← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11566

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - ط العلمية

المقريزي

Полный текст (1 785 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

اختطت من جملة ما اختط في غربيّ الخليج، وصار بها عدّة مساكن وسوق كبير، وقد أدركته غاصا بالعمارة، وإنما اختلّ هذا الخط من سنة ست وثمانمائة. وأما بستان السعيديّ: فإنه يشرف على الخليج الناصريّ في هذا الوقت، وأدركنا ما حوله عامرا، وقد خربت الدور التي كانت هناك من جهة الطريق الشارع من باب اللوق إلى الدكة، وبها بقية آئلة إلى الدثور. وأما بركة قرموط: فإنها من حقوق بستان ابن ثعلب، ولما حفر الملك الناصر محمد بن قلاون الخليج الناصريّ، رمى فيها ما خرج عند حفره من الطين، وأدركناها من أعمر بقعة في أرض مصر، وهي الآن خراب، كما ذكر عند ذكر البرك من هذا الكتاب. وأما الخور: فإن الخور في اللغة مصبّ الماء، وهو هنا اسم للأرض التي ما بين الخليج الناصريّ والخليج الذي يعرف بفم الخور، وجميع هذه الأرض من جملة بستان ابن ثعلبة، وكان يعرف بالخور الصعبيّ، لأنه كانت به مناظر تعرف بمناظر الصعبيّ، تشرف على النيل، وكان على شاطئ الخليج الكبير في هذا الجانب الغربيّ الذي نحن في ذكره، بجوار بستان الخشاب الذي كان يتوصل إليه من قنطرة السدّ، وبعضه الآن الميدان السلطانيّ، بستان يعرف بالجزيرة، يعني بستان الجزيرة المعروف بالصعبيّ، وكان من البساتين الجليلة. وهذا الصعبيّ: هو الشيخ كريم الدولة، عبد الواحد بن محمد بن عليّ الصعبيّ، مات في شهر رمضان سنة ثلاث وستمائة بمصر، وكان له أخ يعرف بعبد العظيم بن محمد الصعبيّ. ولما انحسر ماء النيل عن الرملة التي قيل لها منية بولاق، تجاه المقس، وعمرت هناك الدور، اتصلت من قبليها بالخور، وأنشئ بشاطئ النيل الذي بالخور دور تجلّ عن الوصف، وانتظمت صفا واحدا من بولاق إلى منشأة المهرانيّ وموردة الحلفاء، ومن موردة الحلفاء على ساحل مصر الجديد إلى دير الطين غربيّ بركة الحبش، لو أحصي ما أنفق على بناء هذه الدور لقام بخراج مصر أيام كانت عامرة، وقد خرب معظمها من سنة ست وثمانمائة، وقد تقدّم ذكر منشأة الفاضل. وأما حكر الساباط، وحكر كريم الدين الصغير، وحكر المطوع، وحكر المطوع، وحكر العين الزرقاء، فإنها بالقرب من الميدان الكبير السلطانيّ، وقد خربت بعد ما كانت عامرة بالدور والمنتزهات. بستان العدّة: هذا المكان من جملة الأحكار التي في غربيّ الخليج، وهو بجوار قنطرة الخرق، وبجوار حكر النوبيّ، قريب من باب اللوق تجاه الدور المطلة على الخليج

стр. 1122

من شرقيه، المقابلة، لباب سعادة وحارة الوزيرية. كان بستانا جليلا، وقفه الأمير فارس المسلمين بدر بن رزيك، أخو الصالح طلائع بن رزيك، صاحب جامع الصالح، خارج باب زويلة، ثم أنه خرب فحكر وبني عليه عدّة مساكن، وحكره يتعاطاه ورثة فارس المسلمين. حكر جوهر النوبي: هذا الحكر تجاه الحارة الوزيرية من برّ الخليج الغربيّ، في شرقيّ بستان العدّة، ويسلك منه إلى قنطرة أمير حسين من طريق تجاه باب جامع أمير حسين، الذي تعلوه المئذنة، وما زال بستانا إلى نحو سنة ستين وستمائة، فحكر وبني فيه الدور في أيام الظاهر بيبرس، وعرف بجوهر النوبيّ أحد الأمراء في الأيام الكاملية، وقد تقدّم بديار مصر تقدّما زائدا. وكان خصيا، وهو ممن ثار على الملك العادل أبي بكر بن الكامل وخلعه، فلما كان ملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل بعد أخيه العادل، قبض على جوهر في سنة ثمان وثلاثين وستمائة. حكر خزائن السلاح: هذا الحكر كان يعرف قديما بحكر الأوسية، وهو فيما بين الدكة وقنطرة الموسكي، وقفه السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب على مصالح خزائن السلاح، وهو وعدّة أماكن بمدينة مصر مع مدينة قليوب وأراضيها، في جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وستمائة، وظهر كتاب الوقف المذكور من الخزائن السلطانية في جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمائة، في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، وقد خرب أكثر هذا الحكر وصار كيمانا. حكر تكان: هذا الحكر بجوار سويقة العجميّ الفاصلة بينه وبين حكر خزائن السلاح، وكان يعرف قديما بحكر كوبيج. وحدّه القبليّ ينتهي إلى حكر ابن الأسد جفريل، والحدّ البحري ينتهي إلى حكر العلائيّ، والحدّ الشرقيّ ينتهي إلى حكر البغدادية، والحدّ الغربيّ ينتهي إلى حكر خزائن السلاح وسويقة العجميّ. وتكان هو الأمير سيف الدين تكان، ويقال تكام بالميم عوضا عن النون، وهذا الحكر استقرّ أخيرا في أوقاف خوندارد وتكين ابنه نوكيه السلاح دار، زوجة الملك الأشرف خليل بن قلاون، على تربتها التي أنشأتها خارج باب القرافة، التي تعرف اليوم بتربة الست، وقد خرب هذا الحكر وبيعت أنقاضه في أعوام بضع وتسعين وسبعمائة، وجعل بعضه بستانا في سنة ست وتسعين وسبعمائة. حكر ابن الأسد جفريل: هذا الحكر في قبليّ حكر تكان، كان بستانا فحكر وعرف بالأمير شمس الدين موسى بن الأمير أسد الدين جفريل، أحد أمراء الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب بمصر. حكر البغدادية: هذا الحكر بجوار خليج الذكر، كان من أعظم البساتين في الدولة

стр. 1123

الفاطمية، فأزال الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب أشجاره ونخله، وجعله ميدانا. ثم حكر وصارت فيه عدّة مساكن، وهو الآن خراب يباب، لا يأويه إلاّ البوم والرخم. حكر خطلبا: هذا الحكر حدّه القبليّ إلى الخليج، وحدّه البحريّ إلى الكوم الفاصل بينه وبين حكر الأوسية، المعروف بالجاوليّ، وحدّه الشرقيّ إلى بستان الجليس الذي عرف بابن منقذ، والحدّ الغربيّ إلى زقاق هناك. وكان هذا الحكر بستانا اشتراه جمال الدين الطواشيّ (١)، من جمال الدين عمر بن ناصح الدين داود بن إسماعيل الملكيّ الكامليّ، في سنة ست عشرة وستمائة. ثم ابتاعه منه الطواشيّ محي الدين صندل الكامليّ في سنة عشرين وستمائة، وباعه الأمير الفارس صارم الدين خطلبا الكامليّ في سنة إحدى وعشرين وستمائة فعرف به. وهو خطلبا بن موسى الأمير صارم الدين الفارسيّ التبتي الموصليّ الكامليّ، استقرّ في ولاية القاهرة سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم أضيفت له ولاية الفيوم في سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ثم صرف عنها وسار متسلمة إلى اليمن ليتسلمها، فتسلمها في جمادى الأولى، وسار هو في سادس شوال منها واليا على مدينة زبيد باليمن، ومعه خمسمائة رجل، ورفيقه الأمير باخل، فبلغت النفقة عليه عشرين ألف دينار، وكتب للطواشية بنفقة عشرة دنانير لكل منهم على اليمن، فأقام باليمن مدّة، ثم قدم إلى القاهرة وصار من أصحاب الأمير فخر الدين جهاركس، وتأخر إلى أيام الملك الكامل، وصار من أمرائه بالقاهرة إلى أن مات في ثالث شعبان سنة خمس وثلاثين وستمائة. حكر ابن منقذ: هذا الحكر خارج باب القنطرة بعدوة خليج الذكر، وكان بستانا يعرف ببستان الشريف الجليس، ويعرف أيضا بالبطائحيّ، ثم عرف بالأمير سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ، نائب الملك المعز سيف الإسلام ظهير الدين طفتكين بن نجم الدين أيوب بن شادي على مملكة اليمن، وانتقل بعد ابن منقذ إلى الشيخ عبد المحسن بن عبد العزيز بن عليّ المخزوميّ، المعروف بابن الصيرفيّ، فوقفه على جهات تؤول أخيرا إلى الفقراء والمساكين المقيمين بمشهد السيدة نفيسة، والفقراء والمساكين المعتقلين في حبوس القاهرة، في سنة ثلاث وأربعين وستمائة، ثم أزيلت أنشاب هذا البستان وحكرت أرضه وبنيت الدور والمساكن عليها، وهو الآن خراب. حكر فارس المسلمين بدر بن رزيك: هذا الحكر تجاه منظرة اللؤلؤة، كان من جملة

стр. 1124

البركة المعروفة ببطن البقرة، ثم حكر وبني فيه وأكثره الآن خراب. حكر شمس الخواص مسرور: هذا الحكر فيما بين خليج الذكر وحكر ابن منقذ، كان بستانا لشمس الخواص مسرور الطواشي، أحد الخدّام الصالحية، مات في نصف شوال سنة سبع وأربعين وستمائة بالقاهرة، ثم حكر وبني فيه الدور، وموضعه الآن كيمان. حكر العلائي: هذا الحكر يجاور حكر تكان من بحريه، وكان بستانا جليل القدر، ثم حكر وصار بعضه وقف تذكاريي خاتون ابنة الملك الظاهر بيبرس، وقفته في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة على نفسها، ثم من بعدها على الرباط الذي أنشأته داخل الدرب الأصفر تجاه خانقاه بيبرس، وهو الرباط المعروف برواق البغدادية، وعلى المسجد الذي بحكر سيف الإسلام خارج باب زويلة، وعلى تربتها التي بجوار جامع ابن عبد الظاهر بالقرافة، وصار بعض هذا الحكر في وقف الأمير سيف الدين بهادر العلائيّ متولى البهنساء، وكان وقفه في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فعرف بالحكر العلائي المذكور، وأدركت هذا الحكر وهو من أعمر الأحكار، وفيه درب الأمير عز الدين أيدمر الزرّاق، أمير جاندار ووالي القاهرة، وداره العظيمة ومساكنه الكثيرة، فلما حدثت المحن منذ سنة ست وثمانمائة خرب هذا الحكر وأخذت أنقاضه، وبقيت دار الزرّاق إلى سنة سبع عشرة وثمانمائة، فشرع في الهدم فيها لأجل أنقاضها الجليلة. حكر الحريري: هذا الحكر بجوار حكر العلائيّ المذكور من حدّه البحريّ، وهو من جملة الأرض المعروفة بالأرض البيضاء، وكان بستانا، ثم حكر وصار في وقف خزائن السلاح، وأدركناه عامرا وفيه سوق يعرف بالسويقة البيضاء، كانت بها عدّة حوانيت، وقد خرب هذا الحكر، وهذا الحريريّ هو الصاحب محيي الدين. حكر المساح: عرف بالأمير شمس الدين سنقر المساح، أحد أمراء الظاهر بيبرس، قبض عليه في عدّة من الأمراء في ذي الحجة سنة تسع وستين وستمائة. الدكة: هذا المكان كان بستانا من أعظم بساتين القاهرة، فيما بين أراضي اللوق والمقس، وبه منظرة للخلفاء الفاطميين تشرف طاقاتها على بحر النيل العظيم، ولا يحول بينها وبني برّ الجيزة شيء، فلما زالت الدولة الفاطمية تلاشى أمر هذا البستان وخرب، فحكر موضعه وبنى الناس فيه، فصار خطة كبيرة كأنه بلد جليل، وصار به سوق عظيم، وسكنه الكتاب وغيرهم من الناس، وأدركته عامرا، ثم إنه خرب منذ سنة ست وثمانمائة، وبه الآن بقية عما قليل تدثر كما دثر ما هنالك وصار كيمانا.

стр. 1125

ذكر المقس وفيه الكلام على المكس وكيف كان أصله في أوّل الإسلام اعلم أن المقس قديم، وكان في الجاهلية قرية تعرف بأمّ دنين، وهي الآن محلة بظاهر القاهرة في برّ الخليج الغربيّ، وكان عند وضع القاهرة هو ساحل النيل، وبه أنشأ الإمام المعز لدين اللّه أبو معدّ الصناعة التي ذكرت عند ذكر الصناعات من هذا الكتاب، وبه أيضا أنشأ الإمام الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور جامع المقس الذي تسميه عامّة أهل مصر في زمننا بجامع المقسيّ، وهو الآن يطلّ على الخليج الناصريّ. قال أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر، وقد ذكر مسير عمرو بن العاص ﵁ إلى فتح مصر: فتقدّم عمرو بن العاص ﵁ لا يدافع إلاّ بالأمر الخفيف، حتى أتى بلبيس، فقاتلوه بها نحوا من شهر، حتى فتح اللّه عليه، ثم مضى لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى أمّ دنين، فقاتلوه بها قتالا شديدا، وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه يستمدّه، فأمدّه بأربعة آلاف، تمام ثمانية آلاف، فقاتلهم، وذكر تمام الخبر. وقال القاضي أبو عبد اللّه القضاعيّ: المقس كانت ضيعة تعرف بأمّ دنين، وإنما سمّيت المقس لأنّ العاشر كان يقعد بها، وصاحب المكس، فقيل المكس، فقلب فقيل المقس. قال المؤلف ﵀: الماكس هو العشار، وأصل المكس في اللغة الجباية. قال ابن سيدة في كتاب المحكم: المكس الجباية، مكسه يمكسه مكسا، والمكس دراهم كانت تؤخذ من بائع السلع في الأسواق في الجاهلية، ويقال للعشار صاحب مكس، والمكس انتقاص الثمن في البياعة. قال الشاعر: أفي كلّ أسواق العراق أتاوة … وفي كلّ ما باع امرؤ مكس درهم ألا ينتهي عنا رجال وتتّقى … محارمنا لا يدرأ الدّم بالدّمّ الأتاوة الخراج ومكس درهم أي نقص درهم في بيع ونحوه. قال: وعشر القوم يعشرهم عشرا وعشورا، وعشرهم أخذ عشر أموالهم، وعشر المال نفسه، وعشره كذلك، والعشّار قابض العشر. ومنه قول عيسى بن عمرو لابن هبيرة وهو يضرب بين يديه بالسياط: تاللّه إن كانت إلاّ ثيابا في أسفاط قبضها عشّاروك. وقال الجاحظ: ترك الناس مما كان مستعملا في الجاهلية أمورا كثيرة، فمن ذلك تسميتهم للأتاوة بالخراج، وتسميتهم لما يأخذه السلطان من الحلوان والمكس بالرشوة، وقال الخارجيّ: أفي كلّ أسواق العراق أتاوة. البيت وكما قال العبديّ في الجارود: اكابن المعلي خلتنا أما حسبتنا … صواريّ نعطي الماكسين مكوسا الصواريّ: الملاحون، والمكس: ما يأخذ العشار انتهى. ويقال أن قوم شعيب ﵇، كانوا مكاسين، لا يدعون شيئا إلا مكّسوه. ومنه

стр. 1126

قيل للمكس النجس، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَبْخَسُوا اَلنّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ وذكر أحمد بن يحيى البلاذريّ، عن سفيان الثوريّ، عن إبراهيم بن مهاجر، قال: سمعت زياد بن جرير يقول: أنا أوّل من عشّر في الإسلام. وعن سفيان عن عبد اللّه بن خالد عن عبد الرحمن بن معقل قال: سألت زياد بن جرير من كنتم تعشرون؟ فقال: ما كنا نعشر مسلما ولا معاهدا، بل كنا نعشر تجار أهل الحرب كما كانوا يعشرونا إذا أتيناهم. وقال عبد الملك بن حبيب السلميّ في كتاب سيرة الإمام العدل. في مال اللّه، عن السائب بن يزيد أنه قال: كنت على سوق المدينة في زمن عمر بن الخطاب ﵁، فكنا نأخذ من القبط العشر. وقال ابن شهاب: كان ذلك يؤخذ منهم في الجاهلية، فألزمهم ذلك عمر بن الخطاب، وعن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: إن عمر بن الخطاب ﵁ كان يأخذ بالمدينة من القبط من الحنطة والزبيب نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة من الحنطة والزبيب، وكان يأخذ من القطنية العشر. وقال مالك ﵀: والسّنّة أنّ ما أقام الذمّة في بلادهم التي صالحوا عليها فليس عليهم فيها إلاّ الجزية، إلاّ أن يتجروا في بلاد المسلمين ويختلفوا فيها، فيؤخذ منهم العشر فيما يديرون من التجارة، وإن اختلفوا في العام الواحد مرارا إلى بلاد المسلمين، فعليهم كلما اختلفوا العشر، وإذا اتجر الذميّ في بلاده من أعلاها إلى أسفلها ولم يخرج منها إلى غيرها فليس عليه شيء، مثل أن يتجر الذميّ الشامي في جميع الشام أو الذميّ المصريّ في جميع مصر، أو الذميّ العراقيّ في جميع العراق، وليس العمل عندنا على قول عمر بن عبد العزيز لزريق بن حيان: واكتب لهم بما يؤخذ منهم كتابا إلى مثله من الحول، ومن مرّ بك من أهل الذمّة فخذ مما يديرون من التجارات من كل عشرين دينارا دينارا، فما نقص فبحساب ذلك حتى تبلغ عشرة دنانير، فإن نقص منها ثلث دينار، فدعها ولا تأخذ منها شيئا، والعمل على أن يأخذ منهم العشر وإن خرجوا في السنة مرارا من كلّ ما أتجروا به قل أو كثر، وهذا قول ربيعة وابن هرمز. وقال القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الحضرميّ أحد أصحاب الإمام أبي حنيفة ﵁ في كتاب الرسالة إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد، وهو كتاب جليل القدر، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر قال: سمعت أبي يذكر قال: سمعت زياد بن جرير قال: أوّل من بعث عمر بن الخطاب ﵁ منا على العشور أنا، فأمرني أن لا أفتش أحدا، وما مرّ عليّ من شيء أخذت من حساب أربعين درهما درهما من المسلمين، وأخذت من أهل الذمّة من عشرين واحدا، وممن لا ذمّة له العشر، وأمرني أن أغلّظ على نصارى بني تغلب قال: إنهم قوم من العرب وليسوا من أهل الكتاب، فلعلهم يسلمون. قال: وكان عمر ﵁ قد اشترط على نصارى بني تغلب أن لا ينصّروا أولادهم. وحدّثنا أبو حنيفة عن الهيثم عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك ﵁ قال: بعثني عمر بن الخطاب ﵁ على العشور، وكتب لي عهدا أن آخذ من المسلمين

стр. 1127

مما اختلفوا به لتجاراتهم ربع العشر، ومن أهل الذمّة نصف العشر، ومن أهل الحرب العشر. وحدّثنا عاصم بن سليمان الأحول عن الحسن قال: كتب أبو موسى الأشعريّ إلى عمر بن الخطاب ﵄، أنّ تجارا من قبلنا من المسلمين يأتون أهل الحرب فيأخذون منهم العشر، فكتب إليه عمر ﵁ فخذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين، وخذ من أهل الذمّة نصف العشر، ومن المسلمين من كلّ أربعين درهما درهما، وليس فيما دون المائتين شيء، فإذا كانت مائتين ففيها خمسة دراهم، فما زاد فبحسابه. وحدّثنا عبد الملك بن جريج عن عمرو بن شعيب قال: إنّ أهل منبج قوما من أهل الشرك وراء البحر، كتبوا إلى عمر بن الخطاب ﵁، دعنا ندخل أرضك تجارا وتعشرنا، قال فشاور عمر ﵁ أصحاب النبي ﷺ في ذلك، فأشاروا عليه به، فكانوا أول من عشره من أهل الحرب. وحدّثنا السدّيّ بن إسماعيل عن عامر الشعبيّ عن زياد بن جرير الأسديّ قال: إن عمر بن الخطاب ﵁ بعثه على عشور العراق والشام، وأمره أن يأخذ من المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذمّة نصف العشر، ومن أهل الحرب العشر، فمرّ عليه رجل من بني تغلب من نصارى العرب ومعه فرس فقوّمها بعشرين ألفا، فقال أمسك الفرس وأعطني ألفا، أو خذ مني تسعة عشر ألفا وأعطني الفرس. قال: فأعطاه ألفا وأمسك الفرس. قال: ثم مرّ عليه راجعا في سنته فقال: أعطني ألفا أخرى فقال له التغلبيّ: كلّما مررت بك تأخذ مني ألفا؟ قال نعم، فرجع التغلبيّ إلى عمر بن الخطاب ﵁ فوافاه بمكة وهو في بيت له، فاستأذن عليه، فقال: من أنت فقال: أنا رجل من نصارى العرب، وقصّ عليه قصته. فقال له عمر ﵁ كفيت ولم يزده على ذلك. قال: فرجع الرجل إلى زياد بن جرير وقد وطن نفسه على أن يعطيه ألفا، فوجد كتاب عمر ﵁ قد سبق إليه: من مرّ عليك فأخذت منه صدقة فلا تأخذ منه شيئا إلى مثل ذلك اليوم من قابل إلاّ أن تجد فضلا. قال: فقال الرجل قد واللّه كانت نفسي طيبة أن أعطيك ألفا، وأني أشهد اللّه تعالى أني بريء من النصرانية، وأني على دين الرجل الذي كتب إليك هذا الكتاب. وحدّثني يحيى بن سعيد عن زريق بن حيان، وكان على مكس مصر، فذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه أن أنظر من مرّ عليك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم، وما ظهر لك من التجارات من كلّ أربعين دينارا دينارا، فما نقص فبحسابه حتى تبلغ عشرين دينارا، فإن نقصت فدعها ولا تأخذ منها، وإذا مرّ عليك أهل الذمة فخذ مما يديرون من تجاراتهم من كل عشرين دينارا دينارا، فما نقص فبحساب ذلك حتى تبلغ عشرة دنانير ثم دعها لا تأخذ منها شيئا، واكتب لهم كتابا بما تأخذ منهم إلى مثلها من الحول. وحدّثني أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال: إذا مرّ أهل الذمّة بالخمر للتجارة

стр. 1128

أخذ من قيمتها نصف العشر ولا يقبل قول الذميّ في قيمتها حتى يؤتى برجلين من أهل الذمّة يقوّمانها عليه، فيؤخذ نصف العشر من الذميّ. وحدّثنا قيس بن الربيع عن أبي فزارة عن يزيد بن الأصم عن عبد اللّه بن الزبير ﵄ أنه قال: إن هذه المعاصر والقناطر سحت (١) لا يحلّ أخذها. فبعث عمّالا إلى اليمن ونهاهم أن يأخذوا من عاصر أو قنطرة أو طريق شيئا. فقدموا فاستقلّ المال فقالوا: نهيتنا. فقال: خذوا كما كنتم تأخذون. وحدّثنا محمد بن عبيد اللّه عن أنس بن سيرين قال: أرادوا أن يستعملوني على عشور الأبلة فأبيت، فلقيني أنس بن مالك ﵁ فقال: ما يمنعك قلت العشور أخبث ما عمل عليه الناس. قال: فقال لي لم لا تفعل؟ عمر بن الخطاب ﵁ صنعه، فجعل على أهل الإسلام ربع العشر، وعلى أهل الذمّة نصف العشر، وعلى أهل المنزل ممن ليس له ذمة العشر. وقال أبو الحسن المسعوديّ أنّ كيقباذ أحد ملوك الفرس أوّل من أخذ العشر من الأرض وعمر بلاد بابل ومملكة الفرس، ورأيت في التوراة التي في يد اليهود أنّ أوّل من أخرج العشر من مواشيه وزروعه وجميع ما له خليل اللّه إبراهيم ﵇، وكان يدفع ذلك إلى ملك أورشليم التي هي أرض القدس، واسمه ملكي صادق، فلما مات الخليل إبراهيم صلوات اللّه عليه وسلامه، اقتدى به بنوه في ذلك من بعده، وصاروا يدفعون العشر من أموالهم إلى أن بعث اللّه تعالى موسى ﵇، فأوجب على بني إسرائيل إخراج العشر في كل ما ملكت أيمانهم من جميع أموالهم بأنواعها، وجعل ذلك حقا لسبط لاوي الذين هم قرابة موسى ﵇. وقال ابن يونس في تاريخ مصر: كان ربيعة بن شرحبيل بن حسنة ﵁ أحد من شهد فتح مصر من أصحاب رسول اللّه ﷺ واليا لعمرو بن العاص ﵁ على المكس، وكان زريق بن حيان على مكس إبلة في خلافة عمر بن عبد العزيز ﵁. قال مؤلفه ﵀: ومع ذلك فقد كان أهل الورع من السلف يكرهون هذا العمل. روى ابن قتيبة في كتاب الغريب أن النبي ﷺ قال: «لعن اللّه سهيلا، كان عشارا باليمن فمسخه اللّه شهابا». وروى ابن لهيعة عن عبد الرحمن بن ميمون عن أبي إبراهيم المعافريّ عن خالد بن ثابت: أنّ كعبا أوصاه وتقدّم إليه حين مخرجه مع عمرو بن العاص أن لا يقرب المكس.

стр. 1129

فهذا أعزّك اللّه معنى المكس عند أهل الإسلام، لا ما أحدثه الظالم هبة اللّه بن صاعد الفائزيّ، وزير الملك المعز ايبك التركمانيّ، أوّل من أقام من ملوك الترك بقلعة الجبل من المظالم التي سمّاها الحقوق السلطانية والمعاملات الديوانية، وتعرف اليوم بالمكوس، فذلك الرجس النجس الذي هو أقبح المعاصي والذنوب الموبقات، لكثرة مطالبات الناس له وظلاماتهم عنده، وتكرّر ذلك منه وانتهاكه للناس وأخذ أموالهم بغير حقها، وصرفها في غير وجهها، وذلك الذي لا يقرّ به متق. وعلى آخذه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين. ولنرجع إلى الكلام في المقس فنقول: من الناس من يسميه المقسم بالميم بعد السين. قال ابن عبد الظاهر في كتاب خطط القاهرة: وسمعت من يقول أنه المقسم، قيل لأن قسمة الغنائم عند الفتوح كانت به، ولم أره مسطورا. وقال العماد محمد بن أبي الفرج محمد بن حامد الكاتب الأصفهانيّ في كتاب سنا البرق الشاميّ: وجلس الملك الكامل محمد بن السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب في البرج الذي بجوار جامع المقس في السابع والعشرين من شوال سنة ست وتسعين وخمسمائة، وهذا المقسم على شاطئ النيل يزار، وهناك مسجد يتبرّك به الأبرار، وهو المكان الذي قسمت فيه الغنائم عند استيلاء الصحابة ﵃ على مصر، فلما أمر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بإدارة السور على مصر والقاهرة، تولى ذلك الأمير بهاء الدين قراقوش، وجعل نهايته التي تلي القاهرة عند المقسم، وبنى فيه برجا مشرفا على النيل، وبنى مسجدا جامعا، واتصلت العمارة منه إلى البلد، وجامعه تقام فيه الجمعة والجماعات، وهذا البرج عرف بقلعة قراقوش، وما برح هنالك إلى أن هدمه الصاحب الوزير شمس الدين عبد اللّه المقسيّ وزير الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون، في سنة بضع وسبعين وسبعمائة، عندما جدّد جامع المقس الذي أنشأه الخليفة الحاكم بأمر اللّه، فصار يعرف بجامع المقسيّ، هذا إلى اليوم، وما برح جامع المقس هذا يشرف على النيل الأعظم إلى ما بعد سنة سبعمائة بعدّة أعوام. قال جامع السيرة الطولونية: وركب أحمد بن طولون في غداة باردة إلى المقس، فأصاب بشاطئ النيل صيادا عليه خلق لا يواريه منه شيء، ومعه صبيّ له في مثل حاله وقد ألقى شبكته في البحر، فلما رآه رقّ لحاله وقال: يا نسيم ادفع إلى هذا عشرين دينارا، فدفعها إليه ولحق ابن طولون، فسار أحمد بن طولون ولم يبعد ورجع فوجد الصياد ميتا والصبيّ يبكي ويصيح، فظن ابن طولون أن بعض سودانه قتله وأخذ الدنانير منه، فوقف بنفسه عليه وسأل الصبيّ عن أبيه فقال له: هذا الغلام، وأشار إلى نسيم الخادم، دفع إلى أبي شيئا فلم يزل يقلّبه حتى وقع ميتا. فقال: فتشه يا نسيم، فنزل وفتشه فوجد الدنانير معه بحالها، فحرّض الصبيّ أن يأخذها فأبى وقال: هذه قتلت أبي، وإن أخذتها قتلتني، فأحضر ابن طولون قاضي المقس وشيوخه وأمرهم أن يشتروا للصبيّ دارا بخمسمائة دينار

стр. 1130

تكون لها غلة، وأن تحبس عليه، وكتب اسمه في أصحاب الجرايات وقال: أنا قتلت أباه لأنّ الغني يحتاج إلى تدريج وإلاّ قتل صاحبه، هذا كان يجب أن يدفع إليه دينارا بعد دينار حتى تأتيه هذه الحملة على تفرقة فلا تكثر في عينه. وقال القاضي الفاضل عبد الرحيم البيسانيّ ﵀ في تعلق المتجدّدات لسنة سبع وسبعين وخمسمائة، وفيه يعني يوم الثلاثاء لست بقين من المحرّم، ركب السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أعز اللّه نصره لمشاهدة ساحل النيل، وكان قد انحسر وتشمر عن المقس وما يليه، وبعد عن السور والقلعة المستجدّين بالمقس، وأحضر أرباب الخبرة واستشارهم، فأشير عليه بإقامة الجراريف لرفع الرمال التي قد عارضت جزائرها طريق الماء وسدّته ووقفت فيه، وكان الأفضل بن أمير الجيوش لما تربى قدّام دار الملك جزيرة رمل كما هي اليوم، أراد أن يقرب البحر وينقل الجزيرة، فأشير عليه بأن يبني مما يلي الجزيرة أنفا خارجا في البحر ليلقى التيار وينقل الرمل، فعسر هذا وعظمت غرامته، فأشار عليه ابن سيد بأن يأخذ قصاري فخار تثقب ويعمل تحتها رؤوس برابخ وتلطخ بالزفت وتكبّ القصاري عليها وتدفن في الرمل، فإذا أراد النيل وركبها، نزل من خروق القصاري إلى الرءوس، فأدارها الماء ومنعتها القصاري أن تنحدر، ودامت حركة الرمل بتحريك الماء للرؤوس، فانتقل الرمل، وذكر أنّ للزفت خاصية في تحويل الرمل قال: وفي هذا الوقت احترق النيل وصار البحر مخايض يقطعها الراجل، وتوحل فيه المراكب، وتشمر الماء عن ساحل المقس ومصر، وربّى جزائر رملية أشفق منها على المقياس لئلا يتقلص النيل عنه، ويحتاج إلى عمل غيره، وخشي منها أيضا على ساحل المقس لكون بنيان السور كان اتصل بالماء، وقد تباعد الآن عن السور، وصار المدّقوّته من برّ الغرب، ووقع النظر في إقامة جراريف لقطع الجزائر التي رباها البحر، وعمر أنوف خارجة في بر الجيزة ليميل بها الماء إلى هذا الجانب، ولم يتم شيء من ذلك. وقال ابن المتوّج في سنة خمسين وستمائة: انتهى النيل في احتراقه إلى أربعة أذرع وسبعة عشر أصبعا، وانتهى في زيادته إلى ثمانية عشر ذراعا، وكان مثل ذلك في دولة الملك الأشرف خليل بن قلاون، وكان نيلا عظيما سدّ فيه باب المقس، يعني الباب الذي يعرف اليوم بباب البحر عند المقس، وفي سنة اثنتين وستين وستمائة أحضر إلى الملك الظاهر بيبرس طفل وجد ميتا بساحل المقس، له رأسان وأربعة أعين وأربعة أرجل وأربعة أيد، وأخبرني وكيل أبي الشيخ المعمر حسام الدين حسن بن عمر السهرورديّ ﵀، ومولده سنة اثنتين وسبعمائة بالمقس، أنه يعرف باب البحر هذا، إذا خرج منه الإنسان فإنه يرى برّ الجيزة، لا يحول بينه وبينها حائل، فإذا زاد ماء النيل صار الماء عند الوكالة التي هي الآن خارج باب البحر المعروفة بوكالة الجبن، وإذا كان أيام احتراق النيل بقيت الرمال تجاه باب البحر، وذلك قبل أن يحفر الملك الناصر محمد بن قلاون الخليج الناصريّ، فلما حفر

стр. 1131

الخليج المذكور، أنشأ الناس البساتين والدور كما يجيء إن شاء اللّه تعالى ذكره، وأدركنا المقس خطة في غاية العمارة بها عدّة أسواق، ويسكنها أمم من الأكراد والأجناد والكتاب وغيرهم، وقد تلاشت من بعد سنة سبع وسبعين وسبعمائة، عند حدوث الغلاء بمصر في أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين، فلما كانت المحن منذ سنة ست وثمانمائة خربت الأحكار والمقس وغيره، وفيه إلى الآن بقية صالحة، وبه خمسة جوامع تقام بها الجمعة، وعدّة أسواق، ومعظمه خراب. ذكر ميدان القمح هذا المكان خارج باب القنطرة، يتصل من شرقية بعدوة الخليج، ومن غريبه بالمقس، وبعضهم يسميه ميدان الغلة، وكان موضعا للغلال أيام كان المقس ساحل القاهرة، وكانت صبر القمح وغيره من الغلال توضع من جانب المقس إلى باب القنطرة عرضا، وتقف المراكب من جامع المقس إلى منية الشيرج طولا، ويصير عند باب القنطرة في أيام النيل من مراكب الغلة وغيرها ما يستر الساحل كله. قال ابن عبد الظاهر: المكان المعروف بميدان الغلة وما جاوره إلى ما وراء الخليج، لما ضعف أمر الخلافة وهجرت الرسوم القديمة من التفرّج في اللؤلؤة وغيرها، بنت الطائفة الفرحية الساكنون بالمقس، لأنهم ضاق بهم المقس، قبالة اللؤلؤة حارة سميت بحارة اللصوص، بسبب تعدّيهم فيها مع غيرهم إلى أن غيروا تلك المعالم، وقد كان ذلك قديما بستانا سلطانيا يسمّى بالمقسي، أمر الظاهر بن الحاكم بنقل أنشابه وحفره وجعله بركة قدّام اللؤلؤة مختلطة بالخليج، وكان للبستان المقدّم ذكره ترعة من البحر يدخل منها الماء إليه، وهو خليج الذكر الآن، فأمر بإبقائها على حالها مسلطة على البركة والخليج يستنقع الماء فيها، فلما نسي ذلك على ما ذكرناه، عمد المذكورون وغيرهم إلى اقتطاع البركة من الخليج وجعلوا بينها وبين الخليج جسرا، وصار الماء يصل إليها من الترعة دون الخليج، وصارت منتزها للسودان المذكورين في أيام النيل والربيع، ولما كانت الأيام الآمرية أحبّ إعادة النزهة، فتقدّم وزيره المأمون بن البطائحيّ بإحضار عرفاء السودان المذكورين وأنكر عليهم، ذلك، فاعتذروا بكثرة الرمال، فأمر بنقل ذلك وأعطاهم أنعاما، فبنوا حارة بالقرب من دار كافور التي أسكنت بها الطائفة المأمونية قبالة بستان الوزير، ومن المساجد الثلاثة المعلقة في شرقيها، ثم أحضر الأبقار من البساتين والعدد والآلات ونقض الجسر الذي بين البركة والخليج، وعمّق البركة إلى أن صار الخليج مسلطا عليها. قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى، هذه البركة عرفت ببطن البقرة، وقد ذكر خبرها عند ذكر البرك من هذا الكتاب، وقد صار هذا الميدان اليوم سوقا تباع فيه القشة من النحاس العتيق والحصر وغير ذلك، وفي بعضه سوق الغزل وبه جامع يشرف على الخليج، وسكن هناك طائفة من

стр. 1132

المشارقة الحياك، وفيه سوق عامر بالمعايش. ذكر أرض الطبالة هذه الأرض على جانب الخليج الغربيّ بجوار المقس، كانت من أحسن منتزهات القاهرة، يمرّ النيل الأعظم من غربيها عندما يندفع من ساحل المقس، حيث جامع المقس الآن، إلى أن ينتهي إلى الموضع الذي يعرف بالجرف على جانب الخليج الناصريّ، بالقرب من بركة الرطليّ، ويمرّ من الجرف إلى غربيّ البعل، فتصير أرض الطبالة نقطة وسط، من غربيها النيل الأعظم، ومن شرقيها الخليج، ومن قبليها البركة المعروفة ببطن البقرة، والبساتين التي آخرها حيث الآن باب مصر بجوار الكبارة، وحيث المشهد النفيسيّ، ومن بحريها أرض البعل ومنظرة البعل ومنظرة التاج والخمس وجوه وقبة الهواء، فكانت رؤية هذه الأرض شيئا عجيبا في أيام الربيع، وفيها يقول سيف الدين علي بن قزل المشدّ: إلى طبالة يعزون أرضا … لها من سندس الريحان بسط وقد كتب الشقيق بها سطورا … وأحسن شكلها للطل نقط رياض كالعرائس حين تجلى … يزين وجهها تاج وقرط وإنما قيل لها أرض الطبالة: لأنّ الأمير أبا الحارث أرسلان البساسيري، لما غاضب الخليفة القائم بأمر اللّه العباسيّ وخرج من بغداد يريد، الانتماء إلى الدولة الفاطمية بالقاهرة، أمدّه الخليفة المستنصر بالله ووزيره الناصر لدين اللّه عبد الرحمن البازوريّ حتى استولى على بغداد، وأخذ قصر الخلافة، وأزال دولة بني العباس منها، وأقام الدولة الفاطمية هناك، وسيّر عمامة القائم وثيابه وشباكه الذي كان إذا جلس يستند إليه، وغير ذلك من الأموال والتحف إلى القاهرة في سنة خمسين وأربعمائة، فلما وصل ذلك إلى القاهرة سرّ الخليفة المستنصر سرورا عظيما، وزينت القاهرة والقصور ومدينة مصر والجزيرة، فوقفت نسب طبالة المستنصر، وكانت امرأة مرجلة تقف تحت القصر في المواسم والأعياد وتسير أيام الموكب وحولها طائفتها وهي تضرب بالطبل، وتنشد، فأنشدت وهي واقفة تحت القصر: يا بني العباس ردّوا … ملك الأمر معدّ ملّككم ملك معار … والعوارى تستردّ فأعجب المستنصر ذلك منها وقال لها تمني، فسألت أن تقطع الأرض المجاورة للمقس، فأقطعها هذه الأرض. وقيل لها من حينئذ أرض الطبالة، وأنشأت هذه الطبالة تربة بالقرافة الكبرى تعرف بتربة نسب. قال ابن عبد الظاهر: أرض الطبالة منسوبة إلى امرأة مغنية تعرف بنسب، وقيل بطرب، مغنية المستنصر. قال: فوهبها هذه الأرض المعروفة بأرض الطبالة، وحكرت وبنيت آدرا وبيوتا، وكانت من ملح القاهرة وبهجتها، انتهى. ثم أن أرض

стр. 1133

الطبالة خربت في سنة ست وتسعين وستمائة عند حدوث الغلاء والوباء في سلطنة الملك العادل كتبغا، حتى لم يبق فيها إنسان يلوح، وبقيت خرابا إلى ما بعد سنة إحدى عشرة وسبعمائة، فشرع الناس في سكناها قليلا قليلا، فلما حفر الملك الناصر محمد بن قلاون الخليج الناصريّ في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، كانت هذه الأرض بيد الأمير بكتمر الحاجب، فما زال بالمهندسين حتى مرّوا بالخليج من عند الجرف على بركة الطوّابين التي تعرف اليوم ببركة الحاجب، وببركة الرطليّ، فمرّوا به من هناك حتى صبّ في الخليج الكبير من آخر أرض الطبالة، فعمر الأمير بكتمر المذكور هناك القنطرة التي تعرف بقنطرة الحاجب على الخليج الناصريّ، وأقام جسرا من القنطرة المذكورة إلى قريب من الجرف، فصار هذا الجسر فاصلا بين بركة الحاجب والخليج الناصريّ، وأذن للناس في تحكيره فبنوا عليه وعلى البركة الدور، وعمرت بسبب ذلك أرض الطبالة، وصار بها عدّة حارات منها: حارة العرب، وحارة الأكراد، وحارة البزازرة، وحارة العياطين، وغير ذلك. وبقي فيها عدّة أسواق وحمّام وجوامع تقام بها الجمعة، وأقبل الناس على التنزه بها أيام النيل والربيع، وكثرت الرغبات فيها لقربها من القاهرة، وما برحت على غاية من العمارة إلى أن حدث الغلاء في سنة سبع وسبعين وسبعمائة أيام الأشرف شعبان بن حسين، فخرب كثير من حارات أرض الطبالة، وبقيت منها بقية إلى أن دثرت منذ سنة ست وثمانمائة، وصارت كيمانا، وبقي فيها من العامر الآن الاملاك المطلة على البركة التي ذكرت عند ذكر البرك من هذا الكاتب، وفيها بقعة تعرف بالجنينة تصغير جنة من أخبث بقاع الأرض، يعمل فيها بمعاصي اللّه ، وتعرف ببيع الحشيشة التي يبتلعها اراذل الناس، وقد فشت هذه الشجرة الخبيثة في وقتنا هذا فشوّا زائدا، وولع بها أهل الخلاعة والسخف ولوعا كثيرا، وتظاهروا بها من غير احتشام بعدما أدركناها تعدّ من أرذل الخبائث وأقبح القاذورات، وما شيء في الحقيقة أفسد لطباع البشر منها، ولاشتهارها في وقتنا هذا، عند الخاص والعام بمصر والشام والعراق والروم، تعين ذكرها، واللّه تعالى أعلم. ذكر حشيشة الفقراء قال الحسن بن محمد في كتاب السوانح الأدبية في مدائح القنبية: سألت الشيخ جعفر بن محمد الشيرازيّ الحيدريّ ببلدة تستر في سنة ثمان وخمسين وستمائة، عن السبب في الوقوف على هذا العقار ووصوله إلى الفقراء خاصة، وتعدّيه إلى العوام عامّة، فذكر لي أن شيخه شيخ الشيوخ حيدرا ﵀، كان كثير الرياضة والمجاهدة، قليل الاستعمال للغذاء، قد فاق في الزهادة وبرز في العبادة، وكان مولده بنشاور من بلاد خراسان، ومقامه بجبل بين نشاور ومارماه وكان قد اتخذ بهذا الجبل زاوية وفي صحبته جماعة من الفقراء، وانقطع في موضع منها ومكث بها أكثر من عشر سنين لا يخرج منها، ولا يدخل عليه أحد غيري للقيام بخدمته. قال: ثم أن الشيخ طلع ذات يوم وقد اشتدّ الحرّ وقت القائلة منفردا

стр. 1134

بنفسه إلى الصحراء، ثم عاد وقد علا وجهه نشاط وسرور، بخلاف ما كنا نعهده من حاله قبل، وأذن لأصحابه في الدخول عليه، وأخذ يحادثهم، فلما رأينا الشيخ على هذه الحالة من المؤانسة بعد إقامته تلك المدّة الطويلة في الخلوة والعزلة، سألناه عن ذلك فقال: بينما أنا في خلوتي إذ خطر ببالي الخروج إلى الصحراء منفردا، فخرجت فوجدت كل شيء من النبات ساكنا لا يتحرّك لعدم الريح وشدّة القيظ، ومررت بنبات له ورق، فرأيته في تلك الحال يميس بلطف ويتحرّك من غير عنف، كالثمل النشوان، فجعلت أقطف منه أوراقا وآكلها، فحدث عندي من الارتياح ما شاهدتموه، وقوموا بنا حتى أوقفكم عليه لتعرفوا شكله. قال: فخرجنا إلى الصحراء، فأوقفنا على النبات، فلما رأيناه قلنا هذا نبات يعرف بالقنب، فأمرنا أن نأخذ من ورقه ونأكله، ففعلنا، ثم عدنا إلى الزاوية فوجدنا في قلوبنا من السرور والفرح ما عجزنا عن كتمانه، فلما رآنا الشيخ على الحالة التي وصفنا، أمرنا بصيانة هذا العقار، وأخذ علينا الأيمان أن لا نعلم به أحدا من عوامّ الناس، وأوصانا أن لا نخفيه عن الفقراء، وقال إن اللّه تعالى قد خصكم بسرّ هذا الورق ليذهب بأكله همومكم الكثيفة، ويجلو بفعله أفكاركم الشريفة، فراقبوه فيما أودعكم، وراعوه فيما استرعاكم. قال الشيخ جعفر: فزرعتها بزاوية الشيخ حيدر بعد أن وقفنا على هذا السرّ في حياته، وأمرنا بزرعها حول ضريحه بعد وفاته، وعاش الشيخ حيدر بعد ذلك عشر سنين وأنا في خدمته لم أره يقطع أكلها في كل يوم، وكان يأمرنا بتقليل الغذاء وأكل هذه الحشيشة، وتوفي الشيخ حيدر سنة ثمان عشرة بزاويته في الجبل، وعمل على ضريحه قبة عظيمة، وأتته النذور الوافرة من أهل خراسان وعظموا قدره وزاروا قبره، واحترموا أصحابه، وكان قد أوصى أصحابه عند وفاته أن يوقفوا ظرفاء أهل خراسان وكبراءهم على هذا العقار وسرّه، فاستعملوه. قال: ولم تزل الحشيشة شائعة ذائعة في بلاد خراسان ومعاملات فارس، ولم يكن يعرف أكلها أهل العراق حتى ورد إليها صاحب هرمز، ومحمد بن محمد صاحب البحرين، وهما من ملوك سيف البحر المجاور لبلاد فارس في أيام الملك الإمام المستنصر بالله، وذلك في سنة ثمان وعشرين وستمائة، فحملها أصحابهما معهم وأظهروا للناس أكلها، فاشتهرت بالعراق ووصل خبرها إلى أهل الشام ومصر والروم فاستعملوها. قال: وفي هذه السنة ظهرت الدراهم ببغداد، وكان الناس ينفقون القراضة، وقد نسب إظهار الحشيشة إلى الشيخ حيدر الأديب محمد بن عليّ بن الأعمى الدمشقيّ في أبيات وهي: دع الخمر واشرب من مدامة حيدر … معنبرة خضراء مثل الزبرجد يعاطيكها ظبي من الترك أغيد … يميس على غصن من البان أملد فنحسبها في كفه إذ يديرها … كرقم عذار فوق خدّ مورّد

стр. 1135

يرنحها أدنى نسيم تنسّمت … فتهفو إلى برد النسيم المردّد وتشدو على أغصانها الورق (١) في الضحى … فيطربها سجع الحمام المغرّد وفيها معان ليس في الخمر مثلها … فلا تستمع فيها مقالا مفند هي البكر لم تنكح بماء سحابة … ولا عصرت يوما برجل ولا يد ولا عبث القسيس يوما بكأسها … ولا قرّبوا من دنها كل مقعد ولا نصّ في تحريمها عند مالك … ولا حدّ عند الشافعيّ وأحمد ولا أثبت النعمان تنجيس عينها … فخذها بحدّ المشرفيّ المهند وكف أكفّ الهمّ بالكف واسترح … ولا تطرح يوم السرور إلى غد وكذلك نسب إظهارها إلى الشيخ حيدر الأديب أحمد بن محمد بن الرسّام الحلبيّ فقال: ومهفهف بادي النفار عهدته … لا ألتقيه قط غير معبس فرأيته بعض الليالي ضاحكا … سهل العريكة ريضا في المجلس فقضيت منه مآربي وشكرته … إذ صار من بعد التنافر مؤنسي فأجابني لا تشكرنّ خلائقي … واشكر شفيعك فهو خمر المفلس فحشيشة الأفراح تشفع عندنا … للعاشقين ببسطها للأنفس وإذا هممت بصيد ظبي نافر … فاجهد بأن يرعى حشيش القنبس واشكر عصابة حيدر إذ أظهروا … لذوي الخلاعة مذهب المتخمّس ودع المعطّل للسرور وخلني … من حسن ظنّ الناس بالمتنمّس وقد حدّثني الشيخ محمد الشيرازيّ القلندري أنّ الشيخ حيدرا لم يأكل الحشيشة في عمره البتة، وإنما عامّة أهل خراسان نسبوها إليه لاشتهار أصحابه بها، وأن إظهارها كان قبل وجوده بزمان طويل، وذلك أنه كان بالهند شيخ يسمى بيررطن، هو أوّل من أظهر لأهل الهند أكلها، ولم يكونوا يعرفونها قبل ذلك، ثم شاع أمرها في بلاد الهند حتى ذاع خبرها ببلاد اليمن، ثم فشا إلى أهل فارس، ثم ورد خبرها إلى أهل العراق والروم والشام ومصر، في السنة التي قدّمت ذكرها. قال: وكان بيررطن في زمن الأكاسرة، وأدرك الإسلام وأسلم، وأنّ الناس من ذلك الوقت يستعملونها، وقد نسب إظهارها إلى أهل الهند عليّ بن مكيّ في أبيات أنشدنيها من لفظه وهي: ألا فاكفف الأحزان عني مع الضرّ … بعذراء زفّت في ملاحفها الخضر تجلت لنا لما تحلتّ بسندس … فجلّت عن التشبيه في النظم والنثر

стр. 1136

بدت تملأ الأبصار نورا بحسنها … فأخجل نور الروض والزهر بالزهر عروس يسرّ النفس مكنون سرّها … وتصبح في كل الحواس إذا تسري فللذوق منها مطعم الشهد رائقا … وللشم منها فائق المسك بالنشر وفي لونها للطرف أحسن نزهة … يميل إلى رؤياه من سائر الزهر تركّب من قان وأبيض فانثنت … تتيه على الأزهار عالية القدر فيكسف نور الشمس حمرة لونها … وتخجل من مبيضّه طلعة البدر علت رتبة في حسنها وكأنها … زبرجد روض جاده وابل القطر تبدّت فأبدت ما أجنّ من الهوى … وجاءت فولت جند همي والفكر جميلة أوصاف جليلة رتبة … تغالت فغالى في مدائحها شعري فقم فانف جيش الهمّ واكفف يد العنا … بهندية أمضى من البيض والسمر بهندية في أصل إظهار أكلها … إلى الناس لا هندية اللون كالسّمر تزيل لهيب الهمّ عنّا بأكلها … وتهدي لنا الأفراح في السرّ والجهر قال: وأنا أقول إنه قديم معروف منذ أوجد اللّه تعالى الدنيا، وقد كان على عهد اليونانيين، والدليل على ذلك ما نقله الأطباء في كتبهم عن بقراط وجالينوس من مزاج هذا العقار وخواصه، ومنافعه ومضارّه، قال ابن جزلة في كتاب منهاج البيان: القنب الذي هو ورق الشهدانج، منه بستانيّ ومنه برّيّ، والبستانيّ أجوده، وهو حار يابس في الدرجة الثالثة، وقيل حرارته في الدرجة الأولى، ويقال أنه بارد يابس في الدرجة الأولى، والبريّ منه حار يابس في الدرجة الرابعة. قال: ويسمى بالكفّ. أنشدني تقيّ الدين الموصلي: كف كفّ الهموم بالكفّ فالك … فّ شفاء للعاشق المهموم بابنة القنّب الكريمة لا بابن … ة كرم بعد البنت الكروم قال: والفقراء إنما يقصدون استعماله مع ما يجدون من اللذة تجفيفا للمنيّ، وفي إبطاله قطع لشهوة الجماع كي لا تميل نفوسهم إلى ما يوقع في الزنا. وقال بعض الأطباء: ينبغي لمن يأكل الشهدانج أو ورقه، أن يأكله مع اللوز أو الفستق أو السكر أو العسل أو الخشخاش، ويشرب بعده السكنجبين ليدفع ضرره، وإذا قلي كان أقلّ لضرره، ولذلك جرت العادة قبل أكله أن يقلى، وإذا أكل غير مقليّ كان كثير الضرر، وأمزجة الناس تختلف في أكله، فمنهم من لا يقدر أن يأكله مضافا إلى غيره، ومنهم من يضيف إليه السكر أو العسل أو غيره من الحلاوات. وقرأت في بعض الكتب أن جالينوس قال إنها تبرئ من التخمة، وهي جيدة للهضم، وذكر ابن جزلة في كتاب المنهاج أن بزر شجر القنب البستانيّ هو الشهدانج، وثمره يشبه حب السمنة، وهو حب يعصر منه الدهن. وحكي عن حنين بن إسحاق أنّ شجرة البري تخرج في القفار المنقطعة على قدر ذراع، وورقه يغلب عليه

стр. 1137

البياض. وقال يحيى بن ماسويه في كتاب تدبير أبدان الأصحاء: أنّ من غلب على بدنه البلغم ينبغي أن تكون أغذيته مسخنة مجففة، كالزبيب والشهدانج. وقال صاحب كتاب إصلاح الأدوية: أنّ الشهدانج يدرّ البول، وهو عسر الانهضام، رديء الخلط للمعدة. قال: ولم أجد لإزالة الزفر من اليد أبلغ من غسلها بالحشيشة، ورأيت من خواصها أن كثيرا من ذوات السموم كالحية ونحوها إذا شمت ريحها هربت، ورأيت أن الإنسان إذا أكلها ووجد فعلها في نفسه، وأحبّ أن يفارقه فعلها قطر في منخريه شيئا من الزيت، وأكل من اللبن الحامض. ومما يكسر قوّة فعلها ويضعفه السباحة في الماء الجاري، والنوم يبطله. قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى: دع نزاهة القوم، فما بلي الناس بأفسد من هذه الشجرة لأخلاقهم، ولقد حدّثني القاضي الرئيس تاج الدين إسماعيل بن عبد الوهاب بن الخطباء المخزوميّ، قبل اختلاطه، عن الرئيس علاء الدين بن نفيس: أنه سئل عن هذه الحشيشة فقال: اعتبرتها فوجدتها تورث السفالة والرذالة، وكذلك جرّبنا في طول عمرنا من عاناها فإنه ينحط في سائر أخلاقه إلى ما لا يكاد أن يبقى له من الإنسانية شيء البتة. وقد قال ابن البيطار في كتاب المفردات: ومن القنب نوع ثالث يقال له القنب الهنديّ، ولم أره بغير مصر، ويزرع في البساتين ويقال له الحشيشة عندهم أيضا، وهو يسكر جدّا إذا تناول منه الإنسان قدر درهم أو درهمين، حتى أنّ من أكثر منه يخرجه إلى حدّ الرعونة، وقد استعمله قوم فاختلت عقولهم، وأدّى بهم الحال إلى الجنون، وربما قتلت. ورأيت الفقراء يستعملونها على أنحاء شتى، فمنهم من يطبخ الورق طبخا بليغا ويدعكه باليد دعكا جيدا، حتى يتعجن، ويعمل منه أقراصا، ومنهم من يجففه قليلا ثم يحمصه ويفركه باليد، ويخلط به قليل سمسم مقشور وسكّر ويستفه ويطيل مضغه، فإنهم يطربون عليه ويفرحون كثيرا، وربما أسكرهم فيخرجون به إلى الجنون أو قريب منه، وهذا ما شاهدته من فعلها، وإذا خيف من الإكثار منه فليبادر إلى القيء بسمن وماء سخن، حتى تنقى منه المعدة، وشراب الحماض لهم في غاية النفع، فانظر كلام العارف فيها واحذر من إفساد بشريّتك وتلاف أخلاقك باستعمالها، ولقد عهدناها وما يرمى بتعاطيها إلاّ أراذل الناس، ومع ذلك فيأنفون من انتسابهم لها لما فيها من الشنعة، وكان قد تتبع الأمير سودون الشيخونيّ ﵀ الموضع الذي يعرف بالجنينة من أرض الطبالة وباب اللوق وحكر واصل ببولاق، وأتلف ما هنالك من هذه الشجرة الملعونة، وقبض على من كان يبتلعها من أطراف الناس ورذلائهم وعاقب على فعلها بقلع الأضراس، فقلع أضراس كثير من العامّة في نحو سنة ثمانين وسبعمائة، وما برحت هذه الخبيثة تعدّ من القاذورات حتى قدم سلطان بغداد أحمد بن أويس فارا من تيمورلنك إلى القاهرة في سنة خمس وتسعين وسبعمائة، فتظاهر أصحابه بأكلها، وشنع الناس عليهم واستقبحوا ذلك من فعلهم وعابوه عليهم، فلما سافر من

стр. 1138

القاهرة إلى بغداد وخرج منها ثانيا وأقام بدمشق مدّة، تعلم أهل دمشق من أصحابه التظاهر بها. وقدم إلى القاهرة شخص من ملاحدة العجم صنع الحشيشة بعسل، خلط فيها عدّة أجزاء مجففة، كعرف اللفاح ونحوه، وسمّاها العقدة وباعها بخفية، فشاع أكلها وفشا في كثير من الناس مدّة أعوام، فلما كان في سنة خمس عشرة وثمانمائة شنع التجاهر بالشجرة الملعونة، فظهر أمرها واشتهر أكلها وارتفع الاحتشام من الكلام بها، حتى لقد كادت أن تكون من تحف المترفين، وبهذا السبب غلبت السفالة على الأخلاق، وارتفع ستر الحياء والحشمة من بين الناس، وجهروا بالسوء من القول، وتفاخروا بالمعايب، وانحطوا عن كل شرف وفضيلة، وتحلوا بكل ذميمة من الأخلاق ورذيلة، فلولا الشكل لم تقض لهم بالإنسانية، ولولا الحس لما حكمت عليهم بالحيوانية، وقد بدأ المسخ في الشمائل والأخلاق المنذر بظهوره على الصور والذوات، عافانا اللّه ﵎ من بلائه، وأرض الطبالة الآن بيد ورثة الحاجب. ذكر أرض البعل والتاج قال ابن سيده: البعل، الأرض المرتفعة التي لا يصيبها المطر إلاّ مرّة واحدة في السنة. وقيل: البعل، كلّ شجر أو زرع لا يسقى. وقيل: البعل: ما سقته السماء، وقد استبعل الموضع. والبعل: من النخل ما شرب بعروقه من غير سقي ولا ماء سماء. وقيل هو ما اكتفى بماء السماء، والبعل ما أعطي من الأتاوة على سقي النخل، واستبعل الموضع والنخل صار بعلا. وأرض البعل هذه بجانب الخليج، تتصل بأرض الطبالة، كانت بستانا يعرف بالبعل، وفيه منظرة أنشأه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجماليّ، وجعل على هذا البستان سورا، وإلى جانب بستان البعل هذا بستان التاج، وبستان الخمس وجوه، وقد ذكرت مناظر هذه البساتين وما كان فيها للخلفاء الفاطميين من الرسوم عند ذكر المناظر من هذا الكتاب. وأرض البعل في هذا الوقت مزرعة تجاه قنطرة الأوز التي على الخليج. يخرج الناس للتنزه هناك أيام النيل وأيام الربيع، وكذلك أرض التاج فإنها اليوم قد زالت منها الأشجار واستقرّت من أراضي المنية الخراجية، وفي أيام النيل ينبت فيها نبات يعرف بالبشنين، له ساق طويل وزهره شبه اللينوفر، وإذا أشرقت الشمس انفتح فصار منظرا أنيقا، وإذا غربت الشمس انضم. ويذكر أنّ من العصافير نوعا صغيرا يجلس العصفور منه في دار البشنينة، فإذا أقبل الليل انضمت عليه وغطست في الماء فبات في جوفها آمنا إلى أن تشرق الشمس، فتصعد البشنينة وتنفتح فيطير العصفور، وهو شيء ما برحنا نسمعه. وهذا البشنين يصنع من زهره دهن يعالج به في البرسام وترطيب الدماغ فينجع، وأصله يعرف بالبيارون، يجمعه الأعراب ويأكلونه نيئا ومطبوخا، وهو يميل إلى الحرارة يسيرا، ويزيد في الباه، ويسخّن المعدة ويقوّيها، ويقطع الزحير، ذكر ذلك ابن البيطار في كتاب المفردات، وفي أيام الربيع

стр. 1139

تزرع هذه الأراضي فتذكّر بحسنها ونضارتها جنة الخلد التي وعد المتقون. وأدركت بهذه الأرض بقايا نخل وأشجار وقد تلفت. ذكر ضواحي القاهرة قال ابن سيده: ضواحي كل شيء نواحيه البارزة للشمس، والضواحي من النخيل ما كان خارج السور على صفة عالية لأنها تضحى للشمس. وفي كتاب النبيّ ﷺ لأهل بدر: «لكم الصامتة من النخل ولنا الضاحية من البعل» يعني بالصامتة: ما أطاف به سور المدينة، وضواحي الروم ما ظهر من بلادهم وبرز. ويقال في زماننا لما خرج عن القاهرة مما هو في جنبتي الخليج من القرى ضواحي القاهرة، وقد عرفت أصل ذلك من اللغة، وتعرف البلاد التي من الضواحي في غربيّ الخليج من القرى ضواحي القاهرة، وقد عرفت أصل ذلك من اللغة، وتعرف البلاد التي من الضواحي في غربيّ الخليج بالحبس الجيوشيّ، وهي: بهتين، والأميرية، والمنية. وكان أيضا بناحية الجيزة من جملة الحبس الجيوشيّ ناحية سفط ونهيا ووسيم، حبس هذه البلاد أمير الجيوش بدر الجماليّ على عقبه. فلما زالت الدولة الفاطمية جعل السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أمر الأسطول لأخيه الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وسلّمه له في سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وأفرد لديوان الأسطول من الأبواب الديوانية الزكاة التي كانت تجبى من الناس بمصر، والحبس الجيوشي بالبرّين والنطرون والخراج، وما معه من ثمن القرظ، وساحل السنط، والمراكب الديوانية، وأشنأ وطنتدي وأحيل ورثة أمير الجيوش على غير الحبس الذي لهم، ثم أفتى الفقهاء ببطلان الحبس، وقبضت النواحي وصارت من جملة أموال الخراج، فعرفت ببلاد الملك، وهذه الضواحي الآن منها ما هو وقف ومنها ما هو في الديوان السلطانيّ، وخراجها يتميز على غيرها من النواحي، ويزرع أكثرها من الكتان والمقاثي وغيرها. ذكر منية الأمراء قال ياقوت في كتاب المشترك: المنية ثلاثة وأربعون موضعا، وجميعها بمصر غير واحدة، وبمصر من القرى المسماة بهذا الاسم ما يقارب المائتين. قال: ومنية الشيرج، ويقال لها منية الأمير ومنية الأمراء، بليدة فيها أسواق على فرسخ من القاهرة في طريق الإسكندرية. وذكر الشريف محمد بن أسعد الجوانيّ النسابة: أن قتلى أهل الشام الذين قتلوا في وقعة الخندق، بين مروان بن الحكم وعبد الرحمن بن جحدم أمير مصر، في سنة خمس وستين من الهجرة، دفنوا حيث موضع منية الشيرج هذه، وكانوا نحوا من الثمانمائة. وقال ابن عبد الظاهر: منية الأمراء من الحبس الجيوشيّ الشرقيّ الذي كان حبسه أمير الجيوش، ثم ارتجع. وفي كل سنة يأكل البحر منها جانبا، ويجدّد جامعها ودورها حتى

стр. 1140

صار جامعها القديم ودورها في برّ الجيزة، وغلب البحر عليها، وهذه المنية من محاسن منتزهات القاهرة، وكانت قد كثرت العمائر بها واتخذها الناس منزل قصف ودار لعب ولهو ومغنى صبابات، وبها كان يعمل عيد الشهيد الذي تقدّم ذكره عند ذكر النيل من هذا الكتاب، لقربها من ناحية شبرا، وبها سوق في كل يوم أحد يباع فيه البقر والغنم والغلال، وهو من أسواق مصر المشهورة، وأكثر من كان يسكن بها النصارى، وكانت تعرف بعصر الخمر وبيعه، حتى أنه لما عظمت زيادة ماء النيل في سنة ثمان عشرة وسبعمائة، وكانت الغرقة المشهورة وغرقت شبرا والمنية، تلف فيها من جرار الخمر ما ينيف على ثمانين ألف جرّة مملوءة بالخمر، وباع نصرانيّ واحد مرّة في يوم عيد الشهيد بها خمرا باثني عشر ألف درهم فضة، عنها يومئذ نحو الستمائة دينار، وكسر منها الأمير بلبغا السالميّ في صفر سنة ثلاث وثمانمائة ما ينيف على أربعين ألف جرّة مملوءة بالخمر. وما برحت تغرق في الأنيال العالية إلى أن عمل الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة الجسر من بولاق إلى المنية، كما ذكر عند ذكر الجسور من هذا الكتاب. فأمن أهلها من الغرق، وأدركناها عامرة بكثرة المساكن والناس والأسواق والمناظر، وتقصد للنزهة بها أيام النيل والربيع، لا سيما في يومي الجمعة والأحد، فإنه كان للناس بها في هذين اليومين مجتمع ينفق فيه مال كثير، ثم لما حدثت المحن من سنة ست وثمانمائة، الحّ المناسر بالهجوم عليها في الليل وقتلوا من أهلها عدّة، فارتحل الناس منها وخلت أكثر دورها، وتعطلت حتى لم يبق بها سوى طاحون واحدة لطحن القمح، بعد ما كان بها ما ينيف على ثمانين طاحونة، وبها الآن بقية وهي جارية في الديوان السلطاني المعروف بالمفرد. ذكر كوم الريش هذا اسم لبلد فيما بين أرض البعل ومنية الشيرج. كان النيل يمرّ بغربيها بعد مروره بغربيّ أرض البعل، وأدركت آثار الجروف باقية من غربيّ البعل، وغربيّ كوم الريش إلى أطراف المنية، حتى تغيرت الأحوال من بعد سنة ست وثمانمائة، ففاض ماء النيل في أيام الزيادة ونزل في الدرب الذي كان يسلك فيه من أرض الطبالة إلى المنية، فانقطع هذا الدرب وترك الناس سلوكه، وكان كوم الريش من أجلّ منتزهات القاهرة، ورغب أعيان الناس في سكناها للتنزه بها. وأخبرني شيخنا قاضي القضاة مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم الحنفي، وخال أبي تاج الدين إسماعيل بن أحمد بن الخطباء، أنهما أدركا بكوم الريش عدّة أمراء يسكنون فيها دائما، وأنه كان من جملة من يسكن فيها دائما نحو الثمانمائة من الجند السلطاني، وأنا أدركت بها سوقا عامرا بالمعايش بأنواعها من المآكل، لا أعرف اليوم بالقاهرة مثله في كثرة

стр. 1141

المآكل، وأدركت بها حمّاما وجامعين تقام بهما الجمعة، وموقف مكارية، ومنارة لا يقدر الواصف أن يعبر عن حسنها لما اشتملت عليه من كل معنى رائق بهج، وما برحت على ذلك إلى أن حدثت المحن من سنة ست وثمانمائة، فطرقها أنواع الرزايا حتى صارت بلاقع (١)، وجهلت طرقها وتغيرت معاهدها ونزل بها من الوحشة ما أبكاني، وأنشدت في رؤيتها عندما شاهدتها خرابا: قفرا كأنك لم تكن تلهو بها … في نعمة وأوانس أتراب وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إنّ أخذه أليم شديد. ذكر بولاق قد تقدّم في غير موضع من هذا الكتاب أن ساحل النيل كان بالمقس، وأن الماء انحسر بعد سنة سبعين وخمسمائة عن جزيرة عرفت بجزيرة الفيل، وتقلص ماء النيل عن سور القاهرة الذي ينتهي إلى المقس، وصارت هناك رمال وجزائر، ما من سنة إلاّ وهي تكثر، حتى بقي ماء النيل لا يمرّ بها إلا أيام الزيادة فقط. وفي طول السنة ينبت هناك البوص والحلفاء، وتنزل المماليك السلطانية لرمي النشاب في تلك التلال الرمل. فلما كان سنة ثلاث عشرة وسبعمائة رغب الناس في العمارة بديار مصر، لشغف السلطان الملك الناصر بها ومواظبته عليها، فكأنما نودي في القاهرة ومصر أن لا يتأخر أحد من الناس عن إنشاء عمارة، وجدّ الأمراء والجند والكتّاب والتجّار والعامّة في البناء، وصارت بولاق حينئذ تجاه بولاق التكرور، يزرع فيها القصب والقلقاس على ساقية تنقل الماء من النيل، حيث جامع الخطيري الآن، فعمّر هناك رجل من التجار منظرة، وأحاط جدارا على قطعة أرض غرس فيها عدّة أشجار وتردّد إليها للنزهة. فلما مات انتقلت إلى ناصر الدين محمد بن الجوكندار، فعمر الناس بجانبها دورا على النيل وسكنوا ورغبوا في السكنى هناك، فامتدّت المناظر على النيل من الدار المذكورة إلى جزيرة الفيل، وتفاخروا في إنشاء القصور العظيمة هناك، وغرسوا من ورائها البساتين العظيمة، وأنشأ القاضي ابن المغربيّ رئيس الأطباء بستانا، اشتراه منه القاضي كريم الدين ناظر الخاص للأمير سيف الدين طشتمر الساقي، بنحو مائة ألف درهم فضة. وكثر التنافس بين الناس في هذه الناحية، وعمروها حتى انتظمت العمارة في الطول على حافة النيل، من منية الشيرج إلى موردة الحلفاء، بجوار الجامع الجديد خارج مصر، وعمر في العرض على حافة النيل الغربية، من تجاه الخندق بحريّ القاهرة، إلى منشأة المهرانيّ. وبقيت هذه المسافة العظيمة كلها بساتين وأحكارا عامرة بالدور والأسواق والحمّامات والمساجد

стр. 1142

والجوامع وغيرها، وبلغت بساتين جزيرة الفيل خاصة ما ينيف على مائة وخمسين بستانا، بعد ما كانت في سنة إحدى عشرة وسبعمائة نحو العشرين بستانا. وأنشأ القاضي الفاضل جلال الدين القزوينيّ، وولده عبد اللّه، دارا عظيمة على شاطيء النيل بجزيرة الفيل، عند بستان الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب. وأنشأ الأمير عز الدين الخطيريّ جامعة ببولاق على النيل، وأنشأ بجواره ربعين. وأنشأ القاضي شرف الدين بن زنبور بستانا، وأنشأ القاضي فخر الدين المعروف بالفخر ناظر الجيش بستانا، وحكر الناس حول هذه البساتين وسكنوا هناك، ثم حفر الملك الناصر محمد بن قلاوون الخليج الناصريّ سنة خمس وعشرين وسبعمائة، فعمر الناس على جانبي هذا الخليج، وكان أوّل من عمر بعد حفر الخليج الناصريّ المهاميزي، أنشأ بستانا ومسجدا هما موجودان إلى اليوم، وتبعه الناس في العمارة حتى لم يبق في جميع هذه المواضع مكان بغير عمارة، وبقي من يمرّ بها يتعجب، إذ ما بالعهد من قدم، بينما هي تلال رمل وحلافي، إذ صارت بساتين ومناظر وقصورا ومساجد وأسواقا وحمامات وأزقة وشوارع، وفي ناحية بولاق هذه كان خص الكيالة الذي يؤخذ فيه مكس الغلة إلى أن أبطله الملك الناصر محمد بن قلاوون، كما ذكر في الروك الناصريّ من هذا الكتاب. ولما كانت سنة ست وثمانمائة انحسر ماء النيل عن ساحل بولاق، ولم يزل يبعد حتى صار على ما هو عليه الآن، وناحية بولاق الآن عامرة، وتزايدت العمائر بها، وتجدّد فيها عدّة جوامع وحمّامات ورباع وغيرها. ذكر ما بين بولاق ومنشأة المهراني وكان فيما بين بولاق ومنشأة المهراني خط فم الخور، وخط حكر ابن الأثير، وخط زريبة قوصون، وخط الميدان السلطانيّ بموردة الملح، وخط منشأة الكتبة. فأمّا فم الخور، فكان فيه من المناظر الجليلة الوصف عدّة تشرف على النيل، ومن ورائها البساتين، ويفصل بين البساتين والدور المطلة على النيل شارع مسلوك، وأنشئ هناك حمّام وجامع وسوق، وقد تقدّم ذكر الخور، وأنشأ هناك القاضي علاء الدين بن الأثير دارا على النيل، وكان إذ ذاك كاتب السرّ، وبنى الناس بجواره، فعرف ذلك الخط بحكر ابن الأثير، واتصلت العمارة من بولاق إلى فم الخور، ومن فم الخور إلى حكر ابن الأثير، وما برح فيه من مساكن الأكابر من الوزراء والأعيان، ومن الدور العظيمة ما يتجاوز الوصف. وأما الزريبة فإن الملك الناصر محمد بن قلاوون، لما وهب البستان الذي كان بالميدان الظاهريّ للأمير قوصون أنشأ قدّامه على النيل زريبة، ووقفها، فعمر الناس هناك حتى انتظمت العمارة من حكر ابن الأثير إلى الزريبة، وعمر هناك حمّام وسوق كبير، وطواحين وعدّة مساكن اتصلت باللوق. وأما زريبة السلطان، فإن الملك الناصر محمد بن قلاوون لما عمر ميدان المهاري

стр. 1143

المجاور لقناطر السباع الآن، أنشأ زريبة في قبليّ الجامع الطيبرسيّ، وحفر لأجل بناء هذه الزريبة البركة المعروفة الآن بالبركة الناصرية، حتى استعمل طينها في البناء، وأنشأ فوق هذه الزريبة دار وكالة وربعين عظيمين، جعل أحدهما وقفا على الخانقاه التي أنشأها بناحية سرياقوس، وأنعم بالآخر على الأمير بكتمر الساقي، فأنشأ الأمير بكتمر بجواره حمّامين، إحداهما برسم الرجال والأخرى برسم النساء، فكثر بناء الناس فيما هنالك حتى اتصلت العمارة من بحريّ الجامع الطيبرسيّ بزريبة قوصون، وصار هناك أزقة وشوارع ودروب ومساكن، من وراء المناظر المطلة على النيل، تتصل بالخليج. وأكثر الناس من البناء في طريق الميدان السلطانيّ، فصارت العمائر منتظمة من قناطر السباع إلى الميدان، من جهاته كلها، وتنافس الناس في تلك الأماكن وتغالوا في أجرها. وعمر المكين إبراهيم بن قزوينة ناظر الجيش في قبليّ زريبة السلطان، حيث كان بستان الخشاب، دارا جليلة. وعمر أيضا صلاح الدين الكحال، والصاحب أمين الدين عبد اللّه بن الغنام، وعدّة من الكتاب، فقيل لهذه الخطة منشأة الكتاب، وأنشأ فيها الصاحب أمين الدين خانقاه بجوار داره، وعمر أيضا كريم الدين الصغير، حتى اتصلت العمارة بمنشأة المهراني، فصار ساحل النيل من خط دير الطين قبليّ مدينة مصر إلى منية الشيرج بحريّ القاهرة، مسافة لا تقصر عن أزيد من نصف بريد بكثير، كلها منتظمة بالمناظر العظيمة، والمساكن الجليلة، والجوامع، والمساجد، والخوانك، والحمامات، وغيرها من البساتين، لا تجد فيما بين ذلك خرابا البتة، وانتظمت العمارة من وراء الدور المطلة على النيل حتى أشرفت على الخليج. فبلغ هذا البرّ الغربيّ من وفور العمارة وكثرة الناس وتنافسهم في الإقبال على اللذات وتأنقهم في الانهماك في المسرّات ما لا يمكن وصفه، ولا يتأتى شرحه، حتى إذا بلغ الكتاب أجله وحدثت المحن من سنة ست وثمانمائة، وتقلص ماء النيل عن البرّ الشرقيّ، وكثرت حاجات الناس وضروراتهم، وتساهل قضاة المسلمين في الاستبدال في الأوقاف وبيع نقضها، اشترى شخص الربعين والحمامين ودار الوكالة التي ذكرت على زريبة السلطان بجوار الجامع الطيبرسيّ، في سنة سبع وثمانمائة، وهدم ذلك كله وباع أنقاضه، وحفر الأساسات واستخرج ما فيها من الحجر وعمله جيرا، فنال من ذلك ربحا كثيرا، وتتابع الهدم في شاطئ النيل وباع الناس أنقاض الدور، فرغب في شرائها الأمراء والأعيان وطلاب الفوائد من العامة، حتى زال جميع ما هنالك من الدور العظيمة والمناظر الجليلة، وصار الساحل من منشأة المهرانيّ إلى قريب من بولاق كيمانا موحشة، وخرائب مقفرة، كأن لم تكن مغنى صبابات، وموطن أفراح، وملعب أتراب، ومرتع غزلان تفتن النساك هناك، وتعيد الحليم سفيها سنة اللّه في الذين خلوا من قبل، وإني إذا تذكرت ما صارت إليه أنشد قول عبد اللّه بن المعتز:

стр. 1144

سلام على تلك المعاهد والربا … سلام وداع لا سلام قدوم وصار بهذا العهد ما بين أوّل بولاق من قبليه، إلى أطراف جزيرة الفيل عامرا، من غربيه المفضي إلى النيل، ومن شرقيه الذي ينتهي إلى الخليج، إلاّ أنّ النيل قد نشأت فيه جزائر ورمال بعد بها الماء عن البرّ الشرقيّ، وكثر العناء لبعده، وفي كل عام تكثر الرمال ويبعد الماء عن البرّ، وللّه عاقبة الأمور. فهذا حال الجهة الغربية من ظواهر القاهرة في ابتداء وضعها، وإلى وقتنا هذا، وبقي من ظواهر القاهرة الجهة القبلية والجهة البحرية، وفيهما أيضا عدّة أخطاط تحتاج إلى شرح وتبيان، واللّه تعالى أعلم بالصواب. ذكر خارج باب زويلة اعلم أنّ خارج باب زويلة جهتان، جهة تلي الخليج، وجهة تلي الجبل. فأما الجهة التي تلي الخليج، فقد كانت عند وضع القاهرة بساتين كلها، فيما بين القاهرة إلى مصر. وعندي فيما ظهر لي، أنّ هذه الجهة كانت في القديم غامرة بماء النيل، وذلك أنه لا خلاف بين أهل مصر قاطبة أنّ الأراضي التي هي من طين أبليز لا تكون إلاّ من أرض ماء النيل، فإنّ أرض مصر تربة رملة سبخة، وما فيها من الطين طرح بعلوها عند زيادة ماء النيل، مما يحمله من البلاد الجنوبية من مسيل الأودية، فلذلك يكون لون الماء عند الزيادة متغيرا، فإذا مكث على الأرض قعد ما كان في الماء من الطين على الأرض، فسماه أهل مصر إبليز، وعليه تزرع الغلال وغيرها، وما لا يشمله ماء النيل من الأرض لا يوجد فيه هذا الطين البتة، وأنت إن عرفت أخبار مصر بتأمّلك ما تضمنه هذا الكتاب، ظهر لك أن موضع جامع عمرو بن العاص ﵁ كان كروما مشرفة على النيل، وأن النيل انحسر بعد الفتح عما كان تجاه الحصن الذي يقال له قصر الشمع، وعما هو الآن تجاه الجامع، وما زال ينحسر شيئا بعد شيء حتى صار الساحل بمصر من عند سوق المعاريج الآن إلى قريب من السبع سقايات، وجميع الأراضي التي فيها الآن المراغة خارج مصر إلى نحو السبع سقايات، وما يقابل ذلك من برّ الخليج الغربيّ كان غامرا بالماء كما تقدّم، وكان في الموضع الذي تجاه المشهد المعروف بزيد، وتسميه العامة الآن مشهد زين العابدين، بساتين، شرقيها عند المشهد النفيسيّ، وغربيها عند السبع سقايات، منها بساتين عرفت بجنان بني مسكين، وعندها بني كافور الإخشيدي داره على البركة التي تجاه الكبش، وتعرف اليوم ببركة قارون، ومنها بستان يعرف ببستان ابن كيسان، ثم صار صاغة، وهو الآن يعرف ببستان الطواشي، ومنها بستان عرف آخرا بجنان الحارة، وهو من حوض الدمياطي الذي بقرب قنطرة السدّ الآن إلى السبع سقايات، وبقرب السبع سقايات بركة الفيل، ويشرف على بركة الفيل بساتين من دائرها، وإلى وقتنا هذا عليها بستان يعرف بالحبانية، وهم بطن من درما بن عمرو بن عوف بن ثعلبة بن سلامان بن بعل بن عمرو بن الغوث بن طي، فدرما فخذ من طيّ،

стр. 1145

والحبانيون بطن من درما، وبستان الحبانية فصل الناس بينه وبين البركة بطريق تسلك فيها المارة، وكان من شرقيّ بركة الفيل أيضا بساتين، منها بستان سيف الإسلام، فيما بين البركة والجبل الذي عليه الآن قلعة الجبل، وموضعه الآن المساكن التي من جملتها درب ابن البابا إلى زقاق حلب، وحوض ابن هنس، وعدّة بساتين أخر إلى باب زويلة. وكذلك شقة القاهرة الغربية كانت أيضا بساتين، فوضع حارة الوزيرية إلى الكافوريّ كان ميدان الإخشيد، وبجانب الميدان بستانه الذي يقال له اليوم الكافوري، وما خرج عن باب الفتوح إلى منية الأصبغ الذي يعرف اليوم بالخندق، كان ذلك كله بساتين على حافة الخليج الشرقية، وقد ذكرت هذه المواضع في هذا الكتاب مبينة، وعند التأمل يظهر أن الخليج الكبير عند ابتداء حفره كان أوّله إمّا عند مدينة عين شمس، أو من بحريها، لأجل أن القطعة التي بجانب هذا الخليج من غربيه، والقطعة التي هي بشرقيه، فيما بين عين شمس وموردة الحلفاء خارج مدينة فسطاط مصر، جميعهما طين إبليز، والطين المذكور لا يكون إلا من حيث يمرّ ماء النيل، فتعين أنّ ماء النيل كان في القديم على هذه الأرض التي بجانبي الخليج، فينتج أن أوّل الخليج كان عند آخر النيل من من الجهة البحرية، وينتهي الطين إلى نحو مدينة عين شمس من الجانب الشرقيّ، ويصير ما بعد الخندق في الجهة البحرية رملا لا طين فيه، وهذا بين لمن تأمله وتدبره، وفي هذه الجهة التي تلي الخليج خارج باب زويلة حارات قد ذكرت عند ذكر الحارات من هذا الكتاب، وبقيت هناك أشياء نحتاج أن نعرّف بها وهي: حوض ابن هنس: وهو حوض ترده الدواب، وينقل إليه الماء من بئر، وبه صارت تلك الخطة تعرف، وهي تلي حارة حلب، ويسلك إليها من جانبه، وهو وقف الأمير سعد الدين مسعود بن الأمير بدر الدين هنس بن عبد اللّه، أحد الحجاب الخاص في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب في سلخ شعبان سنة سبع وأربعين وستمائة، وعمل بأعلاه مسجدا مرتفعا وساقية ماء على بئر معين، ومات يوم السبت عاشر شوّال سنة سبع وأربعين وستمائة، ودفن بجوار الحوض، وكان هذا الحوض قد تعطل في عصرنا، فجدّده الأمير تتر أحد الأمراء الكبار في الدولة المؤيدية، في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، ومات هنس أمير جندار السلطان الملك العزيز عثمان في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة. مناظر الكبش: هذه المناظر آثارها الآن على جبل يشكر بجوار الجامع الطولونيّ، مشرفة على البركة التي تعرف اليوم ببركة قارون عند الجسر الأعظم، الفاصل بين بركة الفيل وبركة قارون، أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب في أعوام بضع وأربعين وستمائة. وكان حينئذ ليس على بركة الفيل بناء، ولا في المواضع التي في برّ الخليج الغربيّ من قنطرة السباع إلى المقس سوى

стр. 1146

البساتين، وكانت الأرض التي من صليبة جامع ابن طولون إلى باب زويلة بساتين، وكذلك الأرض التي من قناطر السباع إلى باب مصر بجوار الكبارة ليس فيها إلاّ البساتين، وهذه المناظر تشرف على ذلك كله من أعلى جبل يشكر، وترى باب زويلة والقاهرة، وترى باب مصر ومدينة مصر، وترى قلعة الروضة وجزيرة الروضة، وترى بحر النيل العظيم وبرّ الجيزة. فكانت من أجلّ منتزهات مصر، وتأنق في بنائها أو سماها الكبش، فعرفت بذلك إلى اليوم. وما زالت بعد الملك الصالح من المنازل الملوكية، وبها أنزل الخليفة الحاكم بأمر اللّه أبو العباس أحمد العباسيّ، لما وصل من بغداد إلى قلعة الجبل وبايعه الملك الظاهر ركن الدين بيبرس بالخلافة، فأقام بها مدّة ثم تحوّل منها إلى قلعة الجبل، وسكن بمناظر الكبش أيضا الخليفة المستكفي بالله أبو الربيع سليمان في أوّل خلافته، وفيها أيضا كانت ملوك حماه من بني أيوب تنزل عند قدومهم إلى الديار المصرية، وأوّل من نزل منهم فيها الملك المنصور لما قدم على الملك الظاهر بيبرس في المحرّم سنة ثلاث وسبعين وستمائة، ومعه ابنه الملك الأفضل نور الدين عليّ، وابنه الملك المظفر تقيّ الدين محمود، فعندما حلّ بالكبش أتاه الأمير شمس الدين آق سنقر الفارقاني بالسماط فمدّه بين يديه، ووقف كما يفعل بين يدي الملك الظاهر، فامتنع الملك المنصور من الرضى بقيامه على السماط، وما زال به حتى جلس. ثم وصلت الخلع والمواهب إليه وإلى ولده وخواصه. وفي سنة ثلاث وتسعين وستمائة أنزل بهذه المناظر نحو ثلاثمائة من مماليك الأشرف خليل بن قلاوون، عندما قبض عليهم بعد قتل الأشرف المذكور، ثم إن الملك الناصر محمد بن قلاوون هدم هذه المناظر المذكورة، في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، وبناها بناء آخر، وأجرى الماء إليها وجدّد بها عدّة مواضع، وزاد في سعتها، وأنشأ بها اصطبلا تربط فيه الخيول، وعمل زفاف ابنته على ولد الأمير أرغون نائب السلطنة بديار مصر، بعدما جهزها جهازا عظيما منه: بشخاناه، وداير بيت، وستارات طرّز ذلك بثمانين ألف مثقال ذهب مصريّ، سوى ما فيه من الحرير وأجرة الصناع، وعمل سائر الأواني من ذهب وفضة، فبلغت زنة الأواني المذكورة ما ينيف على عشرة آلاف مثقال من الذهب، وتناهى في هذا الجهاز وبالغ في الإنفاق عليه حتى خرج عن الحدّ في الكثرة، فإنها كانت أوّل بناته، ولما نصب جهازها بالكبش نزل من قلعة الجبل وصعد إلى الكبش، وعاينه ورتبه بنفسه، واهتم في عمل العرس اهتماما ملوكيا، وألزم الأمراء بحضوره فلم يتأخر أحد منهم عن الحضور، ونقط الأمراء الأغاني على مراتبهم، من أربعمائة دينار كل أمير إلى مائتي دينار، سوى الشقق الحرير، واستمرّ الفرح ثلاثة أيام بلياليها، فذكر الناس حينئذ أنه لم يعمل فيما سلف عرس أعظم منه، حتى حصل لكل جوقة من جوق الأغاني اللاتي كنّ فيه خمسمائة دينار مصرية، ومائة وخمسون شقة حرير، وكان عدّة جوق الأغاني التي قسم عليهنّ ثمان جوق من أغاني القاهرة، سوى جوق الأغاني السلطانية وأغاني الأمراء، وعدّتهن عشرون جوقة،

стр. 1147

لم يعرف ما حصل لهذه العشرين جوقة من كثرة ما حصل ولما انقضت أيام العرس أنعم السلطان لكل امرأة من نساء الأمراء بتعبية قماش على مقدارها، وخلع على سائر أرباب الوظائف من الأمراء والكتاب وغيرهم، فكان مهما عظيما تجاوز المصروف فيه حدّ الكثرة. وسكن هذه المناظر أيضا الأمير صرغتمش في أيام السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون، وعمر الباب الذي هو موجود الآن وبدنتي الحجر اللتين بجانبي باب الكبش بالحدرة، ثم أن الأمير بلبغا العمري المعروف بالخاصكيّ سكنه إلى أن قتل في سنة ثمان وستين وسبعمائة، فسكنه من بعده الأمير استدمر إلى أن قبض عليه الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون وأمر بهدم الكبش فهدم، وأقام خرابا لا ساكن فيه إلى سنة خمس وسبعين وسبعمائة، فحكره الناس وبنوا فيه مساكن وهو على ذلك إلى اليوم. خط درب ابن البابا: هذا الخط يتوصل إليه من تجاه المدرسة البندقدارية بجوار حمام الفارقاني، ويسلك فيه إلى خط واسع يشتمل على عدّة مساكن جليلة، ويتوصل منه إلى الجامع الطولونيّ وقناطر السباع وغير ذلك، وكان هذا الخط بستانا يعرف ببستان أبي الحسين بن مرشد الطائيّ، ثم عرف ببستان تامش، ثم عرف أخيرا ببستان سيف الإسلام طفتكين بن أيوب، وكان يشرف على بركة الفيل، وله دهاليز واسعة عليها جواسق تنظر إلى الجهات الأربع، ويقابله حيث الدرب الآن المدرسة البندقدارية وما في صفها إلى الصليبة بستان، يعرف ببستان الوزير ابن المغربيّ، وفيه حمّام مليحة، ويتصل ببستان ابن المغربيّ بستان عرف أخيرا ببستان شجر الدر، وهو حيث الآن سكن الخلفاء بالقرب من المشهد النفيسيّ، ويتصل ببستان شجر الدر بساتين إلى حيث الموضع المعروف اليوم بالبكارة من مصر، ثم أن بستان سيف الإسلام حكره أمير يعرف بعلم الدين الغتمي، فبنى الناس فيه الدور في الدولة التركية، وصار يعرف الغتمي، وهو الآن يعرف بدرب ابن البابا، وهو الأمير الجليل الكبير جنكلي بن محمد بن البابا بن جنكلي بن خليل بن عبد اللّه بدر الدين العجليّ، رأس الميمنة وكبير الأمراء الناصرية محمد بن قلاون بعد الأمير جمال الدين نائب الكرك، قدم إلى مصر في أوائل سنة أربع وسبعمائة بعد ما طلبه الملك الأشرف خليل بن قلاوون، ورغبه في الحضور إلى الديار المصرية، وكتب له منشورا باقطاع جيد، وجهزه إليه فلم يتفق حضوره إلا في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان مقامه بالقرب من آمد، فاكرمه وعظمه وأعطاه أمرة، ولم يزل مكرّما معظما، وفي آخر وقته بعد خروج الأمير أرغون النائب من مصر كان السلطان يبعث إليه الذهب مع الأمير بكتمر الساقي وغيره، ويقول له لا تبس الأرض على هذا، ولا تنزله في ديوانك، وكان أوّلا يجلس رأس الميمنة ثاني نائب الكرك، فلما سار نائب الكرك لنيابة طرابلس جلس الأمير جنكلي رأس الميمنة، وزوّج السلطان ابنه إبراهيم بن محمد بن قلاوون بابنة الأمير بدر الدين، وما زال معظما في كل دولة، بحيث أن الملك الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون كتب له عنه الأتابكي الوالدي

стр. 1148

البدري، وزادت وجاعته في أيامه إلى أن مات، يوم الاثنين سابع عشر ذي الحجة، سنة ست وأربعين وسبعمائة. وكان شكلا مليحا حليما، كثير المعروف والجود، عفيفا لا يستخدم مملوكا أمرد البتة، واقتصر من النساء على امرأته التي قدمت معه إلى مصر، ومنها أولاده، وكان يحب العلم وأهله ويطارح بمسائل علمية، ويعرف ربع العبادات، ويجيده ويتكلم على الخلاف فيه، ويميل إلى الشيخ تقيّ الدين أحمد بن تيمية، ويعادي من يعاديه، ويكرم أصحابه ويكتب كلامه، مع كثرة الإحسان إلى الناس بماله وجاهه، وكان ينتسب إلى إبراهيم بن أدهم، وهو من محاسن الدولة التركية ﵀. حكر الخازن: هذا المكان فيما بين بركة الفيل وخط الجامع الطولوني، كان من جملة البساتين ثم صار إصطبلا للجوق الذي فيه خيول المماليك السلطانية، فلما تسلطن الملك العادل كتبغا اخرج منه الخيول وعمله ميدانا يشرف على بركة الفيل، في سنة خمس وتسعين وستمائة، ونزل إليه ولعب فيه بالاكرة أيام سلطنته كلها إلى أن خلعه الملك المنصور لاجين، وقام في الملك من بعده، فأهمل أمره وعمر فيه الأمير علم الدين سنجر الخازن وإلى القاهرة بيتا، فعرف من حينئذ بحكر الخازن، وتبعه الناس في البناء هناك، وأنشأوا فيه الدور الجليلة، فصار من أجلّ الأخطاط وأعمرها، وأكثر من يسكن به الأمراء والمماليك. سنجر الخازن: الأمير علم الدين الأشرفيّ، أحد مماليك الملك المنصور قلاوون، وتنقل في أيام ابنه الملك الأشرف خليل، وصار أحد الخزان، فعرف بالخازن. ثم ولي شدّ الدواوين مع الصاحب أمين الدين، وانتقل منها إلى ولاية البهنسا، ثم إلى ولاية القاهرة، وشدّ الجهات. فباشر ذلك بعقل وسياسة وحسن خلق وقلة ظلم ومحبة للستر، وتغافل عن مساويء الناس، وإقالة عثرات ذوي الهيآت مع العصبية والمعرفة وكثرة المال وسعة الحال واقتناء الأملاك الكثيرة، ثم أنه صرف عن ولاية القاهرة بالأمير قدادار في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبعمائة، فوجد الناس من عزله بقدادار شدّة، وما زال بالقاهرة إلى أن مات ليلة السبت ثامن جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، فوجد له أربعة عشر ألف أردب غلة عتيقة وأموال كثيرة، وله من الآثار مسجد بناه فوق درب استجدّه بحكر الخازن، وخانقاه بالقرافة، دفن فيها عفا اللّه عنه. ربع البزادرة: هذا الربع تحت قلعة الجبل بسوق الخيل، عمر بعد سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وكان مكانه لا عمارة فيه، فبنى الأجناد بجواره عدّة مساكن واستجدّوا حكرين من جواره، فامتدّت العمائر إلى تربة شجر الدر حيث كان البستان المعروف بشجر الدر، وهناك الآن سكن الخلفاء، وامتدّت العمائر من تربة شجر الدر إلى المشهد النفيسيّ، ومرّوا من تجاه المشهد بالعمائر إلى أن اتصلت بعمائر مصر وباب القرافة. خط قناطر السباع: كان هذا الخط في أوّل الإسلام يعرف بالحمراء، نزل فيه طائفة

стр. 1149

تعرف ببني الأزرق وبني روبيل، ثم دئرت هذه الخطة وبقيت صحراء فيها ديارات وكنائس للنصارى تعرف بكنائس الحمراء، فلما زالت دولة بني أمية ودخل أصحاب بني العباس إلى مصر في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، نزلوا في هذه الخطة وعمروا بها فصارت تتصل بالعسكر، وقد تقدّم خبر العسكر في هذا الكتاب، فلما خرب العسكر وصار هذا المكان بساتين وغيرها إلى أن حفر الملك الناصر محمد بن قلاوون البركة الناصرية، وانشأ ميدان المهاري والزريبة والربعين بجوار الجامع الطيبرسيّ على شاطئ النيل؛ بنى الناس في حكر أقبغا واتصلت العمائر من خط السبع سقايات وخط قناطر السباع حتى اتصلت بالقاهرة ومصر والقرافة، وذلك كله من بعد سنة عشرين وسبعمائة. بئر الوطاويط: هذه البئر أنشأها الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن الفرات، المعروف بابن خترابه، لينقل منها الماء إلى السبع سقايات التي أنشأها وحبسها لجميع المسلمين، التي كانت بخط الحمراء، وكتب عليها بسم اللّه الرحم الرحيم، للّه الأمر من قبل ومن بعد، وله الشكر وله الحمد، ومنه المن على عبده جعفر بن الفضل بن جعفر بن الفرات، وما وفقه له من البناء لهذه البئر وجريانها إلى السبع سقايات، التي أنشأها وحبسها لجميع المسلمين، وحبسه وسبله وقفا مؤبدا لا يحل تغييره ولا العدول بشيء من مائه، ولا ينقل ولا يبطل ولا يساق إلاّ إلى حيث مجراه، إلى السقايات المسبلة، فمن بدّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدّلونه، إن اللّه سميع عليم. وذلك في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وصلى اللّه على نبيه محمد وآله وسلم، فلما طال الأمر خربت السقايات، وإلى اليوم، يعرف موضعها بخط السبع سقايات، وبنى فوق البئر المذكورة وتولد فيها كثرة من الوطاويط، فعرفت ببئر الوطاويط، ولما أكثر الناس من بناء الأماكن في أيام الناصر محمد بن قلاوون، عمر هذا المكان وعرف إلى اليوم بخط بئر الوطاويط، وهو خط عامر، فهذا ما في جهة الخليج مما خرج عن باب زويلة. وأما جهة الجبل فإنها كانت عند وضع القاهرة صحراء، وأوّل من أعلم أنه عمر خارج باب زويلة من هذه الجهة الصالح طلائع بن رزيك، فإنه أنشأ الجامع الذي يقال له جامع الصالح، ولم يكن بين هذا الجامع وبين هذا الشرف الذي عليه الآن قلعة الجبل بناء البتة، إلاّ أن هذا الموضع الآن عمل الناس فيه مقبرة، فيما بين جامع الصالح وبين هذا الشرف من حين بنيت الحارات خارج باب زويلة، فلما عمرت قلعة الجبل عمر الناس بهذه شيئا بعد شيء، وما برح من بنى هناك يجد عند الحفر رمم الأموات، وقد صارت هذه الجهة في الدولة التركية لا سيما بعد سنة ثلاث عشرة وسبعمائة من أعمر الأخطاط، وأنشأ فيها الأمراء الجوامع والدور الملوكية، وتحدّدت هناك عدّة أسواق، وصار الشارع خارج باب زويلة يفصل بين هذه الجهة وبين الجهة التي من حدّ الخليج، وكلتا هاتين الجهتين الآن عامرة، وفي جهة الجبل خط البسطيين، وخط الدرب الأحمر، وخط سوق الغنم، وخط جامع

стр. 1150

المارديني، وخط التبانة، وخط باب الوزير، وخط المصنع، وخط سويقة العزي، وخط مدرسة الجابي، وخط الرميلة، وخط القبيبات، وخط باب القرافة. ذكر خارج باب الفتوح اعلم أن خارج باب الفتوح إلى الخندق كان كله بساتين، وتمتدّ البساتين من الخندق بحافتي الخليج إلى عين شمس، فيقابل باب الفتوح من خارجه المنظرة المقدّم ذكرها عند ذكر المناظر التي كانت للخلفاء من هذا الكتاب، ويلي هذه المنظرة بستان كبير عرف بالبستان الجيوشيّ، أوّله من عند زقاق الكحل إلى المطرية، ويقابله في برّ الخليج الغربيّ بستان آخر يتوصل إليه من باب القنطرة، وينتهي إلى الخندق، وقد ذكر خبر هذين البستانين عند ذكر مناظر الخلفاء، وكان بين هذين البستانين بستان الخندق، وكان على حافة الخليج من شرقيه فيما بين زقاق الكحل وباب القنطرة، حيث المواضع التي تعرف اليوم ببركة جناق وبالكداسين إلى قريب من حارة بهاء الدين، حارة تعرف بحارة البيازرة، اختطت في نحو من سنة عشرين وخمسمائة، وكانت مناظرها تشرف على الخليج، وبجوارها بستان مختار الصقلبيّ، وعرف بعد ذلك ببستان ابن صيرم الذي حكر وبنيت فيه المساكن الكثيرة بعد ذلك، وكان أيضا خارج باب الفتوح حارة الحسينية، وهم الريحانية إحدى طوائف عسكر الخلفاء الفاطميين، وهذه الحارة اختطت بعد الشدّة العظمى التي كانت بمصر في خلافة المستنصر، فصارت على يمين من خرج من باب الفتوح إلى صحراء الهليلج، ويقابلها حارة أخرى تنتهي إلى بركة الأرمن التي عند الخندق، وتعرف اليوم ببركة قراجا، وقد ذكرت هذه الحارات عند ذكر حارات القاهرة وظواهرها من هذا الكتاب. ذكر الخندق هذا الموضع قرية خارج باب الفتوح كانت تعرف أوّلا بمنية الأصبغ، ثم لما اختط القائد جوهر القاهرة أمر المغاربة أن يحفروا خندقا من جهة الشام، من الجبل إلى الإبليز، عرضه عشرة أذرع في عمق مثلها، فبديء به يوم السبت حادي عشري شعبان سنة ستين وثلاثمائة، وفرغ في أيام يسيرة، وحفر خندقا آخر قدّامه وعمقه، ونصب عليه باب يدخل منه، وهو الباب الذي كان على ميدان البستان الذي للأخشيد، وقصد أن يقاتل القرامطة من وراء هذا الخندق، فقيل له من حينئذ الخندق، وخندق العبيد، والحفرة، ثم صار بستانا جليلا من جملة البساتين السلطانية في أيام الخلفاء الفاطميين، وأدركناها من منتزهات القاهرة البهجة إلى أن خربت. قال ابن عبد الحكم: وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد أقطع ابن سندر منية الأصبغ، فحاز لنفسه منها ألف فدّان، كما حدّثنا يحيى بن خالد عن الليث بن سعد

стр. 1151

﵁، ولم يبلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ أقطع أحدا من الناس شيئا من أرض مصر، إلاّ ابن سندر، فإنه أقطعه منية الأصبغ، فلم تزل له حتى مات، فاشتراها الأصبغ بن عبد العزيز من ورثته، فليس بمصر قطيعة أقدم منها ولا أفضل، وكان سبب إقطاع عمر ﵁ ما أقطعه من ذلك كما حدّثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيبة عن أبيه عن جدّه، أنه كان لزنباع بن روح الجذاميّ غلام يقال له سندر، فوجده يقبل جارية له، فجبه وجدع أنفه وأذنه، فأتى سندر رسول اللّه ﷺ ، فأرسل إلى زنباع فقال: «لا تحملوهم من العمل ما لا يطيقون، وأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، فإن رضيتم فامسكوا، وإن كرهتم فبيعوا ولا تعذبوا خلق اللّه، ومن مثّل به أو أحرق بالنار فهو حرّ، وهو مولى اللّه ورسوله، فأعتق سندر فقال: أوص بي يا رسول اللّه. قال رسول اللّه ﷺ : «أوصي بك كل مسلم» فلما توفي رسول اللّه ﷺ أتى سندر أبا بكر ﵁ فقال: احفظ فيّ وصية رسول اللّه ﷺ . فعاله أبو بكر ﵁ حتى توفي. ثم أتى عمر ﵁ فقال: احفظ في وصية رسول اللّه ﷺ ، فقال عمر ﵁: نعم إن رضيت أن تقيم عندي أجريت عليك ما كان يجرى عليك أبو بكر ﵁، وإلا فانظر أيّ موضع أكتب لك. فقال سندر: مصر، لأنها أرض ريف، فكتب له إلى عمرو بن العاص: احفظ فيه وصية رسول اللّه ﷺ . فلما قدم إلى عمرو ﵁، أقطع له أرضا واسعة ودارا، فجعل سندر يعيش فيها، فلما مات قبضت في مال اللّه تعالى. قال عمرو بن شعيب: ثم اقطعها عبد العزيز بن مروان الأصبغ بعد، فهي من خير أموالهم. قال: ويقال سندر وابن سندر، وقال ابن يونس مسروح بن سندر الخصيّ مولى زنباع بن روح بن سلامة الجذاميّ، يكنّى أبا الأسود، له صحبة قدم مصر بعد الفتح بكتاب عمر بن الخطاب ﵁ بالوصاة، فأقطع منية الأصبغ بن عبد العزيز. روى عنه أهل مصر حديثين، روى عنه مزيد بن عبد اللّه البرنيّ، وربيعة بن لقيط التجيبيّ، ويقال سندر الخصيّ، وابن سندر أثبت، توفي بمصر في أيام عبد العزيز بن مروان. ويقال كان مولاه وجده يقبّل جارية له فجبه وجدع أنفه وأذنيه، فأتى إلى رسول اللّه ﷺ فشكا ذلك إليه، فأرسل رسول اللّه ﷺ إلى زنباع فقال: لا تحملوهم يعني العبيد، ما لا يطيقون، وأطعموهم مما تأكلون. فذكر الحديث بطوله، وذكر عن عثمان بن سويد بن سندر، أنه أدرك مسروح بن سندر الذي جدعه زنباع بن روح، وكان جدّه لأمه، فقال: كان ربما تغدّى معي بموضع من قرية عثمان واسمها سمسم، وكان لابن سندر إلى جانبها قرية يقال لها قلون، قطيعة، وكان له مال كثير من رقيق وغير ذلك، وكان ذا دهاء منكرا جسيما، وعمر حتى أدرك زمان عبد الملك بن مروان، وكان لروح بن سلامة أبي زنباع، فورثه أهل التعدد بروح يوم مات، وقال القضاعيّ: مسروح بن سندر الخصيّ، ويكنى أبا الأسود، له صحبة، ويقال له سندر، ودخل مصر بعد الفتح سنة اثنتين وعشرين.

стр. 1152

وقال الكنديّ في كتاب الموالي، قال: أقبل عمرو بن العاص ﵁ يوما يسير وابن سندر معه، فكان ابن سندر ونفر معه يسيرون بين يدي عمرو بن العاص ﵁، وأثاروا الغبار، فجعل عمرو عمامته على طرف أنفه ثم قال: اتقوا الغبار فإنه أوشك شيء دخولا وأبعده خروجا، وإذا وقع على الرثة صار نسمة. فقال بعضهم لأولئك النفر تنحوا، ففعلوا إلاّ ابن سندر، فقيل له ألا تتنحى يا ابن سندر؟ فقال عمرو: دعوه فإن غبار الخصي لا يضرّ، فسمعها ابن سندر فغضب وقال: أما واللّه لو كنت من المؤمنين ما آذيتني. فقال عمرو: يغفر اللّه لك، أنا بحمد اللّه من المؤمنين. فقال ابن سندر: لقد علمت أني سألت رسول اللّه ﷺ أن يوصي بي فقال: أوصي بك كل مؤمن. وقال ابن يونس: اصبغ بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم يكنى أبا ريان، حكى عنه أبو حبرة عبد اللّه بن عباد المغافريّ، وعون بن عبد اللّه وغيره، توفي ليلة الجمعة لأربع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست وثمانين، قبل أبيه. وقال أبو الفجر عليّ بن الحسين الأصبهانيّ في كتاب الأغاني الكبير عن الرياشيّ أنه قال عن سكينة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵈، أن أبا عذرتها عبد اللّه بن الحسين بن عليّ، ثم خلفه عليها العثماني، ثم مصعب بن الزبير، ثم الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان. قال: وكان يتولى مصر، فكتبت إليه سكينة أنّ مصر أرض وخمة، فبنى لها مدينة تسمى بمدينة الأصبغ، وبلغ عبد الملك تزوّجه أباها، فنفس بها عليه وكتب إليه: اختصر مصرا وسكينة، فبعث إليه بطلاقها ولم يدخل بها، ومتعها بعشرين ألف دينار. قلت في هذا الخبر أوهام، منها أن الأصبغ لم يل مصر، وإنما كان مع أبيه عبد العزيز بن مروان، ومنها أنّ الذي بناه الأصبغ لسكينة، منية الأصبغ هذه وليست مدينة، ومنها أن الأصبغ لم يطلّق سكينة، وإنما مات عنها قبل أن يدخل عليها. وقال ابن زولاق في كتاب إتمام كتاب الكنديّ في أخبار أمراء مصر: وفي شوّال، يعني من سنة ستين وثلاثمائة كثر الأرجاف بوصول القرامطة إلى الشام، ورئيسهم الحسن بن محمد الأعسم، وفي هذا الوقت ورد الخبر بقتل جعفر بن فلاح، قتله القرامطة بدمشق، ولما قتل ملكت القرامطة دمشق وصاروا إلى الرملة، فانحاز معاذ بن حيان إلى يافا متحصنا بها، وفي هذا الوقت تأهب جوهر القائد لقتال القرامطة، وحفر خندقا وعمل عليه بابا، ونصب عليه بابي الحديد اللذين كانا على ميدان الإخشيد، وبنى القنطرة على الخليج، وحفر خندق السري بن الحكم وفرّق السلاح على رجال المغاربة والمصريين، ووكل بأبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات خادما يبيت معه في داره ويركب معه حيث كان، وأنفذ إلى ناحية الحجاز فتعرّف خبر القرامطة، وفي ذي الحجة كبس القرامط القلزم وأخذوا واليها، ثم دخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وفي المحرّم بلغت القرامطة عين شمس، فاستعدّ جوهر للقتال لشعر بقين من صفر، وغلق أبواب الطابية وضبط الداخل والخارج، وأمر الناس بالخروج إليه وأن يخرج الأشراف كلهم، فخرج إليه أبو جعفر مسلم

стр. 1153

وغيره بالمضارب، وفي مستهلّ ربيع الأول التحم القتال مع القرامطة على باب القاهرة، وكان يوم جمعة، فقتل من الفريقين جماعة وأسر جماعة وأصبحوا يوم السبت متكافئين، ثم غدوا يوم الأحد للقتال وسار الحسن الأعسم بجميع عساكره ومشى للقتال على الخندق والباب مغلق، فلما زالت الشمس فتح جوهر الباب واقتتلوا قتالا شديدا، وقتل خلق كثير، ثم ولى الأعسم منهزما ولم يتبعه القائد جوهر ونهب سواد الأعسم بالجب، ووجدت صناديقه وكتبه، وانصرف في الليل على طريق القلزم، ونهب بنو عقيل وبنو طيّ كثيرا من سواده. وهو مشغول بالقتال، وكان جميع ما جرى على القرمطي بتدبير جوهر وجوائز انفذها، ولو أراد أخذ الأعسم في انهزامه لأخذه، ولكن الليل حجز فكره جوهر اتباعه خوفا من الحيلة والمكيدة، وحضر القتال خلق من رعية مصر وأمر جوهر بالنداء في المدينة، من جاء بالقرمطيّ أو برأسه فله ثلاثمائة ألف درهم، وخمسون خلعة، وخمسون سرجا محلى على دوابها، وثلاث جوائز، ومدح بعضهم القائد جوهرا بأبيات منها: كأنّ طراز النصر فوق جبينه … يلوح وأرواح الورى بيمينه ولم يتفق على القرامطة منذ ابتداء أمرهم كسرة أقبح من هذه الكسرة، ومنها فارقهم من كان قد اجتمع إليهم من الكافورية والإخشيدية، فقبض جوهر على نحو الألف منهم وسجنهم مقيدين. وقال ابن زولاق في كتاب سيرة الإمام المعز لدين اللّه، ومن خطّه نقلت، وفي هذا الشهر يعني المحرّم، سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، تبسطت المغاربة في نواحي القرافة والمغاير وما قابرها، فنزلوا في الدور وأخرجوا الناس من دورهم، ونقلوا السكان وشرعوا في السكنى في المدينة، وكان المعز قد أمرهم أن يسكنوا أطراف المدينة، فخرج الناس واستغاثوا بالمعز، فأمرهم أن يسكنوا نواحي عين شمس، وركب المعز بنفسه حتى شاهد المواضع التي ينزلون فيها، وأمر لهم بمال يبنون به، وهو الموضع الذي يعرف اليوم بالخندق والحفرة وخندق العبيد، وجعل لهم واليا وقاضيا، ثم سكن أكثرهم بالمدينة مخالطين لأهل مصر، ولم يكن القائد جوهر يبيحهم سكنى المدينة ولا المبيت بها، وحظر ذلك عليهم، وكان مناديه ينادي كل عشية لا يبيتن أحد في المدينة من المغاربة. وقال ياقوت: منية الأصبغ تنسب إلى الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان، ولا يعرف اليوم بمصر موضع يعرف بهذا الاسم، وزعموا أنها القرية المعروفة بالخندق قريبا من شرقيّ القاهرة. وقال ابن عبد الظاهر: الخندق هو منية الأصبغ، وهو الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان. قال مؤلفه ﵀: وقد وهم ابن عبد الظاهر فجعل أن الخندق احتفره العزيز بالله، وإنما احتفره جوهر كما تقدّم، وأدركت الخندق قرية لطيفة يبرز الناس من القاهرة إليها ليتنزهوا بها في أيام النيل والربيع، ويسكنها طائفة كبيرة، وفيها بساتين عامرة بالنخيل

стр. 1154

الفخر والثمار، وبها سوق وجامع تقام به الجمعة، وعليه قطعة أرض من أرض الخندق يتولاها خطيبة، فلما كانت الحوادث والمحن من سنة ست وثنمانمائة، خربت قرية الخندق ورحل أهلها منها ونقلت الخطبة من جامعة إلى جامع بالحسينية، وبقى معطلا من ذكر اللّه تعالى وإقامة الصلاة مدّة، ثم في شعبان سنة خمس عشرة وثمانمائة، هدمه الأمير طوغان الدوادار وأخذ عمده وخشبه، فلم يبق إلا بقية أطلاله، وكانت قرية الخندق كأنها م حسنها ضرّة لكوم الريش، وكانت تجاهها من شرقيها فخربتا جميعا. صحراء الإهليلج: هذه البقعة شرقيّ الخندق في الرمل، وإليها كانت تنتهي عمارة الحسينية من جهة باب الفتوح، وكان بها شجر الإهليلج الهنديّ، فعرفت بذلك، وأظن أن هذا الإهليلج كان من جملة بستان ريدان الذي يعرف اليوم موضعه بالريدانية. ذكر خارج باب النصر أما خارج القاهرة من جهة باب النصر، فإنه عند ما وضع القائد جوهر القاهرة، كان فضاء ليس فيه سوى مصلّى العيد الذي بناه جوهر، وهذا المصلّى اليوم يصلّى على من مات فيه، وما برح ما بين هذا المصلى وبستان ريدان الذي يعرف اليوم بالريدانية لا عمارة فيه، إلى أن مات أمير الجيوش بدر الجماليّ في سنة سبع وثمانين وأربعمائة، فدفن خارج باب النصر بحريّ المصلى، وبني على قبره تربة جليلة، وهي باقية إلى اليوم هناك، فتتابع بناء الترب من حينئذ خارج باب النصر، فيما بين التربة الجيوشية والريدانية، وقبر الناس موتاهم هناك لا سيما أهل الحارات التي عرفت خارج باب الفتوح بالحسينية، وهي الريدانية، وحارة البزادرة وغيرها، ولم تزل هذه الجهة مقبرة إلى ما بعد السبعمائة بمدّة، فرغب الأمير سيف الدين الحاج آل ملك في البناء هناك، وأنشأ الجامع المعروف به في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وعمر دارا وحمّاما، فاقتدى الناس به وعمروا هناك، وكان قد بنى تجاه المصلى قبل ذلك الأمير سيف الدين كهرداس المنصوري دارا تعرف اليوم بدار الحاجب، فسكن في هذه الجهة أمراء الدولة وعملوا فيما بين الريدانية والخندق مناخات الجمال، وهي باقية هناك، فصارت هذه الجهة في غاية العمارة، وفيها من باب النصر إلى الريدانية سبعة أسواق جليلة، يشتمل كل سوق منها على عدّة حوانيت كثيرة، فمنها: سوق اللفت، وهو تجاه باب بيت الحاجب الآن، عند البئر، كان فيه من جانبيه حوانيت يباع فيها اللفت، ومن هذا السوق يشتري أهل القاهرة هذا الصنف والكرنب، وتعرف هذه البئر إلى اليوم ببئر اللفت، ويليها سويقة زاوية الخدّام، وأدركت بهذه السويقة بقية صالحة، ويلي ذلك سوق جامع آل ملك، وكان سوقا عامرا فيه غالب ما يحتاج إليه من المآكل والأدوية والفواكه والخضر وغيرها، وأدركته عامرا. ويليه سويقة السنابطة، عرفت بقوم من أهل ناحية سنباط سكنوا بها، وكانت سوقا كبيرا، وأدركته عامرا. ويليها سويقة أبي ظهير، وأدركتها عامرة، ويليها سويقة

стр. 1155

العرب، وكانت تتصل بالريدانية، وتشتمل على حوانيت كثيرة جدّا أدركتها عامرة، وليس فيها سكان، وكانت كلها من لبن معقود عقودا، وكان بأوّل سويقة العرب هذه فرن أدركته عامرا آهلا، بلغني أنه كان يخبز فيه أيام عمارة هذا السوق وما حوله كل يوم نحو السبعة آلاف رغيف، وكان من وراء هذا السوق أحواش فيها قباب معقودة من لبن، أدركتها قائمة وليس فيها سكان، وكان من جملة هذه الأحواش حوش فيه أربعمائة قبة يسكن فيها البزادرة والمكارية، أجرة كل قبة در همان في كل شهر، فيتحصل من هذا الحوش في كل شهر مبلغ ثمانمائة درهم فضة، وكان يعرف بحوش الأحمديّ. فلما كان الغلاء في زمن الملك الأشرف شعبان بن حسين سنة سبع وسبعين وسبعمائة، خرب كثير مما كان بالقرب من الريدانية، واختلّت أحوال هذه الجهة إلى أن كانت المحن من سنة ست وثمانمائة، فتلاشت وهدمت دورها وبيعت أنقاضها، وفيها بقية آئلة إلى الدثور. الريدانية كانت بستانا لريدان الصقلبيّ، أحد خدّام العزيز بالله نزار بن المعز، كان يحمل المظلة على رأس الخليفة، واختص بالحاكم، ثم قتله في يوم الثلاثاء لعشر بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وريدان إن كان اسما عربيا، فإنه من قولهم ريح ريدة، ورادة، وريدانة، أي لينة الهبوب، وقيل ريح ريدة كثيرة الهبوب. ذكر الخلجان التي بظاهر القاهرة اعلم أن الخليج جمعه خلجان، وهو نهر صغير يختلج من نهر كبير أو من بحر، وأصل الخلج الانتزاع. خلجت الشيء من الشيء إذا انتزعته، وبأرض مصر عدّة خلجان، منها بظاهر القاهرة خليج مصر، وخليج فم الخور، وخليج الذكر، والخليج الناصريّ، وخليج قنطرة الفخر، وسترى من أخبارها ما فيه كفاية إن شاء اللّه تعالى. ذكر خليج مصر هذا الخليج بظاهر مدينة فسطاط مصر، ويمرّ من غربيّ القاهرة، وهو خليج قديم احتفره بعض قدماء ملوك مصر، بسبب هاجر أم إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات اللّه وسلامه عليهما، حين أسكنها وابنها إسماعيل خليل اللّه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام بمكة، ثم تمادت الدهور والأعوام فجدّد حفره ثانيا بعض من ملك مصر من ملوك الروم بعد الإسكندر، فلما جاء اللّه سبحانه بالإسلام، وله الحمد والمنة، وفتحت أرض مصر على يد عمرو بن العاص، جدّد حفره بإشارة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، في عام الرمادة، وكان يصب في بحر القلزم فتسير فيه السفن إلى البحر الملح، وتمرّ في البحر إلى الحجاز واليمن والهند، ولم يزل على ذلك إلى أن قام محمد بن عبد اللّه بن

стр. 1156

حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب بالمدينة النبوية، والخليفة حينئذ بالعراق أبو جعفر عبد اللّه بن محمد المنصور، فكتب إلى عامله على مصر يأمره بطمّ خليج القلزم حتى لا تحمل الميرة من مصر إلى المدينة، فطمّه وانقطع من حينئذ اتصاله ببحر القلزم وصار على ما هو عليه الآن، وكان هذا الخليج أوّلا يعرف بخليج مصر، فلما أنشأ جوهر القائد القاهرة بجانب هذا الخليج من شرقيه، صار يعرف بخليج القاهرة، وكان يقال له أيضا خليج أمير المؤمنين، يعني عمر بن الخطاب ﵁، لأنه الذي أشار بتجديد حفره، والآن تسميه العامة بالخليج الحاكميّ، وتزعم أن الحاكم بأمر اللّه أبا عليّ منصورا احتفره، وليس هذا بصحيح. فقد كان هذا الخليج قبل الحاكم بمدد متطاولة، ومن العامة من يسميه خليج اللؤلؤة أيضا. وسأقص عليك من أخبار هذا الخليج ما وقفت عليه من الأنباء. قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه في أخبار طيطوس بن ماليا بن كلكن بن خربتا بن ماليق بن تدراس بن صابن مرقونس بن صابن قبطيم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح، وجلس على سرير الملك بعد أبيه ماليا، وكان جبارا جريئا شديد البأس مهابا، فدخل عليه الأشراف وهنوه ودعوا له، فأمرهم بالإقبال على مصالحهم وما يعنيهم، ووعدهم بالإحسان، والقبط تزعم أنه أوّل الفراعنة بمصر، وهو فرعون إبراهيم ﵇، وأن الفراعنة سبعة هو أوّلهم، وأنه استخف بأمر الهياكل والكهنة، وكان من خبر إبراهيم ﵇ معه، أن إبراهيم لما فارق قومه أشفق من المقام بالشام، لئلا يتبعه قومه ويردّوه إلى النمرود، لأنه كان من أهل كونا من سواد العراق، فخرج إلى مصر ومعه سارّة امرأته وترك لوطا بالشام. وسار إلى مصر، وكانت سارّة أحسن نساء وقتها، ويقال أنّ يوسف ﵇ ورث جزأ من جمالها، فلما سار إلى مصر، رأى الحرس المقيمون على أبواب المدينة سارة، فعجبوا من حسنها، ورفعوا خبرها إلى طيطوس الملك وقالوا: دخل إلى البلد رجل من أهل الشرق معه امرأة لم ير أحسن منها ولا أجمل. فوجّه الملك إلى وزيره فأحضر إبراهيم صلوات اللّه عليه وسأله عن بلده، فأخبره. وقال: ما هذه المرأة منك؟ فقال أختي. فعرّف الملك بذلك فقال: مره أن يجئني بالمرأة حتى أراها. فعرّفه ذلك، فامتغص منه ولم تمكنه مخالفته، وعلم أن اللّه تعالى لا يسوؤه في أهله، فقال لسارة: قومي إلى الملك، فإنه قد طلبك مني. قالت: وما يصنع بي الملك وما رآني قبل قال: أرجو أن يكون لخير. فقامت معه حتى أتوا قصر الملك، فأدخلت عليه، فنظر منها منظرا راعه وفتنته، فأمر بإخراج إبراهيم ﵇ فأخرج، وندم على قوله إنها أخته، وإنما أراد أنها أخته في الدين، ووقع في قلب إبراهيم ﵇ ما يقع في قلب الرجل على أهله، وتمنى أنه لم يدخل مصر فقال: اللهم لا تفضح نبيك في أهله. فراودها

стр. 1157

الملك عن نفسها فامتنعت عليه، فذهب ليمدّ يده إليها فقالت: إنك إن وضعت يدك عليّ أهلكت نفسك، لأنّ لي ربا يمنعني منك. فلم يلتفت إلى قولها ومدّ يده إليها، فجفت يده وبقي حائرا. فقال لها: أزيلي عني ما قد أصابني. فقالت: على أن لا تعاود مثل ما أتيت. قال: نعم. فدعت اللّه فزال عنه ورجعت يده إلى حالها. فلما وثق بالصحة راودها ومناها ووعدها بالإحسان، فامتنعت وقالت: قد عرفت ما جرى. ثم مدّ يده إليها فجفت وضربت عليه أعضاؤه وعصبه، فاستغاث بها وأقسم بالآلهة أنها إن أزالت عنه ذلك فإنه لا يعاودها. فسألت اللّه تعالى، فزال عنه ذلك ورجع إلى حاله فقال: إنّ لك لربا عظيما لا يضيعك، فأعظم قدرها وسألها عن إبراهيم فقالت: هو قريبي وزوجي. قال: فإنه قد ذكر أنك أخته. قالت: صدق، أنا أخته في الدين، وكل من كان على ديننا فهو أخ لنا. قال: نعم الدين دينكم. ووجه إلى ابنته جوريا، وكانت من الكمال والعقل بمكان كبير، فألقى اللّه تعالى محبة سارة في قلبها، فكانت تعظمها وأضافتها أحسن ضيافة، ووهبت لها جوهرا ومالا. فأتت به إبراهيم ﵇ فقال لها: ردّيه فلا حاجة لنا به. فردّته، وذكرت ذلك جوريا لأبيها. فعجب منهما وقال: هذا كريم من أهل بيت الطهارة، فتحيلي في برّها بكل حيلة، فوهبت لها جارية قبطية من أحسن الجواري يقال لها آجر، وهي هاجر أم إسماعيل ﵇، وجعلت لها سلالا من الجلود، وجعلت فيها زاد وحلوى وقالت: يكون هذا الزاد معك، وجعلت تحت الحلوى جوهرا نفيسا وحليا مكللا. فقالت سارة: أشاور صاحبي. فأتت إبراهيم ﵇ واستأذنته فقال: إذا كان مأكولا فخذيه. فقبلته منها. وخرج إبراهيم، فلما مضى وأمعنوا في السير، أخرجت سارة بعض تلك السلال فأصابت الجوهر والحلي، فعرّفت إبراهيم ﵇ ذلك، فباع بعضه وحفر من ثمنه البئر التي جعلها للسبيل، وفرّق بعضه في وجوه البرّ، وكان يضيف كل من مرّ به، وعاش طيطوس إلى أو وجهت هاجر من مكة تعرّفه أنها بمكان جدب وتستغيثه، فأمر بحفر نهر في شرقيّ مصر بسفح الجبل حتى ينتهي إلى مرقى السفن في البحر الملح، فكان يحمل إليها الحنطة وأصناف الغلات، فتصل إلى جدّة وتحمل من هناك على المطايا، فأحيا بلد الحجاز مدّة، ويقال إنما حلّيت الكعبة في ذلك العصر مما أهداه ملك مصر، وقيل أنه لكثرة ما كان يحمله طوطيس إلى الحجاز سمته العرب وجرهم الصادوق، ويقال أنه سأل إبراهيم ﵇ أن يبارك له في بلده فدعا بالبركة لمصر، وعرّفه أن ولده سيملكها ويصير أمرها إليهم قرنا بعد قرن. وطوطيس أوّل فرعون كان بمصر، وذلك أنه أكثر من القتل حتى قتل قراباته وأهل بيته وبني عمه وخدمه ونساءه، وكثيرا من الكهنة والحكماء، وكان حريصا على الولد فلم يرزق

стр. 1158

ولدا غير ابنته جوريا، أو جورياق، وكانت حكيمة عاقلة تأخذ على يده كثيرا وتمنعه من سفك الدماء، فأبغضته ابنته وأبغضه جميع الخاصة والعامة، فلما رأت أمره يزيد خافت على ذهاب ملكهم فسمته وهلك، وكان ملكه سبعين سنة، واختلفوا فيمن يملك بعده، وأرادوا أن يقيموا واحدا من ولد اتريب، فقال بعض الوزراء ودعا لجورياق، فتمّ لها الأمر وملكت. فهذا كان أوّل أمر هذا الخليج. ثم حفره مرّة ثانية أدريان قيصر، أحد ملوك الروم، ومن الناس من يسميه أندرويانوس، ومنهم من يقول هوريانوس، قال في تاريخ مدينة رومة، وولي الملك أدريان قيصر أحد ملوك الروم، وكانت ولايته إحدى وعشرين سنة، وهو الذي درس اليهود مرّة ثانية إذ كانوا راموا النفاق عليه، وهو الذي جدّد مدينة يروشالم، يعني مدينة القدس، وأمر بتبديل اسمها وأن تسمى إيليا. وقال علماء أهل الكتاب عن أدريان هذا: وغزا القدس وأخربه في الثانية من ملكه، وكان ملكه في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة من سني الإسكندر، وقتل عامة أهل القدس، وبنى على باب مدينة القدس منارا وكتب عليه: هذه مدينة إيليا، ويسمى موضع هذا العمود الآن محراب داود. ثم سار من القدس إلى باب فحارب ملكها وهزمه وعاد إلى مصر، فحفر خليجا من النيل إلى بحر القلزم، وسارت فيه السفن وبقي رسمه عند الفتح الإسلاميّ، فحفره عمرو بن العاص، وأصاب أهل مصر منه شدائد وألزمهم بعبادة الأصنام، ثم عاد إلى بلاده بممالك الروم فابتلى بمرض أعيى الأطباء، فخرج يسير في البلاد يبتغي من يداويه، فمرّ على بيت المقدس وكان خرابا ليس فيه غير كنيسة للنصارى، فأمر ببناء المدينة وحصنها وأعاد إليها اليهود، فأقاموا بها وملّكوا عليهم رجلا منهم. فبلغ ذلك أدريان قيصر فبعث إليهم جيشا لم يزل يحاصرهم حتى مات اكثرهم جوعا وعطشا وأخذها عنوة، فقتل من اليهود ما لا يحصى كثرة، وأخرب المدينة حتى صارت تلالا عامرة فيها البتة، وتتبع اليهود يريد أن لا يدع منهم على وجه الأرض أحدا، ثم أمر طائفة من اليونانيين فتحوّلوا إلى مدينة القدس وسكنوا فيها، فكان بين خراب القدس الخراب الثاني على يد طيطوس وبين هذا الخراب ثلاث وخمسون سنة، فعمرت القدس باليونان، ولم يزل قيصر هذا ملكا حتى مات، فهذا خبر حفر هذا الخليج في المرّة الثانية، فلما جاء الإسلام جدّد عمرو بن العاص حفره. قال ابن عبد الحكم ذكر حفر خليج أمير المؤمنين ﵁: حدّثنا عبد اللّه بن صالح عن الليث بن سعد قال: إنّ الناس بالمدينة أصابهم جهد شديد في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في سنة الرمادة، فكتب ﵁ إلى عمرو بن العاص وهو بمصر، من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين، إلى العاصي ابن العاصي سلام. أما بعد: فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ومن معك، أن أهلك أنا ومن معي، فيا غوثاه

стр. 1159

ثم يا غوثاه يردّد ذلك. فكتب إليه عمرو: من عبد اللّه عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنين، أما بعد: فيا لبيك ثم يا لبيك، قد بعثت إليك بعير أوّلها عندك وآخرها عندي، والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته. فبعث إليه بعير عظيمة، فكان أوّلها بالمدينة وآخرها بمصر يتبع بعضها بعضا. فلما قدمت على عمر ﵁، وسّع بها على الناس، ودفع إلى أهل كل بيت بالمدينة وما حولها بعيرا بما عليه من الطعام، وبعث عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوّام وسعد بن أبي وقاص يقسّمونها على الناس، فدفعوا إلى أهل كل بيت بعيرا بما عليه من الطعام، ليأكلوا الطعام، ويأتدموا بلحمه، ويحتذوا بجلده، وينتفعوا بالوعاء الذي كان فيه الطعام فيما أرادوا من لحاف أو غيره. فوسّع اللّه بذلك على الناس، فلما رأى ذلك عمر ﵁، حمد اللّه وكتب إلى عمرو بن العاص أن يقدم عليه هو وجماعة من أهل مصر معه، فقدموا عليه. فقال عمر: يا عمرو، إنّ اللّه قد فتح على المسلمين مصر، وهي كثيرة الخير والطعام، وقد ألقى في روعي لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين والتوسعة عليهم حين فتح اللّه عليهم مصر، وجعلها قوّة لهم ولجميع المسلمين، أن أحفر خليجا من نيلها حتى يسيل في البحر، فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة، فإن حمله الطهر يبعد، ولا نبلغ به ما نريد، فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم، فانطلق عمرو فأخبر من كان معه من أهل مصر، فثقل ذلك عليهم وقالوا: نتخوف أن يدخل من هذا ضرر على مصر، فنرى أن تعظّم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له: إنّ هذا أمر لا يعتدل ولا يكون ولا نجد إليه سبيلا. فرجع عمرو بذلك إلى عمر فضحك عمر ﵁ حين رآه وقال: والذي نفسي بيده لكأني أنظر إليك يا عمرو وإلى أصحابك حين أخبرتهم بما أمرنا به من حفر الخليج، فثقل ذلك عليهم وقالوا يدخل من هذا ضرر على أهل مصر، فنرى أن تعظّم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له، إنّ هذا أمر لا يعتدل ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلا. فعجب عمرو من قول عمرو قال: صدقت واللّه يا أمير المؤمنين، لقد كان الأمر على ما ذكرت. فقال له عمر ﵁: انطلق بعزيمة مني حتى تجدّ في ذلك، ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه إن شاء اللّه تعالى. فانصرف عمرو وجمع لذلك من الفعلة ما بلغ منه ما أراد، ثم احتفر الخليج في حاشية الفسطاط الذي يقال له خليج أمير المؤمنين، فساقه من النيل إلى القلزم، فلم يأت الحول حتى جرت فيه السفن، فحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكة، فنفع اللّه بذلك أهل الحرمين، وسمي خليج أمير المؤمنين، ثم لم يزل يحمل فيه الطعام حتى حمل فيه بعد عمر بن عبد العزيز، ثم ضيعه الولاة بعد ذلك فترك وغلب عليه الرمل فانقطع، فصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية بطحاء القلزم.

стр. 1160

قال: ويقال إنّ عمر ﵁ قال لعمرو حين قدم عليه: يا عمرو إنّ العرب قد تشاءمت بي وكادت أن تغلب علي رحلي، وقد عرفت الذي أصابها، وليس جند من الأجناد أرجى عندي أن يغيث اللّه بهم أهل الحجاز من جندك، فإن استطعت أن تحتال لهم حيلة حتى يغيثهم اللّه تعالى. فقال عمرو: ما شئت يا أمير المؤمنين، قد عرفت أنه كانت تأتينا سفن فيها تجار من أهل مصر قبل الإسلام، فلما فتحنا مصر انقطع ذلك الخليج واستدّ وتركه التجار، فإن شئت أن نحفره فننشيء فيه سفنا يحمل فيها الطعام إلى الحجاز فعلته. فقال عمر ﵁: نعم فافعل. فلما خرج عمرو من عند عمر بن الخطاب ﵁، ذكر ذلك لرؤساء أهل أرضه من قبط مصر فقالوا له: ما ذا جئت به، أصلح اللّه الأمير، تريد أن تخرج طعام أرضك وخصبها إلى الحجاز وتخرب هذه، فإن استطعت فاستقل من ذلك. فلما ودّع عمر ﵁ قال له: يا عمرو انظر إلى ذلك الخليج ولا تنسين حفره. فقال له: يا أمير المؤمنين إنه قد انسدّ، وتدخل فيه نفقات عظيمة. فقال له: أمّا والذي نفسي بيده إني لأظنك حين خرجت من عندي حدّثت بذلك أهل أرضك فعظموه عليك وكرهوا ذلك، أعزم عليك إلاّ ما حفرته وجعلت فيه سفنا. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين إنه متى ما يجد أهل الحجاز طعام مصر وخصبها مع صحة الحجاز لا يخفوا إلى الجهاد. قال: فإني سأجعل من ذلك أمرا، لا يحمل في هذا البحر إلاّ رزق أهل المدينة وأهل مكة. فحفره عمرو وعالجه وجعل فيه السفن. قال: ويقال أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عمرو بن العاص: إلى العاصي ابن العاصي، فإنك لعمري لا تبالي إذا سمنت أنت ومن معك أن أعجف أنا ومن معي، فيا غوثاه ويا غوثاه. فكتب إليه عمرو: أما بعد فيا لبيك ثم يا لبيك، أتتك عير أوّلها عندك وآخرها عندي، مع أني أرجو أن أجد السبيل إلى أن أحمل إليك في البحر، ثم إن عمرا ندم على كتابه في الحمل إلى المدينة في البحر. وقال: إن أمكنت عمر من هذا خرّب مصر ونقلها إلى المدينة. فكتب إليه: إني نظرت في أمر البحر فإذا هو عسر ولا يلتأم ولا يستطاع. فكتب إليه عمر ﵁: إلى العاصي ابن العاصي، قد بلغني كتابك، تعتلّ في الذي كنت كتبت إليّ به من أمر البحر، وأيم اللّه لتفعلنّ أو لأقلعن بأذنك ولأبعثن من يفعل ذلك. فعرف عمرو أنه الجدّ من عمر ﵁، ففعل. فبعث إليه عمر ﵁ أن لا ندع بمصر شيئا من طعامها وكسوتها وبصلها وعدسها وخلها إلاّ بعثت إلينا منه. قال: ويقال إن الذي دل عمرو بن العاص على الخليج رجل من القبط، فقال لعمرو: أرأيت إن دللتك على مكان تجري فيه السفن حتى تنتهي إلى مكة والمدينة، أتضع عني الجزية وعن أهل بيتي؟ فقال: نعم. فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁. فكتب إليه أن أفعل، فلما قدمت السفن خرج عمر ﵁ حاجا أو معتمرا فقال للناس:
следующие страницы →