مجد به تشهد الدنيا وإن عميت ... أبصار قوم مما راءوا ولاشهدوا١
ومنه مدح للنبي ﵇، وهو من الأغراض القديمة التي حفل بها الشعراء ولا سيما في العصور التي ضعفت فيها الأمة العربية، وكثر فيها الفساد في الأرض فتوسلوا بالنبي، وتشفعوا لعلهم يصيبون من الله مغفرة، ولعل مجد الإسلام يرجعه الله، ولكن هيهات فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ومن تلك المدائح النبوية تلك القصيدة التي قالها عبد المطلب في حضرة سيد المرسلين حين ذهب للحج سنة ١٨٩٩.
إليك أجل المرسلين مدائح ... توافيك ما غنى على الأيك صائح
وهي لا تخرج في معانيها عما تداوله الشعراء في مثل هذه المناسبة من قبل. ندامة على ما فرط من الذنوب، وخوف من يوم الحساب وخزي المقصرين، وتوسل بالنبي ﵇ ليشفع له.
فكن يا شفيع المذنبين شفيعه ... إذا شهدت ويمًا عليه الجوارح
إلى غير ذلك من المعاني التي يتطلبها الموقف. وله في سيد المرسلين قصيدة أخرى طويلة سماها "ظل البردة" ولعله تابع شوقي حين نظم "نهج البردة" فأبى إلا أن يحاكي بردة البوصيري مثله، وهذا ميدانه، وليس ميدان شوقي فقال:
أغرى بك الشوق بعد الشيب والهرم ... سار طوى البيد من نجد إلى الهرم
يا ساري الطيف يجتاب الظلام ... إلى جفن مع النجم لم يهدأ ولم ينم
ويسير في هذه القصيدة متتبعًا أثر البوصيري، وشوقي، فيتحدث عن مجد الإسلام الغابر وأن هذا المجد خلفه لنا رسول الله بعد أن وضع أساسه:
مجد بناه الذي فاض الوجود به ... نورًا له قامت الدنيا من العدم
стр. 842
طه أبو قاسم المبعوث من مضر ... إلى البرية من عرب ومن عجم
ويصف حال الدنيا قبيل بعثة النبي ﷺ وما كانت عليه من الفوضى والاضطراب والظلم، وما كان عليه الناس من جهل مطبق، فقد أضلهم الشيطان وأعمى أبصارهم وبصائرهم فاتخذوا من الحجارة آلهة لا يملكون لهم ضرًا ولا نفعًا، وهام بعضهم بالأفلاك، وآخرون بالنار.
تفرقوا شيعًا في الكفر وانقسموا ... شتى فباءوا بما يخزي من القسم
هذا عن الحق بالأفلاك في عمه ... وذاك بالنار عن نور الجلال عمى
وذا يؤله من لا يستجيب له ... من ناطق بشرًا أو صامت صنم
أضف إلى كل هذا كثرة الأحقاد، واستبداد الملوك والرؤساء، واستعباد الرعية، ثم يصل من هذا إلى أن رحمة الله شملت العالم، فجاء محمد بن عبد الله يهديهم إلى سواء السبيل، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن الله، ويتكلم عن مولده، وأن ليلة ولادته كانت وحيدة في الزمن.
تنفست عن سنا شمس الوجود بدا ... في موكب من جلال الله منتظم
روح الحياتين نور القريتين إما ... م القبلتين صفي الله في القدم
ويمضي في وصف الرسول وتعداد شمائله الكريمة، وكيف ربى يتيمًا، وكيف نما وترعرع بعيدًا عن جنف الإثم، ودنس الأوثان ومساوئ الجاهلية، وكيف تعبد وتحنث بغار حراء، وحتى أتاه الوحي الكريم من الله العظيم.
بالنور بالحق بالعرفان أرسله الله ... الذي علم الإنسان بالقلم
وتذكر صراعه مع الكفار في سبيل نشر دعوته، وكيف تحداهم بكتاب الله وآياته المحكمات حتى خرست ألسنتهم، وهم المشهورون بالفصاحة والبيان.
لم يبق حين تحداهم به لسن ... إلا تردى شعار العي واللسم١
стр. 843
وهكذا يمضي في قصيدته مبينًا جهاد النبي في نشر الدعوة، ومعرجًا على مواقفه الرائعة، وهجرته وغزواته، فالقصيدة تحوي سيرة النبي ﵇، وليس فيها جديد من الخيالات، أو الأفكار، وقد يستطيع شاعر نابغة أن يصنع من حياة محمد ﵇ ملحمة قوية، غاصة بالمشاهد العظيمة، ولكن عبد المطلب تبع البوصيري، ثم شوقي، فلم يجدد في فكرته أو طريقة عرضه، وكان واجب الدراسة يقتضي أن نعقد موازنة بين شوقي والبوصيري وعبد المطلب، ونرى أيهم كان أقوى عاطفة، أو أصدق حديثًا وأغزر شاعرية، وأسمى خيالًا، بيد أن هذه الموازنة تخرج بنا عما قصدنا إليه في هذا الكتاب، ومهما يكن من أمر، فعبد المطلب في قصيدته "ظل البردة" دونه في قصائده الأخرى؛ وذلك لأنه وضع أمام ناظريه قصيدتين عامرتين في مثل موضوعه وبحره وقافيته، وأهم ظاهرة تحس بها في قصيدة عبد المطلب أنه على الرغم من تدينه، وشدة عاطفته الدينية لم يستطع إبراز هذه العاطفة على حقيقتها في تلك القصيدة لأنها تقليد.
ومن الألوان الدينية في شعر عبد المطلب نشيد الشبان المسلمين، وعبد المطلب كان من رجال النهضة الدينية، وله أثر محمود كما ذكرنا عند ترجمته في جمعية المحافظة على القرآن الكريم، وجمعية الهداية الإسلامية، فلما دعت جمعية الشبان المسلمين الشعراء إلى نظم نشيد يكون شعارًا لها تقدم عبد المطلب في من تقدم وقال نشيده:
داع من العليا دعا ... يدعو بنيها مسمعًا
يدعو الشباب الأروعا ... يدعو شباب المسلمين
ولكن نشيده لم يكن في مزلة نشيد الرافعي "يا شباب العالم المحمدي" فلم يكتب له الخلود.
ومما يتصل بهذا الشعر الديني أو الذي تأثر فيه الشاعر بالدين قصيدته "العلوية" التي ألقاها بالجامعة المصرية في ٧ من نوفمبر سنة ١٩١٩، وهي تزيد
стр. 844
على ثلاثمائة بيت. وحياة علي بن أبي طالب حافلة بأحداث جسيمة، ويصح أن تكون مأساة شعرية، لأن عليًّا قد أسلم وهو لم يبلغ العاشرة، وشب في حضن الدين الجديد. ونشأ في بيئة معادية لدينه، وحرص على الدفاع عنه ومناوأة أعدائه، فتهيأت له بذلك الفرصة ليكون خصمًا قويًّا، وبلغ الإسلام على عهد النبي ﵇ غايته، وعلي في شرخ شبابه! فكان فتى قوي الشكيمة، أبلى في الحروب بلاء مبينًا، وتميز عن سواه من شباب المسلمين، ينتدب نفسه لكل كريهة، ويخرج منها مظفرًا، وقد شهد كل غزوات النبي إلا واحدة. ولما توفي رسول الله ﷺ رنت عينه إلى الخلافة، وهو ابن عمه وزوج ابنته. ولكن إجماع المسلمين كان على غير رأيه فامتنع عن البيعة قليلًا ثم دخل فيما دخل فيه المسلمون ومضت خلافة أبي بكر، وعمر، ومعظم خلافة عثمان، وعلي مرموق المكانة من الخلفاء يحتل منزلة المستشار والوزير، وفي أخريات عهد عثمان ظهرت الفتنة الكبرى، أودت بحياة عثمان، واتهم علي بممالأة الثائرين، وطالبه معاوية بأن يسلم له قتلة عثمان، وبايع أهل الحجاز عليًّا وامتنع معاوية عن البيعة، وخرجت عائشة وطلحة والزبير إلى العراق، وحدثت معركة "الجمل"، ثم "صفين"، وانتهى الأمر بمقتل علي ﵁، وهو خارج لصلاة الفجر على يد أحد الخوارج، وكانت فيه صفات تؤهله للزعامة والسيادة أهمها: الشجاعة الفائقة والفصاحة النادرة، والعدل الشامل، ولكنه كان سيء الحظ، فلم تيسر له الأمور كما يسرت لمن قبله من الخلفاء، وخرج عليه بعض أنصاره وجادلهم، وحاربهم، ثم حارب معاوية وأهل الشام، وكانت ملاحم دامية، وفتنة فظيعة.
إن هذه الحياة تستغرق جزءًا حافلًا من حياة الإسلام، والجهاد الحر في سبيل دعوته، وخروج العرب من جزيرتهم إلى شتى البلاد المجاورة، مما غير الحياة العربية وتقاليدها إلى شيء جديد وجعلها أمة ممتازة: دينًا وجيشًا، وحضارة، ولغة، والشاعر الموهوب يستطيع أن يقف وقفات طويلة أمام السمات البارزة لهذه الحياة، ويصورها تصويرًا دقيقًا بشيء من التفصيل، والخيال، ولكن عبد المطلب أجمل القول في كثير من الأحيان، ومر على بعض المشاهد الرائعة مرورًا سريعًا؛ لأنه تقيد بقافية واحدة، ولأنه كان أقرب إلى سرد الحقائق التاريخية منه إلى التصوير الشعري.
стр. 845
وأغلب الظن أن محمد عبد المطلب لم ينظم هذه القصيدة إلا تحديًا لعمرية حافظ إبراهيم التي ألقاها في ٨ من فبراير سنة ١٩١٨ بمدرج وزارة المعارف أي قبل علوية عبد المطلب بأكثر من عام.
وقد ابتدأ قصيدته العلوية بالحديث عن الإنسان وطموحه، وباختراعه الطيارة، وود أن توهب له طيارة ليلقي بها الإمام على هامات السحب:
فهب لي ذات أجنحة لعلي ... بها ألقى على السحب الإماما
وأخذ يتحدث عن الإمام ومكانته ومقامه، وأنه:
مقام دونه بحب القوافي ... وإن كانت مسومة كرامًا
وأخذ يقدم المعذرة بين يدي سامعيه إذا قصر في وصف مناقب الإمام:
وما أدراك ويحك ما علي ... فتكشف عن مناقبه اللثامة
وبعد أن انتهى من هذه المقدمة، قسم القصيدة إلى فصول صغيرة، فتحدث عن علي في صباه، وإسلامه، وكيف جنب الرجس والشرك، ودنس الجاهلية وكيف لبى دعوة الإسلام صغيرًا بينما صدف عنها الشيوخ والكهول.
فكهل في جهالته تولى ... وشيخ في ضلالته تعامى
وكيف كان معتزًا بإسلامه لا يخاف فتنة قريش للمسلمين، وإيذائهم لهم:
يروح على مجامعهم ويغدو ... كشبل الليث يعتزم اعترامًا
صغير السن يخطر في إباء ... فلا ضيمًا يخاف ولا ملاما
ثم ينتقل إلى فصل آخر عن استخلافه ليلة الهجرة، ولكنه أجمل فيه القوم، ولم يصور تأمر قريش على قتل النبي تصويرًا شعريًّا مفصلًا، ويضفي على هذه الحادثة التي غيرت وجه التاريخ شيئًا من الخيال الشعري ليظهرها في جلالها وروعتها، ويبين عظم المعجزة وكل ما وصف به قوة قريش ومؤامراتهم هو قوله:
стр. 846
وأقبلت الصوارم والمنايا ... لحرب الله تنتحم انتحاما١
وهذا قول موجز، فيه توعر في الألفاظ، وكان يستطيع أن يصور هؤلاء الأوشاب الذين اجتمعوا من قبائل شتى، وهم يتسللون في جنح الليل إلى دار النبي ﵇ يقدمهم الشيطان، ويهيمن عليهم الشر، وكيف منوا نفوسهم الآثمة بقتل سيد الخلق ﵇ ولكن الله العلي القدير الذي حفظ نبيه وأراد نشر دينه كان لهم بالمرصاد، ثم يستطيع أن يصور في خيال شعري رائع عليًّا وهو نائم في بردة النبي وخروج الرسول على الكفار وقد عميت أبصارهم عن رؤيته، وما تهامست به نفسه حين رأى جمعهم وشبابهم وسيوفهم، وتغلب إيمانه وثقته بربه على همهمات نفسه، وكيف مر من بينهم سالمًا إلى آخر قصة الهجرة. ولكن عبد المطلب لم يشأ أو قل لم يستطع أن يحلل، ويسبر غور النفوس ويصور تلك المؤامرة الرهيبة والليل دامس، والكون كله يترقب نتيجتها، وتاريخ البشرية يتطلع إلى إخفاقها كي يحظى بخير شريعة على يد أفضل نبي، واكتفى بأن أجمل القول في هذا كله:
وأغشى الله أعينهم فراحت ... ولم تر ذلك البدر التماما
عموا عن أحمد ومضى نجيا ... مع الصديق يدع الظلاما
ويعقد ببعد ذلك فصلًا عن علي بالمدينة، وقد صور فيه شجاعة علي في غزوة بدر في إيجاز واستمع إليه يقول في هذا:
كأني بابن عتبة يوم بدر ... يعاني تحت مجثمة جثامًا٢
ولو علم الوليد بمن سيلقى ... لألقى قبل مصرعه السلاما
رويدًا بني ربيعة قد ظلمتم ... بني الأعمام والرحم الحراما
وصلناكم بها وقطعتموها ... فكان الحزم أن تردوا الحماما
стр. 847
ثم تكلم عن زواجه من فاطمة الزهراء، وأن قرانه بها:
قرآن زاده الإسلام يمنا ... وشمل زاده الحب التئاما
أما يوم أحد فقد وفق فيه بعض التوفيق، إذ صور هزيمة المسلمين وعلل لها: وكيف أرجف المشركون بقتل رسول الله، وكيف ارتاع علي لهذه الفرية وراح يبحث بنفسه بين القتلى عن رسول الله.
أتى الشهداء مفتقدًا أخاه ... لعل الموت عاجله اختراما
أخي! بأبي! يخيم؟ ويفر؟ حاشا ... أخي في الخطب جبنًا أو خيامًا١
أم اجترأت عليه يد العوادي ... فغالته اجتراء واجتراما
ثم انتقل إلى يوم الخندق ومبارزة علي لعمرو بن ود، وموقفه يوم خيبر وقتله مرحب بن منسية، ثم انتقل إلى مواقف علي في السلم، وصور خلقه في إيجاز وقيامه الليل وتقواه، وقد تأثر في هذا الوصف بكلمة ضرار الصدائي عن علي بن أبي طالب المذكورة في كتب الأدب ثم تكلم عن مقتل عثمان ونفى عن علي اشتراكه في القتل أو علمه به قبل أن يحدث له:
وحاشى أن يريد أبو حسين ... بذي النورين سوءًا أو ظلامًا
علي كان أول من وقاه ... ومن ذا الردى عنه وحامى
ومضى في سيرة علي إلى نهايتها على طريقته في التصوير الموجز، والتزام الحقائق التاريخية إلى حد سردها، من غير إبداع في التصوير أو اهتمام بالتحليل، أو جنوح إلى الخيال، كل ذلك في أسلوب جزل، وفصاحة بدوية، ومهما يكن المقياس الذي وضعناه لهذه القصيدة فهي تعد من القصائد الممتازة في الشعر من حيث موضوعها، وقوتها ومتانة نسجها، وطولها، وهي تدل على قدرة فائقة في اللغة، ونفس مديد في قرض الشعر، وتمكن من القافية وإلمام بالغريب.
стр. 848
هذا هو محمد عبد المطلب في شعره، وقد أتيت على أهم الأغراض التي قال فيها: وقد احتل بإيثاره الأسلوب الفحل، والقول الجزل، والخيال البدوي، منزلة تفرد بها بين شعراء زمانه، وقد قال فيه العقاد: "ولكن عبد المطلب كان وحيدًا في مدرسته الأدبية التي استقامت لها صحة الأسلوب من طريقة الدعوة الدينية وكان أوضح دليل على فائدة الدعوة الإسلامية قبل نيف وستين سنة في إراحة العربية من آفات البهارج والطلاوات"١.
وكا يحتل كذلك منزلة رفيعة في نفوس زملائه الشعراء، ورثاه كبارهم، فهذا شوقي يؤبنه ويمتدح بداوة شعره:
شاعر البدو ومنهم جاءنا ... كل معنى رق أو لفظ عذب
قد جرت ألسنهم صافية ... جريان الماء في أصل العشب
سلمت من عنت الطبع ومن ... كلفة الأقلام أو حشو الكتب
ويثني على أخلاقه ووطنيته التي كانت أكبر ملهم لشاعريته، والتي فاض بها ديوانه:
القريب العتب من معنى الرضا ... والقريب الجد من معنى اللعب
والأخ الصادق في الود إذا ... ظهر الإخوان بالود الكذب
قلد الأوطان نشئًا صالحًا ... وشبابًا أهل دين وحسب
وقد رثاه مطران وأشاد بتملكه لزمام اللغة، ورد على من عاب جزالة لفظه، واهتمامه بالغريب.
فكلام بدوي لو بدا ... فيه لون لم يكن إلا الذهب
خالص النسبة في العتق إذا ... ما دعا للفخر داع فانتسب
стр. 849
ومعان حضريات جلا ... حسنها منه طراز لم يعب
رب ممرور من الجهل نعى ... صحة القول عليه فنعب
خال إغاربًا وما الإغراب ... في ذلك اللفظ الأسيل المنتخب
إنما الإغراب فيه أنه ... عربي بين أهليه اغترب
أخذ المعدن من منجمه ... هل عليه حرج: يا للعجب
ويطري كذلك خلقه الكريم، ويشيد ... بوفائه وحرية رأيه وصراحته
كان حر الرأي لا ... يرطفه رغب لما رآه أو رهب
وافيًا مهما يسمه عهده ... صادقًا مهما يقم عذر الكذب
حسن السيرة في أسرته ... حسن الخيرة فيمن يصطحب
بالغًا في كل نفس رتبة قصرت ... عن شأوها أسمى الرتب
هذا وقد أقيمت له حفلتا تأبين وقد رثاه فيهما أكثر من ثلاثين شاعرًا وأديبًا: وقد جمعت هذه المراثي في عدد خاص أصدرته مجلة الهداية الإسلامية١.
стр. 850
السيد التوفيق البكري
...
السيد توفيق البكري:
وهاكم نموذج آخر لشعراء المدرسة القديمة، الذين طغى حب المحاكاة للقديم على ما لهم من ثقافة حديثة، ومعرفة باللغات الأجنبية وآدابها، ومشاهدة لحضارة أوربا عن كثب بالزيارة والاختلاط، وتجدون هذا النموذج ممثلًا في السيد توفيق البكري.
وهو أبو النجم محمد بن علي بن محمد الملقب بتوفيق البكري الصديق العمري التميمي الهاشمي القرشي، وسبط آل الحسين، ونقيب الأشراف بمصر، وشيخ مشايخ الطرق الصوفية.
ولد البكري١ بقصر والده المطل على النيل بجزيرة الروضة في يوم الجمعه السابع والعشرين من جمادي الآخرة عام ١٢٨٧هـ - ١٨٧٠م.
قرأ القرآن، وتعلم مبادئ اللغة العربية في بيته، ثم دخل المدرسة العلية التي أنشأها الخديو توفيق لأنجاله، وكان يلتحق بها أبناء السادة والعظماء من المصريين، فقرأ ثمة طائفة من العلوم العقلية والنقلية، وأظهر من التفوق والنجابة ما جعله أول التلاميذ.
وألغيت هذه المدرسة في سنة ١٨٨٥، وسافر أنجال الخديو إلى أوربا ليتموا تعليمهم بها فأحضر له ذووه مهرة المدرسين في البيت ليتم ما بدأ من صنوف العلم، وفي سنة ١٨٨٩ تقدم لامتحان "البكالوريا" بنظارة المعارف فجاز الامتحان، ونال الشهادة وكان الأول بين جميع الناجحين. ثم أبت عليه نفسه الطموح أن يقنع بهذا الحظ من التعليم، فتقدم للشيخ الإنبابي شيخ الأزهر حينذاك ليختبره بنفسه فيما يدرس الأزهر من علوم وليمنحه الإجازة فامتحنه ومنحه الإجازة وقال فيها. "ممن اعتنى بعد ما اقتنى، وقطع المفازة فطلب الإجازة
стр. 851
ولدنا النبيل العالم النجيب الجليل، فخر السلالة الهاشمية، وطراز العصابة الصديقية، السيد محمد توفيق، نخبة نسل الرسول، وصاحب رسول الله أبي بكر الصديق بعد أن قرأ على رسالة الأوائل للشيخ عبد الله بن سالم البصري، ونبذة من الأصول والفقه، والحديث والتفسير، وطرفًا من العلوم العربية كالنحو والصرف والمعاني والبيان البديع -مع جودة الألفاظ، وحسن التوضيح والتقرير، فلما لاح كوكب صلاحه، وفاح لي نشر مسك فلاحه ورأيته أهلًا لتلك الصناعة، جدير بتعاطي هاتيك البضاعة، حيث أفاد وأجاد وأجاب، وكشف عن المعاني النقاب، وأخذ من الفنون بأقوى طرف، وأراد الافتداء في أخذ الأسانيد عن السلف بادرت لطلبه بإعطائه بلوغ أربه".
وفي سنة ١٨٩٣ توفي أخوه السيد عبد الباقي البكري بعد وفاة خديو مصر توفيق باثني عشر يومًا، فولاه الخديو عباس الثاني وظائف بيتهم جميعًا: المشيخة البكرية، ومشيخة المشايخ الصوفية، ونقابة الأشراف.
وفي شوال ١٣٠٩هـ الموافق مايو ١٨٩٣ عين عضوًا دائمًا في مجلس شورى القوانين وفي الجمعية العمومية، وأنعم عليه بكسوة التشريفة من الدرجة الأولى وبالنيشان المجيدي الثاني. وفي أواخر تلك السنة رحل إلى أوربا فقابل كثيرًا من وزرائها وعلمائها وأدبائها ثم قصد القسطنطينية فأكرمه السلطان عبد الحميد واحتفى به وقابله مرارًا، وقلده بيده "النيشان" العثماني الأول، ومنحه رتبة الوزارة العلمية، وهي قضاء عسكر الأناضول.
وفي ٢٥ من رجب ١٣١٢ الموافق ١٨٩٥ طلب أن يعفى من نقابة الأشراف، فأجابه عباس إلى طلبه، وقد قال السيد توفيق في سبب تخليه عن هذه الوظيفة "والسبب في ذلك أنني حين كنت رئيسًا لجلسة الميزانية في مجلس شورى القوانين طلبت أن يرتب للأزهر مبلغ من المال، ثم سعيت حتى رتب له ألف جنيه ولم يكن له غرض في ذلك إلا مساعدة العلماء، فوشى بعض أعدائي بي إلى جناب الخديو، وزعم أن لي في ذلك مقصدًا سياسيًّا، فتغير خاطره الكريم مني فرأيت من الواجب المبادرة بالاستعفاء، وقد أظهرت الأيام كذب الواشين،
стр. 852
وإخلاصي له فرجع سموه إلى جميل رعايته وعنايته، وأهداني صورته موقعًا عليها بخطه الكريم إظهارًا لثقته ورضاه".
وفي سنة ١٨٩٧ أنعم عليه السلطان عبد الحميد بمداليتي الامتياز الذهبية والفضية. وفي سنة ١٩٠٠ أنعم عليه بمدالية اللياقة الذهبية، وعلى والدته بنيشان الشفقة المرصع من الدرجة الأولى. وفي سنة ١٩٠٣ أعاد له الخديو عباس نقابة الأشراف. ومكث مدة يتولى هذا المنصب حتى مرض، ثم بعد ذلك يسكت البكري فلا يحدثنا عما انتابه، ولا يظهر السبب في مرضه١، ولكن يظهر أنه لما وفد البكري على السلطان عبد الحميد ومنحه تلك الأوسمة نَمَّ إلى الخديو عباس أن البكري قال: "لن يظفر سمو الخديو بالإنعام على رتبة الوزارة العلمية على مصر غيري" فغضب الخديو، وأنعم بالنيشان العثماني الأول على الشيخ الإنبابي شيخ الأزهر، وعلى المفتي، وعلى الشيخ محمد العباسي المهدي، وعلى قاضي القضاة جمال الدين أفندي، ثم أرسل إلى السلطان ملتمسًا الإنعام على شيخ الأزهر والمفتي برتبة الوزارة العلمية وهي قضاء عسكر الأناضول، وعلى القاضي برتبة قضاء عسكر الرومللي، فلم يصادف طلبه قبولًا.
وكان إخفاق الخديوي مضاعفًا لغضبه، فتوعد البكري، وبلغ البكري هذا الوعيد فأزعجه، واستولى عليه الهم حتى خيل إليه أن أعوان الخديو يطاردونه لقتله، فلجأ إلى إحدى حجرات بيته، ولزمها، وامتنع عن الزوار، حتى لم يعد أحد يطرق بابه إلا لماما. وكان البكري يبعث في أثناء ذلك برسائله إلى المحافظة، وإلى النائب العام، وإلى رئيس النظار يستنجدهم ويطلب حمايتهم ولما لم يجده ذلك نفعًا، ذهب الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد -وكان من خلصاء البكري- إلى الخديو عباس يتوسل إليه أن يصفح عن البكري، ثم أطلعه على ما صار إليه أمره من سوء.
وأمر عباس رئيس ديوانه أحمد شفيق باشا أن يذهب إلى البكري ويبث في روعه الأمن، ولكن الداء كان قد استحكم، والمرض قد استعصى على العلاج. وبعد سنوات ثلاث قضاها في آلام حتى لا يكاد يرشد، نقل إلى مصحة العصفورية
стр. 853
بلبنان سنة ١٩١٢ وظل ثمة حتى سنة ١٩٢٨، ثم نقل إلى مصر لم يزايله المرض، وعاش ما بقي من عمره في ظلام خياله وأوهامه حتى يوم السبت ٣١ من أغسطس سنة ١٩٣٢.
وقد حدثنا عن دراسته وما قدمه من خدمات لوطنه بقوله: أما العلم، فقد اختصصت منه بعلم الأدب، والاختصاص سر النجاح؛ لأن العلم يعطيك من نفسه بقدر ما تعطيه من نفسك ... وقد تم لي من مؤلفات:
صهاريج اللؤلؤ١، وأراجيز العرب٢، وفحول البلاغة٣، وبيت الصديق٤، وبيت السادات الوفائية٥؛ وأما العمل فإما عمل في بيت، أو وظيفة، أو أمة، فما يتعلق بالبيت، فقد ثبت عقده، وضاعفت مجده٦، وما يتعلق بالوظائف فقد توليت مشيخة المشايخ وأمرها فوضى، فاستصدرت لها لائحة رسمية سنة ١٣١٢هـ "١٨٩٤"، فأصبحت بها أشبه بحكومة منظمة، وإدارة مقومة، ثم رسمت بوضع كتاب "التعليم والإرشاد" ليستنير به المشايخ الصوفية وخلفاؤهم في تربية المريدين، وإرشاد السالكين، وطبعته ووقفته لله.
стр. 854
وما يتعلق بالأمة، فقد نشأت في بلاد ترسف في الأغلال. ضائعة الاستقلال، فرأيت أن أول ما يندب على المرء أن يسعى فيه هو إرجاع استقلالها الإداري، ثم استقلالها السياسي، فرفعت صوتي بطلب الأول، كنت أول مصري نادى به في زمن الاحتلال وذلك في رسالة كتبتها لجريدة التيمس في مايو سنة ١٨٩٣ "وفيها يقول: وقد أنشئ في مصر مجلس نواب بعد أن ساد فيها الاستبداد والظلم أربعة آلاف سنة، فألغاه الاحتلال واستبدله بمجلس شورى القوانين، وهو مجلس ليس له إلا إبداء رأيه كما يبديه محرر جريدة فقط، فإلغاء مجلس نوابنا هذا نقطة من أشد النقط سوادًا في تاريخ الاحتلال"، ويواصل حديثه عن عمله فيقول: ثم لم أفتأ أعمل لهذا الغرض بما يؤدي إليه، ويبعث الهمم للحصول عليه وسأثابر إن شاء الله على ذلك.
ولما جاء ولي عهد الدولة الإنجليزية إلى مصر في سنة ١٩٠٦ كتبت له الكتاب المفتوح الذي قالت عنه جريدة المؤيد: "إنه فعل بمصر في النفوس والعقل ما تفعله شعلة النار ألقيت في بحر من البترول".
ولقد كان البكري ذا مكانة، ومنزلة رفيعة، وكانت داره ندوة العلماء والأدباء والحكام، ومقصد ذوي الحاجات، وكان في بحبوبة من العيش. أنيق الملبس، حسن البزوة راجح العقل، تدل على ذلك حكمه الكثيرة المنثورة في ثنايا كتابه صهاريج اللؤلؤ:
ولعلك رأيت من تاريخه هذا أنه نشأ في بيت دين وحسب على قوله:
وإني من البيت الذي تعلمينه ... أقام عمود الدين لما تأودا
وأول هذا الأمر نحن أساته ... وآخره حتى يكون كما بدا
وقد جاءه التزمت، والتمسك بتقاليد العرب في الأدب من جهتين: من جهة حسبه ودينه، ومن جهة دراسته الأدبية العميقة لآثار العرب إنه له فطرة شاعر وإحساس فنان، وذوقًا مصقولًا مهذبًا، وعقلًا حكيمًا مجربًا، ولكنك تتخيل كأنه في صراع بين حاسته الفنانة وبين حنينه للقديم. لقد حفظ كثير من أمثال
стр. 855
العرب وحكمهم، وشعرهم، وأحاط بغريب اللغة إحاطة عالم، وقد حشد ذلك كله حشدًا في كتابه صهاريج اللؤلؤ.
وصهاريج اللؤلؤ هو ذلك الكتاب الذي أودعه السيد توفيق البكري ما قاله من شعر ونثر أدبي، وتكلف فيه تكلفًا كثيرًا، وحرص على أن يظهر فيه أديبًا غزير المحفوظ واسع الاطلاع على ما خلف العرب من كتب أدبية ودواوين شعرية، وأمثال وحكم وحكايات، ولغويًّا كثير المحصول من غريب اللغة على نمط ما كان يفعل كتاب المقامات مع فارق بينه وبينهم، وهو أنه كان يمثل عصره، وآراءه وحضارته، وأنه لم يكن يحكي قصة تنقصها الحبكة الفنية، وإنما كان يكتب مقالة مسجوعة في موضوع أقرب إلى الشعر منه إلى النثر، وأنه كان يوفق في بعض أجزائه حتى ليحلق في سموات الخيال البديع، ويقدم باقة منمقة من الشعر المنثور. والذي يعنينا في كتابنا هذا من صهاريج اللؤلؤ هو شعر البكري، بيد أنه في نثره كان شاعرًا كذلك. ولولا أنه أراد أن يحاكي أدباء العصر العباسي في لغتهم وأسلوبهم حتى جنت عليه هذه المحاكاة، فلم ينطلق على سجيته، وصار يتصيد الألفاظ الغريبة، والأمثال والإشارات التاريخية، لولا هذا كله لاحتل بين أدباء عصره منزلة سامية.
ولقد صدقت فيه نظرة الشاعر خليل مطران حيث قال: "أما نظمه فمتين، وله فيه نظرات إلى زمانه، ولكنه أشبه شيء بنظرات موجهة من عهد عهيد إلى عهد جديد ليس له فكر عام ثابت يتجه إليه، ولو التفاتًا في أكثر ما ينظمه، كما يلتفت حافظ إلى اجتماعياته وشوقي إلى خلقياته، فهو يقول إجابة لدعوات الطوارئ ويلبس لكل حالة لبوسها.
على أننا إنما أشرنا إلى انتفاء الجامعة التي تجمع، ولو بصلة ضعيفة، بين أقسام شعره لأسباب منها: أن السيد شاعر مباه بالشاعرية عن حق، وكان من وسعة أن يحل في الرتبة الأولى من شعراء زمانه، ولو أنه أراد أن يكون من زمانه، ولكنه انتهى إلى عصر آخر، فلم يبلغ ولن يبلغ هو ولا سواه أدباء ذلك العصر؛ لأنهم كانوا يأخذون اللغة رضاعًا وفطامًا وعادة يقظة ومنام، وعشرة ومعاش،
стр. 856
ومنها أن السيد طالع شعر الإفرنج، وعلم منه المهمة العليا التي ينتدب لها الشاعر لا بين أمته منفردة بل بين الأمم جمعاء أحيانًا، ومنها أن سماحته أدري بأن الشعر في بلد محتاج إلى التربية والتأديب كمصر، إذا لم يكن إلا طوائف أسطر الشعر في بلد محتاج إلى التربية والتأديب كمصر، إذا لم يكن إلا طوائف أسطر ترسم مقسومة إلى أشتر ففضل الشاعر رب المقاصد والمعاني على الوزان مقطع عروض الكلام ليس بالكبير وهو إذا بما يقتضيه من المنازلة والتجلة غير جدير.
هذا وللسيد من المقاطيع الشعرية ما لا يدع في معناه مقالًا لقائل، ولا مجالًا لجائل فلو جارى في كثيره قليله لأصبح قطبًا من أقطاب الزمان في الجمع بين البلاغة والبيان، أما طريقته العامة ما وصفناه، فالكلمة التي تغلب في وصف شعره أنه في القرن الرابع عشر المحمدي شعر البعثة الجاهلية"١.
وهذا النقد المركز الذي صور به مطران أن شعر البكري صادق في جملته، ويحتاج إلى شيء من التوضيح؛ فالبكري جنت عليه محاكاته للقديم، ووعى من كتب الأدب الشيء الكثير، وقد يمكن أن يفيد الأديب مما قرأ في كتب الأدب من غير أن يفقد شخصيته، ومن غير أن يستغلق على القارئ، ومن غير أن يتكلف الوعورة والفخامة، واقتناص الأمثال الشاردة، والألفاظ الغريبة ولكن البكري لم يفعل ذلك بل استمد صوره وخيالاته وتعبيراته من بطون الكتب القديمة التي كان يعيش فيها بعقله وفكره ووجدانه.
وإذا تصفحت صهاريج اللؤلؤ وجدت أن البكري مغرم بحشد الأمثال، والإشارات التاريخية والألفاظ الغريبة، كأنه يباهي بكثرة ما وعت ذاكرته من ذلك، خذ مثلًا قوله في وصف "غابة بولونيا" الذي أثر أن يعبر عنه نثرًا مع أنه موضوع شعري جذاب "وكأنما كل بستان شعب بوان٢ وكل حائط سد ذو
стр. 857
القرنين، وكل طريق واد بين الصدفين، وكل قنطرة قنطرة خرازاذ١، أو قنطرة البردان٢ ببغداد، وكل قصر قصر المشتهي٣، وكل كنيسة كنيسة الراها٤.
وهاك مثلًا آخر يريك ولوعه بضرب الأمثال والإشارات التاريخية والأدبية، وإن لم تفد فائدة جديدة في إيضاح المعنى، وإنما ساقها للتعالم، وعلى طريقة المقامات "وإذا هو أجود من حاتم٥، وأبا أي من حنيف الحناتم٦ وأحزم من سنان٧، وأعدل من الميزان وأحمى من مجير الظعن٨، وأعقل من ابن تقن وأحيا من كعاب٩، وأحلم من فرخ عقاب١٠ وأجمل من ذي العمامه١١، وأثر من كعب بن مامة١٢، وأجسر من قاتل عقبة١٣، وأحكم من هرم بن قطبة١٤، وأبطش من دوسر١٥ وأجرأ من قسور١٦.
стр. 858
فهذه مجموعة من الأمثال العربية؛ لأنه قصد بها وصف شخص من الأشخاص، وأنه قد اجتمعت فيه كل تلك الصفات المجيدة التي بلغت في هؤلاء الأشخاص الذين ضرب بهم المثل الغاية التي ليس وراءها مزير حتى تميزوا بها عن سواهم؛ لأن مثل هذا الشخص من نسيج الخيال ولا سيما وهذا الذي يصفه مولود لم يعرف من الدنيا شيئًا، فأي مبالغة وأي تكلف! وما قصد توفيق البكري إلا أن يسوق هذه الأمثلة للإفادة على طريقة المقامات أو لإظهار علمه، وكثرة إطلاعه ومعرفته بأمثال العرب.
وحسبي هذان المثلان للتدليل على غرامه بحشد الأمثال والإشارات التاريخية، وفي صهاريج اللؤلؤ مجموعة من هذه الأمثال يصح أن يؤلف في شرحها كتاب خاص، أما عن توخيه شدة الأسر في عبارته، واصطياد غريب الألفاظ، فقد أشرنا إلى أنه اهتم بجمع مختارات من أراجيز العرب وشرحها، وكلنا يعلم أن الرجازين الذين اشتهروا في العصر الأموي كانوا مثالًا في معرفة اللغة، وأن أراجيزهم كانت منبعًا يستقي منه الأدباء والشعراء، فلا بدع إذا حين نرى البكري ملمًا بكثير من غريب اللغة، مجيدًا لاستعماله.
هذا وقد اختار لفحول الشعراء في العصر العباسي مثل أبي نواس ومسلم بن الوليد، وأبي تمام، والبحتري، وابن الرومي، وابن المعتز، والمتنبي، وأبي العلاء، وشرح مختاراته هذه، فاجتمع له من الأراجيز، ومن الشعر العباسي المنخل المختار مدد من الفصاحة والبيان أعانه على أن يظهر في صهاريج اللؤلؤ بمظهر المتبحر في آداب اللغة المطلع على أسرارها.
على أنك تجد البكري في شعره لا يعمد إلى الغريب إلا في النادر، على حين يهتم في نثره بهذا كل الاهتمام، ولعله رأى الشعر لا يحتمل مثل هذه الألفاظ الوعرة المطمورة في ثنايا المعاجم، وأنه مقيد بالوزن والقافية، أما النثر فأمامه متسع لأن يغير ويبدل، ويضع الكلمة التي يريدها، وقد يعينه هذا الغريب على طريقته التي آثرها في الكتابة، وهي طريقة السجع ولذلك لا تجد له شعرًا مثل شعر عبد المطلب في طول القصيدة، وكثرة ما بها من ألفاظ غريبة.
استمع إليه يصف متنزه "البندلر" في القسطنطينية: "وقد حف الشجر
стр. 859
الدواح١ بتلك البطاح، فمن شوع٢ ودر ماء٣، وخلاف٤، وطحماء٥، وريحان نضر، وعيدانة٦ مرجحنة٧ من سدر، وقد تلاحقت غصونها، وتعرشت خيطانها وفتونها، وخضب بينها العرفج٨، وأزهر الياسمين والبنفسج، فكأن تحت كل عرش إيوانًا، وفوق كل فرش ديوانًا، وفي كل ترب جونة٩ عطار، أو مسك بين أفهار١٠.
ولا ريب أن البكري لم يكن يعرف أسماء الأشجار التي رآها في هذا المتنزة، ولو عرفها بالتركية لعجز عن أن يجد لها نظيرًا بالعربية، فأين ما ينبت في الجزيرة الحارة من شجر ونبات يحتمل الحر الشديد، مما ينبت في بيئة باردة غزيرة الأمطار؟ ولكنه استعار أسماء يعرفها في العربية معرفة قراءة لأشجار أخرى لا تنطبق عليها هذه الأسماء.
وهاك مثل آخر يصف فيه معركة "أسترليتز"١١: "كأني أنظر إيه يوم "استرليتز" وقد خرج لقتاله القيصران، في يوم أرونان١٢ "فصابت بقر"١٣ و"ما يوم حليمة بسر"١٤ فاصطف حيالة الروس، كالسطور في الطروس، وثبتوا في الأخاديد كالجلاميد وابذعروا١٥، في السهول كالوعول، وأقبل النمساوي في كتيبة جأواه١٦ وململمة١٧ شلاء، وينزل أولادها، وليس بنازل ويرحل أخراها براحل، فقابلهم الفرنسيس بالدهياء الدردبيس١٨.... إلخ.
стр. 860
ولعلك رأيت من هذه الأمثلة أن البكري كان يعدل عن الكلمة المعروفة إلى الكلمة غير المألوفة ولو كانت مما يغفر منه السمع مثل "ابذعروا" أو "جأواء"، و "دردبيس"، وأنه كان يجمع بين المثل الشارد واللفظ الغريب أحيانًا.
وإذا نظرنا إلى شعر البكري وجدناه كما قال مطران، لا تنتظمه فكرة. أو يصدر فيه عن مذهب خاص معين، بل كان الشعر عنده وسيلة من وسائل التعبير، وحسبه أن يظهر بأنه يملك هذه الوسيلة، حتى لا يكون أدنى من سواه ممن يتصدورن في موكب الأدب، ولما كان البكري من رجال الدين وشيخ الطرق الصوفية كان من الطبيعي ألا ينطلق على سجيته في الشعر، ويخوض في كل أغراضه، ويعبر بحرية عما يجيش في نفسه.
الشعر فيض الوجدان يظهر في صورة موسيقية جذابة، والوجدان ينفعل بمؤثرات عديدة فإذا كان الشاعر غير متزمت، أو متحرج مما يصدر عنه جاء شعره صادق العاطفة، معبرًا عن حقيقة نفسه، ولكنه إذا كان مثل البكري رجل دين، وسيدًا من الأشراف الذين يحتلون في المجتمع منزلة رفيعة كان من الطبيعي ألا يستجيب في شعره لكل ما ينفعل له وجدانه. ولهذا لا نرى للبكري غزلًا عاطفيًّا قويًّا وإنما هو نسيب يأتي به في أوائل القصائد محاكاة للأقدمين في طريقتهم وتشبيهاتهم، ووقوفهم على الأطلال من غير أن تكون ثمة أطلال، واستمع إليه يقول من قصيدته ذات القوافي:
سقى دور مية بالأمرع ... مسف من الدجن لم يقلع١
ولو ترك الشوق دمعًا بجفني ... سقيت المنازل من أدمعي
شجى يحن لألافه ... ويصبو إلى دهره الغابر
فهل عائد لي زمان مضى ... بعنف الغوير إلى الحاجر٢
стр. 861
ولا ريب أن البكري لم يكن خبًّا لمية وديارها بالأجزع، وإنما هو محاكاة لطريقة الأقدمين في نظم الشعر، ولم يكن البكري ممن يصبو إلى زمن الغابر ويتمنى عودته إلى نعف الغوير والحاجر إلا على التأويل أنه قرأ عن هذه الأماكن كثيرًا ويود لو أتيحت له الفرصة ليراها رأي العين، فليس البكري كعبد المطلب في حنينه إلى البادية؛ لأن عبد المطلب كان يحن إليها عن عاطفة وإخلاص، لنشأته في بيئة قريبة منها، ولاعتزازه بانتسابه إلى البدو، أما البكري فقد نشأ في بيت ترف ومجد في أحضان القاهرة، ورأى من معالم الحضارة الأوربية الشيء الكثير، ولم يكن على الرغم من شرف محتده وعلو نسبه ممن يشتهي الرجوع إلى البادية أو يعتز بها، ولكنه حنين أتى إليه من الكتب ومن المحاكاة. والأبيات ليست فيها أي عاطفة أو سمات تصح عن شخصية الشاعر.
وكثيرًا ما يلجأ إلى هذا النوع في ابتداء القصائد التي يحتفي بها كقصائد المديح متبعًا في ذلك خطة كبار الشعراء الذين يعارضهم أو يعجب بهم، فأبو نواس على الرغم من ثورته على هذه الطريقة ظل يتبعها حين يمدح أمير المؤمنين أو أحد الولاة.
ونرى هذا لدى البكري عن مدحه للخديوي عباس
ألا جمعى شمل الدموع المبددا ... وردى لجفنيك المنام المشردا
وإن تجزعي للبين لست بجازع ... ولا تارك رأي الصواب المسددا
والجزع وسح الدموع ساعة الفراق مما ردده كثير من شعراء العربية؛ وهذا هو المتنبي يقول:
ولم أر كالألحاظ يوم رحيلهم ... بعثن إلينا القتل من كل مشفق
عشية يعدونا عن النظر البكا ... وعن لذة التوديع خوف التفرق
نرى هذا كذلك في أول قصيدته مصر التي أشرنا إليها فيما سلف عند الكلام على التغني بالطبيعة المصرية في الشعر الحديث:
أديار مي تنظر ... فدموع عينك تمطر
стр. 862
أم أبرق العلمين أم ... سفح اللوى تتذكر١
أم تام قلبك جؤذر ... أحوى المدامع أحور٢
فما زال ينظر إلى ديار مية، وأبرق العلمين، وسفح اللوى، ولا زالت المرأة عنده جؤذرًا.
وفيما عدا هذه الابتداءات لا ترى للبكري غزلًا أو تشبيهًا في المرأة، وتزمتًا منه، وحرصًا على مكانته في المجتمع، وهو الحسيب النسيب، وشيخ مشايخ الطرق الصوفية.
وإذا انتقلنا إلى غرض آخر من أغراض الشعر وهو المديح، وجدنا أن البكري ربا بنفسه أن يمدح إلا الملوك على حد قول النابغة:
وكنت امرءًا لا أمدح الدهر سوقة ... فلست على خير أتاك بحاسد
وقد انحصر مديحه في أمير المؤمنين "عبد الحميد" وقد علمت كيف احتفى به، وأغدق عليه من الأوسمة والرتب ما ألهج لسانة بالثناء المستطاب، وفي عباس وهو أمير البلاد، وهو الذي ولاه مشيخة الطرق الصوفية، وإن كان قد نفس عليه مكانته من الخليفة، وجفاه، بل اشترك في المؤامرة التي حيكت لاتهامه بالجنون.
وله في عبد الحميد قصيدة واحدة أثنى فيها على بلاء جيوشه في محاربة أعداء الدين، وعرج على وصف بعض الملوك، وأثنى فيها على كرمه وجوده حتى انطلق الشعراء بمدحه، وهو في وصف المعارك يخلط الجديد بالقديم، فيصف عدة السلاح التي عرفها العرب من السيف والرمح والدرع، ويصف المدفع وقصفه وحصده للنفوس. وهو يتوخى غريب اللفظ كعادته ويلجأ إلى محفوظه من التشبيهات العربية القديمة، وهاك بعض ما قاله في تلك القصيدة:
أما ويمين الله حلفة مقسم ... لقد قمت بالإسلام عن كل مسلم
فلولاك بعد الله أمست دياره ... بأيدي الأعادي مثل نهب مقسم
стр. 863
لقد سر هذا النصر قبرًا بطيبة ... وبيتًا ثوى عند الحطيم وزمزم
وهذا مدح ينكره الواقع فلم يقم عبد الحميد عن كل مسلم بالإسلام، بل هو الذي طوح بالإسلام حتى عرفت تركيا في عهده بالرجل المريض، ونهب الأعداء ولايات عديدة من تركيا مثل طرابلس وتراقيا وغيرهما، وإذا كان عبد الحميد وجنده قد انتصروا في بعض المواقع، فإن العاقبة كانت وخيمة، ويقول في مدح عبد الحميد كذلك:
له في الأعادي حملة يعرفونها ... وأكبر منها حملة في التكرم
عطايا تظناها لإعظام قدرها ... أماني نفس أو رؤى من مهوم
أياديه أبدت خافي الشعر للورى ... وكان مجنًا مثل سر مكتم
كذلك زهر الروض يبدو من الثرى ... إذا ما سقاه مسجم بعد مسجم
والمدح بالشجاعة والكرم -وهما أعظم خلتين لدى العرب- قديم جدًّا في الشعر العربي، وقد أفتن الشعراء في توليد المعاني منهما، ولم يدعوا مجالًا لقائل، ومن قوله يصف جيوش عبد الحميد:
أسأل جفاج الأرض بالجند يلتوي ... كأغدرة الوديان في كل مخرم
وقد نظر في هذا البيت إلى قول الشاعر: "وسألت بأعناق المطي الأباطح"
يموج بها الماذي في رونق الضحى ... كما ماج لج بين أرجاء عيلم
فمن كل مغوار ترى الروم دونه ... طرائد وحش بين أظفار قشعم
ومن كل ذيال كأن هويه ... هوى شهاب أو عقاقب محوم
ومن كل حصداء دلاص كأنها ... على عاتق الأجناد بردة أرقم
فهو يشبه الجيش في الضحى بالأمواج المتدفقة في بحر كبير، ويشبه التركي الشجاع بالنسر الذي يطارد وحشًا، ويصف الفرسان بأن هويها كالشهاب أو العقاب، ويصف الدروع الواسعة السابغة بأنها على أكتاف الجنود كأثواب الثعابين في نمنمتها ونقشها، وهذا كلها أسلحة قديمة، وأوصاف مطروقة من قبل، ويطول بنا الحديث لو تعقبناه عرفنا مآخذه، ومن وصفه للمدفع قوله:
стр. 864
ومن منجنيق يستطير شواظه ... بفوهة فيه كباب جهنم
عليه دخان يقطر الجمر بينه ... كأسود دجن بالصواعق يرتمي
وقد سمى المدفع منجنيقًا لأن العرب كانت تعرفه، ولم تعرف المدفع، وشتان بينهما، وفي مدحه لعباس تراه يبتدي بذلك النسيب الذي أشرنا إليه ثم يعرج على وصف السفينة التي أقلته إلى مصر، وقد عدل عن وصف الناقة التي كانت توصل الشاعر إلى الممدوح وتشق به الصحارى إلى السفينة التي أوصلته إلى مصر وشقت به عباب البحر، وقد وصف عباسًا بالحلم في حزم، وإنجاز الوعد، والكرم، وبأنه حسام في يد الإسلام وبأنه كالنجم الثاقب في الرأي، ثم انتقل إلى مدح الأسرة العلوية مشيدًا بفتوحهم وبلائهم في خدمة مصر، ومن قوله يصف السفينة والبحر:
أخوض عبابًا فوق فلك تظنها ... على سروات الماء قصرًا مشيدًا١
تهادي به مثل العقاب، وتارة ... ترقى من الأمواج صرحًا ممردا
وترزم حينًا فيه حتى كأنها ... تجوز على العلات حزنًا وقرددًا٢
خضارة مرآة السماء فلم تزل ... ترى وجهها فيها وإن بعد المدى٣
فإن أشرفت فيه الغزالة خلتها كعين ... بجوف البحر تقذف عسجدا
وإن لاح تحت الماء بدر رأيته ... كماوية يعلو على متنها الصدا
وربما خلت النجوم عشية ... لآلئ في قاعيه مثنى ومفردا
كأنا وقد جزنا لمصر فرنجه حنيف ... تخطى من ضلال إلى هدى
تؤم بها العباس في دست ملكه ... كما أم سفار على الجهد موردا
وهنا ترى البكري يلجأ إلى القديم تارة، ويجدد في صوفه أخرى، فإرزام السفينة من إرزام الناقة وهذا قديم، كما أن تشبيه هويها بهوى العقاب قديم
стр. 865
كذلك، وتشبيه البحر بأنه مرآة للسماء ترى فيه وجهها على الرغم من بعد الشقة، وتصوير الشمس المشرقة في البحر بأنها عين تقذف عسجدًا، وتشبيه البدر بأنه مرآة صدئة وصف جديد حقًّا. وطريقته في التخلص من وصف السفينة إلى المدح هي طريقة القدامى في التخلص من وصف الرحلة والناقة إلى المدح تمامًا:
ومن قوله يمدح عباس:
حليم يزيد الحلم منه حفاظه ... كما خشن اللين الجراز المهندا١
أجل أمير قام بأسًا ونائلا ... وأنجزهم طرًا وعيدًا وموعدًا
تراه بمصر بعد والده الرضى ... كمثل الربيع الجون خلفه الجدا
يذود عن الإسلام حتى كأنه ... حسام به الإسلام أضحى مقلدًا
له شيمة فيها ثوى الفضل كله ... كما قد ثورى كل الكلام بأبجدا
ورأى إذا ما أظلم الخطب خلته ... كنجم في ظلمة الخطب يهتدي
وفكر كمرأة المنجم في الورى ... يرى اليوم فيها ما يبين لهم غدا
ولعلك تلحظ ظاهرة واضحة في شعر البكري، بل وستجدها في كل آثاره الأدبية وهي فرط غرامه بالتشبيهات، فكل صفة مهما بلغت من الوضوح لا بد لها عنده من تشبيه يؤكدها، وقد يوفق في بعض هذه التشبيهات ويبتكر، وقد يخفق في التجديد، ويحاكي الأقدمين، وكأن التشبيه لديه مقصود لذاته، وربما أتى هذا لاعتقاده أنه مظهر الخيال، وهو يريد أن يباهي بخياله الأدبي، ويظهر للملأ أنه يحتل منزلة لا تداني في هذا المديان.
فوصف الأمير بالحلم مع الحفاظ والذود عن المكارم وصف قديم وأشهر ما قيل في هذا قولهم "لين في غير ضعف"، ووصفه بالشجاعة والكرم وبإنجاز الوعد والوعيد ليس فيه جديد، أما عن تشبهه بالربيع الذي خلفه المطر فقديم كذلك، ومن أحسن ما قيل في هذا قول الشاعر:
стр. 866
وما روضة حل الربيع نطاقها ... وجرت بها الأنواء احاشية البرد
إذا حدرت فيه النعامى لثامها ... تثني عطفه الحوذان والتف بالرند
بأطيب نشرًا من خلائقه التي ... تنم برياها عن العنبر الورد
ثم ألا ترى معي أن أضعف الوصف حين شبهه بحسام تقلده الإسلام بقوله: "حتى كأنه حسان" وتشبيه الأمراء والقواد والممدوحين بالسيف معرق في القد: وما أردأ قوله: "كمال قد ثوى كل الكلام بأبجدا" فليس فيه أي رائحة من الشعر، وكان في غنى عن الالتجاء إلى التشبيه إذا أعوزته المقدرة على الابتكار. وتشبيه الرأي بالنجم الثاقب من التشبيهات المتداولة المعروفة منذ أن نظر شاعر عربي في صفحة السماء في ليلة بالنجوم ويخيل إليك أنه جدد في وصف فكر الأمير بأنه كمرآة المنجم يرى فيها اليوم ما سيأتي به الغد، ولكن ألا ترى أن هذا المعنى قد أتى في قول البحتري:
تشف أقاصي الرأي في بدأته ... لعيني، وستر غير رقيق
ولم يتورط بذكر المنجم الذي يوفق حينًا، ويضل في أغلب الأحيان؟؟ ومرأة المنجم هذه ليست مما يؤمن به العصر الحاضر وقد كانت شائعة في القديم وهي معرفته بحساب الجمل والحصر الذي أدعى الناس أن أهل البيت هم الذين ألفوا فيه، قال أبو العلاء المعري:
تعد عجبوا لأهل البيت لما ... أتاهم علمهم من مسك جفر
ومرآة المنجم وهي صغرى ... أرته كل عامرة وقفر
ولعل مرآة المنجم اليوم هو ما يسمى بالمندل، وهذا كله رجم بالغيب وقد تفرد الله بعلمه. وبعد أن انتهى الشاعر من مدح عباس والثناء على خلاله وسجاياه، ومدح آباه وأثنى على شجاعتهم وقيادتهم الجيوش يدافعون عن الخلافة، وعن البيت الحرام١:
ففسل جموع الخارجين ببأسهم ... وأتهم فيهم بالفتوح وأنجدا
وحامي عن القبر الذي عند طيبة ... وذاد عن البيت الذي عنده كذا
стр. 867
ولم يمدح البكري كما ذكرنا غير الخليفة والخديو، وليس له في منهما سوى قصيدة واحدة وإن مدح عباسًا في خلال قصيدته التي يصف بها مصر بما لا يخرج عما قاله في هذه القصيدة، ومن ذلك قوله:
ملك بضوء جبينه ... تسقي البلاد وتمطر
السيد المحض العلا ... والجوهر المتخير
العدل مما ينشر ... والمجد مما يذخر
خلق حوى كل الفضا ... ئل فهي عنه تؤثر
جود وباس في الورى ... بهما يخص ويشهر
وهذا الوصف ليس فيه جديد يضيفه إلى قصيدته السابقة، وقد خلا مديحه من الاستجداء، ولم يطل فيه ضنًا بكرامته وشرفه، ولعله أتى من قبيل أداء الواجب وهو الشاعر المباهي بشاعريته، والذي ينتظر منه أن يقدم ولاءه لخليفته وأميره، ولو قصر لليم على تقصيره ولعلك رأيت أنه وصف عباسًا بكثير من الصفات التي لم يتحل بها على عادة الشعراء القدامى في المدح.
ومن الأغراض التي أجاد فيها الوصف، ولكنه قليل من شعره، بل إن شعره كله قليل، وقد وصف مصر في قصيدة عامرة له فيها لفتات شعرية سامية، ومن هذه القصيدة التي أشرنا إليها في غير هذا الموضع١ قوله يصف جمال مصر:
والنيل في لباتها ... عقد يلوح مجوهر
والجو صحو مشرق ... وكأنما هو ممطر
والظل من خلل الشمو ... س مدرهم ومدنر
وعصونها لد ... ن تميد بما تقل وتثمر
فكأنهن ولائد ... في حليها تتكسر
هي نسج وشى ... نيلها فيه الطراز الأحمر
стр. 868
هي مثل لوح صور الـ ... ـفردوس فيه مصور
يا جنة يجني الجنى ... فيها ويجري الكوثر
أنا شاعر في وصفها ... لكنها هي أشعر
وفي بعض هذا الوصف جدة، فتشبيه النيل بأنه عقد جوهر يجلي جيد مصر، وتشبيه الأغصان المحملة بالثمار المختلفة الألوان بالولائد اللاتي يتكسرن في مشيتهن وهن حاليات، وتشبيه مصر بأنها لوح صورت فيه الجنة، قوله: إنها بجمالها أشعر منه في شعره الذي يمدحها به من الجديد في الوصف. ويدل على حبه لبلاده وعلى خيال سام في تصويرها.
وتراه في بعض أبيات هذه القصيدة يقتفي أثر البحتري في وصف إيوان كسرى، استمع إليه يصف قصر "عابدين" والصور التي تزين جدرانه وقد مثلت عليها وقائع حربية:
فترى الوقائع منظرًا ... وكأنما هي مخبر
والجند تخطر في الـ ... ـحديد فدارعون وحسر
والخيل بين عجاجها ... تخفي وحينًا تظهر
وتظن أحياء بها ... فتمس كيما تخبر
ففي هذه الأبيات شبه كبير وتأثر واضح بتلك الأبيات التي وصف فيها البحتري معركة أنطاكية.
والمنايا مواثل أنو شروان ... يزجي الصفوف تحت الدرفس
وعراك الرجال بين يديه ... في خفوت منهم وإماض جرس
من مشيح يهوى بعامل رمح ... ومليح من السنان بترس
تصف العين أنهم جد أحيـ ... ـاء لهم بينهم إشارة خرس
يغتلي فيهم ارتيابي ... حتى تتقراهم يداي بلمس
стр. 869
وقد وصف البكري في هذه القصيدة الجزيرة وخروج النساء للنزهة بين أرجائها من مركباتهن وقد أبدع في الوصف حين قال:
عجلاتها فلك ... بأشباه النجوم يدور
من كل خركاة ... بحسناء تضيء وتقمر
فكأنها المشكاة ... والمصباح فيها يزهر
والخركاة مركبة النساء في المواكب، وتصويره المركبة بأنها كالمشكاة والحسناء فيها كالمصباح تصوير طريف، وتراه بعد ذلك يصف حديقة الحيوان:
فيها النعامة والحبا ... رى والمها والقسور
كسفين نوح أظهرت ... ما كان فيها يضمر
وترى الغصون على الأرا ... ئك تلتوي فتشجر
وجداول كسبائك ... بسنا الأصيل تعصفر
وقد نظر في البيت الأخير إلى قول الشاعر: "ذهب الأصيل على لجين الماء"
ماء كبلور يذو ... ب وأدمع تتقطر
يروي القطا الكدري منه ... وينتحيه الجؤذر
في حافتيه الورد والنـ ... ـسرين والنيلوفر
وعليه من نسج الصبا ... درع هناك ومغفر
وفي هذا المعنى قال ابن المعتز يصف روضًا:
فكأن الروض وشى ... بالغت فيه التجار
نقشه آس ونسر ... ين وورد وبهار
وقال في وصف غدير:
غدير ترجرج أمواجه ... هبوب الرياح ومر الصبا
стр. 870
إذا الشمس من فوقه أشرقت ... توهمته جوشنا مذهبًا١
وقال الطغرائي في وصف غدير كذلك:
حصباؤه در ورضراضه ... سحالة العسجد حول الدرر٢
وقد كسته الريح من نسجها ... درعًا بها يلقى نبال المطر
وألبسته الشمس من صبغها ... نور به يخطب نور البصر
كأنه المرأة المجلوة على ... بساط أخضر قد نشر
ولم يزد ما قاله البكري عما أتى به ابن المعتز والطغرائي شيئًا:
ومن الجدير في هذه القصيدة قوله في وصف المتحف. وقد حشدت فيه أجساد الفراعنة:
نشرت به أمواتهم ... فكأنما هو محشر
رمسيس أين مطارف الد ... يباج أين الجوهر؟
أين السرير وأين تا ... ج الملك أين العسكر؟
نم في رقاد ليس في ... أحلامه ما يذعر
فالموت نوم أكبر ... والنوم موت أصغر
دنيا تشابه ملعبًا ... والليل ستر يستر
والفصل يضحك والثر ... يا الشمس فيه تنور
جند هناك وسوقة ... ومتوج ومسخر
فإذا طرحت ثيابهم ... ساوى الأعز الأحقر
стр. 871
وتشبيه الدنيا بأنها ملعب تمثل فيه رواية الحياة، والليل هو الأستار التي تسدل على المسرح قبل الرواية، والشمس هي الثريا التي تضيء المسرح، والناس هم الممثلون، وهذا يمثل جنديًّا، وهذا سوقة، وهذا ملك، وهذا خادم، ولكنك إذا طرحت هذه الثياب وجدتهم جميعًا سواء في التركيب الجسماني -لعمري لفتة شعرية بديعة من البكري، ومن الجديد في تلك القصيدة التفاته إلى خلق المصريين ووداعتهم، وقلما التفت من وصفوا مصر من الشعراء إلى خلق أهلها:
وطن الغريب وداره ... وقبيله والمعشر
وقد تكلم عن مجد مصر القديم وأنه كلما ازداد قدمًا ازداد حسنًا وروعة:
والمجد مثل الخمر يكـ ... ـرم ما توالي الأعصر
كانت سلاطين الورى ... فيه تشيد وتعمر
والغرب من أعماله ... والقبلتان وتدمر١
والخيل خيل الله تر ... كب والطوائف تنصر
وفرنجة ومليكها ... تغري بمصر وتؤسر
هذي مناقب مصر تر ... وي في الأنام وتسطر
ولم يكتف بذكر الماضي، ولكنه نظر إلى المستقبل، وكان متفائلًا في نظرته، محبًّا لبلاده:
ولسوف يرجع ما مضى ... ويعود ذلك المفخر
وكذا الزمان يدور والـ ... ـقدر المغيب محور
والبدر إن وافى السر ... ار فبعد ذلك يبدر
والعود يبس برهة ... فإذاه عود أخضر
стр. 872
ومن روائع وصفه "النيازج" في إحدى حفلات القصر الليلية، وقد خرجت منها مناظر عدة، فمن ثعابين، وطيور، وأزهار ونخيل، في ألوان وأصباغ مختلفة.
فمن شهب تمتد في الجو مصعدًا ... وتلوي على جنبيه مثل الأراقم
وتمطر فيه لؤلؤا وزبرجدا ... شآبيب منها ساجم بعد ساجم
فطور نرى أن السماء حديقة ... تفتح فيها النور بين الكمائم
وحينًا نرى أن الحديقة في الدجى ... سماء تهاوي بالنجوم الرواجم
ولكنك لا تجد له شعرًا كثيرًا في الوصف، فهو مقل جدًّا، ولو أنه عنى بالشعر واحتفل به، ولم يأنف من أن يصير شاعرًا مكتمل الشاعرية يخوض في كل أغراض الشعر ويستجيب لانفعالات قلبه ووجدانه، لكان في طليعة شعراء مصر.
وله قصيدة في الفخر والرثاء معًا بعنوان: "أبي" عارض فيها المتنبي حين رثى جدته حين قال:
ألا لا أرى الأحداث مدحًا ولا ذمًا ... فما بطشها جهلًا ولا كفها حلمًا
أحن إلى الكأس التي شربت بها ... وأهوى لمتواها التراب وما ضما
وإن لم تكوني بنت أكرم والد ... فإن إباك الضخم كونك لي أما
وقد قال البكري من نفس البحر والقافية:
سقت رحمة الله الضريح وما ضما ... وروت به هامًا وروت به عظمًا
يغز على العلياء أن يسكن الندى ... ترابًا وأن نلقى به الحسب الضخما
وفيها يقول واصفًا خلال والده:
стр. 873
وكفان كانا كالفرات ودجلة ... يريشان من خصا بجود ومن عما
وعلم هو اليم الذي قد تنورت ... أواذيه الوراد فاستصغروا اليما
وبطش لمن عاداه تحسب أنه ... شهاب هوى في إثر عفرية رجما
وصدر هو الدهناء في الأزم فسحة ... وليلة سر عند إسرافه كتما
وقول عريق في الفصاحة لوغدت ... تساجله عرب إذا أصبحوا عجمًا
وعدل هو العدل الذي قد قضى به ... أبو حفص الفاروق في طيبة حكما
فهذا أبي من بيت تيم بن مرة ... إلى نضد من هاشم يفرع النجما
وما ذاك في مديحه شعر ... وإنما خلائقة در أجدت له نظمًا
هذا يقف وقفة على قبور آل الصديق يتذكر فيه أمجادهم، فتأسى نفسه لما أصابهم.
وإما تراءت هيلت النفس عندها ... قشعريرة للهيب أو وجمت وجما
أهيل على مثل العوالي ترابها ... ووارت لدى إطباقها الدين والعلما
على أن البكري أشعر ما تراه في مقطوعاته الصغيرة، وقد ضمنها بعض الحكم والأفكار الجديدة، والخطرات العارضة، فمن ذلك قوله في ظلم السادة للرعية، وفي هيبة الناس الملوك وخشيتهم إياهم مع أنهم هم الذين ملكوهم.
لا تتعجبوا للظلم يغشى أمة ... فتنوء منه بفادح الأثقال
ظلم الرعية كالعقاب لجهلها ... ألم المريض عقوبة الإهمال
وقوله في هذا الغرض كذلك:
والناس يخشون من بطش المليك به ... وما له دونهم بأس ولا جاه
كصانع صنمًا يومًا على يده ... وبعد ذلك يرجوه ويخشاه
فهو وإن نظر إلى قول المعري:
стр. 874
من المقام فلا أجاور أمة ... أمرت بغير صلاحها أمراؤها
ظلموا الرعية واستباحوا كيدها ... وعدوا مصالحها وهم جراؤها
إلا أنه جدد وابتكر وما أبدع قوله: "كصانع" في وصف علامة الرعية بمليكها ومن هذه الحكم قوله:
وفي وسعة المرء نيل العلا ... وقد يمنع المرء ما يمنع
صغير من الأمر يلهيه ... عن بلوغ العظائم أو يقطع
كعين تحيط بهذا الوجود ... جميعًا ويحجبها إصبع
وفي هذا التشبيه براعة وتجديد، ومن قبيل هذا قوله في وصف شقيين:
شقيان في خلق واحد ... تؤلف بينكما الزندقة
كشقي مقص تجمعتما ... على غير شيء سوى التفرقة
وله في قصيدته التي سماها "ذات القوافي" خطرات بارعة مثل هذا الذي ذكرناه، حى يصل فيها إلى القمة فمن ذلك قوله متغزلًا:
نحلت فلو ذدتها ما خشيـ ... ـت رقيبًا يراني فيمن يرى
ولو زرت مية في يقظة ... لظنت بأني خيال سرى
يمر ولم أدر شهر فشهر ... كأني في فلك لم يدر
وأتراح إما تمنيتها ... ويا رب أمنية كالظفر
أسير ولا ارتضى بالعتاق ... ومضنى وأجزع أن أبرأ
وإن سلمت خلتها ودعت ... وأحسب مقتربي منتأى
стр. 875
إذا كنت وحدي أكون وإيا ... ك أو خاليًا فاشتغالي بك
وأطلب المجد والمكرما ... ت لتحسن لي شيمة عندك
ليحنو قلبك رفقًا علي ... فالصخر بالماء تقد ينبجس
وصوني الوداد وفيه الذماء ... فلن يورق العود إما يبس
وما أجمل قوله في ختام هذه القصيدة:
زمان إذا ما تذكرته ... تخيلته حلمًا في الكرى
وعهد الشباب كرؤيا إذا ... مضت أدركتها نفوس الورى
ومن هذه المقطوعات الصغيرة قوله في الشيب:
أشعرة بيضاء ... أم أول خيط الكفن
أم تلك سهم مرسل ... لا يتقي بالجبن
والزرع إن هاج فقد ... حان الحصاد وأني
وقد قال ابن الرومي في هذا المعنى:
لم أخضب الشيب للغواني ... لأبتغي عندها ودادًا
لكن خضابي على شبابي ... لبست من بعده حدادًا
وقد علق الأستاذ العقاد على قول الشاعرين في الشيب بقوله: "كذلك الفرق بين خضاب الحداد، وأول خيط الكفن، فكلاهما مغالطة لا تعبر عن الواقع، ولكن وصف الخضاب بالحداد تهكم جائر من حيث لا يجوز أن يخطر ببال أن شعره الشيب الأولى خيط من خيوط الكفن لا على سبيل الجد، ولا على سبيل التهكم".
ولكن يخطر على البال أن الكفن أبيض اللون، وكذلك الشيب، وأن الشعرة الأولى إذا انضمت إليها شعرة أخرى، وأخذ شعر المرء في البياض دل ذلك عادة على شيخوخة وضعف، فإذا تم الشيب فكأنما تم نسج الكفن في انتظار المنية.
стр. 876
ومن قبيل هذا قوله:
وما أذن النوم لما أقاموا ... صلاة الجنازة يوم الوفاة
وأذن للطفل يوم الولاد ... فهذا الأذان لتلك الصلاة
وقد اقتفى فيهما أثر ابن الرومي عن قوله:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأرحب مما كان فيه وأرغد
وقد علق الأستاذ العقاد على هذه المعارضة بقوله: "إنه يعتسف أحيانًا ويهتدون، ومن أمثلة ذلك فيما تقدم قوله في أذان الولادة وصلاة الجنازة، وقول ابن الرومي في بكاء الوليد عند استهلاله، فإن بكاء الطفل وهو يخرج من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا مثل صادق من تصاريف الحياة، ومثل شائع بين جميع الناس، وأما النسبة بين أذان الولادة وصلاة الجنازة فهي مناسبة "موضوعة طارئة" لا توافق هذا المعنى المتصل بالمولد والممات، وهما أعم شيء وأعمقه في وجود الإنسان، وقد كان جائزًا أن يختلف الأمر فنصلي شكرًا للولادة تؤذن إعلانًا للوفاة، وقد جاز عند ملايين من الأحياء ألا تقام الشعيرتان، فالفرق بين معنى ابن الرومي ومعنى البكري هو الفرق بين المناسبة الموضوعة والمناسبة الصادقة التي لا يؤثر فيها اختلاف الشعائر والعادات والأقوام والأزمان"١.
هذا هو كل ما قاله البكري من الشعر، لا يزيد عن أربع قصائد وبعض مقطوعات وشذرات ضمنها آراءه العارضة وخطراته، وبهذا يصدق عليه قول مطران: بأنه لم تكن له جامعة تربط بين أجزاء شعره، وأنه كان مقلًا في هذا الشعرن وقد علل الأستاذ العقاد لهذه القلة بأن البكري كان يكتب كثيرًا، ولا ينظلم إلا عرضًا في أثناء الكتابة، أو في خاطره عابرة قلما يسترسل معها إلى الإطالة، فاتسعت له في النثر مجالات السليقة الشاعرة، ظهرت فيه لفتات الشاعر وأغراضه وخصائص ذوقه وفكره، ولعله لو أطال النظم كما أطال النثر لكثرت موضوعاته، وتساوت في هذه المزية قصائده ومقاماته، وربما كان البكري ممن يرون كما كان يرى الأقدمون "أن الشعر أسرى مروءة الدنى، وأدنى مروءة السرى"، وأن الانقطاع له والإكثار منه لا يجملان بصاحب المقام الديني والحسب
стр. 877
العريق، وليست الكتابة كذلك عند أصحاب هذا الرأي، ولا سيما الكتابة التي صاغ في قالب الرسائل بين الأكفاء ولا يطلع عليها القراء إلا إذا طالعهم بها أديب من محترفي الصناعة، ليتولى هو شرحها وتقديمها إلى الناس، كما جرى في كتاب صهاريج اللؤلؤ ديوان البكري الجامع لنخبة نثره وشعره١.
وفي الحق إن نثر البكري شعرًا لا ينقصه إلا الوزن، فكثير من موضوعاته التي يدبجها نثرًا، لا تصلح إلا للشعر، وقد استطاع -على الرغم من أنه قيد نفسه بالفخامة والجزالة، وتصيد الغريب، وإيراد الأمثال العربية القديمة، وبالعبارة المسجوعة- أن يقبس من سموات الخيال الشعري قبسات مشعة، وأن يمثل عصره أتم تمثيل في فكرته لا في عبارتهن وفي خياله لا في صياغته.
دعنا نستعرض نثر البكري لنتبين هذه الحقيقة فأول موضوعات صهاريج اللؤلؤ عن رحلته إلى القسطنطينية، وفيها وصف للسفينة والبحر والليل والقطار والبسفور، ونساء الأتراك ومتنزهات المدينة وهي كلها من الموضوعات التي يصح أن ينظم فيها شاعر حساس ذو خيال ووجدان، ولم يتعرض البكري لوصفها نثرًا إلا لأنه يملك هذه الحاسة الفنية، ويملك الخيال الذي يصور به مشاعره. ولعله لم يجد القدرة في الشعر حتى يؤثره بتسجيل خواطره، ولم يكن أمامه إلا البارودي وكان لا يزال في منفاه، ولم يضرب في كل ميادينه ولم يجمع شعره إلا بعد عودته من المنفى، ولعله برم بالشعر لتقيده بالوزن والقافية، فأثر العبارة المنثورة لتحمل خياله المجنح، وتتسع لوصفه البديع.
ولا يسعنا أن نأتي على كل موصوفاته، ولنتخير من وصفه للقسطنطينية قوله في وصف البحر "والبحر أونة كالزجاج الندى أو السيف الصدى، يلوح كالصفيحة المدحوة٢ أو المرآة المجلوة، وحينا يضرب زخاره، ويموج مواره، فكأنما سيرت الجبال، وكأنما ترى قبابًا فوق أفيال، وكأن قبورًا في الين تحفر، وألوبة عليه تنشر، وكأن العد٣ يمخض عن زبد، وكأن الدوى من جرجرة الأذى زئير الأسد وهزيم الرعد.
стр. 878
يكب الخلية ذات القلاع ... وقد كاد جؤجؤها ينحطم١
فإذا كان الأصيل، وسرى النسيم العليل رأيت البحر كأنه مبرد، أو درع مسرد٢ أو أنه ماوية٣ تنظر السماء فيها وجهها بكرة وعشية، وكأنما كسر فيه الحلى، أو مزج بالرحيق القطريلي٤ وكأنما هو قلائد العقيان، أو زجاجة المصور يؤلف عليها وصفًا دقيقًا جميلًا.
واستمع له كذلك يصف الليل وهو على ظهر السفينة، وماذا عسى أن يرى الناظر بالليل، والبحر أمامه ساكن أسود وستر الليل يحجب عنه الدنيا، والسفينة ماضية في طريقها، ولا تخشى ضيرًا، ولا تلوي على شيء، ولا تسمع إلا جرجرتها وهدير الأمواج من حول كأنها تتألم من وقع خطاها، ولكن الشاعر يرى ما لا يراه الناس، ويحس ما لا يحسنون، ويسبح خياله في عالم قل أن يدركوه إلا أن يحققه لهم في نثره الشعري، أو شعره القوي، قال البكري:
"حتى إذا أخضل٥ الليل. وأرخى الذيل، بدا الهلال كأنه حنجر من ضياء يشق الظلماء، أو قلادة، أو سوار غادة، أو سوار لواه الضراب، والليل فيل وهو ناب، أو عرجون قديم، أو نون من خط ابن العديم٦، أو برثن ضيغم، أو مخلب
стр. 879
قشعم١ أو ماء في أنبوب في روض، أو ثمد٢، في أسفل حوض، أو وشى مرقوم أو دملج من فضة مفصوم، أو قلامة ظفر، أو صنار في شبك في بحر.
أيا ضوء الهلال لطفت جدًّا ... كأنك في فم الدنيا ابتسام
يحبب لي سناك العشق حتى ... يصاحبني وأصحبه الغرام
ثم إذا غاب الهلال، وتوارى في الحجال ألفيت الكون من السواد في لبوس حداد، وكأنما الماء سماء، وكأن السماء ماء، وكأن النجوم در تموج في بحر، أو ثقوب في قبة الديجور، يلوح منها النور، أو سكاك دلاص٣، أو فلق رصاص، أو عيون جراد، أو جمر في رماد، أو الماء صفائح فضة بيضاء سمرن بمسامير صغار من نضار، فلا تفتأ السفينة تكابد الويل من البحر والليل، حتى يلوح من الأفق الضياء كابتسام الشفة اللمياء، فإذا السفينة كأنها سر كتمه الظلام وكشفه الضرام".
لقد أفتن البكري أيما افتتان في وصف الهلال في ظلمة الليل، ولم يدع تشبيهًا يخطر على البال، وقد لا يخطر على بال أحد إلا أتى به، وكذلك فعل في وصف النجوم، وقد أبدع في وصف النجوم حين عكس الماء صورتها بأن الماء صفيحة فضة سمرت بمسامير من ذهب، وهذا الوصف قيل لذاته لا يحمل إلا فكرة شعرية.
وللبكري غير هذا النوع من الوصف الذيب تردد في غير ما موضع من صهاريج اللؤلؤ موضوع اجتماعي جذاب هو "العزلة" وصف فيه مجتمعة ولم آثر العزلة؟ أبناء العزلة: وصف فيه الحاكم وغطرسته وجهله، واستعباده للمرءوسين، ووصف فيه أبناء الخاصة وزهوهم، وتبديدهم للمال الذي يجمعوه بالكد والكدح ولم يعرفوا مقداره، وصف أبناء العامة، وشقاءهم، وله فيه خطرات اشتراكية تدل على سعة أفق، وعلى نفس حساسة تتألم للبشر وللفقر الذي
стр. 880
يرزح تحتهما الشعب المصري المسكين، وعلى ثورة نفسية على الوضاع السيئة في المجتمع المصري، ومالي أتكلم عن البكري وقد أبدع أيما إبداع فلأدعك وإياه. قال: "كتابي إلى السيد أيده الله وكلأه ورعاه، وأنال على بقري السواد، وريف البلاد، بعيد عن المدينة، وما فيها من الشينة والزينة، في عزلة عن الناس، بين سقى وغراس، سليم الجسم من السقم، والنفس من الألم، والحمية من الأنام كالحمية من الطعام، شفاء من كل داء، وخليق بمن أرطم، في المزدحم، أن يصاب ببعض الأوصاب".
وهذا لعمر الحق قول سديد، ورأى رشيد في العزلة، يدل على تبرم بالمجتمع، وهو فلسفة من يريد العافية بالعزلة.
ويقول واصفًا الريف: "ياما أحيلي الوحدة والريف، وذلك المشتى والمصيف، والجو السجسج١ والظل الوريف. فجر يلوح في الأفق، كالنور في الأعين الزرق، وضياء، ينبثق في الفضاء كما ينبثق الماء، وشمس تبدو للإشراق في الآفاق كبودقة فيها ذهب، أو قنبلة ترمى باللهب، فيرتفع جرس كل حيوان كممنون في الأوثان٢"، ويقول في وصف النواعير: "ونواعير كأنها عشاق بعد فراق، لم يبق فيها غير ضلوع، وأنين ودموع، قد أوشم٣ النبت حولها وطر، واستدار الحدج واخضر" وبعد أن وصف الريف وما فيه من ماشية وزروع، وأنهار وغدران، وما فيه من حر لافح في الصيف، وبرد قارس في الشتاء وما فيه من طعام مليء بالخيرات والدسم، إلخ ذكر أنه في عزلته هذه لا يصحب إلا العلماء والأدباء ذوي الألباب والأفهام منهم: أبو تمام، والحارث بن همام، وعروة بن الورد، وطرفة بن العبد، والمعري، ويقول:
ذريني وكتبي والرياض ووحدتي ... أظل كوحشي بإحدى الأمالس٤
يسوف أزهار الربيع تعلة ... ويأمن من البيداء شر المجالس٥