المحرّم من السنة التي هاجر نبينا، محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب رسول اللّه ﷺ من مكة إلى المدينة تسعمائة سنة وثلاث وثلاثون سنة، ومائة وخمسة وخمسون يوما.
وبينه وبين يوم الجمعة أوّل يوم من الطوفان: ألفا سنة وسبعمائة سنة، واثنتان وتسعون سنة، ومائة وثلاثة وتسعون يوما.
وبين ابتداء ملك بخت نصر، وبين أوّل تاريخ الإسكندر، أربعمائة وخمس وثلاثون سنة شمسية ومائتا يوم وثمانية وثلاثون يوما.
وقال أبو بكر أحمد بن عليّ بن قيس بن وحشية (١) في كتاب الفلاحة النبطية الشهر المسمى تموز، فيما ذكر القبط بحسب ما وجدت في كتبهم اسم رجل كانت له قصة عجيبة طويلة، وهو أنه دعا ملكا إلى عبادة الكواكب السبعة، والبروج الاثني عشر، وأن الملك قتله وعاش بعد القتلة، ثم قتله قتلات بعد ذلك قبيحة، وفي كلها يعيش، ثم مات في آخرها.
وإنّ شهورهم هذه، كل واحد منها، اسم رجل فاضل عالم كان في القديم من النبط الذين كانوا، مكان إقليم بابل قبل الكسدانيين، وذلك أن تموز هذا ليس من الكسدانيين ولا الكنعانيين ولا العبرانيين ولا الجرامقة، وإنما هو من الحزناسيين الأوّلين ولذلك يقولون في كل شهورهم: إنها أسماء رجال مضوا، وإنّ تشرين الأوّل، وتشرين الثاني، اسما أخوين كانا فاضلين في العلوم، وكذلك كان كانون الأوّل وكانون الثاني، وإنّ شباط اسم رجل نكح ألف امرأة أبكارا كلهنّ، ولم ينسل نسلا، ولا ولد ولدا، فجعلوه في آخر الشهور لنقصانه عن النسل، فصار النقصان من العدد فيه، والصابئون من البابليين والحزناسيين جميعا إلى وقتنا هذا ينوحون ويبكون على تموز في الشهر المسمى تموز في عيد لهم فيه منسوب إلى تموز، ويعدّدون تعديدا عظيما، وخاصة النساء، فإنهنّ يقمن ههنا جميعا، وينحن ويبكين على تموز، ويهذين في أمره هذيانا طويلا، وليس عندهم علم من أمره أكثر من أن يقولوا، هكذا وجدنا أسلافنا ينوّحون ويبكون على تموز في هذا العيد المنسوب إلى تموز، والنصارى تذكر أنهم يعملونه لرجل يسمى جورجيس أحد حواريّ عيسى ﵇، دعا ملكا من الملوك إلى دين النصرانية، فعذبه الملك بتلك الفتلات، فلا أدري وقع إلى النصارى قصة تموز، فأبدلوا مكانها اسم جورجيس، وخالفوا الصابئين في الوقت، لأن الصابئين يعملون ذكران تموز، أوّل يوم من شهر تموز، والنصارى يعملون لجورجيس في آخر نيسان.
ويقال: إنّ بعض ملوك رومية زاد في شهور الروم، كانون الثاني وشباط، فإنّ شهورهم كانت إلى زمانه عشرة أشهر، كل شهر ستة وثلاثون يوما.
стр. 282
ويقال: إنّ فيوفيوس، أوّل من ملك مدينة رومية، وأنه أقام ملكا ثلاثا وأربعين سنة، وزاد كانون الثاني وشباط في شهور الروم بحكم أنها كانت إلى ذلك الزمان عشرة أشهر، كل شهر ستة وثلاثون يوما، وكان سبب نقص شباط يومين، وقوع غارة في أيام فيطن رئيس جيش الروم خلف، وحروب بينه وبين فريوريوس آلت إلى نصرة فيطن، وأخذه مملكة الروم، وأمر بفريوريوس، فنودي عليه (اعيا مرديا) وتفسيره: اخرج يا شباط، ثم غرق في البحر وسموا شهر شباط فريوريوس ليكون تذكار سوء له، فإنّ هذا الفعل كان في يومي التاسع والعشرين والثلاثين من شباط فنقصوهما من شباط، وزادوهما في تموز وكانون الثاني، فجعلوا كل شهر منهما أحدا وثلاثين يوما، ثم بعد زمان جاء ملك آخر فقال:
لا يحسن أن يكون شباط في وسط السنة، فنقله إلى آخرها، ولم يزل الروم من ذلك الوقت يتطيرون من شباط.
ذكر الفرق بين الإسكندر وذي القرنين وأنهما رجلان
اعلم أن التحقيق عند علماء الأخبار، أنّ ذا القرنين الذي ذكره اللّه في كتابه العزيز، فقال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي اَلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي اَلْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْ ءٍ سَبَباً﴾ [الكهف/ ٨٣] الآيات، عربيّ، قد كثر ذكره في أشعار العرب، وأنّ اسمه: الصعب بن ذي مراثد بن الحارث الرائش بن الهمال ذي سدد بن عاد ذي منح بن عامر الملطاط بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇.
وأنه ملك من ملوك حمير، وهم العرب العاربة، ويقال لهم أيضا: العرب العرباء، وكان ذو القرنين تبعا متوّجا، ولما ولي الملك تجبر، ثم تواضع للّه، واجتمع بالخضر.
وقد غلط من ظن أنّ الإسكندر بن فيليبس هو ذو القرنين الذي بنى السدّ، فإنّ لفظة ذو عربية، وذو القرنين من ألقاب العرب ملوك اليمن وذاك روميّ يونانيّ.
قال أبو جعفر الطبريّ: وكان الخضر في أيام أفريدون الملك بن الضحاك في قول عامة علماء أهل الكتاب الأول، وقبل موسى بن عمران ﵇، وقيل: إنه كان على مقدّمة ذي القرنين الأكبر الذي كان على أيام إبراهيم الخليل ﵇.
وأنّ الخضر بلغ مع ذي القرنين أيام مسيره في البلاد نهر الحياة، فشرب من مائه، وهو لا يعلم به ذو القرنين ولا من معه، فخلد، وهو حيّ عندهم إلى الآن، وقال آخرون:
إنّ ذا القرنين الذي كان على عهد إبراهيم الخليل ﵇ هو: أفريدون بن الضحاك، وعلى مقدّمته كان الخضر.
وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام في كتاب التيجان في معرفة ملوك الزمان، بعد ما
стр. 283
ذكر نسب ذي القرنين الذي ذكرناه، وكان تبعا متوّجا لما ولي الملك تجبر، ثم تواضع، واجتمع بالخضر ببيت المقدس، وسار معه مشارق الأرض ومغاربها، وأوتي من كل شيء سببا، كما أخبر اللّه تعالى وبنى السدّ على يأجوج ومأجوج ومات بالعراق.
وأما الإسكندر فإنه يونانيّ، ويعرف بالإسكندر المجدوني (ويقال: المقدوني).
سئل ابن عباس ﵄ عن ذي القرنين ممن كان؟ فقال: من حمير، وهو الصعب بن ذي مراثد الذي مكنه اللّه تعالى في الأرض وأتاه من كل شيء سببا، فبلغ قرني الشمس، ورأس الأرض وبنى السدّ على يأجوج ومأجوج؛ قيل له: فالإسكندر؟ قال: كان رجلا صالحا روميا حكيما بنى على البحر في إفريقية منارا وأخذ أرض رومة وأتى بحر الغرب، وأكثر عمل الآثار في الغرب من المصانع والمدن.
وسئل كعب الأحبار عن ذي القرنين؟ فقال: الصحيح عندنا من أحبارنا وأسلافنا أنه من حمير، وأنه الصعب بن ذي مراثد، والإسكندر كان رجلا من يونان من ولد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات اللّه وسلامه عليهما، ورجال الإسكندر أدركوا المسيح ابن مريم منهم: جالينوس، وأرسطاطاليس.
وقال الهمداني في كتاب الأنساب: وولد كهلان بن سبأ زيدا، فولد زيد عربيا ومالكا وغالبا وعميكرب.
وقال الهيثم: عميكرب بن سبأ أخو حمير وكهلان، فولد عميكرب أبا مالك فدرحا ومهيليل ابني عميكرب، وولد غالب جنادة بن غالب، وقد ملك بعد مهيليل بن عميكرب بن سبأ، وولد عريب عمرا، فولد عمر وزيدا، والهميسع ويكنى أبا الصعب، وهو ذو القرنين الأوّل، وهو المساح والبناء، وفيه يقول النعمان بن بشير:
فمن ذا يعاددنا من الناس معشرا … كراما فذو القرنين منا وحاتم
وفيه يقول الحارثي:
سمّوا لنا واحدا منكم فنعرفه … في الجاهلية لاسم الملك محتملا
كالتبعين وذي القرنين يقبله … أهل الحجى فأحق القول ما قبلا
وفيه يقول ابن أبي ذئب الخزاعي:
ومنا الذي بالخافقين تغرّبا … وأصعد في كل البلاد وصوّبا
فقد نال قرن الشمس شرقا ومغربا … وفي ردم يأجوج بنى ثم نصبا
وذلك ذو القرنين تفخر حمير … بعسكر قيل ليس يحصى فيحسبا
قال الهمداني: وعلماء همدان تقول: ذو القرنين: الصعب بن مالك بن الحارث
стр. 284
الأعلى بن ربيعة بن الجبار بن مالك.
وفي ذي القرنين أقاويل كثيرة، وقال الإمام فخر الدين الرازي في كتاب تفسير القرآن الكريم، ومما يعترض به على من قال: إنّ الإسكندر هو ذو القرنين، أن معلم الإسكندر كان أرسطاطاليس بأمره يأتمر، وبنهيه ينتهي، واعتقاد أرسطاطاليس مشهور، وذو القرنين نبيّ، فكيف يقتدى نبيّ بأمر كافر في هذا إشكال؟.
وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: إنّ ذا القرنين كانت أمه آدمية، وأبوه من الملائكة، ولذلك لما سمع عمر بن الخطاب ﵁ رجلا ينادي رجلا يا ذا القرنين، قال:
أفرغتم من أسماء الأنبياء فارتفعتم إلى أسماء الملائكة؟! وروى المختار ابن أبي عبيد: أنّ عليا ﵁ كان إذا ذكر ذا القرنين قال: ذلك الملك الأمرط، واللّه أعلم.
ذكر من ولي الملك بالإسكندرية بعد الإسكندر
قال في كتاب هروشيوش: إنّ الإسكندر ملك الدنيا اثنتي عشرة سنة، فكانت الدنيا مأسورة بين يديه، طول ولايته، فلما مات، تركها بين يدي قوّاده المستخلفين تحته، فكان مثله معهم كمثل الأسد الذي ألقى صيده بين يدي أشباله، فتقاتلت عليه تلك الأشبال بعده، وذلك أنهم اقتسموا البلاد، فصارت مصر وإفريقية كلها وبلاد الغرب إلى قائده، وصاحب خيله الذي ولي مكانه، وهو بطليموس بن لاوي، ويقال: بطليموس بن ارنبا المنطقي، وذكر بقية ممالك القوّاد من أقصى بلاد الهند إلى آخر بلاد المغرب، ثم قال: فثارت بينهم حروب وسببها رسالة كانت خرجت من عند الإسكندر بأن يرجع جميع الغرباء المنفيين إلى بلادهم، ويسقط عنهم الرق والعبودية، فاستثقل ذلك ملك بلاد الروم إذ خاف أن يكون الغرباء والمنفيون إذا رجعوا إلى بلدانهم ومواطنهم يطلبون النقمة لأنفسهم، فكان هذا الأمر، سبب خروجهم عن طاعة سلطان المجدونيين.
وقال غيره: وبطليموس هذا سبى بني معدّ بعد ما غزا فلسطين، ثم أطلقهم وحباهم بآنية جوهر وضعت في بيت المقدس، وملك عشرين سنة، وقال غيره: ولي أربعين سنة، وقيل: ثمانيا وثلاثين سنة، وقيل: إن اسمه فيلدلفوس، وهو محب الأب وكان مجدونيا، وهو الذي غنم اليهود، ونقل كثيرا منهم إلى مصر، وفي زمانه كان زينون الفيلسوف، وكان هذا الملك فيلسوفا، وأقبل برديقا أحد قوّاد الإسكندر إلى مصر، بعسكر عظيم وجيش عرمرم، فتفرّق سلطان مجدونية على قسمين، ثم إنّ بطليموس جمع عساكر مصر وإفريقية، ولاقى برديقا، فهزمه وأصاب عسكره، ثم قتله وأصاب ما كان معه، وحارب عدّة من قوّاد الإسكندر.
وقال غيره: وكان بطليموس هذا حكيما عالما شابا مدبرا، وهو أوّل من اقتنى البزاة،
стр. 285
ولعب بها وضراها، وكان من قبله من الملوك لا يلعب بها.
ولمّا مات، ملك الإسكندرية بعده بطليموس الثاني، واسمه: فيلوذوفوس، ويقال له:
محب الأخ، وكانت مدّة ملكه ثمانيا وثلاثين سنة، وهو الذي أطلق اليهود الذين كانوا مأسورين بأرض مصر، وردّ الأواني المقدّسه على عزيز النبيّ، وهو الذي تخير السبعين مترجما من علماء اليهود الذين ترجموا كتب التوراة والأنبياء من اللسان العبرانيّ إلى اللسان الروميّ اليونانيّ واللاطينيّ، وكان فيلسوفا منجما، ومات فولي بعده ابنه بطليموس أوراخيطس المعروف بمحب الأب ستا وعشرين سنة.
ثم ولي بعده أخوه بطليموس فيلوبطور سبع عشرة سنة، وهو الذي قتل من اليهود نحوا من ستين ألفا، وتغلب عليهم، ويقال: إنه صاحب علم الفلك والنجوم وكتاب المجسطي.
ثم ملك بعده ابنه بطليموس أسفاميش، محب الأم أربعا وعشرين سنة.
ثم ولي بعده ابنه بطليموس فلوناطرة، وهو الصانع، خمسا وثلاثين سنة، وهو الذي غلب ملك الشام، وحمل اليهود أنواع البلاء والعذاب.
ثم ملك الإسكندرية بعده ابنه بطليموس أبرياطيش، وهو الإسكندرانيّ، تسعا وعشرين سنة، وفي زمانه غلب الرومانيون على الأندلس واحترقت مدينة قرطاجنة بالنار، وأقامت النار فيها سبعة عشر يوما فهدمت، وحوّلت أساساتها حتى صار رخام أسوارها غبارا، وذلك إلى تسعمائة سنة من وقت بنيانها، وبيع جميع أهلها رقيقا إلا قليلا من خيارهم وأشرافهم، وكان المتولي لتخريبها قوّاد رومة.
ثم ولي بعده ابنه بطليموس شوطار الذي يقال له: الحديد، سبع عشرة سنة، وكان قبيح السيرة، تزوّج بأخته، ثم فارقها على أقبح حال مما تزوّجها عليه في خبر له، ثم تزوّج ربيبته التي كانت بنت أخته، ثم زوّجها من ابنه المولود من أخته، وكثرت فواحشه حتى نفاه أهل الإسكندرية فمات منفيا.
وولي أخوه بطليموس الإسكندر، وهو الجوّال، عشر سنين.
ثم ولي بعده ابنه بطليموس ديوشيش، ثمانيا وثلاثين سنة، وفي زمانه غلب قائد الرومانيين على بيت المقدس، وجعل اليهود يؤدّون إليه الجزية.
وظهرت في ذلك الزمان علامات في السماء مهولة، منها: أنه ظهر في السماء بناحية مطلع الشمس من مدينة رومة مما يلي ناحية الجنوب، نار ملتهبة عظيمة، وكسر قوم خبزا في صنع لهم، فانفجر من الخبز دم سائل، ونزل بمدينة رومة مدّة سبعة أيام متوالية برد كان
стр. 286
يوجد في داخله حجارة وشقاف، وانفتحت الأرض، فصار فيها غور عظيم، وخرج منه لهب اشتعل حتى ظنوه بلغ السماء، ونظر أهل رومة يومئذ إلى عمود من الأرض إلى السماء لونه لون الذهب، وكان من عظمه تكاد الشمس أن تغيب منه.
ثم ولي الإسكندرية بعده كلوباطرة، سنتين، فدامت مملكة الإسكندرية، وهي الدولة المجدونية إلى أوّل ملوك قيصر الذي هو أوّل ملوك الرومانيين، مائتين وإحدى وثمانين سنة، فبعث قيصر قائدين بعساكر كثيرة لفتح مصر، فتزوّج أحدهما كلوباطرة ابنة ديوشيش الملقب بطليموس، وقتل القائد الآخر، وخالف قيصر، فسار إليه قيصر بنفسه، وجرت أمور آلت إلى فتح الإسكندرية بعد حروب، واستولى قيصر على مملكة مصر، وقتل كلوباطرة وولديها، وقتل القائد الذي تزوّجها، ويقال: بل سمت نفسها عندما تيقنت غلبة قيصر لها، ويقال: إنها كانت ذات حزم ومعرفة وتدبير، وإنها حفرت خليج الإسكندرية وأجرت فيه الماء من مصر، وبنت بالإسكندرية أبنية عجيبة منها هيكل زحل، وعملت فيه صنما من نحاس أسود، وكان أهل مصر والإسكندرية يعملون له عيدا في اليوم الثاني والعشرين من هتور، ويحتج إليه اليونانيون من سائر الأقطار، ويذبحون له ذبائح لا تحصى كثرة، فلما ظهرت ملة النصارى في الإسكندرية جعلوا هيكل زحل كنيسة ولم تزل إلى أن هدمها جيوش المعز لدين اللّه عند قدومهم من المغرب إلى أرض مصر في سنة ثمان وخمسين وثلثمائة من سني الهجرة النبوية.
ويقال: إن كلوباطرة هي التي بنت حائط العجوز بمصر، ويشبه أن يكون هذا غير صحيح، ويقال: إنها بنت مقياسا بمدينة إخميم، ومقياسا آخر بأنصنا، ويقال: كانت مدّة ملكها ثلاثين سنة، وليس بصحيح، وبموت كلوباطرة انقطعت مملكة مصر.
وصارت تحت يد ملوك الروم من أهل مدينة رومة، ثم تحت يد ملوك الروم من أهل قسطنطينة، فلم تزل تحت أيديهم يولون فيها من قبلهم من شاءوا، فيصير إلى الإسكندرية، ويقيم بها إلى أن قدم عمرو بن العاص بالمسلمين، وفتح اللّه على يده الحصن والإسكندرية، وجميع أرض مصر.
ويقال: معنى كلوباطرة: الباكية، فكان جميع المدّة التي ما بين ذهاب دولة البطالسة من الإسكندرية، وقدوم عمرو بن العاص إلى مصر، وفتحها ستمائة سنة وبعضا وسبعين سنة، وفي خلال هذه المدّة قوي جانب ملوك الفرس على القياصرة، وملكوا منهم بلاد الشام، واستولوا على أرض مصر والإسكندرية في أيام كسرى أبرويز بن هرمز، فبعث قائدا إلى مصر، وملك الإسكندرية، وقتل الروم وأقاموا بالإسكندرية مدّة عشر سنين، فلما استبدّ هرقل بمملكة الروم، وخرج من القسطنطينية لجمع الأموال من سائر مملكته أخذ حماه ودمشق وسار إلى بيت المقدس، وقد خرّبها الفرس، فأمر ببنائها وسار منها إلى أرض مصر
стр. 287
ودخل الإسكندرية، وقتل من بها من الفرس، وأقام بها بطريقا، ثم عاد إلى قسطنطينية فاستمرّت مصر بعده تحت إبالة الروم حتى ملكها المسلمون.
ويقال: إن كل بناء بمصر من آجر فهو للفرس، وما فيها من بناء حجر فهو للروم، واللّه أعلم.
ذكر منارة الإسكندرية
قال المسعوديّ: فأما منارة الإسكندرية، فذهب الأكثرون من المصريين والإسكندرانيين ممن عنى بأخبار بلدهم أن الإسكندر بن فيليبس المقدوني هو الذي بناها ومنهم من رأى أن دلوكة الملكة ابنتها وجعلتها مرقبا لمن يرد من العدوّ إلى بلدهم، ومن الناس من رأى، أن العاشر من فراعنة مصر، هو الذي بناها، ومنهم من رأى أن الذي بنى مدينة رومة هو الذي بنى مدينة الإسكندرية ومنارتها، والأهرام بمصر، وإنما أضيفت الإسكندرية إلى الإسكندر لشهرته باستيلائه على الأكثر من ممالك العالم فشهرت به، وذكروا في ذلك أخبارا كثيرة يستدلون بها على ما قالوا، والإسكندر لم يطرقه في هذا البحر عدوّ ولا هاب ملكا يرد إليه في بلده، ويغزوه في داره فيكون هو الذي جعلها مرقبا وإنّ الذي بناها جعلها على كرسيّ من الزجاج على هيئة السرطان في جوف البحر، وعلى طرف اللسان الذي هو داخل في البحر من البرّ، وجعل على أعلاها تماثيل من النحاس وغيره، منها: تمثال قد أشار بسبابته من يده اليمنى نحو الشمس، أينما كانت من الفلك، وإذا علت في الفلك فأصبعه يشير بها نحوها، فإذا انخفضت صارت يده سفلا، تدور معها حيث دارت، ومنها: تمثال يشير بيده إلى البحر، إذا صار العدوّ منه على نحو من ليلة فإذا دنا وجاوز أن يرى بالبصر لقرب المسافة، سمع لذلك التمثال صوت هائل يسمع من مسيرة ميلين أو ثلاثة، فيعلم أهل المدينة أن العدوّ قد دنا منهم فيرمقونه بأبصارهم، ومنها تمثال كلما مضى من الليل أو النهار ساعة سمعوا له صوتا بخلاف ما صوّت في الساعة التي قبلها وصوته مطرب.
وقد كان ملك الروم، في ملك الوليد بن عبد الملك بن مروان، أنفذ خادما من خواص خدمه، ذا رأي ودهاء، فجاء مستأمنا إلى بعض الثغور، فورد بآلة حسنة ومعه جماعة، فجاء إلى الوليد، فأخبره: أنه من خواص الملك، وأنه أراد قتله لموجدة وحال بلغته عنه لم يكن لها أصل، وأنه استوحش، ورغب في الإسلام، فأسلم على يد الوليد وتقرّب من قلبه، وتنصح إليه في دفائن استخرجها له من بلاد دمشق وغيرها من الشام بكتب كانت معه، فيها صفات تلك الدفائن، فلما صارت إلى الوليد تلك الأموال والجواهر، شرهت نفسه واستحكم طمعه.
فقال له الخادم: يا أمير المؤمنين! إنّ ها هنا أموالا وجواهر ودفائن للملوك، فسأله
стр. 288
الوليد عن الخبر؟ فقال: تحت منارة الإسكندرية أموال ملوك الأرض، وذلك أن الإسكندر احتوى على الأموال والجواهر التي كانت لشدّاد بن عاد وملوك مصر، فبنى لها أزجا تحت الأرض، وقنطر لها الأقباء والقناطر والسراديب، وأودعها تلك الذخائر من العين والورق والجوهر، وبنى فوق ذلك هذه المنارة، وكان طولها في الهواء ألف ذراع، والمرآة في علوه، والدبادبة جلوس حوله، فإذا نظروا إلى العدوّ في البحر في ضوء تلك المرآة صوّتوا لمن قرب منهم، ونشروا أعلاما فيراها من بعد منهم، فتحذر الناس وتنذر البلد، فلا يكون للعدوّ عليهم سبيل.
فبعث الوليد مع الخادم، بجيش وأناس من ثقاته وخواصه، فهدم نصف المنارة من أعلاها، وأزيلت المرآة فضج الناس من هذا! وعلموا أنها مكيدة وحيلة في أمرها، فلما علم الخادم استفاضة ذلك وأنه سينم إلى الوليد وأنه قد بلغ ما يحتاج إليه هرب في الليل في مركب كان قد أعدّه، وواطأ على ذلك، فتمت حيلته وبقيت المنارة على ما ذكرنا إلى هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة.
وكان حوالي منارة الإسكندرية في البحر مغاص يخرج منه قطع من الجوهر يتخذ منه فصوص للخواتم أنواعا من الجواهر، يقال: إنّ ذلك من آلات اتخذها الإسكندر للشراب، فلما مات كسرتها أمه، ورمت بها في تلك المواضع من البحر، ومنهم من رأى أن الإسكندر اتخذ ذلك النوع من الجواهر، وغرّقه حول المنارة لكيلا تخلو من الناس حولها، لأنّ من شأن الجوهر أن يكون مطلوبا أبدا في كل عصر، ويقال: إنّ هذه المنارة إنما جعلت المرآة في أعلاها، لأنّ ملوك الروم بعد الإسكندر كانت تحارب ملوك مصر والإسكندرية، فجعل من كان بالإسكندرية من الملوك تلك المرآة تري من يرد في البحر من عدوّهم، وكان من يدخلها يتيه فيها إلا أن يكون عارفا بالدخول والخروج فيها لكثرة بيوتها وطبقاتها وممرّاتها.
وقد ذكر: أن المغاربة حين وافوا في خلافة المقتدر في جيش صاحب المغرب دخل جماعة منهم على خيولهم إلى المنارة، فتاهوا فيها، وفي طرق تؤول إلى مهاو تهوي إلى السرطان الزجاج، وفيه مخارق إلى البحر، فتهوّرت دوابهم، وفقد منهم عدد كثير وعلم بهم بعد ذلك، وقيل: إن تهوّرهم كان على كرسيّ لها قدّامها، وفي المنارة مسجد في هذا الوقت يرابط فيه مطوّعة المصريين وغيرهم. وفي سنة سبع وسبعين وسبعمائة، سقط رأس المنارة من زلزلة، ويقال: إنّ منارة الإسكندرية، كانت مبنية بحجارة مهندمة مضببة برصاص على قناطر من الزجاج، وتلك القناطر على ظهر سرطان، وكان في المنارة، ثلثمائة بيت بعضها فوق بعض، وكانت الدابة تصعد بحملها إلى سائر البيوت من داخل المنارة، ولهذه البيوتات طاقات تشرف على البحر، وكانت على الجانب الشرقيّ من المنارة كتابة عرّبت، فإذا هي:
بنت هذه المنظرة قريبا بنت مرينوس اليونانية لرصد الكواكب.
стр. 289
وقال ابن وصيف شاه: وقد ذكر أخبار مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح وبنوا على البحر مدنا منها رقودة مكان الإسكندرية، وجعلوا في وسطها قبة على أساطين من نحاس مذهب والقبة مذهبة، ونصبوا فوقها منارة عليها مرآة من أخلاط شتى، قطرها خمسة أشبار، وكان ارتفاع القبة مائة ذراع، فكانوا إذا قصدهم قاصد من الأمم التي حولهم، فإن كان مما يهمهم أو من البحر عملوا لتلك المرآة عملا، فألقت شعاعها على ذلك الشيء فأحرقته، فلم تزل على حالها إلى أن غلب عليها البحر فنسفها.
ويقال: إنّ الإسكندر إنما عمل المنار الذي كان شبيها بها وقد كان أيضا عليه مرآة يرى فيها من يقصدهم من بلاد الروم، فاحتال بعض ملوك الروم، فوجه من أزالها، وكانت من زجاج مدبر.
وقال المسعوديّ في كتاب التنبيه والأشراف: وقد كان وزير المتوكل، عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان لمّا أمر المستعين بنفيه إلى برقة في سنة ثمان وأربعين ومائتين، صار إلى الإسكندرية من بلاد مصر، فرأى حمرة الشمس على علو المنارة التي بها وقت المغيب، فقدّر أنه يلزمه أن لا يفطر إذا كان صائما أو تغرب الشمس من جميع أقطار الأرض، فأمر إنسانا أن يصعد إلى أعلى منارة الإسكندرية ومعه حجر، وأن يتأمّل موضع سقوط الشمس، فإذا أسقطت رمي بالحجر، ففعل الرجل ذلك، فوصل الحجر إلى قرار الأرض بعد صلاة العشاء الآخرة، فجعل إفطاره بعد صلاة العشاء الآخرة، فيما بعد إذا صام في مثل ذلك الوقت، وكان عند رجوعه إلى سرّ من رأى لا يفطر إلا بعد عشاء الآخرة، وعنده أنّ هذا فرضه، وأنّ الوقتين متساويان، وهذا غاية ما يكون من قلة العلم بالفرض ومجاري الشرق والغرب.
وقد ذكر أرسطاطاليس في كتاب الآثار العلوية: أن بناحية المشرق الصيفيّ جبلا شامخا جدّا، وأنّ من علامة ارتفاعه أن الشمس لا تغيب عنه إلى ثلاث ساعات من الليل، وتشرق عليه قبل الصبح بثلاث ساعات.
ومنارة الإسكندرية أحد بنيان العالم العجيب، بناها بعض البطالسة ملوك اليونانيين بعد وفاة الإسكندر بن فيليبس الملك، لما كان بينهم وبين ملوك رومة من الحروب في البرّ والبحر، فجعلوا هذه المنارة مرقبا في أعاليها مرآة عظيمة من نوع الأحجار المشفة ليشاهد منها مراكب البحر إذا أقبلت من رومة على مسافة تعجز الأبصار عن إدراكها، فكانوا يراعون ذلك في تلك المرآة فيستعدّون لهم قبل ورودهم، وطول المنارة في هذا الوقت على التقريب، مائتان وثلاثون ذراعا، وكان طولها قديما نحوا من أربعمائة ذراع، فهدمت على طول الأزمان وترادف الزلازل والأمطار، لأنّ بلد الإسكندرية تمطر وليس سبيلها سبيل فسطاط مصر إذ كان الأغلب عليها أن لا تمطر إلا اليسير، وبناؤها ثلاثة أشكال، فقريب من
стр. 290
النصف، وأكثر من الثلث مربع الشكل، بناؤه بأحجار بيض يكون نحوا من مائة ذراع وعشرة أذرع على التقريب، ثم من بعد ذلك مثمن الشكل، مبني بالحجر والجص نحو من نيف وستين ذراعا وحواليه فضاء يدور فيه الإنسان وأعلاها مدوّر.
وكان أحمد بن طولون رمّ شيئا منها، وجعل في أعلاه قبة من الخشب ليصعد إليها من داخلها وهي مبسوطة موربة بغير درج، وفي الجهة الشمالية من المنارة، كتابة برصاص مدفون بقلم يونانيّ طول كلّ حرف ذراع في عرض شبر، ومقدارها على جهة الأرض نحو من مائة ذراع، وماء البحر قد بلغ أصلها، وقد كان تهدّم أحد أركانها الغربية مما يلي البحر.
فبناها أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، وبينها وبين مدينة الإسكندرية في هذا الوقت نحو من ميل، وهي على طرف لسان من الأرض قد ركب البحر جنبتيه، وهي مبنية على فم ميناء الإسكندرية وليس بالميناء القديم، لأنّ القديم في المدينة العتيقة لا ترسي فيه المراكب لبعده عن العمران، والميناء هو الموضع الذي ترسي فيه مراكب البحر.
وأهل الإسكندرية يخبرون عن أسلافهم أنهم شاهدوا بين المنارة وبين البحر نحوا مما بين المدينة والمنارة في هذا الوقت، فغلب عليه ماء البحر في المدّة اليسيرة وأنّ ذلك في زيادة، قال: وتهدّم في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وثلثمائة، نحو من ثلاثين ذراعا من أعاليها بالزلزلة التي كانت ببلاد مصر، وكثير من بلاد الشام والمغرب في ساعة واحدة على ما وردت به علينا الأخبار المتواترة، ونحن بفسطاط مصر، وكانت عظيمة جدّا مهولة فظيعة أقامت نحو نصف ساعة زمانية، وذلك لنصف يوم السبت لثمان عشرة خلت من هذا الشهر وهو الخامس من كانون الآخر، والتاسع من طوبة، وكان لهذه المنارة مجمع في يوم خميس العدس يخرج سائر أهل الإسكندرية إلى المنارة من مساكنهم بمآكلهم ولا بد أن يكون فيها عدس، فيفتح باب المنار، ويدخله الناس، فمنهم من يذكر اللّه، ومنهم من يصلي، ومنهم من يلهو ولا يزالون إلى نصف النهار، ثم ينصرفون ومن ذلك اليوم يحترس على البحر من هجوم العدوّ.
وكان في المنارة قوم مرتبون لوقود النار طول الليل، فيقصد ركاب السفن تلك النار على بعد، فإذا رأى أهل المنار ما يريبهم أشعلوا النار من جهة المدينة، فإذا رآها الحرس ضربوا الأبواق والأجراس، فيتحرّك عند ذلك الناس لمحاربة العدوّ.
ويقال: إنّ المنار كان بعيدا عن البحر، فلما كان في أيام قسطنطين بن قسطنطين هاج البحر وغرّق مواضع كثيرة وكنائس عديدة بمدينة الإسكندرية، ولم يزل يغلب عليها بعد ذلك ويأخذ منها شيئا بعد شيء.
وذكر بعضهم: أنه قاسه فكان مائتي ذراع وثلاثة وثلاثين ذراعا وهي ثلاث طبقات،
стр. 291
الطبقة الأولى: مربعة وهي مائة وإحدى وعشرون ذراعا ونصف ذراع، والطبقة الثانية: مثمنة وهي: إحدى وثمانون ذراعا ونصف ذراع، والطبقة الثالثة: مدوّرة وهي إحدى وثلاثون ذراعا ونصف ذراع.
وذكر ابن جبير في رحلته: أن منار الإسكندرية يظهر على أزيد من سبعين ميلا، وأنه ذرع أحد جوانبه الأربعة في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، فأناف على خمسين ذراعا، وأنّ طول المنار أزيد من مائة وخمسين قامة، وفي أعلاه مسجد يتبرّك الناس بالصلاة فيه.
وقال ابن عبد الحكم: ويقال: إنّ الذي بنى منار الإسكندرية كلوباطرة الملكة وهي التي ساقت خليجها حتى أدخلته الإسكندرية، ولم يكن يبلغها إنما كان يعدل من قرية يقال لها: كسا قبالة الكريون، فحفرته حتى أدخلته الإسكندرية وهي التي بلطت قاعه.
ولما استولى أحمد بن طولون على الإسكندرية بنى في أعلى المنار قبة من خشب فأخذتها الرياح، وفي أيام الظاهر بيبرس تداعى بعض أركان المنار، وسقط فأمر ببناء ما انهدم منه، في سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وبنى مكان هذه القبة مسجد أو هدم في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعمائة عند حدوث الزلزلة، ثم بنى في شهور سنة ثلاث وسبعمائة على يد الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وهو باق إلى يومنا هذا، وللّه در الوجيه الدرويّ، حيث يقول في منار الإسكندرية:
وسامية الأرجاء تهدي أخا السرى … ضياء إذا ما حندس الليل أظلما
لبست بها بردا من الإنس صافيا … فكان بتذكار الأحبة معلما
وقد ظللتني من ذراها بقبة … ألاحظ فيها من صحابي أنجما
فخيّل أنّ البحر تحتي غمامة … وأني قد خيمت في كبد السما
وقال ابن قلاقس من أبيات:
ومنزل جاوز الجوزاء مرتقيا … كأنما فيه للنسرين أوكار
راسي القرارة سامي الفرع في يده … للنون والنور أخبار وأخبار
أطلقت فيه عنان النظم فاطردت … خيل لها في بديع الشعر مضمار
وقال الوزير أبو عبد اللّه محمد بن الحسن بن عبد ربه:
للّه در منار إسكندرية كم … يسمو إليه على بعد من الحدق
من شامخ الأنف في عرنينه شمم … كأنه باهت في دارة الأفق
للمنشآت الجواري عند رؤيته … كموقع النوم في أجفان ذي أرق
وقال عمر بن أبي عمر الكندي في فضائل مصر: ذكر أهل العلم أن المنارة كانت في وسط الإسكندرية، حتى غلب عليها البحر، فصارت في جوفه، ألا ترى
стр. 292
الأبنية والأساسات في البحر إلى الآن عيانا.
وقال عبد اللّه بن عمر: وعجائب الدنيا أربعة: مرآة كانت معلقة بمنارة الإسكندرية، فكان يجلس الجالس تحتها، فيرى من بالقسطنطينية وبينهما عرض البحر، وذكر الثلاثة؟!.
ذكر الملعب الذي كان بالإسكندرية وغيره من العجائب
قال القضاعيّ: ومن عجائب مصر: الإسكندرية وما بها من العجائب، فمن عجائبها:
المنارة، والسواري، والملعب الذي كانوا يجتمعون فيه في يوم من السنة، ثم يرمون بأكرة، فلا تقع في حجر أحد إلا ملك مصر، وحضر عيدا من أعيادهم، عمرو بن العاص، فوقعت الأكرة في حجره، فملك البلد بعد ذلك في الإسلام، ثم حضر هذا الملعب ألف ألف من الناس، فلا يكون فيهم أحد إلا وهو ينظر في وجه صاحبه، ثم إن قرئ كتاب سمعوه جميعا، أو لعب لون من اللعب رأوه عن آخرهم لا يتظالمون فيه بأكثر من مراتب العلية والسفلية.
وقال ابن عبد الحكم: فلما كانت سنة ثمان عشرة من الهجرة، وقدم عمر بن الخطاب، ﵁، الجابية، خلا به عمرو بن العاص، واستأذنه في المسير إلى مصر، وكان عمرو قد دخل في الجاهلية مصر، وعرف طرقها، ورأى كثرة ما فيها، وكان سبب دخوله إياها أنه قدم إلى بيت المقدس لتجارة في نفر من قريش، فإذا هم بشماس من شمامسة الروم من أهل الإسكندرية، قدم للصلاة في بيت المقدس، فخرج في بعض جبالها يسيح، وكان عمرو يرعى إبله وإبل أصحابه، وكانت رعية الإبل نوبا بينهم، فبينا عمرو يرعى إبله، إذ مرّ به ذلك الشماس، وقد أصابه عطش شديد في يوم شديد الحرّ، فوقف على عمرو، فاستسقاه، فسقاه عمرو من قربة له، فشرب حتى روي، ونام الشماس مكانه، وكانت إلى جنب الشماس حيث نام حفرة، فخرجت منها حية عظيمة، فبصر بها عمرو، فنزع لها بسهم فقتلها، فلما استيقظ الشماس نظر إلى حية عظيمة قد أنجاه اللّه منها، فقال لعمرو: ما هذه؟ فأخبره عمرو أنه رماها، فقتلها، فأقبل إلى عمرو، فقبّل رأسه، وقال: قد أحياني اللّه بك مرّتين: مرّة من شدّة العطش، ومرّة من هذه الحية، فما أقدمك هذه البلاد؟ قال: قدمت مع أصحاب لي نطلب الفضل في تجارتنا، فقال له الشماس: وكم تراك ترجو أن تصيب في تجارتك؟ قال: رجائي أن أصيب ما أشتري به بعيرا، فإني لا أملك إلا بعيرين، فآمل أن أصيب بعيرا آخر فتكون ثلاثة أبعرة، فقال له الشماس: أرأيت دية أحدكم بينكم كم هي؟ قال: مائة من الإبل، فقال له الشماس: لسنا أصحاب إبل إنما نحن أصحاب دنانير، قال: تكون ألف دينار، فقال له الشماس: إني رجل غريب في هذه البلاد، وإنما قدمت أصلي في كنيسة بيت المقدس، وأسيح في هذه الجبال شهرا جعلت ذلك نذرا على نفسي، وقد قضيت ذلك، وأنا أريد الرجوع إلى بلادي، فهل لك أن تتبعني إلى بلادي،
стр. 293
ولك عليّ عهد اللّه وميثاقه أن أعطيك ديتين، لأنّ اللّه أحياني بك مرّتين، فقال له عمرو: أين بلادك؟ قال: مصر في مدينة يقال لها: الإسكندرية، فقال له عمرو: لا أعرفها، ولم أدخلها قط، فقال له الشماس: لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قط مثلها! فقال له عمرو: تفي لي بما تقول، ولي عليك بذلك العهد والميثاق، فقال له الشماس: نعم لك واللّه عليّ العهد والميثاق أن أفي لك، وأن أردّك إلى أصحابك، فقال له عمرو: كم يكون مكثي في ذلك؟ قال: شهرا تنطلق معي ذاهبا عشرا، وتقيم عندنا عشرا، وترجع في عشر، ولك عليّ أن أحفظك ذاهبا وأن أبعث معك من يحفظك راجعا، فقال له عمرو: انظرني حتى أشاور أصحابي في ذلك، فانطلق عمرو إلى أصحابه، فأخبرهم بما عاهد عليه الشماس، وقال لهم: تقيمون عليّ حتى أرجع إليكم ولكم عليّ العهد أن أعطيكم شطر ذلك على أن يصحبني رجل منكم آنس به، فقالوا: نعم، وبعثوا معه رجلا منهم، فانطلق عمرو وصاحبه مع الشماس، حتى انتهوا إلى مصر فرأى عمرو من عمارتها، وكثرة أهلها وما بها من الأموال والخير ما أعجبه! فقال عمرو للشماس: ما رأيت مثل ذلك، ومضى إلى الإسكندرية، فنظر عمرو إلى كثرة ما فيها من الأموال والعمارة، وجودة بنائها، وكثرة أهلها، فازداد عجبا، ووافق دخول عمرو الإسكندرية عيدا فيها عظيما يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم، ولهم كرة من ذهب مكالة يترامى بها ملوكهم، وهم يتلقونها بأكمامهم، وفيما اختبروا من تلك الكرة على ما وصفها من مضى منهم، أنها من وقعت الكرة في كمه واستقرّت فيه لم يمت حتى يملكهم.
فلما قدم عمرو الإسكندرية أكرمه الشماس الإكرام كله، وكساه ثوب ديباج ألبسه إياه، وجلس عمرو والشماس مع الناس في ذلك المجلس، حيث يترامون بالكرة وهم يتلقونها بأكمامهم، فرمى بها رجل منهم، فأقبلت تهوي حتى وقعت في كم عمرو، فعجبوا من ذلك، وقالوا: ما كذبتنا هذه الكرة قط إلا هذه المرّة! أترى هذا الأعرابيّ يملكنا؟ هذا ما لا يكون أبدا، وإنّ ذلك الشماس مشى في أهل الإسكندرية، وأعلمهم أنّ عمرا أحياه مرّتين، وأنه قد ضمن له ألفي دينار، وسألهم أن يجمعوا ذلك له فيما بينهم، ففعلوا، ودفعوها إلى عمرو، فانطلق عمرو وصاحبه، وبعث معهما الشماس دليلا ورسولا، وزوّدهما وأكرمهما، حتى رجع هو وصاحبه إلى أصحابهما، فبذلك عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها، ورأى منها ما علم أنها أفضل البلاد، وأكثرها أموالا، فلما رجع عمرو إلى أصحابه، دفع إليهم بيما بينهم ألف دينار، وأمسك لنفسه ألفا، قال عمرو: وكان أوّل مال اعتقدته وتأثلته.
ذكر عمود السواري
هذا العمود حجر أحمر منقط، وهو من الصوّان الماتع كان حوله، نحو أربعمائة عمود كسرها قراجا والي الإسكندرية في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب،
стр. 294
ورماها بشاطئ البحر ليوعر على العدوّ سلوكه إذا قدموا، ويذكر أن هذا العمود من جملة أعمدة كانت تحمل رواق أرسطاطاليس الذي كان يدرس به الحكمة، وأنه كان دار علم، وفيه خزانة كتب أحرقها عمرو بن العاص بإشارة عمر بن الخطاب ﵁، ويقال: إنّ ارتفاع هذا العمود سبعون ذراعا وقطره خمسة أذرع، وذكر بعضهم: أنّ طوله بقاعدتيه: اثنان وستون ذراعا وسدس ذراع، وهو على نشز طوله ثلاثة وعشرون ذراعا ونصف ذراع، فجملة ذلك خمسة وثمانون ذراعا وثلثا ذراع، وطول قاعدته السفلي اثنا عشر ذراعا، وطول القاعدة العليا سبعة أذرع ونصف.
قال المسعوديّ: وفي الجانب الغربيّ من صعيد مصر، جبل رخام عظيم، كانت الأوائل تقطع منه العمد وغيرها، وكانوا يحملون ما عملوا بعد النقر، فأما العمد والقواعد والرءوس التي يسميها أهل مصر الأسوانية، ومنها حجارة الطواحين، فتلك نقرها الأوّلون قبل حدوث النصرانية بمئين من السنين، ومنها العمد التي بالإسكندرية، والعمود بها الضخم الكبير لا يعلم بالعالم عمود مثله، وقد رأيت في جبل أسوان، أخا هذا العمود، وقد هندس ونقر ولم يصل من الجبل، ولم يحمل ما ظهر منه، وإنما كانوا ينتظرون به أن يفصل من الجبل، ثم يحمل إلى حيث يريد القوم، انتهى.
وكان بالإسكندرية من العمد العظام، وأنواع الحجارة والرخام الذي لا تقلّ القطعة منه، إلا بألوف من الناس، وقد علقت بين السماء والأرض على فوق المائة ذراع، وفوق رؤوس أساطين دائر الأسطوانة ما بين الخمسة عشر ذراعا إلى العشرين ذراعا، والحجر فوقه عشرة أذرع في عشرة أذرع، في سمك عشرة أذرع بغرائب الألوان.
وكان بالإسكندرية قصر عظيم لا نظير له في معمور الأرض على ربوة عظيمة، بإزاء باب البلد طوله خمسمائة ذراع، وعرضه على النصف من ذلك، وبابه من أعظم بناء وأتقنه، كل عضادة منه حجر واحد، وعتبته حجر واحد، وكان فيه نحو مائة أسطوانة وبإزائه أسطوانة عظيمة لم يسمع بمثلها، غلظها ستة وثلاثون شبرا، وعلوها بحيث لا يدرك أعلاها قاذف حجر، وعليها رأس محكم الصناعة يدل على أنه كان فوق ذلك بناء، وتحتها قاعدة حجر أحمر محكم الصناعة، عرض كل ضلع منه عشرون شبرا في ارتفاع ثمانية أشبار، والأسطوانة منزلة في عمود من حديد قد خرقت به الأرض، فإذا اشتدّت الرياح رأيتها تتحرّك، وربما وضع تحتها الحجارة، فطحنتها لشدّة حركتها، وكانت هذه الأسطوانة إحدى عجائب الدنيا، وقد زعم قوم أنها مما عمله الجنّ لسليمان بن داود ﵉، كما هي عادتهم في نسبة كل ما يستعظمون عمله إلى أنه من صنيع الجنّ، وليس كذلك، بل كانت مما عمله القدماء من أهل مصر.
وكان في وسطه، قبة ومن حولها أساطين، وعلى الجميع قبة من حجر واحد رخام
стр. 295
أبيض كأحسن ما أنت راء من الصنائع.
ويقال: إن بعض ملوك مصر دخل الإسكندرية، فأعجبه هذا القصر، وأراد أن يبني مثله، فجمع الصناع والمهندسين ليقيموا له قصرا عظيما على هيئته، فما منهم إلا من اعترف بعجزه عن مثله، إلاّ شيخا منهم، فإنه التزم أن يصنع مثله، فسرّ الملك ذلك، وأذن له في طلب ما يحتاج إليه من المؤن والآلات والرجال، فقال: ائتوني بثورين مطيقين وعجلة كبيرة، فللحال أتي بذلك فمضى إلى المقابر القديمة، وحفر منها قبرا أخرج منه: جمجمة عظيمة، رفعها عدّة من الرجال على العجلة، فما جرّها الثوران مع قوّتهما إلاّ بعد جهد وعناء، فلما وقف بها بين يدي الملك، قال: أصلح اللّه سيدنا! إن أتيتني بقوم رؤوسهم مثل هذا الرأس عملت لك مثل هذا القصر؟ فتيقن الملك عند ذلك عجز أهل زمانه عن إقامة مثل ذلك القصر.
وقد ذكر: أنه كان بالإسكندرية ضرس إنسان عند قصاب، يزن به اللحم، زنته ثمانية أرطال.
ويقال: إنّ عمود السواري الموجود الآن خارج مدينة الإسكندرية، أحد سبعة أعمدة، أتي بأحدها، البتون بن مرّة العادي، وهو يحمله تحت إبطه من جبل بريم الأحمر قبليّ أسوان إلى الإسكندرية، فانكسر ضلعه، لأنه كان ضعيف القوى في قومه، فشق ذلك على يعمر بن شدّاد بن عاد، وقال: ليتني فديته بنصف ملكي، وجاء بعمود آخر، جحدر بن سنان الثموديّ، وكان قويا، فحمله من أسوان تحت إبطه، وجاء بقية رجالهم كل رجل بعمود، فأقام العمد السبعة، الجارود بن قطن المؤتفكي، وكان بناءها بعد أن اختاروا لها طالعا سعيدا، كما هي عادتهم في عامّة أعمالهم، وقد ذكر غير واحد، أن الصخور في القديم من الدهر كانت تلين، فعمل منها أعمدة، ناعط ومارب وبينون وماثر اليمن، وأعمدة دمشق ومصر ومدين وتدمر، وإنّ كل شيء كان يتكلم، قال أمية بن أبي الصلت:
وإذ هم لا لبوس لهم عراة … وإذ صخر السلام لهم رطاب
وقال قوم: عمود السواري من جملة أعمدة كانت تحمل رواقا، يقال له: بيت الحكمة، وذلك حيث انتهت علوم أهل الغرب إلى خمس فرق، وهم: أصحاب الرواق هذا، وأصحاب الأسطوانة وكانوا ببعلبك، وأصحاب المظال وهم بأنطاكية، وأصحاب البرابي وكانوا بصعيد مصر، والمشاؤون وكانوا بمقدونية، وكأني بمن قلّ علمه ينكر عليّ إيراد هذا الفصل، ويراه من قبيل المحال، ومما وضعه القصاص، ويجزم بكذبه، فلا يوحشنك حكايتي له، واسمع قول اللّه تعالى عن عاد قوم هود: ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي اَلْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف/ ٦٩] أي طولا وعظم جسم.
قال عبد اللّه بن عباس ﵄: كان أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستين
стр. 296
ذراعا، وهذه الزيادة كانت على خلق آبائهم، وقيل: على خلق قوم نوح، وقال وهب بن منبه: كان رأس أحدهم مثل قبة عظيمة، وكانت عين الرجل منهم تفرخ فيها السباع، وكذلك مناخرهم.
وروى شهر بن حوشب (١) عن أبي هريرة ﵁: إنه قال: إن كان الرجل من قوم عاد ليحمل المصراعين لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يطيقوه، وإن كان أحدهم ليغمز بقدمه الأرض فيدخل فيها.
وروى عبد اللّه بن لهيعة، عن يزيد بن عمرو المعافريّ، عن ابن بجرة، قال: استظل سبعون رجلا من قوم موسى ﵇، في قحف رجل من العماليق. وعن زيد بن أسلم:
بلغني أنّ الضبعة وأولادها ربين في حجاج عين رجل من العماليق، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ * إِرَمَ ذاتِ اَلْعِمادِ * اَلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي اَلْبِلادِ﴾ [الفجر/ ٨].
قال المبرّد: وقولها يعني الخنساء: رفيع العماد إنما تريد الطول، يقال: رجل معمد:
يريد طولا ومنه قوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذاتِ اَلْعِمادِ﴾ أي: الطوال.
وقال البغويّ: سموا ذات العماد لأنهم كانوا أهل عمدة سيارة، وهو قول قتادة ومجاهد والكلبيّ، ورواية عطاء عن ابن عباس، وقال بعضهم: سموا ذات العماد لطول قاماتهم، قال ابن عباس: يعني طولهم مثل العماد، قال مقاتل: كان طول أحدهم اثني عشر ذراعا.
وفي كشاف الزمخشريّ: لم يخلق مثلها، مثل عاد في البلاد عظم أجرام وقوّة، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، وكان يأتي الصخرة العظيمة فيحملها، فيلقيها على الحيّ فيهلكهم، وقد ذكر غير واحد أنه وجد في خلافة المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد، كنز بمصر فيه ضلم إنسان طوله أربعة عشر شبرا في عرض ثلاثة أشبار.
واعلم أن أعين بني آدم ضيقة وقد نشأت نفوسهم في محل صغير، فإذا حدّث القوم بما يتجاوز مقدار عقولهم أو مبلغ أجسامهم مما ليس له عندهم أصل يقيسونه على إلا ما يشاهدونه، أو يألفونه عجلوا إلى الارتياب فيه، وسارعوا إلى الشك في الخبر عنه، إلاّ من كان معه علم وفهم، فإنه يفحص عما يبلغه من ذلك حتى يجد دليلا على قبوله، أو ردّه، وكيف يردّ مثل هذه الأخبار. وفي الصحيح: أن رسول اللّه ﷺ قال: «حلق اللّه آدم طوله ستون ذراعا في السماء» ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن.
وذكر محمد بن عبد الرحيم بن سليمان بن ربيع القيسيّ الغرناطيّ في كتاب تحفة
стр. 297
الألباب قال: نقل الشعبيّ في كتاب سير الملوك: أن الضحاك بن علوان، لما هرب منه لام بن عاد إلى ناحية الشمال أرسل في طلبه أميرين مع كل أمير طائفة من الجبارين خرج أحدهما قاصدا إلى بلغار، والآخر إلى باشقرد، فأقام أولئك الجبارون في أرض بلغار، وفي باشقرد. قال الإقليشيّ: وقد رأيت صورهم في باشقرد، ورأيت قبورهم بها، فكان مما رأيته، ثنية أحدهم طولها: أربعة أشبار، وعرضها شبران، وقد كان عندي في باشقرد نصف أصل الثنية أخرجت لي من فكه الأسفل، فكان عرضها شبرا، ووزنها ألف مثقال، ومائتا مثقال، أنا وزنتها بيدي، وهي الآن في داري في باشقرد، وكان دور فلك ذلك العاديّ سبعة عشر ذراعا، وفي بيت بعض أصحابي في باشقرد، عضد أحدهم طوله ثمانية وعشرون ذراعا، وأضلاعه كل ضلع عرضه ثلاثة أشبار، وأكثر كاللوح الرخام، وأخرج إليّ نصف رسغ يد أحدهم، فكنت لا أقدر أن أرفعه بيد واحدة حتى أرفعه بيديّ جميعا، قال: ولقد رأيت في بلد بلغار سنة ثلاثين وخمسمائة من نسل العاديين رجلا طوالا كان طوله أكثر من سبعة أذرع، وكان يسمى: دنقي وكان يأخذ الفرس تحت إبطه كما يأخذ الإنسان الطفل الصغير، وكان إذا وقع القتال بتلك الناحية، يقاتل بشجرة من شجر البلوط، يمسكها كالعصا في يده لو ضرب بها الفيل قتله، وكان خيّرا متواضعا، كلما التقاني سلم عليّ، ورحب بي وأكرمني، وكان رأسي لا يصل إلى حقوه، وكان له أخت على طوله رأيتها في بلغار مرارا عدّة.
قال لي القاضي يعقوب بن النعمان، يعني قاضي بلغار: إن هذه المرأة الطويلة العادية قتلت زوجها، وكان اسمه آدم، وكان من أقوى أهل بلغار ضمته إلى صدرها، فكسرت أضلاعه، فمات من ساعته. قال: ولم يكن في بلغار حمّام تسعهم، إلا حمّام واحدة واسعة الأبواب، انتهى.
وقد حدّثني الحافظ أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن محمد الفريابي عن أبيه: أنه شاهد قبرا احتفر بمدينة قرطاجنة من إفريقية، فإذا جثة رجل قدر عظيم رأسه كثورين عظيمين، ووجد معه لوح مكتوب بالقلم المسند، وهو قلم عاد، وحروفه مقطعة، ما نصه:
أنا كوش بن كنعان ابن الملوك من آل عاد، ملكت بهذه الأرض ألف مدينة، وبنيت بها على ألف بكر، وركبت من الخيل العتاق سبعة آلاف، حمر وصفر وشهب وبيض ودهم، ثم لم يغن عني ذلك شيئا، أو جاءني صائح، فصاح بي صيحة أخرجتني من الدنيا، فمن كان عاقلا ممن جاء بعده فليعتبر بي وأنشد:
يا واقفا يرعى السهى … برسم ربع قد وهى
قف واستمع ثم اعتبر … إن كنت من أهل النهي
بالأمس كنا فوقها … واليوم صرنا تحتها
لكل حدّ غاية … لكل أمر منتهى
стр. 298
قال: فأمر السلطان أبو بكر بن يحيى الحفصيّ (١)، صاحب تونس بطمه، فطم القبر.
قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى: وأنا أدركت شيئا من ذلك، وهو أنه ترافع في بعض الأيام طائفة من الحجارين إلى السلطان الملك الظاهر برقوق أعوام، بضع وتسعين وسبعمائة، وقد اختلفوا على مال وجدوه بجبل المقطم، وهو أنهم كانوا يقطعون الحجارة من مغار فيما يلي قلعة الجبل من بحريها، فانكشف لهم حجر أسود عليه كتابة، فاجتمعوا على قطع ما بين يدي هذا الحجر طمعا في وجود مال، فانتهى بهم القطع إلى عمود عظيم قائم في قلب الجبل، فلعجلتهم أقبلوا بمعاولهم عليه حتى تكسر قطعا، فإذا هو مجوّف، وإنسان قائم على قدميه بطوله وتناثر لهم من جهة رأسه دنانير كثيرة، فاقتسموها وتنافسوا في قسمتها، واختلفوا حتى اشتهر أمرهم، وترافعوا إلى السلطان، فبعث من كشف المغار فوجد الحجر والعمود، وقد تكسر فأخذ منهم ما وجد بأيديهم من الدنانير، ولم يجد من يعرف ما قد كتب على الحجر، وتسامع الناس بالخبر، فأقبلوا إلى المغار وعبثوا برمّة الميت، فأخبرني من شاهد سنا من أسنان هذا الميت، أنها سوداء بقدر الباذنجانة وإن عظم ساقه فيما بين قدمه إلى ركبته خمسة أذرع فيجيء هذا من حساب طوله عشرين ذراعا وأزيد، ودماغ سنّ واحدة من أسنانه في قدر الباذنجانة، ما هو إلا كالقبة الكبيرة، وأخبرني السيد الشريف قاضي القضاة بدمشق شهاب الدين أحمد بن عليّ بن إبراهيم الحسينيّ المعروف: بابن عدنان وبابن أبي الجن: أنه وقف في سنة أربع عشرة وثمانمائة بمقبرة باب الصغير من دمشق على قبر ليدفن فيه ميت لهم، فلما تهيأ القبر، ولم يبق إلا أن يدلى فيه الميت، انخسف وخرج من الخسف ذباب كثير كبار زرق الألوان حتى كادت تظلهم، فنزل الحفار في الخسف، فإذا قبر طوله اثنان وعشرون ذراعا وفيه بطوله ميت قد صار كالرماد.
وأخبرني أيضا: أنه شاهد بهذه المقبرة ضرس إنسان وله ثلاث شعب، وقد سقطت منه قطعة وهو في قدر البطيخة، وأنه وزن بحضرته فبلغ رطلين وتسع أواقي بالرطل الشامي، وإنّ القطعة التي انكسرت منه نحو أوقيتين بالشامي، فيكون على هذا زنة هذا الضرس نحو اثني عشر رطلا بالمصريّ، واللّه تعالى أعلم.
ذكر طرف مما قيل في الإسكندرية
قال أبو عمرو الكنديّ: أجمع الناس أنه ليس في الدنيا مدينة على ثلاث طبقات، غير الإسكندرية، ولما دخل عبد العزيز بن مروان الإسكندرية، سأل رجلا من علماء الروم عنها وعن عدد أهلها؟ فقال: واللّه أيها الأمير، ما أدرك علم هذا أحد من الملوك، والذي أخبرك
стр. 299
كم كان فيها من اليهود، فإنّ ملك الروم أمر بإحصائهم، فكانوا ستمائة ألف. قال: فما هذا الخراب الذي في أطرافها، قال: بلغني عن بعض ملوك فارس حين ملكوا مصر أنه أمر بفرض دينار على كل محتلم لعمران الإسكندرية، فأتاه كبراء أهلها وعلماؤهم، وقالوا: أيها الملك لا تتعب فإنّ الإسكندرية أقام الإسكندر على بنائها، ثلثمائة سنة، وعمرت ثلثمائة سنة، وإنها لخراب منذ ثلثمائة سنة، ولقد أقام أهلها سبعين سنة لا يمشون فيها نهارا إلا بخرق سود في أيديهم خوفا على أبصارهم من شدّة بياضها.
ومن فضائلها ما قاله بعض المفسرين من أهل العلم: أنها المدينة التي وصفها اللّه في كتابه العزيز فقال: ﴿إِرَمَ ذاتِ اَلْعِمادِ * اَلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي اَلْبِلادِ﴾ [الفجر/ ٨].
قال أحمد بن صالح: قال لي سفيان بن عيينة: يا مصريّ أين تسكن؟ قلت: أسكن الفسطاط، فقال: أتاني الإسكندرية؟ قلت: نعم، قال: تلك كنانة اللّه يجعل فيها خيار سهامه.
وقال وقال عبد اللّه بن مرزوق الصدفيّ، لما نعى لي ابن عمي خالد بن يزيد، وكان قد توفي بالإسكندرية، لقيني موسى بن عليّ بن رباح وعبد اللّه بن لهيعة والليث بن سعد متفرّقين كلهم يقول: أليس مات بالإسكندرية؟ فأقول: نعم، فيقولون: هو حيّ عند اللّه يرزق ويجري عليه أجر رباطه ما أقامت الدنيا، وله أجر شهيد حتى يحشر على ذلك، وقال الذين ينظرون في الأهوية والبلدان وترتب الأقاليم والأمصار: أنه لم تطل أعمار الناس في بلد من البلدان طولها بمربوط من كورة الإسكندرية، ووادي فرغانة. وقال الحسن بن صفوان: وأما الإسكندرية وتنيس، وأمثالهما، فقربها من البحر وسكون الحرارة والبرد عندهم، وظهور ريح الصبا فيهم مما يصلح أمرهم، ويرق طباعهم، ويرفع همتهم وليس يعرض لهم ما يعرض لأهل اليشمون من غلظ الطبع والحمارية، وقد وصف أهل الإسكندرية بالبخل، قال جلال الدين بن مكرم بن أبي الحسن بن أحمد الخزرجي ملك الحفاظ:
نزيل اسكندرية ليس يقري … بغير الماء أو نعت السواري
ويتحف حين يكرم بالهواء ال … ملاتن والإشارة للمنار
وذكر البحر والأمواج فيه … ووصف مراكب الروم الكبار
فلا يطمع نزيلهم بخبز … فما فيها لذاك الحرف قاري
وقال أحمد بن جردادية من الفسطاط إلى ذوات الساحل، أربعة وعشرون ميلا، ثم إلى مربوط ثلاثون ميلا، ثم إلى كوم شريك ثلاثون ميلا، ثم إلى كريون أربعة وعشرون ميلا، ثم إلى الإسكندرية أربعة وعشرون ميلا، وقال آخر: وطريق الإسكندرية إذا نضّب ماء النيل يأخذ بين المدائن والضياع، وذلك إذا أخذت من شطنوف إلى سبك العبيد، فهو منزل فيه منية لطيفة، وبينهما اثنا عشر سقسا، ومن سبك إلى مدينة منوف، وهي كبيرة فيها
стр. 300
حمامات وأسواق، وبها قوم فيهم يسار ووجوه من النار، وبينهما ستة عشر سقسا، ومن منوف إلى محلة صرد وفيها منبر وحمام وفنادق، وسوق صالح ستة عشر سقسا، ومن محلة صرد إلى سخا وهي مدينة كبيرة ذات حمامات وأسواق، وعمل واسع وإقليم جليل له عامل بعسكر وجند، وبه الكتان الكثير وزيت الفجل، وقموح عظيمة ستة عشر سقسا، ومن سخا إلى شبر كمية وهي مدينة كبيرة بها جامع وأسواق ستة عشر سقسا، ومن شبر كمية إلى مسير وهي مدينة بها جامع وأسواق ستة عشر سقسا، ومن مسير إلى سنهور وهي مدينة ذات إقليم كبير وبها حمامات وأسواق، وعمل كبير ستة عشر سقسا، ومن سنهور إلى التخوم وهي إقليم وبها حمامات وفنادق وأسواق ستة عشر سقسا، ومن التخوم إلى نسترو، وكانت مدينة عظيمة حسنة على بحيرة اليشمون عشرون سقسا، ومن نسترو إلى البرلس وهي مدينة كثيرة الصيد في البحيرة وبها حمامات عشر سقسات، ومن نسترو إلى البرلس إلى اخنا وهي حصن على شط بحر الملح عشر سقسات، ومن اخنا إلى رشيد وهي مدينة على النيل ومنها يصب النيل في البحر من فوهة تعرف بالأشتوم وهي المدخل ثلاثون سقسا، وكان بها أسواق صالحة وحمام، وبها نخيل وضريبة على ما يحمل من الإسكندرية.
وهذا الطريق الآخذ من شطنوف إلى رشيد ربما امتنع سلوكه عند زيادة النيل، والثياب المنسوجة بالإسكندرية لا نظير لها، وتحمل إلى أقطار الأرض، وفي ثياب الإسكندرية ما يباع الكتان منه إذا عمل ثيابا يقال لها الشرب كل زنة درهم بدرهم فضة، وما يدخل في الطرز، فيباع بنظير وزنه مرّات عديدة.
ذكر فتح الإسكندرية
قال أبو عمرو الكندي: لما حاز المسلمون الحصن بما فيه، أجمع عمرو على المسير إلى الإسكندرية، فسار إليها في ربيع الأوّل سنة عشرين، وقال غيره: بل سار في جمادى الآخرة منها.
وذكر سيف بن عمر: أنّ عمرو بن العاص بعث إلى الإسكندرية، وهو على عين شمس، عوف بن مالك، فنزل عليها، وبعث يقول لأهلها: إن شئتم أن نزلوا فلكم الأمان، فقالوا: نعم، فراسلهم وتربصوا أهل عين شمس، وسار المسلمون من بين ذلك.
وقال ابن عبد الحكم: ويقال: إنّ المقوقس إنما صالح عمرو بن العاص، لما فتح الإسكندرية حاصر أهلها ثلاثة أشهر، وألحّ عليهم فخافوه، وسأله المقوقس الصلح عنهم كما صالحه على القبط على أن يستنظر رأي الملك، فحدّثنا يزيد بن أبي حبيب: أنّ المقوقس الرومي الذي كان ملكا على مصر صالح عمرو بن العاص، على أن يسير من أراد من الروم المسير، ويقرّ من أراد من الروم على أمر قد سماه، فبلغ ذلك هرقل ملك الروم، فسخط أشد السخط، وأنكر أشدّ الإنكار، وبعث الجيوش، فأغلقوا أبواب الإسكندرية،
стр. 301
وآذنوا عمرا بالحرب، فخرج إليه المقوقس، فقال: أسألك ثلاثا، قال: ما هنّ؟ قال:
لا تبذل للروم ما بذلت لي، فإني قد نصحت لهم، فاستغشوني. ولا تنقض القبط، فإنّ النقض لم يأت من قبلهم، وأن تأمر بي إذا متّ فادفني في بخنس، فقال عمرو: هذه أهونهنّ علينا، قال: فخرج عمرو بالمسلمين حين أمكنهم الخروج، وخرج معه جماعة من رؤساء القبط، وقد أصلحوا لهم الطرق، وأقاموا لهم الجسور والأسواق، وصارت لهم القبط أعوانا على ما أرادوا من قتال الروم، وسمعت بذلك الروم فاستعدّت واستجاشت، وقدمت عليهم مراكب من أرض الروم فيها جمع عظيم من الروم بالعدّة والسلاح، فخرج إليهم عمرو من الفسطاط، متوجها إلى الإسكندرية، فلم ير منهم أحدا حتى بلغ مربوط، فلقي فيها طائفة من الروم، فقاتلهم قتالا خفيفا، فهزمهم اللّه، ومضى عمرو بمن معه حتى لقي جمع الروم بكوم شريك، فاقتتلوا ثلاثة أيام، ثم فتح اللّه على المسلمين وولي الروم أكتافهم.
ويقال: بل أرسل عمرو بن العاص، شريك بن سميّ في آثارهم، فأدركهم عند الكوم الذي يقال له: كوم شريك، فهزمهم، وكان على مقدّمة عمرو، وعمرو بمربوط، فألجأوه إلى الكوم، فاعتصم به، وأحاطت به الروم، فلما رأى ذلك شريك بن سميّ، أمر أبا ناعمة مالك بن ناعمة الصدفيّ، وهو صاحب الفرس الأشقر الذي يقال له: أشقر صدف، وكان لا يجاري سرعة، فانحط عليهم من الكوم، وطلبته الروم، فلم تدركه حتى أتى عمرا، فأخبره، فأقبل عمرو متوجها، وسمعت به الروم، فانصرفت، ثم التقوا بسلطيس، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم هزمهم اللّه تعالى، ثم التقوا بالكريون، فاقتتلوا بها بضعة عشر يوما، وكان عبد اللّه بن عمرو، على المقدّمة، وحامل اللواء يومئذ وردان مولى عمرو، فأصابت عبد اللّه بن عمرو جراحات كثيرة، فقال: يا وردان لو تقهقرت قليلا نصيب الروم، فقال وردان:
الروم تريد الروح أمامك وليس خلفك، فتقدّم عبد اللّه، فجاءه رسول أبيه يسأله عن جراحه فقال:
أقول لها إذا جشأت وجاشت … رويدك تحمدي أو تستريحي
وهذا البيت لعمرو بن الإطنابة، وهو أنّ رجلا من بني النجار كان مجاورا لمعاذ بن النعمان، فقتل، فقال معاذ: لا أقتل به إلا عمرو بن الإطنابة، وهو يومئذ أشرف الخزرج، فقال عمرو:
ألا من مبلغ الأكفاء عني … وقد تهدي النصيحة للنصيح
بأنكم وما تزجون شطري … من القول المرغي والصريح
سيقدم بعضكم عجلا عليه … وما أثر اللسان إلى الجروح
أبت لي عفتي وأبى بلائي … وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإعطائي على المكروه مالي … وإقدامي على البطل المشيح
стр. 302
وقولي كلما جشأت وجاشت … مكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثر صالحات … وأحمي بعد عن عرض صحيح
بذي شطب كلون الملح صاف … ونفس لم تقرّ على القبيح
الشطب: سعف النخل الأخضر، الواحدة شطبة، وجشأت: ارتفعت من حزن أو فزع، وجاشت: دارت للغثيان، وقيل: هما بمعنى ارتفع، والمشيح: البارد المنكمش.
فرجع الرسول إلى عمرو فأخبره بما قال، فقال عمرو: هو ابني حقا، وصلى عمرو يومئذ صلاة الخوف، ثم فتح اللّه للمسلمين، وقتل منهم المسلمون مقتلة عظيمة، واتبعوهم حتى بلغوا الإسكندرية، فتحصن بها الروم، وكان عليها حصون متينة لا ترام، حصن دون حصن، فنزل المسلمون ومعهم رؤساء القبط يمدّونهم بما احتاجوا إليه من الأطعمة والعلوفة، فأقاموا شهرين ثم تحوّل، فخرجت عليه خيل من ناحية البحيرة مستترة بالحصن، فواقعوه، فقتل يومئذ من المسلمين، اثنا عشر رجلا، ورسل ملك الروم تختلف إلى الإسكندرية في المراكب بمادة الروم.
وكان ملك الروم يقول: لئن ظهرت العرب على الإسكندرية ففي ذلك انقطاع الروم وهلاكهم لأنه ليس للروم كنائس أعظم من كنائس الإسكندرية، وإنما كان عيد الروم حين غلبت العرب على الشام بالإسكندرية، فقال الملك: لئن غلبونا على الإسكندرية، هلكت الروم، وانقطع ملكها، فأمر بجهازه ومصلحته لخروجه إلى الإسكندرية حتى يباشر قتالها بنفسه، فلما فرغ من جهازه صرعه اللّه ، فأماته وكفى المسلمين مؤنته، وكان موته في سنة تسع عشرة، فكسر اللّه بموته شوكة الروم، فرجع جمع كثير ممن كان قد توجه.
وقال الليث: مات هرقل في سنة عشرين، وفيها فتحت قيسارية الشام. قال:
واستأسدت العرب عند ذلك، وألحت بالقتال على أهل الإسكندرية، فقاتلوهم قتالا شديدا، وخرج طرف من الروم من باب حصن الإسكندرية، فحملوا على الناس، فقتلوا رجلا من مهرة واحتزوا رأسه، ومضوا به، فجعل المهريون يتغضبون، ويقولون: لا ندفنه إلا برأسه، فقال عمرو: تتغضبون كأنكم تتغضبون على من يبالي بغضبكم، احملوا على القوم إذا خرجوا، فاقتلوا منهم رجلا ثم ارموا برأسه، يرمونكم برأس صاحبكم، فخرجت الروم إليهم فاقتتلوا، فقتل من الروم رجل من بطارقتهم، فاحتزوا رأسه، ورموا به الروم، فرمت الروم برأس المهري إليهم، فقال: دونكم الآن فادفنوا صاحبكم.
وكان عمرو يقول: ثلاث قبائل من مصر، أما مهرة فقوم يقتلون ولا يقتلون، وأما عافق فقوم يقتلون ولا يقتلون، وأما بلى فأكثرها رجلا صحب النبيّ ﷺ ، وأفضلها فارسا. وقال رجل لعمرو: لو جعلت المنجنيق ورميتهم به لهدم حائطهم، فقال عمرو:
تستطيع أن يفنى مقامك من الصف، وقيل له: إنّ العدوّ قد غشوك ونحن نخاف على
стр. 303
رايطة يريدون امرأته، فقال: إذا يتخذوا أرياطا كثيرة.
ولما استجرّ القتال، بارز رجل من الروم، مسلمة بن مخلد، فصرعه الروميّ، وألقاه عن فرسه، وهوى إليه ليقتله، حتى حماه رجل من أصحابه، وكان مسلمة لا يقاوم، ولكنها مقادير، ففرحت بذلك الروم وشق على المسلمين، وغضب عمرو بن العاص لذلك، وكان مسلمة كثير اللحم ثقيل البدن، فقال عمرو عند ذلك: ما بال الرجل السته الذي يشبه النساء يتعرّض مداخل الرجال، ويتشبه بهم، فغضب من ذلك مسلمة، ولم يراجعه، ثم اشتدّ القتال حتى اقتحموا حصن الإسكندرية، فقاتلهم العرب في الحصن، ثم جاشت عليهم الروم حتى أخرجوهم جميعا من الحصن إلا أربعة نفر تفرّقوا في الحصن، وأغلقوا عليهم باب الحصن، أحدهم: عمرو بن العاص، والآخر مسلمة، ولم نحفظ الآخرين، وحالوا بينهم وبين أصحابهم، ولا يدري الروم من هم، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص وأصحابه التجأوا إلى ديماس من حماماتهم، فدخلوا فيه، فاحترزوا به، فأمروا روميا أن يكلمهم بالعربية، فقال لهم: إنكم قد صرتم بأيدينا أسارى، فاستأسروا، ولا تقتلوا أنفسكم فامتنعوا عليه، ثم قال لهم: إنّ في أيدي أصحابكم منا رجالا أسروهم، ونحن نعطيكم العهود نفادي بكم أصحابنا، ولا نقتلكم، فأبوا عليه، فلما رأى ذلك الروميّ منهم قال لهم: هل لكم إلى خصلة، وهي نصف فإن غلب صاحبنا صاحبكم استأسرتم لنا، وأمكنتمونا من أنفسكم، وإن غلب صاحبكم صاحبنا خلينا سبيلكم إلى أصحابكم، فرضوا بذلك، وتعاهدوا عليه، وعمرو ومسلمة وصاحباهما في الحصن في الديماس، فتداعوا إلى البراز فبرز رجل من الروم، وقد وثقت الروم بنجدته وشدّته، وقالوا: يبرز رجل منكم لصاحبنا، فأراد عمرو أن يبرز، فمنعه مسلمة، وقال: ما هذا تخطئ مرّتين تشذ من أصحابك، وأنت أمير، وإنما قوامهم بك، وقلوبهم معلقة نحوك لا يدرون ما أمرك، ولا ترضى حتى تبارز وتتعرّض للقتل، فإن قتلت كان ذلك بلاء على أصحابك مكانك، وأنا أكفيك إن شاء اللّه تعالى، فقال عمرو: دونك فربما فرّجها اللّه بك، فبرز مسلمة للروميّ، فتجاولا ساعة، ثم أعانه اللّه عليه، فقتله. فكرّ مسلمة وأصحابه ووفى لهم الروم بما عاهدوهم عليه، ففتحوا لهم باب الحصن، فخرجوا ولا يدري الروم أن أمير القوم فيهم حتى بلغهم بعد ذلك، فأسفوا على ذلك، وأكلوا أيديهم تغيظا على ما فاتهم، فلما خرجوا استحيى عمرو مما كان قال لمسلمة حين غضب، فقال عمرو عند ذلك: استغفر لي ما كنت قلت لك، فاستغفر له، وقال عمرو: ما أفحشت قط إلا ثلاث مرار: مرّتين في الجاهلية، وهذه الثالثة، وما منهنّ مرّة إلا وقد ندمت، وما استحييت من واحدة منهنّ أشدّ مما استحييت مما قلت لك، وواللّه إني لأرجو أن لا أعود إلى الرابعة ما بقيت، قال: وأقام عمرو محاصر الإسكندرية أشهرا، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁، قال: ما أبطأوا بالفتح إلا لما أحدثوا، وكتب إلى عمرو بن العاص: أمّا بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر، إنكم تقاتلونهم منذ سنين وما ذاك إلا لما أحدثتم
стр. 304
وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوّكم، فإنّ اللّه ﵎ لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة (١) نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقاوم ألف رجل على ما كنت أعرف إلا أن يكونوا غيّرهم ما غيّر غيرهم، فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس، وحضهم على قتال عدوّهم، ورغبهم في الصبر والنية، وقدّم أولئك الأربعة في صدور الناس ومر الناس جميعا أن يكونوا لهم صدمة واحدة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل الرحمة، ووقت الإجابة وليعجّ الناس إلى اللّه، ويسألوه النصر على عدوّهم، فلما أتى عمرو بن العاص ﵁ الكتاب، جمع الناس وقرأ عليهم كتاب عمر ﵁، ثم دعا أولئك النفر فقدّمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهروا، ويصلوا ركعتين، ثم يرغبوا إلى اللّه تعالى ويسألوه النصر، ففعلوا، ففتح اللّه عليهم.
ويقال: إنّ عمرو بن العاص استشار مسلمة، فقال: أشر عليّ في قتال هؤلاء، فقال له مسلمة: أرى أن تنظر إلى رجل له معرفة وتجارب من أصحاب رسول اللّه ﷺ ، فتعقد له على الناس، فيكون هو الذي يباشر القتال ويكفيكه، فقال عمرو: من ذلك؟ قال: عبادة بن الصامت، فدعاه عمرو فأتاه وهو راكب على فرسه، فلما دنا منه أراد النزول، فقال له عمرو: عزمت عليك إن نزلت ناولني سنان رمحك، فناوله إياه، فنزع عمرو عمامته عن رأسه، وعقد له، وولاه قتال الروم، فتقدّم عبادة مكانه، فصادف الروم وقاتلهم، ففتح اللّه على يديه الإسكندرية من يومهم ذلك.
وكان حصار الإسكندرية بعد موت هرقل، تسعة أشهر وخمسة أشهر قبل ذلك، وفتحت يوم الجمعة لمستهل المحرّم سنة إحدى وعشرين، وقال أبو عمرو الكندي: وحاصر عمرو الإسكندرية ثلاثة أشهر، ثم فتحها عنوة وهو الفتح الأوّل، ويقال: بل فتحها عمرو لمستهل المحرّم سنة إحدى وعشرين.
قال القضاعيّ عن الليث: أقام عمرو بالإسكندرية في حصارها، وفتحها ستة أشهر، ثم انتقل إلى الفسطاط، فاتخذها دارا في ذي القعدة.
وقال ابن عبد الحكم: فلما هزم اللّه تعالى الروم، وفتح الإسكندرية، هرب الروم في البرّ والبحر، فخلف عمرو بالإسكندرية ألف رجل من أصحابه ومضى ومن معه في طلب من هرب من الروم في البرّ، فرجع من كان هرب من الروم في البحر إلى الإسكندرية، فقتلوا من كان فيها من المسلمين إلاّ من هرب منهم، وبلغ ذلك عمرا، فكرّ راجعا، ففتحها، وأقام بها وكتب إلى عمر بن الخطاب ﵁: قد فتح علينا الإسكندرية بغير عقد ولا عهد، فكتب إليه عمرو ﵁ يقبح رأيه، ويأمره أن لا يجاوزها. قال ابن لهيعة: وهو فتح
стр. 305
الإسكندرية الثاني، وكان سبب فتحها هذا: أنّ رجلا يقال له: ابن بسامة كان بوّابا، فسأل عمرا أن يؤمّنه على نفسه وأرضه وأهل بيته، ويفتح له الباب، فأجابه عمرو إلى ذلك، ففتح له ابن بسامة الباب، فدخل عمرو وقتل من المسلمين من حين كان من آمر الإسكندرية ما كان إلى أن فتحت اثنان وعشرون رجلا، وبعث عمرو بن العاص، معاوية بن خديج وافدا إلى عمر بن الخطاب بشيرا له بالفتح، فقال له معاوية: ألا تكتب معي، فقال له عمرو:
وما أصنع بالكتاب ألست رجلا عربيا تبلغ الرسالة، وما رأيت وحضرت.
فلما قدم على عمر، أخبره بفتح الإسكندرية فخرّ عمر ساجدا، وقال: الحمد للّه، وقال معاوية بن خديج: بعثني عمرو بن العاص إلى عمر ﵁ بفتح الإسكندرية، فقدمت المدينة في الظهيرة، فأنخت راحلتي بباب المسجد ثم دخلت المسجد، فبينا أنا قاعد فيه إذ خرجت جارية من منزل عمر بن الخطاب ﵁، فرأتني شاحبا عليّ ثياب السفر، فأتتني، وقالت: من أنت؟ فقلت: أنا معاوية بن خديج، رسول عمرو بن العاص، فانصرفت عني، ثم أقبلت تشدّ أسمع حفيف إزارها على ساقها، حتى دنت مني، ثم قالت:
قم فأجب أمير المؤمنين يدعوك، فتبعتها، فلما دخلت فإذا بعمر يتناول رداءه بإحدى يديه، ويشدّ إزاره بالأخرى، فقال: ما عندك؟ فقلت: خير يا أمير المؤمنين، فتح اللّه الإسكندرية فخرج معي إلى المسجد، فقال للمؤذن: أذن في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، ثم قال لي: قم فأخبر أصحابك، فقمت فأخبرتهم ثم صلى ودخل منزله، واستقبل القبلة، فدعا بدعوات، ثم جلس، فقال: يا جارية! هل من طعام؟ فأتت بخبز وزيت، فقال: كل، فأكلت حياء، ثم قال: كل، فإنّ المسافر يحب الطعام فلو كنت آكلا لأكلت معك، فأصبت على حياء، ثم قال: يا جارية! هل من تمر؟ فأتت بتمر في طبق، فقال: كل، فأكلت على حياء، ثم قال: ما ذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد؟ قال: قلت: أمير المؤمنين قائل، قال:
بئس ما قلت، أو بئس ما ظننت لئن نمت النهار لأضيعنّ الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعنّ نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية.
ثم كتب عمرو بن العاص بعد ذلك إلى عمر بن الخطاب: أمّا بعد! فإني فتحت مدينة لا أصف ما فيها غير أني أصبت فيها أربعة آلاف بنية، بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهوديّ، عليهم الجزية، وأربعمائة ملهى للملوك.
وعن أبي قبيل: أنّ عمرا لما فتح الإسكندرية وجد فيها: اثني عشر ألف بقال يبيعون البقل الأخضر، وترحل من الإسكندرية في الليلة التي دخلها عمرو، وفي الليلة التي خافوا فيها دخول عمرو، سبعون ألف يهوديّ.
وكان بالإسكندرية فيما أحصي من الحمامات: اثنا عشر ألف ديماس، أصغر ديماس منها يسع ألف مجلس، كل مجلس يسع جماعة نفر، وكان عدّة من بالإسكندرية من الروم،
стр. 306
مائتي ألف رجل، فلحق بأرض الروم أهل القوّة وركبوا السفن، وكان بها مائة مركب من المراكب الكبار، فحمل فيها ثلاثون ألفا مع ما قدروا عليه من المال والمتاع والأهل، وبقي من بقي من الأسارى من بلغ الخراج، فأحصي يومئذ ستمائة ألف، سوى النساء والصبيان، فاختلف الناس على عمرو في قسمها، فكان أكثر الناس يريدون قسمها، فقال عمرو: لا أقدر على قسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إليه يعلمه بفتحها وشأنها، ويعلمه أن المسلمين طلبوا قسمها، فكتب إليه عمر: لا تقسمها وذرها يكون خراجها فيئا للمسلمين، وقوّة لهم على جهاد عدوّهم، فأقرّها عمرو، وأحصى أهلها، وفرض عليهم الخراج، فكانت مصر صلحا كلها بفريضة دينارين على كل رجل، لا يزاد على أحد منهم في جزية رأسه أكثر من دينارين، إلا أنه يلزم بقدر ما يتوسع فيه من الأرض والزرع إلا الإسكندرية، فإنهم كانوا يؤدّون الخراج والجزية على قدر ما يرى من وليهم لأنّ الإسكندرية فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد، ولم يكن لهم صلح ولا ذمّة.
وقد كانت قرى من قرى مصر قاتلت، فسبوا منها قرية يقال لها: بلهيب، وقرية يقال لها: الخيس، وقرية يقال لها: سلطيس، فوقع سباياهم بالمدينة وغيرها، فردّهم عمر بن الخطاب إلى قراهم، وصيرهم وجماعة القبط أهل ذمّة.
وعن يزيد بن أبي حبيب: أنّ عمرا سبى أهل بلهيب، وسلطيس، وقرطيا وسخا، فتفرّقوا، وبلغ أوّلهم المدينة حين نقضوا، ثم كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بردّهم، فردّ من وج منهم، وفي رواية: إنّ عمر بن الخطاب ﵁ كتب في أهل سلطيس خاصة من كان منهم في أيديكم، فخيروه بين الإسلام، فإن أسلم فهو من المسلمين له مالهم، وعليه ما عليهم، وإن اختار دينه، فخلوا بينه وبين قريته، فكان البلهيبي، خير يومئذ، فاختار الإسلام.
وفي رواية: إنّ أهل سلطيس، وصا، وبلهيب، ظاهروا الروم على المسلمين في جمع كان لهم، فلما ظهر عليهم المسلمون استحلوهم، وقالوا: هؤلاء لنا فيء مع الإسكندرية، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه عمر: أن تجعل الإسكندرية وهؤلاء الثلاث قريات، ذمّة للمسلمين، وتضرب عليهم الخراج، ويكون خراجهم، وما صالح عليه القبط، قوّة للمسلمين على عدوّهم، ولا يجعلون فيئا ولا عبيدا، ففعل ذلك.
ويقال: إنما ردّهم عمر ﵁، لعهد كان تقدّم لهم. وقال ابن لهيعة: جبى عمرو جزية الإسكندرية ستمائة ألف دينار، لأنه وجد ثلثمائة ألف من أهل الذمّة، فقدّر عليهم دينارين دينارين، فبلغت ذلك، وقيل: كانت جزية الإسكندرية ثمانية عشر ألف دينار، فلما كانت خلافة هشام بن عبد الملك، بلغت ستة وثلاثين ألف دينار، ويقال: إنّ عمرو بن
стр. 307
العاص، استبقى أهل الإسكندرية، فلم يقتل ولم يسب، بل جعلهم ذمّة كأهل النوبة.
ذكر ما كان من فعل المسلمين بالإسكندرية وانتقاض الروم
قال ابن عبد الحكم: فأمّا الإسكندرية فلم يكن بها خطط، وإنما كانت أخائذ، من أخذ منزلا نزل فيه هو وبنو أبيه، وإنّ عمرو بن العاص، لما فتح الإسكندرية، أقبل هو وعبادة بن الصامت، حتى علوا الكوم الذي فيه مسجد عمرو بن العاص، فقال معاوية بن خديج: ننزل، فنزل عمرو القصر، ونزل أبو ذر منزلا كان غربيّ المصلى الذي عند مسجد عمرو، مما يلي البحر، وقد انهدم، ونزل معاوية بن خديج فوق التل، وضرب عبادة بن الصامت خباءه فلم يزل فيه حتى خرج من الإسكندرية.
ويقال: إنّ أبا الدرداء كان معه، واللّه أعلم. قال: فلما استقامت لهم البلاد قطع عمرو بن العاص من أصحابه لرباط الإسكندرية ربع الناس، وربعا في السواحل، والنصف مقيمون معه، وكان يصير بالإسكندرية خاصة الربع في الصيف، بقدر ستة أشهر، ويعقب بعدهم شاتية ستة أشهر، وكان لكل عريف قصر ينزل فيه بمن معه من أصحابه، واتخذوا فيه أخائذ.
وعن يزيد بن أبي حبيب: أن المسلمين لما سكنوا الإسكندرية في رباطهم، ثم قفلوا، ثم غزوا ابتدروا، فكان الرجل منهم يأتي المنزل الذي كان فيه صاحبه قبل ذلك، فيبتدره فيسكنه، فلما غزوا قال عمرو: إني أخاف أن تخرّبوا المنازل إذا كنتم تتعاورونها، فلما كان عند الكريون قال لهم: سيروا على بركة اللّه، فمن ركز منكم رمحه في دار فهي له، ولبني بنيه، فكان الرجل يدخل الدار، فيركز رمحه في منزل منها، ثم يأتي الآخر فيركز رمحه في بعض بيوت الدار، فكانت الدار تكون لقبيلتين وثلاث، وكانوا يسكنونها حتى إذا قفلوا سكنها الروم، وعليهم مرمّتها، وكان يزيد بن أبي حبيب يقول: لا يحلّ من كرائها شيء، ولا بيعها ولا يورث منها شيء، إنما كانت لهم يسنونها في رباطهم.
وعن يزيد بن أبي حبيب: أنّ عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية، ورأى بيوتها وبناءها مفروغا منها، همّ أن يسكنها، وقال: مساكن قد كفيناها، فكتب إلى عمر بن الخطاب ﵁، يستأذنه في ذلك، فسأل عمر الرسول: هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين إذا جرى النيل، فكتب عمر إلى عمرو: إني لا أحب أن تنزل بالمسلمين منزلا يحول الماء بيني وبينهم شتاء ولا صيفا، فتحوّل عمرو بن العاص إلى الفسطاط، وقال: وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص، وهو نازل بمدائن كسرى، وإلى عامله بالبصرة، وإلى عمرو بن العاص، وهو نازل بالإسكندرية أن لا تجعلوا بيني وبينكم ماء، متى ما أردت أن أركب إليكم راحلتي حتى أقدم عليكم، قدمت، فتحوّل سعد بن أبي وقاص من مدائن كسرى إلى الكوفة، وتحوّل صاحب البصرة من
стр. 308
المكان الذي كان فيه، فنزل البصرة، وتحوّل عمرو بن العاص من الإسكندرية إلى الفسطاط، وكان عمر بن الخطاب يبعث في كل سنة غازية من أهل المدينة ترابط بالإسكندرية، وكان على الولاء لا يغفلها، ويكنف مرابطها، ولا يأمن الروم عليها.
وكتب عثمان ﵁ إلى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح: قد علمت كيف كان همّ أمير المؤمنين بالإسكندرية، وقد نقضت الروم مرّتين، فألزم الإسكندرية مرابطيها، ثم أجر عليهم أرزاقهم، وأعقب بينهم في كل ستة أشهر، قال: وكانت الإسكندرية انتقضت، وجاءت الروم عليهم، منويل الخصيّ في المراكب، حتى أرسوا بالإسكندرية، فأجابهم من بها من الروم، ولم يكن المقوقس تحرّك ونكث، وقد كان عثمان ﵁، عزل عمرو بن العاص، وولى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، فلما نزلت الروم، سأل أهل مصر، عثمان أن يقرّ عمرا حتى يفرغ من قتال الروم، فإنّ له معرفة بالحرب وهيبة في العدوّ، ففعل.
وكان على الإسكندرية سورها، فحلف عمرو بن العاص: لئن أظفره اللّه عليهم ليهدمن سورها حتى يكون مثل بيت الزانية يؤتى من كل مكان، فخرج إليهم عمرو في البرّ والبحر، فضموا إلى المقوقس من أطاعه من القبط، وأمّا الروم فلم يطعه منهم أحد، فقال خارجة بن حذافة لعمرو: ناهضهم قبل أن يكثر مددهم، فلا آمن أن تنتقض مصر كلها، فقال عمرو:
لا، ولكن أدعهم حتى يسيروا إليّ فإنهم يصيبون من مرّوا به، فيخزي اللّه بعضهم ببعض، فخرجوا من الإسكندرية ومعهم من نقض من أهل القرى، فجعلوا ينزلون القرية فيشربون خمورها، ويأكلون أطعمتها، وينتهبون ما مرّوا به، فلم يتعرّض لهم عمرو، حتى بلغوا نفيوس، فلقوهم في البرّ والبحر، فبدأت الروم القبط، فرموا بالنشاب في الماء رميا شديدا، حتى أصابت النشاب يومئذ فرس عمرو في لبته، وهو في البرّ، فعقر فنزل عنه عمرو، ثم خرجوا من البحر، فاجتمعوا هم والذين في البرّ، فنفحوا المسلمين بالنشاب، فاستأخر المسلمون عنهم شيئا، وحملوا على المسلمين حملة ولى المسلمون منها، وانهزم شريك بن سميّ في خيله، وكانت الروم قد جعلت صفوفا خلف صفوف، وبرز يومئذ بطريق ممن جاء من أرض الروم على فرس له عليه سلاح مذهب، فدعا إلى البراز، فبرز إليه رجل من زبيد يقال له: حومل، يكنى: أبا مذحج، فاقتتلا طويلا برمحين يتطاردان، ثم ألقى البطريق الرمح، وأخذ السيف، فألقى حومل رمحه، وأخذ سيفه، وكان يعرف بالنجدة، فجعل عمرو يصيح: أبا مذحج، فيجيبه: لبيك، والناس على شاطئ النيل في البرّ على تعبيتهم وصفوفهم، فتجاولا ساعة بالسيف، ثم حمل عليه البطريق، فاحتمله، وكان نحيفا فاخترط حومل خنجرا، كان في منطقته أو في ذراعه، فضرب به نحر العلج أو ترقوته، فأثبته ووقع عليه، فأخذ سلبه، ثم مات حومل بعد ذلك بأيام ﵀، فرؤي عمرو يحمل سريره بين عمودي نعشه حتى دفنه بالمقطم، ثم شدّ المسلمون عليهم، فكانت هزيمتهم، فطلبهم
стр. 309
المسلمون حتى ألحقوهم بالإسكندرية، ففتح اللّه عليهم، وقتل منويل الخصي، وقتلهم عمرو حتى أمعن في مدينتهم، فكلم في ذلك، فأمر برفع السيف عنهم، وبنى في ذلك الموضع الذي رفع فيه السيف مسجدا، وهو المسجد الذي بالإسكندرية الذي يقال له:
مسجد الرحمة، سمي بذلك لرفع عمرو السيف هناك، وهدم سورها كله، وجمع ما أصاب منهم، فجاءه أهل تلك القرى ممن لم يكن نقض، فقالوا: قد كنا على صلحنا، وقد مرّ علينا هؤلاء اللصوص، فأخذوا متاعنا ودوابنا، وهو قائم في يديك، فردّ عليهم عمرو ما كان لهم من متاع عرفوه، وأقاموا عليه البينة، وقال بعضهم لعمرو: ما حلّ لك ما صنعت بنا، كان لنا أن تقاتل عنا لأنا في ذمّتك، ولم ننقض، فأما من نقض، فأبعده اللّه، فندم عمرو وقال:
يا ليتني كنت لقيتهم حين خرجوا من الإسكندرية.
وكان سبب نقض الإسكندرية هذا أن ظلما صاحب إخنا قدم على عمرو، فقال:
أخبرنا ما على أحدنا من الجزية، فيصير لها، فقال عمرو، وهو يشير إلى ركن كنيسة: لو أعطيتني من الركن إلى السقف ما أخبرتك؟ إنما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم، وإن خفف عنا خففنا عنكم، فغضب صاحب إخنا، وخرج إلى الروم فقدم بهم، فهزمهم اللّه تعالى، وأسر فأتي به إلى عمرو، فقال له الناس: اقتله، فقال: لا، بل انطلق، فجئنا بجيش آخر وسوّره وتوجه وكساه برنس أرجوان، فرضي بأداء الجزية، فقيل له: لو أتيت ملك الروم، فقال: لو أتيته لقتلني، وقال: قتلت أصحابي، وعن أبي قبيل: أن عتبة بن أبي سفيان عقد لعلقمة القطيفيّ على الإسكندرية، وبعث معه اثني عشر ألفا فكتب علقمة إلى معاوية بن أبي سفيان، يشكو عتبة حين غرّر به، وبمن معه، فكتب إليه معاوية: إني قد أمددتك بعشرة آلاف من أهل الشام، وبخمسة آلاف من أهل المدينة، فكان في الإسكندرية سبعة وعشرون ألفا، وفي رواية: أن علقمة بن يزيد كان على الإسكندرية، ومعه اثنا عشر ألفا، فكتب إلى معاوية: إنك خلفتني بالإسكندرية، وليس معي إلا اثنا عشر ألفا ما يكاد بعضنا يرى بعضا من القلة، فكتب إليه معاوية: إني قد أمددتك بعبد اللّه بن مطيع في أربعة آلاف من أهل المدينة، وأمرت معن بن يزيد السلميّ أن يكون بالرملة في أربعة آلاف مسكين بأعنة خيولهم متى بلغهم عنك فزع، يعبروا إليك. قال ابن لهيعة: وقد كان عمرو بن العاص يقول: ولاية مصر جامعة، تعدل الخلافة.
وكان عمرو حين توجه إلى الإسكندرية، خرّب القرية التي تعرف اليوم بخربة وردان.
واختلف علينا السبب الذي خربت له، فحدثّنا سعيد بن عفير: أنّ عمرا لما توجه إلى نفيوس، لقتال الروم، عدل وردان لقضاء حاجته عند الصبح، فاختطفه أهل الخربة، فغيبوه، ففقده عمرو، وسأل عنه وقفا أثره، فوجدوه في بعض دورهم، فأمر بإخرابها وإخراجهم منها، وقيل: كان أهل الخربة رهبانا كلهم، فغدروا بقوم من ساقة عمرو، فقتلوهم بعد أن
стр. 310
بلغ عمرو الكريون، فأقام عمرو ووجه إليهم وردان، فقتلهم وخرّبها فهي خراب إلى اليوم، وقيل: كان أهل الخربة، أهل تويت، وخبت، فأرسل عمرو إلى أرضهم، فأخذ له منها جراب فيه تراب من ترابها، فكلمهم فلم يجيبوه إلى شيء، فأمر بإخراجهم، ثم أمر بالتراب ففرش تحت مصلاه، ثم قعد عليه، ثم دعاهم، فكلمهم، فأجابوه إلى ما أحبّ، ثم أمر بالتراب فرفع، ثم دعاهم فلم يجيبوه إلى شيء، فعل ذلك مرارا، فلما رأى عمرو ذلك، قال: هذه بلدة لا يصلح أن توطأ، فأمر بإخرابها، فلما هزم اللّه الروم، أراد عثمان ﵁، أن يكون عمرو بن العاص على الحرب، وعبد اللّه بن سعد على الخراج، فقال عمرو:
إنا إذا كماسك البقرة بقرنيها، وآخر يحلبها؛ فأبى عمرو، وكان فتح عمرو هذا عنوة قسرا في خلافة عثمان سنة خمس وعشرين، وبينه وبين الفتح الأوّل أربع سنين. وقال الليث: كان فتح الإسكندرية الأوّل سنة اثنتين وعشرين، وكان فتحها الآخر خمسة وعشرين. وأقامت الجيش من السماء يقاتلون الناس سبع سنين بعد أن فتحت مصر مما يفتحون عليهم من تلك المياه والغياض، قال: ثم غزا عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، ذا الصواري، في سنة أربع وثلاثين.
وكان من حديث هذه الغزوة: أنّ عبد اللّه بن سعد لما نزل ذو الصواري أنزل نصف الناس، مع بسر بن أرطاة في البرّ، فلما مضوا أتى آت إلى عبد اللّه بن سعد فقال: ما كنت فاعلا حين ينزل بك ابن هرقل في ألف مركب فافعله الساعة، وكانت مراكب المسلمين مائتي مركب ونيفا، فقام عبد اللّه بن سعد بين ظهراني الناس، فقال: بلغني أن ابن هرقل قد أقبل إليكم في ألف مركب فأشيروا عليّ، فما كلمه رجل من المسلمين، فجلس قليلا لترجع إليهم أفئدتهم، ثم قام الثانية، فكلمهم فما كلمه أحد، فجلس. ثم قام الثالثة، فقال:
إنه لم يبق شيء فأشيروا عليّ، فقام رجل من أهل المدينة، كان متطوّعا مع عبد اللّه بن سعد، فقال: أيها الأمير، إنّ اللّه جلّ ثناؤه يقول: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اَللّهِ وَاَللّهُ مَعَ اَلصّابِرِينَ﴾ [البقرة/ ٢٤٩]، فقال عبد اللّه: اركبوا، فركبوا، وإنما في كل مركب نصف شحنته، لأنه قد خرج النصف الآخر إلى البرّ مع بسر، فلقوهم، فاقتتلوا بالنبل والنشاب، وتأخر ابن هرقل، لئلاتصيبه الهزيمة، وجعلت القوارب تختلف إليه بالأخبار، فقال:
ما فعلوا؟ قالوا: قد اقتتلوا بالنبل والنشاب، فقال: غلبت الروم، ثم أتوه فقال: ما فعلوا؟ قالوا: قد نفد النبل والنشاب فهم يرمون بالحجارة، فقال: غلبت الروم، ثم أتوه فقال:
ما فعلوا؟ قالوا: قد نفدت الحجارة، وربطوا المراكب بعضها ببعض يقتتلون بالسيوف، قال: غلبت الروم، وكانت السفن إذ ذاك تقرن بالسلاسل عند القتال، قال: فقرن مركب عبد اللّه يومئذ وهو الأمير بمركب من مراكب العدوّ، فكان مركب العدوّ يجترّ مركب عبد اللّه إليهم، فقام علقمة بن يزيد القطيفيّ، وكان مع عبد اللّه بن سعد في المركب، فضرب السلسلة بسيفه، فقطعها فسأل عبد اللّه امرأته بعد ذلك، بسيسة ابنة حمزة بن يشرح، وكانت
стр. 311
مع عبد اللّه يومئذ، وكان الناس يغزون بنسائهم في المراكب: من رأيت أشدّ قتالا؟ قالت علقمة: صاحب السلسلة، وكان عبد اللّه قد خطب بسيسة إلى أبيها، فقال له: إن علقمة قد خطبها، وله عليّ فيها رأي، فإن تركها أفعل، فكلم عبد اللّه علقمة، فتركها، فتزوّجها عبد اللّه بن سعد، ثم هلك عنها عبد اللّه، فتزوّجها بعده علقمة بن زيد، ثم هلك عنها علقمة، فتزوّجها بعده كريب بن أبرهة، وماتت تحته. وقيل: مشت الروم إلى قسطنطين ابن هرقل في سنة خمس وثلاثين، فقالوا: أنترك الإسكندرية في أيدي العرب وهي مدينتنا الكبرى؟ فقال: ما أصنع بكم ما تقدرون أن تمالكوا ساعة إذا لقيتم العرب، قالوا: اخرج على أنا نموت، فتبايعوا على ذلك، فخرج في ألف مركب يريد الإسكندرية، فسار في أيام غالبة الرياح، فبعث اللّه عليهم ريحا فغرّقهم إلا قسطنطين فإنه نجا بمركبه، فألقته الريح بصقلية، فسألوه عن أمره فأخبرهم، فقالوا: شتّت النصرانية، وأفنيت رجالها لو دخلت العرب علينا لم نجد من يردّهم، فقال: خرجنا مقتدرين فأصابنا هذا، فصنعوا له الحمام، ودخلوا عليه فقال: ويلكم يذهب رجالكم، وتقتلون ملككم؟ قالوا: كأنه غرق معهم، ثم قتلوه وخلوا من كان معه في المركب. قال أبو عمرو الكنديّ: وإنما سميت غزوة ذي الصواري لكثرة صواري المراكب واجتماعها.
ذكر بحيرة الإسكندرية
قال ابن عبد الحكم: كانت بحيرة الإسكندرية كروما كلها لامرأة المقوقس، فكانت تأخذ خراجها منهم الخمر بفريضة عليهم، فكثر الخمر عليها، حتى ضاقت به ذرعا، فقالت: لا حاجة لي في الخمر، أعطوني دنانير، فقالوا: ليس عندنا، فأرسلت إليهم الماء، فغرّقتها فصارت بحيرة يصاد فيها الحيتان حتى استخرجها الخلفاء من بني العباس، فسدّوا جسورها وزرعوها، ثم صارت بحيرة طولها إقلاع يوم في عرض يوم، ويصير إليها الماء من أشتوم في البحر الروميّ، ويخرج منها إلى بحيرة دونها في خليج عليه مدينتان: إحداهما الحدبة، والأخرى اتكو، وهي كثيرة المقاثي والنخل، وكلها في الرمل ويصب في هذه البحيرة خليج من النيل يسمى: الحافر، طوله نصف يوم أقلاعا، وهو كثير الطير والسمك والعشب، وكان السمك بوجود هذه البحيرة في الإسكندرية غاية في الكثرة، يباع بأقلّ القيم، وأبخس الأثمان، ثم انقطع الماء عن هذه البحيرة منذ.
ذكر خليج الإسكندرية
يقال: إن كلوباطرة الملكة، هي التي ساقت خليج الإسكندرية حتى أدخلته إليها، ولم يكن يبلغها الماء، فحفرته حتى أدخلته الإسكندرية، وبلطت قاعه بالرخام من أوّله إلى آخره، ولم يزل يوجد ذلك فيه.
стр. 312
وقال أبو الحسن المخزومي في كتاب المنهاج: أمّا خليج الإسكندرية فإنه من فوهة الخليج إلى ترعة بودرة ليس على شيء منها سدّ بمخرج محلة تبوك اسينة أورين محلة، فرنو محلة، حسن منية طراد، وتعرف بالقاعة محلتا نصر ومسروق، فأمّا ترعة لقانة فإنها تفتح بعد سبعة أيام من توت، والترعة الجديدة تفتح في السادس عشر من توت، وترعة بودرة تفتح بعد سبعة أيام من توت، وترعة بو يحيى، وترعة بو السحما، وترعة القهوقية ليس على شيء من ذلك سدّ، وترعة الشراك تفتح بعد سبعة أيام من توت، وترعة بو خراشة، وترعة البربيط يشرب منها ديسو وسمخراط، وشيرنوبة، ومنية حماد، وسنادة، وبعض محلة مارية، وترعة فيشة بلخا تفتح في ثاني عشر توت، وجرت العادة أن تفتح في النوروز، ترعة بويط، ومقطع سمديسة يفتح في الثاني والعشرين من توت، ومقطع ياطس يفتح في تاسع عشر توت، ولما سدّ المقطع المذكور عملت بعد ذلك ترعة تروي الصفقة القبلية منها، فتفتح في يوم النوروز، ولما استحدثت ترعة أفلاقة، وخرجت في أرض ياطس جرت العادة إذا رويت الصفقة القبلية من أفلاقة، تطلق الترعة المذكورة على القسم البحريّ من ياطس إلى أن يروي، وترعة القارورة محدثة، وترعة بفوها تفتح في ثاني عشر توت، وترعة افلاقة تفتح في عاشر توت، وترعة اسكنيدة تفتح في سادس توت.
تراع بحر دمنهور تفتح في العشرين من مسري إلى سادس توت، ويروى منها بعض طاموس، وبعض كنيسة الغيط، وبعض قرطسا ودمنهور، ترعة القواديس منها تشرب شبرا النخلة، وكوم التلول، وتراع شبرا النخلة تفتح على أعاليها من أوّل توت، وترعة بسطري تفتح في خامس عشر مسري، وترعة مسيد تفتح في ثامن توت، وترعة سنتوية تفتح في ثامن عشر توت، وبحر دمشوية يفتح في العشرين من مسري، ومنه تشرب منية رزقون وسفط كرداسة ودمشوية ومحلة الشيخ ومصيل، وترعة دمشوية تفتح في تاسع توت ويقيم الماء عليها سبعة عشر يوما، وتفتح إلى محلة الشيخ ومصيل يقيم الماء عليها ثلاثين يوما، ويسدّ بعد ذلك على دمشوية سبعة أيام، وعلى سفط ومنية رزقون، ترعة برسيق كانت تفتح في أوّل توت.
محلة برسيق: ليس عليها سدّ.
محلة الكروم تفتح في ثامن توت ومنها تشرب عدّة أماكن وهي محلة الكروم وكفورها، وهي دنيسة، وكوم الولائد وكوم الصخرة وديرامس والصفاصف، وما يخرج عن كفورها، وهي تلمسان والجلمون من حقوق محلة كيل، ومنها تشرب الجهة الغربية.
شبرابار ليس عليها سدّ وترعة قافلة كانت تفتح في ثامن توت، وليس عليها الآن سدّ، وترعة بلقطر وكفورها كانت تفتح في تاسع توت، وليس عليها الآن سدّ.
стр. 313
ترعة الراهب ليس عليها سدّ، وترعة دسونس المقاريضي تسقي الحلفاية وتفتح في ثامن توت، وكذلك ترعة مرحنا والملعقية، وترعة نيلامة، وبيشاي، وآخر تراع الحجيجة، وترعة الكريون تفتح في ثامن توت، وترعة السلقون كانت تفتح في سادس توت، وليس عليها الآن سدّ، وترعة أرمياخ تفتح في ثاني عشر توت، وترعة ابلوق تفتح في سادس توت، وأمّا جون رمسيس، فإنّ بحر رمسيس كان يضرب السدّ فيه على تراع رمسيس من أوّل النيل إلى سابع عشر توت، والذي يشرب من السدّ المذكور من النواحي والكفور رمسيس ومحلة جعفر وفليشان، وبعض أبنية البعيديّ، وبعض خربتا وبعض البلكوس، وبعض بولين وبعض محلة وافد والبيضاء، وبعض طيلاس، ثم يفتح سدّ دكدولة، وهو محدث يقيم الماء عليه عشرة أيام، وتشرب منه دكدولة، ومحلة معن ومنية أسامي وبعض صيفية، ثم يقطع سدّ الفطامي وهو محدث، ومنه يشرب بعض جنبوية وبليانة البحرية والسرّة وأبو حمار والبهوط، ثم يقطع سدّ رسونس، وأبو دينار وترعة طبرينة، فيشرب منه دنسال وطلموس يقيم الماء عليها ستة أيام، ومنه تشرب منية عطية وسلطيس.
وأما بحر دمنهور فإنه يسدّ على سلطيس إلى سابع عشر توت، ومنه تشرب سلطيس وزهرا وبعض طابوس وبعض قرطسا وبعض كنيسة الغيط ودمنهور، ثم يقطع سدّ نديبة وهو محدث فيقيم ثمانية أيام ومنه تشرب نديبة ودقرس والعميرية والنسرين، ثم يفتح ويسدّ على محلة خفض، ومحلة كيل ومحلة نمير، ثم يقطع سدّ سلطيس، وهو محدث فيقيم عشرة أيام بعد اختلاط الماءين ببحر دمنهور، ورمسيس، ثم يقطع جسر ملولة ومنه تشرب تروجة وأرسيس والمراسي وغابة الأعساس وبعض سمرو، ومحلة نمير، ويبقى هناك إلى انقضاء النيل.
وأمّا ترعة طبرينة فهي محدثة وإذا رويت طبرينة تطلق على دسونس أمّ دينار، ثم تقطع على طاموس بمقدار ريّها ثم تطلق في النيل العالي على أرض قراقس ويطلق الماء على قرطسا وكنيسة الغيط وخليج الطبرينة إذا خرج الماء منه يسقى منه في أوّل النيل إلى أن يضرب جسر شبراوسيم، فيسقي منه شبراوسيم، وبعض البلكوس، وحفيرة الزعفراني، وبعض بولين، ومسجد غانم والصوّاف وكوم شريك ومنية مغيين، وتل الفطامي ومحلة وافد، ثم يقطع جسر دليجة، ومنه يشرب بعض خربتا، وبعض فليشان وبعض بولين والبيضاء، ودنست وتلبانة الأبراج، وتل بقا والحدّين واليهودية، والنسوم، وأبو صمادة والحصن وقلاوة بني عبيد وطوخ دخاية ودرشا وسقرا ودليجة ولمحة وطيبة، ثم يقطع على منية وزراقة الحجر والمحزون وبعض حيارس وافزيم وأبو سمار وأمّ الضروع.
خليج ابن زلوم ويعرف بخليج ابن ظلوم، وسدّ مخرج التعيدي لا يفتح إلى عشرة أيام من توت، ومنه يشرب شابور وكنيسة مبارك وبعض سرسيقة وبعض دموشة ومنية يزيد
стр. 314
وحوض الماصلي وحصة سلمون وبعض سنيت وبعض التعيدي وبعض فليشان، ثم يفتح فيشرب منه أمليط وبعض انباي وبعض كنيسة عبد الملك وبعض أرمنية وميسنا وبعض محلة عبيد وسفط خالد وبرنامة وشبرانوبة وكيمان شراس، وبعض دمشوه وتقام الحرّاس على جسر سفط، ويشرب من خليج الإسكندرية وما يفيض منه أهل الباطن، وأهل البحيرة في فجاج وأودية، فيكون ذلك الماء صلة وهم قبيل من دنانة والرمحانة وبني يزان، وقبائل البربر، ويزرعون عليه فيستوفي منهم الخراج وبين مشارق الفرما من ناحية جوجير وقاقوس وبين آخر ما يشرب من خليج الإسكندرية مسيرة شهر كان عامرا كله في محلول ومعقود إلى ما بعد الخمسين وثلثمائة من سني الهجرة، وقد خرب معظم ذلك.
وقال أبو بكر الطرطوسي عمن حدّثه من مشايخ البحر أنه قال: شاهدت الإسكندرية والصيد في الخليج: مطلق للرعية والسمك فيه يطفو الماء به كثرة، حتى تصيده الأطفال بالخرق، ثم حجره الوالي ومنع الناس من صيده فذهب حتى كاد لا يرى فيه إلا الواحدة بعد الواحدة إلى يومنا هذا.
وقال أبو عمرو الكنديّ في كتاب الموالي عن الحارث بن مسكين: أنه تقلد قضاء مصر من قبل أمير المؤمنين الواثق بالله في سنة تسع وثلاثين ومائتين، فذكر سيرته وقال:
وحفر خليج الإسكندرية، وورد الكتاب بصرفه في شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين ومائتين.
وقال جامع السيرة الطولونية: وفي ربيع الأوّل سنة تسع وخمسين ومائتين أمر أحمد بن طولون بحفر خليج الإسكندرية.
وقال المسعوديّ: وقد كان النيل انقطع عن بلاد الإسكندرية قبل سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وقد كان الإسكندر، بنى الإسكندرية على هذا الخليج من النيل وكان عليها معظم ماء النيل، فكان يسقي الإسكندرية، وبلاط مربوط، وكانت بلاد مربوط، في نهاية العمارة والجنان المتصلة بأرض برقة، وكانت السفن تجري في النيل وتتصل بأسواق الإسكندرية، وقد بلط أرض خليجها في المدينة بالأحجار والمرمر وانقطع الماء عنها لعوارض سدّت خليجها، ومنعت الناس دخوله، فصار شربهم من الآبار، وصار النيل على يوم منهم.
وذكر المسبحيّ: أن الحاكم بأمر اللّه، أبا منصور بن العزيز، أطلق لحفر خليج الإسكندرية في سنة أربع وأربعمائة، خمسة عشر ألف دينار، فحفر كله، وفي سنة اثنتين وستين وستمائة، بعث الملك الظاهر بيبرس، الأمير عليا أمير جاندار لحفر خليج الإسكندرية، وقد امتلأت فوهته بالطين، وقلّ الماء في الإسكندرية فابتدأ بالحفر من التعيدي، وأنشأ هناك مسجدا وتولى مباشرة هذا الحفر، المعلم تعاسيف، ناظر الدواوين، ثم بعث السلطان في سنة أربع وستين وستمائة لحفر هذا الخليج، الأمير علم الدين سنجر
стр. 315
المسروري، ثم سار بعامّة الأمراء والأجناد وباشر الحفر بنفسه، وعمل فيه الأمراء، وجميع الناس إلى أن زالت الرمال التي كانت على الساحل بين التعيدي وفم الخليج، ثم عدّى إلى بار نبار، وغرّق مراكب هناك، وبنى عليها بالحجارة، فلما تم الغرض عاد إلى قلعة الجبل، ثم تعطل استمرار جريان الماء فيه بطول السنة، وصار يحفر سريعا بعد شهرين أو نحوهما من دخول الماء إليه، واحتاج أهل الإسكندرية في طول السنة إلى الشرب من الصهاريج التي يخزن فيها الماء إلى أن كانت سنة عشر وسبعمائة، فقدم الأمير بدر الدين بكتوت الخزنداري المعروف بأمير شكار، متولي الإسكندرية إلى قلعة الجبل، وحسّن للسلطان الملك الناصر محمد بن قلاون حفره، وذكر له ما في ذلك من المنافع أوّلها حمل الغلال وأصناف المتجر إلى الإسكندرية في المركب، وفي ذلك توفير للكلف وزيادة في مال الديوان، وثانيها عمارة ما على حافتي الخليج من الأراضي بإنشاء الضياع والسواقي، فينمو الخراج بهذا نموّا كثيرا، وثالثها انتفاع الناس به في عمارة بساتينهم، وشرب مائه دائما، فأعجب السلطان ذلك، وندب الأمير بدر الدين محمد بن كندعدي بن الوزيري مع بكتوت لعمله، وتقدّم إلى جميع أمراء الدولة بإخراج مباشريهم لإحضار رجال النواحي الجارية في إقطاعاتهم العمل للحفير، وكتب لولاة الأعمال بالوقوف في العمل، فاجتمع من النواحي نحو الأربعين ألف رجل، جمعت في نحو العشرين يوما، ووقع العمل في شهر رجب من السنة المذكورة وأفرد لكل أهل ناحية قطعة يحفرونها حتى كمل، فجاء قياس الحفر، من فم بحر النيل إلى ناحية شنبار، ثمانية آلاف قصبة حاكمية، ومن شنبار إلى الإسكندرية مثلها، وكان الخليج الأصليّ يدخل الماء إليه، من حدّ شنبار، فجعل فم هذا البحر يرمي عليه، وعمل عمقه، ست قصبات في عرض، ثماني قصبات، فلما انتهوا إلى حدّ الخليج الأوّل حفر أيضا على نظير الخليج المستجدّ، فصارا بحرا واحدا، وركبت عليه السدود، والقناطر، ووجد في الخليج الأوّل عند حفره من الرصاص المبنيّ تحت الصهاريج شيء كثير جدّا، فلم يتعرّض السلطان لشيء منه، وأنعم به على الأمير بكتوت، وعظمت المشقة في حفر هذا الخليج، فإنّ الذي تجاوز البحر منه غلب عليه الماء، فصارت الرجال تغطس فيه وترفع الطين من أسفله، ثم كثر الماء فركبت السواقي حتى نزحته، إلا أنّ عظيم النفع به سهل جميع ذلك، فإنّ السفن جرت فيه طول السنة، واستغنى أهل الإسكندرية عن شرب ماء الصهاريج، وبادر الناس للعمارة على جانبي الخليج، فلم يمض غير قليل حتى استجدّ عليه ما يزيد على مائة ألف فدّان زرعت بعد ما كانت سباخا، وما ينيف على ستمائة ساقية برسم القلقاس والنيلة والسمسم، وفوق الأربعين ضيعة، وأزيد من ألف غيط بالإسكندرية، وعمرت منه عدّة بلاد كثيرة، وتحوّل عالم عظيم إلى سكنى ما استجدّ عليه.
وفيه: ولما فرغ العمل في الخليج شرع الأمير بكتوت في عمل جسر من ماله، فإنّ الناس كانوا في وقت هيجان البحر يجدون مشقة عظيمة لغلبة الماء على أراضي السباخ،
стр. 316
فأقام ثلاثة أشهر حتى بنى رصيفا دك أساسه بالحجر والرصاص، وأعلاه بالحجر والكلس، وعمل فيه ثلاثين قنطرة، وأنشأ خانا ينزله الناس، ورتب فيه الخفراء ووقف على مصالحه رزقة، فبلغ مصروفه نحو الستين ألف دينار مصرية سوى ما أخذ من الحجارة التي بعضها من قصر قديم كان خارج الإسكندرية، وسوى ما وجده من الرصاص في سرب بأسفل هذا القصر ينتهي بمن يمشي فيه إلى قريب البحر، وسوى ما أنعم به عليه من الرصاص الموجود بالخليج، ولم يزل الخليج فيه الماء طول السنة إلى ما بعد سنة سبعين وسبعمائة، فانقطع الماء منه وصار الماء لا يدخل إليه إلا في أيام زيادة ماء النيل فقط ثم يجف عند نقصه فتلف من أجل هذا أكثر بساتين الإسكندرية وخربت وتلاشى كثير من القرى التي كانت على هذا الخليج.
وسبب انقطاع الماء عنه غلبة الروم على الأشتوم الذي كان يعبر منه ماء بحر الملح إلى بحيرة الإسكندرية حتى جفت، وصار الرمل تلقيه الرياح في الخليج فانطمّ منه وعلا قاعه، وقصد من أدركناه من ملوك مصر حفر هذا الخليج غير مرّة، فلم يتهيأ ذلك إلى أن كانت سلطنة الملك الأشرف، برسباي، فندب لحفره الأمير جرباش الكريمي المعروف بعاشق، فتوجه إليه وجمع له من قدر عليه من رجال النواحي فبلغت عدّتهم ثمانمائة وخمسة وسبعين رجلا ابتدؤوا في حفره من حادي عشر جمادى الأولى سنة ست وعشرين وثمانمائة إلى حادي عشر شعبان لتمام تسعين يوما، فانتهى عملهم، ومشى الماء في الخليج، حتى انتهى إلى حدّه من مدينة الإسكندرية، وجرت فيه السفن، فسرّ الناس به سرورا كبيرا وجبى ما أنفق على العمال في الحفر من أرباب النواحي التي على الخليج، ومن أرباب البساتين بالإسكندرية، ولم يكن في حفره كبير شناعة مما جرت به عادة الولاة في مثل ذلك، وللّه الحمد، وعند ما انتهى قدم الأمير جرباش إلى قلعة الجبل، فخلع السلطان عليه وشكره، ثم عمله حاجب الحجاب، فلم يستمرّ ذلك إلا قليلا حتى انطمّ بالرمل وتعذر سلوك الخليج بالمراكب إلا في أيام النيل فقط.
ذكر جمل حوادث الإسكندريّة
وفي سنة تسع وتسعين ومائة، عظمت الحروب بديار مصر بين المطلب بن عبد اللّه الخزاعيّ (١) أمير مصر، وبين عبد العزيز بن الوزير الجرويّ، الثائر بتنيس، فعقد المطلب على الإسكندرية، لمحمد بن هبيرة بن هاشم بن خديج، فاستخلف محمد خاله، عمر بن عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج، الذي يقال له: عمر بن ملاك،
стр. 317
ثم عزله المطلب بعد ثلاثة أشهر، بأخيه الفضل بن عبد اللّه بن مالك، وكانت بالإسكندرية مراكب الأندلسيين قد قفلوا من غزوهم، وكان سبب قدوم هذه المراكب ما جرى لأهل قرطبة بوقعة الربض مع الحكم بن هشام في سنة اثنتين وثمانين ومائة، فأخرج جماعة منهم، فوصلوا إلى صغر الإسكندرية، زيادة على عشرة آلاف، وكان سبب ثورتهم أنّ قصابا من الإسكندرية، رمى وجه رجل منهم بكرش، فأنفوا من ذلك وصاروا إلى ما صاروا إليه، وذلك لما نزلوا رمل الإسكندرية ليبتاعوا ما يصلحهم، وكذلك كانوا على الزمان، وكانت الأمراء لا تبيحهم دخول الإسكندرية إنما كان الناس يخرجون إليهم، فيبايعونهم، فلما عزل عمر بن ملاك كتب إليه عبد العزيز الجرويّ يأمره بالوثوب على الإسكندرية، والدعاء له بها، فبعث عمر بن ملاك إلى الأندلسيين، فدعاهم إلى القيام معه في إخراج الفضل عنها، فساروا معه، وأخرج الفضل، ودعا للجروي، فوثب أهل الإسكندرية على الأندلسيين وأخرجوهم وردّوا الفضل، وقتل من الأندلسيين نفر، وانهزم الباقون إلى مراكبهم، فعزل المطلب أخاه، وولى عليها إسحاق بن أبرهة بن الصباح، في شهر رمضان سنة تسع وتسعين، ثم عزله بأبي ذكر بن جنادة المعافري.
فلما اقتتل السري بن الحكم هو والمطلب بن عبد اللّه، وغلب السري على مصر، وثب عمر بن ملاك، على أبي بكر، وأخرجه من الإسكندرية، ودعا للجرويّ، وأقبل الأندلسيون إليه فأفسدوا، فأمرهم بالخروج إلى مراكبهم، فشق ذلك عليهم، وظهرت بالإسكندرية طائفة يسمون بالصوفية، يأمرون بالمعروف، ويعارضون السلطان في أموره، فترأس عليهم رجل منهم يقال له: أبو عبد الرحمن الصوفيّ، فصاروا مع الأندلسيين يدا واحدة، واعتضدوا بلخم، وكانت لخم أعز من في ناحية الإسكندرية، فخوصم أبو عبد الرحمن الصوفيّ إلى عمر بن ملاك في امرأة، فقضى على أبي عبد الرحمن، فوجد في نفسه من ذلك، وخرج إلى الأندلسيين فألّف بينهم وبين لخم، ورجا أهل الأندلس أن يدركوا ثارا من عمر بن ملاك، فساروا إلى عمر بن ملاك، وهم زهاء عشرة آلاف، فحصروه في قصره، وخشي أنّ القصر لا يمنعه منهم، وخاف أن يدخلوا عليه عنوة، فيفضح في حرمه، فاغتسل، وتحنط، وتكفن، وأمر أهله أن يدلوه إليهم، فدلي فأخذته السيوف، فقتل.
ثم ولي أخوه محمد بن عبد اللّه الذي يلقب: جيوس، فقتل، ثم ولي عليهم عبد اللّه البطال بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج، فقتل، ثم ولي عليهم أخوه أبو هبيرة الحارث، فقتل، ثم ولي عليهم خديج بن عبد الواحد، فقتل، وانصرف القوم، وذلك في ذي القعدة، ثم فسد ما بين لخم والأندلسيين عند مقتل ابن ملاك واقتتلوا، فانهزمت لخم.
فظفر الأندلسيون بالإسكندرية في ذي الحجة، فولوها أبا عبد الرحمن الصوفيّ، فبلغ
стр. 318
من الفساد والنهب والقتل ما لم يسمع بمثله، فعزله الأندلسيون، وولوا رجلا منهم يعرف بالكنانيّ، ثم حاربت بنو مدلج الأندلسيين فظفر بهم الأندلسيون ونفروهم عن البلاد، فلم يقدر بنو مدلج على الرجوع إلى أرض الإسكندرية حتى طلب السريّ من الأندلسيين أن يردّوهم، فأذنوا لهم حينئذ ورجعوا، وكان أبو قبيل يقول: أنا على الإسكندرية من أربعين مركبا مسلمين وليسوا بمسلمين، تأتي في آخر الصيف أخوف مني عليها من الروم، فيقال له: ما هذه الأربعون مركبا في هذا الخلق، لو كانت نيرانا تضطرم، فيقول: اسكت ويلك منها، وممن فيها يكون خراب الإسكندرية وما حولها، وبلغ عبد العزيز الجرويّ قتل ابن ملاك، فسار في خمسين ألفا، حتى نزل على حصن الإسكندرية، وحصرها حتى أجهد من فيها، فبلغه: أن السري بن الحكم بعث إلى تنيس بعثا، فكرّ راجعا في المحرّم سنة إحدى ومائتين، فدعا الأندلسيون للسري، ثم لما خلع أهل مصر المأمون، ودعوا لإبراهيم بن المهديّ، وقام الجرويّ بذلك سار إلى الإسكندرية وحصر الأندلسيين حتى دخلها صلحا، ودعي له بها ثم سار عنها إلى الفسطاط، فحارب السري وقتل ابنه، ثم انصرف، فسار الأندلسيون بعامل الجرويّ، وأخرجوه من الإسكندرية وخلعوا الجرويّ، ودعوا للسريّ فسار إليهم الجرويّ في شهر رمضان سنة ثلاث ومائتين، فعارضته القبط بسخا وأمدّتهم بنو مدلج، وهم في نحو من مائتي ألف فهزمهم، وبعث بجيوشه إلى الإسكندرية فحاصروها، وكانت بين السريّ وبين أهل الصعيد حروب، ثم إنّ الجرويّ سار إلى الإسكندرية سيره الرابع، وحاصرها ونصب عليها المجانيق سبعة أشهر، من أوّل شعبان سنة أربع ومائتين إلى سلخ صفر سنة خمس، فأصاب الجرويّ فلقة من حجر منجنيقة، فمات سلخ صفر سنة خمس ومائتين، وقام من بعده ابنه عليّ.
فلم تزل الفتن بالأندلسيين في الإسكندرية متصلة إلى أن قدم عبد اللّه بن طاهر إلى مصر من قبل أمير المؤمنين المأمون، وأخرج عبيد اللّه بن السريّ من مصر، وسار إلى الإسكندرية في قوّاد العجم من أهل خراسان مستهلّ صفر سنة اثنتي عشرة ومائتين، فحاصرها بضع عشرة ليلة، حتى خرج إليه أهلها بأمان وصالحه الأندلسيون على أن يسيرهم من الإسكندرية حيث أحبوا، على أن لا يخرجوا في مراكبهم أحدا من أهل مصر، ولا عبدا ولا آبقا، فإن فعلوا فقد حلت له دماؤهم، ونكث عهدهم وتوجهوا، فبعث ابن طاهر، من يفتش عليهم مراكبهم، فوجدوا فيها جمعا من الذين اشترط عليهم أن لا يخرجوهم، فأمر بإحراق مراكبهم، فسألوه أن يردّهم إلى شرطهم، ففعل وساروا إلى جزيرة أقريطش، وملكوها، وكان الأمير معهم أبو حفص عمر بن عيسى، ثم ملكها ولده من بعده، وعمرها الأندلسيون إلى أن غزاها الروم سنة خمس وأربعين وثلثمائة، وملكها بعد حصار طويل، وولى على الإسكندرية إلياس بن أسد بن سامان، ورجع إلى الفسطاط في جمادى الآخرة، ثم سار إلى العراق، ولما انتقض أسفل الأرض في جمادى الأولى سنة ست عشرة ومائتين،
стр. 319
وحاربهم الأفشين ومعه عيسى بن منصور الرافقيّ أمير مصر، وبعث عبد اللّه بن يزيد بن مزيد الشيبانيّ إلى الغربية، فانهزم إلى الإسكندرية، واستجاشت عليه بنو مدلج وحصروه في شوّال، فسار الأفشين وأوقع بمن في طريقه حتى قدم الإسكندرية في جنوده، فلقيته طائفة من بني مدلج، فهزمهم مرّتين وأسر منهم وقتل ودخل الإسكندرية لعشر بقين من ذي الحجة، ففرّ منه رؤساؤها.
وكان عليها معاوية بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج، فأصلح أمرها، ثم خرج إلى أهل البشرود، فامتنعوا عليه حتى قدم المأمون إلى مصر، فصار إلى البشرود والأفشين قد أوقع بالقبط بها كما تقدّم ذكره.
ولما ولي إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب إفريقية في سنة إحدى وستين ومائتين حسنت سيرته، فكانت القوافل والتجار تسير في الطرق وهي آمنة وبنى الحصون، والمحارس على ساحل البحر حتى كانت توقد النار من مدينة سبتة إلى الإسكندرية، فيصل الخبر منها إلى الإسكندرية في ليلة واحدة، وبينهما مسيرة أشهر.
وفي سنة اثنتين وثلثمائة دخل حباسة (١) في جيوش إفريقية إلى الإسكندرية في المحرّم، ومعه مائة ألف أو زيادة عليها، وقدمت الجيوش من المشرق، مددا لتكين أمير مصر، وسار حباسة من الإسكندرية ونودي بالنضير في الفسطاط لعشر بقين من جمادى الآخرة، فلم يتخلّف عن الخروج إلى الجيزة أحد من الخاصة والعامّة، إلا من عجز عن الحركة لمرض، أو عذر، وأتاهم حباسة فلقوه وهزموه، ثم دار عليهم، فقتل من أهل مصر نحوا من عشرة آلاف، ونهض حباسة إلى إفريقية، وأقاموا بمصر مضطربين.
فأقبل مؤنس الخادم من العراق في رمضان بجيوش كثيرة، فصرف تكين في ذي القعدة، وولى ذكاء الأعور (٢) في صفر سنة ثلاث وثلثمائة، فخرج في جيوشه إلى الإسكندرية، وتتبع كل من يومأ إليه بمكاتبة صاحب إفريقية، فسجن منهم، وقتل كثيرا وجلا أهل لوبية ومراقية إلى الإسكندرية في شوّال سنة أربع وثلثمائة، خوفا من صاحب برقة.
وفي سنة سبع وثلثمائة، سارت مقدّمة المهديّ، عبيد اللّه من إفريقية مع ابنه أبي القاسم إلى لوبية، فهرب أهل الإسكندرية وجلوا عنها، وخرج منها مظفر بن ذكاء الأعور في جيشه، ودخلت إليها العساكر يوم الجمعة لثمان خلون من صفر، وفرّ أهل القوّة من الفسطاط إلى الشأم، فخرج ذكاء أمير مصر إلى الجيزة، وعسكر بها، ثم مرض ومات على مصافه بالجيزة في ربيع الأوّل.
стр. 320
فولي تكين بعده ولايته الثانية من قبل المقتدر، ونزل الجيزة وأقبلت مراكب صاحب إفريقية إلى الإسكندرية عليها سليمان الخادم، فقدم ثمل الخادم صاحب مراكب طرسوس، فالتقيا برشيد في شوّال، فاقتتلا فبعث اللّه ريحا على مراكب سليمان ألقتها إلى البر فتكسر أكثرها، وأخذ من فيها أخذا باليد، وقتل أكثرهم، وأسر من بقي وسيقوا إلى الفسطاط فقتل منهم نحو سبعمائة رجل، وسار أبو القاسم بن المهدي من الإسكندرية إلى الفيوم، وملك جزيرة الأشمونين والفيوم، وأزال عنها جند مصر، فمضى ثمل الخادم في مراكبه إلى الإسكندرية، فقاتل من بها من أهل إفريقية، فظفر بهم، ونقل أهل الإسكندرية إلى رشيد وعاد إلى الفسطاط، ومضى في مراكبه إلى اللاهون، ولحقته العساكر، فدخلوا إلى الفيوم في صفر سنة سبع وثلثمائة، فخرج أبو القاسم بن المهدي إلى برقة، ولم يكن بينهما قتال، ورجعت العساكر إلى الفسطاط، وما زالت الإسكندرية وأعمالها في اضطراب إلى أن قدمت جيوش المعز لدين اللّه، مع القائد جوهر في سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، فملكتها وما برحت إلى أن قام بها نزار بن المستنصر، وكان من أمره ما قد ذكر عند ذكر خزائن القصر.
وفي سنة اثنتي عشرة وستمائة، اجتمع بالإسكندرية ثلاثة آلاف من تجار الفرنج، وقدمت بطسة إلى المينا فيها من ملوك الفرنج، ملكان، فهموا أن يثوروا ويقتلوا أهل البلد، ويملكوها، فتوجه الملك العادل، أبو بكر بن أيوب، إليها وقبض على التجار المذكورين، وعلى من بالبطسة واستصفى أموالهم، وسجنهم وسجن الملكين، وجرت خطوب حتى أطلق السلطان نساءهم، وعاد إلى القاهرة.
وفي سنة أربع وخمسين وخمسمائة، بنى الملك الصالح طلائع بن رزيك على بلبيس حصنا من لبن.
وفي سنة اثنتين وستين وخمسمائة، كانت وقعة البابين بين الوزير شاور، وأسد الدين شيركوه، فانهزم عسكر شيركوه، ومضى منهم طائفة إلى الإسكندرية، ثم كانت لشيركوه على شاور، فانهزم منه إلى القاهرة، ومضى شيركوه إلى الإسكندرية، فخرج إليه أهل الثغر، وفيهم: نجم الدين محمد بن مصال والي الثغر وقاضيه الأشرف بن الخباب، وناظره القاضي الرشيد بن الزبير، وسرّوا بقدومه وسلّموه المدينة؛ ثم سار منها يريد بلاد الصعيد.
واستخلف ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب على الثغر في ألف فارس، فنزل عليه شاور، ومعه: مري ملك الفرنج، فقام معه أهل الثغر، واستعدّوا لقتال شاور، فكان ما أخرجوه أربعة وعشرين ألف فرس، فوعدهم شاور أن يضع عنهم المكوس والواجبات، ويعطيهم الخمس إذا سلموه صلاح الدين، فأبوا ذلك، وألحوا في قتاله، فحصرهم حتى قلّ الطعام عندهم، فتوجه إليهم شيركوه وقد حشد من العربان جموعا كثيرة، فبعث إليه شاور