإعجاب أول مراحل المحبة، وبدهي أن الشعراء في العصور المتأخرة لم يكن عندهم هذا الشعور الوطني، أو الإحساس القومي، فلم يلتفتوا إلى الطبيعة وما فيها من جمال وفتنة، وظل الأمر على هذا النوال حتى أتى البارودي، فأحيا الشعر العربي بعد مواته، وابتدأ في أول أمره محاكيًا ومقلدًا حتى تملك زمام اللغة، وناصية البيان، ومن هذا النوع التقليدي قوله في وصف الربيع قصيدته التي مطلعها: رمت بخيوط النور كهربة الفجر ... ونمت بأسرار الندى شفة الزهر ولا تحس وأنت تقرأ هذه القصيدة بأنه يصف جوًّا مصريًّا، ولا طبيعة مصرية، ولكنه مال بث أن التفت للريف المصري، فوضحت شخصيته، وظهرت الألوان المحلية، وأبدع إبداعًا عظيمًا في هذا الضرب من الوصف، فأحب الريف محبة ملكت عليه شغاف قلبه الحساس؛ فتراه يصف الصباح المشرق الندي، ويصف السحب، ويصف الناعورة، والقطن، والطيور المزقزقة في مثل قصيدته: رف الندى وتنفس النوار ... وتكلمت بلغاتها الأطيار أو أرجوزته: عم الحيا واستنت الجداول ... وفاضت الغدران والمناهل وقد وفينا البارودي حقه من الدرس في الجزء الأول من كتابنا، فلا داعي للتكرار، ولكننا نقول إنه أول من فطن في العصر الحديث لجمال مصر، وتغنى به في شعره؛ وإذا نظرنا إلى الشعراء بعده نجدهم يتفاوتون في هذا الباب، فإسماعيل صبري على الرغم من رقة حسه، ودقة ذوقه، وإرهاف شعوره؛

стр. 582

ومحبته للجمال، لا نكاد نجد له في الطبيعة المصرية إلا قطعة واحدة من ثلاثة أبيات مسروقة من "ابن خروف" النحوي ونسبها إلى نفسه. ما أعجب النيل ما أبهى شمائله ... في ضفتيه من الأشجار أدواح من جنة الخلد فياض على ترع ... تهب فيها هبوب الريح أرواح ليست زيادته ماء كما زعموا ... وإنما هي أرزاق وأرواح ونفتش في ديوان ولي الدين يكن فلا نكاد نعثر على شيء من الوصف، ولا على وصف الطبيعة المصرية، كأنها ليست موجودة ألبتة، وقد علمت فيما سبق أنه كان غريبًا بشعوره عن مصر، وكان في شغل بسياسياته عن التملي في محاسن الطبيعة وفتنتها. أما عبد المطلب فكان لفرط إعجابه بالعرب القدماء لا يزال يتغنى بالجزع، واللوى والرقمتين، ولعلع. وحيّ بالجزع ركبًا زان منظره ... نور الربيع وصوب المزن ينسكب١ وساجل الورق في تلك الربى وأعد ... ذكر اللوى فلقلبي باللوى طرب ويخيل إليك بعد أن تستقرئ شعره أنه لم ينشأ في صعيد مصر، ولم يتلق العلم في القاهرة ويرَ مناظر الجزيرة الخلابة، ويشاهد النيل وبعثه للحياة في كل جزء من أرض مصر، ومن تقله أرضها. ومن العجب أن حافظ إبراهيم الذي لقب بشاعر النيل، لم يهتم بالطبيعة المصرية، ويصفها، وتقرأ ديوانه وتفتش فيه علك تعثر على أبيات ولو في ثنايا قصيدة فلا تجد شيئًا من هذا اللهم إلا أبياتًا جاءت عرضًا عند كلامه على نادي الألعاب الرياضية بالجزيرة، حين أقامة حفلة بدار "الأوبرا" سنة ١٩١٦، والتي يقول في أولها٢. بنادي الجزيرة قف ساعة ... وشاهد بربك ما قد حوى ترى جنة من جنان الربيع ... تبدت مع الخلد في مستوى جمال الطبيعة في أفقها ... تجلى على عرشه واستوى

стр. 583

وفيها يعتب على المصريين أنهم زاهدون في جمال بلادهم، صادفون عنه، ويؤثرون الجلوس على المقاهي على التمتع بالرياض: فما بال قومي لا يأخذون ... لتلك الجنان طريقًا سُوا وما بال قومي لا ينزلون ... بغير جروبي وباراللوا تراهم على نردهم عكفًا ... يبادر كل إلى ما غوى وإلا ما جاء في ثنايا قصيدة بعث بها إلى صديق له في إنجلترا سنة ١٩٠٨ وفيها يقول: والنيل مرآة تنفس ... في صحيفتها النسيم سلب السماء نجومها ... فهوت بلجته تعوم نشرت عليه غلاله ... بيضاء حاكتها تعوم شفت لأعيننا سوى ... ما شبه منها الأديم وقد كان أجدى على حافظ، وهو يملك بيانًا خلابًا متمكنًا من فصيح اللغة أن يعكف على الطبيعة المصرية يخلد آثارها، ويستقرئ جمالها، ولا سيما بعد أن كمم المنصب فاه، فلم يعد يطرق أبواب الشعر السياسي منذ أن عين بدار الكتب، ولو أن حافظًا اتجه هذه الوجهة لكان أثره في الأدب عظيمًا، ولكن أنى لحافظ أن يتجه إلى الطبيعة يتملى مفاتنها وهوالمشغول بالناس ومنادمتهم، ولعل الدكتور طه حسين وهو من المعجبين به قد وقف على سره إزاء الطبيعة وأنه لم يكن مهيأ لمناجاتها والتحدث إليها وإظهار جمالها حين قال: "ولم يكن حافظ عظيم الثقافة ولا عميقها، فلم يكن من الممكن ولا من اليسير أن يتجه إلى تلك الفنون الشعرية الخالصة، التي تصل بين الشاعر وبين الطبيعة، والتي ليس للسياسة ولا للنظام عليها سلطان، ولم تكن في السماء ولا الرياض في الأرض ولا النيل ولا الصحراء تلهم حافظًا؛ لأن حافظًا لم يكن شاعر الطبيعة وإنما كان شاعر الناس١.

стр. 584

ومن الشعراء المقلين الذين عنوا بالطبيعة المصرية وجمالها السيد توفيق البكري وله قصيدة ممتعة عنوانها "مصر"١، وفيها يقول: والنيل في لباتها ... عقد يلوح مجوهر والجو صحو مشرق ... وكأنما هو ممطر والظل من خلل الشموس ... مدرهم ومدثر وغصونها لدن تمد ... بما تقل وتثمر فكأنهن ولائد في ... حليها تتكسر يا جنة يجنى الجنى ... فيها ويجرى الكوثر أنا شاعر في وصفها ... لكنها هي أشعر ويصف الجيزة، والأصيل، والمتحف، والأزهر والهرمين، وأخلاق المصريين وكرم ضيافتهم؛ وهي تنبئ عن لفتات شعرية سامية لم تتح لكثيرين. كما أن له في وصف الريف قطعًا نثرية هي إلى الشعر أقرب منها إلى النثر مثل: "العزلة"٢، وهو في مدحه لعباس لا ينسى مصر والتغني بجمالها، ولكنه كما ذكرنا مقل وسنعود إليه بدراسة تفصيلية في آخر هذا الجزء إن شاء الله. ولعل شوقي قد قضى حق مصر، وحق الطبيعة المصرية، ووفى ما على الشعراء من دين أثقل كاهلهم بعد البارودي، فقد أفاض شوقي حقًّا في وصفها وتجلت شاعريته الفذة وموهبته الخالقة المقتدرة، وإحساسه المرهف، وقد ألهبت الغربة وحرقتها، والنفي ولوعته مشاعره، فاشتاق للوطن ونفث نفثات حارة من قلب مليء بالشوق والمحبة من ذلك قصيدته الأندلسية: اختلاف النهار والليل ينسي ... اذكر إلى الصبا وأيام أنسي والتي يقول فيها بيته الخالد: وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه في الخلد نفسي شهد الله لم يغب عن جفوني ... شخصه ساعة ولم يخل حسي ويصف الجزيرة وصفًا يجعل الحياة تدب فيها، ويشخصها كأنها بشر.

стр. 585

هي بلقيس في الخمائل صرح ... من عباب وصاحب غير نكس حسبها أن تكون للنيل عرسًا ... قلبها لم يجن يومًا بعرس ليست بالأصيل حلة وشى ... بين صنعاء في الثياب وقس١ قدها النيل فاستحت فتوارت ... منه بالجسر بين عرى ولبس ومن ذلك قصيدته: أذار أقبل قم بنا يا صاح ... حى الربيع حديقة الأرواح وقصيدة في النيل: من أي عهد في القرى تتدفق ... وبأي كف في المدائن تغدق وله في ثنايا قصائده عشرات المقطوعات في وصف مصر وجمالها كقوله من قصيدته التي مطلعها: يا نائح الطلح............ البيت. لكنَّ مصر وإن أغضت على مِقَةٍ ... عين من الخلد بالكافور تسقينا٢ على جوانبها رفت تمائمنا ... وحول حافاتها قامت رواقينا ومن روائعه قصيدته في وصف "أنس الوجود" التي يقول فيها: أيها المنتحى بأسون دارًا ... كالثرايا تريد أن تنقضا أخلع النعل واخفض الطرف واخشع ... لا تحاول من آية الدهر غضا قف بتلك القصور في اليم غرقى ... ممسكًا بعضها من الذعر بعضا وهو الذي يقول: فمصر الرياض وسودانها ... عيون الرياض وخلجانها وما هو ماء ولكنه ... وريد الحياة وشريانها ويبدع حتى في وصف الصحراء ورمالها:

стр. 586

كأن الرمال على جانبيك ... وبين يديك ذنوب البشر ولا عجب فشوقي كما ذكرنا آنفًا كان ذا شاعرية فذة، وحساسية مرهفة، وكان مولعًا بالجمال يهتز له أينما وجده، كما كان مولعًا بالعظمة، وقد رأى مصر تتميز بالجمال كما تتميز بالعظمة، فأعجب بها، والإعجاب أول مراتب الحب، بل أحبها حبًّا عميقًا. أحبك مصر من أعماق قلبي ... وحبك في صميم القلب نام سيجمعني بك التاريخ يومًا ... إذا ظهر الكرام على اللئام لأجلك رحت بالدنيا شقيًّا ... أصد الوجه والدنيا أمامي وهبتك غير هياب يراعا ... أشد على العدو من الحسام ولم يقف شوقي من الطبيعة المصرية عند حد تصويرها وإسابغ من الحسام وإبرازها صورًا رائعة تفتن اللب والنظر والسمع، كما فعل البارودي، ولكن اندمج فيها وشخصها وبعثها حية، فأربى بذلك على من تقدمه وأعجز من أتى بعده. ومن الشعراء الذين أبدعوا في وصف الريف المصري، والطبيعة المصرية بعامة أحمد محرم، ومن ذلك قوله في وصف القرية وجمالها من قصيدة طويلة مطلعها: قم للصلاة على هدى وصلاح ... واسجد لربك فالق الإصباح دنيا بدائع حسنها مجلوة ... في منظر بهج وجوّ صاح هذا الجمال الأخضر انتظم القرى ... وأظلها من جاهه بجناح كجناح جبريل يظل مرفرفًا ... في جوه المتقاذف الفياح تلك الحياة لمن يريد لنفسه ... ما تشتهي من متعة ومراح أما خليل مطران فله بعض قطع في وصف الطبيعة المصرية، ولكننا نشعر ونحن نقرأ شعر مطران في الطبيعة أن هواه كان في بلاد الشام مسقط رأسه، ومدرج طفولته، وأنه فتن بها الفتنة الكاملة، فلم تدع له نظرًا يرى به جمال أرض سواها، ولا قلبًا ويُتَيّم ويهيم بغيرها، وقد خلدها في شعره بأكثر من قصيدة،

стр. 587

وحن إليها تحنانًا شديدًا، وتحس ذلك تشعر به في قوله حين ذهب إليها أول مرة بعد أن تركها وأقام بمصر. يا وطنًا نفديه بالدماء ... والأنفس الصادقة الولاء ما أسعد الظافر باللقاء ... والقرب بعد الهجر والجلاء إن أك باكيا من السراء ... فإن طول الشوق في التنائي وله في بعلبك وذكريات الطفولة قصيدة طويلة١ أضفى على أطلالها من روعة فنه، وصادق حسه، وفيض عاطفته ما يعشرك بشديد حنينه إليها، ومحبته لها، كما فعل شوقي في وصف الطبيعة المصرية: وهنا لا بد لنا من القول بأن العبرة ليست بوصف الطبيعة، ولكن بالعاطفة التي يلون بها شعره، فإذا وازنا بين شوقي ومطران في وصفيهما للطبيعة المصرية تجلت لنا محبة شوقي لمصر، وإبراز جمالها للأجيال من بعده في صورة بالغة الإبداع، رائعة الرواء، بينما تجاهل مطران هذه الطبيعة. أو نظر إليها نظرة سخط وغضب، أو إذا ألحت عليه بجمالها وهو الشاعر الفنان، واضطر إلى وصفها جاء شعره فاترًا، وخلوًّا من تلك المحبة والنظرة المعجبة، وعلى العكس من ذلك حين يتكلم عن لبنان أو سوريا، فهو بكثر التحنان إليهما ويقول في نهر "زحلة" قصيدة طويلة: واهًا لذاك النهر خلّف لي ... عطشًا مذيبًا بعد مصدره يا طالما أوردته أملي ... وسقيت وهمي من تصوره تمتد أيام الفراق وبي ... ظمئي لذاك المنهل الشافي وبمسمعى لهديره اللجب ... وبناظري لجماله الصافي ويقول في لبنان: يا منيت الأرز القديم ومربضًا ... يوم الحفاظ لكل ليث أصيبد هذي إليك تحية من شيّق ... قد بان طوعًا عنك وهو كمُبعد

стр. 588

من هالك ظمأ وماؤك قربه ... مرت به حجج ولم يتورد يا مسقطًا للرأس في جنباته ... من حر شوقي جمرة لم تخمد وقد زار مطران بلاد سوريا، وجابها بلدًا بلدًا، ووصفها في شعره: وصف كل مدينة وكل دسكرة، ولمس تربها، وقبله، وطاف بأبنيتها، يتزود منها قبل أن يرحل عنها١ ومن يكن في مثل حال مطران عسير عليه أن يجود في وصف الطبيعة المصرية أو آثارها القديمة الخالدة، بل لا يرى هذه الآثار رمز عظمة، ودليل فن، وقوة إرادة، وإنما هي مظهر ظلم وعسف وإرهاق وتسخير لشعب مسكين. إني أرى عد الرجال ها هنا ... خلائقًا تكثر أن تعددا صفر الوجوه باديًا جباههم ... كالكلأ اليابس يعلوه الندى محنية ظهورهم خرس الخطا ... كالنمل دب مستكينًا مخلدًا مجتمعين أبحرًا، متفرعين ... أنهرًا منحدرين صعدا أكل هذى الأنفس الهلكى غدًا ... تبنى لفان جدثا مخلدًا؟ فنظرته هذه تختلف عن نظرة شوقي المحب الذي يرى السيئات حسنات، ويفرغ ذوب قلبه عاطفة جياشة حين يتكلم عن مصر وأرض مصر وطبيعتها وآثارها. ولقد وصف مطران الطبيعة المصرية، ولكنه نظر في أغلب حالاته نظرة قائمة مفزوعة، كئيبة تدل على تبرم، ونفور منها، وعلى أن روح التشاؤم تسيطر على شعره، واستمع إليه يصف صعيد مصر إبان الصيف وقد يكون الصعيد في الصيف غير محمود، ولكن المحب يراه جميلًا والنيل ينساب ملتويًا يمنه ويسرة يتدفق خيرًا وبركة ويبعث الحياة خضرة نضرة على العابرين، وتأوى المدن والقرى إلى حضنه كما يأوى الصغار إلى أمهم الرءوم ويقل على ظهره المراكب رائحة غادية كالأب الكادح يحمل متاعب بنيه، من غير سأم ولا ضجر وتنتصب الآثار الناطقة بالحضارة العتيقة التي انبعثت على ضفتيه، والدنيا بعد وسنانة في فجر التاريخ، هذا هو الصعيد حين ينظر المرء إليه نظرة المتفائل، البشوش القلب، المحب لما يراه، ولكن مطران يقول:

стр. 589

أوقد الصيف في الصعيد لظاه ... فأجف الحقول والأجاما وغدا الناس بين جو كثيف ... مرتديًا من الغبار غماما وفلاة كأنما الرمل فيها ... شرر مد لمعة واضطراما وكأن المياه في النيل تجري ... بخطى أبطأت ونهر تعامى شبه ذوب الرصاص في الكير يطغي ... فإذا ما طغى برفق ترامى وعرا الأعين الكلال، فإني ... نظرت حمرة رأت وقتاما وكأن النعاس في عصب الأرض ... تمشي فكل ما دب ناما وكأن الدمى التي صنعتها ... أمة القبط متعبات قيامًا وقصيدته في وصف المساء بالإسكندرية، وهو على سيف البحر العظيم، لا تقل في تشاؤمها عن هذه القطعة، مع أنه لا يماري أحد في جمال الإسكندرية في الصيف، ولا في منظر الشمس وهي تغيب في البحر، ولكنه يقول في الغروب: أو ليس نزعًا للنهار وصرعة ... للشمس بين مآتم الأضواء؟ أو ليس طمسًا لليقين ومبعثًا ... للشك بين غلائل الظلماء؟ أو ليس محوًا للوجود إلى مدى ... وإبادة لمعالم الأشياء؟ فهو ينظر إلى الدنيا وما فيها بمنظار أسود يحيل الجميل دميمًا، والمناظر الأنيقة الفتانة رديئة كثيبة، وليس العيب عيب الطبيعة، ولكنه عيب من ينظر إليها. ومطران في أحسن حالاته حين يصف الطبيعة المصرية تراه مبهمًا، لا يعطي اللون الخاص الذي يميز مصر عن سواها، وكأنما ينظر إلى شيء آخر غير مصر حين يصف منظرًا وصفًا فيه شيء من الإنصاف؛ وإذا أعطاك اللون الخاص، اقتضب الكلام وكأنما يفر من شيء يؤذيه. مثال ذلك وصفه لليلة مقمرة على ضفة النيل في الجزية، وهو منظر شعري خلاب، وكان من حق مطران وهو الشاعر المتفنن أن يصوره تصويرًا بارعًا، ولكنه لا يزيد عن ثلاثة أبيات خالية من العاطفة: وليلة بدر صفا جوها ... وباح بسر السكون الحفيف وألقت بسمع ظلال الرياض ... لنجوى قلوب بهن تطيف

стр. 590

وصب على النيل شبه السيول ... مغير الدجى من سناه الضعيف ويقول في مغرب شمس بريف مصر، ولا يعطيك اللون "المحلى" فتحسب أنه وصف لأي شمس في أي مكان: وللشمى في المنتهى مغرب ... رأينا به آية من عجب رأينا من الغيم طودًا رسا ... على أفقها وسمها واشرأب بجسم ظلال وقمة تبر ... وسفح تعاريجه من لهب كأن الأشعة أثناءه ... مغاور في منجم من ذهب وهو كذلك في وصفه لشروق الشمس في مصر لا يعطيك خصائص مصر١. ومطران لم يعجب بجمال مصر، ولا يرى فيها إلا أنها مضيافة، خصبة، هادئة؛ جوها صحو يساعد على نمو الزرع، وحراراتها تمرع النبات: في مصر مصرخة الهيف ... وملجأ المتفزع مصر السماء الصحو مصر ... الدفء مصر المشبع مصر التي ما ريع ساكنها ... بريح زعزع حيث المراعي والندى ... للمرتوي والمرتعي حيث السواقي الحانيات ... على الطيور الرضع حيث الحرارة ما توال ... ربيبها يترعرع ولا عجب فقد وجد بمصر الأمن، والدعة، والجو الجميل، وحسن الضيافة، ليس بها أعاصير ولا زغازع، وزرعها نضير، وخيرها كثير فهو ينظر إليها نظرة مادية نفعية، وهو يشكرها بمقدار ما تسدي إليه من المنفعة. مصر العزيزة إن جارت وإن عدلت ... مصر العزيزة إن نرحل وإن نقم نحن الضيوف على رحب ومكرمة ... منها وإنا لحافظون للذمم جئنا حماها وعشنا آمنين بها ... ممتعين كأن العيش في حلم ومطران يعترف بالسبق لشوقي في وصف الطبيعة المصرية، وأن الحب العميق هو الذي أوحى إليه بهذا الإبداع، وأني لمطران أن يبدع إبداع شوقي وليس في فؤاده لمصر هذا الحب:

стр. 591

شوقي إخالك لم تقلها لاهيا ... بالنظم أو متباهيا بذكاء حب الحمى أملى عليك ضروبها ... متأنقًا ما شاء في الإملاء أعظم بآيات الهوى إذا يرتقي ... متجردًا كالجوهر الوضاء فيطهر الوجدان من أدرانه ... ويزينه بسواطع الأضواء وحسبي ما قدمت في هذا الموضوع، فإن المقام يضيق عن تتبع جميع الشعراء الذين ألهمتهم الطبيعة المصرية وتغنوا بمفاتنها وخلدوها في عشرهم.

стр. 592

المظهر الثقافي: صاحب النشاط السياسي في مصر والشعور بوجوب التحرر من ربقة الاحتلال اهتمام بالغ بالنهضة الثقافية، حتى تستطيع الأمة أن تجاري ركب الحضارة، وأن تحسن إدارة شئونها الداخلية والخارجية، وقد أشرنا إلى هذا الاهتمام في آخر الفقرة الأولى١، وكان أول مظاهره إنشاء الجامعة المصرية بعد أن دعا إليها مصطفى كامل أكثر من مرة ولبى دعوته مصطفى كامل الغمراوي، وعمل على أن يخرج هذا المشروع إلى نور الشمس، ويصير حقيقة واقعة، ولكي تخرج الجامعة الأمة من سباتها، وتبث فيها الحياة، فتستطيع مغالبة الغاصب، وتخليص البلاد من براثنه، وكان أول اجتماع لتحقيق الجامعة في ١٢ من أكتوبر ١٩٠٦، واختير "الأمير" أحمد فؤاد "الملك فؤاد فيما بعد" رئيسًا لها، واشتدت حركة الاكتتاب لها، وتوجتها "الأميرة" فاطمة إسماعيل فحبست عليها ٦٦١ فدانًا؛ غير ما تبرعت به من حليها التي قدرت باثنين وعشرين ألفًا من الجنيهات، وفي سنة ١٩١٤ وضع الحجر الأساسي للجامعة بحضور الخديو عباس، ولم يكن

стр. 593

الإنجليز راضين عن هذه الحركة طبعًا، وكيف يرضون عنها وقد كان من سياسة عميدهم بمصر اللورد كرومر محاربة التعليم الجامعي الذي يعد الأمم للحياة الحقة، والاهتمام بتخريج آلات صماء تعمل في دواوين الحكومة تحت إمرة مستشاريه كما عرفت في الفصل الأول. وبدأت الجامعة أعمالها بإرسال البعوث العلمية إلى أوربا لإعداد هيئة التدريس، ودعت بعض الأساتذة المشهود لهم بالرسوخ في العلم، من جامعات أوربا المختلفة لإلقاء محاضرات على الطلاب في التاريخ، والآداب العربية، والفلسفة والاقتصاد، من أمثال "الكونت دي جلارزا، وجويدي الكبير، ونللينو"؛ وأنشئت بها مكتبة جمعت لها الكتب من جميع جهات العالم، حتى صارت اليوم من أغنى المكتبات في الشرق العربي كله١، وأخذت الجامعة تمنح الدرجات العلمية في أول نشأتها، ولكن الحرب العالمية الأولى أثرت في نموها، كما أثرت في جميع مظاهر الرقي والمرافق العامة، وقد فكرت الحكومة في سنة ١٩١٧ في إنشاء جامعة حكومية؛ وسارت هذه الفكرة في ١١ من مارس سنة ١٩٢٥؛ مكونة من كليات أربع هي: الآداب، والعلوم؛ والطب، والحقوق، وفي سنة ١٩٣٥ ضمت إليها الهندسة، والزراعة والتجارة، وفي سنة ١٩٤٠ سميت بجامعة "فؤاد الأول"، وضمت إليها دار العلوم في ٢٤ من إبريل سنة "١٩٤٦"٢، وبعد ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ سميت جامعة القاهرة. وقد أفادت الحركة الأدبية بمصر والشرق من الجامعة المصرية إفادة لا تنكر، إذ أخرجت جيلًا مثقفًا ثقافة حديثة، ملمًا بالآداب العربية يجيد البحث ويقدره، وإن كان الذين نبغوا في البحوث الأدبية ممن تخرجوا في الجامعة لا يزال محدودًا، ولكن الفضل الأكبر كان للأساتذة الأجانب والمصريين، وتوجيهاتهم للأدباء، وفي الفصول التي كتبوها في النقد الأدبي، والكتب التي أخرجوها نماذج في التأليف، كما أفادت الجامعة في الإكثار من عدد القراء الذين يقدرون الأدب ويتذوقونه، ويسهمون فيه، أو يعلقون عليه، وحسبك أن تعلم أن

стр. 594

عدد طلبة الجامعة كان في سنة ١٩٢٦ حوالي ٢٠٢٧ طالبًا، وأنهم صاروا في سنة ١٩٥٠ أكثر من ثمانية عشر ألف طالب وقد صاروا في سنة ١٩٥٨ نحو ستة وعشرين ألف طالب، عدا ثمانية آلاف في جامعة الإسكندرية وستة آلاف في جامعة عين شمس١. ولا ريب أن كثرة القراء تشجع المؤلفين، وتشجع دور النشر، وتروج الأدب، والطباعة، والصحف. وقد أخذت مصر منذ أن توليت بنفسها شئون التعليم تعمل على نشره بكل الوسائل، وتكثر من افتتاح المدارس المختلفة، ثم جعلته بالمجان في المدارس الابتدائية منذ سنة ١٩٤٢، وفي المدارس الثانوية منذ سنة ١٩٥٠، فاشتد الإقبال عليه، حتى ارتفعت ميزانية وزارة المعارف من حوالي أحد عشر مليونًا من الجنيهات في سنة ١٩٤٥ إلى أكثر من خمسة وعشرين مليونًا في سنة "١٩٥١"٢. وصحب انتشار التعليم في جميع مراحله نهضة في إخراج الكتب من إحياء وتأليف وترجمة. أما عن نشر الكتب القديمة وإحيائها، فقد عرفت في الجزء الأول أن أول خطوة جديدة في هذا السبيل خطاها على باشا مبارك حين ألف هيئة برئاسة رفاعة بك الطهطاوي٣ ثم حذت جمعية المعارف في سنة ١٨٦٨ حذو تلك الهيئة الرسمية، وقد ذكرنا شيئًا عن جهودها في هذا السبيل٤، وفي سنة ١٨٩٨ ألفت جمعية لنشر الكتب القديمة وإحيائها، وكان من أعضائها حسن "باشا" عاصم، وأحمد "باشا" تيمور، وعلى "بك" بهجت وغيرهم، وطبعت عدة كتب مفيدة مثل: كتاب الموجز في فقه الإمام الشافعي، وسيرة صلاح الدين الأيوبي، وفتوح البلدان للبلاذرى، والإحاطة في أخبار غرناطة وتاريخ دولة آل سلجوق وغيرها. وفي سنة ١٩٠٠ تكونت هيئة أخرى برئاسة الشيخ محمد عبده لإحياء الكتب القديمة النافعة٥. فأخرجت كتابي عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة،

стр. 595

ودلائل الإعجاز، ونشرت كتاب المخصص لابن سيده في سبعة عشرًا مجلدًا، وابتدأت في طبع كتاب المدونة للإمام مالك١. ومنذ ذلك دأبت دور النشر على إحياء الكتب القديمة، واهتمت بها دار الكتب أيما اهتمام، ومن الكتب التي طبعت في خلال الحرب العالمية الأولى صبح الأعشى، والخصائص لابن جني، وديوان ابن الدمينة، والمكافأة لابن الداية والاعتصام للشاطبي، والأصنام لابن الكلبي، وقد تأسست في خلال الحرب العالمية الأولى كذلك لجنة التأليف والترجمة والنشر في سنة ١٩١٤، ودأبت منذ ذلك الوقت على إخراج الكتب تأليفًا وإحياء وترجمة حتى بلغ عدد ما أخرجته في سنة ١٩٤٨ ما يربو على ثلثمائة كتاب٢. ومن الكتب ذات القيمة التي أخرجتها دار الكتب: نهاية الأرب للنويري، ومسالك الأبصار لابن فضل الله العمري، والأغاني للأصفهاني، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردى، وديوان مهيار الديلمي. وتعددت بجانب دار الكتب الهيئات التي تعنى بالنشر حتى بلغ عددها سنة ١٩٤٨ أربعًا وعشرين هيئة ودار نشر. وقد انتشرت الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية تبعًا لازدياد عدد القراء، ورقى الأمة حتى بلغ عدد الصحف اليومية بمصر في سنة ١٩٥٠ اثنين وعشرين صحيفة؛ منها اثنتا عشرة في القاهرة وحدها، وبلغ عدد المجلات الأسبوعية ٢٠٣ مجلة، خص القاهرة منها ١٥٠، وعدد المجلات نصف الشهرية ١٨، والشهرية ٨٢، والرسمية ١٥، والمدرسية ٥٣، والصحف المتنوعة بجانب هذا كله ١٥ صحيفة٣، وقد نقصت بعض هذه الأعداد أو زادت في سنة "١٩٥٤"٤. إن هذه الصحف والمجلات جميعًا تلح على القارئ في أن يقرأ، وتحاول أن تجذبه إلى القراءة بشتى الوسائل والمغريات، وبعضها يعنى بالأدب الرفيع ويحتفي به، وبعضها يتملق الجمهور، ويشبع نزعاته الرخيصة، ومن المجلات التي كان لها أثر في الأدب وإفادته فائدة جليلة سواء بالنقد، أو بنشر الشعر.

стр. 596

والجيد من النثر في شتى الموضوعات: الهلال، والمقتطف، ثم السياسة الأسبوعية، والبلاغ الأسبوعي، والجديد للمرصفي، والرسالة للزيات، والثقافة لأحمد أمين، ثم الكتب التي كانت تصدرها دار المعارف، ومجلة كلية الآداب، وصحيفة جماعة دار العلوم، وكانت كل هذه المجلات الجادة تبذل مجهودًا جبارًا في اجتذاب القارئ العربي؛ لأن الأدب الرخيص يطغى على الجمهور، ويجتذبه بيسر، وهذا يسيئ إلى الحركة الأدبية كل الإساءة، وتلك ظاهرة يؤسف لها أشد الأسف، ولقد يئست كلها أخيرًا من هؤلاء القراء وأضناها التعب في جهادها المرير فاحتجبت جميعًا إلا مجلة الهلال؛ لأن الجهد الذي يبذل فيها لا يكافئ الربح الذي يعود منها بل كانت تمنى في كثير من الأحيان بخسائر أحنت ظهرها وأعجزتها عن النهوض بمهمتها السامية، وهذه ظاهرة يؤسف لها أشد الأسف وإن كان مما يعزينا بعض الشيء انتشار الكتب الأوربية التي تصدر في صورة "دوريات" عن دار المعارف والهلال وغيرها، وقد رأت الحكومة خلو الميدان من مجلة تعنى بالأدب الرفيع فعملت وزارة الثقافة والإرشاد على إصدار "المجلة" والرسالة والثقافة والمسرح وغيرها لتسد بها هذا الفراغ المريع. وإن حاولت بعض دور النشر سد هذا الفراغ. بإصدار كتيبات صغيرة كل مجموعة في سلسلة مثل. نوابغ الفكر العربي، ونوابع الفكري الغربي وتصدرهما دار المعارف، ومثل المجموعات التي أصدرتها الجمعية الثقافية المصرية بإشراف مؤلف هذا الكتاب في الأدب والاقتصاد والدين والنقد وغيرها. وقد دأبت وزارة الثقافة والإرشاد منذ مدة على إصدار كتب دورية بأثمان رخيصة، منها مجموعة: اخترنا لك، واخترنا للطالب، وكتب قومية، وكتب سياسية، وعيون المسريحات العالمية وغيرها، حتى تيسر على الجمهور القراء شراءها والانتفاع بها. كما عملت على تشجيع معرض الكتاب العربي في مناسبات مختلفة، ويقوم المجلس الأعلى للفنون والآداب بأعطاء جوائز تشجيعية وتقديرية للمؤلفين، وتعقد الدولة عيدًا للعلم كل عام توزع فيه الجوائز ويحضره الرئيس جمال عبد الناصر وكبار رجال الحكومة، وقد بلغت قيمة هذه الجوائز في عام ١٩٦٤ ثلاثة ملايين جنيه.

стр. 597

وبجانب هذا نرى إقبالًا على المحاضرات الأدبية، وانتشار قاعات المحاضرات والاهتمام بالأحاديث في المذياع، حتى بلغ عدد المحاضرات الأدبية والثقافية المتنوعة في عام ١٩٥١ ما يزيد عن ألف محاضرة. وقد انتشرت المطابع العربية في أنحاء القطر المصري حتى زاد عددها عن الألف١، وأخذت تزود الجمهور بشتى المؤلفات، والكتب المترجمة، والكتب القديمة التي نحا فيها العلماء نحو المستشرقين في الإخراج والتحقيق، وقد بلغ عدد الكتب الأدبية المؤلفة في سنة ١٩٤٧ مائة وثلاثين كتابًا، وفي سنة ١٩٤٨ ما يقرب من مائة وعشرين كتابًا، وفي سنة ١٩٥٠ ما يزيد عن مائة كتاب عدا كتب التاريخ والاقتصاد والفلسفة والاجتماع، والسياسة، والعلوم، والدين، والتصوف، واللغة، والمعارف العامة٢. ومن أشهر الكتب الأدبية التي ظهرت في السنوات الأخيرة؛ أبحاث ومقالات لأحمد الشايب، وأبو الفوارس لمحمد فريد أبو حديد، وأدب مصر الإسلامية للدكتور محمد كامل حسين، وعلى الأثير للعقاد، وقصصنا الشعبي للدكتور فؤاد حسنين، والجاحظ لشفيق جبري، ورحلة الربيع للدكتور طه حسين، وصوت العالم لميخائيل نعيمة، والنقد المنهجي عند العرب للدكتور محمد مندور والفتوة عند العرب والمسرحية لعمر الدسوقي؛ كما ظهر فيض من القصص ودواوين الشعراء والكتب المحققة. وقد عظمت العناية بالترجمة، وترجم الجيد والرديء من كل لغة، فترجمت أميرة بابل لفولتير، وأقاصيص لكبار كتاب الإنجليز، والإنسان الكامل، وجنيفا، وحيرة طبيب لبرناردشو، وترجم الدكتور طه حسين زاديج لفولتير، وترجم طعام الآلهة لويلز، والعالم الطريف لألدس هكسلي، وفي خلال العصور والآلهة عطاش لأناتول فرانس، وهنري وريتشارد الثاني والعاصفة لشكسبير عدا ما ترجمه مطران سابقًا، ومدرسة الزوجات لأندريه جيد، وسالومي لأسكار وايلد،

стр. 598

وأناشيد الرعاة لفرجيل، والحياة والحب وكليوباترا لإميل لوفيج ترجمة عادل زعيتر، والمتحذلقات لموليير، والندم لجان بول سارتر وقصة الحضارة لبول ديورانت ومئات غيرها١. وقد أخذت دار الهلال منذ سنة ١٩٥٢ تترجم أمهات القصص العالمية في أسلوب شائق وطبعات سهلة التناول، كما ترجم فيض من الكتب في مختلف العلوم، ولقد وفدت على الشرق في سنة ١٩٥٣ مؤسسة "فرانكلين" الأمريكية للنشر أسهمت في ترجمة أمهات الكتب الأمريكية في مختلف فروع المعرفة، وقد اتخذت مصر مقرًّا لها، وظهر من منشوراتها عدد من الكتب غير قليل، كما أن وزارة التربية والتعليم بمصر عنيت بترجمة المراجع ذات القيمة في العلوم المختلفة من شتى اللغات ويسرت نشرها وتداولها، وكذلك فعلت الجامعة العربية ودور النشر الخاصة وظهرت مجموعة الألف كتاب في شتى فنون المعرفة، كما ظهرت مجموعة الجمعية الثقافية المصرية، ونوابغ الفكر العربي والغربي وغيرها. ولقد نجم عن كل هذا: انتشار التعليم بأنواعه، وكثرة الصحف والمجلات، وحركة إحياء الكتب القديمة، والتأليف والترجمة من كل لغة تياران أدبيان في مصر يختلفان بعض الاختلاف في الهدف والآثار: "ظهرت هذه الآثار في الأزهر حين عرضت الكتب القديمة في اللغة والدين والتفسيرو الحديث والكلام والفلسفة بنوع خاص، فاضطرب إيمان الأزهر بالكتب القائمة والعلم المألوف، وأخذوا في ثورة على تلك النظم وهذا العلم لم تزل قائمة، ولم تظهر ثمرتها في الأزهر بعد. وظهرت بعيدًا عن الأزهر أذواق الكتاب والشعراء، وطائفة من القراء حين قرءوا طائفة من الشعر القديم: جاهلية وأموية، وعباسية، وحين قرءوا طائفة من كتب الأدب التي ظهرت أيام العباسيين، فرأوا من هذا كله حياة للحس، والعاطفة والعقل، وأحسوا بعدما ما بين هذا النحو من الأدب الحي، وبين ما ألفوه من هذا الأدب الميت، كما أحسوا أن هذا الأدب القديم الحي، أقرب إلى نفوسهم،

стр. 599

وأقدر على تمثيل عواطفهم، وتصوير شعورهم من هذا الأدب الجديد الميت"١، وبجانب هؤلاء الذين تذوقوا الأدب العربي القديم الحي، ووجدوا في لغته معينًا فياضًا يمدهم بما يعبرون به عن خلجات نفوسهم، وجدت طائفة تتنكر لهذه اللغة وحاولوا أن يتركوها، ويلجئوا إلى اللعة العامية؛ لأنها في نظرهم أقوى على التعبير عن مقتضيات العصر الحاضر وأقرب إلى فهم الجمهور، وأدعى إلى نشر العلوم العصرية٢، كما أن تيارًا قويًّا نحو الآداب الغربية وتقليدها قد سرى بين أدباء مصر والبلاد العربية. وقد فطن إلى أن اللغة العربية في حاجة إلى نهضة وتجديد وإحياء وتعريب كثير من العلماء، حين انتشرت الحضارة ووجدوا أنفسهم إزاء آلاف من الكلمات والتعبيرات الأجنبية لا يستطيعون نقلها إلى اللغة العربية، فيقول الشيخ إبراهيم اليازجي: يا ليت شعري ما يصنع أحدنا لو دخل أحد المعارض الطبيعية أو الصناعية، ورأى ثمة من المسميات العضوية من أنواع الحيوان، وضروب النبات: وصنوف المعادن، وعاين ما هناك من الآلات، والأدوات وسائر أجناس المصنوعات، وما تتألف من القطع والأجزاء بما لها من الهيئات المختلفة والمنافع المتباينة، وأراد العبارة عن شيء من هذه المذكورات. ثم ما هو فاعل لو أراد الكلام فيما يحدث كل يوم من المخترعات العلمية والصناعية، والمكتشفات الطبية والكيماوية، والفنون العقلية واليدوية، وما لكل ذلك من الأوضاع والحدود والمصطلحات التي لا تغادر جليلًا ولا دقيقًا إلا تدل له بين ألواح معجمات اللغة ألفاظًا يعبر بها عنه، ولا يغنيه في هذا الموقف كثرة أسماء الأسد والسيف، والعسل، والعبير"٣. ويقول فتحي زغلول "باشا" حاثًا على التجديد في تلك اللغة التي ورثناها عن آبائنا، والتي مثلت حضارتهم أيما تمثيل، ولكنها اليوم عاجزة عن أداء كثير من حضارة الغرب: "نحن إما عرب، أو مستعربون، أو أجانب عن لغة العرب، أو مولدون، فإن كنا الأولين فلنا حقنا في التصرف بلغتنا كما تقضيه

стр. 600

مصلحتنا، وإن كنا مستعربين فبحكم قيامنا مقام أصحاب هذه اللغة، وبكوننا ورثناها عنهم بعد أن بادوا، فليس من له أن ينازعنا في استعمال ما كان مباحًا لآبائنا من قبلنا، وإن كنا أجانب أو مولدين، فمن له أن يسيطر علينا ويحرمنا ثمرة الكد في حفظ هذه اللغة وتفضيلها على غيرها من سائر اللغات، فيلزمنا بالبقاء على القديم، ويحكم علينا بالجمود، واعتقال اللسان؟ أخذ العرب العلوم عن أهلها، ونقلوها إلى لغتهم، فلما وجدوا منها استعصاء في بعض المواضع ذللوها، وأخضعوا الغريب عنها لأحكامها، فأيسرت، ودرجت بعد الجمود، فكانت لهم نعم النصير على إدراك ما طلبوا من نور وعرفان. نسينا نحن أن زماننًا غير زمانهم، فكانوا أصحاب حول وطول، وذوي مجد وسلطان، ونحن على ما نعلم من الضعف والإنزواء، على أنهم في عزهم، وبعد فخارهم، وتمكنهم من أنفسهم لم يعتزوا بلغتهم، فلم ينفروا من العجمة؛ لأنها عجمة بل استخدموها حيث وجب الأخذ بها تمكينًا للغتهم، وحذرًا من أن يصيبها الوهن، إذا قعدوا بها عن مجاراة تيار التقدم، وهو أولو الرأي فيه، وخوفًا من أن يعيقهم الجمود فيها عن حفظ مركزهم العظيم؛ بين الأمم التي كانت تعاصرهم. ليس لنا أن نتمسك بالقديم لقدمه، وأن أصبح عديم الجدوى، وإلا فأولى بنا أن نكف عن الدرس والمطالعة، وأن نكتفي من كل شيء بما ورثنا عن الآباء لنعيش كما عاش الأولون. عليكم بالتقدم، فأدخلوا أبوابه المفتحة أمامكم، ولا تتأخروا فلستم وحدكم في هذا الوجود ولا تقدم لكم إلا بلغتكم، فاعتنوا بها وأصلحوها وهيئوها لتكون آلة صالحة فيما تبتغون، ولكن لا تكثروا من الاشتقاق الخارج عن حد القياس والمعقول، ولا تشوهوا صورتها الجميلة بتعدد الاشتراك، أو التجوز، ثم لا تقفوا بها موقف الجمود والعجمة تهددها على ألسنة العامة، وهي لا تلبث أن تدخل
следующие страницы →