ولقد تغنى في شعره كثيرًا بأنه كريم النفس، والقلب واليد:
ولي همامة نفس بالعلا كلفت ... قدمًا وقلب بأهل الفضل محلال
يهوى الكرام وما غير الكرام له ... من البرية أخذان وأمثال
أما كرم اليد فقد أفصح عنه بقوله:
حبب الفاقة لي أني فتى ... يجمع الحمد ويفنى النشبا
أما كرم القلب والحلم وامتلاك أزمة النفس حين يجتاحها الغضب فقد قال عن نفسه:
إن الكريم إذا ما اهتاجه غضب ... لم يلوه عن طريق الحكمة الغضب
ومن شأن هذه البدوي العربي، ولو كان في بيئة متحضرة يكثر فيها النفاق، وحب المنفعة الخالصة؟ وإيثارها على المثل العليا، أن يتمسك بالأصول الخلقية العربية النبيلة، إذا قواها في نفسه دين متين وعلم غزير، ونشأة في أحضان البادية منذ الصغر، وتطلب لفضائلها في كتب الأدب عند الكبر، من شأن هذا البدوي أن يكون وفيًّا لأصدقائه، عفيفًا في هواه، لا يعرف الصغائر والدنايا. أما وفاؤه فقد تمثل في ديوانه أتم تمثيل، استمع إليه يقول لصديق له:
وكلما اشتد بي حال ذكرتك في ... سر فيفرج عن ذلك الحال
يا روح روحي وريحاني إذا صرمت ... حبلى من الناس والأيام آمال
خفض عليك فودى ليس يخلقه ... كر الجديدين أو في الناس أو مالوا
إن الوفاء شيمة العربي، وقد زاده قوة في نفسه دينه الكريم:
الله في الود والقربى فإن لها ... حقًّا على الناس جاءتنا به الكتب
وترى هذا الوفاء في توديعه لأصدقائه وخلصائه الذين اصطفاهم لنفسه، ووافقت طباعهم طبعه، في مواساتهم إن ألم بهم خطب، وفي تهنئتهم إن ابتسمت لهم الحياة ببعض زخارفها وفي رثائهم إن أودوا واختارهم الله لجواره.
стр. 807
ألا ترى عبد المطلب في هذا الوفاء، وفي تلك السجايا الغر التي ذكرت لك طرفًا منها يمثل فتى من فتيان البادية الأقدمين وكأنك تتمثله عنترة الفوارس، أو عروة بن الورد أو حاتم طيئ، أو ربيعة بن مكدم في شهامته، وقوته، وكرمه، ووفائه، وذرابة لسانه، وبعده عن الدنايا:
ومن كان مثلي في ذرا الأدب اعتلى ... يعاف الدنايا شيمة والرذائلا
ورثت أبا بكر خفارًا وعزة ... ومن بعده أورثت في المد واصلا
بها ليل في عليا جهينة أصعدوا ... على خير ما يحذو الأخير الأوائلا
فذرني أسر حيث المكارم واحدلي ... على نغمات المجد إن كنت فاعلا
وهو يتغزل على طريقة العرب ويبتدئ قصائده بالنسيب، وهذا لا شك تكلف منه لا يصدر عن عاطفة ولكن عبد المطلب يحب الجمال في عفة، وهو يتغزل في هذا الجمال، والعربي مرهف الحس، جياش العاطفة، ذواقة للجمال، وإذا أضيف إلى هذا الميل نحو الجمال، دين وخلق، شاعرية، رأينا عبد المطلب لا ينحدر في غزله إلى فحش اللفظ، والتغني بمفاتن النساء في مباذلهن ولا يصبوا إلى دنس الهوى.
وما أنا من يصبو إلى دنس الهوى ... ولا ضل في نهج العفاف دليلي
إنه يعشق الجمال، ويغري به؛ لأن له نفس شاعر، وذوق فنان، ولكنه لا يتبع النفس اللجوج هواها، ولا ينزلق في تيار الغرام وحسبه من ذلك الجمال هذه المتع المعنوية التي تنتشى لها نفسه، ولا يذهب في حميا هذه المتعة رشدها، إنه ينام ملء جفونه شأن من لم يعلق قلبه بشباك الغرام.
وما شغلت عيني عن النوم صبوة ... بها شاقني طرف من العين أبرج١
ولم ينسنى حظى من الحلم والنهى ... جبين يروع الشمس بالحسن أبلج
стр. 808
ولا باب يغريني بمعسوله اللمى ... إذا ابتسمت ذاك الجمان المفلج
ولكن هل يستطيع عبد المطلب أن يتصرف في فؤاده دائمًا، والحب إذا أتى فلا راد له لأن المرء لا يعرف متى يأتي، ولا كيف يأتي، ولا شك أن عبد المطلب قد غلب على أمره أحيانًا، ولكن دينه وخلقه صان هذا الحب عن الرجس.
بتنا وكان العفاف سترًا ... بين الضميرين ليس يبلى
وللتقى بيننا عهود ... تقدست في القلوب قبلا
وما على الحب من مليم ... إذا الهوى بالتقى تحلى
ومن أهم صفات العرب المتميزة الغيرة، وقد تجلت غيرة عبد المطلب وحماسته، وإباؤه الضيم في وطنيته الملتهبة الصادقة. لقد ملك حب مصر عليه شفاف قلبه. دع جانبًا تلك القصائد السياسية المتأججة التي أسلفنا القول عليها، بل تأمل عشقه لمصر، ولصعيد مصر، وترداده لذكرها بقلب مليء بحبها، مدله بها، يراها منبت المجد منذ نشأة الحياة على الأرض بل قبل ذلك:
ولربما شهد الزمان وجوده ... والأرض ماء، والسماء ضباب
النيل آيته، وسطر حديثه ... في العالمين، ولا بتاه كتاب١
حتى إذا برز الورى من غيبهم ... وتميزت ببنيهم الأنساب
فإن عروس الأرض مصر يزينها ... أطام عز تعتلى وثياب
وهو لا يتردد أن يفدي مصر بحياته، ويدعو الله أن تسلم من الأذى، وينزلها منزلة الأم:
مصر أمي فداء أمي حياتي ... سلمت أمنا من العاديات
стр. 809
ومن فرط حبه لمصر نسي أنه عربي بدوي، وراح يشيد بمناقب مينا وخوفو، ورمسيس، والحق ألا تعارض بين نسبه العربي، وفخره بمصر، وبمن شادوا مجدها القديم فهو اليوم مصر الموطن والمولد، ينعم بخيرات مصر، ويتمتع بجناتها وأجوائها، وقد دافع عن رأيه هذا بقوله:
رويدك إنا في العلا يوم ننتمي ... كلانا أبوه النيل أو أمه مصر
لنا آية الأهرام يتلو قديمها ... حديث الليالي فهي في فمها ذكر
ملأنا بها لوح الوجود مناقبًا ... إذا ما خلا عصر تلاها به عصر
وللعلم من آثارنا في جبالنا ... على الدهر آيات بها ينطق الصخر
إذا جهلوا مينا وخوفوا وخفرعا ... فليس "برمسيس على ملكه نكر
لنا كل ما في الأرض من مدينة ... بها تعمر الأمصار والبلد القفره
لنا في الورى حق المعلم لو رعوا ... لنا ذمة وادهر شيمته الغدر
ويقول في هذه القصيدة مضمنًا المثل الأوربي المشهور "الدين لله والوطن للجميع".
كلاهنا على دين به هو مؤمن ... ولكن خذلان البلاد وهو الكفر
إذا ما دعت مصر ابنها نهض ابنها ... لنجدتها سيان مرقس أو عمرو
وهو في وطنيته هذه يأنف من الاحتلال وذل العبودية والاستعمار؛ شأن العربي الذي ألف الحرية المطلقة:
حرام علينا أن نعيش أذلة ... وذو الذل أولى ما يكون به القبر
ولما رأى الخلف دبب بين المصريين بعد ثورتهم العظيمة، وانقسموا شيعًا وأحزابًا وهنت بها قوى مصر، وخفت صوتها في المطالبة بحقوقها قال:
فيا مصر إن عز الوفاء فإننا ... على العهد لا نلوي ولا نتغير
стр. 810
إذا صاع قوم بالخلاف رأيتنا ... لبرك أيقاظًا لضرك تحذر١
أتخذل مصرًا في بنيها وهذه ... ذئاب الليالي حولها تتنمر
وقد ندد بهذا الخلاف في قوة وصرامة، وأنذر قومه عاقبة أمرهم، وأنها خسران مبين وضايع للوطن:
عبثت بوحدتنا الخطوب وأعملت ... في غرس أيدينا يد الإتلاف
والخصم يحجل بيننا للشر في ... ثوبين ثوب موافق ومنافي
متنمر يغري العداوة بيننا ... بالكيد والتفريق والإرجاف
أو ليس فيما قد مضى من عبرة ... لبني أبي والأسر ليس بخافٍ
أو لم يروا أو يسمعوا نذر الورى ... تطوى إلينا لجة الرجاف٢
ولعلك تذكر قول مطران في صعيد مصر، وتعليقنا عليه بأنه لم يكن محبًّا له، ولو كان محبًّا حقًّا لرأى مساوئه مفاخر، وشينه زينًا٣ على حد٤ قول الشاعر القديم:
فتضاحكنَ وقد قلنَ لها ... حسنٌ في كلّ عين من تود
وعبد المطلب كان عاشقًا لمصر ولصعيدها، يرى الجمال حيث لا يراه سواه والمحب مفتون.
سر الجمال جمال مصر إذا سرت ... ريح الشمال بها وعب النيل
بلد جريت إلى المنى في ظله ... سبحًا على اللذات وهي شكول
أرد المرابع والمصايف سادرًا ... أختال بين ظلالها وأجول
لي في الصعيد إذا شتوت منازل ... فيها سراة العالمين نزول
بهرت مصانعها الزمان ولم تزل ... للعقل فيها حيرة وذهول
стр. 811
جلست على الآباد في جبرية ... يقف البلى من دونها، فيحول١
مشتى الملوك، مراد أرباب النهى ... هذا يحل بها وذاك يزول
فيح إذا نهض القريض لوصفها ... يحلو القريض بوصفها ويطول
وإذا بكى الأثلاث "يحيى" شاقه ... مغنى جفاه بقدر قرى ومقيل٢
عنيت نشوان القريض يهزني ... سدر بريف جهينة ونخيل
هذه هي نظرة المحب، وشتان بين نظرة عبد المطلب ونظرة مطران للصعيد، وقد بلغ من حبه لمصر وللنيل أن يطلب من محبوبته أن تحب النيل معه، أو أن تحبه حبًّا يعادل حبه للنيل:
عديني حب النيل إني أحبه ... ولا تمطلي فالحر غير ملوم
وأفصح عن هذه المحبة وهو بعد شاب، في أول عهده بالتدريس، وأخذ ينشئ تلاميذه على تقديس مصر والوطن والفناء في خدمتها ورقيها، فيحفظهم قوله:
نعم لخدمة مصر ... نرى الكثير قليلا
بلادنا ترتجينا لها ... النصير الكفيلا
مصر لنا خير أم ... عن حبها لن نحولا
فإن رأتنا صغارًا ... غدًا ترانا كهولا
ذوي نفوس كبار ... نبغي المكارم سولا
стр. 812
هذه قطرات من فيض الشعر الوطني الذي خلفه عبد المطلب، ولقد بينت بعض اتجاهاته في غير هذا الموضوع١، وكله ينبئ عن نفس حرة غيور تأبى الذلة، وتضيق بالعبودية؛ ولقد كان قاسيًا على الأعداء، سلط عليهم من لسانه نارًا حامية، بل كان من أجرأ الشعراء وأعظمهم أثرًا في الثورة ولا ريب أن النشأة البدوية العربية الدينية ولدراسته أثرًا قويًّا في هذا الاتجاه، وفي هذه الحماسة التي لا تهاب شيئًا.
والآن، وبعد أن عرفت شيئًا عن خلقه وعن أثره في شعره، دعنا نلقي نظرة عجلى على هذا الشعر:
شعره:
ومحمد عبد المطلب شاعر غنائي ذو وتر واحد، ولكنه وتر قديم، وقد يترنم أحيانًا بنغمات جديدة حين يعرف أغنيات الوطنية أو يصور بعض الحالات؛ حاكى في شعره الأقدمين من فحول الشعر العربي ووعى من ذخائر اللغة ما مكنه من أن يتصرف في الألفاظ كيف شاء، ولا بدع فقد قرأ القرآن صغيرًا واستظهره، وقرأه بالقراءات، وحفظ دواوين الفحول.
ومحمد عبد المطلب نسيج وحده في العصر الحديث؛ لأنه يتبدى في شعره: خيالًا ولفظًا، ومعنى، ولم يحد عن طريقة العرب في نظم القصيدة، وطريقتها، وإن كان قد حاول التجديد في القالب حين نظم مسرحية "ليلى العفيفة"، ومسريحة "المهلهل بن ربيعة وحرب البسوس"، وحين كتب قصة امرئ القيس، وطرزها بشيء من شعره، ولكن المعاني والخيالات ظلت بدوية شأن بقية شعره.
قلنا إن محمد عبد المطلب نسيج وحده؛ لأن شعراء المدرسة القديمة أمثال صبري، والبكري، وحافظ، ونسيم وغيرهم حين حاكوا الشعر العربي القديم، لم يلجئوا إلى غريب اللغة، والعصر الجاهلي، وإنما حاكوا شعراء العصر العباسي الممتازين، وشعراء الصنعة في العصر المتأخرة، وشعراء مصر المشهورين بالرقة أمثال البهاء زهير، والشاب الظريف. أما محمد عبد المطلب فكان لتمكنه في اللغة، وحفظه لغريبها يحاكي شعراء بني أمية أو شعراء العصر الجاهلي.
стр. 813
إن محمد عبد المطلب كان يعيش بخياله الشعري في جزيرة العرب، يستمد منها تشابيهه ويرى معالمها بين خياله فيسجلها في شعره، أو كان روح شاعر من شعراء الجاهلية أو العصر الأموي قد تقمصت جسده، فهي تحكي ما كانت ترى في العصر الذي عاشت فيه، استمع إليه يقول:
ولاحت لعيني تلك البروق ... بوادي تهامة والمنحنى
ومرت تهادى نجارية ... لها زفرت ترج الفلا١
ذكرت ربوعًا لسلمى مضى ... منا لعيش في ظلها ماضي
ولا شك أنه لم ير في مصر بروقًا، ولا وادي تهامة ولا المنحنى، وإنما سبح بخياله في تلك الديار، واستمع إليه يقول من قصيدة أخرى:
سقيت الندى يا منزل الثمرات ... وجاءتك غر المزن منهمرات
مغان بها عيش الصبا أن ناعمًا ... وغرس الأماني طيب الثمرات
وقفت بها صحبي فحيت ركابنا ... ضواحك من أزهارها النضرات
ولم ينسنى عهدي به منزل الغضا ... وغر ليال فيه مزدهرات
ولا مسرح الآرام فيه أوانسًا ... تهادين في شرخ الصبا خفرات
فمنزل الغضا، ومسرح الآرام ليس بمصر، وإنما هما في نجد أو الحجاز. إن عبد المطلب يتشوق أن يرحل إلى الحجاز أو نجد، ويستعيد عهد أسلافه، فروحه متعلقة بتلك الديار، ولا أدل على ذلك من قوله:
برق يلوح، وسائق يحدو ... يا شوق هل لك غاية بعد
ونوى تشط بنا مطرحة ... أنا فالغوير ودارهم نجد
يا رحمتا كبد تخونها ... برح الغرام، ولاحها البعد
ذكرت معاهدنا بذي سلم ... أفلا يعود لنا بها عهد٢
لو أن أيام الغضا رجع ... أو أن ما سلفت به رد
فهو يتشوق لنجد، وذي سلم، وقد شطت به النوى حتى تفطرت كبده من شدة الغرام وغيرها البعد؛ لأنها ذكرت معاهدة بذي سلم "موضع بالحجاز"
стр. 814
ويتمنى أن تعود تلك العهود، وترجع أيام الغضا، إلخ، وليس هذا شعر شخص يعيش في مصر ويرى النيل والجزيرة، وسيف البحر المتوسط، والمغاني العامرة، والجنان الفيح، والآثار الباهرة، إنه يعيش في مصر بجسده، ولكن روحه في رحلة طويلة إلى جزيرة العرب، وقد تعود فترتد مصرية الشعور والعاطفة.
ولما قال شوقي قصيدته المشهورة "اختلاف النهار والليل ينسى" يتشوق فيها إلى الثغر والمكس، ويحن حنينًا شديدًا لمصر ويقول:
يصبح الفكر والمسلة ناد ... يه وبالسرحة الزكية يمسي
وينفثها نفثة الملتاع من حر للفراق، الذي تجسمت أمامه كل معالم مصر، وتفطرت نفسه حسرات أسفًا لغيابه عنها، وشوقًا إليها أجابه عبد المطلب بأنه إذا حن إلى مصر فإنه يحن إلى "الغوير وجلس" حين يقول:
ما له في الحنين يضحى ويمسي ... شفه البرق لاح من "عين شمس
واستخفت به الصبا فتناسى ... عهده في الوقار والشوق ينسى
حن في شجوه إلى جبل الطيـ ... ـر حنيني إلى الغوير وجلس١
وهو يشبه نفسه بامرئ القيس إذ يبكي ما بين "حومل فالدخول":
مالي وللربع المحيل ... أبكيه بالدمع الهطول
نوع الحمامة رجعت ... بين المعاهد والطلول
أو كابن حجر إذ بكى ... ما بين حوامل والدخول
وقد تهيم نفسه، ويغلو في حنينه إلى تلك الديار التي يسبح خياله في عرصاتها ووديانها والتي تشبع بها عقله من كثرة ما قرأ في الأدب القديم ووعي منه، ولكثرة ما فكر فيها فيفضل الخزامى على رياض النيل، وثرى نجد وإن كان حجارة على تربة مصر الخصبة الممرعة، والسحب التي تمر بنجد وإن كانت جهامًا على النيل العظيم، وهذا غلو منه ولا ريب، وجموح في الخيال، ولم يصدر
стр. 815
عنه ونفسه في اتزانها وهدوئها، وعقله في تمام وعيه، ولكنه الهيام والشوق إلى معيشة البادية، والحنين إلى الماضي العتيق:
فذكا الشوق بقلب لم يخن ... لربي نجد وإن شطت ذماما
لم يخن عهدًا لأيام الغضا ... إن أيام الغضا كانت ذماما
ما رياض النيل ما عهدي بها ... ناعم العيش كعهدي بالخزامى
ما ثرى مصر وإن كان الثرى ... كثرى نجد وإن كان رضاما
لا ولا النيل وإن كان الحيا ... كغواديها وإن مرت جهاما
وشاعر هذا خياله البدوي، وهذا ثقافته القديمة لا ينتظر منه أن ينتزع تشبيهاته واستعاراته وألفاظه إلا من تلك البيئة المتبدية، وإلا أن يحاكي الشعراء الأقدمين، ويحاول جهده أن يكون مثلهم في كل شعره، فعاطف بركات حين مات تحمله "نجب الردى".
وهل حملت نجب الردى مثل راحل ... بكته المعالي من بني بركات
وعدلي وزملاؤه في الوزارة "أسد بيشة".
في رفاق هم أسد بيشة بأسًا ... أو هم النجم في سناء ونبل١
وأحمد تيمور حين يموت جبل أشم يصير إلى القبر:
وأرى المكارم يوم أحمد صورت ... فسعت إلى الأجداث وهي سرير
يا حامليه إلى الثرى أرأيتم ... شم الجبال إلى الرجام تصير٢
ويرى الموت يغتال عظماء مصر واحدًا بعد الآخر، فيرمي اليوم قارحًا، وفي الصبح غد جازلًا٣، فرجال مصر في رأيه جمال.
ما للردى في مصر مستأسدًا ... يعدو على أبنائها غائلًا
стр. 816
إذا رمى اليوم بها قارحًا ... منهم رمى صبح غدٍ بازلا
وحين يرثي سعد زغلول يمدحه بأنه كريم النجار، شريف المحتد فيقول:
أن "محتد خندفي"١.
وعدلي يكن يسافر للمفاوضة فهو "يزجي إلى حلبات السلام النجب":
قالوا السلام، فقام قائدنا ... يزجي إلى حلباته النجبا
وحبيبته:
ذليلة أجفان عزيزة معشر ... لها الأسد أهل والأسنة غيل
بداوته، وعدم تأثره بالإسلام، وغاية الرقة عنده رقة "توبة" أو رقة جميل بن معمر:
ولدا إذا شئنا جزالة جِرْوَل ... وإذا نرق فتوبة وجميل
أما نسيبه وتشبيهات حبيبته في البداوة، ولا أستطيع أن أسوق هنا كل ما قاله في النسيب من هذا الطراز البدوي، وحسبي قطعة واحدة لأن كل نسيبه على هذه الشاكلة، قال فيما سماه "دالية أسوان".
خليلي قلبي لسلمى عميد ... ووجدي بها كل يوم يزيد
يذكرنيها إذ جن ليلي ... شمال تهب وغصن يميد
وبرق يلوح وطير ينوح ... وحاد له في المطايا نشيد
فأما الشمال فتهدي شذاها ... وكالغصن ذاك القوام الميود
ونوح الحمام نشيد الغرام ... ينشف سمعي منه القصيد
وما البرق إلا وميض الثنايا ... إذا ابتسمت فهي در نضيد
وأبكي إذا ما حدا الركب حاد ... لما كان يوم افترقنا بعيد
تناءى بك البين عن دار سلمى ... وكل قريب المطايا بعيد
стр. 817
فهل لك في صفو عيش رجاء ... ومن دون سلمى فياف وبيد
رعى الله عهدك من عالج ... وحيا ربوعًا حوتها زرود١
وعهد الهوى بيننا قائم ... أو أخيه محكمة والعقود
ليالي اللهو بها لا أخاف ... القلى والحواسد عنا رقود
إلى غير ذلك من هذا النسيب الذي يدل بادء الأمر على أنه مفتعل لم يصدر عن عاطفة وإنما قيل محاكاة للأقدمين في ابتدائهم القصائد بمثل هذا النسيب، ويدل بعد ذلك على عدم ابتكار في أي معنى من معانيه، فكله ترديد لما قال شعراء الجاهلية والعصر الأموي، ولا أود أن أقول العصر العباسي لأن هؤلاء ربما افتنوا في المعاني، ويدل ثالثًا على خيال بدوي لشاعر يقيم في الصحراء، وتشتد حساسيته للبرق، ولقدوم الليل، ولريح الشمال حين تهب، وتحرك الغصن، وللطير حين ينوح، وللحادي الذي ينشد المطايا يستحثها على السير؛ لأن لهذه الأمور معنى لديه، إذ تذكره ببعض التغيير في حياته الرتيبة؛ ولأن في بعضها منافع له كالبرق وهو نذير المطر، والحادي وهو يقدم القافلة سواء كانت آتية بتجارة، أو ذاهبة بها، فهذه أمور تتصل بحياة البدور ويهتمون بها أكثر من اهتمام الحضر له. ثم ألا تراه يتذكر عهدها بعالج وزرود، وأين الشاعر من عالج وزرود وهو يعيش في حضن النيل العظيم وفي كنف القاهرة عروس الشرق؟. إن هذا تقليد عجيب عللنا له فيما سبق بأن خيال الشاعر يفلت منه أحيانًا، ويهيم بالبادية، ثم أين هو الحادي الذي يحدو الركب، فيبكيه ويشجيه، وليس في مصر إلا القطر البخارية؟ وهل حقًّا من دون سلمى فياف وبيد؟ أتقيم سلمى في مصر أم في الجزيرة العرب؟ إن كل هذا يدل، ولا ريب، على أنا الشاعر يحاكي بهذا البيت شعراء البادية، بل إن لشعراء البادية غزلًا عاطفيًّا جميلًا ينم عن لوعة ترعى الفؤاد، ونار غرام عاتية، وقد افتنوا في المعاني الغزلية، وأتوا بكثير مما يقال في إخلاف الوعد، والهجر، والشوق، والعذال، واللقاء، وحسبك أن تقرأ شعر جميل بن معمر. وكثير عزة، وقيس بن الملوح، استمع إلى قيس بن الملوح يقول في ريح الصبا وأثرها في نفسه ومنزلتها عنده:
стр. 818
أيا جبلى نعمان بالله خليا ... سبيل الصبا يخلص إلى نسيمهم
أجد بدرها أو تشف مني حرارة ... على كبد لم يبق إلا صميمها
فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت ... على نفس محزون تجلت همومها
هذا وحبيبة عبد المطلب -وإن كانت له حبيبة- ليست إلا ظبيًا أو جؤذرًا١
صب بربع البادنة الأخضر ... بات صريع الظبي والجؤذر
وإذا ترك ربع البانة الأخضر وتذكر أنه في مصر، وانتقل بهذا الجؤذر إلى سيف الجزيرة على النيل.
على النيل من سيف الجزيرة جؤذر ... هفا قائهًا والحسن بالتية يأمر
أو انتقل به إلى "الحلمية":
درجن من الحلميتين فما المها ... إذ ما توسطن الطريق وما العفر٢
فهن كأسراب الحمام تتابعت ... سوابح مرماها الجزيرة والجسر
لقد انطبعت هذه الصورة والتعبيرات في ذهنه، وكان له بها غرام، ولقد هام بغريب الألفاظ هيامًا عجيبًا، وضمن قصائده كثيرًا من أمثال العرب المشهور منها وغير المشهور مما يدل على غزارة محفوظه من التراث القديم، من ذلك قوله:
عدونا إذا بانت بكم عن رباعنا ... نوى قذف بالعود، فالعود أحمد
وقوله:
أسعديهن بالهديل فقد عيَّ ... لسان القريض بالإسناف٣
وقوله:
وإن تر شعبًا بالجهالة سابحًا ... فقل لعداه رمد الضأن ربق
стр. 819
مأخوذة من المثل: "رمدت الضأن فريق ربق"، ورمدت الضأن نزل لبناها قبل النتاج، وربق أي هيئ الأرباق وهي الحبال التي تشد فيها رءوس أولادها، ومعنى المثل إن الضأن قد عظمت ضروعها فأعد الحبال لأولادها، وهو يريد أن هذا الشعب السابح في الجهالة اليوم سيكون منه ما لا ينتظر وقوعه في غد.
وهو يعدل عن الكلمات المألوفة إلى الكلمات الغربية لغير ما عذر أحيانًا مثال ذلك قوله:
يلقى أخاه كما يلقى أباه على ... حال بها يتباهى الخيم والأدب
فاستعمل كلمة الخيم بدل الطبع أو الخلق، و"الطبع" تستقيم في البيت، ومثل كلمة "الرجام" أي القبور في قوله:
ما زلت سرًّا في الرجام محجبًا ... من دونه الصخر الأصم حجاب
وله استعمالات مغرقة في الغرابة كقوله:
وكواكب تجري على فَلَك الردى ... فاليومُ أيوم والنهار شرير
وقوله:
فما لداري أصبحت حجرةً ... فيها نبا جنبي عن مضجع
حجرةً أي: كثيرة الحجارة، وقوله:
فوارحمتا لابن الحكومة قوسه ... قلوع وهل يرجى سداد قلوع
والقوس القوع هي التي تنفلت حين النزع فتنقلب، فلا يرمى بها، وإذا رمى بها فلا يصاف الهدف.
وقوله: "نجلته أمهة" يريد أما١، والخمر عنده "جربال" في قوله:
يهفو النسيم عبيرًا من شمائله ... كأنما هو في الألباب جربال
ولا نشعر حين يختار القوافي الصعبة النادرة كقافية الجيم، أو القاف مثلًا أنه يتكلف هذه القوافي، أو أنها قلقة، أو أنه برم بها، فلا يلبث أن يوجز وينهي القصيدة، وإنما الأمر عنده على العكس فقصيدته القافية في حوادث الحرب الكبرى الأولى تزيد عن المائتي بيت جمع فيها كل قافية مستعصية مثل "الزنيم الخفلق٢"، و"ميثاء سملق٣" و "الحارس المتنفق٤"، ومثل قوله:
стр. 820
فما لبثوا أن أرزم الموت بينهم ... بداهية من حول غزة بهلق١
ومثل قوله:
فهذا فريق في التلال مصرع ... وذلك فوق الأمعر المتوهق٢
وهذه القصيدة وحدها أكبر دليل على تمكنه من غريب اللغة. وله غيرها قصائد وعرة القافية واللفظ كقصيدته في رثاء حمزة فتح الله التي مطلعها:
كبد بما صنع الأسى تتمزع ... بأن الخليط بها عشية ودعوا
وكل شعره جزل قوي التركيب، شديد الأسر، محكم القوافي، غاص بالغريب، له جللجة ورنين في الأذن واسنجام موسيقي رائع، يدل على أن صاحبه لم يتكلفه وإنما كان ينطلق من لهاته كالسيل جارف.
وإذا نظرنا إلى أغراضه وجدناه يقول في الأغراض المعروفة عند العرب من قبل، وإن كان قليل المديح؛ لأنه لم يك يرجو ثوابًا من أحد، أو يطمع من منصب، وليس من شعراء الحاشية وطبعه البدوي يربأ به عن الزلفى والنفاق، ولذلك لم يمدح إلا لفكرة، أو غاية سامية، وَجُلّ ثنائه على أصدقائه الذين أسدوا إليه جميلًا، وليس له في السطان عبد الحميد إلا قصيدة واحدة بمناسبة إعلان الدستور، وقد كان نافرًا من حكمه ينعى عليه استبداداه وجبروته، وقد ذم عهد عبد الحميد في قصيدة طويلة بعث بها إلى صديقه الشيخ عبد القادر المغربي، وكان مضطهدًا في عهد عبد الحميد وفيها أبيات تجري مجرى الأمثال، من هذا قوله:
إذا الملك لم يعط الرعية حقها ... فغير عجيب أن يهان ويخلعا
وقوله:
وما الملك إلا ما أقامت له الظبا على الحق صرحًا سامي العرش أتلعا٣
وليس له في الخديو عباس سوى قصيدتين إحداهما قالها حين عاد الخديو من الحج ولقد أفاد عبد المطلب من إنصرافه عن المديح، فعنى بالأمور العامة لوطنه، ومراثيه أكثر من تهانيه ومديحه، وهي قوية جدًّا، تنم عن عاطفة غلابة،
стр. 821
ولم يرث إلا صديقًا أو زعيمًا وطنيًّا، وقد علمت مبلغ وطنيته، وصدق ولائه لفكرة الوطن والاستقلال، وعداوته للمحتل الغاصب، فإذا مات الزعيم فقد فقدت الأمة قائدًا محنكًا وهي في أمس الحاجة إليه وإذا رثى أعطاك صورة واضحة عن المرثي، ولا يحفل بهذه الحكم المبتذلة، والمواعظ المتصنعة؛ وذلك لأنه يقول عن عقيدة وفكرة، ومرعفة تامة بخلال من يرثي وأعماله ومنزلته. خذ مثلًا رثاءه لسعد زغلول:
نعى الناعي بجنح الليل سعدا ... فيا لله ما فعل الصباح
جموع بالعراء مدلهات ... تموج بها على السعة البراح
وأفئدة خوافق داميات ... تفري في جوانبها الجراح١
وأجفان أجف الدمع فيها ... جوى بالضلوع له التياح٢
وأبصار سكرن فلا انطباق ... ترف به العداة ولا انفتاح
وليل بالأسى والخطب ساج ... ويوم من جوى الأحشاء راح٣
فلا تلم النفوس جرين دمعًا ... وراء الظاعنين غداة راحوا
أتلحا أمة ثكلت أباها ... أضلهم الحجا فبكوا وناحوا
إذا كتموا الأسى جلدًا ألحت ... عليهم لوعة البلوى فناحوا
أن لولاه وما عرفوا حياة ... ولا عرفانًا للاستقلال راحو٤
ثم يروح يصور لك سعدًا ومنزلته، وما صنعه لقومه تصويرًا بديعًا قويًّا، مشوبًا بعاطفة تضطرم بين جوانحه أسى ولوعة لفقد هذا الزعيم، وكل مراثيه عامرة بهذه العاطفة، مما يدل على أنه لم يكن يرثي مجاملة أو نفاقًا، وإنما كان يرثي لأنه محزون مكلوم الفؤاد، استمع إلى رثائه في صديقه الشيخ عبد العزيز جاويش بعد مضي عام على وفاته وكيف يبدأ قصيدته:
ليل شربت به الهموم أجاجا ... جعل الأسى لكؤسهن مزاجا
стр. 822
خرست جوانبه ولج ظلامه ... يا ليل مالك بالدجى ملجاجا
وله فيه قصيدة أخرى طويلة حين وفاته وفيها يقول:
يا قوم من أبكى ومنذا الذي ... أنعى إليهم بالأسى ذاهلًا
أنعى أخا العمر شقيق الصبا ... هيهات قد ولى الصبا حافلا
من لمضيم لم يجد موئلا ... من ليتيم لم يجد عائلا
من للتي تحت سواد الدجى ... يزري أساها دمعها إلهامًا
ما بين أطفال كزغب القطا ... ما كسيت رفًا ولا طائلا١
عودها عبد العزيز الندى ... ترجو لديه غيثها الثاملا٢
دار العلوم احتسبي فقده ... نجمًا هوى تحت الثرى أفلا
أرسلته نحو العلا فانبرى ... لأواهن العزم ولا واهلا٣
يغريه بالبأساء حب العلا ... يلذ فيها الموقف الهائلا
سائل به "برلين" إن شئت أو ... لندن أو باريس أو نابلا
وأسأل به "جيرون" أو أختها ... فروق وسائل به كابلا٤
كل له فيها مقام على الـ ... إسلام لم تعدل به عادلًا
مجاهد في الله لم يرتقب ... من أحد برًّا ولا نافلا
ويؤسفني أن يضيق المقام عن إثبات هذه القصيدة كلها هنا؛ لأن ما اخترته منها ليس بخيرها، وهو غير مرتب؛ لأنها كسائر شعره في الرثاء من عيون القصائد، وإن كانت معانيه كلها قديمة، ولكن عاطفته وحسن تصويره لمواقف الحزن، وإشادته بمآثر المرثي تضفي على القصيدة روحًا جديدة. ولعلك تلحظ أنه
стр. 823
يظهر اللوعة والألم وشدة الحزن في رثائه وهذا شأن الشعراء الذين يرثون وهم مفجوعون، ولا تجد له في رثائه بيت حكمة أو موعظة كما ترى عند شوقي، فالقصيدة كلها في المرثى، وبعد هذا الباب من أقوى أبواب شعره.
وثمة غرض آخر من أغراض شعره كان فيه صادقًا لأصله العربي، وذلك هو الوصف، فقد اشتهر العرب بالدقة في الوصف، ولا سيما إذا كانوا بدوًا؛ لأن الصحراء قد أرهفت حواسهم، فعنوا بدقائق الأشياء، وقد بينت فيغير هذا الكتاب أثرها فيهم وفي أدبهم١.
ومن الغريب أن عبد المطلب يحسن تصوير الحالات أكثر من تصوير الأشياء، ولعلك تتذكر ما نقله نجيب حداد عن الفرق بين الشعر العربي والغربي٢ في هذا الموضوع، وأن الغربيين اشتهروا بوصف الحالات على العكس من العرب، وهذا يدل على شاعرية قوية لدى عبد المطلب، ولو أوتيت حظًّا من ثقافة غربية أو وجهت توجيهًا لأبدعت أيما إبداع.
ومن تلك الحالات التي صورها فأجاد تصويرها حال المعلم، وتعسف الإنجليز في مصر وتصوير حاله وهو ضيف بقصر الباسل، وتصويره لموظف الحكومة إبان الحرب العالمية الأولى، وما عاناه من غلاء، وبؤس وشقاء، وتصوير للجنود الإنجليز وسواهم بمصر أيام الحرب العالمية الأولى، إلى غير ذلك من الحالات التي أهاجت شاعريته، فاستجابت لها، وأبدعت في تصويرها. خذ مثلًا قوله يصف حال بعض الطلبة المصريين وقد هوى بهم قطار في طريقهم إلى برلين يطلبون العلم بعد الثورة المصرية:
حملوا منى لو أن جذوتها ... لفحت جبال الألب تستعر
بأبي نفوس في الدنا زهدت ... فمضت لدار الخلد تبتدر
بأبي غرانيق الصبا ذهبت ... أشلاؤها في الترب تنتثر
بأبي دم قانٍ هناك جرى ... فوق الثرى كالمسك ينتشر
стр. 824
بأبي صريع ولا وساد له ... إلا الثرى المخضوب والحجر
صاح يخد الأرض من ألم ... أو ذاهل مما به خدر
ولربما نادى أبي ودعا ... أمي ودمع العين ينحدر
لقد استطاع عبد المطلب في هذه القطعة أن يحلق في سماء الخيال ويستحضر المنظر البشع، ويعطيك منه صورة قريبة من الحقيقة وهذه هي الشاعرية المركبة كما مر بك، استمع إليه كذلك يصف حال المعلم وبؤسه، وكده في سبيل العيش، وسهره المتواصل في سبيل النشء، والناس يثرون وهو لا يزال في فقره.
سلو عنه جنح الليل كم بات متعبًا ... تناز حواليه النجوم ويسهر
سلو عنه يمينًا قرح السهد حفنها ... يخط عليها في الظلام ويسطر
سلوا عنه جسمًا بات بالسقم ناحلًا ... فلا البرء مأمول ولا هو يعذر
سلوا عنه أسفارًا قضى الليل بينها ... غريبًا عن الدنيا وأهلوه حضر
سلوا عنه قلبًا بات يخفق رحمة ... على فتية من حوله تتضور
يروعه صرف الليالي عليهم ... وعات حواليهم من البؤس يزأر
فإن مد للدنيا يدًا يستمدها لهم ... عنه ولت وهي غضبي تشزر
سلوا عنه غخوانه قضى العمر بينهم ... غدوًا في ثراء وهو بالفقر أخير
وهذا وصف دقيق صادق لحال المعلم المخلص في عمله، ولا نجد له نظيرًا في أدبنا الحديث، وهاك ما قاله وهو ضيف بقصر الباسل، وهو على ما به من إيجاز يعطيك صورة واضحة عن حاله ثمة:
وليال مضيت بالقصر غر ... ضافيات السرور والإيناس
لم أكن فيه مثل ما ينزل الضيـ ... ـف غريبًا في حشمة واحتراس
إنما كنت بين أهلي وإخوا ... ني مقيمًا في معشري وأناسي
стр. 825
وهاك ما قاله في موظف الحكومة إبان الحرب العالمية الأولى وقد اشتد به الضيق وحزبه الضر، من شدة الغلاء، وكثرة البلاء حتى وضعت منزلته بين قومه، وهان على الناس، وعلى حين أثرى الجهال وارتفع السفلة.
طليح أسى كابن الحكومة لاحه ... تباريح هم بالفؤاد وجيع
لقد كان في بحبوحة من حياته ... وحِرز عن الفقر المهين منيع
يمر فيغضى الناظرون مهابة ... وإن هو حيا أومأوا بركوع
فأصبح مهزول المكانة خاملا ... همامة حر في ثياب وضيع
يرى الناس في أكناف مصر تربعوا ... منازل عيش باليسار وسيع
فمن زارع ضاقت خزائن بيته ... بغلات بنات له وزورع
ومن تاجر إن ترجع القول عنده ... حرمت إذا لم تأته بشفيع
إن هذه صور زاهية فيها إلمام بالحالة النفسية والظاهرية، تدل على مقدرة، وعلى دراسة وتمكن من الموضوع، وعلى شاعرية وحسن أداء.
ولا تحسبن أنه في وصف الأشياء دونه في وصف الحالات، فوصف الشيء هو ما برع فيه العرب، وقد أثبت ديوان عبد المطلب فيضًا من الموصوفات ما بين حسي ومعنوي وكان له غرام بوصف بعض المخترعات الحديثة كالقطار والطيارة، وتراه لا ينفك في كثير من القصائد يذكر البخار وعجائبه.
فمن موصوفاته البديعة ما صور به مختلف الجهود التي جلبها الحلفاء إبان الحرب العالمية الأولى إلى مصر، من طويل عملاق، وقصير قزم، وأسود، وأبيض، وأحمر، ووصف عربدتهم وفسقهم:
تبصرخليلي هل ترى من كتائب ... دلفن بها كالسيل من كل مودق١
سراعًا إلى الحانات تحسبهم بها ... نعامًا تمشي زردقًا خلف رزدق٢
стр. 826
يهزلك مرآها إذا اصطحبت بهم ... مواخير تجلو فاسقات لفسق
إذا أجلبوا فيها حسبت حنادبًا ... تجاوبن إيقاعًا على صوت نقنق١
كأن بني حام بمصر تواعدوا ... ليجتمعوا من بعد ذلك التفرق
زعانف شتى: من طويل مشذب ... طري القرا عاري الأشاجع أعنق٢
وملتصق بالأرض تحسب خطوه ... إذا مر في أحيائها خطوه خرنق٣
وأخنس ممحوق الحجاجين ينتحي ... لأصمع معروق العذارين أشنق٤
وأسود نهد الوجنتين حديثه ... بجحفلة تهال عن شدق أفوق٥
إنه تصوير رائع لهذا الخليط من البشر، وكل شخص من هؤلاء صورة حية. وقد وصف في هذه القصيدة ذات القافية المشهورة أعمال دانلوب مستشار وزارة المعارف الذي مرت علينا مساوئه في الفصل الأول من هذا الكتاب وصفًا قويًّا دقيقًا فقال:
وبالعلم سل "دنلوبهم" لِمَ لَمْ يدع ... ذواقًا من العرفان للمتذوق
رمتنا به حمى أصابت بلاده ... تطاير عنها كل فدم حبلق٦
ولو وزنوا في غير مصر مقامه ... لأرخصه في السوم كل مدَنَّق
فأصبح داء في المعارف قاتلا ... يسدد فيها كل سهم مفوق
стр. 827
فواها على تلك العقول التي ثوت ... بكفيه في لحد من الجهل ضيق
ثلاثين عامًا يكسب النيل حسرة ... على العلم دمع الوالد المتشوق
وله قصيدة في وصف ذهاب سعد زغلول إلى عميد بريطانيا يطالب هو وصحبه منه رفع الحماية عن مصر، وكيف كانت حالة البلاد في تلك الأيام، وكيف قابل الإنجليز هذا الطلب المتواضع بعنجهية وغلظة أديًا إلى قيام الثورة، وفيها يقول مخاطبًا سعد زغلول:
ما ننسى لا ننسى يومًا قمت فيه على ... سجية الليث لا وهن ولا خور
والناس هلكى تموج الحادثات بهم ... فالأرض ترجف والبأساء تستعر
"لا نوم إلا على خوف وزلزلة ... فيها، ولاضوء إلا النار والشرر
والحق بين القنا والبيض مختدر ... أو مضمر في بطون الغيب تستتر
لم تخش وقع الردى لما صدعت ... به والسيف بلمع والخطي مشتجر
عمادك الحق لا جند ولا حصن ... ولا حصون ولا بيض ولا سمر١
إلا عزائم أهلوها إذا زخرت ... ريح العظائم في تصريفها زخروا
سكوا وجوه العوادي وهي تزجرهم ... إلى المصارع ما طاشوا وما ذعروا
قامت تساورهم غضبي يؤيدها ... جند من البغي والعدوان مقتدر
في كل شعواء ترتج البلاد لها ... تستنفد الصبر لا تبقى ولا تذر
للنفي قوم وللإعدام طائفة ... وفي السجون فريق للردى حشروا
وهذا وصف قوي لابتداء الثورة المصرية، وكيف صدع سعد بالحق في وقت اشتد فيه بأس العدو، وقد خرج مظفرًا من حرب طاحنة، وذهبت مصر تؤيد زعيمها، واضطربت البلاد وزلزلت زلزالًا شديدًا، والناس يطلبون حقهم من يد عدو قوي عنيف مدجج بالسلاح ولكن سعدًا لم يقدم على الثورة إلا معتمدًا على
стр. 828
الحق وحده إذ ليس وراءه جند يؤازرونه، ولا حصون تحميه، ولا مدافع تؤيده، وما هي إلا عزائم قومه صكوا بها وجوه العوادي، وهي تزجرهم إلى المصارع ومع ذلك فلم تطش أحلامهم، أو يدب الذعر إلى قلوبهم، وقام العدو يردهم عن باطلة تؤيده جنوده ودباباته، يثب عليهم مرة بعد أخرى، وقد بغوا وطغوا فنفوا، وأعدموا وسجنوا كثيرًا من المصريين.
ولكن يلاحظ أنه فيوصفه هذا ما زوال بدويًّا في تشبيهاته، فسعد في إقدامه "ليث" لا يهن ولا يخور، والحق بين "القنا والبيض مختدر" ولا قنا هناك ولا بيض، بل مدافع رشاشة، وبنادق سريعة، وسعد لا يعتمد على بيض ولا سمر.
ويقول في هذه القصيدة يصف "سيشل" تلك الجزيرة التي نفى إليها سعد زغلول، وقد أجمل في بيت واحد مساوئ تلك الجزيرة، فأعطى صورة واضحة عنها؛ لأنها جزيرة موحشة، موبوءة الأمراض، لا يرتاح فيها ساكنها، أو يهدأ له بال حتى يغشى الكرى جفنيه.
حتى أناخوا بأرض أمنها فزع ... والبرء فيها سقام والكرى سهر
وله في وصف انقسام المصريين على أنفسهم، وتصدع وحدتهم، وشماتة العدو الجاثم في البلاد بهم قصيدة رائعة، ولكنها بدوية النسج، غريبة اللفظ إن كانت دقيقة الوصف، استمع إليه كيف يصور ذلك الانقسام الذي أدى إلى خذلان مصر في قضيتها:
يا قوم ما هذا العداء، وكم هوى ... فدما بعز ممالك وملوك
يرمون بالخطب الطوال وكلها ... خطرات أرعن أو سباب أفيك١
من كل مرتبك المقالة رأيه ... زيفان بين مسفه وربيك٢
تركوا البلاد على الهوان تخب في ... أذيال أسود بالبلاء مَحُوك
يذكي بها لهب العداوة بينهم ... خطَلُ السفيه وإمرة المأفوك
стр. 829
والليث منتشر المخالب فاغر ... يختال في جبرية وفتوك١
جاث يخاف النيل من غدراته ... بأساء يوم بالخطوب عتيك٢
يا مصر مالك غير أهلك فتنة ... في الله ما لاقيت من أهليك
ما أنت بالبلد الشقي وإنما ... جلب الشقاء على بنيك بنوك
فتنتهم الدنيا فلما استيأسوا ... منها على أهوائهم فتنوك
فهل رأيت وصفًا أدق من هذا الوصف لتلك الحالة المزرية التي آلت إليها مصر على يد المتزعمين فيها، وهم يرمون بالخطب الطويلة، وكلها خطرات أرعن، أو سباب أفيك كذاب، والكتاب يزورون مقالات زائفة يحررها أحد رجلين، إما شخص سفيه الرأي، أو مرتبك لا يدري وجه الصواب، وقد ترك الجميع البلاد في هوان وذلة عليها ثياب الحداد وخزي الاستعمار، وقد أذكى العداوة بينهم خطل السفيه، وتزعم المأفوك، بينما العداوات الصغيرة والحزازات الوضعية سبب بلائها ومصدر شقائها، وقد رد على حافظ إبراهيم حين قال:
فما أنت يا مصر دار الأديب ... وما أنت بالبلد الطيب
فمصر عند عبد المطلب ليست بالبلد الشقي، وإنما جلب الشقاء عليها بنوها الذين يعتسفون الطريق، ولا يعرفون كيف يتحدون فيما بينهم على الأهداف الواضحة، ويدعون عدوهم يعيث في البلاد فسادًا، ويشغلون بتوافه الأمور، وبحزازاتهم الشخصية عن تنغيص مقامه عليه، وطرده من بلادهم لأنهم قد:
فتنتهم الدنيا فلما استيأسوا ... منها على أهوائهم فتنوك
وقد أولع عبد المطلب بوصف بعض المخترعات الحديثة كالطيارة، والقطار، والباخرة، وكأنه شعر بأنه لن يكون شاعرًا مكتمل الشاعرية، ممثلًا لعصره أتم التمثيل إلا إذا وصف هذه المخترعات، وهو الذي ينعته النقاد بالشاعر المبتدئ والشاعر المقلد، فأراد أن يبرهن على أنه على الرغم من نزوعه إلى القديم في
стр. 830
شعره لا يقل عنهم احتفاء بالجديد من الموصوفات وقد أثار الأستاذ العقاد موضوع هذه المخترعات في كلمته عن عبد المطلب وقال: "ولما ظهر المذهب الحديث في الشعر حاول عبد المطلب أن يفهمه ليرد عليه ويتحداه، فلم يفهم منه إلا أنه وصف المخترعات العصرية، والآلات الحديثة والنظم في الطيارة كما كان الشعراء الأقدمون ينظمون في النوق والأفراس".
وذكر أنه لقيه بعد أن سمع قصيدته "العلوية" وسأله عن رأيه فيها فأثنى على جودة سبكها ومتانة نسجها، وذكر أن هذا موضوع طيب للتحليل، ولكن عبد المطلب عالجه على طريقته القديمة، ولم يعالجه على طريقة المحدثين، فرد عبد المطلب بأنه وصف الطيارة، فتهكم به العقاد، وقال: إنك لم تصف الطيارة التي تود أن تلاقي بها الإمام على السحب إلا كما وصف الأقدمون الناقة التي توصلهم إلى الممدوح "وموطن الخطأ أنكم تحسبون الشاعر العربي يصف الناقة؛ لأنها أداة مواصلات، فتحسبون وصف هذه الأشياء في عصرنا فرضًا على الشاعر الحديث، وليس الأمر على هذا الحسبان" وذكر أن الشاعر العربي إنما كان يصف الناقة؛ لأنها جزء من حياته يحس بها الأنس في القفار الموحشة، ويأكل من لبنها ولحمها، وينسج ثيابه، ومسكنه من وبرها، ويعرفها وتعرفه كما يتعارف الصحاب من الأحياء "ويعيب على هؤلاء الذين يتلقفون ما تخرجه المصانع من مخترعات ويروحون يصفونها؛ لأنهم لا يدرون لماذا يصفون وينظمون، وهم في هذا الوصف محاكون أقدم من الشعر الجاهلي، وأبعد من الشاعر العصري عن واصف الناقة في البيداء؛ لأن الشرط الأول في الشعر الحديث أن يصف الإنسان ما يحس ويعي، لا أن يصف الأشياء مجاراة للأقدمين عكسًا وطردًا في أنواع المجاراة١.
على أن وصف المخترعات الحديثة يجب ألا ينظر إليه هذه النظرة، فإذا كانت الناقة في القديم جزءًا من حياة العربي البدوي، وعاملًا مهمًّا فيها، فإن المخترعات الحديثة قد ينظر إليها الشاعر على أنها ثورة الإنسان على الطبيعة، وتغلبه عليها،
стр. 831
وتذليله لها، وعلى أنها عامل مهم في حياته كذلك، قربت له البعيد، ومهدت له سبيل الثراء إلى غير ذلك من المنافع، ثم إنه قد يرى فيها حلمًا من أحلام الإنسانية صار حقيقة ملموسة فهو يتخذ من الجو بساطًا ممهدًا، يشارك العقبان في أجوائها، والهواء في مساربه، ويعتلي ظهر الماء آمنًا مطمئنًا سريعًا، بل يغوص في أغواره يشارك الحيتان، مسابحها، ويصعد فوق صهوات السحب ويلقي نظرة من عليائه على الدنيا فإذا المدن العظمية كأنها لعب أطفال فتثير هذه الحال في نفسه مشاعر وأحاسيس جديدة.
وقد خلد بعض شعراء الغرب؛ لأنهم عنوا بمظاهر الحضارة الحديثة، ووصفها، وخصوها بحز كبير من شعرهم مثل كبلنج kiplina الشاعر الإنجليزي وهو من شعراء القرن العشرين وقد قال عنه نقاد الأدب الإنجليزي ومؤرخوه: "إنه عظيم لأنه كشف عن موضوع جديد للشعر وخلع عليه من خياله وحرارة وجدانه ما جعله موضوعًا شعريًّا جذابًا، إنه تميز عن سواه بوصف آلات الحضارة الحديثة، كالقطار، والباخرة، والمسرة، والبرق، والطيران ووجد فيها منبع إلهام، لم يتهيأ لسواه من الشعراء لاعتقاده أن الناس في هذه الأيام لا يرون زمانهم أجمل من زمن أسلافهم ويحلمون دائمًا بالماضي ويتحسرون عليهن مع أن جمال الحاضر أروع من جمال الماضي"١.
وإذا كان عبد المطلب في وصفه للطيارة في مطلع القصيدة العلوية نهج سبيل العرب في وصفهم للناقة التي توصلهم إلى الممدوح أو إلى الغاية من رحلتهم وذلك حيث يقول:
إذا ما هزمت في الجو خلنا ... جبال النجم تنهدم انهداما
وإن زجر الرياح جرت رخاء ... وولت حيث يأمرها الزماما
يسف على الثرى طورًا وطورًا ... تراه على الذُّرى شق الغماما
أجدك ما النياق وما سراها ... تخوض بها المهامه والأكاما
стр. 832
وما قطر البخار إذا استقلت ... بها النيران تضطرم اضطراما
فهب لي ذات أجنحة لعلي ... بنا ألقي على السحب الإماما
فإنه في غير هذه القصيدة قد أبدع في وصف الطيارة على طريقته، وذلك حين قدم الطائران التركيان لأول عهد الشرق بالطيران إلى مصر، وذلك حيث يقول:
وقفت لك الدنيا فسيري ... مسرى الضياء من الأثير
يا أخت سابحة النجو ... م وبنت سانحة الضمير
من عهد آدم لم تزل ... عذراء مسبلة الستور
بكرا تقلبها أكف ... الغيب في طي الدهور
حتى جلتها للعيو ... ن منصة العهد الأخير
ثارت لتأخذ باسمه ... عهدًا على ملك الطيور
ملك البخار على السما ... ك بصولة الملك القدير
في كل غواص ورسا ... ب بأحشاء البحور
ثم أنثنى يرمي سما ... ك الجو بالجيش العزير
فالنجم في فرق يجول ... بجفن مرتاع حسير
والسحب من حذر البخا ... ر وبأسه حيرى المسير
بامنذر الأفلاك هل ... للأرض دونك من نصير
ما هذا الورق التي في ... الجو تعلو في الهدير
غَيْرَي من الأطيار في ... أحشائها لهب السعير
فتح مخالبها الحد ... يد وريشها نسج الحرير١
غنيت بمجبول الدمقـ ... ـس عن القوادم والشكير٢
ترد السحاب الغر إن ... ورد الحمام على الغرير
стр. 833
خشعت لها هوج العوا ... صف في الرواح وفي البكور
وفي هذا الوصف خطرات شعرية رائعة لا تتأتى إلا للموهوبين وذلك حين وصف الطائرة بأنها نجم من النجوم وأنها "بنت سانحة الضمير" وفكرة ظلمت عذراء من عهد آدم مرخى عليها السترن بكر لم يفترعها عقل إنسان، تقلبها أكف الغيب في طي الدهر حتى جلت للعيون الحضارة الحديثة؛ وكأني به يتصور العالم العلوي دهشًا لهذا الشيء الذي يصعد إليه من الأرض، هل صعدت الطائرة لتأخذ ثأرًا من عقاب الجو أو النسر؟! وانظر النجم هلى تراه فزعًا مرتاع الجفن؟ والسحب ما بالها حيرى حذر البخار؟ أهي ورقاء في الجو تغلو بالهدير، وتغار من الأطيار فأضرمت الغيرة في أحشائها نارًا؟ ثم انظر معي لهذا الخيال العجيب، أنها ورقاء ولكن ترد السحب لتشرب حين يرد الحمام الغدير، لهذا الخيال العجيب، أنها ورقاء ولكن ترد السحب لتشرب حين يرد الحمام الغدير، فهل عبد المطلب كما يقول العقاد كان يقول الشعر للمهارة اللغوية فحسب من غير أن يصدر عن خيال أو عاطفة؟
لم يصف عبد المطلب الطيارة وصفًا علميًّا، أو تاريخيًّا، وإنما وصفًا شعريًّا مبينًا أثر العقل الإنساني في تذليل قوى الطبيعة وتسخيرها لخدمة البشرية، وهذا ما يتطلبه الشعر، وحسبه هذه النظرة للمخترعات الحديثة.
ولكننا نلاحظ أن عبد المطلب لم يعن بوصف الطبيعة ومناظرها، مصرية كانت أو غير مصرية، وفي البيداء التي يغرم بها مناظر ساحرة، خليق بشاعر حساس وروعتها، كما فعل أسلافه شعراء العربية، من قبل، ولست أدري سببًا لخلو شعره من وصف الطبيعة، ولعل نضوج شاعريته في سني الحرب العالمية الأولى، وقيام الثورة المصرية شغله بالنظر إلى الأحداث القومية والشئون الاجتماعية عن النظر إلى الطبيعة، ولم تكن هذا عيبه وحده، بل هو عيب لحق غيره من معاصريه، وقد تكلمنا عن موقفهم إزاء الطبيعة المصرية آنفًا.
ويلاحظ كذلك أن عبد المطلب لم يلتفت أدنى التفاتة إلى الآثار المصرية كما فعل شوقي وإنما نظر إليها نظرة خاطفة حين افتخر بمصريته، وقد تبع هذا
стр. 834
الإهمال لآثار مصر أنه لم يعرج على التاريخ المصري القديم، ولكن عبد المطلب -والحق يقال- كان عربيًّا مسلمًا؛ ولذلك وقف بعض الوقفات أمام أحداث التاريخ الإسلامي كما سيأتي عند الكلام عن أثر الدين في شعره.
على أن الشاعر المكتمل الشاعرية، القوي الإحساس بالجمال والعظمة لا يملك حين يرى الطبيعة في أوج حسنها، أو عنفوان سخطها إلا أن يتأثر وينفعل ويقول، كما لا يملك حين يفكر مليًا في عظمة آثار مصر، وكيف شيدت، وغالبت الدهر، ومرت عليها أحداث القرون في مواكب متتابعة ومصر الخالدة بنيلها وآثارها لم تتأثر بتلك الأحداث لا يملك حين يفكر في كل هذا إلا أن تتفتح أمامه مغاليق المعاني، ويسبح في سموات الخيال. ولعل العلة الحقيقية في عزوف كثير من شعراء الجيل الماضي عن وصف الطبيعة واستلهام التاريخ هي أنهم جروا في أغراض الشعر على مذهب الأقدمين، وشغلوا بأنفسهم عن العالم الخارجي، وكانوا ذاتيين لا موضوعيين، فجنى عليهم التقليد، وحبس شاعريتهم عن الانطلاق إلى آفاق جديدة إلا القليلين منهم.
هذا ومن الأغراض الشعرية التي عنى بها عبد المطلب الحياة الاجتماعية بمصر. وقد سبق أن أشرنا إلى مواقفه من مشكلة الفقر والغنى١ وأنه اكتوى بنار العوز إبان الحرب العالمية الأولى، وكان من الطبقة المتوسطة في الشعب لم يرث مالًا، أو يحرز ثراء فلمس بنفسه ألم الحاجة، وكان من الكادحين في سبيل الرزق فعرف عن قرب مرارة الفقر والحرمان.
ولعبد المطلب فيما يتصل بهذه الناحية عن قرب قصة طريفة لامرأة فقيرة عجوز جاءت وابنتها إلى القاهرة تبحت عن عمل يكفيها شر السؤال، وكانت هذه أول مرة تفد فيها إلى القاهرة، فما أن نزلت ميدان "باب الحديد" حتى بهرتها الأضواء والضوضاء وتعدد السبل فوقفت حائرة برهة ولكن عين الشيطان كانت ترقبها، فما أن لحظ ترددها وهيبتها حتى دلف إليها في صورة ملاك يتقدم للأخذ بيدها،
стр. 835
وإرشادها إلى سواء السبيل، فأقبلت عليه بوجه باش تبثه خبيئة نفسها، وهو يبدي لها صنوف العطف والرحمة ما ألهج لسانها بالدعاء له، ولما رآها قد أمن جانبه قليلًا أخذ ينصب حبائله للظفر بالفتاة، بيد أن الأم التي نشأت في الريف، ولها طبيعة لم تتدنس، ارتابت في حركاته، وتودده لابنتها، وما أن تيقنت من كيده، ورأت بعين فطرتها الأخيرة أنه شيطان مريد، حتى حذرته، وخشيت سطوته، وأخذت تقاوم ألاعيبة وكيده، وهو يلين تارة ويشتد أخرى، ولم ينقذها طيب المأوى والرفد والعناية، ولأسمعك بعض هذه القصة؛ لأنها تدل على موهبة طيبة عند عبد المطلب في حياكة القصة شعرًا لو كان قد عنى بهذا واتجه إليه، وإن كان قد ساق هذه القصة بأسلوبه الجزل القوي ولم ينح عنها خياله البدوي:
أسألت باكية الدياجي ما لها ... أرقت فأرقت النجوم حيالها
باتت تكفكف بالوقار مدامعًا ... غلب الأسى عبراتها فأسالها
تطوي على الآلام مهجة صابر ... قطع الزمان بريبه آمالها
تبكي إذا انقطع الأنيس لصبية ... يتضورون يمينها وشمالها
من كل ناعمة الحياة ومترف ... ورد الحياة معينها وزلالها
يشكو الطوى فتفيض مهجة أمه ... شفقًا عليه وليس يدري حالها
ولأخته عين تحدث أمها وحيا ... وقد حبس الحياء مقالها
كلب الشتاء بجسمها فتعطفت ... تطوي على خاوي الحشا أوصالها
ثم يتطرق من هذا إلى قصة تلك العجوز فيقول:
ويتيمة شهد الزمان بيتمها ... في الحسن لم تلد الحسان مثلها
خرجت من الإسكندرية غدوة ... تزجي إلى أكناف مصر رحالها
حتى إذا وقف القطار بها على ... باب الحديد تلفعت أسمالها
стр. 836
وسعت تقلب مقلة محزونة ... في الذاهبين يمينها وشمالها
حيرى يضيق بها المجال وطالما ... فسح اليسار على المضيق مجالها
تقتاد في الطرقات فانية القوى ... محنية صبغ المشيب قذالها
أربت على السبعين ما لمس الخنا ... يومًا مآزرها ولا سربالها
وهناك أبصرها امرؤ دنس الهوى ... شرب المخازي علها ونهالها
متكلف خلق بالكريم ببزة قد ... خاظ من وضر الفجور جلالها١
يدعو إلى دار الفسوق نقية ... عفت وما نقض العفاف حالها
لما تبينت النقيصة أمها ... في حاجبيه تبينت ما هالها
نظرت إلى الوجه الصفيق وأقبلت ... غضبي تصك بصفحتيه نعالها
ويمضي في القصة على نحو ما ذكرت سابقًا، وينتهي بالحديث عن جمعية المواساة وآثارها الجليلة في المجتمع، ومن المشكلات الاجتماعية التي استرعت انتباهه ما أصاب اللغة العربية على يد الإنجليز، واللغة ظاهرة اجتماعية، وعنوان على ضعف الأمة ورقيها، وقد حاول الإنجليز كما علمت في الفصل الأول أن يبلبلوا ألسنة المصريين، ويضعفوا لغتهم فتضعف قوميتهم، وكان "دانلوب" مستشارهم في المعارف هو المنفذ لهذه السياسة حتى بلغ من سخرية القدر أن الحال السيئة حتى أخرج "دانلوب" من مصر، وجاءت الثورة وعهد الاستقلال، وتولى وكالة المعارف خرج "عاطف بركات" وهو من أبناء دار العلوم النابهين، ودار العلوم حصن اللغة العربية الحصين، فكان حريًّا به أن ينهض باللغة، وأن يلتفت عبد المطلب إلى هذه المأثرة حين رثاه فقال:
وكدنا نرى أم اللغي قبل عاطف ... فريسة عاث بالمعارف عاتي
يريد بها السوءى ويحمل أهلها ... على جنف من بغيه وأداة
تلين لأيدي الغامزين قناتها ... لقلة أنصار وضعف حماة
стр. 837
ويؤنسنا منها أناس نعدهم لكف ... أذى عنها ورد عداة
فلما تولاها تحول نجمها ... إلى اليمين عن أيامها النحسات
وكان من الطبيعي أن يخوض عبد المطلب في مشكلة المرأة، وجنوحها إلى السفور، وهو الشيخ المتدين المحافظ على شعائر الدين، فيقول للنساء في حفل خاص بتربية الطفل حضرته أكثر من ألف وخمسمائة سيدة من عقائل مصر، مزينًا لهن الحجاب بخياله الشعري:
زعموهن بالحجاب عن العلـ ... ـم ونور العرفان محتجبات
بنت مصر كالشمس يحجبها الليـ ... ـل وراء الآفاق والظلمات
وهي في أفقها ضياء ونور ... ساطع في بدورها النيرات
أو هي المسك ينفذ العرف عنه ... من وراء الأستار والحجرات
فينفي أن الحجاب يحجبها عن العلم، ويصفها بأنها كالشمس والحجاب كالليل يحجبها وراء الآفاق والظلمات، وإن لم يوفق في هذا التشبيه على الرغم من محاولته بترديديه في البيت التالي بأنها في أفقها ضاء ونور ساطع في أبنائها الذين يشبهون البدور، أي أنها تعكس ضوءها على أبنائها، ولكن هل يغني البدر عن الشمس؟ أو ليس مغيب الشمس مبعثًا لليل ووحشته، والظلمة ورهبتها، أو ليس محوًا لوجود، ودعوة إلى الهدوء، والركود في معترك الحياة؟
على أن لعبد المطلب قصيدة أخرى أفردها لهذه المشكلة نعي فيها على المرأة المصرية تبذلها في ذلك النقاب الذي تدعوه حجابًا، وما هو بحجاب، بل يزيد في مفاتنها، وهي التي آثرت هجر البيت، وغشيان الحدائق، والمتنزهات ودور اللهو، ورأى أن الحجاب الحقيقي هو ما دعا إليه الشرع، وأنكر الدعوة إلى السفور.
ما هذه الحبرات تهـ ... ـفو في الخمائل والحقول
نكر العفاف ذيولها ... ومن الخنى قصر الذيول
إن ينتسبن إلى الحجا ... ب فإنه نسب الدخيل
стр. 838
يختلن أبناء الهوى ... بالدلَّ والنظر الختول
من كل خائنة الحليل ... تهيم في طلب الخليل
نقم الضحى منهن ما ... خجلت له شمس الأصيل
بكت الخدور جفونها ... وهجرنها هجر الملول
ما لابنة الخدر المصو ... ن وربة المجد الأثيل
أودى شفيف نقابها ... بكرامة الأم البتول
وإنجاب جيب قميصها ... عن وصمة الشيخ البجيل
وعلى رنين حجولها ... أسفًا على الذيل الطويل
فإذا مشت هتاك النقا ... ب محاسن الوجه الجميل
وجلا المقور تحته ... رخصًا من الصدر الثقيل
وهكذا يمضي عبد المطلب في وصف تبرجها، ويأسف لحالها، وحال ولي أمرها، ويرى أن هذا الذي سمته حجابًا، وهو يفصح عن زينتها ويزيدها فتنة ليس هو الحجاب الشرعي، وأنها ليست بالمرأة المسلمة المتمثلة لأوامر الدين:
أهي التي فرض الحجا ... ب لصونها شرع الرسول
جعل الحجاب معاذها ... من ذلك الداء الوبيل
يا منزل القرآن نو ... رًا النيل عن وضح السبيل
عميت بصائر أهل وا ... دي النيل عن وضح السيل
ذهلوا عن الأعراض لو ... يدرون عاقبة الذهول
ومن المظاهر الاجتماعية التي اهتم لها، واحتمل بها، وصارت غرضًا واضحًا في شعر فساد الأخلاق وانحلالها، وتفشي الإلحاد، وضعف وثاق الدين على النفوس، وللدين عند عبد المطلب -كما عرفت في ترجمته- منزلة مكينة في قلبه، تشرب حبه صبيًّا، وشب على تعاليمه، ودرسه وتفهم أهدافه السامية، وقد كثر نحيبه وبكاؤه لما أصاب الدين في مصر من وهن، وانصراف أهله عن التمسك.
стр. 839
به، والمحافظة على شعائره، وذلك ولا ريب أثر من آثار الحضارة الأجنبية التي فتن بها كثير من المصريين المسلمين، ونتيجة طبيعية لتلك السياسة التي أتبعها المستعمر الغاصب؛ لأنه يعلم حق العلم أنه لن يستقر له بمصر قرار ما دام هذا الدين العظيم يسيطر على نفوس أبنائها، ويدعوهم إلى العزة والأنفة من ممالاة الأجنبي أو الرضا بحكمه، وهو الذي جعلهم أعزة، وملكهم العالم يومًا ما.
والشعر الديني عند عبد المطلب ألوان: فمنه تشوق ومدح لمهبط الوحي والأرض التي خرج فيها رسول الله عليه وسلم داعيًا إلى تلك الرسالة الخالدة:
منازل جبريل، ومثوى محمد ... جوانبها في ظلمتيه سواء
ومبعث أرواح السعادة في الورى ... إذا الناس فوضى، والحياة شقاء
ومطلع ما في العالمين من الهدى ... إذا الكفر داء في النفوس عياء
ومشرع ما في الأرض من مدنية ... لها نضرة في أهلها ونماء
ومنه فخر بأيام الإسلام الخالدة التي مكنت له في الأرض، ونصرت دعوته يوم بدر، ويوم حنين، ويوم الفتح، وفخر كذلك برجاله الأماجد أمثال أبي بكر وعمر وخالد وعلي والأنصار الذين آووا رسول الله وعزروه ونصروه:
وسل عنهم بدرًا وسل أحدًا وسل ... عصب الأحزاب يوم تحزبوا
سل الخيل إذ جالت ببطحاء مكة ... وود العدا لو أنهم لم يكذبوا
ويقول عن أبي بكر ﵁:
جزى الله خيرًا شيخ تيم وجنده ... وراياته في الشرق والغرب تضرب
كأني بركن الدين يهتز خيفة ... عشية مات الهاشمي المحبب
فقام بأعباء الخلافة شيخها ... وأصحابه من شدة الخطب غيب
فما شهد الإسلام رأيا كرأيه ... وقد قام في يوم السقيفة يخطب
стр. 840
وإذا كان عبد المطلب لم يلتفت إلى التاريخ المصري القديم إلا نادرًا، فإنه عنى أشد العناية باستلهام التاريخ العربي الإسلامي، وجاءت هذه القصيدة البائية وغيرها حافلة بذكر كبريات الأحداث، وبعظماء الرجال الذين جاهدوا في سبيل نصرة الدين، وتثبيته في العالمين وهو في كثير من قصائده الدينية يعرج على ماضي الأمة الإسلامية، ويذكرها بأمجادها لعلها تخجل مما أصابها من وهن، ومما حل بها من فساد، فتهب لاسترجاع ذلك المجد وتستأنف سيرها في موكب العزة والسؤدد استمع إليه يقول:
أنكرت قومي فلا قربى ولا رحم ... وأنكروني فلا أم ولا ولد
يا رحمتا لغريب بين عترته ... نبا به العيش حتى أوحش البلد
يذري الدموع إذا ما الركب أزعجهم ... داعي السرى فتنادي البين وانجردوا
يا نازلي ذلك الوادي تموج بهم ... بطاح مكة والعلياء والسند١
هل يبلغ الركب عن قلبي إذا نزلوا ... ذاك الحمى لوعة الوجد الذي يجد
أحبابنا ضاقت الدنيا بما رحبت ... والدهر في صرفه يغلو ويحتشد
أكل يوم لنا في الدين مرزؤة ... تهتز من وقعها الدنيا وترتعد
في كل واد على الإسلام منتحب ... وكل واد به للدين مفتقد
يسعى الفساد إليه غير متئد ... لما رأى أهله في نصره اتأدوا
يا منزل الدين أهل الدين قد خرجوا ... بغيًا عليه وعن منهاجه حردوا
ضلوه جحدًا لما أودعت من حكم ... فيه ولو أنهم ذاقوه ما جحدوا
ما الدين إلا نظام للحياة إذا ... سار الأنام على منواله سعدوا
ويمضي عبد المطلب في تعداد فضائل الدين، ولعلك لحظت أنه يتألم غاية الألم لما أصاب الدين، وأصبح يرى نفسه غريبًا في قومه؛ لأنهم فتنوا عن دينهم وفرطوا في شعائره، ودب الفساد إلى حياتهم من جزاء ذلك الإهمال ولو أنهم تمسكوا بالدين لاستعادوا عزهم المفقود واسترجعوا مجدهم وهو:
стр. 841
مجد به تشهد الدنيا وإن عميت ... أبصار قوم مما راءوا ولاشهدوا١
ومنه مدح للنبي ﵇، وهو من الأغراض القديمة التي حفل بها الشعراء ولا سيما في العصور التي ضعفت فيها الأمة العربية، وكثر فيها الفساد في الأرض فتوسلوا بالنبي، وتشفعوا لعلهم يصيبون من الله مغفرة، ولعل مجد الإسلام يرجعه الله، ولكن هيهات فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ومن تلك المدائح النبوية تلك القصيدة التي قالها عبد المطلب في حضرة سيد المرسلين حين ذهب للحج سنة ١٨٩٩.
إليك أجل المرسلين مدائح ... توافيك ما غنى على الأيك صائح
وهي لا تخرج في معانيها عما تداوله الشعراء في مثل هذه المناسبة من قبل. ندامة على ما فرط من الذنوب، وخوف من يوم الحساب وخزي المقصرين، وتوسل بالنبي ﵇ ليشفع له.
فكن يا شفيع المذنبين شفيعه ... إذا شهدت ويمًا عليه الجوارح
إلى غير ذلك من المعاني التي يتطلبها الموقف. وله في سيد المرسلين قصيدة أخرى طويلة سماها "ظل البردة" ولعله تابع شوقي حين نظم "نهج البردة" فأبى إلا أن يحاكي بردة البوصيري مثله، وهذا ميدانه، وليس ميدان شوقي فقال:
أغرى بك الشوق بعد الشيب والهرم ... سار طوى البيد من نجد إلى الهرم
يا ساري الطيف يجتاب الظلام ... إلى جفن مع النجم لم يهدأ ولم ينم
ويسير في هذه القصيدة متتبعًا أثر البوصيري، وشوقي، فيتحدث عن مجد الإسلام الغابر وأن هذا المجد خلفه لنا رسول الله بعد أن وضع أساسه:
مجد بناه الذي فاض الوجود به ... نورًا له قامت الدنيا من العدم
стр. 842
طه أبو قاسم المبعوث من مضر ... إلى البرية من عرب ومن عجم
ويصف حال الدنيا قبيل بعثة النبي ﷺ وما كانت عليه من الفوضى والاضطراب والظلم، وما كان عليه الناس من جهل مطبق، فقد أضلهم الشيطان وأعمى أبصارهم وبصائرهم فاتخذوا من الحجارة آلهة لا يملكون لهم ضرًا ولا نفعًا، وهام بعضهم بالأفلاك، وآخرون بالنار.
تفرقوا شيعًا في الكفر وانقسموا ... شتى فباءوا بما يخزي من القسم
هذا عن الحق بالأفلاك في عمه ... وذاك بالنار عن نور الجلال عمى
وذا يؤله من لا يستجيب له ... من ناطق بشرًا أو صامت صنم
أضف إلى كل هذا كثرة الأحقاد، واستبداد الملوك والرؤساء، واستعباد الرعية، ثم يصل من هذا إلى أن رحمة الله شملت العالم، فجاء محمد بن عبد الله يهديهم إلى سواء السبيل، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن الله، ويتكلم عن مولده، وأن ليلة ولادته كانت وحيدة في الزمن.
تنفست عن سنا شمس الوجود بدا ... في موكب من جلال الله منتظم
روح الحياتين نور القريتين إما ... م القبلتين صفي الله في القدم
ويمضي في وصف الرسول وتعداد شمائله الكريمة، وكيف ربى يتيمًا، وكيف نما وترعرع بعيدًا عن جنف الإثم، ودنس الأوثان ومساوئ الجاهلية، وكيف تعبد وتحنث بغار حراء، وحتى أتاه الوحي الكريم من الله العظيم.
بالنور بالحق بالعرفان أرسله الله ... الذي علم الإنسان بالقلم
وتذكر صراعه مع الكفار في سبيل نشر دعوته، وكيف تحداهم بكتاب الله وآياته المحكمات حتى خرست ألسنتهم، وهم المشهورون بالفصاحة والبيان.
لم يبق حين تحداهم به لسن ... إلا تردى شعار العي واللسم١
стр. 843
وهكذا يمضي في قصيدته مبينًا جهاد النبي في نشر الدعوة، ومعرجًا على مواقفه الرائعة، وهجرته وغزواته، فالقصيدة تحوي سيرة النبي ﵇، وليس فيها جديد من الخيالات، أو الأفكار، وقد يستطيع شاعر نابغة أن يصنع من حياة محمد ﵇ ملحمة قوية، غاصة بالمشاهد العظيمة، ولكن عبد المطلب تبع البوصيري، ثم شوقي، فلم يجدد في فكرته أو طريقة عرضه، وكان واجب الدراسة يقتضي أن نعقد موازنة بين شوقي والبوصيري وعبد المطلب، ونرى أيهم كان أقوى عاطفة، أو أصدق حديثًا وأغزر شاعرية، وأسمى خيالًا، بيد أن هذه الموازنة تخرج بنا عما قصدنا إليه في هذا الكتاب، ومهما يكن من أمر، فعبد المطلب في قصيدته "ظل البردة" دونه في قصائده الأخرى؛ وذلك لأنه وضع أمام ناظريه قصيدتين عامرتين في مثل موضوعه وبحره وقافيته، وأهم ظاهرة تحس بها في قصيدة عبد المطلب أنه على الرغم من تدينه، وشدة عاطفته الدينية لم يستطع إبراز هذه العاطفة على حقيقتها في تلك القصيدة لأنها تقليد.
ومن الألوان الدينية في شعر عبد المطلب نشيد الشبان المسلمين، وعبد المطلب كان من رجال النهضة الدينية، وله أثر محمود كما ذكرنا عند ترجمته في جمعية المحافظة على القرآن الكريم، وجمعية الهداية الإسلامية، فلما دعت جمعية الشبان المسلمين الشعراء إلى نظم نشيد يكون شعارًا لها تقدم عبد المطلب في من تقدم وقال نشيده:
داع من العليا دعا ... يدعو بنيها مسمعًا
يدعو الشباب الأروعا ... يدعو شباب المسلمين
ولكن نشيده لم يكن في مزلة نشيد الرافعي "يا شباب العالم المحمدي" فلم يكتب له الخلود.
ومما يتصل بهذا الشعر الديني أو الذي تأثر فيه الشاعر بالدين قصيدته "العلوية" التي ألقاها بالجامعة المصرية في ٧ من نوفمبر سنة ١٩١٩، وهي تزيد
стр. 844
على ثلاثمائة بيت. وحياة علي بن أبي طالب حافلة بأحداث جسيمة، ويصح أن تكون مأساة شعرية، لأن عليًّا قد أسلم وهو لم يبلغ العاشرة، وشب في حضن الدين الجديد. ونشأ في بيئة معادية لدينه، وحرص على الدفاع عنه ومناوأة أعدائه، فتهيأت له بذلك الفرصة ليكون خصمًا قويًّا، وبلغ الإسلام على عهد النبي ﵇ غايته، وعلي في شرخ شبابه! فكان فتى قوي الشكيمة، أبلى في الحروب بلاء مبينًا، وتميز عن سواه من شباب المسلمين، ينتدب نفسه لكل كريهة، ويخرج منها مظفرًا، وقد شهد كل غزوات النبي إلا واحدة. ولما توفي رسول الله ﷺ رنت عينه إلى الخلافة، وهو ابن عمه وزوج ابنته. ولكن إجماع المسلمين كان على غير رأيه فامتنع عن البيعة قليلًا ثم دخل فيما دخل فيه المسلمون ومضت خلافة أبي بكر، وعمر، ومعظم خلافة عثمان، وعلي مرموق المكانة من الخلفاء يحتل منزلة المستشار والوزير، وفي أخريات عهد عثمان ظهرت الفتنة الكبرى، أودت بحياة عثمان، واتهم علي بممالأة الثائرين، وطالبه معاوية بأن يسلم له قتلة عثمان، وبايع أهل الحجاز عليًّا وامتنع معاوية عن البيعة، وخرجت عائشة وطلحة والزبير إلى العراق، وحدثت معركة "الجمل"، ثم "صفين"، وانتهى الأمر بمقتل علي ﵁، وهو خارج لصلاة الفجر على يد أحد الخوارج، وكانت فيه صفات تؤهله للزعامة والسيادة أهمها: الشجاعة الفائقة والفصاحة النادرة، والعدل الشامل، ولكنه كان سيء الحظ، فلم تيسر له الأمور كما يسرت لمن قبله من الخلفاء، وخرج عليه بعض أنصاره وجادلهم، وحاربهم، ثم حارب معاوية وأهل الشام، وكانت ملاحم دامية، وفتنة فظيعة.
إن هذه الحياة تستغرق جزءًا حافلًا من حياة الإسلام، والجهاد الحر في سبيل دعوته، وخروج العرب من جزيرتهم إلى شتى البلاد المجاورة، مما غير الحياة العربية وتقاليدها إلى شيء جديد وجعلها أمة ممتازة: دينًا وجيشًا، وحضارة، ولغة، والشاعر الموهوب يستطيع أن يقف وقفات طويلة أمام السمات البارزة لهذه الحياة، ويصورها تصويرًا دقيقًا بشيء من التفصيل، والخيال، ولكن عبد المطلب أجمل القول في كثير من الأحيان، ومر على بعض المشاهد الرائعة مرورًا سريعًا؛ لأنه تقيد بقافية واحدة، ولأنه كان أقرب إلى سرد الحقائق التاريخية منه إلى التصوير الشعري.
стр. 845
وأغلب الظن أن محمد عبد المطلب لم ينظم هذه القصيدة إلا تحديًا لعمرية حافظ إبراهيم التي ألقاها في ٨ من فبراير سنة ١٩١٨ بمدرج وزارة المعارف أي قبل علوية عبد المطلب بأكثر من عام.
وقد ابتدأ قصيدته العلوية بالحديث عن الإنسان وطموحه، وباختراعه الطيارة، وود أن توهب له طيارة ليلقي بها الإمام على هامات السحب:
فهب لي ذات أجنحة لعلي ... بها ألقى على السحب الإماما
وأخذ يتحدث عن الإمام ومكانته ومقامه، وأنه:
مقام دونه بحب القوافي ... وإن كانت مسومة كرامًا
وأخذ يقدم المعذرة بين يدي سامعيه إذا قصر في وصف مناقب الإمام:
وما أدراك ويحك ما علي ... فتكشف عن مناقبه اللثامة
وبعد أن انتهى من هذه المقدمة، قسم القصيدة إلى فصول صغيرة، فتحدث عن علي في صباه، وإسلامه، وكيف جنب الرجس والشرك، ودنس الجاهلية وكيف لبى دعوة الإسلام صغيرًا بينما صدف عنها الشيوخ والكهول.
فكهل في جهالته تولى ... وشيخ في ضلالته تعامى
وكيف كان معتزًا بإسلامه لا يخاف فتنة قريش للمسلمين، وإيذائهم لهم:
يروح على مجامعهم ويغدو ... كشبل الليث يعتزم اعترامًا
صغير السن يخطر في إباء ... فلا ضيمًا يخاف ولا ملاما
ثم ينتقل إلى فصل آخر عن استخلافه ليلة الهجرة، ولكنه أجمل فيه القوم، ولم يصور تأمر قريش على قتل النبي تصويرًا شعريًّا مفصلًا، ويضفي على هذه الحادثة التي غيرت وجه التاريخ شيئًا من الخيال الشعري ليظهرها في جلالها وروعتها، ويبين عظم المعجزة وكل ما وصف به قوة قريش ومؤامراتهم هو قوله: