وله ديوان شعر، ولم يزل بمصر حتى ملك السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب، ووزر له صفيّ الدين عليّ بن عبد اللّه بن شكر، فخافه الأسعد لما كان يصدر منه في حقه من الإهانة، وشرع الوزير ابن شكر في العمل عليه، ورتب له مؤامرات ونكبه وأحال عليه الأجناد، ففرّ من القاهرة وسقط في حلب، فخدم بها حتى مات في يوم الأحد سلخ جمادى الأولى سنة ست وستمائة، عن اثنتين وستين سنة.
وكان سبب تلقيب أبي مليح بمماتي، أنه كان عنده في غلاء مصر في أيام المستنصر قمح كثير، وكان يتصدّق على صغار المسلمين وهو إذ ذاك نصرانيّ، وكان الصغار إذا رأوه قالوا مماتي فلقب بها ومن شعره:
تعاتبني وتنهي عن أمور … سبيل الناس أن ينهوك عنها
أتقدر أن تكون كمثل عيني … وحقك ما عليّ أضرّ منها
وقال في اترجة كانت بين يدي القاضي الفاضل وهو معنى بديع:
للّه بل للحسن أترجة (١) … تذكر الناس بأمر النعيم
كأنها قد جمعت نفسها … من هيبة الفاضل عبد الرحيم
بركة شطا: هذه البركة موضعها الآن كيمان، على يسرة من يخرج من باب القنطرة بمدينة مصر طالبا جسر الأفرم ورباط الآثار، كان الماء يعبر إليها من خليج بني وائل، وموضعه على يمنة من يخرج من باب القنطرة المذكورة، وكان عليه قنطرة بناها العزيز بالله بن المعز، وبها سمي باب القنطرة هذا.
قال ابن المتوج: بركة شطا بظاهر مصر على يسرة من مرّ من باب القنطرة، وكان الماء يدخل إليها من خليج بني وائل من برابخ بالسور المستجدّ، ومن بركة الشعيبية من قنطرة في وسط الجسر المعروف بجسر الحيات، الذي كان يفصل بين البركتين المذكورتين، وكان بوسطها مسجد يعرف بمسجد الجلالة، بقناطر بوسطها، كان يسلك عليها إليه، وكان يطلّ على بركة شطا آدر خربت بانقطاع الماء عنها، وكان إلى جانبها بستان فيه منظرة ودرابة وطاحون وحمّام، وبظاهر بابه حوض سبيل، وقف ذلك المخلص الموقع وقد خرب.
بركة قارون: هذه البركة موضعها الآن فيما بين حدرة ابن قميحة خلف جامع ابن طولون، وبين الجسر الأعظم الفاصل بين هذه البركة وبركة الفيل، وعليها الآن عدّة آدر، وتعرف ببركة قراجا، وكان عليها عدّة عمائر جليلة في قديم الزمان عند ما عمّر العسكر والقطائع، فلما خرب العسكر والقطائع كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، خرب ما كان
стр. 1192
من الدور على هذه البركة أيضا، حتى أنه كان من خرج من مصلى مصر القديم، وموضعه الآن الكوم الذي يطلّ على قبر القاضي بكار بالقرافة الكبرى، يرى بركة الفيل وقارون والنيل، ولم يزل ما حول هذه البركة خرابا إلى أن حفر الملك الناصر محمد بن قلاون البركة الناصرية في أراضي الزهري، وكانت واقعة الكنائس في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، فصار جانب هذه البركة الذي يلي خط السبع سقايات مقطع طريق، فيه مركز يقيم فيه من جهة متولى مصر من يحرس المارة من القاهرة إلى مصر، ولم يكن هناك شيء من الدور، وإنما كان هناك بستان بجوار حوض الدمياطيّ الموجود الآن تجاه كوم الأساري على يمنة من خرج وسلك من السبع سقايات إلى قنطرة السدّ، ويشرف هذا البستان على هذه البركة، فحكر أقبغا عبد الواحد مكانه، وصارت فيه الدور الموجودة الآن كما ذكر عند حكر أقبغا في ذكر الأحكار.
قال القضاعيّ: دار الفيل هي الدار التي على بركة قارون، ذكر بنو مسكين أنها من حبس جدّهم، وكان كافور أمير مصر اشتراها وبنى فيها دارا ذكر أنه أنفق عليها مائة ألف دينار، ثم سكنها في رجب سنة ست وأربعين وثلاثمائة، وذكر اليمنيّ أنه انتقل إليها في جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وأنه كان أدخل فيها عدّة مساجد ومواضع اغتصبها من أربابها، ولم يقم فيها غير أيام قلائل، ثم أرسل إلى أبي جعفر مسلم الحسينيّ ليلا فقال له:
امض بي إلى دارك، فمضى به، فمرّ على دار فقال: لمن هذه؟ فقال: لغلامك نحرير التربية، فدخلها وأقام فيها شهورا إلى أن عمروا له دار خمارويه المعروفة بدار الحرم، وسكنها، وقيل أن سبب انتقاله من جنان بني مسكين بخار البركة. وقيل وباء وقع في غلمانه، وقيل ظهر له بهاجان. وكانت دار الفيل هذه ينظر منها جزيرة مصر التي تعرف اليوم بالروضة.
قال أبو عمر الكنديّ في كتاب الموالي: ومنهم أبو غنيم مولى مسلمة بن مخلد الأنصاريّ، كان شريفا في الموالي، وولاه عبد العزيز بن مروان الجزيرة، ثم عزله عنها، وكان يجلس في داره التي يقال لها دار الفيل فينظر إلى الجزيرة فيقول لإخوانه: أخبروني بأعجب شيء في الدنيا. قالوا: منارة الإسكندرية. قال: ما أصبتم شيئا. قال: فيقولون له فقناة قرطاجنة. فيقول: ما صنعتم شيئا. قالوا: فما تقول أنت؟ قال: العجب أني أنظر إلى الجزيرة ولا أقدر أدخلها، وعلى هذه البركة الآن عدّة آدر جليلة وجامع وحمام وغير ذلك، واللّه تعالى أعلم بالصواب.
بركة الفيل: هذه البركة فيما بين مصر والقاهرة، وهي كبيرة جدّا، ولم يكن في القديم عليها بنيان، ولما وضع جوهر القائد مدينة القاهرة كانت تجاه القاهرة، ثم حدثت حارة السودان وغيرها خارج باب زويلة، وكان ما بين حارة السودان وحارة اليانسية وبين بركة
стр. 1193
الفيل فضاء، ثم عمر الناس حول بركة الفيل بعد الستمائة حتى صارت مساكنها أجلّ مساكن مصر كلها.
قال ابن سعيد وقد ذكر القاهرة: وأعجبني في ظاهرها بركة الفيل لأنها دائرة كالبدر، والمناظر فوقها كالنجوم، وعادة السلطان أن يركب فيها بالليل، وتسرج أصحاب المناظر على قدر هممهم وقدرتهم، فيكون بذلك لها منظر عجيب. وفيها أقول:
انظر إلى بركة الفيل التي اكتنفت … بها المناظر كالأهداب للبصر
كأنما هي والأبصار ترمقها … كواكب قد أداروها على القمر
ونظرت إليها وقد قابلتها الشمس بالغدوّ فقلت:
انظر إلى بركة الفيل التي نحرت … لها الغزالة نحرا من مطالعها
وخلّ طرفك محفوفا ببهجتها … تهيم وجدا وحبا في بدائعها
وماء النيل يدخل إلى بركة الفيل من الموضع الذي يعرف اليوم بالجسر الأعظم تجاه الكبش، وبلغني أنه كان هناك قنطرة كبيرة فهدمت وعمل مكانها هذه المجاديل الحجر التي يمرّ عليها الناس، ويعبر ماء النيل إلى هذه البركة أيضا من الخليج الكبير من تحت قنطرة تعرف قديما وحديثا بالمجنونة، وهي الآن لا تشبه القناطر، وكأنها سرب يعبر منه الماء، وفوقه بقية عقد من ناحية الخليج، كان قد عقده الأمير الطيبرس وبنى فوقها منتزها، فقال فيه علم الدين بن الصاحب:
ولقد عجبت من الطبرس وصحبه … وعقولهم بعقوده مفتونه
عقدوا عقودا لا تصحّ لأنهم … عقدوا لمجنون على مجنونه
وكان الطيبرس هذا يعتريه الجنون، واتفق أنّ هذا العقد لم يصح وهدم، وآثاره باقية إلى اليوم.
بركة الشقاف: هذه البركة في برّ الخليج الغربيّ بجوار اللوق، وعليها الجامع المعروف بجامع الطباخ، في خط باب اللوق، وكانت هذه البركة من جملة أراضي الزهريّ، كما ذكر في حكر الزهريّ عند ذكر الأحكار، وكان عليها في القديم عدّة مناظر منها: منظرة الأمير جمال الدين موسى بن يغمور، وذلك أيام كانت أراضي اللوق مواضع نزهة قبل أن تحتكر وتبنى دورا، وذلك بعد سنة ستمائة. واللّه تعالى أعلم.
بركة السباعين: عرفت بذلك لأنه اتخذ عليها دار للسباع، وهي موجودة هناك إلى يومنا هذا، وهي من جملة حكر الزهريّ، وعليها الآن دور. ولم تحدث بها العمارة إلا بعد سنة سبعمائة، وإنما كان جميع ذلك الخط وما حوله من منشأة
стр. 1194
المهرانيّ إلى المقس بساتين ثم حكرت.
بركة الرطلي: هذه البركة من جملة أرض الطبالة، عرفت ببركة الطوّابين، من أجل أنه كان يعمل فيها الطوب، فلما حفر الملك الناصر محمد بن قلاون الخليج الناصريّ، التمس الأمير بكتمر الحاجب من المهندسين أن يجعلوا حفر الخليج على الجرف إلى أن يمرّ بجانب بركة الطوّابين هذه، ويصب من بحريّ أرض الطبالة في الخليج الكبير، فوافقوه على ذلك، ومرّ الخليج من ظاهر هذه البركة كما هو اليوم، فلما جرى ماء النيل فيه روى أرض البركة، فعرفت ببركة الحاجب.
فإنها كانت بيد الأمير بكتمر الحاجب المذكور، وكان في شرقيّ هذه البركة زاوية بها نخل كثير وفيها شخص يصنع الأرطال الحديد التي تزن بها الباعة، فسماها الناس بركة الرطليّ نسبة لصانع الأرطال، وبقيت نخيل الزاوية قائمة بالبركة إلى ما بعد سنة تسعين وسبعمائة، فلما جرى الماء في الخليج الناصريّ ودخل منه إلى هذه البركة، عمل الجسر بين البركة والخليج، فحكره الناس وبنوا فوقه الدور، ثم تتابعوا في البناء حول البركة حتى لم يبق بدائرها خلو، وصارت المراكب تعبر إليها من الخليج الناصريّ فتدورها تحت البيوت وهي مشحونة بالناس، فتمرّ هنالك للناس أحوال من اللهو يقصر عنها الوصف، وتظاهر الناس في المراكب بأنواع المنكرات من شرب المسكرات وتبرّج النساء الفاجرات واختلاطهنّ بالرجال من غير إنكار، فإذا نضب ماء النيل زرعت هذه البركة بالقرط وغيره، فيجتمع فيها من الناس في يومي الأحد والجمعة عالم لا يحصى لهم عدد، وأدركت بهذه البركة من بعد سنة سبعين وسبعمائة إلى سنة ثمانمائة أوقاتا انكفت فيها عمن كان بها أيدي الغير، ورقدت عن أهاليها أعين الحوادث، وساعدهم الوقت إذ الناس ناس والزمان زمان، ثم لما تكدّر جوّ المسرّات وتقلص ظل الرفاهة، وانهلت سحائب المحن من سنة ست وثمانمائة، تلاشى أمرها، وفيها إلى الآن بقية صبابة ومعالم أنس وآثار تنبئ عن حسن عهد، وللّه در القائل:
في أرض طبالتنا بركة … مدهشة للعين والعقل
ترجح في ميزان عقلي على … كلّ بحار الأرض بالرطل
البركة المعروفة ببطن البقرة: هذه البركة كانت فيما بين أرض الطبالة وأراضي اللوق، يصل إليها ماء النيل من الخور فيعبر في خليج الذكر إليها، وكانت تجاه قصر اللؤلؤة ودار الذهب في برّ الخليج الغربيّ، وأوّل ما عرفت من خبر هذه البركة أنها كانت بستانا كبيرا فيما بين المقس وجنان الزهريّ، عرف بالبستان المقسيّ نسبة إلى المقس، ويشرف على بحر النيل من غربيه، وعلى الخليج الكبير من شرقيه، فلما كان في أيام الخليفة الظاهر لاعزاز دين اللّه أبي هاشم عليّ بن الحاكم بأمر اللّه، أمر بعد سنة عشر وأربعمائة بإزالة إنشاب هذا
стр. 1195
البستان، وأن يعمل بركة قدّام المنظرة التي تعرف باللؤلؤة، فلما كانت الشدّة العظمى في زمن الخليفة المستنصر بالله، هجرت البركة وبني في موضعها عدّة أماكن عرفت بحارة اللصوص إذ ذاك، فلما كان في أيام الخليفة الآمر بأحكام اللّه ووزارة الأجل المأمون محمد بن فاتك البطائحيّ، د أزيلت الأبنية وعمق حفر الأرض وسلط عليها ماء النيل من خليج الذكر، فصارت بركة عرفت ببطن البقرة، وما برحت إلى ما بعد سنة سبعمائة، وكان قد تلاشى أمرها منذ كانت الغلوة في زمن الملك العادل كتبغا، سنة سبع وتسعين وستمائة، فكان من خرج من باب القنطرة يجد عن يمينه أرض الطبالة من جانب الخليج الغربيّ إلى حدّ المقس، ويجد بطن البقرة عن يساره من جانب الخليج الغربيّ إلى حدّ المقس، وبحر النيل الأعظم يجري في غربيّ بطن البقرة على حافة المقس إلى غربيّ أرض الطبالة، ويمرّ من حيث الموضع المعروف اليوم بالجرف إلى غربيّ البعل، ويجري إلى منية الشيرج، فكان خارج القاهرة أحسن منتزه في مصر من الأمصار، وموضع بطن البقرة يعرف اليوم بكوم الجاكي، المجاور لميدان القمح، وما جاور تلك الكيمان والخراب إلى نحو باب اللوق، وحدّثني غير واحد ممن لقيت من شيوخ المقس عن مشاهدة آثار هذه البركة، وأخبرني عمن شاهد فيها الماء، وإلى زمننا هذا موضع من غربيّ الخليج فيما يلي ميدان القمح يعرف ببطن البقرة، بقية من تلك البركة يجتمع فيه الناس للنزهة.
بركة جناق: هذه البركة خارج باب الفتوح، كانت بالقرب من منظرة باب الفتوح التي تقدّم ذكرها في المناظر، وكان ما حولها بساتين، ولم يكن خارج باب الفتوح شيء من هذه الأبنية، وإنما كان هناك بساتين، فكانت هذه البركة فيما بين الخليج الكبير وبستان ابن صيرم، فلما حكر بستان ابن صيرم وعمر في مكانه الآدر وغيرها، وعمر الناس خارج ابن الفتوح، عمر ما حول هذه البركة بالدور، وسكنها الناس وهي إلى الآن عامرة، وتعرف ببركة جناق.
بركة الحجاج: هذه البركة في الجهة البحرية من القاهرة، على نحو بريد منها، عرفت أوّلا بجب عميرة، ثم قيل لها أرض الجب، وعرفت إلى اليوم ببركة الحجاج من أجل نزول حجاج البرّ بها عند مسيرهم من القاهرة، وعند عودهم، وبعض من لا معرفة له بأحوال أرض مصر يقول: جب يوسف ﵇، وهو خطأ لا أصل له، وما برحت هذه البركة منتزها لملوك القاهرة.
قال ابن يونس عميرة ابن تميم بن جزيء التجيبيّ: من بنى القرناء صاحب الجب المعروف بجب عميرة في الموضع الذي يبرز إليه الحاج من مصر لخروجهم إلى مكة، وقال أبو عمر الكنديّ في كتاب الخندق: أن فرسان الخندق من جب عميرة بن تميم بن جزء، وصاحب جب عميرة من بني القرناء طعن في تلك الأيام فارتث فمات بعد ذلك.
стр. 1196
وقال في كتاب الأمراء: ثم أن أهل الحوف خرجوا على ليث بن الفضل أمير مصر، وكان السبب في ذلك أن ليثا بعث بمساح يمسحون عليهم أراضي زرعهم، فانتقصوا من القصب أصابع، فتظلم الناس إلى ليث فلم يسمع منهم، فعسكروا وساروا إلى الفسطاط، فخرج إليهم ليث في أربعة آلاف من جند مصر، ليومين بقيا من شعبان، سنة ست وثمانين ومائة، فالتقى مع أهل الحوف لاثنتي عشرة خلت من شهر رمضان، فانهزم الجيش عن ليث وبقي في مائتين أو نحوها، فحمل عليهم بمن معه فهزمهم حتى بلغ بهم غيفة، وكان التقاؤهم في أرض جب عميرة، وبعث ليث إلى الفسطاط بثمانين رأسا، ورجع إلى الفسطاط. وقال: المسبحيّ ولاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، عرض أمير المؤمنين العزيز بالله عساكره بظاهر القاهرة عند سطح الجب، فنصب له مضرب ديباج روميّ فيه ألف ثوب مفوّفة فضة، ونصبت له فازة مستقلة وقبة مثقلة بالجوهر، وضرب لابنه المنصور مضرب آخر، وعرضت العساكر فكانت عدّتها مائة عسكر، وأقبلت أسارى الروم وعدّتها مائتان وخمسون، فطيف بهم، وكان يوما عظيما حسنا لم تزل العساكر تسير بين يديه من ضحوة النهار إلى صلاة المغرب.
وقال ابن ميسر: كان من عادة أمير المؤمنين المستنصر بالله أن يركب في كل سنة على النجب مع النساء والحشم إلى جب عميرة، وهو موضع نزهة بهيئة، أنه خارج للحج على سبيل الهزء والمجانة ومعه الخمر في الروايا عوضا عن الماء، ويسقيه الناس. وقال أبو الخطاب بن دحية، وخطب لبني عبيد ببغداد أربعين جمعة، وذلك للمستنصر، بل للبطال المستهتر، أنشده العقيليّ صبيحة يوم عرفة:
قم فانحر الراح يوم النحر بالماء … ولا تضحّي ضحى إلاّ بصهباء
وأدرك حجيج الندامى قبل نفرهم … إلى منى قصفهم مع كلّ هيفاء
ووصل ألف القطع للضرورة، وهو جائز، فخرج في ساعته بروايا الخمر تزجى بنغمات حداة الملاهي وتساق، حتى أناخ بعين شمس في كبكبة من الفساق، فأقام بها سوق الفسوق على ساق، وفي ذلك العام أخذ اللّه وأخذ أهل مصر بالسنين، حتى بيع القرص في أيا من بالثمن الثمين.
وقال القاضي الفاضل في حوادث المحرّم سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وفيه خرج السلطان يعني صلاح الدين يوسف بن أيوب، إلى بركة لجب للصيد ولعب الأكرة، وعاد إلى القاهرة في سادس يوم من خروجه، وذكر من ذلك كثيرا عن السلطان صلاح الدين وابنه الملك العزيز عثمان.
وقال جامع سيرة الناصر محمد بن قلاون: وفي حوادث صفر سنة اثنتين وعشرين
стр. 1197
وسبعمائة، وفهي ركب السلطان إلى بركة الحجاج للرمي على الكراكي، وطلب كريم الدين ناظر الخاص، ورسم أن يعمل فيها أحواشا للخيل والجمال، وميدانا، وللأمير بكتمر الساقي مثله، فأقام كريم الدين بنفسه في هذا العمل، ولم يدع أحدا من جميع الصناع المحتاج إليهم يعمل في القاهرة عملا، فكان فيها نحو الألفي رجل، ومائة زوج بقر، حتى تمت المواضع في مدّة قريبة، وركب السلطان إليها وأمر بعمل ميدان لنتاج الخيل، فعمل، وما برح الملوك يركبون إلى هذه البركة لرمي الكراكي، وهم على ذلك إلى هذا الوقت، وقد خربت المباني التي أنشأها الملك الناصر وأدركنا بهذه البركة مراحا عظيما للأغنام التي يعلفها التركمانيّ حب القطن وغيره من العلف، فتبلغ الغاية في السمن، حتى أنه يدخل بها إلى القاهرة محمولة على العجل لعظم جنتها وثقلها وعجزها عن المشي، وكان يقال كبش بركاويّ نسبة إلى هذه البركة، وشاهدت مرّة كبشا من كباش هذه البركة، وزنت شقته اليمنى فبلغت زنتها خمسة وسبعين رطلا سوى الألية، وبلغني عن كبش أنه وزن ما في بطنه من الشحم خاصة، فبلغ أربعين رطلا، وكانت ألايا تلك الكباش تبلغ الغاية في الكبر، وقد بطل هذا من القاهرة منذ كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة، حتى لا يكاد يعرفه اليوم إلا أفراد من الناس.
وبركة الحجاج اليوم أرباب دركها قوم من العرب يعرفون ببني صبرة، وقال الشريف محمد بن أسعد الجوانيّ في كتاب الجوهر المكنون في معرفة القبائل والبطون: بنو بطيخ بطن من لخم، وهم ولد بطيخ بن مغالة بن دعجمان بن عميث بن كليب بن أبي الحارث بن عمرو بن رميمة بن جدس بن أريش بن أراش بن جديلة بن لخم، وفخذها بنو صبرة بن بطيخ، ولهم حارة مجاورة للخطمة المعروفة اليوم بكوم دينار السايس، وصبرة في خندف وفي قيس ونزار ويمن، فالتي في خندف في بني جعفر الطيار، بنو صبرة بن جعفر بن داود بن محمد بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب فخذ، والتي في قيس، بنو صبرة بن بكر بن أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان فخذ، وأما التي في نزار ففي شيبان، بنو صبرة بن عوف بن محكم بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار فخذ، وما التي في يمن ففي لخم وجذام، فأما التي في لخم: فبنو صبرة بن بطيخ بن مغالة بن دعجان بن عميث بن كليب بن أبي الحارث بن عمرو بن رميمة بن جدس بن أريش بن أراش بن جديلة بن لخم، وأما التي في جذام فبنو صبرة بن نصيرة بن عطفان بن سعد بن إياس بن حرام بن جذام، وإليه يرجع الصبريون، وهم بالشام واللّه تعالى أعلم.
بركة قرموط: هذه البركة فيما بين اللوق والمقس، كانت من جملة بستان ابن ثعلب، فلما حفر الملك الناصر محمد بن قلاون الخليج الناصري من موردة البلاط، رمى ما خرج من الطين في هذه البركة، وبنى الناس الدور على الخليج، فصارت البركة من ورائها،
стр. 1198
وعرفت تلك الخطة كلها ببركة قرموط، وأدركنا بها ديارا جليلة تناهى أربابها في أحكام بنائها وتحسين سقوفها، وبالغوا في زخرفتها بالرخام والدهان، وغرسوا بها الأشجار وأجروا إليها المياه من الآبار، فكانت تعدّ من المساكن البديعة النزهة، وأكثر من كان يسكنها الكتاب مسلموهم ونصاراهم، وهم في الحقيقة المترفون أولو النعمة، فكم حوت تلك الديار من حسن ومستحسن، وأني لأذكرها وما مررت بها قد إلاّ وتبين لي من كل دار هناك آثار النعم، أما روائح تقالي المطابخ أو عبير بخور العود والندّ، أو نفحات الخمر، أو صوت غناء، أو دقّ هاون ونحو ذلك مما يبين عن ترف سكان تلك الديار ورفاهة عيشهم وغضارة نعمهم، ثم هي الآن موحشة خراب، قد هدمت تلك المنازل وبيعت أنقاضها منذ كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة، فزالت الطرق وجهلت الأزقة وانكشفت البركة، وبقي حولها بساتين خراب، وبلغني أن المراكب كانت تعبر إلى هذه البركة للتنزه، وما أحسب ذلك كان، فإنها كانت من جملة البستان، ولم ينقل إنه كان يقربها خليج سوى الخور، ويبعد أن يصل إليها، واللّه أعلم.
وقرموط هذا هو أمين الدين قرموط مستوفي الخزانة السلطانية.
بركة قراجا: هذه البركة خارج الحسينية، قريبا من الخندق، عرفت بالأمير زين الدين قراجا التركماني، أحد أمراء مصر، أنعم عليه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون بالإمرة في سنة سبع عشرة وسبعمائة.
البركة الناصرية: هذه البركة من جملة جنان الزهريّ، فلما خربت جنان الزهريّ صار موضعها كوم تراب إلى أن أنشأ السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون ميدان المهاري، في سنة عشرين وسبعمائة، وأراد بناء الزريبة بجانب الجامع الطبرسيّ، احتاج في بنائها إلى طين، فركب وعين مكان هذه البركة، وأمر الفخر ناظر الجيش فكتب أوراقا بأسماء الأمراء، وانتدب الأمير بيبرس الحاجب فنزل بالمهندسين فقاسوا دور البركة ووزع على الأمراء بالأقصاب، فنزل كل أمير وضرب خيمة لعمل ما يخصه، فابتدؤا العمل في يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، فتمادى الحفر إلى جانب كنيسة الزهريّ، وكان إذ ذاك في تلك الأرض عدّة كنائس، ولم يكن هناك شيء من العمائر التي هي اليوم حول البركة الناصرية، ولا من العمائر التي في خط قناطر السباع ولا في خط السبع سقايات إلى قنطرة السدّ، وإنما كانت بساتين وكنائس وديورة للنصارى، فاستولى الحفر على ما حول كنيسة الزهريّ وصارت في وسط الحفر، حتى تعلقت، وكان القصد أن تسقط من غير تعمد هدمها، فأراد اللّه تعالى هدمها على يد العامّة كما ذكر في خبرها عند ذكر كنائس النصارى من هذا الكتاب، فلما تمّ حفر البركة نقل ما خرج منها من الطين إلى الزريبة، وأجرى إليها الماء من جوار الميدان السلطانيّ الكائن بأراضي بستان الخشاب عند
стр. 1199
موردة البلاط، فلما امتلأتا بالماء صارت مساحتها سبعة أفدنة، فحكر الناس ما حولها وبنوا عليها الدور العظيمة، وما برح خط البركة الناصرية عامرا إلى أن كانت الحوادث من سنة ست وثمانمائة، فشرع الناس في هدم ما عليها من الدور، فهدم كثيرا مما كان هناك، والهدم مستمرّ إلى يومنا هذا.
ذكر الجسور
الجسر بفتح الجيم، الذي تسميه العامّة جسرا، عن ابن دريد، وقال الخليل: الجسر والجسر لغتان، وهو القنطرة ونحوها مما يعبر عليه. وقال ابن سيده: والجسر الذي يعبر عليه، والجمع القليل أجسر. قال:
إنّ فراخا كفراخ الأوكر … بأرض بغداد وراء الأجسر
والكثير جسور.
جسر الأفرم: هذا الجسر بظاهر مدينة مصر، فيما بين المدرسة المعزية برحبة الحناء قبليّ مصر، وبين رباط الآثار النبوية، كان موضعه في أوّل الإسلام غامرا بماء النيل، ثم انحسر عنه الماء فصار فضاء إلى بحريّ خليج بني وائل، ثم ابتنى الناس فيه مواضع، وكان هناك الهري قريبا من الخليج، ثم صار موضع جسر الأفرم هذا ترعة يدخل منها ماء النيل إلى البركة الشعيبية، فلما استأجر الأمير عز الدين أيبك الأفرم بركة الشعيبية وجعلها بستانا، كما تقدّم ذكره في البرك، ردم هذه الترعة وبنى حيطان البستان وجسر عليه، فأقام على ذلك سنين، ثم لما استأجر أرض البركة بعد ما غرسها بالأشجار إجارة ثانية، اشترط البناء على ثلاثة أفدنة في جانب البستان الغربيّ، وفدّان في جانبه البحريّ، ونادى في الناس بتحكيره، وأرخص سعر الحكر، وجعل حكر كلّ مائة ذراع عشرة دراهم، فهرع الناس إليه واحتكروا منه المواضع، وبنوا فيها الدور المطلة على النيل، فاستغنى بالعمائر عن عمر الجسر في كلّ سنة بين البحر والبستان الذي أنشأه، وبقى اسم الجسر عليه إلى يومنا هذا، إلا أن الآدر التي كانت هناك خربت منذ انطرد النيل عن البرّ الغربيّ، بعد ما بلغ ذلك الخط الغاية في العمارة، وكان سكن الوزراء والأعيان من الكتاب وغيرهم.
الجسر الأعظم: هذا الجسر في زماننا هذا قد صار شارعا مسلوكا يمشى فيه من الكبش إلى قناطر السباع، وأصله جسر يفصل بين بركة قارون وبركة الفيل، وبينهما سرب يدخل منه الماء، وعليه أحجار يراها من يمرّ هناك، وبلغني أنه كان من قنطرة مرتفعة، فلما أنشأ الملك الناصر محمد بن قلاون الميدان السلطانيّ عند موردة البلاط، أمر بهدم القنطرة فهدمت، ولم يكن إذ ذاك على بركة الفيل من جهة الجسر الأعظم مبان، وإنما كانت ظاهرة يراها المارّ، ثم أمر السلطان بعمل حائط قصير بطولها، فأقيم الحائط وصفر بالطين الأصفر،
стр. 1200
ثم حدثت الدور هناك.
الجسر بأرض الطبالة: هذا الجسر يفصل بين بركة الرطليّ وبين الخليج الناصريّ، أقامه الأمير الوزير سيف الدين بكتمر الحاجب في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، لما انتهى حفر الخليج الناصريّ، وأذن للناس في البناء عليه، فحكر وبنيت فوقه الدور، فصارت تشرف على بركة الرطليّ وعلى الخليج، وتجتمع العامّة تحت مناظر الجسر وتمرّ بحافة الخليج للنزهة، فكثر اغتياظ غوغاء الناس وفساقهم بهذا الجسر إلى اليوم، وهو من أنزه فرج القاهرة لولا ما عرف به من القاذورات الفاحشة.
الجسر من بولاق إلى منية الشيرج: كان السبب في عمل هذا الجسر أن ماء النيل قويت زيادته في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، حتى أخرق من ناحية بستان الخشاب، ودخل الماء إلى جهة بولاق، وفاض إلى باب اللوق حتى اتصل بباب البحر وبساتين الخور، فهدمت عدّة دور كانت مطلة على البحر، وكثير من بيوت الحكورة، وامتدّ الماء إلى ناحية منية الشيرج، فقام الفخر ناظر الجيش بهذا الأمر، وعرّف السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون أن متى غفل دخل الماء إلى القاهرة وغرق أهلها ومساكنها، فركب السلطان إلى البحر ومعه الأمراء، فرأى ما هاله، وفكر فيما يدفع ضرر النيل عن القاهرة، فاقتضى رأيه عمل جسر عند نزول الماء، وانصرف، فقويت الزيادة وفاض الماء على منشأة المهرانيّ ومنشأة الكتبة، وغرّق بساتين بولاق والجزيرة حتى صار ما بين ذلك ملقة واحدة، وركب الناس المراكب للفرجة، ومرّوا بها تحت الأشجار وصاروا يتناولون الثمار بأيديهم وهم في المراكب، فتقدّم السلطان المتولى القاهرة ومتولى مصر يبث الأعوان في القاهرة ومصر لردّ الحمير والجمال التي تنقل التراب إلى الكيمان، وألزمهم بإلقاء التراب بناحية بولاق، ونودي في القاهرة ومصر، من كان عنده تراب فليرمه بناحية بولاق وفي الأماكن التي قد علا عليها الماء، فاهتمّ الناس من جهة زيادة الماء اهتماما كبيرا خوفا أن يخرق الماء ويدخل إلى القاهرة، وألزم أرباب الأملاك التي ببولاق والخور والمناشئ أن يقف كلّ واحد على إصلاح مكانه، ويحترس من عبور الماء على غفلة، فتطلب كلّ أحد من الناس الفعلة من غوغاء الناس لنقل التراب، حتى عدمت الحرافيش، ولم تكن توجد لكثرة ما أخذهم الناس لنقل التراب ورميه، وتضرّرت الآدر القريبة من البحر بنززها، وغرقت الأقصاب والقلقاس والنيلة وسائر الدواليب التي بأعمال مصر، فلما انقضت أيام الزيادة ثبت الماء ولم ينزل في أيام نزوله، ففسدت مطامير الغلات ومخازنها وشونها، وتحسن سعر السكّر والعسل، وتأخر الزرع عن أوانه لكثرة ما مكث الماء، فكتب لولاة الأعمال بكسر الترع والجسور كي ينصرف الماء عن أراضي الزرع إلى البحر الملح، واحتاج الناس إلى وضع الخراج عن بساتين بولاق والجزيرة، ومسامحتهم بنظير ما فسد من الغرق، وفسدت عدّة بساتين إلى أن أذن اللّه تعالى بنزول الماء، فسقط كثير من الدور، وأخذ السلطان في عمل الجسور، واستدعى المهندسين
стр. 1201
وأمرهم بإقامة جسر يصدج الماء عن القاهرة خشية أن يكون نيل مثل هذا، وكتب بإحضار خولة البلاد، فلما تكاملوا أمرهم فساروا إلى النيل وكشفوا الساحل كله، فوجدوا ناحية الجزيرة مما يلي المنية قد صارت أرضها وطيئة، ومن هناك يخاف على البلد من الماء، فلما عرّفوا السلطان بذلك أمر بإلزام من له دار على النيل بمصر أو منشأة المهرانيّ أو منشأة الكتاب أو بولاق أن يعمر قدّامها على البحر زريبة، وأنه لا يطلب منهم عليها حكر، ونودي بذلك، وكتب مرسوم بمسامحتهم من الحكر عن ذلك، فشرع الناس في عمل الزرابي، وتقدّم إلى الأمراء بطلب فلاحي بلادهم وإحضارهم بالبقر والجراريف لعمل الجسر من بولاق إلى منية الشيرج، ونزل المهندسون فقاسوا الأرض وفرضوا لكل أمير أقصابا معينة، وضرب كلّ أمير خيمته وخرج لمباشرة ما عليه من العمل، فأقاموا في عمله عشرين يوما حتى فرغ، ونصبت عندهم الأسواق، فجاء ارتفاعه من الأرض أربع قصبات في عرض ثماني قصبات، فانتفع الناس به انتفاعا كبيرا، وقدّر اللّه أن الزرع في تلك السنة حسن إلى الغاية، وأفلح فلاحا عجيبا، وانحط السعر لكثرة ما زرع من الأراضي، وخصب السنة، وكان قد اتفق في سنة سبع عشرة وسبعمائة غرق ظاهر القاهرة أيضا، وذلك أن النيل وفي ستة عشر ذراعا في ثالث عشر جمادى الأولى وهو التاسع والعشرون من شهر أبيب أحد شهور القبط، ولم يعهد مثل ذلك، فإن الأنيال البدرية يكون وفاؤها في العشر الأول من مسرى، فلما كسر سدّ الخليج توقفت الزيادة مدّة أيام، ثم زاد وتوقف إلى أن دخل تاسع توت، والماء على سبعة عشر ذراعا وستة أصابع، ثم زاد في يوم تسعة أصابع، واستمرّت الزيادة حتى صار على ثانية عشر ذراعا وستة أصابع، ففاض الماء وانقطع طريق الناس فيما بين القاهرة ومصر، وفيما بين كوم الريش والمنية، وخرج من جانب المنية وغرّقها، فكتب بفتح جميع الترع والجسور بسائر الوجه القبليّ والبحريّ، وكسر بحر أبي المنجا وفتح سدّ بلبيس وغيره قبل عيد الصليب، وغرقت الأقصاب والزراعات الصيفية، وعمّ الماء ناحية منية الشيرج، وناحية شبر، فخربت الدور التي هناك، وتلف للناس مال كثير، من جملته زيادة على ثمانين ألف جرّة خمر فارغة تكسرت في نايحة المنية وشبرا عند هجوم الماء، وتلفت مطامير الغلة من الماء، حتى بيع قدح القمح بفلس، والفلس يومئذ جزء من ثمانية وأربعين جزأ من درهم، وصار من بولاق إلى شبرا بحرا واحدا تمرّ فيه المراكب للنزهة في بساتين الجزيرة إلى شبرا، وتلفت الفواكه والمشمومات، وقلت الخضر التي يحتاج إليها في الطعام، وغرقت منشأة المهرانيّ، وفاض الماء من عند خانقاه رسلان، وأفسد بستان الخشاب واتصل الماء بالجزيرة التي تعرف بجزيرة الفيل إلى شبرا، وغرقت الأقصاب التي في الصعيد، فإن الماء أقام عليها ستة وخمسين يوما، فعصرت كلها عسلا فقط، وخربت سائر الجسور وعلاها الماء، وتأخر هبوطه عن الوقت المعتاد، فسقطت عدّة دور بالقاهرة ومصر، وفسدت منشأة الكتاب المجاورة لمنشأة المهرانيّ، فلذلك عمل السلطان الجسر
стр. 1202
المذكور خوفا على القاهرة من الغرق.
الجسر بوسط النيل: وكان سبب عمل هذا الجسر، أن ماء النيل قوي رميه على ناحية بولاق، وهدم جامع الخطيري، ثم جدّد وقوّيت عمارته وتيار البحر لا يزداد من ناحية البرّ الشرقيّ إلاّ قوة، فأهمّ الملك الناصر أمره وكتب في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة بطلب المهندسين من دمشق وحلب والبلاد الفراتية، وجمع المهندسين من أعمال مصر كلها قبليها وبحريها، فلما تكاملوا عنده ركب بعساكره من قلعة الجبل إلى شاطيء النيل، ونزل في الحراقة وبين يديه الأمراء وسائر أرباب الخبرة من المهندسين، وجولة الجسور، وكشف أمر شطوط النيل، فاقتضى الحال أن يعمل جسرا فيما بين بولاق وناحية أنبوبه من البرّ الغربي، ليردّ قوّة التيار عن البرّ الشرقيّ إلى البرّ الغربيّ، وعاد إلى القلعة فكتبت مراسيم إلى ولاة الأعمال بإحضار الرجال صحبة المشدّين، واستدعى شادّ العمائر السلطانية وأمره بطلب الحجارين، وقطع الحجر من الجبل، وطلب رئيس البحر وشادّ الصناعة لإحضار المراكب، فلم يمض سوى عشرة أيام حتى تكامل حضور الرجال مع الشادّين من الأقاليم، وندب السلطان لهذا العمل الأمير أقبغا عبد الواحد، والأمير برصبغا الحاجب، فبرز لذلك وأحضر والي القاهرة ووالي مصر، وأمرا بجمع الناس وتسخير كل أحد للعمل، فركبا وأخذا الحرافيش من الأماكن المعروفة بهم، وقبضا على من وجد في الطرقات وفي المساجد والجوامع، وتتبّعاهم في الأسحار، ووقع الاهتمام الكبير في العمل من يوم الأحد عاشر ذي القعدة، وكانت أيام القيظ، فهلك فيه عدّة من الناس، والأمير أقبغا في الحراقة يستحث الناس على إنجاز العمل، والمراكب تحمل الحجر من الفص الكبير إلى موضع الجسر، وفي كل قليل يركب السلطان من القلعة ويقف على العمل، ويهين أقبغا ويسبه ويستحثه حتى تمّ العمل للنصف من ذي الحجة، وكانت عدّة المراكب التي غرقت فيه وهي مشحونة بالحجارة اثني عشر مركبا، كل مركب منها تحمل ألف أردب غلة، وعدّة المراكب التي ملئت بالحجر حتى ردم وصار جسرا، ثلاثة وعشرون ألف مركب، سوى ما عمل فيه من آلات الخشب والسرياقات، وحفر في الجزيرة خليج وطئ، فلما جرى النيل في أيام الزيادة مرّ في ذلك الخليج ولم يتأثر الجسر من قوّة التيار، وصارت قوّة جري النيل من ناحية أنبوبة بالبرّ الغربيّ ومن ناحية التكروريّ أيضا، فسرّ السلطان بذلك وأعجبه إعجابا كثيرا، وكان هذا الجسر سبب انطراد الماء عن برج القاهرة حتى صار إلى ما صار إليه الآن.
الجسر فيما بين الجيزة والروضة: كان السبب المقتضى لعمل هذا الجسر، أن الملك الناصر لما عمل الجسر فيما بين بولاق وناحية أنبوبة وناحية التكروريّ، انطرد ماء النيل عن برّ القاهرة، وانكشفت أراض كثيرة، وصار الماء يحاض من برّ مصر إلى المقياس، وانكشف من قبالة منشأة المهرانيّ إلى جزيرة الفيل وإلى منية الشيرج، وصار الناس يجدون مشقّة لبعد الماء عن القاهرة، وغلت روايا الماء حتى بيعت كلّ راوية بدر همين بعد ما كانت بنصف وربع
стр. 1203
درهم، فشكا الناس ذلك إلى الأمير أرغون العلائيّ والي السلطان الملك الكامل شعبان بن الملك الناصر محمد بن قلاون، فطلب المهندسين ورئيس البحر، وركب السلطان بأمرائه من القلعة إلى شاطيء النيل، فلم يتهيأ عمل لما كان من ابتداء زيادة النيل، إلاّ أنّ الرأي اقتضى نقل التراب والشقاف من مطابخ السكّر التي كانت بمصر وإلقاء ذلك بالروضة. لعمل الجسر، فنقل شيء عظيم من التراب في المراكب إلى الروضة، وعمل جسر من الجزيرة إلى نحو المقياس، في طول نحو ثلثي ما بينهما من المسافة، فعاد الماء إلى جهة مصر عودا يسيرا وعجزوا عن إيصال الجسر إلى المقياس لقلة التراب، وقويت الزيادة حتى علا الماء الجسر بأسره، واتفق قتل الملك الكامل بعد ذلك، وسلطنة أخيه الملك المظفر حاجي بن محمد بن قلاون أول جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وسبعمائة.
فلما دخلت سنة ثمان وأربعين، وقف جماعة من الناس للسلطان في أمر البحر واستغاثوا من بعد الماء وانكشاف الأراضي من تحت البيوت، وغلاء الماء في المدينة، فأمر بالكشف عن ذلك، فنزل المهندسون واتفقوا على إقامة جسر ليرجع الماء عن برّ الجيزة إلى برّ مصر والقاهرة، وكتبوا تقدير ما يصرف فيه مائة وعشرين ألف درهم فضة، فأمر بجبايتها من أرباب الأملاك التي على شط النيل، وأن يتولى القاضي ضياء الدين يوسف بن أبي بكر المحتسب جبايتها واستخراجها، فقيست الدور وأخذ عن كل ذراع من أراضيها خمسة عشر درهما، وتولى قياسها أيضا المحتسب ووالي الصناعة، فبلغ قياسها سبعة آلاف وستمائة ذراع، وجبي نحو السبعين ألف درهم، فاتفق عزل الضيّاء عن الحسبة، ونظر المارستان المنصوريّ، ونظر الجوالي، وولاية ابن الأطروش مكانه، ثم قتل الملك المظفر وولاية أخيه الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون سلطنة مصر بعده، في شهر رمضان منها، فلما كانت في سنة تسع وأربعين وسبعمائة وقع الاهتمام بعمل الجسر، فنزل الأمير بلبغا أروس نائب السلطنة، والأمير منجك الاستادار، وكان قد عزل من الوزارة، والأمير قيلاي الحاجب، وجماعة من الأمراء ومعهم عدّة من المهندسين إلى البحر في الحراريق، والمراكب إلى برّ الجيزة، وقاسوا ما بين برّ الجيزة والمقياس، وكتب تقدير المصروف نحو المائة والخمسين ألف درهم، وألف خشبة من الخشب، وخمسمائة صار، وألف حجر في طول ذراعين وعرض ذراعين، وخمسة آلاف شنفة، وغير ذلك من أشياء كثيرة.
فركب النائب والوزير والأمير شيخو والأمراء إلى الجيزة، وأعادوا النظر في أمر الجسر ومعهم أرباب الخبرة، فالتزم الأمير منجك بعمل الجسر، وأن يتولى جباية المصروف عليه من سائر الأمراء والأجناد والكتاب وأرباب الأملاك، بحيث أنه لا يبقى أحد حتى يؤخذ منه، فرسم لكتاب الجيش بكتابة أسماء الجند، وقرّر على كلّ مائة دينار من الإقطاعات درهم واحد، وعلى كلّ أمير من خمسة آلاف درهم إلى أربعة آلاف درهم، وعلى كلّ كاتب أمير ألف، مائتا درهم، وكاتب أمير الطبلخانات مائة درهم، وعلى كلّ حانوت من حوانيت
стр. 1204
التجار درهم، وعلى كلّ دار در همان، وعلى كلّ بستان الفدّان من عشرين درهما إلى عشرة دراهم، وعلى كلّ طاحون خمسة دراهم. عن الحجر، وعلى كلّ صهريج في تربة بالقرافة أو في ظاهر القاهرة أو في مدرسة من عشرة دراهم إلى خمسة دراهم، وعلى كل تربة من ثلاثة دراهم إلى در همين، وعلى أصحاب المقاعد والمتعيشين في الطرقات شيء، وكشفت البساتين والدور التي استجدّت من بولاق إلى منية الشيرج، والتي استجدّت في الحكورة، والتي استجدّت على الخليج الناصريّ، وعلى بركة الحاجب، وفي حكر أخي صاروجا، وقيست أراضيها كلها، وأخذ عن كلّ ذراع منها خمسة عشر درهما، وأخذ عن كلّ قمين من أقمنة الطوب شيء، وعن كلّ فاخورة من الفواخير شيء، وفرض على كلّ وقف بالقاهرة ومصر والقرافتين من الجوامع والمساجد والخوانك والزوايا والربط شيء، وكتب إلى ولاة الأعمال بالجباية من ديورة النصارى وكنائسهم من مائتي درهم إلى مائة درهم، وقرّر على الفنادق والخانات التي بالقاهرة ومصر شيء، وقرّر على ضامنة الأغاني مبلغ خمسين ألف درهم، وأقيم لكل جهة شادّ وصيرفي وكتّاب وغير ذلك من المستحثين من الأعوان، فنزل من ذلك بالناس بلاء كبير وشدّة عظيمة، فإنه أخذ حتى من الشيخ والعجوز والأرملة، وجبى المال منهم بالعسف، وأبطل كثير منهم سببه لسعيه في الغرامة ودهي الناس مع الغرامة، يتسلط الظلمة من العرفاء والضمان والرسل، فكان يغرم كلّ أحد للقابض والشادّ والصيرفيّ والشهود سوى ما قرّر عليه جملة دراهم، فكثر كلام الناس في الوزير حتى صاروا يلهجون بقولهم هذه سخطة مرصص نزلت من السماء على أهل مصر، وقاسوا شدّة أخرى في تحصيل الأصناف التي يحتاج إليها، ونزل الوزير منجك وضرب له خيمة على جانب الروضة، ونادى في الحرافيش والفعلة، من أراد العمل يحضر ويأخذ أجرته درهما ونصفا وثلاثة أرغفة، فاجتمع إليه عالم كثير، وجعل لهم شيئا يستظلون به من حرّ الشمس، وأحسن إليهم، ورتب عدّة مراكب لنقل الحجر، وأقام عدة من الحجارين في لجبل لقطع الحجر، وجمالا وحميرا تنقلها من الجبل إلى البحر، ثم تحمل من البرّ في المراكب إلى برّ الجيزة، وابتدأ بعمل الجسر من الروضة إلى ساقية علم الدين بن زنبور، وعارضه بجسر آخر من بستان التاج إسحاق إلى ساقية ابن زنبور، وأقام أخشابا من الجهتين، وردم بينهما بالتراب والحجر والحلفاء، ورتب الجمال السلطانية لقطع الطين من برّ الروضة وحمله إلى وسط الجسر، وأمر أن لا يبقى بالقاهرة ومصر صانع إلا حضر العمل، وألزم من كان بالقرب من داره كوم تراب أن ينقله إلى الجسر، فغرم كل واحد من الناس في نقل التراب من ألف درهم درهم إلى خمسمائة درهم، وكان كلّ ما ينقل في المراكب من الحجر وغيره يرمى في وسط جسر المقياس، وتحمله الجمال إلى الجسر، ثم اقتضى الرأي حفر خليج يجري الماء فيه عند زيادة النيل لتضعف قوّة التيار عن الجسر، فأحضرت الأبقار والجراريف والرجال لأجل ذلك، وابتدؤوا حفره من رأس موردة الحلفاء تحت الدور إلى بولاق، وكانت الزيادة
стр. 1205
قد قرب أوانها فما انتهى الحفر حتى زاد ماء النيل وجرى فيه، فسرّ الناس به سرورا كبيرا، وانتهى عمل الجسر في أربعة أشهر.
إلا أنّ الشناعة قويت على الوزير، وبلّغ الأمراء النائب ما يقال عن منجك من كثرة جباية الأموال، فحدّثه في ذلك ومنعه، فاعتذر بأنه لم يسخر أحدا ولا استعمل الناس إلاّ بالأجرة، وأن في هذا العمل للناس عدّة منافع، وما عليّ من قول أصحاب الأغراض الفاسدة، ونحو ذلك، وتمادى على ما هو عليه، فلما جرى الماء في الخليج الذي حفر تحت البيوت من موردة الحلفاء إلى بولاق، مرّت فيه المراكب بالناس للفرجة، واحتاج منجك إلى نقل خيمته من برّ الروضة إلى برّ الجيزة، وأحضر المراكب الكبار وملأها بالحجارة، وغرّق منها عشرة مراكب في البحر، وردم التراب عليها إلى أن كمل نحو ثلثي العمل، فقويت زيادة الماء وبطل العمل.
فلما كثرت الزيادة جمع منجك الحرافيش والأسرى، وردم على الجسر التراب وقوّاه، فتحامل الماء عن البرّ الغربيّ إلى البرّ الشرقيّ ومرّ من تحت الميدان السلطانيّ وزريبة قوصون إلى بولاق، فصار معظمه من هذه المواضع، وحصل الغرض بكون الماء بالقرب من القاهرة، وانتهى طول جسر منجك إلى مائتين وتسعين قصبة في عرض ثمان قصبات، وارتفاع أربع قصبات، والجسر الذي من الروضة إلى المقياس طوله مائتان وثلاثون قصبة، وعدّة ما رمي في هذا العمل من المراكب المشحونة بالحجر اثنا عشر ألف مركب سوى التراب. وغير ذلك، وكان ابتداء العمل في مستهل المحرّم وانتهاؤه في سلخ ربيع الآخر، ولم تنحصر الأموال التي جبيت بسببه، فإنه لم يبق بالقاهرة ومصر دار ولا فندق ولا حمّام ولا طاحون ولا وقف جامع أو مدرسة أو مسجد أو زاوية ولا رزقة ولا كنيسة إلاّ وجبي منه، فكان الرجل الواحد يغرم العشرة دراهم، ومن خصه درهمان يحتاج إلى غرامة أمثالهما وأضعافهما، وناهيك بمال يجبى من الديار المصرية على هذا الحكم كثرة، وقد بقيت من جسر منجك هذا بقية هي معروفة اليوم في طرف الجزيرة الوسطى.
جسر الخليلي: هذا الجسر فيما بين الروضة من طرفها البحريّ وبين جزيرة أروى المعروفة بالجزيرة الوسطى، تجاه الخور، وكان سبب عمله أن النيل لما قوي رمى تياره على برّ القاهرة في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، وقام في عمل الجسر ليصير رمي التيار من جهة البرّ الغربيّ كما تقدّم ذكره، انطرد الماء عن برّ القاهرة وانكشف ما تحت الدور من منشأة المهرانيّ إلى منية الشيرج، وعمل منجك الجسر الذي مرّ ذكره ليعود الماء في طول السنة إلى برّ القاهرة، فلم يتهيأ كما كان أوّلا، وجرى في الخليج الذي احتفره تحت الدور من موردة الحلفاء بمصر إلى بولاق، وصار تجاه هذا الخليج جزيرة، والماء لا يزال ينطرد في كلّ سنة عن برّ القاهرة إلى أن استبدّ بتدبير مصر الأمير الكبير برقوق.
стр. 1206
فلما دخلت سنة أربع وثمانين وسبعمائة، قصد الأمير جهاركس الخليليّ عمل جسر ليعود الماء إلى برّ القاهرة ويصير في طول السنة هناك، ويكثر النفع به فيرخص الماء المحمول في الروايا ويقرب مرسى المراكب من البلد وغير ذلك من وجوه النفع، فشرع في العمل أوّل شهر ربيع الأوّل، وأقام الخوازيق من خشب السنط، طول كلّ خازوق منها ثمانية أذرع، وجعلها صفين في طول ثلاثمائة قصبة وعرض عشر قصبات، وسمر فيها أفلاق النخل الممتدّة، وألقى بين الخوازيق ترابا كثيرا، وانتصب هناك بنفسه ومماليكه، ولم يجب من أحد مالا البتة، فانتهى عمله في أخريات شهر ربيع الآخر، وحفر في وسط البحر خليجا من الجسر إلى زريبة قوصون، وقال شعراء العصر في ذلك شعرا كثيرا، منهم عيسى بن حجاج:
جسر الخليليّ المقرّ لقد رسا … كالطود وسط النيل كيف يريد
فإذا سألتم عنهما قلنا لكم … ذا ثابت دهرا وذاك يزيد
وقال الأديب شهاب الدين أحمد بن العطار:
شكت النيل أرضه … للخليلي فأحصره
ورأى الماء خائفا … أن يطاها فجسره
وقال:
رأى الخليليّ قلب الماء حين طغى … بنى على قلبه جسرا وحيّره
رأى ترمّل أرضيه ووحدتها … والنيل قد خاف يغشاها فجسّره
ومع ذلك ما ازداد الماء إلاّ انطرادا عن برّ القاهرة ومصر، حتى لقد انكشف بعد عمل هذا الجسر شيء كثير من الأراضي التي كانت عامرة بماء النيل، وبعد النيل عن القاهرة بعدا لم يعهد في الإسلام مثله قط.
جسر شيبين: أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، بسبب أنّ أقليم الشرقية كانت له سدود كلها موقوفة على فتح بحر أبي المنجا، وفي بعض السنين تشرّق ناحية شيبين وناحية مرصفا وغير ذلك من النواحي التي أراضيها عالية، فشكا الأمير بشتاك من تشريق بعض بلاده التي في تلك النواحي، فركب السلطان من قلعة الجبل ومعه المهندسون وخولة البلاد، وكانت له معرفة بأمور العمائر، وحدس جيد، ونظر سعيد ورأي مصيب، فسار لكشف تلك النواحي حتى اتفق الرأي على عمل الجسر من عند شيبين القصر إلى بنها العسل، فوقع الشروع في عمله وجمع له من رجال البلاد اثني عشر ألف رجل، ومائتي قطعة جرّافة، وأقام فيه القناطر فصار محبسا لتلك البلاد، وإذا فتح بحر أبي المنجا امتلأت الاملاق بالماء، وأسند على هذا الجسر، وفي أوّل سنة عمل هذا الجسر أبطل فتح بحر أبي المنجا تلك السنة، فتح من جسر شيبين هذا، وحصل هذا الجسر نفع كبير
стр. 1207
لبلاد العلو، واستبحر منه عدّة بلاد وطيئة، والعمل على هذا الجسر إلى يومنا هذا. واللّه أعلم.
جسرا مصر والجيزة: اعلم أن الماء في القديم كان محيطا بجزيرة مصر التي تعرف اليوم بالروضة طول السنة، وكان فيما بين ساحل مصر وبين الروضة جسر من خشب، وكذلك فيما بين الروضة وبرّ الجيزة جسر من خشب يمرّ عليهما الناس والدواب، من مصر إلى الروضة، ومن الروضة إلى الجيزة، وكان هذان الجسران من مراكب مصطفة بعضها بحذاء بعض وهي موثقة، ومن فوق المراكب أخشاب ممتدّة فوقها تراب، وكان عرض الجسر ثلاث قصبات.
قال القضاعيّ: وأما الجسر فقال بعضهم رأيت في كتاب، ذكر أنه خط أبي عبد اللّه بن فضالة، صفة الجسر وتعطيلة وإزالته، وأنه لم يزل قائما إلى أن قدم المأمون مصر، وكان غريبا، ثم أحدث المأمون هذا الجسر الموجود اليوم الذي تمرّ عليه المارّة وترجع من الجسر القديم، فبعد أن خرج المأمون عن البلد أتت ريح عاصفة فقطعت الجسر الغربيّ، فصدمت سفنه الجسر المحدث، فذهبا جميعا، فبطل الجسر القديم وأثبت الجديد، ومعالم الجسر القديم معروفة إلى هذه الغاية.
وقال ابن زولاق في كتاب إتمام أمراء مصر: ولعشر خلون من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة سارت العساكر لقتال القائد جوهر، ونزلوا الجزيرة بالرجال والسلاح والعدّة، وضبطوا الجسرين، وذكر ما كان منهم إلى أن قال في عبور جوهر: أقبلت العساكر فعبرت الجسر أفواجا أفواجا، وأقبل جوهر في فرسانه إلى المناخ موضع القاهرة. وقال في كتاب سيرة المعز لدين اللّه: وفي مستهلّ رجب سنة أربع وستين وثلاثمائة صلح جسر الفسطاط، ومنع الناس من ركوبه، وكان قد أقام سنين معطلا. وقال ابن سعيد في كتاب المغرب: وذكر ابن حوقل الجسر الذي يكون ممتدّا من الفسطاط إلى الجزيرة، وهو غير طويل، ومن الجانب الآخر إلى البرّ الغربيّ، المعروف ببرّ الجيزة، جسر آخر من الجزيرة إليه، وأكثر جواز الناس بأنفسهم ودوابهم في المراكب، لأنّ هذين الجسرين قد احترما بحصولهما في حيز قلعة السلطان، ولا يجوز أحد على الجسر الذي بين الفسطاط والجزيرة راكبا احتراما لموضع السلطان، يعني الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكان رأس هذا الجسر الذي ذكره ابن سعيد حيث المدرسة الخرّوبية، من إنشاء البدر أحمد بن محمد الخرّوبيّ التاجر، على ساحل مصر قبليّ خط دار النحاس، وما برح هذا الجسر إلى أن خرّب الملك المعز ايبك التركمانيّ قلعة الروضة، بعد سنة ثمان وأربعين وستمائة، فأهمل.
ثم عمره الملك الظاهر ركن الدين بيبرس على المراكب، وعمله من ساحل مصر إلى الروضة، ومن الروضة إلى الجيزة، لأجل عبور العسكر عليه لما بلغه حركة الفرنج، فعمل ذلك.
стр. 1208
الجسر من قليوب إلى دمياط: هذا الجسر أنشأه السلطان الملك المظفر ركن الدين بيبرس المنصوريّ، المعروف بالجاشنكير، في أخريات سنة ثمان وسبعمائة، وكان من خبره: أنه ورد القصاد بموافقة صاحب قبرس عدّة من ملوك الفرنج على غزو دمياط، وأنهم أخذوا ستين قطعة، فاجتمع الأمراء واتفقوا على إنشاء جسر من القاهرة إلى دمياط خوفا من حركة الفرنج في أيام النيل، فيتعذر الوصول إلى دمياط، وعين لعمل ذلك الأمير أقوش الورميّ الحساميّ، وكتب الأمراء إلى بلادهم بخروج الرجال والأبقار، ورسم للولاة بمساعدة أقوش، وأن يخرج كلّ وال إلى العمل برجال عمله وأبقارهم، فما وصل أقوش إلى ناحية فارسكور حتى وجد ولاة الأعمال قد حضروا بالرجال والأبقار، فرتب الأمور. فعمل فيه ثلاثمائة جرّافة بستمائة رأس بقر، وثلاثين ألف رجل، وأقام أقوش الحرمة، وكان عبوسا قليل الكلام مهابا إلى الغاية، فجدّ الناس في العمل لكثرة من ضربه بالمقارع، أو خزم أنفه، أو قطع أذنه، أو أخرق به، إلى أن فرغ في نحو شهر واحد، فجاء من قليوب إلى دمياط مسافة يومين في عرض أربع قصبات من أعلاه، وست قصبات من أسفله، ومشى عليه ستة رؤوس من الخيل صفا واحدا، فعمّ النفع به وسلك عليه المسافرون بعد ما كان يتعذر السلوك أيام النيل، لعموم الماء الأراضي. واللّه تعالى أعلم.
وقد وجد بخط المصنف ﵀ في أصله هنا ما صورته
أمراء الغرب ببيروت بيت حشمة ومكارم، ومقامهم بجبال الغرب من بلاد بيروت، ولهم خدم على الناس وتفضيل، وهم ينسبون إلى الحسين بن إسحاق بن محمد التنوخيّ الذي مدحه أبو الطيب المتنبي بقوله:
سدوا بابن إسحاق الحسين فصافحت … وقاربها كيزانها (١) والنّمارق (٢)
ثم كان كرامة بن بجير بن عليّ بن إبراهيم بن الحسين بن إسحاق بن محمد التنوخيّ، فهاجر إلى الملك العادل نور الدين الشهيد محمود بن زنكي، فأقطعه الغرب وما معه بإمرته، فسمّي أمير الغرب، وكان منشوره بخط العماد الأصفهانيّ الكاتب، فتحضر الأمير كرامة بعد البداوة، وسكن حصن بلجمور من نواحي إقطاعه، ويعلو على تل أعمال بغير بناء، ثم أنشأ أولاده هناك حصنا وما زالوا به، وكان كرامة ثقيلا على صاحب بيروت، وذلك أيام الفرنج، فأراد أخذه مرارا فلم يجد إليه سبيلا، فأخذ في الحيلة عليه، وهادن أولاده وسألهم حتى نزلوا إلى الساحل وألفوا الصيد بالطير وغيره، فراسلهم حتى صار يصطاد معهم وأكرمهم وحباهم وكساهم، وما زال يستدرجهم مرّة بعد، مرّة، ثم أخرج ابنه معه وهو شاب وقال:
стр. 1209
قد عزمت على زواجه، ثم دعا ملوك الساحل وأولاد كرامة الثلاثة، فأتوه وتأخر أصغر أولاد كرامة مع أمّه بالحصن في عدّة قليلة، فامتلأ الساحل بالشواني والمدينة بالفرنج، وتلقوهم بالشمع والأغاني، فلما صاروا في القلعة وجلسوا مع الملوك غدر بهم وأمسكهم وأمسك غلمانهم وغرّقهم، وركب بجموعه ليلا إلى الحصن، فأجفل الفلاحون والحريم والصبيان إلى الجبال والشعر والكوف، وبلغ من بالحصن أن أولاد كرامة الثلاثة قد غرقوا، ففتحوه وخرجت أمّهم ومعها ابنها حجي بن كرامة وعمره سبع سنين، ولم يبق من بينهم سواه، فأدرك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وتوجه إليه، لما فتح صيدا وبيروت، وباس رجله في ركابه، فلمس بيده رأسه وقال له: أخذنا نارك، طيّب قلبك، انت مكان أبيك.
وأمر له بكتابة أملاك أبيه بستين فارسا.
فلما كانت أيام المنصور قلاون، ذكر أولاد تغلب بن مسعر الشجاعيّ أن بيد الخليقة أملا كاعظيمة بغير استحقاق، ومن جملتهم أمراء الغرب، فحملوا إلى مصر، ورسم السلطان باقطاع أملاك الجبلية مع بلاد طرابلس لأمرائها وجندها، فأقطعت لعشرين فارسا من طرابلس، فلما كانت أيام الأشرف خليل بن قلاون، قدموا مصر وسألوا أن يخدموا على أملاكهم بالعدّة، فرسم لهم وأن يزيدوها عشرة أرماح، فلما كان الروك الناصريّ ونيابة الأمير تنكر بالشام، وولاية علاء الدين بن سعيد، كشف تلك الجهات، رسم السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون أن يستمرّ عليها بستين فارسا، فاستمرّت على ذلك. ثم كان منهم الأمير ناصر الدين الحسين بن خضر بن محمد بن حجي بن كرامة بن بجير بن عليّ، المعروف بابن أمير الغرب، فكثرت مكارمه وإحسانه وخدمته كلّ من يتوجه إلى تلك الناحية، وكانت إقامته بقرية أعبية بالجبل، وله دار حسنة في بيروت، واتصلت خدمته إلى كل غادورائح، وباد الأكابر والأعيان مع رياسة كبيرة ومعرفة عدّة صنائع يتقنها، وكتابة جيدة، وترسل عدّة قصائد، ومولده في محرّم سنة ثمان وستين وستمائة، وتوفي للنصف من شوال سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. انتهى.
ووجد بخطه أيضا من أخبار اليمن ما مثاله: كان ابتداء دولة بني زياد، أن محمد بن إبراهيم بن عبد اللّه بن زياد سلمه المأمون مع عدّة من بني أمية إلى الفضل بن سهل بن ذي الرياستين، فورد على المأمون اختلال اليمن، فثنى الفضل على محمد هذا، فبعثه المأمون أميرا على اليمن، فحج ومضى إلى اليمن، ونتج بها من بعد محاربته العرب، وملك اليمن وبنى مدينة زبيد في سنة ثلاث ومائتين، وبعث مولاه جعفرا بهدية جليلة إلى المأمون في سنة خمس، وعاد إليه في سنة ست ومعه من جهة المأمون ألفا فارس، فقوي ابن زياد وملك جميع اليمن، وقلد جعفر الجبال، وبنى بها مدينة الدمجرة، فظهرت كفاءة جعفر لكثرة دهائه، فقتله ابن زياد، ثم مات محمد بن زياد، فملك بعده ابنه إبراهيم، ثم ملك بعده ابنه أبو الجيش إسحاق بن إبراهيم، وطالت مدّته ومات سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وترك طفلا
стр. 1210
اسمه زياد، فأقيم بعده وكفلته أخته هند ابنة إسحاق، وتولى معها رشد عبد أبي الجيش حتى مات، فولى بعد رشد عبده حسين بن سلامة، وكان عفيفا، فوزر لهند ولأخيها حتى ماتا، ثم انتقل الملك إلى طفل من آل زياد، وقام بأمره عمته وعبد الحسين بن سلامة اسمه مرجان، وكان لمرجان عبدان قد تغلبا على أمره يقال لأحدهما قيس وللآخر نجاح، فتنافسا على الوزارة، وكان قيس عسوفا، ونجاح رقيقا، وكان مرجان سيدهما يميل إلى قيس، وعمة الطفل تميل إلى نجاح، فشكا قيس ذلك إلى مرجان، فقبض على الملك الطفل إبراهيم وعلى عمته تملك، فبنى قيس عليهما جدارا، فكان إبراهيم آخر ملوك اليمن من آل زياد، وكان القبض عليه وعلى عمته سنة سبع وأربعمائة، فكانت مدّة بني زياد مائتي سنة وأربعا وستين سنة، فعظم قتل إبراهيم وعمته تملك على نجاح وجمع الناس، وحارب قيسا بزبيد حتى قتل قيس، وملك نجاح المدينة في ذي القعدة سنة اثنتي عشرة، وقال لسيده مرجان: ما فعلت بمواليك وموالينا؟ فقال: هم في ذلك الجدار، فأخرجهما وصلى عليهما ودفنهما وبنى عليهما مسجدا، وجعل سيده مرجان موضعهما في الجدار، ووضع معه جثة قيس وبنى عليهما الجدار، واستبدّ نجاح بمملكة اليمن، وركب بالمظلة وضربت السكة باسمه، ونجاح مولى مرجان، ومرجان مولى حسين بن سلامة، وحسين مولى رشد، ورشد مولى بني زياد، ولم يزل نجاح ملكا حتى مات سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، سمته جارية أهداها إليه الصليحيّ وترك من الأولاد عدّة.
فملك منهم سعيد الأحوال وإخوته عدّة سنين حتى استولى عليهم الصليحيّ فهربوا إلى دهلك، ثم قدم منهم جياش بن نجاح إلى زبيد متنكرا، وأخذ منها وديعة وعاد إلى دهلك، فقدمها أخوه سعيد الأحوق بعد ذلك واختفى بها، واستدعى أخاه جياشا وسارا في سبعين رجلا يوم التاسع من ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين، وقصدوا الصليحيّ وقد سار إلى الحج، فوافوه عند بئر أمّ معبد وقتلوه في ثاني عشرى ذي القعدة المذكور، وقتل معه ابنه عبد اللّه، واحتز سعيد رأسيهما، واحتاط على امرأته أسماء بنت شهاب، وعاد إلى زبيد ومعه أخوه جياش والرأسان بين أيديهما على هودج أسماء، وملك اليمن، فجمع المكرم ابن أسماء في سنة خمس وسبعين وسار من الجبال إلى زبيد وقاتل سعيدا، ففرّ سعيد، وملك المكرم واسمه أحمد، وأنزل رأس الصليحيّ وأخيه ودفنهما، وولي زبيد خاله أسعد بن شهاب، وماتت أسماء أمّه بعد ذلك في صنعاء سنة سبع وسبعين.
ثم عاد ابنا نجاح إلى زبيد وملكاها في سنة تسع وسبعين، ففرّ أسعد بن سهاب، ثم غلبهما أحمد المكرم بن عليّ الصليحيّ، وقتل سعيد بن نجاح في سنة إحدى وثمانين، وفرّ أخوه جياش إلى الهند، ثم عاد وملك زبيد في سنة إحدى وثمانين المذكورة، فولدت له جاريته الهندية ابنه الفاتك بن جياش، وبقي المكرم في الجبال يغير على بلاد جياش، وجياش يملك تهامة حتى مات آخر سنة ثمان وتسعين، فملك بعده ابنه فاتك، وخالف عليه
стр. 1211
أخوه إبراهيم، ومات فاتك سنة ثلاث وخمسمائة، فملك بعده ابنه منصور بن فاتك، وهو صغير فثار عليه عمه إبراهيم فلم يظفر، وثار بزبيد عبد الواحد بن جياش وملكها، فسار إليه عبد فاتك واستعادها، ثم مات منصور وملك بعده ابنه فاتك بن منصور، ثم ملك بعده ابن عمه فاتك بن محمد بن فاتك بن جياش في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، حتى قتل سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وهو آخر ملوك بني نجاح، فتغلب على اليمن عليّ بن مهديّ في سنة أربع وخمسين.
وأما الصليحيّ: فإنه عليّ بن القاضي محمد بن علي، كان أبوه في طاعته أربعون ألفا فأخذ ابنه التشيع عن عامر بن عبد اللّه الرواحيّ، أحد دعاة المستضيء، وصحبه حتى مات، وقد أسند إليه أمر الدعوة، فقام بها وصار دليلا لحاج اليمن عدّة سنين، ثم ترك الدلالة في سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وصعد رأس جبل مسار في ستين رجلا، وجمع حتى ملك اليمن في سنة خمس وخمسين، وأقام على زبيد أسعد بن شهاب بن عليّ الصليحيّ، وهو أخو زوجته وابن عمه، ثم انه حج فقتله بنو نجاح في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين، واستقرّت التهائم لبني نجاح، واستقرّت صنعاء لأحمد بن عليّ الصليحيّ المقتول، وتلقب بالملك المكرم. ثم جمع وقصد سعيد بن نجاح بزبيد وقاتله وهزمه إلى دهلك، وملك زبيد في سنة خمس وسبعين، فعاد سعيد وملك زبيد في سنة تسع وسبعين، فأتاه المكرم فقتله في سنة إحدى وثمانين، فملك جياش أخو سعيد ومات المكرم بصنعاء سنة أربعة وثمانين، فملك بعده أبو حمير سبأ بن أحمد المظفر بن عليّ الصليحيّ في سنة أربع وثمانين حتى مات سنة خمس وتسعين، وهو آخر الصليحيين، فملك بعده عليّ بن إبراهيم بن نجيب الدولة، فقدم من مصر إلى جبال اليمن في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وقام بأمر الدعوة والمملكة التي كانت بيد سبأ، ثم قبض عليه بأمر الخليفة الآمر بأحكام اللّه الفاطميّ بعد سنة عشرين وخمسمائة، وانتقل الملك والدعوة إلى الزريع بن عباس بن المكرم، وآل الزريع من إل عدن، وهم من حمدان، ثم من جشم، وبنوا المكرم يعرفون بآل الذنب. وكانت عدن للزريع بن عباس وأحمد بن مسعود بن المكرم، فقتلا على زبيد، وولي بعدهما ولداهما أبو السعود بن زريع وأبو الغارات بن مسعود، ثم استولى على الملك والدعوة سبأ بن أبي السعود بن زريع حتى مات سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، فولي بعده ولده الأعز عليّ بن سبأ، وكان مقامه بالرمادة، فمات بالسل، وملك أخوه المعظم محمد في سنة ثمان وثلاثين.
وولي من الصليحيين أيضا المملكة السيدة سنة بنت أحمد بن جعفر بن موسى الصليحيّ، زوجة أحمد المكرم، ولقبت بالحرّز، ومولدها سنة أربعين وأربعمائة، وربتها أسماء بنت شهاب، وتزوّجها الملك المكرم أحمد بن أسماء، وهو ابن علي الصليحيّ، سنة إحدى وستين، وولاها الأمر في حياته، فقامت بتدبير المملكة والحروب، وأقبل زوجها على لذاته حتى مات، وتولى ابن عمه سبأ، فاستمرّت في الملك حتى مات سبأ، وتولى ابن
стр. 1212
نجيب الدولة حتى ماتت سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وشاركه في الملك المفضل أبو البركات بن الوليد الحميريّ، وكان يحكم بين يدي الملكة الحرّة، وهي من وراء الحجاب، ومات المفضل في رمضان سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وملك بلاده ابنه الملك المنصور، ومنصور بن المفضل، حتى ابتاع منه محمد بن سبأ بن أبي السعود معاقل الصليحيين، وعدّتها ثمانية وعشرون حصنا بمائة ألف دينار، في سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وبقي المنصور بعد حتى مات بعد ما ملك نحو ثمانين سنة.
وأما عليّ بن مهديّ: فإنه حميريّ من سواحل زبيد، كان أبوه مهديّ رجلا صالحا، ونشأ ابنه على طريقة حسنة، وحج ووعظ، وكان فصيحا حسن الصوت عالما بالتفسير وغيره، يتحدّث بالمغيبات فتكون كما يقول، وله عدّة أتباع كثيرة وجموع عديدة، ثم قصد الجبال وأقام بها إلى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، ثم عاد إلى أملاكه ووعظ، ثم عاد إلى الجبال ودعا إلى نفسه فأجابه بطن من خولان فسماهم الأنصاري، وسمّي من صعد معه من تهامة المهاجرين، وولّى على خولان سبأ، وعلى المهاجرين رجلا آخر، وسمّي كلا منهما شيخ الإسلام، وجعلهما نقيبين على طائفتيهما فلا يخاطبه أحد غيرهما وهما يوصلان كلامه إلى من تحت أيديهما، وأخذ يغادي الغارات ويراوحها على التهائم حتى أجلى البوادي، ثم حاصر زبيد حتى قتل فاتك بن محمد آخر ملوك بني نجاح، فحارب ابن مهديّ عبد فاتك حتى غلبهم وملك زبيد يوم الجمعة رابع عشر رجب سنة أربع وخمسين وخمسمائة، فبقي على الملك شهرين وأحدا وعشرين يوما ومات.
فملك بعده ابنه مهديّ ثم عبد الغنيّ بن مهديّ، وخرجت المملكة عن عبد الغنيّ إلى أخيه عبد اللّه، ثم عادت إلى عبد الغنيّ، واستقرّ حتى سار إليه توران شاه بن أيوب من مصر في سنة تسع وستين وخمسمائة وفتح اليمن وأسر عبد الغنيّ، وهو آخر ملوك بني مهديّ، يكفر بالمعاصي ويقتل من يخالف اعتقاده ويستبيح وطء نسائهم واسترقاق أولادهم، وكان حنفي الفروع، ولأصحابه فيه غلوّ زائد، ومن مذهبه قتل من شرب الخمر ومن سمع الغناء.
ثم ملك توران شاه بن أيوب عدن من ياسر، وملك بلاد اليمن كلها واستقرّت في ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وعاد شمس الدولة توازن شاه بن أيوب إلى مصر في شعبان سنة ست وسبعين، واستخلف على عدم عز الدين عثمان بن الزنجيلي، وعلى زبيد حطان بن كليل بن منقد الكافي، فمات شمس الدولة بالإسكندرية، فاختلف نوّابه، فبعث السلطان صلاح الدين يوسف جيشا فاستولى على اليمن، ثم بعث في سنة ثمان وسبعين أخاه سيف الإسلام ظهير الدين طفتكين بن أيوب، فقدم إليها وقبض على حطان بن كليل بن منقد وأخذ أمواله وفيها سبعون غلاف زردية مملوءة ذهبا عينا، وسجنه فكان آخر العهد به، ونجا عثمان بن الزنجيليّ بأمواله إلى الشام فظفر بها سيف الإسلام، وصفت له
стр. 1213
مملكة اليمن حتى مات بها في شوال سنة ثلاث وتسعين. فأقيم بعده ابنه الملك المعز اسماعيل بن طفتكين بن أيوب، فجعظ وادّعى أنه أمويّ، وخطب لنفسه بالخلافة وعمل طول كمه عشرين ذراعا، فثار عليه مماليكه وقتلوه في سنة تسع وتسعين، وأقاموا بعده أخاه الناصر، ومات بعد أربع سنين فقام من بعده زوج أمّه غازي بن حزيل أحد الأمراء، فقتله جماعة من العرب، وبقي اليمن بغير سلطان، فتغلبت أمّ الناصر على زبيد، فقدم سليمان بن سعد الدين شاهنشاه بن أيوب إلى اليمن، فعبر يحمل ركوته على كتفه فملكته أم الناصر البلاد وتزوّجت به، فاشتدّ ظلمه وعتوّه إلى أن قدم الملك المسعود أقسيس بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب من مصر في سنة اثنتي عشرة وستمائة، فقبض عليه وحمله إلى مصر فأجرى له الكامل ما يقوم به إلى أن استشهد على المنصورة سنة سبع وأربعين وستمائة، وأقام المسعود باليمن وحج ملك مكة أيضا في شهر ربيع الأوّل سنة عشرين وستمائة، وعاد إلى اليمن ثم خرج عنها واستخلف عليها استاداره عليّ بن رسول، فمات بمكة سنة ست وعشرين، فقام عليّ بن رسول على ملك اليمن حتى مات في سنة تسع وعشرين، واستقرّ عوضه ابنه عمر بن عليّ بن رسول وتلقب بالمنصور حتى قتل سنة ثمان وأربعين، واستقرّ بعده ابنه المظفر يوسف بن عمر بن عليّ بن رسول وصفا له اليمن وطالت أيامه انتهى ما ذكره المصنف بخطه في تاريخه، عفا اللّه عنه وأرضاه وجعل الجنة مقرّه ومثواه.
ووجد بخطه أيضا ما مثاله: السلطان محمد بن طغلق شاه، وطغلق يلقب غياث الدين، وهو مملوك السلطان علاء الدين محمود بن شهاب الدين مسعود ملك الهند، مقرّ ملكه مدينة دهلي وجميع البلاد برّا وبحرا بيده، إلاّ الجزائر المغلغلة في البحر، وأما الساحل فلم يبق منه قيد شبر إلا وهو بيده، وأوّل ما فتح مملكة تكنك، عدّة قراها مائة ألف قرية وتسعمائة قرية، فتح بلاد حاجنكيز، وبها سبعون مدينة جليلة كلها بنادر على البحر، فتح بلاد لنكوتي وهي كرسيّ تسعة ملوك، ثم فتح بلاد دواكير وبها أربع وثمانون قلعة كلها جليلات المقدار، وبها ألف ألف قرية ومائتا ألف قرية، ثم فتح بلاد ورسمند وكان بها ستة ملوك، ثم فتح بلاد المعبر وهم أقليم جليل له سبعون مدينة بنادر على البحر، وجملة ما بيده ثلاثة وعشرون إقليما، وهي: أقليم دهلي، وأقليم الدواكير، وإقليم الملثان، وإقليم كهران، وإقليم سامان، وإقليم سوستان، وإقليم وجا، وإقليم هاسي، وإقليم سرسيني، وإقليم المعبر، وإقليم تكنك كحرات، وإقليم بداون، وإقليبم عوض، وإقليم التيوج، وإقليم لنكوتي، وإقليم بهار، وإقليك كره، وإقليم ملاوه، وإقليم بهادر، وإقليم كلافور، وإقليم حاجنكيز، وإقليم بليخ، وإقليم ورسمند. وهذه الأقاليم تشتمل على ألف مدينة، ومائتي مدينة دهلي دور عمرانها أربعون ميلا، وجملة ما يطلق عليه اسم دهلي إحدى وعشرون مدينة، وفي دهلي ألف مدرسة كلها للحنفية إلاّ واحدة فإنها للشافعية، ونحو سبعين
стр. 1214
مارستان، وفي بلادها من الخوانك والربط نحو ألفين، وبها جامع ارتفاع مئذنته ستمائة ذراع في الهواء، وللسلطان خدمة مرّتين في كلّ يوم بكرة وبعد العصر، ورتب الأمراء على هذه الأنواع، أعلاهم قدرا الخانات ثم الملوك ثم الأمراء ثم الأسفهسلارية ثم اجلند، وفي خدمته ثمانون خانا، وعسكره تسعمائة ألف فارس، وله ثلاثة آلاف فيل تلبس في الحروب البرك اصطونات الحديد المذهب، وتلبس في أيام السلم جلال الديباج وأنواع الحرير وتزين بالقصور والأسرّة المصفحة ويشدّ عليها بروج الخشب يركب فيها الرجال للحرب، فيكون على الفيل من عشرة رجال إلى ستة، وله عشرون ألف مملوك أتراك، وعشرة آلاف خادم خصيّ، وألف خازندار، وألف مشبقدار، ومائتا ألف عبد ركابية تلبس السلاح وتمشي بركابه وتقاتل رجالة بين يديه، والاسفهسلارية لا يؤهل منهم أحد لقرب السلطان، وإنما يكون منهم نوع الولاة، والخان يكون له عشرة آلاف فارس، وللملك ألف، وللأمير مائة فارس، وللاسفسلار دون ذلك، ولكلّ خان عبرة لكّين كلّ لك مائة ألف تنكة، كلّ تنكة ثمانية دراهم، ولكلّ ملك من ستين ألف تنكة إلى خمسين ألف تنكة، ولكل أمير من أربعين ألف تنكة إلى ثلاثين ألف تنكة، ولكلّ اسفهسلار من عشرين ألف تنكة إلى ما حولها، ولكلّ جنديّ من عشرة آلاف تنكة إلى ألف تنكة، ولكلّ مملوك من خمسة آلاف تنكة إلى ألف تنكة، سوى طعامهم وكساويهم وعليقهم، ولكلّ عبد في الشهر منان من الحنطة والأرز، في كلّ يوم ثلاثة أستار لحم وما يحتاج إليه، وفي كلّ شهر عشر تنكات بيضاء، وفي كلّ سنة أربع كساو. وللسلطان دار طراز فيها أربعة آلاف قزّاز لعمل أنواع القماش، سوى ما يحمل له من الصين والعراق والإسكندرية، ويفرّق كلّ سنة مائتي ألف كسوة كاملة، في فصل الربيع مائة ألف، وفي فصل الخريف مائة ألف، ففي الربيع غالب الكسوة من عمل الإسكندرية، وفي الخريف كلها حرير من عمل دار الطراز بدهلي وقماش الصين والعراق، ويفرّق على الخوانك والربط الكساوي، وله أربعة آلاف زركشيّ تعمل الزركش، ويفرّق كلّ سنة عشرة آلاف فرس مسرجة وغير مسرجة سوى ما يعطي الأجناد من البراذين، فإنه بلا حساب يعطي جشارات، ومع هذا فالخيل عنده غالية مطلوبة، وللسلطان نائب من الخانات يسمى ابريت، اقطاعه قدر إقليم بحر العراق، ووزير إقطاعه كذلك، وله أربعة نوّاب مسمى كلّ واحد منهم من أربعين ألف تنكة إلى عشرين ألف تنكة، وله أربعة ربيسان أي كتاب سرّ، لكلّ واحد منهم ثلاثمائة كاتب، ولكل كاتب إقليم عشرة آلاف تنكة، ولصدر جهان وهو قاضي القضاة قرى يتحصل منها نحو ستين ألف تنكة، ولصدر الإسلام وهو أكبر نوّاب القاضي، ولشيخ الإسلام وهو شيخ الشيوخ مثل ذلك، وللمحتسب ثمانية آلاف تنكة، وله ألف طبيب ومائتا طبيب، وعشرة آلاف بزدار تركب الخيل وتحمل طيور الصيد، وله ثلاثة آلاف سوّاق لتحصيل الصيد، وخمسمائة نديم، وألفان ومائتان للملاهي سوى مماليكه، وهم ألف مملوك، وألف شاعر باللغات العربية والفارسية والهندية، يجري عليهم ديوانه،
стр. 1215
ومتى غنى أحد منهم لغيره قتله، ولكلّ نديم قريتان أو قرية، ومن أربعين ألف تنكة إلى ثلاثين ألف تنكة إلى عشرين ألف تنكة، سوى الخلع والكساوي والافتقادات، ويمدّ في وقت كلّ خدمة في المرتين من كلّ يوم سماط يأكل منه عشرون ألفا مثل الخانات والملوك والأمراء والاسفهسلارية وأعيان الأجناد، وله طعام خاص، يأكل معه الفقهاء وعدّتهم مائتا فقيه في الغداء والعشاء، فيأكلون ويتباحثون بين يديه، ويذبح في مطابخه كلّ يوم ألفان وخمسمائة رأس من البقر، وألفا رأس من الغنم، سوى الخيل وأنواع الطير، ولا يحضر مجلسه من الجند إلاّ الأعيان، ومن دعته ضرورة إلى الحضور، والندماء وأرباب الأغاني يحضرون بالنوبة، وكذلك الربيسان والأطباء ونحوهم لكلّ طائفة نوبة تحضر فيها للخدمة، والشعراء تحضر في العيدين والمواسم وأوّل شهر رمضان، وإذا تجدّد نصر على عدوّ أو فتوح ونحو ذلك مما يهنّى به السلطان.
وأمور الجند والعامّة مرجعها إلى ابريت، وأمر القضاة كلهم مرجعه إلى صدر جهان، وأمر الفقهاء إلى شيخ الإسلام، وأمر الواردين والوافدين والأدباء والشعراء إلى الربيسان، وهم كتاب السرّ. وجهز هذا السلطان مرّة أحد كتاب سرّه إلى السلطان أبي سعيد رسولا، وبعث معه ألف ألف تنكة ليتصدّق بها في مشاهد العراق، وخمسمائة فرس، فقدم بغداد وقد مات أبو سعيد، وكان هذا السلطان ترعد الفرائض لمهابته وتزلزل الأرض لموكبه، يجلس بنفسه لإنصاف رعيته ولقراءة القصص عليه جلوسا عامّا، ولا يدخل أحد عليه ومعه سلاح ولو السكين ويجلس، وعنده سلاح كامل لا يفارقه أبدا، وإذا ركب في الحرب فلا يمكن وصف هيبته، وله أعلام سود في أوساطها تبابين من ذهب تسير عن يمينه، وأعلام حمر فيها تبابين من ذهب تسير عن يساره، ومعه مائتا جمل نقارات، وأربعون جملا كوسات كبارا، وعشرون بوقا، وعشرة صنوج، ويدق له خمس نوب كلّ يوم، وإذا خرج إلى الصيد كان في جف وعدّة من معه زيادة على مائة ألف فارس ومائتي فيل وأربعة قصور خشب على ثمانمائة جمل، كلّ قصر منها على مائتي جمل كلها ملبسة حريرا مذهبا، كلّ قصر طبقتان، سوى الخيم والجركاوات، وإذا انتقل من مكان إلى مكان للنزهة يكون معه نحو ثلاثين ألف فارس وألف جنيب مسرجة ملجمة بالذهب المرصع بالجوهر والياقوت، وإذا خرج في قصره من موضع إلى آخر يمرّ راكبا وعلى رأسه الحبر، والسلاح دارية وراءه بأيديهم السلاح، وحوله نحو اثنا عشر ألف مملوك مشاة، لا يركب منهم إلاّ حامل الحبر والسلاح دارية والجمدارية حملة القماش، وإذا خرج للحرب أو سفر طويل حمل على رأسه سبع حبورة، منها اثنان مرصعان ليس لهما قيمة، وله فخامة عظيمة وقوانين وأوضاع جليلة، والخانات والملوك والأمراء لا يركب أحد منهم في السفر والحضر إلاّ بالأعلام، وأكثر ما يحمل الخان سبعة أعلام، وأكثر ما يحمل الأمير ثلاثة، وأكثر ما يجرّه الخان في الحضر عشرة جنائب، وأكثر ما يجرّ الأمير في الحضر جنيبان، وأما في السفر فحسبما يختار.
стр. 1216
وكان للسلطان برّ وإحسان، وفيه تواضع، ولقد مات عنده رجل فقير فشهد جنازته وحمل نعشه على عنقه، وكان يحفظ القرآن العزيز العظيم والهداية في فقه الحنفية، ويجيد علم المعقول، ويكتب خطا حسنا، ولذته في الرياضة وتأديب النفس، ويقول الشعر ويباحث العلماء ويؤاخذ الشعراء ويأخذ بأطراف الكلام على كلّ من حضر على كثرة العلماء عنده، والعلماء تحضر عنده وتفطر في رمضان معه بتعيين صدر جهان لهم في كلّ ليلة، وكان لا يترخص في محذور ولا يقرّ على منكر ولا يتجاسر أحد في بلاده أن يتظاهر بمحرّم، وكان يشدّد في الخمر ويبالغ في العقوبة على من يتعاطاه من المقرّبين منه، وعاقب بعض أكابر الخانات على شرب الخمر وقبض عليه وأخذ أمواله وجملتها أربعمائة ألف ألف مثقال وسبعة وثلاثون ألف ألف مثقال ذهبا أحمر، زنتها ألف وسبعمائة قنطار بالمصريّ، وله وجوه برّ كثيرة منها: أنه يتصدّق في كلّ يوم بلكّين، عنهما من نقد مصر ألف وستمائة ألف درهم، وربما بلغت صدقته في يوم واحد خمسين لكّا، ويتصدّق عند كلّ رؤية هلال شهر بلكين دائما، وعليه راتب لأربعين ألف فقير، كلّ واحد منهم درهم في كلّ يوم، وخمسة أرطال برّ وأرز، وقرّر ألف فقيه في مكاتب لتعليم الأطفال القرآن، وأجرى عليهم الأرزاق، وكان لا يدعي بدهلي سائلا بل يجري على الجميع الأرزاق، ويبالغ في الإحسان إلى الغرباء، وقدم عليه رسول من أبي سعيد مرّة بالسلام والتودّد، فخلع عليه وأعطاه حملا من المال، فلما أراد الانصراف أمره أن يدخل الخزانة ويأخذ ما يختار، فلم يأخذ غير مصحف، فسأله عن ذلك فقال: قد أغناني السلطان بفضله، ولم أجد أشرف من كتاب اللّه، فزاد إعجابه به وأعطاه مالا جملته ثمانمائة تومان، والتومان عشرة آلاف دينار، وكلّ دينار ستة دراهم، تكون جملة ذلك ثمانية آلاف ألف دينار، عنها ثمانية وأربعون ألف ألف درهم.
وقصده شخص من بلاد فارس وقدّم له كتبا في الحكمة منها كتاب الشفاء لابن سينا، فأعطاه جوهرا بعشرين ألف مثقال من الذهب، وقصده آخر من بخارى بحملي بطيخ أصفر فتلف غالبه حتى لم يبق منه إلا اثنتان وعشرون بطيخة، فأعطاه ثلاثة آلاف مثقال ذهبا، وكان قد التزم أن لا ينطق في إطلاقاته بأقل من ثلاثة آلاف مثقال ذهبا، وبعث ثلاث لكوك ذهبا إلى بلاد ما وراء النهر ليفرّق على العلماء لكّ، وعلى الفقراء لكّ، ويبتاع له حوائج بلك، وبعث للبرهان الضياء عزه جي شيخ سمرقند بأربعين ألف تنكة، وكان لا يفارق العلماء سفرا وحضرا، ومنار الشرع في أيامه قائم، والجهاد مستمرّ، فبلغ مبلغا عظيما في إعلاء كلمة الإيمان، فنشر الإسلام في تلك الأقطار وهدم بيوت النيران وكسر الندود والأصنام واتصل به الإسلام إلى أقصى الشرق، وعمر الجوامع والمساجد، وأبطل التثويب في الآذان ولم يخل له يوم من الأيام من بيع آلاف من الرقيق لكثرة السبي، حتى أن الجارية لا يتعدّى ثمنها بمدينة دهلي ثمان تنكات، والسرّية خمس عشرة تنكة، والعبد المراهق أربعة دراهم، ومع رخص قيمة الرقيق فإنه تبلغ قيمة الجارية الهندية عشرين ألف تنكة، لحسنها ولطف خلقها،
стр. 1217
وحفظها القرآن وكتابتها الخط، وروايتها الأشعار والأخبار، وجودة غنائها وضربها بالعود ولعبها بالشطرنج، وهن يتفاخرن فتقول الواحدة آخذ قلب سيدي في ثلاثة أيام، فتقول الأخرى أنا آخذ قلبه في يوم، فتقول الأخرى أنا أخذ قلبه في ساعة، فتقول الأخرى أنا آخذ قلبه في طرفة عين، وكان ينعم على جميع من في خدمته من أرباب السيوف والأقلام بكلّ جليل من البلاد والأموال والجواهر والخيول المجللة بالذهب وغير ذلك، إلاّ الفيلة فإنه لا يشاركه فيها أحد، وللثلاثة آلاف فيل راتب عظيم، فأكثرها مؤنة له في كلّ يوم أربعون رطلا من أرز، وستون رطلا من شعير، وعشرون رطلا من سمن، ونصف حمل من حشيش، وقيّمها جليل القدر، إقطاعه مثل إقليم العراق، وإذا وقف السلطان للحرب كان أهل العلم حوله والرماة قدّامه وخلفه، وأمامه الفيلة كما تقدّم عليها الفيالة، وقدّامها العبيد المشاة، والخيل في الميمنة والميسرة، فتهيأ له من النصر ما لا تهيأ لأحد ممن تقدّمه، ففتح الممالك وهدم قواعد الكفار ومحا صور معابدهم، وأبطل فخرهم، وكان يجلس كلّ يوم ثلاثاء جلوسا عامّا على تخت مصفح بالذهب، وعلى رأسه حبر في موكب عظيم، وينادي مناديه من له شكوى في شخص، فينظر في ظلامات الناس، وكان لا يوجد بدهلي في أيامه خمر البتة.
وأوّل من ملك مدينة دهلي قطب الدين أيبك، وذلك أن شهاب الدين محمد بن سالم بن الحسين، أحد الملوك الغورية، فتح الهند بعد عدّة حروب، وأقطع مملوكه أيبك هذا مدينة دهلي، فبعث أيبك عسكرا عليه محمد بن بختيار، فأخذ إلى تخوم الصين، وذلك كله في سنة سبع وأربعين وخمسمائة، ثم ولي بعده ايتمش بن أيبك أربعين سنة، فقام بعده ابنه علاء الدين عليّ بن ايتمش بن أيبك، ثم أخوه معز الدين بن أيتمش، ثم أخته رضية خاتون فأقامت ثلاث سنين، ثم أخوها ناصر الدين بن ايتمش فأقام أربعا وعشرين سنة، ثم قام بعده مملوكه غياث الدين بليان سبعا وعشرين سنة، ثم بعده معز الدين نيابا خمس سنين، ثم ابنه شمس الدين كيمورس سبعة أشهر، ثم خرج الملك عن بيت السلطان شمس الدين ايتمش، وقويت التركمان العلجية وكانوا أمراء يقال للواحد منهم خان، واستبدّ كبيرهم جلال الدين فيروز سبع سنين، ثم ابن أخيه علاء الدين محمود بن شهاب مسعود اثنتين وعشرين سنة، ومات سنة خمس عشرة وسبعمائة، ثم ابنه شهاب الدين عمر بن محمود بن مسعود سنة واحدة، ولقب غياث الدين، ثم أخوه قطب الدين مبارك بن محمود أربع سنين وقتل سنة عشرين وسبعمائة، ثم علاء الدين خسر ومملوك علاء الدين محمود سبعة أشهر، وملك غياث الدين طغلق شاه مملوك السلطان علاء الدين محمود بن مسعود في أوّل شعبان سنة عشرين وسبعمائة، ثم ملك بعده ابنه محمد بن طغلق شاه صاحب الترجمة. هذا آخر ما وجد بخطه رحمه اللّه تعالى.
ووجد بخطه أيضا رحمه اللّه تعالى: ما أحسن قول الأديب محمد بن حسن بن شاور النقيب:
стр. 1218
مشت أيامكم لا بل نراها … جرت جريا على غير اعتياد
وما عقدت نواصيها بخير … ولا كانت تعدّ من الجياد
بخشان: مدينة فيما وراء النهر بها معدن اللعل البدخشانيّ، وهو المسمى بالبلخش، وبها معدن اللازورد الفائق، وهما في جبل بها يحفر عليهما في معادنهما، فيوجد اللازورد بسهولة، ولا يوجد اللعل إلا بتعب كبير وإنفاق زائد، وقد لا يوجد بعد التعب الشديد والنفقة الكثيرة، ولهذا عز وجوده وغلت قيمته.
وأقصر ليل بلغار بالبحرين أربع ساعات ونصف، وأقصر ليل أفتكون ثلاث ساعات ونصف، فهو أقصر من ليل بلغار بساعة واحدة، وبين بلغار وأفتكون مسافة عشرين يوما بالسير المعتاد. انتهى.
السلطانية من عراق العجم، بناها السلطان محمد خدابنده أوكانيق بن أرغون بن ابغا بن هولاكو، وخدابنده ملك بعد أخيه محمود غازان، وملك بعد خدابنده ابنه السلطان أبو سعيد بهادر خان، وكان الشيخ حسن بن حسين بن أقبغا مع قائد السلطان محمد بن طشتمر بن استيمر بن عترجي، ومذ مات أبو سعيد لم يجمع بعده على طاعة ملك، بل تفرّقوا وقام في كلّ ناحية قائم. انتهى.
ووجد بخطه أيضا ما نصه: وللّه در أبي إسحاق الأديب حيث قال:
إذا كنت قد أيقنت أنك هالك … فمالك مما دون ذلك تشفق
ومما يشين المرء ذا الحلم أنّه … يرى الأمر حتما واقعا ثم يقلق
وحيث يقول:
ومن طوى الخمسين من عمره … لاقى أمورا فيه مستنكرة
وإن تخطاها رأى بعدها … من حادثات الدهر ما لم يره
انتهى ما وجد بخطه في أصله.
ذكر الجزائر
اعلم أن الجزائر التي هي الآن في بحر النيل كلها حادثة في الملة الإسلامية، ما عدا الجزيرة التي تعرف اليوم بالروضة تجاه مدينة مصر، فإن العرب لما دخلوا مع عمرو بن العاص إلى مصر، وحاصروا الحصن الذي يعرف اليوم بقصر الشمع في مصر، حتى فتحه اللّه تعالى عنوة على المسلمين، كانت هذه الجزيرة حينئذ تجاه القصر، ولم يبلغني إلى الآن متى حدثت، وأما غيرها من الجزائر فكلها قد تجدّدت بعد فتح مصر.
стр. 1219
ويقال واللّه أعلم، أنّ بلهيت الذي يعرف اليوم بأبي الهول، طلسم وضعه القدماء لقلب الرمل عن برّ مصر الغربيّ الذي يعرف اليوم ببرّ الجيزة، وأنه كان في البرّ الشرقيّ بجوار قصر الشمع صنم من حجارة على مسامتة أبي الهول، بحيث لو امتدّ خيط من رأس أبي الهول وخرج على استواء، لسقط على رأس هذا الصنم، وكان مستقبل المشرق، وأنه وضع أيضا لقلب الرمل عن البرّ الشرقيّ، فقدّر اللّه أن كسر هذا الصنم على يد بعض أمراء الملك الناصر محمد بن قلاون، في سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وحفر تحته حتى بلغ الحفر إلى الماء، ظنا أنه يكون هناك كنز، فلم يوجد شيء، وكان هذا الصنم يعرف عند أهل مصر بسريّة أبي الهول، فكان عقيب ذلك غلبة النيل على البرّ الشرقيّ، وصارت هذه الجزائر الموجودة اليوم، وكذلك قام شخص من صوفية الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء، يعرف بالشيخ محمد صائم الدهر في تغيير المنكر أعوام بضع وثمانين وسبعمائة، فشوّه وجوه سباع الحجر التي على قناطر السباع خارج القاهرة، وشوّه وجه أبي الهول، فغلب الرمل على أراضي الجيزة، ولا ينكر ذلك، فللّه في خليقته أسرار يطلع عليها من يشاء من عباده، والكلّ بخلقه وتقديره.
وقد ذكر الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه في كتاب أخبار مصر، في خبر الواحات الداخلة، أن في تلك الصحارى كانت أكثر مدن ملوك مصر العجيبة وكنوزهم، إلا أن الرمال غلبت عليها. قال: ولم يبق بمصر ملك إلاّ وقد عمل للرمال طلسما لدفعها، ففسدت طلسماتها لقدم الزمان.
وذكر ابن يونس عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه قال: إني لأعلم السنة التي تخرجون فيها من مصر، قال ابن سالم: فقلت له ما يخرجنا منها يا أبا محمد أعدوّ؟ قال:
لا ولكنكم يخرجكم منها نيلكم، هذا يغور فلا تبقى منه قطرة، حتى تكون فيه الكثبان من الرمل، وتأكل سباع الأرض حيتانه.
وقال الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير قال: إنّ الصحابيّ حدّثه أنه سمع كعبا يقول: ستعرك العراق عرك الأديم، وتفت مصر فت البعرة. قال الليث: وحدّثني رجل عن وهب المعافريّ أنه قال: وتشق الشام شق الشعرة، وسأذكر من خبر هذه الجزائر المشهورة ما وصلت إلى معرفته إن شاء اللّه تعالى.
ذكر الروضة
اعلم أنّ الروضة تطلق في زماننا هذا على الجزيرة التي بين مدينة مصر ومدينة الجيزة، وعرفت في أوّل الإسلام بالجزيرة، وبجزيرة مصر، ثم قيل لها جزيرة الحصن، وعرفت إلى اليوم بالروضة، وإلى هذه الجزيرة انتقل المقوقس لما فتح اللّه تعالى على المسلمين القصر
стр. 1220
وصار بها هو ومن معه من جموع الروم والقبط، وبها أيضا بنى أحمد بن طولون الحصن، وبها كانت الصناعة، يعني صناعة السفن الحربية، أي كانت بها دار الصناعة، وبها كان الجنان والمختار، وبها كان الهودج الذي بناه الخليفة الآمر بأحكام اللّه لمحبوبته البدوية، وبها بنى الملك الصالح نجم الدين أيوب القلعة الصالحية، وبها إلى اليوم مقياس النيل، وسأورد من أخبار الروضة هنا ما لا تجده مجتمعا في غير هذا الكتاب.
قال ابن عبد الحكم وقد ذكر محاصرة المسلمين للحصن: فلما رأى القوم الجدّ من المسلمين على فتح الحصن والحرص، ورأوا صبرهم على القتال ورغبتهم فيه، خافوا أن يظهروا عليهم، فتنحى المقوقس وجماعة من أكابر القبط وخرجوا من باب الحصن القبليّ، ودونهم جماعة يقاتلون العرب، فلحقوا بالجزيرة موضع الصناعة اليوم وأمروا بقطع الجسر، وذلك في جري النيل، وتخلف في الحصن بعد المقوقس الأعرج، فلما خاف فتح باب الحصن خرج هو وأهل القوّة والشرف وكانت سفنهم ملصقة بالحصن، ثم لحقوا بالمقوقس بالجزيرة.
قال: وكان بالجزيرة يعني بعد فتح مصر في أيام عبد العزيز بن مروان أمير مصر، خمسمائة فاعل معدّة لحريق يكون في البلد أو هدم.
وقال القضاعيّ جزيرة فسطاط مصر. قال الكنديّ: بنيت بالجزيرة الصناعة في سنة أربع وخمسين، وحصن الجزيرة بناه أحمد بن طولون في سنة ثلاث وستين ومائتين ليحرز فيه حرمه وماله، وكان سبب ذلك مسير موسى بن بغا العراقيّ من العراق واليا على مصر، وجميع أعمال ابن طولون، وذلك في خلافة المعتمد على اللّه. فلما بلغ أحمد بن طولون مسيرة، استعدّ لحربه ومنعه من دخول أعماله، فلما بلغ موسى بن بغا إلى الرقة تثاقل عن المسير لعظم شأن ابن طولون وقوّته، ثم عرضت لموسى علة طالت به وكان بها موته، وثاوره الغلمان وطلبوا منه الأرزاق، وكان ذلك سبب تركه المسير، فلم يلبث موسى بن بغا أن مات وكفى ابن طولون أمره، ولم يزل هذا الحصن على الجزيرة حتى أخذه النيل شيئا بعد شيء، وقد بقيت منه بقايا متقطعة إلى الآن، وقد اختصر القاضي القضاعيّ ﵀ في ذكر سبب بناء ابن طولون حصن الجزيرة.
وقد ذكر جامع سيرة ابن طولون أن صاحب الزنج لما قدم البصرة في سنة أربع وخمسين ومائتين، واستعجل أمره، أنفذ إليه أمير المؤمنين المعتمد على اللّه تعالى، أبو العباس أحمد ابن أمير المؤمنين، المتوكل على اللّه جعفر بن المعتصم بن الرشيد رسولا، في حمل أخيه الموفق بالله أبي أحمد طلحة من مكة إليه، وكان الخليفة المهتدي بالله محمد بن الواثق بن المعتصم نفاه إليها، فلما وصل إليه جعل العهد بالخلافة من بعده لابنه المفوّض، وبعد المفوّض تكون الخلافة للموفق طلحة، وجعل غرب الممالك الإسلامية للمفوّض،
стр. 1221
وشرقها للموفق، وكتب بينهما بذلك كتابا ارتهن فيه أيمانهما بالوفاء بما قد وقعت عليه الشروط، وكان الموفق يحسد أخاه المعتمد على الخلافة ولا يراه أهلا لها، فلما جعل المعتمد الخلافة من بعده لابنه ثم للموفق بعده، شق ذلك عليه وزاد في حقده، وكان المعتمد متشاغلا بملاذّ نفسه من الصيد واللعب والتفرّد بجواريه، فضاعت الأمور وفسد تدبير الأحوال وفاز كلّ من كان متقلدا عملا بما تقلده، وكان في الشروط التي كتبها المعتمد بين المفوّض والموفق، أنه ما حدث في عمل كلّ واحد منهما من حدث كانت النفقة عليه من مال خراج قسمه، واستخلف على قسم ابنه المفوّض موسى بن بغا، فاستكتب موسى بن بغا عبيد اللّه بن سليمان بن وهب، وانفرد الموفق بقسمه من ممالك الشرق، وتقدّم إلى كلّ منهما أن لا ينظر في عمل الآخر، وخلد كتاب الشروط بالكعبة، وأفرد الموفق لمحاربة صاحب الزنج وأخرجه إليه وضم معه الجيوش، فلما كبر أمره وطالت محاربته أياه، وانقطعت موادّ خراج المشرق عن الموفق، وتقاعد الناس عن حمل المال الذي كان يحمل في كلّ عام، واحتجوا بأشياء، دعت الضرورة الموفق إلى أن كتب إلى أحمد بن طولون، وهو يومئذ أمير مصر، في حمل ما يستعين به في حروب صاحب الزنج، وكانت مصر في قسم المفوّض، لأنها من الممالك الغربية، إلاّ أن الموفق شكا في كتابه إلى ابن طولون شدّة حاجته إلى المال بسبب ما هو بسبيله، وأنفذ مع الكتاب تحريرا خادم المتوكل ليقبض منه المال، فما هو إلاّ أن ورد تحرير على ابن طولون بمصر، وإذا بكتاب المعتمد قد ورد عليه، يأمره فيه بحمل المال إليه على رسمه مع ما جرى الرسم بحمله مع المال في كلّ سنة، من الطراز والرقيق والخيل والشمع وغير ذلك، وكتب أيضا إلى أحمد بن طولون كتابا في السرّ، أنّ الموفق إنما أنفذ تحريرا إليك عينا ومستقصيا على أخبارك، وأنه قد كاتب بعض أصحابك فاحترس منه واحمل المال إلينا وعجل إنفاذه، وكان تحرير لما قدم إلى مصر أنزله أحمد بن طولون معه في داره بالميدان، ومنعه من الركوب ولم يمكنه من الخروج من الدار التي أنزله بها حتى سار من مصر، وتلطف في الكتب التي أجاب بها الموفق، ولم يزل بتحرير حتى أخذ جميع ما كان معه من الكتب التي وردت من العراق إلى مصر، وبعث معه إلى الموفق ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار، وما جرى الرسم بحمله من مصر، وأخرج معه العدول وسار بنفسه صحبته حتى بلغ به العريش، وأرسل إلى ماخور متولي الشام، فقدم عليه بالعريش، وسلّمه إليه هو والمال وأشهد عليه بتسليم ذلك ورجع إلى مصر، ونظر في الكتب التي أخذها من تحرير، فإذا هي إلى جماعة من قوّاده باستمالتهم إلى الموفق، فقبض على أربابها وعاقبهم حتى هلكوا في عقوبته، فلما وصل جواب ابن طولون إلى الموفق ومعه المال، كتب إليه كتابا ثانيا يستقل فيه المال ويقول: إن الحساب يوجب أضعاف ما حملت، وبسط لسانه بالقول، والتمس فيمن معه من يخرج إلى مصر ويتقلدها عوضا عن ابن طولون فلم يجد أحدا عوضه، لما كان من كيس أحمد بن طولون وملاطفته وجوه الدولة.
стр. 1222
فلما ورد كتاب الموفق على ابن طولون قال: وأيّ حساب بيني وبينه، أو حال توجب مكاتبتي بهذا أو غيره، وكتب إليه بعد البسملة: وصل كتاب الأمير أيده اللّه تعالى وفهمته، وكان، أسعده اللّه، حقيقا بحسن التخير لمثلي وتصييره إياي عمدته التي يعتمد عليها، وسيفه الذي يصول به، وسنانه الذي يتقي الأعداء بحدّه، لأني دائب في ذلك وجعلته وكدي، واحتملت الكلف العظام والمؤن الثقال باستجذاب كل موصوف بشجاعة، واستدعاء كلّ منعوت بغنى وكفاية، بالتوسعة عليهم وتواصل الصلات، والمعاون لهم، صيانة لهذه الدولة وذبا عنها، وحسما لأطماع المتشوّفين لها والمنحرفين عنها، ومن كانت هذه سبيله في الموالاة، ومنهجه في المناصحة، فهو حريّ أن يعرف له حقه ويوفر من الإعظام قدره، ومن كلّ حال جليلة حظه ومنزلته، فعو ملت بضدّ ذلك من المطالبة بحمل ما أمر به والجفاء في المخاطبة بغير حال توجب ذلك، ثم أكلف على الطاعة جعلا، وألزم في المناصحة ثمنا، وعهدي بمن أستدعي ما استدعاه الأمير من طاعته، أن يستدعيه بالبذل والإعطاء والإرغاب والإرضاء والإكرام، لا أن يكلّف ويحمل من الطاعة مؤنة وثقلا، وإني لا أعرف السبب الذي يوجب الوحشة ويوقعها بيني وبين الأمير أيده اللّه تعالى، ولا ثم معاملة تقتضي معاملة أو تحدث منافرة، لأن العمل الذي أنا بسبيله لغيره، والمكاتبة في أموره إلى من سواه، ولا أنا من قبله، فإنه والأمير جعفر المفوّض أيده اللّه تعالى، قد اقتسما الأعمال وصار لكلّ واحد منهما قسم قد انفرد به دون صاحبه، وأخذت عليه البيعة فيه أنه من نقض عهده أو أخفر ذمّته ولم يف لصاحبه بما أكد على نفسه، فالأمّة بريئة منه ومن بيعته، وفي حلّ وسعة من خلفه، والذي عاملني به الأمير من محاولة صرفي مرّة وإسقاط رسمي أخرى، وما يأتيه ويسومنيه ناقض لشرطه مفسد لعهده، وقد التمس أوليائي وأكثروا الطلب في إسقاط اسمه وإزالة رسمه، فآثرت الإبقاء وإن لم يؤثره، واستعملت الأناة إذ لم تستعمل معي، ورأيت الاحتمال والكظم أشبه بذوي المعرفة والفهم، فصبرت نفسي على أحرّ من الجمر، وأمرّ من الصبر، وعلى ما لا يتسع به الصدر. والأمير أيده اللّه تعالى أولى من أعانني على ما أوثره من لزوم عهده، وأتوخاه من تأكيد عقده بحسن العشرة والإنصاف وكف الأذى والمضرّة، وأن لا يضطرّني إلى ما يعلم اللّه كرهي له، أن أجعل ما قد أعددته لحياطة الدولة من الجيوش المتكاثفة والعساكر المتضاعفة التي قد ضرّست رجالها من الحروب وجرت عليهم محن الخطوب مصر وفا إلى نقضها، فعندنا وفي حيزنا من يرى أنه أحق بهذا الأمر وأولى من الأمير، ولو أمنوني على أنفسهم، فضلا عن أن يعثروا مني على ميل، أو قيام بنصرتهم، لاشتدّت شوكتهم ولصعب على السلطان معاركتهم، والأمير يعلم أن بإزائه منهم واحدا قد كبر عليه وفض كلّ جيش أنهضه إليه، على أنه لا ناصر له إلاّ لفيف البصرة وأوباش عامّتها، فكيف من يجدر كنا منيعا وناصرا مطيعا، وما مثل الأمير في أصالة رأيه يصرف مائة ألف عنان عدّة له، فيجعلها عليه بغير ما سبب يوجب ذلك، فإن يكن من الأمير أعتاب أو رجوع
стр. 1223
إلى ما هو أشبه به وأولى، وإلاّ رجوت من اللّه كفاية أمره وحسم مادّة شرّه، وأجراءنا في الحياطة على أجمل عادته عندنا والسلام.
فلما وصل الكتاب إلى الموفق أقلقه وبلغ منه مبلغا عظيما، وأغاظه غيظا شديدا، وأحضر موسى بن بغا وكان عون الدولة وأشدّ أهلها بأسا وإقداما، فتقدّم إليه في صرف أحمد بن طولون عن مصر وتقليدها ماخور، فامتثل ذلك وكتب إلى ماخور كتاب التقليد وأنفذه إليه، فلما وصل إليه الكتاب توقف عن إرساله إلى أحمد بن طولون لعجزه عن مناهضته، وخرج موسى بن بغا عن الحضرة مقدّرا أنه يدور عمل المفوّض ليحمل الأموال منه، وكتب إلى ماخور أمير الشام، وإلى أحمد بن طولون أمير مصر، لما بلغه من توقف ما خور عن مناهضته يأمرهما بحمل الأموال، وعزم على قصد مصر والإيقاع بابن طولون واستخلاف ماخور عليها، فسار إلى الرقة وبلغ ذلك ابن طولون فأقلقه وغمه، لا لأنه يقصر عن موسى بن بغا، لكن لتحمله هتك الدولة، وأن يأتي سبيل من قاوم السلطان وحاربه وكسر جيوشه، إلاّ أنه لم يجد بدّا من المحاربة ليدفع عن نفسه، وتأمّل مدينة فسطاط مصر فوجدها لا تؤخذ إلاّ من جهة النيل، فأراد لكبر همته وكثرة فكره في عواقب الأمور، أن يبني حصنا على الجزيرة التي بين الفسطاط والجيزة ليكون معقلا لحرمه وذخائره. ثم يشتغل بعد ذلك بحرب من يأتي من البر، وقد زاد فذكره فيمن يقدم من النيل، فأمر ببناء الحصن على الجزيرة، واتخذ مائة مركب حربية سوى ما ينضاف إليها من العلابيات والحمائم والعشاريات والسنابيك وقوارب الخدمة، وعمد إلى سدّ وجه البحر الكبير، وأن يمنع ما يجيء إليه من مراكب طرسوس وغيرها من البحر الملح إلى النيل، بأن توقف هذه المراكب الحربية في وجه البحر الكبير، خوفا مما سيجيء من مراكب طرسوس، كما فعل محمد بن سليمان من بعده بأولاده، كأنه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، وجعل فيها من يذب عن هذه الجزيرة، وأنفذ إلى الصعيد وإلى أسفل الأرض بمنع من يحمل الغلال إلى البلاد، ليمنع من يأتي من البرّ الميرة، وأقام موسى بن بغا بالرقة عشرة أشهر، وقد اضطربت عليه الأتراك وطالبوه بأرزاقهم مطالبة شديدة، بحيث استتر منهم كاتبه عبيد اللّه بن سليمان لتعذر المال عليه، وخوفه على نفسه منهم، فخاف موسى بن بغا عند ذلك ودعته ضرورة الحال إلى الرجوع، فعاد إلى الحضرة ولم يقم بها سوى شهرين ومات من علة، في صفر سنة أربع وستين ومائتين، هذا وأحمد بن طولون يجدّ في بناء الحصن على الجزيرة، وقد ألزم قوّاده وثقاته أمر الحصن، وفرّقه عليهم قطعا، قام كلّ واحد بما لزمه من ذلك، وكدّ نفسه فيه، وكان يتعاهدهم بنفسه في كلّ يوم، وهو في غفلة عما صنعه اللّه تعالى له من الكفاية والغنى عما يعانيه، ومن كثرة ما بذل في هذا العمل، قدّر أنّ كلّ طوبة منه وقفت عليه بدرهم صحيح، ولما تواترت الأخبار بموت موسى بن بغا كف عن العمل، وتصدّق بمال كثير شكرا للّه تعالى على ما منّ به عليه من صيانته عما يقبح فيه عنه إلاّ حدوثة، وما رأى الناس
стр. 1224
شيئا كان أعظم من عظيم الجدّ في بناء هذا الحصن، ومباكرة الصناع له في الأسحار حتى فرغوا منه، فإنهم كان يخرجون إليه من منازلهم في كلّ بكرة من تلقاء أنفسهم من غير استحثاث، لكثرة ما سخا به من بذل المال، فلما انقطع البناء لم ير أحد من الصناع التي كانت فيه مع كثرتها، كأنما هي نار صبّ عليها ماء فطفئت لوقتها، ووهب للصناع مالا جزيلا وترك لهم جميع ما كان سلفا معهم، وبلغ مصروف هذا الحصن ثمانين ألف دينار ذهبا.
وكان مما حمل أحمد بن طولون على بناء الحصن، أن الموفق أراد أن يشغل قلبه، فسرقت نعله من بيت حظية لا يدخله إلاّ ثقاته، وبعث الموفق إليه. فقال له الرسول: من قدر على أخذ هذه النعل من الموضع الذي تعرفه، أليس هو بقادر على أخذ روحك، فو اللّه أيها الأمير لقد قام عليه أخذ هذه النعل بخمسين ألف دينار، فعند ذلك أمر ببناء الحصن.
وقال أبو عمر الكنديّ في كتاب أمراء مصر: وتقدّم أبو أحمد الموفق إلى موسى بن بغا في صرف أحمد بن طولون عن مصر وتقليدها ماخور التركيّ، فكتب موسى بن بغا بذلك إلى ماخور وهو والي دمشق يومئذ، فتوقف لعجزه عن مقاومة أحمد بن طولون، فخرج موسى بن بغا فنزل الرقة، وبلغ ابن طولون أنه سائر إليه، ولم يجد بدّا من محاربته، فأخذ أحمد بن طولون في الحذر منه وابتدأ في ابتناء الحصن الذي بالجزيرة التي بين الجسرين، ورأى أن يجعله معقلا لماله وحرمه، وذلك في سنة ثلاث وستين ومائتين، واجتهد أحمد بن طولون في بناء المراكب الحربية، وأطافها بالجزيرة، وأظهر الامتناع من موسى بن بغا بكل ما قدر عليه، وأقام موسى بن بغا بالرقة عشرة أشهر، وأحمد بن طولون في إحكام أموره، واضطربت أصحاب موسى بن بغا عليه وضاق بهم منزلهم، وطالبوا موسى بالمسير أو الرجوع إلى العراق، فبينا هو كذلك توفي موسى بن بغا في سنة أربع وستين ومائتين. وقال محمد بن داود لأحمد بن طولون وفين تحامل:
لما ثوى ابن بغا بالرقتين ملا … ساقيه زرقا إلى الكعبين والعقب
بنى الجزيرة حصنا يستجن به … بالعسف والضرب والصناع في تعب
وراقب الجيزة القصوى فخندقها … وكاد يصعق من خوف ومن رعب
له مراكب فوق النيل راكدة … فما سوى القار للنظار والخشب
ترى عليها لباس الذل مذ بنيت … بالشطّ ممنوعة من عزّة الطلب
فما بناها لغزو الروم محتسبا … لكن بناها غداة الروع والعطب
وقال سعيد بن القاضي من أبيات:
стр. 1225
وإن جئت رأس الجسر فانظر تأمّلا … إلى الحصن أو فاعبر إليه على الجسر
ترى أثرا لم يبق من يستطيعه … من الناس في بدو البلاد ولا حضر
مآثر لا تبلى وإن باد أهلها … ومجد يؤدّي وارثيه إلى الفخر
وما زال حصن الجزيرة هذا عامرا أيام بني طولون، وعملت فيه صناعة مصر التي تنشأ فيها المراكب الحربية، فاستمرّ صناعة إلى أن تقلد الأمير محمد بن طفج الإخشيد إمارة مصر من قبل أمير المؤمنين الراضي بالله، وسير مراكب من الشأم، عليها صاعد بن الكلكم، فدخل تنيس وسارت مقدّمته في البر، ودخل صاعد دمياط وسار فهزم جيش مصر الذي جهزه أحمد بن كيغلغ إليه، بتدبير محمد بن عليّ الماردانيّ على بحيرة نوسا، وأقبل في مراكبه إلى الفسطاط، فكان بالجزيرة، وقدم محمد بن طفج وتسلم البلد لست بقين من رمضان سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وفرّ منه جماعة إلى الفيوم، فخرج إليهم صاعد بن الكلكم في مراكبه وواقعهم بالفيوم، فقتل في عدّة من أصحابه، وقدمت الجماعة في مراكب ابن كلكم فأرسوا بجزيرة الصناعة وحرّقوها، ثم مضوا إلى الإسكندرية وساروا إلى برقة فقال محمد بن طفج الصناعة هنا خطأ وأمر بعمل صناعة في برّ مصر.
وحكى ابن زولاق في سيرة محمد بن طفج أنه قال: اذكر أني كنت آكل مع أبي منصور تكين أمير مصر، وجرى ذكر الصناعة فقال تكين: صناعة يكون بيننا وبينها بحر خطأ، فأشارت الجماعة بنقلها فقال: إلى أيّ موضع؟ فأردت أن أشير عليه بدار خديجة بنت الفتح بن خاقان، ثم سكت وقلت أدع هذا الرأي لنفي إذا ملكت مصر، فبلغت ذلك والحمد للّه وحده. ولما أخذ محمد بن طفج دار خديجة كان يتردّد إليها حتى عملت، فلما ابتدءوا بإنشاء المراكب فيها صاحت به امرأة فقال: خذوها، فساروا بها إلى داره، فأحضرها مسار واستخبرها عن أمرها فقالت: ابعث معي من يحمل المال، فأرسل معها جماعة إلى دار خديجة هذه، فدلتهم على مكان استخرجوا منه عينا وورقا وحليا وثيابا وعدّة ذخائر لم ير مثلها، وصاروا بها إلى محمد بن طفج، فطلب المرأة ليكافئها على ما كان منها فلم توجد، فكان هذا أوّل مال وصل إلى محمد بن طفج بمصر. قال: واستدعى محمد بن طفج الإخشيد صالح بن نافع وقال له: كان في نفسي إذا ملكت مصر أن أجعل صناعة العمارة في دار ابنة الفتح، وأجعل موضع الصناعة من الجزيرة بستانا أسميه المختار، فاركب وخط لي بستانا ودارا، وقدّر لي النفقة عليهما، فركب صالح بجماعة وخطوا بستانا فيه دار للغلمان ودار للنوبة وخزائن للكسوة وخزائن للطعام، وصوّروه وأتوا به فاستحسنه وقال: كم قدّرتم النفقة؟ قالوا ثلاثين ألف دينار. فاستكثرها، فلم يزالوا يضعون من التقدير حتى صار خمسة آلاف دينار، فأذن في عمله.
стр. 1226
ولما شرعوا فيه ألزمهم المال من عندهم، فقسّط على جماعة، وفرغ من بنائه، فاتخذه الإخشيد منتزها له وصار يفاخر به أهل العراق، وكان نقل الصناعة من الجزيرة إلى ساحل النيل بمصر في شعبان خمس وعشرين وثلاثمائة، فلم يزل البستان المختار منتزها إلى أن زالت الدولة الإخشيدية والكافورية، وقدمت الدولة الفاطمية من بلاد المغرب إلى مصر، فكان يتنزه فيه المعز لدين اللّه معدّ، وابنه العزيز بالله نزار، وصارت الجزيرة مدينة عامرة بالناس، لها وال وقاض، وكان يقال القاهرة ومصر والجزيرة، فلما كانت أيام استيلاء الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدرا الجمالي، وحجره على الخلفاء، أنشأ في بحريّ الجزيرة مكانا نزها سماه الروضة، وتردّد إليها تردّدا كثيرا، فكان يسير في العشاريات الموكبيات من دار الملك التي كانت سكنه بمصر، إلى الروضة. ومن حينئذ صارت الجزيرة كلها تعرف بالروضة، فلما قتل الأفضل بن أمير الجيوش، واستبدّ الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبو عليّ منصور بن المستعلي بالله، أنشأ بجوار البستان المختار من جزيرة الروضة مكانا لمحبوبته العالية البدوية، سماه الهودج.
الهودج: قال ابن سعيد في كتاب المحلّى بالأشعار عن تاريخ القرطبيّ: قد أكثر الناس في حديث البدوية وابن مياح من بني عمها وما يتعلق بذلك من ذكر الخليفة الآمر بأحكام اللّه، حتى صارت رواياتهم في هذا الشأن كأحاديث البطال وألف ليلة وليلة وما أشبه ذلك، والاختصار منه أن يقال أنّ الخليفة الآمر كان قد ابتلى بعشق الجواري العربيات، وصارت له عيون في البوادي، فبلغه أن بالصعيد جارية من أكمل العرب وأظرف نسائهم، شاعرة جميلة، فيقال أنه تزيا بزيّ بداة الأعراب وصار يجول في الأحياء إلى أن انتهى إلى حيها، وبات هناك في ضائفة، وتحيل حتى عاينها، فما ملك صبره، ورجع إلى مقرّ ملكه وسرير خلافته، فأرسل إلى أهلها يخطبها فأجابوه إلى ذلك وزوّجوها منه، فلما صارت إلى القصور صعب عليها مفارقة ما اعتادت، وأحبت أن تسرّج طرفها في الفضاء ولا تقبض نفسها تحت حيطان المدينة، فبنى لها البناء المشهور في جزيرة الفسطاط المعروف بالهودج، وكان على شاطيء النيل في شكل غريب، وكان بالإسكندرية القاضي مكين الدولة أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسن بن حديد، قد استولى على أمورها وصار قاضيها وناظرها، ولم يبق لأحد معه فيها كلام، وضمن أموالها بحملة يحملها، وكان ذا مروءة عظيمة يحتذي أفعال البرامكة، وللشعراء فيه مدائح كثيرة، وممن مدحه ظافر الحدّاد، وأمية بن أبي الصلت، وجماعة، وكان الأفضل بن أمير الجيوش إذا أراد الاعتناء بأحد كتب معه كتابا إلى ابن حديد هذا، فيغنيه بكثرة عطائه، وكان له بستان يتفرّج فيه، به جرن كبير من رخام قطعة واحدة، ينحدر فيه الماء فيبقى كالبركة من سعته، وكان يجد في نفسه برؤية هذا الجرن زيادة على أهل النعم، ويباهي به أهل عصره، فوشي به للبدوية محبوبة الخليفة، فطلبته من الخليفة، فأنفذ في الحال بإحضاره، فلم يسع ابن حديد إلاّ أن قلعه من مكانه
стр. 1227
وبعث به وفي نفسه حزازة من أخذه منه، وخدم البدوية وخدم جميع من يلوذ بها، حتى قالت: هذا الرجل أخجلنا بكثرة هداياه وتحفه، ولم يكلفنا قط أمرا نقدر عليه عند الخليفة مولانا، فلما بلغه ذلك عنها قال: ما لي حاجة بعد الدعاء للّه تعالى بحفظ مكانها وطول حياتها، غير ردّ الجرن الذي أخذ من داري التي بنيتها في أيامهم من نعمهم إلى مكانه، فلما سمعت هذا عنه تعجبت منه وأمرت بردّ الجرن إليه، فقيل له قد وصلت إلى حدّ أن خيرتك البدوية في جميع المطالب، فنزلت همتك إلى قطعة حجر. فقال: أنا أعرف بنفسي، ما كان لها أمل سوى أن لا تغلب في أخذ ذلك الجرن من مكانه، وقد بلغها اللّه أملها، وبقيت البدوية متعلقة الخاطر بابن عمّ لها ربيت معه يعرف بابن ميّاح، فكتبت إليه وهي بقصر الخليفة الآمر:
يا ابن ميّاح إليك المشتكى … مالك من بعدكم قد ملك
كنت في حيى مرأ مطلقا … نائلا ما شئت منكم مدركا
فأنا الآن بقصر مؤصد … لا أرى إلاّ حبيسا ممسكا
كم تثنينا بأغصان اللوا … حيث لا نخشى علينا دركا
وتلاعبنا بر ملات الحمى … حيثما شاء طليق سلكا
فأجابها:
بنت عمي والتي غذيتها … بالهوى حتّى علا واحتنكا
بحت بالشكوى وعندي ضعفها … لو غدا ينفع منها المشتكى
ما لك الأمر إليه يشتكى … هالك وهو الذي قد هلكا
شأن داود غدا في عصرنا … مبديا بالتيه ما قد ملكا
فبلغت الآمر فقال: لولا أنه أساء الأدب في البيت الرابع لرددتها إلى حيه وزوّجتها به.
قال القرطبيّ وللناس في طلب ابن ميّاح واختفائه أخبار تطور، وكان من عرب طيء في عصر الخليفة الآمر طراد بن مهلهل، فلما بلغه قضية الآمر مع العالية البدوية قال:
ألا أبلغوا الآمر المصطفى … مقال طراد ونعم المقال
قطعت الأليفين عن إلفة … بها سمر الحيّ بين الرجال
كذا كان آباؤك الأقدمون … سألت فقل لي جواب السؤال
فلما بلغ الآمر شعره قال: جواب السؤال قطع لسانه على فضوله، وأمر بطلبه في أحياء العرب ففرّ ولم يقدر علي، فقالت العرب: ما أخسر صفقة طراد، باع أبيات الحيّ بثلاثة أبيات، ولم يزل الآمر يتردّد إلى الهودج بالروضة للنزهة فيه، إلى أن ركب من القصر بالقاهرة يريد الهودج في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، فلما
стр. 1228
كان برأس الجسر وثب عليه قوم من النزارية قد كمنوا له في فرن تجاه رأس الجسر بالروضة، وضربوه بالسكاكين حتى أثخنوه وجرحوا جماعة من خدّامه، فحمل إلى منظرة اللؤلؤة بشاطئ الخليج وقد مات.
ذكر قلعة الروضة
اعلم أنه ما برحت جزيرة الروضة منتزها ملوكيا ومسكنا للناس كما تقدّم ذكره، إلى أن ولي الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب سلطنة مصر، فأنشأ القلعة بالروضة، فعرفت بقلعة المقياس، وبقلعة الروضة، وبقلعة الجزيرة، وبالقلعة الصالحية، وشرع في حفر أساسها يوم الأربعاء خامس شعبان، وابتدأ بنيانها في آخر الساعة الثالثة من يوم الجمعة سادس عشرة، وفي عاشر ذي القعدة وقع الهدم في الدور والقصور والمساجد التي كانت بجزيرة الروضة، وتحوّل الناس من مساكنهم التي كانوا بها، وهدم كنيسة كانت لليعاقبة بجانب المقياس وأدخلها في القلعة، وأنفق في عمارتها أموالا جمة، وبنى فيها الدور والقصور، وعمل لها ستين برجا، وبنى بها جامعا، وغرس بها جميع الأشجار، ونقل إليها عمد الصوّان من البرابي وعمد الرخام، وشحنها بالأسلحة وآلات الحرب، وما يحتاج إليه من الغلال والأزواد والأقوات، خشية من محاصرة الفرنج، فإنهم كانوا حينئذ على عزم قصد بلاد مصر، وبالغ في إتقانها مبالغة عظيمة، حتى قيل أنه استقام كل حجر فيها بدينار، وكل طوبة بدرهم، وكان الملك الصالح يقف بنفسه ويرتب ما يعمل، فصارت تدهش من كثرة زخرفتها، وتحير الناظر إليها من حسن سقوفها المزينة، وبديع رخامها.
ويقال أنه قطع من الموضع الذي أنشأ فيه هذه القلعة ألف نخلة مثمرة، كان رطبها يهدي إلى ملوك مصر لحسن منظره وطيب طعمه، وخرّب الهودج والبستان المختار وهدّم ثلاثة وثلاثين مسجدا عمرها خلفاء مصر وسراة المصريين لذكر اللّه تعالى وإقامة الصلوات، واتفق له في عدم بعض هذه المسجد خبر غريب، قال الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد بن محمود بن أحمد الأسدي، الشهير باليغموري: سمعت الأمير الكبير الجواد جمال الدين أبا الفتح موسى بن الأمير شرف الدين يغمور بن جلدك بن عبد اللّه قال: ومن عجيب ما شاهدته من الملك الصالح أبي الفتوح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل رحمه اللّه تعالى أنه أمرني أن أهدم مسجدا كان في جوار داره بجزيرة مصر، فأخرت ذلك وكرهت أن يكون هدمه على يديّ، فأعاد الأمر وأنا أكاسر عنه، وكأنه فهم مني ذلك، فاستدعى بعض خدمه من نوّابي وأنا غائب وأمره أن يهدم ذلك المسجد، وأنيبني في مكانه قاعة، وقدّر له صفتها، فهدم ذلك المسجد وعمر تلك القاعة مكانه، وكملت، وقدمت الفرنج إلى الديار المصرية، وخرج الملك الصالح مع عساكره إليهم، ولم يدخل تلك القاعة التي بنيت في
стр. 1229
المكان الذي كان مسجدا، فتوفي السلطان في المنصورة، وجعل في مركب وأتى به إلى الجزيرة، فجعل في تلك القاعة التي بنيت مكان المسجد مدّة إلى أن بنيت له التربة التي في جنب مدارسه بالقاهرة في جانب القصر، عفا اللّه عنه، وكان النيل عند ما عزم الملك الصالح على عمارة قلعة الروضة من الجانب الغربيّ، فيما بين الروضة وبرّ الجيزة، وقد انطرد عن برّ مصر ولا يحيط بالروضة إلا في أيام الزيادة، فلم يزل يغرّق السفن في البرّ الغربيّ، ويحفر فيما بين الروضة ومصر ما كان هناك من الرمال، حتى عاد ماء النيل إلى برّ مصر، واستمرّ هناك فأنشأ جسرا عظيما ممتدّا من برّ مصر إلى الروضة، وجعل عرضه ثلاث قصبات، وكان الأمراء إذا ركبوا من منازلهم يريدون الخدمة السلطانية بقلعة الروضة، وجعل عرضه ثلاث قصبات، وكان الأمراء إذا ركبوا من منازلهم يريدون الخدمة السلطانية بقلعة الروضة يترجلون عن خيولهم عند البرّ، ويمشون في طول هذا الجسر إلى القلعة، ولا يمكن أحد من العبور عليه راكبا سوى السلطان فقط، ولما كملت تحوّل إليها بأهله وحرمه، واتخذها دار ملك، وأسكن فيها معه مماليكه البحرية، وكانت عدّتهم نحو الألف مملوك.
قال العلامة عليّ بن سعيد في كتاب المغرب: وقد ذكر الروضة، هي أمام الفسطاط، فيما بينها وبين مناظر الجيزة، وبها مقياس النيل، وكانت منتزها لأهل مصر، فاختارها الصالح بن الكامل سرير السلطنة وبنى بها قلعة مسوّرة بسور ساطع اللون محكم البناء عالي السمك، لم ترعيني أحسن منه، وفي هذه الجزيرة كان الهودج الذي بناه الآمر خليفة مصر لزوجته البدوية التي هام في حبها، والمختار بستان الإخشيد. وقصره، وله ذكر في شعر تميم بن المعز وغيره، ولشعراء مصر في هذه الجزيرة أشعار منها قول أبي الفتح بن قادوس الدمياطيّ:
أرى سرح الجزيرة من بعيد … كأحداق تغازل في المغازل
كانّ مجرّة الجوز أحاطت … وأثبتت المنازل في المنازل
وكنت أشق في بعض الليالي بالفسطاط على ساحلها فيزدهيني ضحك البدر في وجه النيل أمام سور هذه الجزيرة الدريّ اللون، ولم انفصل عن مصر حتى كمل سور هذه القلعة، وفي داخله من الدور السلطانية ما ارتفعت إليه همة بانيها، وهو من أعظم السلاطين همة في البناء، وأبصرت في هذه الجزيرة إيوانا لجلوسه لم ترعيني مثاله، ولا أقدّر ما أنفق عليه، وفيه من صفائح الذهب والرخام الأبنوسيّ والكافوريّ والمجزع ما يذهل الأفكار ويستوقف الأبصار ويفضل عما أحاط به السور، أرض طويلة، وفي بعضها حاظر حظر به على أصناف الوحوش التي يتفرّج عليها السلطان، وبعدها مروج ينقطع فيها مياه النيل فينظر بها أحسن منظر، وقد تفرّجت كثيرا في طرف هذه الجزيرة مما يلي برّ القاهرة، فقطعت فيه عشيات مذهبات لم تزل لأحزان الغربة مذهبات، وإذا زاد النيل فصل ما بينها وبين الفسطاط
стр. 1230
بالكلية، وفي أيام احتراق النيل يتصل برّها ببرّ الفسطاط من جهة خليج القاهرة، ويبقى موضع الجسر فيه مراكب، وركبت مرّة هذا النيل أيام الزيادة مع الصاحب المحسن محيي الدين بن ندا وزير الجزيرة، وصعدنا إلى جهة الصعيد، ثم انحدرنا واستقبلنا هذه الجزيرة، وأبراجها تتلالأ والنيل قد انقسم عنها فقلت:
تأمّل لحسن الصالحية إذ بدت … وأبراجها مثل النجوم تلالا
وللقلعة الغرّاء كالبدر طالعا … تفرّج صدر الماء عنه هلالا
ووافى إليها النيل من بعد غاية … كما زار مشغوف يروم وصالا
وعانقها من فرط شوق لحسنها … فمدّ يمينا نحوها وشمالا
جرى قادما بالسعد فاختط حولها … من السعد أعلاما فزاد دلالا
ولم تزل هذه القلعة عامرة حتى زالت دولة بني أيوب، فلما ملك السلطان الملك المعز عز الدين أيبك التركماني أوّل ملوك الترك بمصر أمر بهدمها، وعمر منها مدرسته المعروفة بالمعزية في رحبة الحناء بمدينة مصر، وطمع في القلعة من له جاه، فأخذ جماعة منها عدّة سقوف وشبابيك كثيرة وغير ذلك، وبيع من أخشابها ورخامها أشياء جليلة، فلما صارت مملكة مصر إلى السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري، اهتم بعمارة قلعة الروضة، ورسم للأمير جمال الدين موسى بن يغمور أن يتولى إعادتها كما كانت، فأصلح بعض ما تهدّم فيها، ورتب فيها الجاندارية، وأعادها إلى ما كانت عليه من الحرمة، وأمر بأبراجها ففرّقت على الأمراء، وأعطى برج الزاوية للأمير سيف الدين قلاون الألفيّ، والبرج يليه للأمير عز الدين الحليّ، والبرج الثالث من بروج الزاوية للأمير عز الدين أرغان، وأعطى برج الزاوية الغربيّ للأمير بدر الدين الشمسي، وفرّقت بقية الأبراج على سائر الأمراء، ورسم أن تكن بيتوتات جميع الأمراء واصطبلاتهم فيها، وسلم المفاتيح لهم.
فلما تسلطن الملك المنصور قلاون الألفيّ وشرع في بناء المارستان والقبلة والمدرسة المنصورية، نقل من قلعة الروضة هذه ما يحتاج إليه من عمد الصوّان وعمد الرخام التي كانت قبل عمارة القلعة في البرابي، وأخذ منها رخاما كثيرا وأعتابا جليلة مما كان في البرابي وغير ذلك، ثم أخذ منها السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون ما احتاج إليه من عمد الصوّان في بناء الإيوان المعروف بدار العدل من قلعة الجبل، والجامع الجديد الناصري ظاهر مدينة مصر، وأخذ غير ذلك حتى ذهبت كأن لم تكن، وتأخر منها عقد جليل تسميه العامّة القوس، كان مما يلي جانبها الغربيّ، أدركناه باقيا إلى نحو سنة عشرين وثنمانمائة، وبقي من أبراجها عدّة قد انقلب أكثرها، وبنى الناس فوقها دورهم المطلة على النيل.
قال ابن المتوّج: ثم اشترى الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب جزيرة مصر المعروفة اليوم بالروضة في شعبان سنة ست وستين وخمسمائة، وإنما سميت بالروضة