← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11566

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - ط العلمية

المقريزي

Полный текст (1 785 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب بالمدينة النبوية، والخليفة حينئذ بالعراق أبو جعفر عبد اللّه بن محمد المنصور، فكتب إلى عامله على مصر يأمره بطمّ خليج القلزم حتى لا تحمل الميرة من مصر إلى المدينة، فطمّه وانقطع من حينئذ اتصاله ببحر القلزم وصار على ما هو عليه الآن، وكان هذا الخليج أوّلا يعرف بخليج مصر، فلما أنشأ جوهر القائد القاهرة بجانب هذا الخليج من شرقيه، صار يعرف بخليج القاهرة، وكان يقال له أيضا خليج أمير المؤمنين، يعني عمر بن الخطاب ﵁، لأنه الذي أشار بتجديد حفره، والآن تسميه العامة بالخليج الحاكميّ، وتزعم أن الحاكم بأمر اللّه أبا عليّ منصورا احتفره، وليس هذا بصحيح. فقد كان هذا الخليج قبل الحاكم بمدد متطاولة، ومن العامة من يسميه خليج اللؤلؤة أيضا. وسأقص عليك من أخبار هذا الخليج ما وقفت عليه من الأنباء. قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه في أخبار طيطوس بن ماليا بن كلكن بن خربتا بن ماليق بن تدراس بن صابن مرقونس بن صابن قبطيم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح، وجلس على سرير الملك بعد أبيه ماليا، وكان جبارا جريئا شديد البأس مهابا، فدخل عليه الأشراف وهنوه ودعوا له، فأمرهم بالإقبال على مصالحهم وما يعنيهم، ووعدهم بالإحسان، والقبط تزعم أنه أوّل الفراعنة بمصر، وهو فرعون إبراهيم ﵇، وأن الفراعنة سبعة هو أوّلهم، وأنه استخف بأمر الهياكل والكهنة، وكان من خبر إبراهيم ﵇ معه، أن إبراهيم لما فارق قومه أشفق من المقام بالشام، لئلا يتبعه قومه ويردّوه إلى النمرود، لأنه كان من أهل كونا من سواد العراق، فخرج إلى مصر ومعه سارّة امرأته وترك لوطا بالشام. وسار إلى مصر، وكانت سارّة أحسن نساء وقتها، ويقال أنّ يوسف ﵇ ورث جزأ من جمالها، فلما سار إلى مصر، رأى الحرس المقيمون على أبواب المدينة سارة، فعجبوا من حسنها، ورفعوا خبرها إلى طيطوس الملك وقالوا: دخل إلى البلد رجل من أهل الشرق معه امرأة لم ير أحسن منها ولا أجمل. فوجّه الملك إلى وزيره فأحضر إبراهيم صلوات اللّه عليه وسأله عن بلده، فأخبره. وقال: ما هذه المرأة منك؟ فقال أختي. فعرّف الملك بذلك فقال: مره أن يجئني بالمرأة حتى أراها. فعرّفه ذلك، فامتغص منه ولم تمكنه مخالفته، وعلم أن اللّه تعالى لا يسوؤه في أهله، فقال لسارة: قومي إلى الملك، فإنه قد طلبك مني. قالت: وما يصنع بي الملك وما رآني قبل قال: أرجو أن يكون لخير. فقامت معه حتى أتوا قصر الملك، فأدخلت عليه، فنظر منها منظرا راعه وفتنته، فأمر بإخراج إبراهيم ﵇ فأخرج، وندم على قوله إنها أخته، وإنما أراد أنها أخته في الدين، ووقع في قلب إبراهيم ﵇ ما يقع في قلب الرجل على أهله، وتمنى أنه لم يدخل مصر فقال: اللهم لا تفضح نبيك في أهله. فراودها

стр. 1157

الملك عن نفسها فامتنعت عليه، فذهب ليمدّ يده إليها فقالت: إنك إن وضعت يدك عليّ أهلكت نفسك، لأنّ لي ربا يمنعني منك. فلم يلتفت إلى قولها ومدّ يده إليها، فجفت يده وبقي حائرا. فقال لها: أزيلي عني ما قد أصابني. فقالت: على أن لا تعاود مثل ما أتيت. قال: نعم. فدعت اللّه فزال عنه ورجعت يده إلى حالها. فلما وثق بالصحة راودها ومناها ووعدها بالإحسان، فامتنعت وقالت: قد عرفت ما جرى. ثم مدّ يده إليها فجفت وضربت عليه أعضاؤه وعصبه، فاستغاث بها وأقسم بالآلهة أنها إن أزالت عنه ذلك فإنه لا يعاودها. فسألت اللّه تعالى، فزال عنه ذلك ورجع إلى حاله فقال: إنّ لك لربا عظيما لا يضيعك، فأعظم قدرها وسألها عن إبراهيم فقالت: هو قريبي وزوجي. قال: فإنه قد ذكر أنك أخته. قالت: صدق، أنا أخته في الدين، وكل من كان على ديننا فهو أخ لنا. قال: نعم الدين دينكم. ووجه إلى ابنته جوريا، وكانت من الكمال والعقل بمكان كبير، فألقى اللّه تعالى محبة سارة في قلبها، فكانت تعظمها وأضافتها أحسن ضيافة، ووهبت لها جوهرا ومالا. فأتت به إبراهيم ﵇ فقال لها: ردّيه فلا حاجة لنا به. فردّته، وذكرت ذلك جوريا لأبيها. فعجب منهما وقال: هذا كريم من أهل بيت الطهارة، فتحيلي في برّها بكل حيلة، فوهبت لها جارية قبطية من أحسن الجواري يقال لها آجر، وهي هاجر أم إسماعيل ﵇، وجعلت لها سلالا من الجلود، وجعلت فيها زاد وحلوى وقالت: يكون هذا الزاد معك، وجعلت تحت الحلوى جوهرا نفيسا وحليا مكللا. فقالت سارة: أشاور صاحبي. فأتت إبراهيم ﵇ واستأذنته فقال: إذا كان مأكولا فخذيه. فقبلته منها. وخرج إبراهيم، فلما مضى وأمعنوا في السير، أخرجت سارة بعض تلك السلال فأصابت الجوهر والحلي، فعرّفت إبراهيم ﵇ ذلك، فباع بعضه وحفر من ثمنه البئر التي جعلها للسبيل، وفرّق بعضه في وجوه البرّ، وكان يضيف كل من مرّ به، وعاش طيطوس إلى أو وجهت هاجر من مكة تعرّفه أنها بمكان جدب وتستغيثه، فأمر بحفر نهر في شرقيّ مصر بسفح الجبل حتى ينتهي إلى مرقى السفن في البحر الملح، فكان يحمل إليها الحنطة وأصناف الغلات، فتصل إلى جدّة وتحمل من هناك على المطايا، فأحيا بلد الحجاز مدّة، ويقال إنما حلّيت الكعبة في ذلك العصر مما أهداه ملك مصر، وقيل أنه لكثرة ما كان يحمله طوطيس إلى الحجاز سمته العرب وجرهم الصادوق، ويقال أنه سأل إبراهيم ﵇ أن يبارك له في بلده فدعا بالبركة لمصر، وعرّفه أن ولده سيملكها ويصير أمرها إليهم قرنا بعد قرن. وطوطيس أوّل فرعون كان بمصر، وذلك أنه أكثر من القتل حتى قتل قراباته وأهل بيته وبني عمه وخدمه ونساءه، وكثيرا من الكهنة والحكماء، وكان حريصا على الولد فلم يرزق

стр. 1158

ولدا غير ابنته جوريا، أو جورياق، وكانت حكيمة عاقلة تأخذ على يده كثيرا وتمنعه من سفك الدماء، فأبغضته ابنته وأبغضه جميع الخاصة والعامة، فلما رأت أمره يزيد خافت على ذهاب ملكهم فسمته وهلك، وكان ملكه سبعين سنة، واختلفوا فيمن يملك بعده، وأرادوا أن يقيموا واحدا من ولد اتريب، فقال بعض الوزراء ودعا لجورياق، فتمّ لها الأمر وملكت. فهذا كان أوّل أمر هذا الخليج. ثم حفره مرّة ثانية أدريان قيصر، أحد ملوك الروم، ومن الناس من يسميه أندرويانوس، ومنهم من يقول هوريانوس، قال في تاريخ مدينة رومة، وولي الملك أدريان قيصر أحد ملوك الروم، وكانت ولايته إحدى وعشرين سنة، وهو الذي درس اليهود مرّة ثانية إذ كانوا راموا النفاق عليه، وهو الذي جدّد مدينة يروشالم، يعني مدينة القدس، وأمر بتبديل اسمها وأن تسمى إيليا. وقال علماء أهل الكتاب عن أدريان هذا: وغزا القدس وأخربه في الثانية من ملكه، وكان ملكه في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة من سني الإسكندر، وقتل عامة أهل القدس، وبنى على باب مدينة القدس منارا وكتب عليه: هذه مدينة إيليا، ويسمى موضع هذا العمود الآن محراب داود. ثم سار من القدس إلى باب فحارب ملكها وهزمه وعاد إلى مصر، فحفر خليجا من النيل إلى بحر القلزم، وسارت فيه السفن وبقي رسمه عند الفتح الإسلاميّ، فحفره عمرو بن العاص، وأصاب أهل مصر منه شدائد وألزمهم بعبادة الأصنام، ثم عاد إلى بلاده بممالك الروم فابتلى بمرض أعيى الأطباء، فخرج يسير في البلاد يبتغي من يداويه، فمرّ على بيت المقدس وكان خرابا ليس فيه غير كنيسة للنصارى، فأمر ببناء المدينة وحصنها وأعاد إليها اليهود، فأقاموا بها وملّكوا عليهم رجلا منهم. فبلغ ذلك أدريان قيصر فبعث إليهم جيشا لم يزل يحاصرهم حتى مات اكثرهم جوعا وعطشا وأخذها عنوة، فقتل من اليهود ما لا يحصى كثرة، وأخرب المدينة حتى صارت تلالا عامرة فيها البتة، وتتبع اليهود يريد أن لا يدع منهم على وجه الأرض أحدا، ثم أمر طائفة من اليونانيين فتحوّلوا إلى مدينة القدس وسكنوا فيها، فكان بين خراب القدس الخراب الثاني على يد طيطوس وبين هذا الخراب ثلاث وخمسون سنة، فعمرت القدس باليونان، ولم يزل قيصر هذا ملكا حتى مات، فهذا خبر حفر هذا الخليج في المرّة الثانية، فلما جاء الإسلام جدّد عمرو بن العاص حفره. قال ابن عبد الحكم ذكر حفر خليج أمير المؤمنين ﵁: حدّثنا عبد اللّه بن صالح عن الليث بن سعد قال: إنّ الناس بالمدينة أصابهم جهد شديد في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في سنة الرمادة، فكتب ﵁ إلى عمرو بن العاص وهو بمصر، من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين، إلى العاصي ابن العاصي سلام. أما بعد: فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ومن معك، أن أهلك أنا ومن معي، فيا غوثاه

стр. 1159

ثم يا غوثاه يردّد ذلك. فكتب إليه عمرو: من عبد اللّه عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنين، أما بعد: فيا لبيك ثم يا لبيك، قد بعثت إليك بعير أوّلها عندك وآخرها عندي، والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته. فبعث إليه بعير عظيمة، فكان أوّلها بالمدينة وآخرها بمصر يتبع بعضها بعضا. فلما قدمت على عمر ﵁، وسّع بها على الناس، ودفع إلى أهل كل بيت بالمدينة وما حولها بعيرا بما عليه من الطعام، وبعث عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوّام وسعد بن أبي وقاص يقسّمونها على الناس، فدفعوا إلى أهل كل بيت بعيرا بما عليه من الطعام، ليأكلوا الطعام، ويأتدموا بلحمه، ويحتذوا بجلده، وينتفعوا بالوعاء الذي كان فيه الطعام فيما أرادوا من لحاف أو غيره. فوسّع اللّه بذلك على الناس، فلما رأى ذلك عمر ﵁، حمد اللّه وكتب إلى عمرو بن العاص أن يقدم عليه هو وجماعة من أهل مصر معه، فقدموا عليه. فقال عمر: يا عمرو، إنّ اللّه قد فتح على المسلمين مصر، وهي كثيرة الخير والطعام، وقد ألقى في روعي لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين والتوسعة عليهم حين فتح اللّه عليهم مصر، وجعلها قوّة لهم ولجميع المسلمين، أن أحفر خليجا من نيلها حتى يسيل في البحر، فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة، فإن حمله الطهر يبعد، ولا نبلغ به ما نريد، فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم، فانطلق عمرو فأخبر من كان معه من أهل مصر، فثقل ذلك عليهم وقالوا: نتخوف أن يدخل من هذا ضرر على مصر، فنرى أن تعظّم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له: إنّ هذا أمر لا يعتدل ولا يكون ولا نجد إليه سبيلا. فرجع عمرو بذلك إلى عمر فضحك عمر ﵁ حين رآه وقال: والذي نفسي بيده لكأني أنظر إليك يا عمرو وإلى أصحابك حين أخبرتهم بما أمرنا به من حفر الخليج، فثقل ذلك عليهم وقالوا يدخل من هذا ضرر على أهل مصر، فنرى أن تعظّم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له، إنّ هذا أمر لا يعتدل ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلا. فعجب عمرو من قول عمرو قال: صدقت واللّه يا أمير المؤمنين، لقد كان الأمر على ما ذكرت. فقال له عمر ﵁: انطلق بعزيمة مني حتى تجدّ في ذلك، ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه إن شاء اللّه تعالى. فانصرف عمرو وجمع لذلك من الفعلة ما بلغ منه ما أراد، ثم احتفر الخليج في حاشية الفسطاط الذي يقال له خليج أمير المؤمنين، فساقه من النيل إلى القلزم، فلم يأت الحول حتى جرت فيه السفن، فحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكة، فنفع اللّه بذلك أهل الحرمين، وسمي خليج أمير المؤمنين، ثم لم يزل يحمل فيه الطعام حتى حمل فيه بعد عمر بن عبد العزيز، ثم ضيعه الولاة بعد ذلك فترك وغلب عليه الرمل فانقطع، فصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية بطحاء القلزم.

стр. 1160

قال: ويقال إنّ عمر ﵁ قال لعمرو حين قدم عليه: يا عمرو إنّ العرب قد تشاءمت بي وكادت أن تغلب علي رحلي، وقد عرفت الذي أصابها، وليس جند من الأجناد أرجى عندي أن يغيث اللّه بهم أهل الحجاز من جندك، فإن استطعت أن تحتال لهم حيلة حتى يغيثهم اللّه تعالى. فقال عمرو: ما شئت يا أمير المؤمنين، قد عرفت أنه كانت تأتينا سفن فيها تجار من أهل مصر قبل الإسلام، فلما فتحنا مصر انقطع ذلك الخليج واستدّ وتركه التجار، فإن شئت أن نحفره فننشيء فيه سفنا يحمل فيها الطعام إلى الحجاز فعلته. فقال عمر ﵁: نعم فافعل. فلما خرج عمرو من عند عمر بن الخطاب ﵁، ذكر ذلك لرؤساء أهل أرضه من قبط مصر فقالوا له: ما ذا جئت به، أصلح اللّه الأمير، تريد أن تخرج طعام أرضك وخصبها إلى الحجاز وتخرب هذه، فإن استطعت فاستقل من ذلك. فلما ودّع عمر ﵁ قال له: يا عمرو انظر إلى ذلك الخليج ولا تنسين حفره. فقال له: يا أمير المؤمنين إنه قد انسدّ، وتدخل فيه نفقات عظيمة. فقال له: أمّا والذي نفسي بيده إني لأظنك حين خرجت من عندي حدّثت بذلك أهل أرضك فعظموه عليك وكرهوا ذلك، أعزم عليك إلاّ ما حفرته وجعلت فيه سفنا. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين إنه متى ما يجد أهل الحجاز طعام مصر وخصبها مع صحة الحجاز لا يخفوا إلى الجهاد. قال: فإني سأجعل من ذلك أمرا، لا يحمل في هذا البحر إلاّ رزق أهل المدينة وأهل مكة. فحفره عمرو وعالجه وجعل فيه السفن. قال: ويقال أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عمرو بن العاص: إلى العاصي ابن العاصي، فإنك لعمري لا تبالي إذا سمنت أنت ومن معك أن أعجف أنا ومن معي، فيا غوثاه ويا غوثاه. فكتب إليه عمرو: أما بعد فيا لبيك ثم يا لبيك، أتتك عير أوّلها عندك وآخرها عندي، مع أني أرجو أن أجد السبيل إلى أن أحمل إليك في البحر، ثم إن عمرا ندم على كتابه في الحمل إلى المدينة في البحر. وقال: إن أمكنت عمر من هذا خرّب مصر ونقلها إلى المدينة. فكتب إليه: إني نظرت في أمر البحر فإذا هو عسر ولا يلتأم ولا يستطاع. فكتب إليه عمر ﵁: إلى العاصي ابن العاصي، قد بلغني كتابك، تعتلّ في الذي كنت كتبت إليّ به من أمر البحر، وأيم اللّه لتفعلنّ أو لأقلعن بأذنك ولأبعثن من يفعل ذلك. فعرف عمرو أنه الجدّ من عمر ﵁، ففعل. فبعث إليه عمر ﵁ أن لا ندع بمصر شيئا من طعامها وكسوتها وبصلها وعدسها وخلها إلاّ بعثت إلينا منه. قال: ويقال إن الذي دل عمرو بن العاص على الخليج رجل من القبط، فقال لعمرو: أرأيت إن دللتك على مكان تجري فيه السفن حتى تنتهي إلى مكة والمدينة، أتضع عني الجزية وعن أهل بيتي؟ فقال: نعم. فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁. فكتب إليه أن أفعل، فلما قدمت السفن خرج عمر ﵁ حاجا أو معتمرا فقال للناس:

стр. 1161

سيروا بنا ننظر إلى السفن التي سيرها اللّه تعالى إلينا من أرض فرعون حتى أتتنا. فأتى الجار وقال: اغتسلوا من ماء البحر فإنه مبارك، فلما قدمت السفن الجار وفيها الطعام، صك عمر ﵁ للناس بذلك الطعام صكوكا، فتبايع التجار الصكوك بينهم قبل أن يقبضوها، فلقي عمر بن الخطاب ﵁ العلاء بن الأسود ﵁ فقال: كم ربح حكيم بن حزام؟ فقال: ابتاع من صكوك الجار بمائة ألف درهم وربح عليها مائة ألف، فلقيه عمر ﵁ فقال له: يا حكيم كم ربحت؟ فأخبره بمثل خبر العلاء. قال عمر ﵁: فبعته قبل أن تقبضه؟ قال نعم. قال عمر ﵁: فإنّ هذا بيع لا يصح فاردده. فقال حكيم: ما علمت أن هذا بيع لا يصح، وما أقدر على ردّه. فقال عمر ﵁: لا بدّ. فقال حكيم: واللّه ما أقدر على ذلك، وقد تفرّق وذهب، ولكن رأس مالي وربحي صدقة. وقال القضاعيّ في ذكر الخليج: أمر عمر بن الخطاب ﵁ عمرو بن العاص عام الرمادة بحفر الخليج الذي بحاشية الفسطاط الذي يقال له خليج أمير المؤمنين، فساقه من النيل إلى القلزم، فلم يأت عليه الحول حتى جرت فيه السفن، وحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكة، فنفع اللّه تعالى بذلك أهل الحرمين، فسمي خليج أمير المؤمنين. وذكر الكنديّ في كتاب الجند العربيّ أن عمرا حفره في سنة ثلاث وعشرين، وفرغ منه في ستة أشهر، وجرت فيه السفن ووصلت إلى الحجاز في الشهر السابع، ثم بنى عليه عبد العزيز بن مروان قنطرة في ولايته على مصر. قال: ولم يزل يحمل فيه الطعام حتى حمل فيه عمر بن عبد العزيز، ثم أضاعته الولاة بعد ذلك فترك وغلب عليه الرمل، فانقطع وصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية بطحاء القلزم. وقال ابن قديد: أمر أبو جعفر المنصور بسدّ الخليج حين خرج عليه محمد بن عبد اللّه بن حسن بالمدينة ليقطع عنه الطعام، فسدّ إلى الآن. وذكر البلاذري أن أبا جعفر المنصور لما ورد عليه قيام محمد بن عبد اللّه قال: يكتب الساعة إلى مصر أن تقطع الميرة عن أهل الحرمين، فإنهم في مثل الحرجة إذا لم تأتهم الميرة من مصر. وقال ابن الطوير وقد ذكر ركوب الخليفة لفتح الخليج، وهذا الخليج هو الذي حفره عمرو بن العاص لما ولي على مصر في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ من بحر فسطاط مصر الحلو، وألحقه بالقلزم بشاطئ البحر الملح، فكانت مسافته خمسة أيام، لتقرب معونة الحجاز من ديار مصر في أيام النيل، فالمراكب النيلية تفرّغ ما تحمله من ديار مصر بالقلزم، فإذا فرغت حملت ما في القلزم مما وصل من الحجاز وغيره إلى مصر، وكان مسلكا للتجار وغيرهم في وقته المعلوم، وكان أوّل هذا الخليج من مصر يشق الطريق

стр. 1162

الشارع المسلوك منه اليوم إلى القاهرة، حافا بالقريوص الذي عليه البستان المعروف بابن كيسان مادا، وآثاره اليوم مادة باقية إلى الحوض المعروف بسيف الدين حسين صار ابن رزيك، والبستان المعروف بالمشتهى، وفيه آثار المنظرة التي كانت معدّة لجلوس الخليفة لفتح الخليج من هذا الطريق، ولم تكن الآدر المبنية على الخليج، ولا شيء منها هناك، وما برح هذا الخليج منتزها لأهل القاهرة يعبرون فيه بالمراكب للنزهة، إلى أن حفر الملك الناصر محمد بن قلاوون الخليج المعروف الآن بالخليج الناصريّ. قال المسبحيّ: وفي هذا الشهر، يعني المحرّم، سنة إحدى وأربعمائة، منع الحاكم بأمر اللّه من الركوب في القوارب إلى القاهرة في الخليج، وشدّد في المنع، وسدّت أبواب القاهرة التي يتطرّق منها إلى الخليج، وأبواب الطاقات من الدور التي تشرف على الخليج، وكذلك أبواب الدور والخوخ التي على الخليج. قال القاضي الفاضل في متجدّدات حوادث سنة أربع وتسعين وخمسمائة: ونهى عن ركوب المتفرّجين في المراكب في الخليج، وعن إظهار المنكر، وعن ركوب النساء مع الرجال، وعلّق جماعة من رؤساء المراكب بأيديهم. قال: وفي يوم الأربعاء تاسع عشر رمضان، ظهر في هذه المدّة من المنكرات ما لم يعهد في مصر في وقت من الأوقات، ومن الفواحش ما خرج من الدور إلى الطرقات، وجرى الماء في الخليج بنعمة اللّه تعالى بعد القنوط، ووقوف الزيادة في الذراع السادس عشر، فركب أهل الخلاعة وذوو البطالة في مراكب في نهار شهر رمضان ومعهم النساء الفواجر، وبأيديهنّ المزاهر يضربن بها، وتسمع أصواتهنّ ووجوههنّ مكشوفة، وحرفاؤهنّ من الرجال معهنّ في المراكب لا يمنعون عنهنّ الأيدي ولا الأبصار، ولا يخافون من أمير ولا مأمور شيئا من أسباب الإنكار، وتوقع أهل المراقبة، ما يتلو هذا الخطب من المعاقبة. وقال جامع سيرة الناصر محمد بن قلاوون: وفي سنة ست وسبعمائة، رسم الأميران بيبرس وسلار بمنع الشخاتير والمراكب من دخول الخليج الحاكميّ والتفرّج فيه، بسبب ما يحصل من الفساد والتظاهر بالمنكرات اللاتي تجمع الخمر آلات الملاهي، والنساء المكشوفات الوجوه المتزينات بأفخر زينة، من كوافي الزركش والقنابيز والحلي العظيم، ويصرف على ذلك الأموال الكثيرة، ويقتل فيه جماعة عديدة، ورسم الأميران المذكوران لمتولي الصناعة بمصر، أن يمنع المراكب من دخول الخليج المذكور إلاّ ما كان فيه غلة أو متجرا وما ناسب ذلك، فكان هذا معدودا من حسناتهما، ومسطورا في صحائفهما. قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى: أخبرني شيخ معمر ولد بعد سنة سبعمائة يعرف بمحمد المسعودي، أنه أدرك هذا الخليج والمراكب تمرّ فيه بالناس للنزهة، وأنها كانت تعبر من تحت باب القنطرة غادية ورائحة، والآن لا يمرّ بهذا الخليج من المراكب إلاّ ما يحمل متاعا

стр. 1163

من متجر أو نحوه، وصارت مراكب النزهة والتفرج إنما تمرّ في الخليج الناصريّ فقط، وعلى هذا الخليج الكبير في زماننا هذا أربع عشرة قنطرة، يأتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى في القناطر، وحافتا هذا الخليج الآن معمورتان بالدور، وسيأتي إن شاء اللّه ذكر ذلك في مواضعه من هذا الكتاب. وقال ابن سعد: وفيها خليج لا يزال يضعف بين خضرتها حتى يصير كما قال الرصافي: ما زالت الأنحاء تأخذه … حتى غدا كذؤابة النجم وقلت في نور الكتان الذي على جانبي هذا الخليج: انظر إلى النهر والكتان يرمقه … من جانبيه بأجفان لها حدق قد سلّ سيفا عليه للصبا شطب … فقابلته بأحداق بها أرق وأصبحت في يد الأرواح تنسجها … حتى غدت حلقا من فوقها حلق فقم نزرها ووجه الأرض متضح … أو عند صفرته إن كنت تغتبق قال وقد ذكر مصر ولا ينكر فيها إظهار أواني الخمر ولا آلات الطرب ذوات الأوتار، ولا تبرّج النساء العواهر، ولا غير ذلك مما ينكر في غيرها، وقد دخلت في الخليج الذي بين القاهرة ومصر، ومعظم عمارته فيما يلي القاهرة، فرأيت فيه من ذلك العجائب، وربما وقع فيه قتل بسبب السكر، فيمنع فيه الشرب، وذلك في بعض الأحيان، وهو ضيق وعليه من الجهتين مناظر كثيرة العمارة بعالم الطرب والتحكم والمجانة، حتى أن المحتشمين والرؤساء لا يجيزون العبور به في مركب، وللسرج في جانبيه بالليل منظر فتّان وكثيرا ما يتفرّج فيه أهل الستر، وفي ذلك أقول: لا تركبنّ في خليج مصر … إلاّ إذا يسدل الظلام فقد علمت الذي عليه … من عالم كلهم طغام صفان للحرب قد أظلاّ … سلاح ما بينهم كلام يا سيدي لا تسر إليه … إلاّ إذا هوّم النيام والليل ستر على التصابي … عليه من فضله لثام والسرج قد بدّدت عليه … منها دنانير لا ترام وهو قد امتدّ والمباني … عليه في خدمة قيام للّه كم دوحة جنينا … هناك أثمارها الآثام وقال ابن عبد الظاهر عن مختصر تاريخ ابن المأمون، أنّ أوّل من رتب حفر خليج القاهرة على الناس المأمون بن البطائحيّ، وكذلك على أصحاب البساتين في دولة الأفضل،

стр. 1164

وجعل عليه واليا بمفرده، وللّه در الأسعد بن خطير المماتي حيث يقول: خليج كالحسام له صقال … ولكن فيه للرائي مسرّه رأيت به الملاح تجيد عوما … كأنهم نجوم في مجرّه وقال بهاء الدين أبو الحسن عليّ بن الساعاتي في يوم كسر الخليج: إنّ يوم الخليج يوم من الحس … ن بديع المرئيّ والمسموع كم لديه من ليث غاب صؤول … ومهاة مثل الغزال المروع وعلى السدّ عزة قبل أن تم … لكه ذلة المحب الخضوع كسروا جسره هناك فحاكى … كسر قلب يتلوه فيض دموع ذكر خليج فم الخور وخليج الذكر قال ابن سيده في كتاب المحكم. في اللغة الخور مصب الماء في البحر، وقيل هو خليج من البحر، والخور المطمئن من الأرض، وخليج فم الخور يخرج الآن من بحر النيل ويصب في الخليج الناصريّ ليقوّي جري الماء فيه ويغزره، وكان قبل أن يحفر الخليج الناصريّ يمدّ خليج الذكر، وكان أصله ترعة يدخل منها ماء النيل للبستان الذي عرف بالمقسي ثم وسّع. قال ابن عبد الظاهر: وكان يخرج من البحر للمقسيّ الماء في البرابخ، فوسّعه الملك الكامل، وهو خليج الذكر. ويقال أنّ خليج الذكر حفره كافور الإخشيدي، فلما زال البستان المقسيّ في أيام الخليفة الظاهر بن الحاكم وجعله بركة قدّام المنظرة المعروفة باللؤلؤة، صار يدخل الماء إليها من هذا الخليج، وكان يفتح هذا الخليج قبل الخليج الكبير، ولم يزل حتى أمر الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة أربع وعشرين وسبعمائة بحفره فحفر وأوصل بالخليج الكبير، وشرع الأمراء والجند في حفره من أخريات جمادى الآخرة، فلما فتح كادت القاهرة أن تغرق، فسدّت القنطرة التي عليه فهدمها الماء، ومن حينئذ عزم السلطان على حفر الخليج الناصري، وأنا أدركت آثاره، وفيه ينبت القصب المسمى بالفارسيّ. وأخبرني الشيخ المعمر حسام الدين حسين بن عمر الشهرزوريّ أنه يعرف خليج الذكر هذا وفيه الماء، وسبح فيه غير مرّة، وأراني آثاره، وكان الماء يدخل إليه من تحت قنطرة الدكة الآتي ذكرها في القناطر إن شاء اللّه تعالى، وعلى خليج فم الخور الآن قطنرة، وعلى خليج الذكر قنطرة يأتي ذكرهما إن شاء اللّه تعالى عند ذكر القناطر، وإنما قيل له خليج الذكر لأن بعض أمراء الملك الظاهر ركن الدين بيبرس كان يعرف بشمس الدين الذكر الكركيّ، كان له فيه أثر من حفره، فعرف به، وكان للناس عند هذا الخليج مجتمع يكثر فيه لهوهم ولعبهم. قال المسبحيّ وفي يوم الثلاثاء لخمس بقين منه، يعني المحرّم، سنة خمس عشرة

стр. 1165

وأربعمائة، كان ثالث الفتح، فاجتمع بقنطرة المقس عند كنيسة المقس من النصارى والمسلمين في الخيام المنصوبة وغيرها خلق كثير للأكل والشرب واللهو، ولم يزالوا هناك إلى أن انقضى ذلك اليوم، وركب أمير المؤمنين، يعني الظاهر لاعزاز دين اللّه أبا الحسن عليّ بن الحاكم بأمر اللّه، في مركبه إلى المقس، وعليه عمامة شرب مفوّطة بسواد، وثوب ديبقي من شكل العمامة، ودار هناك طويلا وعاد إلى قصره سالما، وشوهد من سكر النساء وتهتكهن وحملهن في قفاف الحمالين سكارى، واجتماعهن مع الرجال أمر يقبح ذكره. ذكر الخليج الناصريّ هذا الخليج يخرج من بحر النيل ويصب في الخليج الكبير، وكان سبب حفره أنّ الملك الناصر محمد بن قولان، لما أنشأ القصور والخانقاه بناحية سرياقوس، وجعل هناك ميدانا يسرح إليه، وأبطل ميدان القبق المعروف بالميدان الأسود ظاهر باب النصر من القاهر، وترك المسطبة التي بناها بالقرب من بركة الحبش لمطعم الطيور والجوارح، اختار أن يحفر خليجا من بحر النيل لتمرّ فيه المراكب إلى ناحية سر ياقوس، لحمل ما يحتاج إليه من الغلال وغيرها، فتقدّم إلى الأمير سيف الدين أرغون نائب السلطنة بديار مصر بالكشف عن عمل ذلك، فنزل من قلعة الجبل بالمهندسين وأرباب الخبرة إلى شاطئ النيل، وركب النيل، فلم يزل القوم في فحص وتفتيش إلى أن وصلوا بالمراكب إلى موردة البلاط من أراضي بستان الخشاب، فوجدوا ذلك الموضع أوطأ مكان يمكن أن يحفر، إلاّ أن فيه عدّة دور، فاعتبروا فم الخليج من موردة البلاط، وقدّروا أنه إذا حفر مرّ الماء فيه من موردة البلاط إلى الميدان الظاهريّ الذي أنشأه الملك الناصر بستانا، ويمرّ من البستان إلى بركة قرموط حتى ينتهي إلى ظاهر باب البحر، ويمرّ من هناك على أرض الطبالة فيصب في الخليج الكبير، فلما تعين لهم ذلك، عاد النائب إلى القلعة وطالعه بما تقرّر، فبرز أمره لسائر أمراء الدولة بإحضاء الفلاحين من البلاد الجارية في إقطاعاتهم، وكتب إلى ولاة الأعمال بجمع الرجال لحفر الخليج، فلم يمض سوى أيام قلائل حتى حضر الرجال من الأعمال، وتقدّم إلى النائب بالنزول للحفر ومعه الحجاب، فنزل لعمل ذلك، وقاس المهندسون طول الحفر من موردة البلاط حيث تعين فم الخليج إلى أن يصب في الخليج الكبير، وألزم كل أمير من الأمراء بعمل أقصاب فرضت له، فلما أهلّ شهر جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وقع الشروع في العمل، فبدأوا بهدم ما كان هناك من الأملاك التي من جهة باب اللوق إلى بركة قرموط، وحصل الحفر في البستان الذي كان للنائب، فأخذوا منه قطعة، ورسم أن يعطى أرباب الأملاك أثمانها، فمنهم من باع ملكه وأخذ ثمنه من مال السلطان، ومنهم من هدم داره ونقل أنقاضها، فهدمت عدّة دور ومساكن جليلة، وحفر في عدّة بساتين، فانتهى العمل في سلخ جمادى الآخرة على رأس شهرين، وجرى الماء فيه عند زيادة النيل، فأنشأ الناس عدّة سواق وجرت فيه السفن بالغلال وغيرها،

стр. 1166

فسّر السلطان بذلك، وحصل للناس رفق، وقويت رغبتهم فيه، فاشتروا عدّة أراض من بيت المال غرست فيها الأشجار وصارت بساتين جليلة، وأخذ الناس في العمارة على حافتي الخليج، فعمر ما بين المقس وساحل النيل ببولاق، وكثرت العمائر على الخليج حتى اتصلت من أوّله بموردة البلاط إلى حيث يصب في الخليج الكبير بأرض الطبالة، وصارت البساتين من وراء الأملاك المطلة على الخليج، وتنافس الناس في السكنى هناك، وأنشأوا الحمّامات والمساجد والأسواق، وصار هذا الخليج مواطن أفراح ومنازل لهو ومغنى صبابات وملعب أتراب ومحل تيه وقصف، فيما يمرّ فيه من المراكب وفيما عليه من الدور، وما برحت مراكب النزهة تمرّ فيه بأنواع الناس على سبيل اللهو إلى أن منعت المراكب منه بعد قتل الأشرف، كما يرد عند ذكر القناطر إن شاء اللّه تعالى. ذكر خليج قنطرة الفخر هذا الخليج يبتدئ من الموضع الذي كان ساحل النيل ببولاق، وينتهي إلى حيث يصب في الخليج الناصريّ، ويصب أيضا في خليج لطيف تسقى منه عدّة بساتين، وكل من هذين الخليجين معمور الجانبين بالأملاك المطلق عليه، والبساتين وجميع المواضع التي يمرّ فيها الخليج الناصريّ، وأرض هذين الخليجين كانت غامرة بالماء، ثم انحسر عنها الماء شيئا بعد شيء، كما ذكر في ظواهر القاهرة، وهذا الخليج حفر بعد الخليج الناصريّ. ذكر القناطر اعلم أن قناطر الخليج الكبير عدّتها الآن أربع عشرة قنطرة، وعلى خليج فم الخور قنطرة واحدة، وعلى خليج الذكر قنطرة واحدة، وعلى الخليج الناصريّ خمس قناطر، وعلى بحر أبي المنجا قنطرة عظيمة، وبالجيزة عدّة قناطر. ذكر قناطر الخليج الكبير قال القضاعي: القنطرتان اللتان على هذا الخليج، يعني خليج مصر الكبير، أما التي في طرف الفسطاط بالحمراء القصوى، فإن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بناها في سنة تسع وستين، وكتب عليها اسمه، وابتنى قناطر غيرها، وكتب على هذه القنطرة المذكورة، هذه القنطرة أمر بها عبد العزيز بن مروان الأمير، اللهمّ بارك له في أمره كله، وثبت سلطانه على ما ترضى، وأقرّ عينه في نفسه وحشمه أمين. وقام ببنائها سعد أبو عثمان، وكتب عبد الرحمن في صفر سنة تسع وستين، ثم زاد فيها تكين أمير مصر في سنة عثمان عشرة وثلثمائة، ورفع سمكها، ثم زاد عليها الإخشيد في سنة إحدى وثلاثين وثلثمائة، ثم عمرت في أيام العزيز بالله.

стр. 1167

وقال ابن عبد الظاهر: وهذه القنطرة ليس لها أثر في هذا الزمان، قلت موضعها الآن خلف خط السبع سقايات، وهذه القنطرة هي التي كانت تفتح عند وفاء النيل في زمن الخلفاء، فلما انحسر النيل عن ساحل مصر اليوم، أهملت هذه القنطرة، وعملت قنطرة السدّ عند فم بحر النيل، فإن النيل كان قد ربى الجرف، حيث غيط الجرف الذي على يمنة من سلك من المراغة إلى باب مصر بجوار الكبارة. قنطرة السد: هذه القنطرة موضعها مما كان غامرا بماء النيل قديما، وهي الآن يتوصل من فوقها إلى منشأة المهرانيّ وغيرها من برّ الخليج الغربيّ، وكان النيل عند إنشائها يصل إلى الكوم الأحمر الذي هو جانب الخليج الغربيّ الآن، تجاه خط بين الزقاقين، فإن النيل كان قد ربى جرفا قدّام الساحل القديم، كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، فأهملت القنطرة الأولى لبعد النيل، وقدّمت هذه القنطرة إلى حيث كان النيل ينتهي، وصار يتوصل منها إلى بستان الخشاب الذي موضعه اليوم يعرف بالمريس وما حوله، وكان الذي أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، في أعوام بضع وأربعين وستمائة، ولها قوسان، وعرفت الآن بقنطرة السدّ، من أجل أن النيل لما انحسر عن الجانب الشرقيّ وانكشفت الأراضي التي عليها الآن، خط بين الزقاقين إلى موردة الحلفاء، وموضع الجامع الجديد إلى دار النحاس، وما وراء هذه الأماكن إلى المراغة وباب مصر بجوار الكبارة، وانكشف من أراضي النيل أيضا الموضع الذي يعرف اليوم بمنشأة المهرانيّ، وصار ماء النيل إذا بدت زيادته يجعل عند هذه القنطرة سدّ من التراب حتى يسند الماء إليه إلى أن تنتهي الزيادة إلى ست عشرة ذراعا، فيفتح السدّ حينئذ ويمرّ الماء في الخليج الكبير كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، والأمر على هذا إلى اليوم. قناطر السباع: هذه القناطر جانبها الذي يلي خط السبع سقايات من جهة الحمراء القصوى، وجانبها الآخر من جهة جنان الزهريّ، وأوّل من أنشأها الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ، ونصب عليها سباعا من الحجارة، فإن رنكه كان على شكل سبع، فقيل لها قناطر السباع من أجل ذلك، وكانت عالية مرتفعة، فلما أنشأ الملك الناصر محمد بن قلاون الميدان السلطانيّ في موضع بستان الخشاب، حيث موردة البلاط، وتردّد إليه كثيرا، وصار لا يمرّ إليه من قلعة الجبل حتى يركب قناطر السباع، فتضرّر من علوّها وقال لومراء أنّ هذه القنطرة حين أركب إلى الميدان وأركب عليها يتألم ظهري من علوّها، ويقال أنه أشاع هذا، والقصد إنما هو كراهته لنظر أثر أحد من الملوك قبله، وبغضه أن يذكر لأحد غيره شيء يعرف به، وهو كلما يمرّ بها يرى السباع التي هي رنك الملك الظاهر، فأحب أن يزيلها لتبقى القنطرة منسوبة إليه ومعروفة به، كما كان يفعل دائما في محو آثار من تقدّمه وتخليد ذكره، ومعرفة الآثار به ونسبتها له، فاستدعى الأمير علاء الدين عليّ بن حسن

стр. 1168

المروانيّ والي القاهرة وشادّ الجهات، وأمره بهدم قناطر السباع، وعمارتها أوسع مما كانت بعشرة أذرع، وأقصر من ارتفاعها الأوّل، فنزل ابن المروانيّ وأحضر الصناع ووقف بنفسه حتى انتهى في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة في أحسن قالب على ما هي عليه الآن، ولم يضع سباع الحجر عليها، وكان الأمير الطنبغا الماردينيّ قد مرض ونزل إلى الميدان السلطانيّ، فأقام به ونزل إليه السلطان مرارا، فبلغ الماردينيّ ما يتحدّث به العامّة من أن السلطان لم يخرّب قناطر السباع إلا حتى تبقى باسمه، وأنه رسم لابن المروانيّ أن يكسر سباع الحجر ويرميها في البحر، واتفق أنه عوفي عقيب الفراغ من بناء القنطرة، وركب إلى القلعة، فسرّبه السلطان، وكان قد شغفه حبا، فسأله عن حاله وحادثه إلى أن جرى ذكر القنطرة، فقال له السلطان: أعجبتك عمارتها، فقال واللّه يا خوند: لم يعمل مثلها، ولكن ما كملت. فقال كيف، قال السباع التي كانت عليها لم توضع مكانها، والناس يتحدّثون أن السلطان له عرض في إزالتها لكونها رنك سلطان غيره، فامتغص لذلك وأمر في الحال بإحضار ابن المروانيّ وألزمه بإعادة السباع على ما كانت عليه، فبادر إلى تركيبها في أماكنها، وهي باقية هناك إلى يومنا هذا إلاّ أنّ الشيخ محمدا المعروف بصائم الدهر شوّه صورها كما فعل بوجه أبي الهول، ظنا منه أن هذا الفعل من جملة القربات وللّه در القائل: وإنما غاية كلّ من وصل … صيدا بنى الدنيا بأنواع الحيل قنطرة عمر شاه: هذه القنطرة على الخليج الكبير، يتوصل منها إلى برّ الخليج الغربيّ. قنطرة طقزدمر: هذه القنطرة على الخليج الكبير بخط المسجد المعلق، يتوصل منها إلى برّ الخليج الغربيّ، وحكر قوصون وغيره. قنطرة اق سنقر: هذه القنطرة على الخليج الكبير، يتوصل إليها من خط قبو الكرمانيّ، ومن حارة البديعيين التي تعرف اليوم بالحبانية، ويمرّ من فوقها إلى برّ الخليج الغربيّ، وعرفت بالأميراق سنقرشادّ العمائر السلطانية في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، عمرها لما أنشأ الجامع بالبركة الناصرية، ومات بدمشق سنة أربعين وسبعمائة. قنطرة باب الخرق: يقال للأرض البعيدة التي تخرقها الريح لاستوائها، الخرق. وهذه القنطرة على الخليج الكبير، كان موضعها ساحلا وموردة للسقائين في أيام الخلفاء الفاطميين، فلما أنشأ الملك الصالح نجم الدين أيوب الميدان السلطانيّ بأرض اللوق، وعمريه المناظر في سنة تسع وثلاثين وستمائة، أنشأ هذه القنطرة ليمرّ عليها إلى الميدان المذكور، وقيل قنطرة باب الخرق. قنطرة الموسكي: هذه القنطرة على الخليج الكبير، يتوصل إليها من باب الخوخة

стр. 1169

وباب القنطرة، ويمرّ فوقها إلى برّ الخليج الغربيّ، أنشأها الأمير عز الدين موسك، قريب السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكان خيّرا يحفظ القرآن الكريم ويواظب على تلاوته، ويحب أهل العلم والصلاح، ويؤثرهم، ومات بدمشق يوم الأربعاء ثامن عشرى شعبان سنة أربع وثمانين وخمسمائة. قنطرة الأمير حسين: هذه القنطرة على الخليج الكبير، ويتوصل منها إلى برّ الخليج الغربيّ، فلما أنشأ الأمير سيف الدين حسين بن أبي بكر بن إسماعيل بن حيدر بك الروميّ الجامع المعروف بجامع الأمير حسين في حكر جوهر النوبيّ، أنشأ هذه القنطرة ليصل من فوقها إلى الجامع المذكور، وكن يتوصل إليها من باب القنطرة، فثقل عليه ذلك واحتاج إلى أن فتح في السور الخوخة المعروفة بخوخة الأمير حسين من الوزيرية، فصارت تجاه هذه القنطرة، وقد ذكر خبرها عند ذكر الخوخ من هذا الكتاب، واللّه تعالى أعلم. قنطرة باب القنطرة: هذه القنطرة على الخليج الكبير، يتوصل إليها من القاهرة، ويمرّ فوقها إلى المقس وأرض الطبالة، وأوّل من بناها القائد جوهر لما نزل بمناخه وأدار السور عليه وبنى القاهرة، ثم قدم عليه القرطميّ، فاحتاج إلى الاستعداد لمحاربته، فحفر الخندق وبنى هذه القنطرة على الخليج عند باب جنان أبي المسك كافور الإخشيديّ، الملاصق للميدان والبستان الذي للأمير أبي بكر محمد الإخشيد، ليتوصل من القاهرة إلى المقس، وذلك في سنة ثنتين وستين وثلثمائة، وبها تسمى باب القنطرة، وكانت مرتفعة بحيث تمرّ المراكب من تحتها وقد صارت في هذا الوقت قريبة من أرض الخليج لا يمكن المراكب العبور من تحتها، وتسدّ بأبواب خوفا من دخول الزعار إلى القاهرة. قنطرة باب الشعرية: هذه القنطرة على الخليج الكبير، يسلك إليها من باب الفتوح، ويمشي من فوقها إلى أرض الطبالة، وتعرف اليوم بقنطرة الخرّوبيّ. القنطرة الجديدة: هذه القنطرة على الخليج الكبير، يتوصل إليها من زقاق الكحل وخط جامع الظاهر، ويتوصل منها إلى أرض الطبالة وإلى منية الشيرج وغير ذلك، أنشأها الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة خمس وعشرين وسبعمائة عند ما انتهى حفر الخليج الناصريّ، وكان ما على جانبي الخليج من القنطرة الجديدة هذه إلى قناطر الإوز عامرا بالأملاك، ثم خربت شيئا بعد شيء من حين حدث فصل الباردة بعد سنة ستين وسبعمائة، وفحش الخراب، هناك منذ كانت سنة الشراقي في زمن الملك الأشرف شعبان بن حسين في سنة سبع وسبعين وسبعمائة، فلما غرقت الحسينية بعد سنة الشراقي خربت المساكن التي كانت في شرقيّ الخليج، ما بين القنطرة الجديدة وقناطر الإوز، وأخذت أنقاضها وصارت هذه البرك الموجودة الآن. قناطر الإوز: هذه القناطر على الخليج الكبير، يتوصل إليها من الحسينية، ويسلك من

стр. 1170

فوقها إلى أراضي البعل وغيرها، وهي أيضا مما أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وأدركت هناك أملاكا مطلّة على الخليج بعد سنة ثمانين وسبعمائة، وهذه القناطر من أحسن منتزهات أهل القاهرة أيام الخليج، لما يصير فيه من الماء، ولما على حافته الشرقية من البساتين الأنيقة، إلاّ أنها الآن قد خربت. وتجاه هذه القنطرة منظرة البعل التي تقدّم ذكرها عند ذكر مناظر الخلفاء، وبقيت آثارها إلى الآن، أدركناها يعطن فيها الكتان، وبها عرفت الأرض التي هناك، فسميت إلى الآن بأرض البعل، وكان هناك صف من شجر السنط قد امتدّ من تجاه قناطر الإوز إلى منظرة البعل، وصار فاصلا بين مزرعتين يجلس الناس تحته في يومي الأحد والجمعة للنزهة، فيكون هناك من أصناف الناس رجالهم ونسائهم ما لا يقع عليه بصر، ويباع هناك مآكل كثيرة، وكان هناك حانوت من طين تجاه القنطرة يباع فيها السمك، أدركتها وقد استؤجرت بخمس آلاف درهم في السنة، عنها يومئذ نحو مائتين وخمسين مثقالا من الذهب، على أنه لا يباع فيما السمك إلاّ نحو ثلاثة أشهر أو دون ذلك، ولم يزل هذا السنط إلى نحو سنة تسعين وسبعمائة، فقطع. وإلى اليوم تجتمع الناس هناك، ولكن شتان بين ما أدركنا وبين ما هو الآن، وقيل لها قناطر الإوز. قناطر بني وائل: هذه القناطر على الخليج الكبير تجاه التاج، أنشأها الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وعرفت بقناطر بني وائل من أجل أنه كان بجانبها عدّة منازل يسكنها عرب ضعاف بالجانب الشرقيّ، يقال لهم بنو وائل، ولم يزالوا هناك إلى نحو سنة تسعين وسبعمائة، وكان بجانب هذه القناطر من الجانب الغربيّ مقعد أحدثه الوزير الصاحب سعد الدين نصر اللّه بن البقريّ لأخذ المكوس، واستمرّ مدّة ثم خرب، ولم ير أحسن منظرا من هذه القنطرة في أيام النيل وزمن الربيع. قنطرة الأميرية: هذه القنطرة هي آخر ما على الخليج الكبير من القناطر بضواحي القاهرة، وهي تجاه الناحية المعروفة بالأميرية، فيما بينها وبين المطرية، أنشأها الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وعند هذه القنطرة ينسدّ ماء النيل إذا فتح الخليج عند وفاء زيادة النيل ست عشرة ذراعا، فلا يزال الماء عند سدّ الأميرية هذا إلى يوم النوروز، فيخرج والي القاهرة، إليه ويشهد على مشايخ أهل الضواحي بتغليق أراضي نواحيهم بالريّ، ثم يفتح هذا السدّ فيمرّ الماء إلى جسر شيبين القصر، ويسدّ عليه حتى يروى ما على جانبي الخليج من البلاد، فلا يزال الماء واقفا عند سدّ شيبين إلى يوم عيد الصليب، وهو اليوم السابع عشر من النوروز، فيفتح حينئذ بعد شمول الريّ جميع تلك الأراضي، وليس بعد قنطرة الأميرية هذه قنطرة سوى قنطرة ناحية سرياقوس، وهي أيضا إنشاء الملك الناصر محمد بن قلاون، وبعد قنطرة سرياقوس جسر شيبين القصر، وسيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى عند ذكر الجسور من هذا الكتاب.

стр. 1171

قنطرة الفخر: هذه القنطرة بجوار موردة البلاط من أراضي بستان الخشاب برأس الميدان، وهي أوّل قنطرة عمرت على الخليج الناصريّ على فمه، أنشأها القاضي فخر الدين محمد بن فضل اللّه بن خروف القبطيّ، المعروف بالفخر ناظر الجيش في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، عند انتهاء حفر الخليج الناصريّ، ومات في رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وقد أناف على السبعين سنة، وتمكن في الرياسة تمكنا كبيرا. قنطرة قدادار: هذه القنطرة على الخليج الناصريّ، يتوصل إليها من اللوق، ويمشي فوقها إلى برّ الخليج الناصريّ مما يلي الفيل، وأوّل ما وضعت كانت تجاه البستان الذي كان ميدانا في زمن الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، إلى أن أنشأ الملك الناصر محمد بن قلاون الميدان الموجود الآن بموردة البلاط من جملة أراضي بستان الخشاب، فغرس في الميدان الظاهريّ الأشجار وصار بستانا عظيما، كما ذكر ذلك في موضعه من هذا الكتاب، وعرفت هذه القنطرة بالأمير سيف الدين قدادار مملوك الأمير برلغي، وكان من خبره أنه تنقل في الخدم حتى وليّ الغربية من أراضي مصر في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، فلقي أهل البلاد منه شرّا كثيرا، ثم انتقل إلى ولاية البحيرة، فلما كان في سنة أربع وعشرين كثرت الشناعة في القاهرة بسبب الفلوس، وتعنت الناس فيها، وامتنعوا من أخذها حتى وقف الحال وتحسن السعر، وكان حينئذ يتقلد الوزارة الأمير علاء الدين مغلطاي الجماليّ، ويتقلد ولاية القاهرة الأمير علم الدين سنجر الخازن، فلما توجه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون من قلعة الجبل إلى السرحة بناحية سرياقوس، بلغه توقف الحال وطمع السوقة في الناس، وأن متولي القاهرة فيه لين وانه قليل الحرمة على السوقة، وكان السلطان كثير النفور من العامّة، شديد البغض لهم، ويريد كل وقت من الخازن أن يبطش بالحرافيش ويؤثر فيهم آثارا قبيحة، ويشهر منهم جماعة، فلم يبلغ من ذلك غرضه، فكرهه واستدعى الأمير أرغون نائب السلطنة وتقدّم إليه بالأغلاظ في القول على الخازن بسبب فساد حال الناس، وهمّ ببروز أمره بالقبض عليه وأخذ ماله، فما زال به النائب حتى عفا عنه. وقال السلطان يعزله ويولي من ينفع في مثل هذا الأمر، فاختار ولاية قدادار عوضه، لما يعرف من يقظته وشهامته وجراءته على سفك الدماء، فاستدعاه من البحيرة وولاه ولاية القاهرة في أوّل شهر رمضان من السنة المذكورة. فأوّل ما بدأ به أن أحضر الخبازين والباعة وضرب كثيرا منهم بالمقارع ضربا مبرّحا، وسمر عدّة منهم في دراريب حوانيتهم، ونادى في البلد من ردّ فلسا سمّر، ثم عرض أهل السجن ووسط جماعة من المفسدين عند باب زويلة، فهابته العامّة وذعروا منه، وأخذ يتتبع من عصر خمرا، وأحضر عريف الحمالين وألزمه بإحضار من كان يحمل العنب، فلما حضروا عنده استملاهم أسماء من يشتري العنب ومواضع مساكنهم، ثم أحضر خفراء

стр. 1172

الحارات والأخطاط، ولم يزل بهم حتى دلوه على سائر من عصر الخمر، فاشتهر ذلك بين الناس وخافوه، فحوّل أهل حارة زويلة وأهل حارتي الروم والديلم وغير ذلك من الأماكن ما عندهم من الخمر وصبوها في البلاليع والأقنية، وألقوها في الأزقة، وبذلوا المال لمن يأخذها منهم، فحصل لكثير من العامّة والأطراف منها شيء كثير، حتى صارت تباع كل جرّة خمر بدرهم، ويمرّ الناس بأبواب الدور والأزقة فترى من جرار الخمر شيئا كثيرا، ولا يقدر أحد أن يتعرّض لشيء منها، ثم ركب وكبس خط باب اللوق وأخذ منه شيئا كثيرا من الحشيش، وأحرقه عند باب زويلة، واستمرّ الحال مدّة شهر، ما من يوم إلاّ ويهرق فيه خمر عند باب زويلة، ويحرق حشيش، فطهر اللّه به البلد من ذلك جميعه، وتتبع الزعّار وأهل الفساد فخافوه وفرّوا من البلد، فصار السلطان يشكره ويثني عليه لما يبلغه من ذلك، وأما العامّة فإنه ثقل عليها وكرهته، حتى أنه لما تأمّر ابن الأمير بكتمر الساقي وركب إلى القبة المنصورية على العادة، ومعه أبوه النائب وسائر الأمراء، صاحت العامّة للأمير بكتمر الساقي يا أمير بكتمر بحياة ولدك أعزل هذا الظالم، ورد علينا وإلينا، يعنون الخازن، فلما عرّف بكتمر السلطان ذلك أعجبه وقال: يا أمير ما تخشى العامّة والسوقة، إلاّ ظالما مثل هذا، ما يخاف اللّه تعالى، وزاد إعجاب السلطان به حتى قال له: لا تشاور في أمر المفسدين، فلم يغترّ بذلك، ورفع إليه جميع ما يتفق له وشاوره في كل جليل وحقير، وقال له إن جماعة من الكتاب والتجار قد عصر والخمر، واستأذنه في طلبهم ومصادرتهم، فتقدّم له بمشاورة النائب في ذلك وإعلامه أن السلطان قد رسم بالكشف عمن عصر من الكتاب والتجار الخمر، فلما صار إلى النائب وعرّفه الخبر، أهانه وقال: إن السلطان لا يرضى بكبس بيوت الناس وهتك حرمهم وسترهم وإقامة الشناعات، وقام من فوره إلى السلطان وعرّفه ما يكون في فعل ذلك من الفساد الكبير، وما زال به حتى صرف رأيه عما أشار به قدادار من كبس الدور، وأخذ الناس في مماقتته والإخراق به في كل وقت، فإنه كان يعني بالخازن ولم يعجبه عزله عن الولاية، فكثر جورقدادار وزاد تتبعه للناس، ونادى أن لا يعمل أحد حلقة فيما بين القصرين ولا يسمر هناك، وأمر أن لا يخرج أحد من بيته بعد عشاء الآخرة، وأقام عنه نائبا من بطالي الحسينية ضمن المسطبة، منه في كل يوم بثلاثمائة درهم، وانحصر الناس منه وضاقوا به ذرعا لكثرة ما هتك أستارهم، وخرق بكثير من المستورين، وتسلطت المستصنعة وأرباب المظالم على الناس، وكانوا إذا رأوا سكران أوشموا منه رائحة خمر أحضروه» إليه، فتوقى الناس شرّه وشكاه الأمراء غير مرّة إلى السلطان، فلم يلتفت لما يقال فيه، والنائب مستمرّ على الإخراق به إلى أن قبض عليه السلطان، فخلا الجوّ لقدادار، وأكثر من سفك الدماء وإتلاف النفوس والتسلط على العامّة لبغضهم إياه، والسلطان يعجبه منه ذلك بحيث أنه أبرز مرسوما لسائر عماله وولاته إن أحدا منهم لا يقتص ممن وجب عليه القصاص في النفس أو القطع إلا أن يشاور فيه ويطالع بأمره، ما خلا قدادار مستولي القاهرة

стр. 1173

فإنه لا يشاور على مفسد ولا غيره ويده مطلقة في سائر الناس، فدهى الناس منه بعظائم، وشرع في كبس بيوت السعداء، ومشت جماعة من المستصنعين في البلد وكتبوا الأوراق ورموها في بيوت الناس بالتهديد، فكثرت أسباب الضرر وكثر بلاء الناس به، وتعنت على الباعة، ونادى أن لا يفتح أحد حانوته بعد عشاء الآخرة، فامتنع الناس من الخروج بالليل حتى كانت المدينة في الليل موحشة، واستجدّ على كل حارة دربا، وألزم الناس بعمل ذلك، فجبيت بهذا السبب دراهم كثيرة، وصار الخفراء في الليل يدورون معهم الطبول في كل خط، فظفر بإنسان قد سرق شيئا من بيت في الليل وتزيا بزي النساء، فسمّره على باب زويلة، وما زال على ذلك حتى كثرت الشناعة، فعزله السلطان في سنة تسع وعشرين بناصر الدين بن الحسنيّ، فأقام إلى أيام الحج وسافر إلى الحجاز ورجع وهو ضعيف، فمات في سادس عشر صفر سنة ثلاثين وسبعمائة. قنطرة الكتبة: هذه القنطرة على الخليج الناصريّ بخط بركة قرموط، عرفت بذلك لكثرة من كان يسكن هناك من الكتاب، أنشأها القاضي شمس الدين عبد اللّه بن أبي سعيد بن أبي السرور الشهير بغبريال بن سعيد ناظر الدولة، وولي تظر الدواوين بدمشق في سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، إليها من نظر البيوت بديار مصر، ثم استدعي من دمشق وقرر في وظيفة ناظر النظار شريكا للقاضي شهاب الدين الأفقهسيّ، واستقرّ كريم الدين الصغير مكانه ناظرا بدمشق، وذلك في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبعمائة، ثم صرف غبريال من النظر بديار مصر وسفر إلى دمشق في ثامن عشر صفر سنة ست وعشرين، وطلب كريم الدين الصغير من دمشق، ثم قرّر في مكان غبريال في وظيفة النظر بديار مصر الخطير، كاتب أرغون أخو الموفق وأعيد غبريال إلى نظر دمشق ومات بدمشق بعد ما صودر وأخذ منه نحو ألفي درهم، في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وادركنا الأملاك منتظمة بجانبي هذا الخليج من أوّله بموردة البلاط إلى هذه القنطرة، ومن هذه القنطرة إلى حيث يصب في الخليج الكبير، فلما كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة، شرع الناس في هدم ما على هذا الخليج من المناظر البهجة والمساكن الجليلة، وبيع أنقاضها، حتى ذهب ما كان على هذا الخليج من المنازل ما بين قنطرة الفخر التي تقدّم ذكرها، وآخر خط بركة قرموط، وأصبحت موحشة قفراء، بعد ما كانت مواطن أفراح ومغنى صبابات، لا يأويها إلاّ الغربان والبوم، سنة اللّه في الذين خلوا من قبل. قنطرة المقسيّ: هذه القنطرة على خليج فم الخور، وهو الذي يخرج من بحر النيل ويلتقي مع الخليج الناصريّ عند الدكة، فيصيران خليجا واحدا يصب في الخليج الكبير، كان موضعها جسرا يستند عليه الماء إذا بدت الزيادة إلى أن تكمل أربعة عشر ذراعا، فيفتح ويمرّ الماء فيه إلى الخليج الناصريّ وبركة الرطليّ، ويتأخر فتح الخليج الكبير حتى يرقي الماء ستة عشر ذراعا، فلما انطرد ماء النيل عن البرّ الشرقيّ، بقي تاجه هذا الخليج في أيام

стр. 1174

احتراق النيل رملة لا يصل إليها الماء إلاّ عند الزيادة، وصار يتأخر دخول الماء في الخليج مدّة، وإذا كسر سدّ الخليج الكبير عند الوفاء، مرّ الماء هذا الخليج مرورا قليلا، وما زال موضع هذه القنطرة سدّا إلى أن كانت وزارة الصاحب شمس الدين أبي الفرج عبد اللّه المقسيّ، في أيام السلطان الملك الأشرف شعبان بن حسين، فأنشأ بهذا المكان القنطرة فعرفت به، واتصلت العمائر أيضا بجانبي هذا الخليج من حيث يبتدئ إلى أن يلتقي مع الخليج الناصريّ، ثم خرب أكثر ما عليه من العمائر والمساكن بعد سنة ست وثمانمائة، وكان للناس بهذا الخليج مع الخليج الناصريّ في أيام النيل مرور في المراكب للنزهة، يخرجون فيه عن الجدّ بكثرة التهتك والتمتع بكل ما يلهي، إلى أن ولي أمر الدولة بعد قتل الملك الأشرف شعبان بن حسين، الأميران برقوق وبركة، فقام الشيخ محمد المعروف بصائم الدهر في منع المراكب من المرور بالمتفرّجين في الخليج، واستفتى شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان البلقينيّ، فكتب له بوجوب منعهم لكثرة ما ينتهك في المراكب من الحرمات ويتجاهر به من الفواحش والمنكرات، فبرز مرسوم الأميرين المذكورين بمنع المراكب من الدخول إلى الخليج، وركّبت سلسلة على قنطرة المقسيّ هذه في شهر ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، فامتنعت المراكب بأسرها من عبور هذا الخليج إلاّ أن يكون فيها غلة أو متاع، فقلق الناس لذلك وشق عليهم وقال الشهاب أحمد بن العطار الدنيسريّ في ذلك: حديث فم الخور المسلسل ماؤه … بقنطرة المقسيّ قد سار في الخلق ألا فاعجبوا من مطلق ومسلسل … يقول لقد أوقفتم الماء في حلقي وقال: تسلسلت قنطرة المقسيّ مم … ا قد جرى والمنع أضحى شاملا وقال أهل طبنة في مجنهم … قوموا بنا نقطع السلاسلا ولم تزل مراكب الفرجة ممتنعة من عبور الخليج إلى أن زالت دولة الظاهر برقوق، في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، فأذن في دخولها وهي مستمرّة إلى وقتنا هذا. قنطرة باب البحر: هذه القنطرة على الخليج الناصري، يتوصل إليها من باب البحر ويمرّ الناس من فوقها إلى بولاق وغيره، وهي مما أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاوون عند انتهاء حفر الخليج الناصريّ، في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وقد كان موضعها في القديم غامرا بالماء عند ما كان جامع المقس مطلا على النيل، فلما انحسر الماء عن برّ القاهرة صار ما قدّام باب البحر رملة، فإذا وقف الإنسان عند باب البحر رأى البرّ الغربيّ، لا يحول بينه وبين رؤيته بنيان ولا غيره، فإذا كان أوان زيادة ماء النيل صار الماء إلى باب

стр. 1175

البحر، وربما جلفط في بعض السنين خوفا من غرق المقس، ثم لما طال المدى غرق خارج باب البحر بأرض باطن اللوق، وغرس فيه الأشجار فصار بساتين ومزارع، وبقي موضع هذه القنطرة جرفا، ورمى الناس عليه التراب فصار كوما يشنق عليه أرباب الجرائم، ثم نقل ما هنالك من التراب وأنشئت هذه القنطرة ونودي في الناس بالعمارة، فأوّل ما بني في غربيّ هذه القنطرة مسجد المهاميزيّ وبستانه، ثم تتابع الناس في العمارة حتى انتظم ما بين شاطيء النيل ببولاق وباب البحر عرضا، وما بين منشأة المهراني ومنية الشيرج طولا، وصار ما بجانبي الخليج معمورا بالدور ومن ورائها البساتين والأسواق والحمّامات والمساجد، وتقسمت الطرق وتعدّدت الشوارع وصار خارج القاهرة من الجهة الغربية عدّة مدائن. قنطرة الحاجب: هذه القنطرة على الخليج الناصري، يتوصل إليها من أرض الطبالة، ويسير الناس عليها إلى منية الشيرج وغيرها، أنشأها الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب في سنة ست وعشرين وسبعمائة، وذلك أنه كانت أرض الطبالة بيده، فلما شرع السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في حفر الخليج الناصريّ، التمس بكتمر من المهندسين إذا وصلوا بالحفر إلى حيث الجرف أن يمرّوا به على بركة الطوّابين التي تعرف اليوم ببركة الرطليّ، وينتهوا من هناك إلى الخليج الكبير، ففعلوا ذلك وكان قصدهم أولا أنه إذا انتهى الحفر إلى الجرف مرّوا فيه إلى الخليج الكبير من طرف البعل، فلما تهيأ لبكتمر ذلك عمرت له أراضي الطبالة كما يأتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى عند ذكر البرك، فعمرت هذه القنطرة في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وأسند إليها جسرا عمله حاجزا بين بركة الحاجب المعروفة ببركة الرطليّ وبين الخليج الناصريّ، وسيرد ذكره إن شاء اللّه تعالى عند ذكر الجسور، ولما عمرت هذه القنطرة اتصلت العمائر فيما بينها وبين كوم الريش، وعمر قبالتها ربع عرف بربع الزيتيّ، وكان على ظهر القنطرة صفان من حوانيت، وعليها سقيفة تقي حرّ الشمس وغيره، فلما غرق كوم الريش في سنة بضع وستين وسبعمائة صار هذا الكوم الذي خارج القنطرة، ومن تحت هذه القنطرة يصب الخليج الناصريّ في الخليج الكبير، ويمرّ إلى حيث القنطرة الجديدة وقناطر الأوز وغيرها، كما تقدّم ذكره. قنطرة الدكة: هذه القنطرة كانت تعرف بقنطرة الدكة، ثم عرفت بقنطرة التركمانيّ من أجل أن الأمير بدر الدين التركمانيّ عمرها، وهذه القنطرة كانت على خليج الذكر، وقد انطم ما تحتها وصارت معقودة على التراب لتلاف خليج الذكر، وللّه در ابراهيم المعمار حيث يقول: يا طالب الدّكّة نلت المنى … وفزت منها ببلوغ الوطر قنطرة من فوقها دكّة … من تحتها تلقى خليج الذكر قناطر بحر أبي المنجا: هذه القناطر من أعظم قناطر مصر وأكبرها، أنشأها السلطان

стр. 1176

الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري في سنة خمس وستين وستمائة، وتولى عمارتها الأمير عز الدين أيبك الأقرم. قناطر الجيزة: قال في كتاب عجائب البنيان: أن القناطر الموجودة اليوم في الجيزة من الأبنية العجيبة. ومن أعمال الجبارين، وهي نيف وأربعون قنطرة، عمرها الأمير قراقوش الأسديّ، وكان على العمائر في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، بما هدمه من الأهرام التي كانت بالجيزة، وأخذ حجرها فبنى منه هذه القناطر وبنى سور القاهرة ومصر وما بينهما، وبنى قلعة الجبل، وكان خصيا روميا سامي الهمة، وهو صاحب الأحكام المشهورة والحكايات المذكورة، وفيه صنف الكتاب المشهور المسمى بالفاشوش في أحكام قراقوش، وفي سنة تسع وتسعين وخمسمائة تولى أمر هذه القناطر من لا بصيرة عنده، فسدّها رجاء أن يحبس الماء، فقويت عليها جرية الماء، فقويت عليها جرية الماء فزلزلت منها ثلاث قناطر وانشقت، ومع ذلك فما روى ما رجا أن يروي، وفي سنة ثمان وسبعمائة رسم الملك المظفر بيبرس الجاشنكير برمّها، فعمر ما خرب منها وأصلح ما فسد فيها، فحصل النفع بها. وكان قراقوش لما أراد بناء هذه القناطر بنى رصيفا من حجارة، ابتدأ به من حيز النيل بإزاء مدينة مصر، كأنه جبل ممتدّ على الأرض مسيرة ستة أميال، حتى يتصل بالقناطر. ذكر البرك قال ابن سيده: البركة مستنقع الماء، والبركة شبه حوض يحفر في الأرض. انتهى. وقد رأيت بخط معتبر ما مثاله: وملؤا البركة ماء، فنصب الماء وكسر الراء وفتح الكاف والتاء. بركة الحبش: هذه البركة كانت تعرف ببركة المغافر، وتعرف ببركة حمير، وتعرف أيضا باصطبل قرّة، وعرفت أيضا باصطبل قامش، وهي من أشهر برك مصر، وهي في ظاهر مدينة الفسطاط من قبليها، فيما بين الجبل والنيل، وكانت من الموات، فاستنبطها قرّة بن شريك العنبسيّ أمير مصر وأحياها وغرسها قصبا، فعرفت باصطبل قرّة، وعرفت أيضا باصطبل قامش، وتنقلت حتى صارت تعرف ببركة الحبش. ودخلت في ملك أبي بكر الماردانيّ فجعلها وقفا، ثم أرصدت لبني حسن وبني حسين ابني عليّ بن أبي طالب ﵃، فلم تزل جارية في الأوقاف عليهم إلى وقتنا هذا. قال أبو بكر الكنديّ في كتاب الأمراء: وقدم قرّة بن شريك من وفادته في سنة ثلاث وتسعين فاستنبط الإصطبل لنفسه من الموات وأحياه وغرسه قصبا، فكان يسمى اصطبل قرّة، ويسمى أيضا اصطبل القامش، يعنون القصب، كما يقولون قامش مروان.

стр. 1177

وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر. وكان الإصطبل للأزد فاشتراه منهم الحكم بن أبي بكر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، فبناه وكان يجرى على الذي يقرأ في المصحف الذي وضعوه في المسجد الذي يقال له مصحف أسماء، من كراه في كل شهر ثلاثة دنانير، فلما حيزت أموالهم، يعني أموال بني أمية، وضمت إلى مال اللّه، حيز الإصطبل فيما حيز وكتب بأمر المصحف إلى أمير المؤمنين أبي العباس السفاح، فكتب أن أقرّوا مصحفهم في مسجدهم على حاله، وأجروا على الذي يقرأ فيه ثلاثة دنانير في كل شهر من مال اللّه تعالى. وقال القضاعيّ: بركة الحبش كانت تعرف ببركة المغافر وحمير، وتعرف باصطبل قامش، وكانت في ملك أبي بكر محمد بن عليّ الماردانيّ، بجميع ما تشتمل عليه من المزارع والجنان خلا الجنان التي في شرقيها، وأظنها الجنان المنسوبة إلى وهب بن صدقة، وتعرف بالحبش، فإني رأيت في شرط هذه البركة أن الحدّ الشرقيّ ينتهي إلى الفضاء الفاصل بينها وبين الجنان المعروفة بالحبش، فدلّ على أن الجنان خارجة عنها. وذكر ابن يونس في تاريخه: أن في قبليّ بركة الحبش جنانا تعرف بقتادة بن قيس بن حبشيّ الصدفيّ شهد فتح مصر، والجنان تعرف بالحبش، وبه تعرف بركة الحبش، وذكر بعض هذا الشرط أنّ الحدّ البحري ينتهي إلى البئر الطولونية وإلى البئر المعروفة بموسى بن أبي خليد، وهذه البئر هي البير المعروفة بالنعش. ورأيت في كتاب شرط هذه البركة أنها محبسة على البئرين اللتين استنبطهما أبو بكر الماردانيّ في بني وائل بحضرة الخليج والقنطرة المعروفة، أحدهما بالفندق والأخرى بالعتيق، وعلى السرب الذي يدخل منه الماء إلى البئر الحجارة المعروفة بالروا، التي في بني وائل، ذات القناطر التي يجرى فيها الماء إلى المصنعة التي بحضرة العقبة التي يصار منها إلى يحصب، وهي المصنعة المعروفة بدليله، وعلى القنوات المتصلة بها التي تصب إلى المصنعة ذات العمد الرخام القائمة فيها، المعروفة بسمينة، وهي التي في وسط يحصب. ويقال أن هناك كانت سوق ليحصب، وذكر في هذا الشرط دارا له في موضع السقاية المعروفة بسقاية زوف، وشرط أن تنشأ هذه الدار مصنعة على مثل هذه المصنعة المقدّم ذكرها، المعروفة بسمينة، وهي سقاية زوف اليوم، وعلى القناة التي يجري فيها الماء إلى مصنعة ذكر أنّه كان أنشأها عند البئر المعروفة اليوم ببئر القبة، والحوض الذي هناك بحضرة المسجد المعروف بمسجد القبة، وكانت هذه المصنعة تسمى ريا، وجعل هذا الحبس أيضا على البئر التي له بالحبانية بحضرة الخندق، وذكر أنها تعرف بالقبانية، وأن ماءها يجري إلى المصنعة المقابلة للميدان من دار الإمارة في طريق المصلى القديم، ثم إلى المصنعة التي تحت مسجده المقابل لدار عبد العزيز، ثم إلى المصنعة المقابلة لمسجد التربة المجاورة لمسجد الأخضر، وتاريخ هذا الشرط شهر رمضان

стр. 1178

سنة سبع وثلاثمائة، وجعل ما يفضل عن جميع ذلك مصروفا في ابتياع بقر وكباش تذبح ويطبخ لحمها، ويبتاع أيضا معها خبز برّ ودراهم وأكسية وأعبية ويتصدّق بذلك على الفقراء والمساكين بالمغافر وغيرها من القبائل بمصر، وكان بناؤه السقايتين اللتين بالموقف والسقايات التي بالمغافر وبزوف وبيحصب وبني وائل، وعمل المجاري في سنة أربع، وقيل في سنة ثلاثمائة وقد حبس أبو بكر على الحرمين ضياعا كان ارتفاعها نحو مائة وألف دينار، ومنها سيوط وأعمالها وغيرها. انتهى. وفي تواريخ النصارى: أن الأمير أحمد بن طولون صادر البطريق ميخائيل بطرك اليعاقبة على عشرين ألف دينار، فباع النصارى رباع الكنائس بالاسكندرية وأرض الحبش بظاهر مصر والكنيسة المجاورة للمعلقة بقصر الشمع بمصر لليهود. قلت هكذا في تواريخهم، ولا أعلم كيف ملكوا أرض الحبش، فلعلّ الماردانيّ هو الذي اشتراها، ثم وقفها. وقال ابن المتوج: بركة الحبش هذه البركة مشهورة في مكانها، وقد اتصل ثبوت وقفها عند قاضي القضاة بدر الدين أبي عبد اللّه محمد بن سعد اللّه بن جماعة رحمة اللّه عليه، على أنها وقف على الأشراف الأقارب والطالبيين نصيف، بينهما بالسوية، النصف الأوّل على الأقارب والنصف الآخر على الطالبيين، وثبت قبله عند قاضي القضاة بدر الدين أبي المحاسن يوسف بن الحسن السنجاريّ أن النصف منها وقف على الأشراف الأقارب بالاستفاضة، بتاريخ ثالث عشر ربيع الأوّل سنة أربعين وستمائة، وهم الأقارب الحسينيون، وهو إذ ذاك قاضي القضاة بالقاهرة والوجه البحريّ، وما مع ذلك من البلاد الشامية المضافة إلى ملك الملك الصالح نجم الدين أيوب، وثبت عند قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام رحمه اللّه تعالى، وكان قاضي القضاة بمصر والوجه القبليّ، وخطيب مصر بالاستفاضة أيضا، أن البركة المذكورة وقف على الأشراف الطالبيين بتاريخ التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة أربعين وستمائة، وبعدهما قاضي القضاة وجيه الدين البهنسيّ في ولايته، ثم نفذهما بعد تنفيذ وجيه الدين المذكور في شعبان سنة ثلاث عشرة وسبعمائة قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد اللّه محمد بن جماعة، وهو حاكم الديار المصرية، خلا ثغر الإسكندرية، ويأتي أصل خبر هذه البركة مبينا مشروحا من أصلها في مكانه إن شاء اللّه تعالى. قال: فمن جملة الأوقاف بركة الأشراف المشهورة ببركة الحبش، وهذه البركة حدودها أربعة، الحدّ القبليّ ينتهي بعضه إلى أرض العدوية، يفصل بينهما جسر هناك وباقية إلى غيطان بساتين الوزير، والحدّ البحريّ ينتهي بضعه إلى أبنية الآدر التي هناك المطلة عليها، وإلى الطريق، وإلى الجسر الفاصل بينها، وبين بركة الشعيبية. والحدّ الشرقيّ إلى

стр. 1179

حدّ بساتين الوزير المذكورة، والحدّ الغربيّ ينتهي إلى بعضه إلى بحر النيل وإلى أراضي دير الدين وإلى بعض حقوق جزيرة ابن الصابونيّ وجسر بستان المعشوق الذي هو من حقوق الجزيرة المذكورة، وهذه البركة وقف الأشراف الأقارب والطالبيين نصفين بينهما بالسوية، والذي شاهدته من أمرها أني وقفت على أسجال قاضي القضاة بدر الدين أبي المحاسن يوسف السنجاريّ رحمة اللّه تعالى تعالى عليه تاريخه ثاني عشر ربيع الآخر سنة أربعين وستماة، وهو حين ذاك حاكم القاهرة والوجه البحريّ على محضر شهد فيه بالاستفاضة، أن نصف هذه البركة وقف على الأشراف الأقارب الحسينيين، وثبت ذلك عنده، ورأيت أسجال الشيخ قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام ﵀ على محضر شهد فيه بالاستفاضة، وهو حين ذلك قاضي مصر والوجه القبليّ، وأشهد عليه أن ثبت عنده أن البركة المذكورة جميعها وقف على الأشراف الطالبيين، وتاريخ اسجالة التاسع والعشرون من شهر ربيع الآخر سنة أربعين وستمائة، ثم نفذهما جميعا في تاريخ واحد قاضي القضاة وجيه الدين البهنسيّ، وهو قاضي القضاة حين ذاك، ثم نفذهما قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد اللّه محمد بن جماعة، وهو قاضي القضاة بالديار المصرية، واستقرّ النصف من ربع هذه البركة على الأشراف الأقارب مع قلتهم، والنصف على الأشراف الطالبيين مع كثرتهم، وتنازعوا غير مرّة على أن تكون بينهم الجميع بالسوية، فلم يقدروا على ذلك، وعقد لهم مجل غير مرّة فلم يقدروا على تغييره، وأحسن ما وصفت به بركة الحبش قول عيسى بن موسى الهاشميّ أمير مصر وقد خرج إلى الميدان الذي بطرف المقابر فقال لمن معه: أتتأملون الذي أرى، قالوا وما الذي يرى الأمير؟ قال: أرى ميدان رهان وجنان نخل وبستان شجر ومنازل سكنى وذروة جبل وجبانة أموات ونهر أعجاجا وأرض زرع ومراعي ماشية ومرتع خيل وساحل بحر وصائد نهر وقانص وحش وملاح سفينة وحادي إبل ومفازة رمل وسهلا وجبلا، فهذه ثمانية عشر منتزها في أقلّ من ميل في ميل، وأين هذه الأوقاف من وصف بعضهم قصر أنس بالبصرة في قوله: زر وادي القصر نعم القصر والوادي … لا بدّ من زورة من غير ميعاد زره فليس له شيء يشاكله … من منزل حاضر إن شئت أوبادي تلقى به السفن والأعياس حاضرة … والضب والنون والملاح والحادي وقال: زر وادي القصر نعم القصر والوادي … وحبذا أهله من حاضر بادي تلقى قراقرة والعيس واقفة … والضب والنون والملاح والحادي هكذا أنشدهما أبو الفرج الأصبهانيّ رحمه اللّه تعالى في كتاب الأغاني، ونسبهما لابن عيينة بن المنهال بن محمد بن أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة، شاعر من ساكني

стр. 1180

البصرة، وقيل أن اسمه عذرة، وقيل اسمه أبو عيينة، وكنيته أبو المنهال، وكان بعد المائتين، وأنشد أبو العلاء المعرّي في رسالة الصاهل والساحج: يا صاح ألمم بأهل القصر والوادي … وحبذا أهله من حاضر بادي ترى قراقرة والعيس واقفة … والضب والنون والملاح والحادي وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسيّ. وفي هذا الوقت من السنة يعني أيام النيل، تكون أرض مصر أحسن شيء منظرا، ولا سيما منتزهاتها المشهورة ودياراتها المطروقة، كالجزيرة والجيزة وبركة الحبش وما جرى مجراها من المواضع التي يطرقها أهل الخلاعة والقصف، ويتناوبها ذوو الآداب والظرف، واتفق أن خرجنا في مثل هذا الزمان إلى بركة الحبش وافترشنا من زهرها أحسن بساط، واستظللنا من دوحها بأوفي رواق، فظللنا نتعاطى من زجاجات الأقدام شموسا في خلع بدور، وجسوم نار في غلائل نور إلى أن جرى ذهب الأصيل على لجين الماء. ونشبت نار الشفق بفحمة الظلماء، فقال بعضهم: وهو أمية المذكور من قوله المشهور: للّه يومي ببركة الحبش … واوفق بين الضياء والغبش والنيل تحت الرياح مضطرب … كصارم في يمين مرتعش ونحن في روضة مفوّفة … دبّج بالنّور عطفها ووشي قد نسجتها يد الغمام لنا … فنحن من نسجها على فرش فعاطني الراح إنّ تاركها … من سورة الهمّ غير منتعش وأثقل الناس كلهم رجل … دعاه داعي الهوى فلم يطش فأسقني بالكبار مترعة … فهنّ أشفى لشدّة العطش وقال أيضا: علل فؤادك باللذات والطرب … وباكر الرّاح بالبانات والنخب أما ترى البركة الغناء لابسة … وشيا من النور حاكته يد السحب وأصبحت من جديد الروض في ح … لل قد أبرز القطر منها كل محتجب من سوسن شرق بالطلّ محجره … وأقحوان شهيّ الظلم والشنب فانظر إلى الورد يحكي خدّ محتشم … ونرجس ظلّ يبدي لحظ مرتقب والنيل من ذهب يطفو على ورق … والرامح من ورق يطفو على ذهب وربّ يوم نقعنا فيه غلتنا … بحاجم من فم الإبريق ملتهب شمس من الرّاح حيانا بها قمر … موف على غصن يهتز في كثب أرخى ذؤابه وانهزّ منعطفا … كصعدة الرمح في مسودة العذب فاطرب ودونكها فاشرب فقد بعثت … على التصابي دواعي اللهو والطرب

стр. 1181

وقال: يا نزهة الرصد المصري قد جمعت … من كلّ شيء حلا في جانب الوادي فذا غدير وذا روض وذا جبل … والضب والنون والملاح والحادي وقال ابراهيم بن الرفيق في تاريخه: حدّثني محمد الكهينيّ، وكان أديبا فاضلا، قد سافر ورأى بلدان المشرق قال: ما رأيت قطّ أجمل من أيام النوروز، والغيطاس، والميلاد، والمهرجان، وعيد الشعانين، وغير ذلك من أيام اللهو التي كانوا يسخون فيها بأموالهم، رغبة في القصف والعزف، وذلك أنه لا يبقى صغير ولا كبير إلاّ خرج إلى بركة الحبش متنزها، فيضربون عليها المضارب الجليلة، والسرادقات والقباب، والشراعات، ويخرجون بالأهل والولد، ومنهم من يخرج بالقينات المسمعات المماليك والمحرّرات، فيأكلون ويشربون ويسمعون ويتفكهون وينعمون، فإذا جاء الليل أمر الأمير تميم بن المعز مائتي فارس من عبيده بالعسس عليهم في كل ليلة، إلى أن يقضوا من اللهو والنزهة إربهم وينصرفوا فيسكرون وينامون كما ينام الإنسان في بيته، ولا يضيع لأحد منهم ما قيمته حبة واحدة، ويركب الأمير تميم في عشاري ويتبعه أربعة زواريق مملوءة فاكهة وطعاما ومشروبا، فإن كانت الليالي مقمرة، وإلاّ كان معه من الشموع ما يعيد الليل نهارا، فإذا مرج على طائفة واستحسن من غنائهم صوتا، أمرهم بإعادته وسألهم عما عز عليهم، فيأمر لهم به، ويأمر لمن يغني لهم. وينتقل منهم إلى غيرهم بمثل هذا الفعل عامّة ليله، ثم ينصرف إلى قصوره وبساتينه التي على هذه البركة، فلا يزال على هذه الحال حتى تنقضي هذه الأيام، ويتفرّق الناس. وقال محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي الحنفيّ، وتوفي بدمشق سنة إحدى وخمسين وستمائة، يصف بركة الحبش في أيام الربيع: إذا زيّن الحسناء قرط فهذه … يزينها من كلّ ناحية قرط ترقرق فيها أدمع الطلّ غدوة … فقلت لآل قد تضمنها قرط وقال ابن سعيد في كتاب المغرب: وخرجت مرّة حيث بركة الحبش التي يقول فيها أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسيّ عفا اللّه عنه: للّه يومي ببركة الحبش … والأفق بين الضياء والغبش والنيل تحت الرياح مضطرب … كصارم في يمين مرتعش وعاينت من هذه البركة أيام فيض النيل عليها أبهج منظر، ثم زرتها أيام غاص الماء، وبقيت فيها مقطعات بين خضر من القرط والكتان تفتن الناظر، وفيها أقول:

стр. 1182

يا بركة الحبش التي يومي بها … طول الزمان مبارك وسعيد حتى كأنك في البسيطة جنة … وكأن دهري كله بك عيد يا حسن ما يبدو بك الكتان في … نواره أوزرّه معقود والماء منك سيوفه مسلولة … والقرط فيك رواقه ممدود وكأنّ أبراجا عليك عرائس … جليت وطيرك حولها غرّيد يا ليت شعري هل زمانك عائد … فالشوق فيه مبدئ ومعيد وكان ماء النيل يدخل إلى بركة الحبش من خليج بني وائل، وكان خليج بني وائل مما يلي باب مصر من الجهة القبلية، الذي يعرف إلى يومنا هذا بباب القنطرة، من أجل أن هذه القنطرة كانت هناك. قال ابن المتوج: ورأيت ماء النيل في زمن النيل يدخل من تحته إلى خليج بني وائل. قلت وفي أيام الناصر محمد بن قلاون استولى النشو ناظر الخاص على بركة الحبش، وصار يدفع إلى الأشراف من بيت المال مالا في كل سنة، فلما مات الناصر وقام من بعده ابنه المنصور أبو بكر أعيدت لهم. ذكر الماردانيّ هو أبو بكر محمد بن عليّ بن محمد بن رستم بن أحمد. وقيل محمد بن عليّ بن أحمد بن عيسى بن رستم. وقيل محمد بن عليّ بن أحمد بن إبراهيم بن الحسين بن عيسى بن رستم الماردانيّ، أحد عظماء الدنيا. ولد بنصيبين (١) لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين ومائتين، وقدم إلى مصر في سنة اثنتين وسبعين ومائتين، وخلف أباه عليّ بن أحمد الماردانيّ أيام نظره في أمور أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، وسنّه يومئذ خمس عشرة سنة، وكان معتدل الكتابة ضعيف الحظ من النحو واللغة، ومع ذلك فكان يكتب الكتب إلى الخليفة، فمن دونه على البديهة من غير نسخة، فيخرج الكتاب سليما من الخلل. ولما قتل أبوه في سنة ثمانين ومائتين، استوزره هارون بن خماريه، فدبّر أمر مصر إلى أن قدم محمد بن سليمان الكاتب من بغداد إلى مصر، وأزال دولة بني طولون، وحمل رجالهم إلى العراق، فكان أبو بكر ممن حمله، فأقام ببغداد إلى أن قدم صحبة العساكر لقتال خباسة، فدبر أمر البلد وأمر ونهى، وحدّث بمصر عن أحمد بن عبد الجبار العطارديّ وغيره، بسماعه منهم في بغداد، وكان قليل الطلب للعلم، تغلب عليه محبة الملك وطلب السيادة، ومع ذلك كان يلازم تلاوة القرآن الكريم ويكثر من الصلاة ويواظب على الحج، وملك بمصر من الضياع الكبار ما لم يملكه أحد قبله، وبلغ ارتفاعه في كل سنة أربعمائة ألف دينار سوى الخراج، ووهب وأعطى وولى وصرف وأفضل ومنع

стр. 1183

ورفع ووضع، وحج سبعا وعشرين حجة، أنفق في كل حجة منها مائة وخمسين ألف دينار، وكان تكين أمير مصر يشيعه إذا خرج للحج ويتلقاه إذا قدم، وكان يحمل إلى الحجاز جميع ما يحتاج إليه، ويفرّق بالحرمين الذهب والفضة والثياب والحلوى والطيب والحبوب، ولا يفارق أهل الحجاز إلاّ وقد أغناهم. وقيل مرّة وهو بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، ما بات في هذه الليلة أحد بمكة والمدينة وأعمالهما إلاّ وهو شبعان من طعام أبي بكر الماردانيّ. ولما قدم الأمير محمد بن طفج الإخشيد إلى مصر استتر منه، فإنه كان منعه من دخول مصر، وجمع العساكر لقتاله، فاجتمع له زيادة على ثلاثين ألف مقاتل، وحارب بهم بعد موت تكين أمير مصر، ومرّت به خطوب لكثرة فتن مصر إذ ذاك، وأحرقت دوره ودور أهله ومجاوريه، وأخذت أمواله واستتر فقبض على خليفته وعماله، فكتب إلى بغداد يسأل إمارة مصر، وكتب محمد بن تكين بالقدس يسأل ذلك، فعاد الجواب بإمارة ابن تكين، وأن يكون الماردانيّ يدبر أمر مصر ويولي من شاء، فظهر عند ذلك من الاستتار وأمر ونهى ودبر أمر البلد، وصار الجيش بأسره يغدو إلى بابه، فأنفق في جماعة، واصطنع قوما، وقتل عدّة من أصحاب ابن تكين، وكان محمد بن تكين بالقدس، وأمر مصر كله للماردانيّ بمفرده ومعه أحمد بن كيغلغ، وقد قدم من بغداد بولاية ابن تكين على مصر، وولاية أبي بكر الماردانيّ تدبير الأمور، فاستمال أبو بكر أحمد بن كيغلغ حتى صار معه على ابن تكين وحاربه، وكان من أمره ما كان إلى أن قدمت عساكر الإخشيد، فقام أبو بكر لمحاربتهم، ومنع الإخشيد من مصر، فكان الإخشيد غالبا له ودخل البلد فاستتر منه أبو بكر إلى أن دلّ عليه فأخذ وسلمه إلى الفضل بن جعفر بن الفرات، فلما صار إلى ابن الفرات قال له: إيش هذا الاستيحاش والتستر، وأنت تعلم أن الحج قد أظلّ ويحتاج لإقامة الحج، فقال به أبو بكر: إن كان إليّ فخمسة عشر ألف دينار، فقال ابن الفرات: أيش، خمسة عشر ألف دينار؟ قال ما عندي غير هذا، فقال ابن الفرات: بهذا ضربت وجه السلطان بالسيف، ومنعت أمير البلد من الدخول. ثم صاح يا شاذن خذه إليك فأقيم وأدخل إلى بيت، وكان يومئذ صائما، فامتنع من تناول الطعام والشراب ولزم تلاوة القرآن والصلاة طول يومه وليلته، وأصبح فامتنع ابن الفرات من الأكل إجلالا له، فلما كان وقت الفطر من الليلة الثانية، امتنع أبو بكر من الفطر كما امتنع في الليلة الأولى، فامتنع ابن الفرات أيضا من الأكل وقال: لا آكل أبدا أو يأكل أبو بكر، فلما بلغ ذلك أبا بكر أكل، فأخذ ابن الفرات في مصادرته وقبض على ضياعه التي بالشام ومصر، وتتبع أسبابه. ثم خرج به معه إلى الشام وعاد به إلى مصر، ثم خرج به ثانيا إلى الشام، فمات الفضل بن الفرات بالرملة، ورجع أبو بكر إلى مصر فردّ إليه الإخشيد أمور مصر كلها، وخلع على ابنه، وتقلد السيف، ولبس المنطقة، ولبس أبو بكر الدراعة تنزها، ثم تنكر عليه الإخشيد وقبضه في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وجعله في دار وأعدّ له فيها

стр. 1184

من الفرض والآلات والأواني والملبوس والطيب والطرائف وأنواع المآكل والمشارب ما بلغ فيه الغاية، وتفقدها بنفسه وطافها كلها، فقيل له عملت هذا كله لمحمد بن عليّ الماردانيّ؟ فقال: نعم، هذا ملك وأردت أن لا يحتقر بشيء لنا، ولا يحتاج أن يطلب حاجة إلاّ وجدها، فإنه إن فقد عندنا شيئا مما يريده استدعى به من داره، فنسقط نحن من عينيه عند ذلك، فلم يزل معتقلا حتى خرج الإخشيد إلى لقاء أمير المؤمنين المتقي للّه، فحمله معه، ولما مات الإخشيد بدمشق كان أبو بكر بمصر، فقام بأمر أونوجور بن الإخشيد وقبض على محمد بن مقاتل وزير الإخشيد، وأمر ونهى وصرّف الأور إلى أن كانت واقعة غلبون واتصال أبي بكر به، فلما عادت الإخشيدية قبض على أبي بكر ونهبت دوره وأحرق بعضها وأخذ ابنه، وقام أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات بأمر الوزارة، فعند ما قدم كافور الإخشيدي من الشام بالعساكر التي كانت مع الإخشيد أطلق أبا بكر وأكرمه وردّ ضياعه وضياع ابنه، فلما ماتت أمّ ولده لحقه كافور ومعه الأمير أونوجور عند المقابر وترجلا له وعزياه، ثم ركبا معه حتى صليا عليها، فلما مرض مرض موته، عاده كافور مرارا إلى أن مات في شهر شوال سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، فدفن بداره. ثم نقل إلى المقابر، وكانت فضائله جمة منها: أنه أقام أربعين سنة يصوم الدهر كله، ويركب كل يوم إلى المقابر بكرة وعشية، فيقف له الموكب حتى يمضي إلى تربة أولاده وأهله فيقرأ عندهم ويدعو لهم، وينصرف إلى المساجد في الصحراء فيصلى بها والناس وقوف له، إلاّ أنه كان في غاية العجلة لا يراجع فيما يريده ولو كان ما كان، ولما أراد المقتدر أن يقيم وزيرا كتبت رقعة فيها أسماء جماعة، وأنفذت إلى عليّ بن عيسى ليشير بواحد منهم، وكان أبو بكر ممن كتب معهم اسمه، فكتب تحت كل اسم واحد منهم ما يستحقه من الوصف، وكتب تحت اسم أبي بكر محمد بن عليّ الماردانيّ: مترف عجول، وبنى أبو بكر السقايات والمساجد في المغافر وفي يحصب وبني وائل، وليس لشيء منها اليوم أثر يعرف، ومرّت به في هذا الكتاب أخبار، وقد أفرد له ابن زولاق سيرة كبيرة، وهذا منها واللّه أعلم. ذكر بساتين الوزير هذه البساتين في الجهة القبلية من بركة الحبش، وهي قرية فيها عدّة مساكن وبساتين كثيرة، وبها جامع تقام فيه الجمعة، وعرفت بالوزير أبي الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن محمد المغربيّ، وبنو المغربيّ أصلهم من البصرة، وصاروا إلى بغداد، وكان أبو الحسن عليّ بن محمد تخلف على ديوان المغرب ببغداد، فنسب به إلى المغرب، وولد ابنه الحسين بن عليّ ببغداد فتقلد أعمالا كثيرة منها: تدبير محمد بن ياقوت عند استيلائه على أمر الدولة ببغداد، وكان خال ولده عليّ، وهو أبو عليّ هارون بن عبد العزيز الأوراجيّ، الذي مدحه أبو الطيب المتنبي من أصحاب أبي بكر محمد بن رائق، فلما لحق ابن رائق ما لحقه بالموصل، صار الحسين بن عليّ بن المغربي

стр. 1185

إلى الشام، ولقي الإخشيد وأقام عنده وصار ابنه أبو الحسن عليّ بن الحسين ببغداد، فأنفذ الإخشيد غلامه فاتك المجنون فحمله ومن يليه إلى مصر، ثم خرج ابن المغربيّ من مصر إلى حلب ولحق به سائر أهله ونزلوا عند سيف الدولة أبي الحسن عليّ بن عبد اللّه بن حمدان مدّة حياته، وتخصص به الحسين بن عليّ بن محمد المغربيّ، ومدحه أبو نصر بن نباتة، وتخصص أيضا عليّ بن الحسين بسعد الدولة بن حمدان، ومدحه أبو العباس النامي، ثم شجر بينه وبين ابن حمدان ففارقه وصار إلى بكجور بالرقة، فحسن له مكاتبة العزيز بالله نزار والتحيز إليه، فلما وردت على العزيز مكاتبة بكجور قبله واستدعاه، وخرج من الرقة يريد دمشق، فوافاه عبد العزيز بولاية دمشق وخلفه فتسلمها وخرج لمحاربة ابن حمدان بحلب بمشورة عليّ بن المغربيّ، فلم يتم له أمر وتأخر عنه من كاتبه فقال لابن المغربيّ: غررتني فيما أشرت به عليّ. وتنكر له ففرّ منه إلى الرقة، وكانت بين بكجور وبين ابن حمدان خطوب آلت إلى قتل ابن بكجور، ومسير ابن حمدان إلى الرقة، ففرّ ابن المغربيّ منها إلى الكوفة وكاتب العزيز بالله يستأذنه في القدوم، فأذن له، وقدم إلى مصر في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وخدم بها وتقدّم في الخدم، فحرّض العزيز على أخذ حلب، فقلد ينجوتكين بلاد الشام وضم إليه أبا الحسن بن المغربيّ ليقوم بكتابته ونظر الشام وتدبير الرجال والأموال، فسار إلى دمشق في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وخرج إلى حلب وحارب أبا الفضائل بن حمدان وغلامه لؤلؤ، فكاتب لؤلؤ أبا الحسن بن المغربيّ واستماله حتى صرف ينجوتكين عن محاربة حلب وعاد إلى دمشق، وبلغ ذلك العزيز بالله فاشتدّ حنقه على ابن المغربيّ وصرفه بصالح بن عليّ الروذباديّ، واستقدم ابن المغربيّ إلى مصر، ولم يزل بها حتى مات العزيز بالله وقام من بعده ابنه الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور، فكان هو وولده أبو القاسم حسين من جلسائه، فلما شرع الحاكم بأمر اللّه في قتل رجال الدولة من القوّاد والكتاب والقضاة، قبض على عليّ ومحمد ابني المغربيّ وقتلهما، ففرّ منه أبو القاسم حسين بن عليّ بن المغربيّ إلى حسان بن مفرّج بن الجرّاح، فأجاره وقلد الحاكم يارجتكين الشام، فخافه ابن جرّاح لكثرة عساكره، فحسن له ابن المغربيّ مهاجمته، فطرق يارجتكين في مسيره على غفلة وأسره وعاد إلى الرملة، فشن الغارات على رساتيقها، وخرج العسكر الذي بالرملة فقاتل العرب قتالا شديدا كادت العرب أن تنهزم لولا ثبّتها ابن المغربيّ، وأشار عليهم بإشهار النداء بإباحة النهب والغنيمة، فثبتوا ونادوا في الناس فاجتمع لهم خلق كثير، وزحفوا إلى الرملة فملكوها وبالغوا في النهب والهتك والقتل، فانزعج الحاكم لذلك انزعاجا عظيما، وكتب إلى مفرّج بن جرّاح يحذره سوء العاقبة ويلزمه بإطلاق يارجتكين من يد حسان ابنه. وإرساله إلى القاهرة، ووعده على ذلك بخمسين ألف دينار، فبادر ابن المغربيّ لما بلغه ذلك إلى حسان وما زال يغريه بقتل يارجتكين حتى أحضره وضرب عنقه، فشق ذلك على مفرّج، وعلم أنه

стр. 1186

فسد ما بينهم وبين الحاكم، فأخذ ابن المغربيّ يحسن لمفرّج خلع طاعة الحاكم والدعاء لغيره إلى أن استجاب له، فراسل أبا الفتوح الحسن بن جعفر العلويّ أمير مكة يدعوه إلى الخلافة، وسهل له الأمر وسير إليه بابن المغربيّ يحثه على المسير، وجرّأه على أخذ مال تركه بعض المياسير، ونزع المحاريب الذهب والفضة المنصوبة على الكعبة وضربها دنانير ودراهم وسماها الكعبية، وخرج ابن المغربيّ من مكة فدعا العرب من سليم وهلال وعوف بن عامر، ثم سار به وبمن اجتمع عليه من العرب حتى نزل الرملة، فتلقاه بنو الجرّاح وقبلوا له الأرض وسلموا عليه بإمرة المؤمنين، ونادى في الناس بالأمان، وصلّى بالناس الجمعة فامتغص الحاكم لذلك وأخذ في استمالة حسان ومفرّج وغير هما، وبذل لهم الأموال، فتنكروا على أبي الفتوح، وقلد أيضا مكة بعض بني عمّ أبي الفتوح فضعف أمره وأحسن من حسان بالغدر، فرجع إلى مكة وكاتب الحاكم واعتذر إليه فقبل عذره وأما ابن المغربيّ فإنه لما انحلّ أمر أبي الفتوح ورأى ميل بني الجرّاح إلى الحاكم كتب إليه: وأنت وحسبي أنت تعلم أنّ لي … لسانا أمام المجد يبني ويهدم وليس حليما من تباس يمينه … فيرضى ولكن من تعض فيحلم فسير إليه أمانا بخطه، وتوجه ابن المغربيّ قبل وصول أمان الحاكم إليه إلى بغداد، وبلغ القادر بالله خبره فاتهمه بأنه قدم في فساد الدولة العباسية، فخرج إلى واسط واستعطف القادر فعطف عليه، وعاد إلى بغداد ثم مضى إلى قرواش بن المقلد أمير العرب وسار معه إلى الموصل، فأقام بها مدّة، وخافه وزير قرواش فأخرجه إلى ديار بكر فأقام عند أميرها نصير الدولة أبي نصر أحمد بن مروان الكرديّ، وتصرّف له وكان يلبس في هذه المدّة المرقعة والصوف، فلما تصرّف غير لباسه وانكشف حاله فصار كمن قيل فيه وقد ابتاع غلاما تركيا كان يهواه قبل أن يبتاعه: تبدّل من مرقعة ونسك … بأنواع الممسّك والشفوف وعنّ له غزال ليس يحوي … هواه ولا رضاه بلبس صوف فعاد أشدّ ما كان انتهاكا … كذاك الدهر مختلف الصروف وأقام هناك مدّة طويلة في أعلى حال وأجل رتبة وأعظم منزلة، ثم كوتب بالمسير إلى الموصل ليستوزره صاحبها، فسار عن ميافارقين وديار بكر إلى الموصل، فتقلد وزارتها وتردّد إلى بغداد في الوساطة بين صاحب الموصل وبين السلطان أبي عليّ بن سلطان الدولة أبي شجاع بن بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة أبي شجاع بن ركن الدولة أبي عليّ بن بويه، واجتمع برؤساء الديلم والأتراك، وتحدّث في وزارة الحضرة حتى تقلدها بغير خلع ولا لقب ولا مفارقة الدراعة، في شهر رمضان سنة خمس عشرة وأربعمائة، فأقام شهورا وأغرى رجال الدولة بعضهم ببعض، وكانت أمور طويلة آلت إلى خروجه من الحضرة

стр. 1187

إلى قرواش، فتجدّد للقادر بالله فيه سوء ظنّ بسبب ما أثاره من الفتنة العظيمة بالكوفة، حتى ذهبت فيها عدّة نفوس وأموال، ففرّ إلى أبي نصر بن مروان فأكره وأقطعه ضياعا وأقام عنده، فكوتب من بغداد بالعود إليها، فبرز عن ميافارقين يريد المسير إلى بغداد، فسمّ هناك وعاد إلى المدينة فمات بها، لأيام خلت من شهر رمضان سنة ثمان عشرة وأربعمائة، ومولده بمصر ليلة الثالث عشر من ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة. وكان أسمر شديد السمرة، بساطا عالما بليغا مترسلا متفننا في كثير من العلوم الدينية والأدبية والنحوية، مشارا إليه في قوّة الذكاء والفطنة وسرعة الخاطر والبديهة، عظيم القدر صاحب سياسة وتدبير وحيل كثيرة وأمور عظام، دوّخ الممالك وقلّب الدول، وسمع الحديث وروى وصنف عدّة تصانيف، وكان ملولا حقودا لا تلين كبده ولا تنحلّ عقده. ولا يحني عوده ولا ترجى وعوده، وله رأي يزين له العقوق ويبغض إليه رعاية الحقوق، كأنه من كبره قد ركب الفلك واستولى على ذات الحبك، وكان بمصر من بني المغربيّ أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين المغربيّ، قد قتل الحاكم جدّه محمدا مع أبيه عليّ بن الحسين كما تقدّم، فلما نشأ أبو جعفر سار إلى العراق وخدم هناك وتنقلت به الأحوال، ثم عاد إلى مصر واصطنعه الوزير البارزيّ وولاه ديوان الجيش، وكانت السيدة أم المستنصر بالله تعني به، فلما مات الوزير البارزيّ وولي بعده الوزير أبو الفرج عبد اللّه بن محمد البابليّ، قبض عليه في جملة أصحاب البارزيّ واعتقله، فتقرّرت له الوزارة وهو في الاعتقال، وخلع عليه في الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمسين وأربعمائة، ولقب بالوزير الأجل الكامل الأوحد، صفيّ أمير المؤمنين وخالصته، فما تعرّض لأحد ولا فعل في البابليّ ما فعله البابليّ فيه وفي أصحاب البارزيّ، فأقام سنتين وشهورا وصرف في تاسع شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، وكان الوزراء إذا صرفوا لم يتصرّفوا، فاقترح أبو الفرج بن المغربيّ لما صرف أن يتولى بعض الدواوين، فولي ديوان الإنشاء الذي يعرف اليوم بوظيفة كتابة السرّ، وهو الذي استنبط هذه الوظيفة بديار مصر واستحدث استخدام الوزراء بعد صرفهم عن الوزارة، ولم يزل نابه القدر إلى أن توفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. بركة الشعيبية: هذه البركة موضعها خلف جسر الأفرم، فيما بينه وبين الجرف الذي يعرف اليوم بالرصد، وكانت تجاور بركة الحبش من بحريها، وقد انقطع عنها الماء وصارت بساتين ومزارع وغير ذلك. قال ابن المتوّج: بركة الشعيبية بظاهر مصر، كان يدخل إليها ماء النيل، وكان لها خليجان أحدهما من قبليها وهو الآن بجوار منظرة الصاحب تاج الدين بن حنا، المعروفة بمنظرة المعشوق، والثاني من بحريها، ويقال له خليج بني وائل، عليه قنطرة بها عرف باب القنطرة بمصر، وكان يجري فيهما الماء من النيل إليها، فكان الماء يدخل إليها في كل سنة ويعمها ويدخل إليها الشخاتير، وكان بدائرها من جانبها الشرقيّ أدر كثيرة،

стр. 1188

وكانت نزهة المصريين، فلما استأجرها الأمير عز الدين أيبك الأفرم من الناظر عليها من جهة الحكم العزيزي، حازها بالجسور عن الماء وغرس فيها الأشجار والكروم وحفر الآبار، وهذه البركة مساحتها أربعة وخمسون فدّانا، ولها حدود أربعة، الحدّ القبليّ، ينتهي بعضه إلى بعض أرض المعشوق الجاري في وقف ابن الصابوني، وإلى الجسر الفاصل بينها وبين بركة الحبش، وفي هذا الجسر الآن قنطرة يدخل إليها الماء من خليج بركة الأشراف، والحدّ البحريّ: كان ينتهي بعضه إلى منظرة قاضي القضاة بدر الدين السنجاريّ، وإلى جسره. والحدّ الشرقيّ: ينتهي إلى الآدر التي كانت مطلة عليها، وقد خرب أكثرها، وكانت مسكن أعيان المصريين من القضاة والكتاب. والحدّ الغربيّ: ينتهي إلى جرف النيل، ولما استأجرها الأفرم شرط له خمسة أفدنة يعمر عليها ويؤجرها لمن يعمر عليها، منها فدّان واحد من بحريها، وفدّانان من غربيها ملاصقان لجدار البساتين، وفدّانان بالجرف الذي من حقوقها. فلما مات الأفرم طمع الأمير علم الدين الشجاعي في ورثته وفي الوقف وأربابه، فغضب أرض الجرف وجملتها فدّانان، ثم تركها، فلما كان في أثناء دولة الناصر محمد بن قلاون ووزارة الأعسر بيعت أرضها لأرباب الأبنية التي عليها، وهذه البركة وقفها الخطير بن مماتي، ودخل معهم بنو الشعيبية لاختلاط أنسابهم بالتناسل. وقال في موضع آخر: ومن جملة الأوقاف بركة الخطير بن مماتي المشهورة ببركة الشعيبية، ومساحة أرضها أربعون وخمسون فدّانا وربع، ولها حدود أربعة، القبليّ: من البركة الصغرى منها إلى الجسر الفاصل بينها وبين بركة الحبش، وفيه قنطرة يمرّ منها الماء إلى هذه البركة، وباقي هذا الحدّ إلى بعض أبنية مناظر المعشوق، ومن جملة حقوق هذا الوقف المجاز المستطيل المسلوك فيه إلى المنظرة المذكورة، ومنه دهليزها الإيوان البحري، وهذا جميعه رأيته ترعة من تراع هذه البركة المذكورة، يمرّ الماء فيها في زمن النيل إليها، وكان باقي هذه المنظرة دارا مطلة على بحر النيل من شرقيها، وعلى هذه الترعة من بحريها، ثم ملكها الصاحب تاج الدين بن حنا وهدمها وردم الخليج وعمر المنظرة والحمام والبيوت الموجودة الآن، وباقي ذلك كله في أرض ابن الصابونيّ. وحدّ هذه البركة من الجهة البحرية: إلى الطريق الآن، وكان فيه جسر يعرف بجسر الحيات، كان يفصل بين هذه البركة وبين بركة شطا، وكان فيه قنطرة يجري الماء فيها من هذه البركة إلى بركة شطا، وكان في هذا الحدّ ترعة أخرى يجري الماء فيها في زمن النيل من البحر إلى هذه البركة، ورأيته يجري فيها، ورأيت الشخاتير تدخل فيها إلى هذه البركة، وأما حدّها الشرقيّ: فإنه كان إلى أبنية الآدر المطلة على هذه البركة، وأمّا حدّها الغربي فإنه كان إلى بحر النيل، ولم تزل كذلك إلى أن استأجرها الأمير عز الدين أيبك الأفرم، فردم هذه الترعة وبنى حيطان هذا البستان وجسر عليه وزرع فيه الشتول والخضراوات، وأقام على ذلك عدّة سنين، ثم استأجره إجارة ثانية، واشترط البناء على

стр. 1189

ثلاثة أفدنة في جانبه الغربيّ، وفدّان في جانبه البحريّ، فعمر الناس واستغنى عن الجسور ورخص على الناس حتى رغبوا في العمارة، وآجر كل مائة ذراع من ذلك بعشرة دراهم نقرة، وعمر البئر المشهورة ببئر السواقي، فعمرت أحسن عمارة، فلما توفي توفي الأفرم طمع الشجاعيّ في أرباب الوقف وفي ورثته، ونزع منهم الفدادين المطلة على بحر النيل، وابتاع ذلك من وكيل بيت المال، وأعانه عليه قوم آخرون يجتمعون عند اللّه تعالى. ذكر المعشوق اعلم أنّ المعشوق اسم لمكان فيه أشجار بظاهر مصر، من جملة خطة راشدة، عرف أوّلا بجنان كهمس بن معمر، ثم عرف بجنان المارداني، ثم عرف بجنان الأمير تميم بن المعز لدين اللّه، ثم جدّده الأفضل بن أمير الجيوش فعرف به، وأجرا صار من وقف ابن الصابونيّ، فأخذه الصاحب تاج الدين محمد بن حنا، وعمر به مناظر وأوصى بعمارة رباط للآثار النبوية، وأن توقف عليه. فلما أنشئ الرباط المذكور أرصد لمصالحه. وهو الآن وقف عليه، وأرض هذا البستان مما وقفه ابن الصابونيّ على بنيه وعلى رباطه المجاور، لقيه الإمام الشافعيّ رضي اللّه تعالى عنه بالقرافة، وبنو الصابونيّ يستأدون من المتحدّث على رباط الآثار شيئا في كل سنة عن حكر أرض بستان المعشوق. قال القضاعيّ في ذكر خطة راشدة: ومنها المقبرة المعروفة بمقبرة راشدة، والجنان المعروفة كانت تعرف بكهمس بن معمر، ثم عرفت بالماردانيّ، وهو المعروف الآن بالأمير تميم بن المعز. هذا وقد بنى المعتمد على اللّه أحمد بن المتوكل في الجانب الشرقيّ من سرّ من رأى قصر أسماه المعشوق، وأقام به، وبين بغداد وتكريت منزلة فيها آثار بناء وقصور تسمى العاشق والمعشوق، وفيه أنشد الشريف زهرة بن عليّ بن زهرة بن الحسن الحسينيّ، وقد اجتاز به يريد الحج: قد رأيت المعشوق وهو من الهج … ر بحال تنبو النواظر عنه أثّر الدهر فيه آثار سوء … قد أدالت يد الحوادث منه وقال ابن يونس: كهمس بن معمر بن محمد بن معمر بن حبيب، يكنّى أبا القاسم، كان أبوه بصريا، وولد هو بمصر، وكان عاقلا، وكانت القضاة تقبله، حدّث عن محمد بن رمح، وعيسى بن حماد زغبة، وسلمة بن شبيب ونحوهم، توفي في يوم الاثنين لأربع خلون من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. وقال ابن خلكان: تميم بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهديّ، كان أبوه صاحب الديار المصرية والمغرب، وهو الذي بنى القاهرة المعزية، وكان تميم فاضلا شاعرا ماهرا لطيفا ظريفا، ولم يل المملكة، لأنّ ولاية العهد كانت لأخيه العزيز، فوليها بعد أبيه،

стр. 1190

وأشعاره كلها حسنة، وكانت وفاته في ذي القعدة سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وقد ذكر كلا من الماردانيّ وابن حنا والأفضل. وأما ابن مماتي فإنه أسعد بن مهذب بن زكريا بن قدامة بن نينا شرف الدين مماتي أبي المكارم بن سعيد بن أبي المليح الكاتب المصري، فأصله من نصارى أسيوط من صعيد مصر، واتصل جدّه أبو المليح بأمير الجيوش بدر الجماليّ وزير مصر في أيام الخليفة المستنصر بالله، وكتب في ديوان مصر، وولي استيفاء الديوان، وكان جوادا ممدوحا انقطع إليه أبو الطاهر إسماعيل بن محمد المعروف بابن مكيسة الشاعر، فمن قوله فيه لما مات: طويت سماء المكرما … ت وكوّرت شمس المديح وتناثرت شهب العلا … من بعد موت أبي المليح ما كان بالنكس الدن … يء من الرجال ولا الشحيح كفر النصارى بعد ما … عذروا به دون المسيح ورثاه جماعة من الشعراء، ولما مات ولي ابنه المهذب بن أبي المليح زكريا ديوان الجيش بمصر في آخر الدولة الفاطمية، فلما قدم الأمير أسد الدين شيركوه وتقلد وزارة الخليفة العاضد شدّد على النصارى وأمرهم بشدّ الزنانير على أوساطهم، ومنعهم من إرخاء الذؤابة التي تسمى اليوم بالعذبة، فكتب لأسد الدين: يا أسد الدين ومن عدله … يحفظ فينا سنّة المصطفى كفى غيارا شدّ أوساطنا … فما الذي أوجب كشف القفا فلم يسعفه بطلبته، ولا مكنه من إرخاء الذؤابة، وعند ما آيس من ذلك أسلم، فقدّم على الدواوين حتى مات، فخلفه ابنه أبو المكارم أسعد بن مهذب الملقب بالخطير على ديوان الجيش، واستمرّ في ذلك مدّة أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وأيام ابنه الملك العزيز عثمان، وولي نظر الدواوين أيضا، واختص بالقاضي الفاضل، وحظي عنده، وكان يسميه بلبل المجلس لما يرى من حسن خطابه، وصنف عدّة مصنفات منها: تلقين اليقين فيه الكلام على حديث بني الإسلام على خمس. وكتاب حجة الحق على الخلق في التحذير من سوء عاقبة الظلم. وهو كبير، وكان السلطان صلاح الدين يكثر النظر فيه، وقال فيه القاضي الفاضل: وقفت من الكتب على ما لا تحصى عدّته، فما رأيت واللّه كتابا يكون قبالة باب منه، وإنه واللّه من أهمّ ما طالعه الملوك وكتاب قوانين الدواوين، صنفه للملك العزيز فيما يتعلق بدواوين مصر ورسومها وأصولها وأحوالها وما يجري فيها، وهو أربعة أجزاء ضخمة، والذي يقع في أيدي الناس جزء واحد اختصره منه غير المصنف، فإنّ ابن مماتي ذكر فيه أربعة آلاف ضيعة من أعمال مصر، ومساحة كل ضيعة، وقانون ريها ومتحصلها من عين وغلة، ونظّم سيرة السلطان صلاح الدين يوسف، ونظم كليلة ودمنة،

стр. 1191

وله ديوان شعر، ولم يزل بمصر حتى ملك السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب، ووزر له صفيّ الدين عليّ بن عبد اللّه بن شكر، فخافه الأسعد لما كان يصدر منه في حقه من الإهانة، وشرع الوزير ابن شكر في العمل عليه، ورتب له مؤامرات ونكبه وأحال عليه الأجناد، ففرّ من القاهرة وسقط في حلب، فخدم بها حتى مات في يوم الأحد سلخ جمادى الأولى سنة ست وستمائة، عن اثنتين وستين سنة. وكان سبب تلقيب أبي مليح بمماتي، أنه كان عنده في غلاء مصر في أيام المستنصر قمح كثير، وكان يتصدّق على صغار المسلمين وهو إذ ذاك نصرانيّ، وكان الصغار إذا رأوه قالوا مماتي فلقب بها ومن شعره: تعاتبني وتنهي عن أمور … سبيل الناس أن ينهوك عنها أتقدر أن تكون كمثل عيني … وحقك ما عليّ أضرّ منها وقال في اترجة كانت بين يدي القاضي الفاضل وهو معنى بديع: للّه بل للحسن أترجة (١) … تذكر الناس بأمر النعيم كأنها قد جمعت نفسها … من هيبة الفاضل عبد الرحيم بركة شطا: هذه البركة موضعها الآن كيمان، على يسرة من يخرج من باب القنطرة بمدينة مصر طالبا جسر الأفرم ورباط الآثار، كان الماء يعبر إليها من خليج بني وائل، وموضعه على يمنة من يخرج من باب القنطرة المذكورة، وكان عليه قنطرة بناها العزيز بالله بن المعز، وبها سمي باب القنطرة هذا. قال ابن المتوج: بركة شطا بظاهر مصر على يسرة من مرّ من باب القنطرة، وكان الماء يدخل إليها من خليج بني وائل من برابخ بالسور المستجدّ، ومن بركة الشعيبية من قنطرة في وسط الجسر المعروف بجسر الحيات، الذي كان يفصل بين البركتين المذكورتين، وكان بوسطها مسجد يعرف بمسجد الجلالة، بقناطر بوسطها، كان يسلك عليها إليه، وكان يطلّ على بركة شطا آدر خربت بانقطاع الماء عنها، وكان إلى جانبها بستان فيه منظرة ودرابة وطاحون وحمّام، وبظاهر بابه حوض سبيل، وقف ذلك المخلص الموقع وقد خرب. بركة قارون: هذه البركة موضعها الآن فيما بين حدرة ابن قميحة خلف جامع ابن طولون، وبين الجسر الأعظم الفاصل بين هذه البركة وبركة الفيل، وعليها الآن عدّة آدر، وتعرف ببركة قراجا، وكان عليها عدّة عمائر جليلة في قديم الزمان عند ما عمّر العسكر والقطائع، فلما خرب العسكر والقطائع كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، خرب ما كان

стр. 1192

من الدور على هذه البركة أيضا، حتى أنه كان من خرج من مصلى مصر القديم، وموضعه الآن الكوم الذي يطلّ على قبر القاضي بكار بالقرافة الكبرى، يرى بركة الفيل وقارون والنيل، ولم يزل ما حول هذه البركة خرابا إلى أن حفر الملك الناصر محمد بن قلاون البركة الناصرية في أراضي الزهري، وكانت واقعة الكنائس في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، فصار جانب هذه البركة الذي يلي خط السبع سقايات مقطع طريق، فيه مركز يقيم فيه من جهة متولى مصر من يحرس المارة من القاهرة إلى مصر، ولم يكن هناك شيء من الدور، وإنما كان هناك بستان بجوار حوض الدمياطيّ الموجود الآن تجاه كوم الأساري على يمنة من خرج وسلك من السبع سقايات إلى قنطرة السدّ، ويشرف هذا البستان على هذه البركة، فحكر أقبغا عبد الواحد مكانه، وصارت فيه الدور الموجودة الآن كما ذكر عند حكر أقبغا في ذكر الأحكار. قال القضاعيّ: دار الفيل هي الدار التي على بركة قارون، ذكر بنو مسكين أنها من حبس جدّهم، وكان كافور أمير مصر اشتراها وبنى فيها دارا ذكر أنه أنفق عليها مائة ألف دينار، ثم سكنها في رجب سنة ست وأربعين وثلاثمائة، وذكر اليمنيّ أنه انتقل إليها في جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وأنه كان أدخل فيها عدّة مساجد ومواضع اغتصبها من أربابها، ولم يقم فيها غير أيام قلائل، ثم أرسل إلى أبي جعفر مسلم الحسينيّ ليلا فقال له: امض بي إلى دارك، فمضى به، فمرّ على دار فقال: لمن هذه؟ فقال: لغلامك نحرير التربية، فدخلها وأقام فيها شهورا إلى أن عمروا له دار خمارويه المعروفة بدار الحرم، وسكنها، وقيل أن سبب انتقاله من جنان بني مسكين بخار البركة. وقيل وباء وقع في غلمانه، وقيل ظهر له بهاجان. وكانت دار الفيل هذه ينظر منها جزيرة مصر التي تعرف اليوم بالروضة. قال أبو عمر الكنديّ في كتاب الموالي: ومنهم أبو غنيم مولى مسلمة بن مخلد الأنصاريّ، كان شريفا في الموالي، وولاه عبد العزيز بن مروان الجزيرة، ثم عزله عنها، وكان يجلس في داره التي يقال لها دار الفيل فينظر إلى الجزيرة فيقول لإخوانه: أخبروني بأعجب شيء في الدنيا. قالوا: منارة الإسكندرية. قال: ما أصبتم شيئا. قال: فيقولون له فقناة قرطاجنة. فيقول: ما صنعتم شيئا. قالوا: فما تقول أنت؟ قال: العجب أني أنظر إلى الجزيرة ولا أقدر أدخلها، وعلى هذه البركة الآن عدّة آدر جليلة وجامع وحمام وغير ذلك، واللّه تعالى أعلم بالصواب. بركة الفيل: هذه البركة فيما بين مصر والقاهرة، وهي كبيرة جدّا، ولم يكن في القديم عليها بنيان، ولما وضع جوهر القائد مدينة القاهرة كانت تجاه القاهرة، ثم حدثت حارة السودان وغيرها خارج باب زويلة، وكان ما بين حارة السودان وحارة اليانسية وبين بركة

стр. 1193

الفيل فضاء، ثم عمر الناس حول بركة الفيل بعد الستمائة حتى صارت مساكنها أجلّ مساكن مصر كلها. قال ابن سعيد وقد ذكر القاهرة: وأعجبني في ظاهرها بركة الفيل لأنها دائرة كالبدر، والمناظر فوقها كالنجوم، وعادة السلطان أن يركب فيها بالليل، وتسرج أصحاب المناظر على قدر هممهم وقدرتهم، فيكون بذلك لها منظر عجيب. وفيها أقول: انظر إلى بركة الفيل التي اكتنفت … بها المناظر كالأهداب للبصر كأنما هي والأبصار ترمقها … كواكب قد أداروها على القمر ونظرت إليها وقد قابلتها الشمس بالغدوّ فقلت: انظر إلى بركة الفيل التي نحرت … لها الغزالة نحرا من مطالعها وخلّ طرفك محفوفا ببهجتها … تهيم وجدا وحبا في بدائعها وماء النيل يدخل إلى بركة الفيل من الموضع الذي يعرف اليوم بالجسر الأعظم تجاه الكبش، وبلغني أنه كان هناك قنطرة كبيرة فهدمت وعمل مكانها هذه المجاديل الحجر التي يمرّ عليها الناس، ويعبر ماء النيل إلى هذه البركة أيضا من الخليج الكبير من تحت قنطرة تعرف قديما وحديثا بالمجنونة، وهي الآن لا تشبه القناطر، وكأنها سرب يعبر منه الماء، وفوقه بقية عقد من ناحية الخليج، كان قد عقده الأمير الطيبرس وبنى فوقها منتزها، فقال فيه علم الدين بن الصاحب: ولقد عجبت من الطبرس وصحبه … وعقولهم بعقوده مفتونه عقدوا عقودا لا تصحّ لأنهم … عقدوا لمجنون على مجنونه وكان الطيبرس هذا يعتريه الجنون، واتفق أنّ هذا العقد لم يصح وهدم، وآثاره باقية إلى اليوم. بركة الشقاف: هذه البركة في برّ الخليج الغربيّ بجوار اللوق، وعليها الجامع المعروف بجامع الطباخ، في خط باب اللوق، وكانت هذه البركة من جملة أراضي الزهريّ، كما ذكر في حكر الزهريّ عند ذكر الأحكار، وكان عليها في القديم عدّة مناظر منها: منظرة الأمير جمال الدين موسى بن يغمور، وذلك أيام كانت أراضي اللوق مواضع نزهة قبل أن تحتكر وتبنى دورا، وذلك بعد سنة ستمائة. واللّه تعالى أعلم. بركة السباعين: عرفت بذلك لأنه اتخذ عليها دار للسباع، وهي موجودة هناك إلى يومنا هذا، وهي من جملة حكر الزهريّ، وعليها الآن دور. ولم تحدث بها العمارة إلا بعد سنة سبعمائة، وإنما كان جميع ذلك الخط وما حوله من منشأة

стр. 1194

المهرانيّ إلى المقس بساتين ثم حكرت. بركة الرطلي: هذه البركة من جملة أرض الطبالة، عرفت ببركة الطوّابين، من أجل أنه كان يعمل فيها الطوب، فلما حفر الملك الناصر محمد بن قلاون الخليج الناصريّ، التمس الأمير بكتمر الحاجب من المهندسين أن يجعلوا حفر الخليج على الجرف إلى أن يمرّ بجانب بركة الطوّابين هذه، ويصب من بحريّ أرض الطبالة في الخليج الكبير، فوافقوه على ذلك، ومرّ الخليج من ظاهر هذه البركة كما هو اليوم، فلما جرى ماء النيل فيه روى أرض البركة، فعرفت ببركة الحاجب. فإنها كانت بيد الأمير بكتمر الحاجب المذكور، وكان في شرقيّ هذه البركة زاوية بها نخل كثير وفيها شخص يصنع الأرطال الحديد التي تزن بها الباعة، فسماها الناس بركة الرطليّ نسبة لصانع الأرطال، وبقيت نخيل الزاوية قائمة بالبركة إلى ما بعد سنة تسعين وسبعمائة، فلما جرى الماء في الخليج الناصريّ ودخل منه إلى هذه البركة، عمل الجسر بين البركة والخليج، فحكره الناس وبنوا فوقه الدور، ثم تتابعوا في البناء حول البركة حتى لم يبق بدائرها خلو، وصارت المراكب تعبر إليها من الخليج الناصريّ فتدورها تحت البيوت وهي مشحونة بالناس، فتمرّ هنالك للناس أحوال من اللهو يقصر عنها الوصف، وتظاهر الناس في المراكب بأنواع المنكرات من شرب المسكرات وتبرّج النساء الفاجرات واختلاطهنّ بالرجال من غير إنكار، فإذا نضب ماء النيل زرعت هذه البركة بالقرط وغيره، فيجتمع فيها من الناس في يومي الأحد والجمعة عالم لا يحصى لهم عدد، وأدركت بهذه البركة من بعد سنة سبعين وسبعمائة إلى سنة ثمانمائة أوقاتا انكفت فيها عمن كان بها أيدي الغير، ورقدت عن أهاليها أعين الحوادث، وساعدهم الوقت إذ الناس ناس والزمان زمان، ثم لما تكدّر جوّ المسرّات وتقلص ظل الرفاهة، وانهلت سحائب المحن من سنة ست وثمانمائة، تلاشى أمرها، وفيها إلى الآن بقية صبابة ومعالم أنس وآثار تنبئ عن حسن عهد، وللّه در القائل: في أرض طبالتنا بركة … مدهشة للعين والعقل ترجح في ميزان عقلي على … كلّ بحار الأرض بالرطل البركة المعروفة ببطن البقرة: هذه البركة كانت فيما بين أرض الطبالة وأراضي اللوق، يصل إليها ماء النيل من الخور فيعبر في خليج الذكر إليها، وكانت تجاه قصر اللؤلؤة ودار الذهب في برّ الخليج الغربيّ، وأوّل ما عرفت من خبر هذه البركة أنها كانت بستانا كبيرا فيما بين المقس وجنان الزهريّ، عرف بالبستان المقسيّ نسبة إلى المقس، ويشرف على بحر النيل من غربيه، وعلى الخليج الكبير من شرقيه، فلما كان في أيام الخليفة الظاهر لاعزاز دين اللّه أبي هاشم عليّ بن الحاكم بأمر اللّه، أمر بعد سنة عشر وأربعمائة بإزالة إنشاب هذا

стр. 1195

البستان، وأن يعمل بركة قدّام المنظرة التي تعرف باللؤلؤة، فلما كانت الشدّة العظمى في زمن الخليفة المستنصر بالله، هجرت البركة وبني في موضعها عدّة أماكن عرفت بحارة اللصوص إذ ذاك، فلما كان في أيام الخليفة الآمر بأحكام اللّه ووزارة الأجل المأمون محمد بن فاتك البطائحيّ، د أزيلت الأبنية وعمق حفر الأرض وسلط عليها ماء النيل من خليج الذكر، فصارت بركة عرفت ببطن البقرة، وما برحت إلى ما بعد سنة سبعمائة، وكان قد تلاشى أمرها منذ كانت الغلوة في زمن الملك العادل كتبغا، سنة سبع وتسعين وستمائة، فكان من خرج من باب القنطرة يجد عن يمينه أرض الطبالة من جانب الخليج الغربيّ إلى حدّ المقس، ويجد بطن البقرة عن يساره من جانب الخليج الغربيّ إلى حدّ المقس، وبحر النيل الأعظم يجري في غربيّ بطن البقرة على حافة المقس إلى غربيّ أرض الطبالة، ويمرّ من حيث الموضع المعروف اليوم بالجرف إلى غربيّ البعل، ويجري إلى منية الشيرج، فكان خارج القاهرة أحسن منتزه في مصر من الأمصار، وموضع بطن البقرة يعرف اليوم بكوم الجاكي، المجاور لميدان القمح، وما جاور تلك الكيمان والخراب إلى نحو باب اللوق، وحدّثني غير واحد ممن لقيت من شيوخ المقس عن مشاهدة آثار هذه البركة، وأخبرني عمن شاهد فيها الماء، وإلى زمننا هذا موضع من غربيّ الخليج فيما يلي ميدان القمح يعرف ببطن البقرة، بقية من تلك البركة يجتمع فيه الناس للنزهة. بركة جناق: هذه البركة خارج باب الفتوح، كانت بالقرب من منظرة باب الفتوح التي تقدّم ذكرها في المناظر، وكان ما حولها بساتين، ولم يكن خارج باب الفتوح شيء من هذه الأبنية، وإنما كان هناك بساتين، فكانت هذه البركة فيما بين الخليج الكبير وبستان ابن صيرم، فلما حكر بستان ابن صيرم وعمر في مكانه الآدر وغيرها، وعمر الناس خارج ابن الفتوح، عمر ما حول هذه البركة بالدور، وسكنها الناس وهي إلى الآن عامرة، وتعرف ببركة جناق. بركة الحجاج: هذه البركة في الجهة البحرية من القاهرة، على نحو بريد منها، عرفت أوّلا بجب عميرة، ثم قيل لها أرض الجب، وعرفت إلى اليوم ببركة الحجاج من أجل نزول حجاج البرّ بها عند مسيرهم من القاهرة، وعند عودهم، وبعض من لا معرفة له بأحوال أرض مصر يقول: جب يوسف ﵇، وهو خطأ لا أصل له، وما برحت هذه البركة منتزها لملوك القاهرة. قال ابن يونس عميرة ابن تميم بن جزيء التجيبيّ: من بنى القرناء صاحب الجب المعروف بجب عميرة في الموضع الذي يبرز إليه الحاج من مصر لخروجهم إلى مكة، وقال أبو عمر الكنديّ في كتاب الخندق: أن فرسان الخندق من جب عميرة بن تميم بن جزء، وصاحب جب عميرة من بني القرناء طعن في تلك الأيام فارتث فمات بعد ذلك.
следующие страницы →