Полный текст (214 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
واكتشف الناس جديداً في هذا الكون زادت الحيرة والإرباك وتبخرت آمال السعادة والأمن والاستقرار فالإنسان قد أصبح يعيش على أرض ادخر على سطحها من آلات الدمار والخراب ما يكفي لتدمير الأرض عشرات المرات!! فأين الأمن؟ وما زالت الجرائح والأمراض والأوبئة والزلازل.. تهدد حياة الإنسان ووجوده، وهذه المخترعات الكثيرة ووسائل الراحة والرفاهية قد انقلبت بدلاً من أن تكون نعمة إلى أن تصبح هلاكاً للنفس والضمير وتشويهاً لجسم الإنسان وإفساداً لبيئته، والأسئلة الحائرة لا جواب عليها، وابتدأ الإنسان يشعر بضالته وصغره عندما عاين عجائب الخلق نحوه فرأى الأرض الصغيرة الضائعة وسط طوفان هائل من النجوم والكواكب والمجرات التي تسبح في أماد فسيحة لا يدركها عقل ولا يحيط بها حساب أو علم ورأى الإنسان أن المادة التي آمن بها تنغلق على سر عجيب هو سر الذرة والإلكترون وإن هذا الجزء الذي يتناهى في الصغر هو من أعجب الأمور وإن لم يكن أعجبها ولم يدر الإنسان لليوم لماذا كان كل هذا؟
وفي منتصف هذا القرن العشرين وقف الناس من جديد على حافة الهاوية وابتدأ الكفر بالإله الجديد، وبدأ هذا الكفر من علماء المادة أنفسهم الذين قالوا لقد وصلنا إلى طريق مسدود، وابتدأ صراخ الناس من كل ناحية أننا نتدمر.. نتمزق.. الأزمات.. أسلحة الدمار الحروب.. الصراع، وابتدأت حركة ردة جماعية جديدة عن العبادة المادية للإله المادي.. ولكن هذه الردة تلونت بألوان شتى، فقد وجد كثير من الناس سعادتهم في الحبوب المخدرة والمنومة التي تساعد الإنسان على الهروب من عالم الواقع إلى عالم الخيال، واغرق آخرون في الجنس والمتع الحسية إغراقاً ليس للاستمتاع، ولكن للهروب أيضاً من واقع الحياة السيء، ولما لم يتحقق هذا الهروب باللقاء الفطري بين الذكر والأنثى تحول
стр. 107
إلى الشذوذ، وابتدأ آخرون ينبشون في الأوراق القديمة ويفتشون في الديانات الغابرة عن إله جديد وتفسيرات أخرى للغز الحياة، وسعادة جديدة غير التي افتقدوها من إلههم القديم، وراجت في أمريكا وأوروبا الآن الديانات الوثنية والخزعبلات الصوفية الهندوكية، وبدأ الشعب الروسي الذي فُرض عليه الإلحاد فرضاً منذ ستين عاماً يعاود الخطى إلى الكنيسة ويحن إلى المساجد، ويعود البوذيون إلى ترميم معابدهم ونصبهم.
باختصار لقد أعلنت المذاهب المادية الاجتماعية والاقتصادية الإفلاس وابتدأ الناس يصيخون السمع ويترقبون ظهور إله جديد.
والمسلمون أهل الدين الحق قد تأثروا بلا شك بظهور إله العلم المادي وباندحاره أيضاً، ولأن عامة المسلمين من العرب وإن كان غير العرب من المسلمين أكثر عدداً - فإنهم أبطأ أفاقة من كبوة، وأقل استشراقاً للمستقبل، وهذا شأن الجنس العربي بوجه عام، أقول لأن العرب المسلمين هذه هي أخلاقهم الجبلية الأصيلة فإنهم لذلك سيتأخرون كثيراً حتى يتقدموا إلى هذا العالم المضطرب ببضاعتهم النقية الجيدة وبدينهم الحق.
فالإسلام الحق فيه الإجابة على أسئلة الناس الحائرة وفي ظل نظامه الخلقي والاجتماعي يستطيع الناس أن يحققوا السعادة على الأرض، ولكن المرحلة الحالية التي تشهد هذه التحولات العجيبة من الكفر بالإله المادي والاتجاه نحو آلهة جديدة لم يستطع مفكرو المسلمين وعلماؤهم أن يستوعبوها، وليس في طوقهم وهم بهذه الحالة أن يقدموا للناس البديل لما هم فيه من شقاء وبؤس وضياع.
стр. 108
ولذلك فلابد من ثورة فكرية عقائدية جديدة تستطيع بعث المسلمين من جديد وتقديم غذاء جيد للجوع الروحي الذي يجتاح العالم في الراهن، فأين يا ترى يوجد هذا البعث وتتحقق هذه الثورة الفكرية العقائدية؟.
٩ سبتمبر ١٩٧٧
стр. 109
الفساد.. من سيحاسب من ؟
يموج العالم في العصر الراهن بشيء يسمى الفساد الإداري واستغلال النفوذ والرشوة، فالفضائح السياسية والمالية نسمع عنها كل يوم تقريباً، ولا تكاد تخلو دولة من دول العالم من اكتشاف أنواع من الفساد في إداراتها وموظفيها كباراً وصغاراً فالووترجيت واللوكهيد، وهدايا نيكسون ورشاوي الكونجرس وفضائح أوروبا وآسيا كل ذلك فقرات من مسلسل يومي للفساد السياسي والإداري والمالي.
والبلاد العربية الإسلامية من أعظم بلاد الله ابتلاء بكل هذه الأنواع فالصعاليك (الصعلوك في لغة العرب الذي لا مال عنه) الذين يستولون شيئاً من أموال الناس سرعان ما يصبحون من أهل الملايين هذا في القمة، وأما العمال الصغار الذين يتولون المصالح الصغيرة كالجمارك والتراخيص والتموين فلا يكاد يسلم أحد من شرهم على طول حدود بلادنا الإسلامية والعربية.
وبجانب كثرة الفساد على هذا النحو كثر أيضاً الحديث عن الفساد، فالكل يشكو ويتهم الآخرين ويزعم أنه ينشد الإصلاح ولا يحب الفساد وكأن المفسدين ليسوا من أهل الأرض، وإذا جئت تناقش بعض الذين ينهبون عن الفساد وتعلمهم أنهم أيضاً لا يتقون الله فيما خولهم إياه وأنهم يسرقون
стр. 110
أيضاً ويغشون أخبروك أن ما يفعلونه لا يساوي شيئاً إذا قيس بما يفعله الآخرون فالأمر عندهم نسبي فقط بمعنى أنهم يختلسون ديناراً وغيرهم يختلس ألفاً.
والعجب حقاً أن الحكومات في بلادنا العربية تعمد إلى محاربة الفساد بطرق بدائية جداً ولعلها مشجعة على الفساد لا ملغية له.
ومن هذه الطرق تشكيل لجان التحقيق في الفساد!! وإحصاء تركات الناس ثم قياس الزيادة في نماء الثروة!!.
فأما تشكيل لجان حكومية للتحقيق في الفساد فهو وضع غير منطقي لأن المفروض أن الحكومة بجميع عمالها (موظفيها) وحدة واحدة وهي مسؤولة أمام الشعب لا أمام نفسها عن الفساد فكيف يحق للحكومة أن تحاكم نفسها، كيف يكون المتهم حكماً ومتهماً في آن واحد؟!
وأما قياس الزيادة في أموال الناس ومقارنة ذلك بدخولهم المنظورة فهو شيء يدعو إلى العجب حقاً فالدخول المشروعة متعددة منها الميراث والهدية والهبة والعمل (الراتب الوظيفي) والأعمال الحرة المسندة للزوجات والأولاد والأقارب في ظل القوانين التي تحرم على الموظف الحكومي العمل الحر، ولن يعجز أي موظف غبي أن ينسب الزيادة الهائلة في أمواله وممتلكاته إلى واحدة من المصادر السابقة، ثم نحن في عصر البنوك والحسابات السرية، وتهريب العملة فكيف ستستطيع لجان إحصاء الثروة صيد هذه الأسماك في أعماق هذه المحيطات.. ملهاة!! مأساة!.
وهنا يرد السؤال.. وما العمل وكيف الطريق إلى القضاء على الفساد الوظيفي والإداري؟ وللإجابة على هذا السؤال لابد من اتباع الخطوات الآتية:
стр. 111
أولاً: لابد من تعريف من هو العامل (الموظف) وما الحكومة وما دورها الحقيقي في المجتمع وهنا يجب أن نعلم أن الحكومة مهمتها تنفيذية فقط وهي وكيلة عن الشعب والشعب هو الذي وكلها وليس الله فالله لم يوكل أحداً من عباده على أحد حتى رسوله قال الله له: ﴿وما أرسلناك عليهم وكيلاً﴾ وما دامت هي وكيلة عن الشعب فلا يجوز لها التصرف في ماله إذا إلا بإذنه، بل لا يجوز لها أي تصرف مطلقاً إلا بإذن هذا الموكل، ومعنى هذا أنها مسؤولة أمام الشعب، وليس الشعب مسؤولاً أمامها ومسؤوليتها هذه في المهام التي أنيطت بها ومنها الأمن والدفاع والعدل (أخذ الحق من الظالم للمظلوم) والرعاية (كفالة المحتاجين والفقراء..) والتنمية أصبحت مهمة أساسية من مهمات الحكومة الحديثة والحكومة بجميع موظفيها مسؤولة عن كل هذه المهمات.
ثانياً: لابد وأن يكون للشعب الصورة الصحيحة التي يستطيع بها أن يراقب الحكومة وأن يحاسب أفرادها، وأن يقاضيهم إذا كانت له خصومة مع أحدهم وأدنى هذه الصور هو حرية الرأي والتمكن من رفع قرار الاتهام وإذا كنا نقول بأن أمريكا بها فساد في القمة وأن نيكسون هو بطل فضيحة ووترجيت فيجب أن لا ننسى أيضاً أن الذي اكتشف هذه الفضيحة صحفي وأن القانون قد حماه حتى استطاع أن يطيح برئيس الدولة.
ثالثاً: من الذي سيحكم بين المدعي والمدعى عليه، فإذا ادعت الحكومة على فرد ما بأنه أساء أو سرق أو شهر أو سب وإذا ادعى فرد من الشعب أن أحد أفراد الحكومة أساء أو تعدى أو ظلم فمن الذي سيحكم؟ وهنا لابد من العلم أن السلطة الثالثة في الدولة ونعني بها السلطة القضائية يجب
стр. 112
تحريرها من سلطة الحكومة لأنها قاضية عليها وليست تابعة لها، فسلطة القضاء يجب أن تكون السلطة العليا في الدولة ولذلك فالمكان الصحيح للتقاضي والتحقيق في الفساد هو القضاء وليس هو اللجان التي تشكلها الحكومة لتحاكم نفسها!!.
رابعاً: إذا تحققت الأمور السابقة فعند ذلك يجب وضع قانون واضح ليحاسب الناس على أساسه وفي ضوئه حتى نستطيع الحكم والتفريق بين ما هو فساد وما هو غير ذلك، إذ كثيراً ما يحاسب الموظفون على التوافه من التصرفات، وتترك العظائم أننا نختلف كثيراً في مفهوم الفساد ولذلك لا بد من وضع مفاهيم محددة حتى يستطيع الناس التفريق بين الممنوع والمشروع.
خامساً: لابد من التركيز على أن الأعمال والوظائف الحكومية كبيرة كانت أو صغيرة إنما هي تكليف وأمانة ومسؤولية لا تشريف وغنيمة ومحسوبية ولابد من تطبيق ذلك ويحصل هذا إذا أبعدنا الحريصين على المناصب الحكومية وكلفنا بها المخلصين الذين لا يحرصون عليها ولا يسعون لها ولذلك قال رسول الله ﷺ : [إنا لا نولي هذا الأمر رجلاً طلبه ولا أحداً حرص عليه] ، ثم يجب أيضاً جعل الراتب الحكومي راتباً للكفالة فقط حتى يزهد الناس في الوظيفة الحكومية وأن نقرب بين الرواتب العليا والدنيا ونلقي الفروق الشاسعة بينهما وتبقى الفروق لطبيعة العمل فقط وما يتطلبه من جهد وأدوات وما فيه من أخطار.
سادساً: لابد من توجه الأمة حكومة وشعباً إلى العناية بالتربية الخلقية وهذا يعني أن نوجه اهتمامناً إلى الأسرة والمدرسة لغرس المبادئ الفاضلة وتعليم الأمانة والصدق والعطف على الآخرين ومواساة المحتاجين وكذلك لننفر من
стр. 113
الغش والكذب والظلم.. باختصار نحن في حاجة إلى ثورة خلقية وخاصة في ميدان الأسرة والمدرسة، فالموظف الغاش المختلس لا شك أنه كان ابناً عاقاً وتلميذاً غشاشاً كذاباً لم يجد التربية الصحيحة في هذه المحاضر.
سابعاً: لابد من وضع أهداف سامية تسير الأمة إليها كالعز والسيادة وتحقيق كلمة الله في الأرض، وإيجاد الفرد الصالح، وأما أن تكون أهداف الدولة لا تتعدى الرفاه والدنيا والوناسة، فكيف نعيب على الناس بعد ذلك إذا حصلوا على هذه الغايات بأي طريق؟!
هذه قواعد أساسية لابد وأن يضعها المسؤولون الذين يريدون حقاً القضاء على الفساد في أجهزة الدولة وإلا فلا نعجب إذا انتهت هذه الإجراءات التي تجري لمحاسبة الفساد في دولنا العربية والإسلامية إلى فراغ.
стр. 114
الجانب الخلقي في الأزمة الاقتصادية
يشهد العالم في العصر الراهن أزمة عنيفة في قضاياه الاقتصادية وتبدو ملامح هذه الأزمة في الصراع حول الطاقة، والأسواق ومشاكل التضخم والبطالة، وقد فجرت هذه الأزمة في كل هذه النواحي الصراع بين ما يسمى بالشمال والجنوب أي الدول الغنية والدول الفقيرة، وبين الدول الغنية بعضها مع بعض وكذلك بين الدول المنتجة للبترول والتي تكاد أن تفقد وحدتها في هذا الصراع الرهيب نحو البقاء في عالم متقاتل متصارع.
وهذه الأزمة العالمية تلفنا من كل صوب لأننا جزء من هذا العالم نتأثر بما حدث فيه، والفرد العادي في أي مجتمع يناله نصيب من هذه الأزمات التي تجتاح العالم، فالمسكن والطعام والمركب والكساء كل ذلك يرتبط بالطاقة والصناعة والتجارة الخارجية، والتضخيم والبطالة، ولذلك فليس هناك من إنسان بمنأى عن هذه الأزمة.
وبالرغم من الاجتماعات المستمرة والمؤتمرات والصراعات فإن الأزمة تزداد تفاقماً عاماً بعد عام ويبدو أن استمر الحال على ما هو عليه أن يصفي الناس بعضهم بعضاً في صراع رهيب على البقاء قبل نهاية هذا القرن.
وقد يظن بعض الناس أن هذه الأزمة راجعة فقط إلى
стр. 115
قلة الإمكانيات وازدياد السكان ولذلك ينصرف النظر إلى توسيع دائرة هذه الإمكانيات ومحاولة التقليل من الانفجار السكاني، ولكن ثمة جوانب لهذه الأزمة لم تراع حق رعايتها ولم يبحث عن علاج حقيقي لها، وهذه الأزمة هي الجوانب الخلقية.
والحق أن معظم مشكلاتنا الاقتصادية هي مشكلات خلقية قبل أن تكون ندرة في الحاجات وزيادة في السكان، وهذه بعض الجوانب الخلقية التي أهملنا علاجها وتسبب وما زالت تتسبب في إيلام العالم وكثرة مشاكله:
أولاً: الإسراف والبذخ والترف، هذه الأمراض الثلاثة وهي من أخلاق الجاهليات القديمة وهي سمة مميزة لجاهلية هذا القرن، وهذه الأخلاق التي أصبحت سمة عامة للمترفين من أغنياء هذا العالم والتي تهدر - ولا نبالغ أكثر من ربع اقتصاد العالم فالرياش الفاخرة، وأدوات الزينة التي تكلف الملايين، وولائم الشهرة وأفراح الشهرة وحفلاتها التي تكلف أضعاف ذلك والإسراف في الطاقة والمياه وباختصار (عدم صون النعمة) الذي أصبح خلقاً مميزاً للإنسان المادي المحب لنفسه المترف هو من أكبر عوامل الأزمة الاقتصادية. وإذا راجع كل منا نفسه فإنه سيجد أن ما لا ينتفع به من طعام وشراب وماء وكهرباء وحفلات فاخرة من الممكن أن تعيش عليه أسرة بكاملها، ولذلك فالفرد العصري الجاهل بوجه عام فرد غير اقتصادي وقد اعتنى الإسلام بتربية الإنسان الاقتصادي الذي يقدر النعمة فنهى عن الترف والبذخ وجعل الإسراف حتى في ماء الوضوء -وهو عبادة- حرام وذلك ليكون غيره من باب الأولى والأحرى وجعل الإسلام الفرد عابداً لله باقتصاده في مأكله ومشربه وحياته كلها، قال تعالى
стр. 116
واصفاً عباده: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ .
ثانياً: الجشع والطمع وحب الذات والتكالب على الحطام، وهذه كلها أصبحت أيضاً صفات أساسية لإنسان العصر المادي نتاج الحضارة الأوروبية الخبيثة، وهذا الجشع والطمع لا يقف عند حد فالذين يكسبون الملايين من الأموال كل يوم ومع ذلك يناورون ويغشون ويحتكرون ويغالون ليكسبوا مزيداً من الملايين هؤلاء أناس بلا أخلاق فزيادة المال بالنسبة لهؤلاء لا يعني مطلقاً إلا إشباع صفة الطمع والجشع في الإنسان وذلك أن المال في ذاته وسيلة إلى المنافع وليس منفعة بذاته فأنت لا تلبس الدنانير إذا عريت، ولا تأكلها إذا جعت، ولا تقيك حر الشمس وبرد الشتاء ولكنها وسيلة إلى ذلك والزيادة المطلقة في هذه الوسائل ليس له ثمرة فعلية مطلقاً فيستوي في النهاية من يملك المليون ومن يملك مائة المليون لأن حاجات الإنسان محدودة في الطعام والشراب والمسكن ومهما أوتي من الأموال الإضافية فإنها لا توجد له حاجات وطاقات فوق طاقات الإنسان وإنما تنحرف الفطرة فيكون الطعام تأنقاً وبذخاً وإسرافاً، والزواج إفساداً وعبثاً، والسكن شهرة وبذخاً وتعطيلاً لغرف وقصور ورياش بلا حاجة، وهكذا فالتسابق نحو المال إنما هو تسابق لإشباع الطمع والجشع وهي صفات دميمة أو تسابق لإشباع انحراف الفطرة وانحراف الفطرة مدمر للأمم والشعوب، كما قال تعالى: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً﴾ .
وذلك أن انحراف الفطرة يؤدي إلى إهدار الإمكانيات وإيجاد الصراع والعداوة والبغضاء فأنت لا تكره غنياً يأكل الضروري ويشرب ويلبس ويسكن للحاجة إلى ذلك ولكنك
стр. 117
تحسده أو تحتقره وتزدريه إذا رأيت أنه يتلف الطعام في موائد لا ينتفع بها، ولباس للشهرة، وسكن يتحول الذهب فيه إلى صنابير في دورات المياه، ومن هنا يتولد الحقد والحسد ثم تنفجر هذه الأحقاد في ثورات مدمرة لا تبقي ولا تذر.
ثالثاً: انعدام الشعور بالأخوة وحاجة الفقير، وهذه ثمرة ثالثة من ثمار الإسراف والبذخ والطمع والجشع فالمسرف الطماع الجشع لا يمكن أن يشعر بحاجة الفقير والمسكين وهو في سبيل جشعه لا يمانع أن يزداد ماله من قوت المساكن وعرقهم وسعيهم وكدهم، وكمثال مباشر لهذه الأخلاق الخبيثة التي طغت على مجتمعنا فصاحب العمل الذي يوظف عمالاً هنا ويكسب من وراء عملهم الآلاف والملايين لا يرضى أن يسكن هؤلاء العمال في عماراته السكنية بنصف أجورهم، بل يحتاج العامل الفني (الذي يتقاضى ما بين ٩٠-١٥٠ دينار) ، إلى مائة أخر ليسكن في سكن مناسب مع العلم أن السكن على أكبر تقدير هو ثلث حاجة الإنسان واقتصادياً يجب أن يكون ربع دخل الإنسان وذلك أن الفرد العادي يحتاج ليعيش إلى سكن وطعام وكساء ودواء وتعليم وادخار، فإذا استغرق أجر السكن راتب العامل كله، فماذا يصنع في ضروراته الأخرى وهؤلاء إما أن يتجهوا إلى السرقة والغش، وإما إلى الثورة والتدمير وكلا هذين الأمرين مدمر للمجتمعات.
* والعجيب أن الجشع والطمع حمل الأغنياء إلى البناء الفخم المترف وتركوا البناء التجاري المتوسط للهروب من السكان الفقراء والمتوسطين وإسكان الأغنياء، وكل هذه الأموال الفائضة التي توضع في (الرخام والمزايكو والمطاط، والموسيقى الموزعة على الشقق) تؤدي إلى زيادة الإنفاق فيما لا يفيد أصلاً وإن كان الأغنياء يظنون أنها تزيد الإيجارات
стр. 118
وبالتالي يزداد دخلهم، وهذا الخلق الثالث الرديء أعني عدم الشعور بحاجات الفقراء ومحدودي الدخل سيؤدي حتماً إلى الدمار والخراب، فإن أقل ثمرات هذا الخلق هو الحقد والحسد والغش والسرقة واستعجال عذاب الرب ونقمته وهذا ما أصبحنا نسمعه في كل مكان.
* هذه في الحقيقة جولة سريعة في الجانب الخلقي الذي أهملنا بحثه للخروج من مشاكلنا الاقتصادية وإن كنا قد ذكرنا ثلاثة أخلاق فقط، فإنه يندرج تحت هذا آلاف من السلوك السيء الذي رمتنا به الحضارة الأوروبية، فالملايين من الدنانير التي تنفق على (المودات) والمجوهرات والتحف الفارغة، وزينة النساء والأضياع التافهة، والتدخين، كل هذا يعجل بدمار العالم ونهايته والعلاج من هذا الدمار قبل أن ينهي وجودنا هو أننا نستضرع المسؤولين أن ينظروا إلى الجوانب الخلقية وهم يحاولون حل المشاكل الاقتصادية والأخلاق، وإن كان معظمها ذاتياً ولا يفرض بقانون فإن هناك جوانب من الأخلاق من الممكن أن يتدخل القانون لفرضها، وكذلك يجب أن نعالج المشاكل الاقتصادية بنظرة شمولية يراعي حق الجميع في الحياة الطيبة لا حق الأغنياء فقط في الكسب وزيادة رؤوس أموالهم بأي طريق ولو كان بالامتياز على غيرهم والنهب والسرقة.
стр. 119
التنفيس السياسي
* يُقال في اللغة نفس ينفس تنفيساً ونفساً أي وسع وأفسح وأطال، ومن هذا المعنى قول النبي ﷺ [من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة] أي وسع مؤمن على أخيه وأعانه في مصيبة.
والتنفيس يكون دائماً في أوقات الأزمات والمحن وكل مأزوم وكروب ومضيق عليه يحتاج إلى ترسيع وتنفيس وإلا هلك وأهلك فللإنسان طاقة يقف عندها، وكذلك للمجتمعات والجماعات طاقات ووسع واحتمال لا تتعداه وإذا زاد عن حده أدى إلى الانفجار والثورة.
وهذا المعنى النفسي معلوم جيداً في السياسة ولذلك يعمد محترفوها في أوقات الأزمات والمحن النفسية إلى إفساح المجال بمقدار معين للإعراب عن الضيق والتنفيس عن النفس فإذا حصل الترويح والتنفيس عاد الضغط والإكراه حتى يبلغ الاحتمال مداه ثم أعيدت عملية التنفيس، وهكذا حتى يتضح الأمر ويصل إلى مداه، تماماً كما لجأ مصمموا القدور البخارية إلى إيجاد غطاء التنفيس عن القدر والذي يسمح بمرور الكميات الإضافية من البخار المضغوط ويبقى الضغط داخل القدر عند مدى معين وبهذا ينضج
стр. 120
الطعام تحت الضغط العالي ولا ينفجر القدر.
* ومنذ أن حاول الاستعمار وعملاؤه زرع إسرائيل في جسم هذه الأمة وهم يخدرون الجسم إلى الحد الذي لا يحس بالجراحة وينشطونه إلى الحد الذي لا يموت مع هذه الزراعة، أو بالأحرى هم ينضجون هذا الطعام (الطبخة) العسيرة جداً والقاسية جداً على الاستواء بزيادة الضغط في القدور وبالسماح بإخراج الكميات الزائدة من البخار، وهكذا لا تزال عظامنا تحت الضغط والنيران حتى نقر بوجود إسرائيل وأنها حقيقة واقعة وتستوي الطبخة جيداً ويعيش العربي مع الإسرائيلي.
* هذه مقدمة مطولة جداً لموضوعنا ضربنا له هذه الأمثلة الحسية لنقربه من الذهن وذلك أن كثيرين منا يخلطون بين النقد وتصحيح مسار الحكم، وتسديد الحاكم، وبين ما يجري على الساحة العربية من "التنفيس السياسي" الذي لا يراد به شيئاً مما سبق أصلاً وإنما يراد به فقط التخفيف عن صدور الناس بالقدر الذي يؤهلهم إلى السير في طريق الحاكم إلى منتهاه دون أن تتقطع قلوبهم أو ينفجروا انفجاراً مدمراً.
وقد أخذ هذا "التنفيس" في بلادنا العربية صوراً في غاية الغرابة والعجب فأول صور هذا التنفيس هو "النكتة السياسية" وهي تأليفة محبوكة تصور الواقع السياسي الخاطئ في أسلوب هزلي ضاحك ومع القهقهة والضحك من القلب الذي ينفجر بعد هذه النكتة يشعر القائل والسامع أنه نفث عن صدره وأخرج البخار الزائد الذي لو بقي لدمر حياته ودفعه إلى الثورة والعنف.
ويشبه هذا الأسلوب من أساليب التنفيس "الكاريكاتير"
стр. 121
السياسي فهو في حقيقته رسم مضحك يصور الموقف السياسي الخاطئ ويدفعنا أيضاً إلى الضحك والقهقهة وبالتالي الراحة والرضا وبذلك نكون مؤهلين غداً إلى جرعة جديدة من الألم فجرعة جديدة من الضحك وهكذا.. ويرقى عن هذا درجة الكتابة السياسية الساخرة، وتكاد تكون جميع الكتابات السياسية العربية التي لا تنهج نهج الحاكم على هذا النحو وذلك أن المعارضة بالكلمة الجادة خطرة جداً في مجتمعاتنا وتؤدي إلى ما تؤدي إليه من سجن وحرمان وتشرد، وأما إذا خرجت هذه الكتابات في أسلوب هازل فإنها تصبح لدى الحكام نوعاً من التنفيس والتفريج عن قلوب المجروحين، وأما المسرحيات والتمثيليات السياسية فهي جميعاً في بلادنا العربية من أهم أساليب التنفيس والترويح عن أمة وشعب تقطع أوصاله بالسكاكين وهو يستسلم الساعات الطويلة لضحك جنوني على سياسات الحكام واعوجاجهم وهي تفيد أنها تعطي المشاهدين جرعة طويلة من الراحة والضحك والاسترخاء "والانشكاح" (حسب تعبير رواد المسرح) وبذلك يكونون مهيأين لجرعات جديدة من الألم والخنوع والذل، وهكذا دواليك والمتدينون منا يمارسون لوناً آخر من ألوان التنفيس والترويح عن النفس وهذا يتمثل في خطب الجمعة النارية حيث يصعد الخطيب المنبر منتفخ الأوداج محمر العينين فيلقي الناس بالحمم والزبد ساباً اليهود وأعوانهم، والمستعمرين وعملاءهم، منادياً بالجهاد المقدس لطردهم وتطهير البلاد والعباد منهم وتمتلئ قلوب الناس ونفوسهم بالحماس الفارغ وتنتهي الخطبة والصلاة ويشعر الخطيب أنه قد أدى واجبه بالقول ويشعر المصلون أنهم قد أدوا واجبهم بالسماع ويشعر الجميع براحة واسترخاء بعد قمة التوتر والحماس، وهكذا تتكرر الأدوار كل أسبوع فيعتاد المصلي أن يمتلي ويفرغ ويمتلئ
стр. 122
ويفرغ ثم يتبلد الذهن والشعور فلا يجد المتدين منا إزاء كل خطب ومكروه إلا أن يسترجع ويحوقل (استرجع: أي قال إن الله وإنا
إليه راجعون وحوقل: أي قال لا حول ولا قوة إلا بالله) ، ثم بعد ذلك يظن أنه قد أدى دوره وقام بواجبه، وهذا لون آخر من ألوان التنفيس.
* كل هذه الألوان السابقة لا تشكل في مجموعها نقداً حقيقياً ولا معارضة ولا تسديداً للحاكم ونصحاً له كما أراد الله ، لأسباب يطول شرحها، ومع أن هذه الألوان المختلفة من ألوان التنفيس التي تمارس على الساحة العربية والإسلامية لا تشكل في مجموعها ضيقاً للحكام ولا إزعاجاً لهم، بل على العكس تساعد في تهيئة المناخ للسياسات المغلوطة أو كما قلنا سابقاً تنعش الجسم المخدر الذي تزرع إسرائيل فيه ببطء شديد، أو قل تساعد في إخراج كمية من البخار المضغوط في قدر يغلي بطعام غليظ.. أقول بالرغم من نفع هذه الألوان من ألوان التنفيس للسياسات الخاطئة، فإنه يلجأ أحياناً إلى إلغائها وكتمها فكم من مسرحية ألغيت ومن قصيدة شعرية صودرت، ومن خطيب منع من منبره ومن محترف للتنكيت والإضحاك أودع السجن!!
ويبدو أن الحكام الذين يعمدون إلى إلغاء هذه الأنواع من أنواع التنفيس عن الناس لم يستفيدوا بحكاية شوقي الشعرية الرمزية "الأسد والضفدع" الذي يشبه فيها الحكم بالأسد والمعارضة التنفيسية بالضفادع فيقول:
قالوا:
استوى الليث على عرشه ... فجيء بالمجلس بالضفدع
وقيل للسلطان هذي التي ... بالأمس أدت عالي المسمع
تنقنق الدهر بلا علة ... وتدعى في الماء ما تدعى
стр. 123
فانظر إليك الأمر في دينها ... ومر نعلقها في الأربع
فنهض الفيل وزير العلا ... وقال يا ذا الشرف الأرفع
لا خير في الملك ولا عزه ... إن ضاق جاه الليث بالضفدع
فكتب الليث أماناً لها ... وزاد أن جاد بمستنقع
وهكذا بشفاعة الفيل عفا السلطان عن الضفادع وزادها مستنقعاً آخر تنقنق فيه إذ ماذا ستفعل الضفادع؟! ولكن هناك من السلاطين أيضاً من يزعجها نقيق الضفادع فتبعث في آثارهم وتقتفي حركاتهم.
* المهم أرجو أن لا نخلط دائماً بين "الأمر بالمعروف الشرعي" والتنفيس السياسي.
стр. 124
العرب والمستقبل البائس
عرفنا في المقال السابق أن الساسة العرب قد مارسوا ثلاث طرق لحل ما يسمى "بالمشكلة الفلسطينية" وأن هذه الطرق الثلاث هي: التهديد بحرب التحرير، وممارسة الحرب الجزئية، والضغط على أمريكا بسلاح البترول وغيره لتضغط على إسرائيل وقد وصلت السياسة العربية اليوم إلى مفترق الطرق، فإما أن ينجح الطريق الثالث (طريق أمريكا للسلام) وإما تعود السياسة العربية مرة ثانية إلى التهديد والوعيد والحرب الجزئية.
وقد عرفنا بيقين أيضاً أن إسرائيل دولة تعمل لحساب نفسها، وأنها تتخذ قرارها في أرضها ومن رجالها ثم تضغط شرقاً وغرباً لتنفيذ قراراتها، وأنها ليست ذيلاً منفذاً كما يدعي المدعون، ثم هي أيضاً ليست إلهاً متصرفاً في كل شيء ومسخراً للشرق والغرب كما يتهوك المتهوكون.
واليوم لنفهم الصورة بكل أبعادها ينبغي أن نعلم أن هناك أطرافاً ثلاثة على الإجمال لا على التفصيل: الطرف الأول هم نحن، والطرف الثاني هم اليهود والطرف الثالث هو الدول الكبرى.
فأما الدول الكبرى فقد علمنا في الأسبوع الماضي أنها تريد حلاً وسطاً للصراع بين اليهود والعرب، وذلك ليستمر
стр. 125
تدفق البترول العربي إليه، وليتخلص من ظلموا اليهود منهم قديمة من عقدة الذنب تجاههم وليحولوا بين المسلمين وأن يتوحدوا ويكونوا قوة ثالثة في العالم.
ونخص من مواقف الدول الكبرى موقف أمريكا بالذات، فأمريكا التي تولت كبر هذه الأكذوبة وحملت ٩٩% من أوراق اللعبة كما قيل، تجابه اليوم موقفاً لا تحسد عليه: فقد صرح الرئيس الأمريكي كارتر بوجوب إيجاد وطن للفلسطينيين، وقد جاوز أعظم ساسة العرب تفاؤلاً إذ حدد قرار الأمم المتحدة الصادر عام ١٩٤٧ كأساس عادل لقسمة فلسطين بين العرب واليهود، وهذه الأقوال على كل حال تصطدم وتتناقض تماماً مع ما صرح به ساسة إسرائيل الآن.
وأما اليهود فقد وصلوا اليوم إلى الموقف الجلي الواضح الذي كانوا يخفونه قديماً وهو أنهم يطالبون بوطنهم الأصلي الذي منحهم الله إياه في التوراة والذي حققوه قديماً من الفرات إلى النيل، وقد أخرجوا منه ظلماً واليوم يحررونه من المعتدين!! ومناحيم بيغن (قاتل الأطفال والنساء) قد قال ذلك للعالم بكل صراحة ووضوح، وخلف هذا الزعيم الإسرائيلي جموع الشعب اليهودي الذي أعطاه ثقته في انتخابات عامة مع إعلانه لهذه الأهداف والغايات في حملته الانتخابية.
وأما الدول العربية فلها موقفان: الموقف الأول موقف الساسة بوجه عام وهم مع إعلانهم القبول بالحل السلمي الذي ارتضته الدول الكبرى ومازالت تضغط للوصول إليه إلا أنهم اليوم بين شقي الرحى الشق الأول الشعوب العربية التي لا ترضى في قرارة نفسها بغير التحرير الكامل لأرض فلسطين من دنس اليهود بديلاً، وبين الموقف اليهودي المستند إلى الواقع والمتمسك بكل شبر وصل إليه في حرب
стр. 126
تحطمت فيها الإرادة العربية أمامه، وصفق العالم فيها لجرأته وقوته وكان هذا عام ١٩٦٧، وأما الموقف الثاني للدول العربية، فهو موقف الشعوب وهي شعوب مغلوبة على أمرها لا تشارك بأي صورة من الصور في صنع القرار السياسي وهذه الشعوب وإن كانت لا ترضى بغير التحرير الكامل لفلسطين بديلاً إلا أنها واقعة دائماً بين الضغط والانفجار و (الترويح أو التنفيس السياسي كما ذكرنا هذا في مقال سابق) .
وهنا نصل إلى السؤال وما الحل، وقد وصلت جميع أطراف المشكلة إلى التقابل والتناقض؟ هل ستنتصر الإرادة الإسرائيلية في الاحتفاظ بالأرض؟ وما موقف أمريكا والساسة العرب إذن؟ هل يعني هذا تفجر الحرب من جديد وإذا كان ثمَّ حرب فعلى من ستكون الدائرة؟ أم ستنتصر الإرادة الأمريكية ويرضخ اليهود ويذعنون وينسحبون من الأراضي المحتلة مقابل ما يعطيهم العرب من صلح وسلام؟ وإذا تم هذا الأمر على هذا النحو، فهل يكون هذا نصراً للعرب أو نصراً لإسرائيل أو خسارة لهما جميعاً؟ وما موقف الشعوب العربية إذا تم السلام أو تمت الحرب؟!
* للإجابة على هذه الأسئلة نقول:
نحن الآن أمام احتمالات أهمها ما يلي:
أولاً: انتصار الإرادة الإسرائيلية وهذا يعني بالضرورة عدم الإذعان لمقترحات أمريكا الخاصة بالسلام، وسيجر هذا حتماً الساسة العرب إلى حرب لم يستعدوا لها يقنياً، وسيكون في هذا إحراج بالغ لأمريكا في العالم، وقد يضع هذا المنطقة بأسرها مرة ثانية في أحضان النفوذ السوفييتي، ولن توافق أمريكا بالطبع على هذه الحرب إلا إذا ضمنت عدم
стр. 127
المساس بوصول البترول إليها، ولن يكون ذلك إلا في ظل حرب خاطفة لا يفيق العرب إلا بعد نهايتها، والذين يرون هذا الاحتمال قريباً لا يجدون مسرحاً لهذه الحرب إلا الأردن وجنوب لبنان وذلك بهدف إنهاء الوجود الفلسطيني، وأخذ أرض للمساومة عليها مستقبلاً وإذا قامت مثل هذه الحرب فسيعود إلى العيان مأساة دير ياسين ليس في قرية واحدة فقط، ولكن في مخيمات بأكملها وسيشترك في هذه المذبحة اليهود والنصارى، وبالرغم من أن هذا هو الحل الوحيد أمام الإدارة الإسرائيلية الجديدة، فإن هذا الحل سيصطدم بالإدارة الأمريكية، ويقينا لا تستطيع إسرائيل الدخول في حرب إلا تحت مظلة أو سماح لدولة كبرى وليس أمام إسرائيل اليوم غير أمريكا، فهل ستستطيع إسرائيل إقناع أمريكا بأنها الحامية لمصالحها في المنطقة؟ وهل ستضمن أمريكا أن لا يتفجر الوضع وتزول الحكومات التي سارت خلفها طيلة هذه السنوات، قد يشجع أمريكا على المضي خلف الإرادة الإسرائيلية أن الشعوب العربية الموجودة الآن هي الشعوب التي رأت في اعتزال الزعماء العرب الذين حققوا أعظم هزيمة في التاريخ كارثة أكبر من تلك الهزيمة، وقد يشجعها أيضاً أن هذه الشعوب لا وزن لها في أي معادلة سياسية في هذه المنطقة..
وهذه حقيقة يجب علينا الاعتراف بها وعدم إنكارها، على كل حال إذا ضمنت أمريكا بقاء مصالحها في هذه المنطقة، وآمنت أنه لليهود القدرة على حراسة هذه المصالح فستقوم الحرب حتماً وسنجد أن كلام كارتر في دفاعه عن حقوق الإنسان ما هو إلا وسيلة من وسائل الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، وأن الشعب الفلسطيني لا يدخل يقيناً في حس كارتر عندما يتحدث عن حقوق الإنسان، وسيكون من السهل على أمريكا ابتلاع هذه
стр. 128
الأقوال الكثيرة التي سقطت من فم الرئيس الأمريكي المفتوح كما يسمونه هناك.
ثانياً: الاحتمال الثاني هو انتصار الإدارة الأمريكية والضغط على إسرائيل للقبول بما قبل به الساسة العرب (المعتدلون) وهذا يعني في النهاية كارثة بالنسبة للشعوب العربية وكارثة أيضاً في نظر الشعب والحكومة الإسرائيلية العربية وكارثة أيضاً في نظر الشعب والحكومة الإسرائيلية وتتويجاً عظيماً ونصراً مؤزراً للسياسة الأمريكية، وتثبتاً إلى حين - لأصدقائها في المنطقة العربية.
وبالرغم من أن وسائل الإعلام جميعها ستنطلق لتعلن -إذا تم هذا- انتصار الإرادة العربية ونجاح السياسة السلمية، وستؤلف كتيب وتدبج مقالات في فنون النضال السلمي الذي استطاع به العرب أن يفوزوا بالقضية وأن يرجعوا الشعب الفلسطيني إلى وطنه ودياره.
أقول بالرغم من كل هذا فإنه يجب على العرب أن يسموا هذا اليوم الذي يتم فيه هذا بيوم الذل العربي، وذلك أنه سيجسد لنا المعاني التالية:
أولاً: إننا أعطينا صك الشرعية لمن ذبحونا وشتتونا وأخرجونا من ديارنا عندما تنازلوا لنا عن شيء مما اغتصبوه. ثانياً: أن العرب ولأول مرة في تاريخهم يجعلون نصر أمريكا في الحفاظ على مصالحها نصراً لهم، وأنهم قد وكلوا غيرهم بمهمة التحرير والدفاع عنهم. وثالثاً: أن العرب وللأسف تفرق بين أفراد العصابة الواحدة، فتعادي المباشر بالقتل والسرقة فقط، وأما المخططون والمساعدون والمظاهرون لأفراد العصابة فهم يصادقونهم ويوادونهم ويتخذونهم أولياء. ورابعاً: أن العقلية العربية التي رأت في اعتزال رؤسائها وضياع الأنظمة الحاكمة كارثة أكبر من ضياع الأوطان والأموال وقتل الآلاف هذه العقلية هي هي لم تتغير.
стр. 129
ثالثاً: والاحتمال الثالث والأخير هي المماطلة والتسويف، ولكن ماذا سيقول الساسة العرب للشعوب التي تنتظر!! لقد أفرغت الجعبة من الوعود أو كادت، وسراب الحل السلمي قد أنهاه الزعيم الإسرائيلي بكلمات قليلة واضحة صريحة: "الإنسان لا يحتل وطنه الضفة الغربية منطقة محررة".
هذه هي الاحتمالات الثلاثة المنظورة: الحرب، الذل السلمي، التسويف. وهذه الاحتمالات الثلاثة تشكل جميعها مستقبلاً بائساً للعرب فبعضها شر من بعض وليس أمامنا إن أردنا خيراً إلا حل رابع وهذا مكان وقت تفصيله وبيانه الأسبوع الآتي إن شاء الله.
٣/٦/١٩٧٧
стр. 130
الانتظار ليس صناعة سياسية ولا عسكرية
* العالم العربي اليوم في حالة انتظار!!
وهذا الانتظار معلق باحتمالات ثلاثة -ذكرناها في الأسبوع الماضي- وهي: الحرب الخامسة التي تريد إسرائيل أن تخرج بها من أزمتها أو السلام الأمريكي، أو التسويف والتأجيل، وهذا التسويف والتأجيل في النهاية يعود إلى الاحتمالين الأولين، وإذا كان الاحتمال الأول (الحرب) يعني تغليب المصلحة الإسرائيلية والاحتمال الثاني يعني تغليب المصلحة الأمريكية، والاحتمال الثالث يعني أن الصهاينة والأمريكيين كل منهم يحتاج إلى فترة من الوقت ليقنع الآخر بوجهة نظره أو ليجيء الآخر إلى وجهة نظره، فمعنى هذا أننا لا نملك من حلول مشكلتنا شيئاً وأننا لا نصنع إلا الانتظار.
وبالطبع السلم في مصلحة أمريكا لأنه ضمان لتدفق الثروة والبترول إليها.. ولكن لماذا تختار إسرائيل الحرب؟
وإسرائيل تختار الحرب لأنه خيارها الوحيد، فالسلم تراه في غير صالحها فشعور اليهود دائماً هو شعور اللص
стр. 131
الذي اغتصب شيئاً في غفلة من صاحبه، وضعف ومع أن صاحب الشيء يُراد منه أن يتنازل عن جزء من حقه وشهد العالم على ذلك إلا أن هذا اللص لا يمكن أن يرتاح مهما كانت المواثيق، ولذلك تطلب إسرائيل المستحيل ليكون هناك سلام حقيقي، فهي لا تطلب فقط الحدود المفتوحة والتمثيل الدبلوماسي والتجارة المتبادلة وإنما تريد منا أن نغير مناهج التعليم والتربية في بلادنا وهذا يعني التخلي عن تراثنا وسلخ جلودنا وطمس حضارتنا ليستطيع اليهودي في زعمهم أن يعيش مع العربي، وإذا كان كارتر قد ضمن لهم ذلك في مدى ثمانية أعوام فهو مخطئ حقاً، فالتراث والحضارة الإسلامية باقية ما بقي الجديدان والعداوة بين اليهود والعرب باقية أيضاً ما بقي الاسمان.
والانتظار الذي نصنعه نحن ليس صناعة سياسية ولا صناعة عسكرية، وإنما الانتظار يعني التعليق والتيئيس والتدويخ لنرضى بعد ذلك بما يقسمه الأعداء لنا من خيار.
وهنا يأتي سؤال: هل عدمنا الخيار في مشكلة فلسطين؟ وهل فقدنا كل أنواع المبادرات، ولم يبق في أيدينا من أوراق اللعبة شيء (كما يقولون) أم أن هناك خياراً رابعاً بأيدينا؟
فيما أظن أن جميع الاختيارات والحلول مازالت بأيدينا وإذا لم تكن فيجب أن تكون وهذه بعض منافذ نشير إليها إشارة فقط دون بسط وتدليل:
أولاً: في معركة (السلم) إن صح هذا التعبير فاليهود يملكون شهادة مزورة لحقهم في فلسطين وهذه الشهادة المزورة هي حقهم التاريخي في أنه كان لهم دولة في يوم ما في فلسطين، وحقهم الديني الذي تشهد به التوراة أما الحق التاريخي فهو باطل لأنه ليس هناك من مكان في الأرض إلا
стр. 132
وقد ملك بوضع اليد مرات عديدة، وأما شهادة التوراة، فقد كانت يوم قام اليهود يوماً من عمرهم بدين الله، ثم عندما تخلفوا عنه شتت الرب شملهم وقطعهم في الأرض أمماً، وإن كان احتلالهم الأخير لفلسطين بالقوة والحرب، فإن قوانين الأمم المتحدة التي تزعم إسرائيل أنها إحدى دولها لا تجيز ذلك، وباختصار إسرائيل لا أقول تمثل دور المغتصب، بل هي فعلاً اللص المحترف الذي يعيش على وطن مغتصب، وفي مقابل ذلك هناك أهل الوطن مازالوا يحملون في جيوبهم سندات (التطويب) من الحكومة العثمانية والإنجليزية والأردنية والمصرية.
هذه المقابلة -الساذجة جداً- بين حق اليهود في فلسطين وحق الفلسطينيين فيها تصور إلى أي حد أننا فشلنا في إقناع ما يسمى بالرأي العام بلغته وقوانينه التفاهة التي يتحاكم إليها، وتصور أيضاً إلى حد فشل إعلامنا العربي ليس فقط في أن يقنعوا من يمدون إسرائيل بالمال والسلاح أن للعرب الحق في فلسطين بل فشل الإعلام العربي أيضاً في أن يخبر العالم الغربي أن هناك شعباً حياً يسكن الكرة الأرضية يسمى بالشعب الفلسطيني!! وهذا يدل على أنه ليس صحيحاً أن دولنا تخوض حرباً سلمية ضد إسرائيل لأنه حتى هذه الحرب الكلامية الإخبارية لم تمارس إلا بشكل تافه جداً، (وأرجو أن نقرأ شيئاً عن دور الإعلام العربي في أمريكا) .
وهذا الذي نسمعه بين الحين والآخر من قضية كسب الرأي العام العالمي إنما هو تافه جداً بما ينبغي أن يكون، فإذا علمنا أن جهوداً قليلة في كسب الرأي العام قد آتت ثمارها سريعاً وخاصة في أفريقيا علمنا إلى أي حد أننا نمارس انتظاراً مملاً تافهاً.
ثانياً: زعماء إسرائيل قد كفونا مؤونة نبش جذور القضية
стр. 133
فقد كان الساسة العرب لا يقدمون مشكلة فلسطين للعالم إلا على أن الفلسطينيين شعباً مشرداً طرده اليهود من دياره وأنه شعب مسالم يحب الخير للناس جميعاً.. الخ هذه المقولة الهزيلة التي رددت على المسامع حتى آذتها.. وكان هؤلاء الساسة وأجهزتهم الإعلامية يأبون ويأنفون أن يقولوا إن اليهود قد جاءوا إلى فلسطين بعقلية عنصرية موغلة في القدم تزعم حقاً في فلسطين للآباء والأجداد، وكانوا يأنفون أيضاً أن يقولوا إن اليهود يحاربون في فلسطين بعقيدة دينية حتى لا يقول المتدينون منا أدخلوا الدين إلى المعركة كما أدخل أعداؤنا الدين هناك، وحيث إن الدين يؤذي مسامع هؤلاء السادة فقد أبعدوه عن المعركة.. ومع أبعاده أيضاً في معركة سنة ١٩٦٧ قام بوق من أبواق الباطل ليبرر الهزيمة فقال لقد هزمنا لأننا كنا نقف على أرضية هشة وهذه الأرضية الهشة هي الأرضية الدينية!! المهم نأسف لهذا الاستطراد ونعود إلى الموضوع فنقول: إذا كانت إسرائيل قد أرجعت القضية إلى جذورها وأعلنت بكل صلافة أن الضفة هي (أرض يهودا والسامرة) وهي أرض محررة وأننا عدنا إلى وطننا بعد إبعاد طويل، فلماذا نستحي اليوم أن نقول إن إسرائيل سرطان يجب أن يزول، وأنه لا سلم مع هذا السرطان؟ لماذا لا نعيد ترتيب أوراق القضية ونعلن على الملأ من جديد أنه يجب على اليهود أن يعودوا من حيث أتوا، ولماذا لا نطلق اسار العقيدة الدينية الإسلامية الصحيحة لنقضي على العقيدة الدينية اليهودية المفتراة..ولماذا لا نبني الجيش المسلم ليهزم الجيش اليهودي، لماذا لا نرجع أسباب الصراع إلى أصولها وجذورها، وقد كشف عدونا عن وجهة الصريح، ثم السلم الذي تطلبه إسرائيل هو المستحيل بعينه لأنها تطلب منا أن نغير عقولنا ومناهج التعليم في بلادنا وأن نغير تربيتنا ليستطيع اليهودي أن يعيش بسلام مع العربي!! باختصار اليهود يريدون منا
стр. 134
أن نغير طبائعنا ونسلخ جلودنا ونتخلص من تاريخنا وتراثنا ليكون السلام معهم حقيقياً، ولم يسموا كل ما تعهد به الساسة العرب إلا أنه هدنة وليس سلاماً، فهل نستطيع أن نفعل كل ذلك بأنفسنا ليرضى اليهود عنا؟ ولماذا؟ وفي مقابل أي شيء سنفعل ذلك!! باختصار إسرائيل تطلب المستحيل وإذا وصل عدوك إلى أن يطلب منك أن تنسلخ من دينك وتغير تاريخك وترفض تراثك ليتنازل لك عن قطعة أرض من أرضك لتعيش عليها ثم نرضى بذلك.. فبطن الأرض خير لك من ظهرها، ثم إذا وصل اليهود إلى هذا المستوى من طلب الباطل فلماذا لا نقولها الآن للعالم صريحة إسرائيل بلد صنعه الباطل ويجب أن يزول.
رابعاً: إسرائيل كيان هش لأنه قام على باطل وزور واغتصاب، وهو كيان هش أيضاً لأنه كيان مفتعل معتسف فقد أخرج أفراد هذا الكيان من أوطانهم التي عاشوا فيها اعتسافاً وزوراً وبالحيلة والمكر فقد وعدتهم الصهيونية بعقيدة دينية هم أكفر الناس بها وأشدهم عداوة لها، وبرابطة قومية عرقية مزورة هم لم يراعوا حقها فالتفريق بين اليهودي الشرقي والغربي قائم وبجنة موعودة على الأرض ملؤها السمن والعسل والسلام، فكانت جحيماً منتظراً ملؤها المشاكل والهموم والخوف، والذين يعيشون في إسرائيل الآن فقط يعيشون بالوهم والأمل، الوهم الكاذب في السلام والأمل البعيد في السمن والعسل، ومثل هذا الكيان الهش لا يدوم لأنه يخالف سنن الله وطبائع الأشياء باختصار إسرائيل وهم صنعناه بأيدينا ويوم نملك المبادرة لاستئصال هذا السرطان فلن يكلفنا ذلك غير إعداد حقيقي للرجال وترتيب آخر لأوراق القضية وهزة صغيرة لهذا الكيان المفتعل، كما حدث في رمضان عام ١٣٩٣هـ، فهل نسحب الأوراق من يد أمريكا وإسرائيل ويكون الاختيار لنا والانتظار لهم؟
١٠/٦/١٩٧٧
стр. 135
على من ستطبقون حكم المرتد ؟
تعاظمت الدعوة في هذه الأيام للعودة إلى ظلال الشريعة الإسلامية والاحتكام إلى أحكام القرآن والسنة، وبينما كانت هذه الدعوة محصورة في الجماعات الإسلامية وبعض علماء الإسلام انطلقت أخيراً من خلال الأجهزة الرسمية، والحكومات القائمة، وبصرف النظر عن أسباب هذه الدعوة وخلفياتها فإن الرجوع حق والاحتكام إلى شريعة القرآن واجب ونبذ هذه الشريعة كفر وردة.
والمشكلة الحقيقية التي يجابهها الداعون إلى تطبيق أحكام الشريعة هي نقطة البدء، من أين نبدأ بتطبيق الشريعة؟ ولست أدري ما السبب في بروز قانون العقوبات في الشريعة في البداية؟ ثم ما السبب أيضاً في أن تكون معاقبة الخصوم والمخالفين هي البند الأول في تطبيق الشريعة الإسلامية؟ هل لأن الداعين إلى الإسلام لا يرون أن هناك أهم وأولى بالتطبيق من الشريعة الإسلامية غير العقوبات؟ أم لأن المخالفين في الرأي والعقيدة هم أولى الناس بتطبيق الشريعة عليهم؟
* وقد قلنا بأن مشكلة البدء هي أعظم المشاكل وذلك لأننا ابتعدنا ابتعاداً عظيماً عن الشريعة الإسلامية وقد أصبح هذا الابتعاد في كل شأن من شؤوننا تقريباً، فنظم الحكم
стр. 136
والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم والثقافة قد اصطبغت جميعها بصبغة بعيدة عن الإسلام مما لا يخفى على مطلع عليم بالإسلام الحق الذي أنزله الله ، ولا يقول عاقل أيضاً إننا نستطيع أن نعود في كل هذه الشؤون إلى شريعة الإسلام بيوم واحد، ومعنى هذا أننا سنقدم ونؤخر في العمل بالشريعة الإسلامية إن كنا ننوي حقاً العودة إلى رحابها، وإذا كنا سنقدم ونؤخر فإن العقل والمنطق والحكمة والسياسة الشرعية كل ذلك يوجب البدء بالأهم، وإذا كنا سنبحث عن الأهم في تطيق الشريعة، فإن إقرار الوحدانية لله والدعوة إلى ذلك هو أهم المهمات وأولى الأولويات.
وإقرار التوحيد يعني الإعلان بأن الدولة حكومة وشعباً إنما تقوم للإسلام وبالإسلام وهذا يعني أن الجميع في خدمة الإسلام، وأن سياسة الدولة العليا هي في توحيد الله والدعوة إليه ونبذ كل ما يخالف ذلك، ومما يخالف ذلك التسبيح بحمد الملوك والرؤساء صباح مساء، والاحتكام في أي خلاف لغير القرآن والسنة.. إن إعلاناً كهذا يعني بداية للطريق الصحيح في العودة إلى الإسلام يأتي بعد ذلك إقرار هذا المبدأ بالدعوة إليه بحكمة وعلى بصيرة وعلى مكث أيضاً ونعني بالمكث التريث والعمل الدائب المتسم بالصبر والأناة لتربية الناس على الإسلام لا لحملهم عليه بالعصا والإرهاب.. نقول إذا كان الداعون إلى تحكيم الشريعة يريدون الخير حقاً لأنفسهم وللناس فعليهم دخول البيوت من أبوابها والبيت الإسلامي لا يبدأ بتقطيع الرؤوس باسم الإسلام وإنما يبدأ بالدعوة الحكيمة إلى الله ومن الخير لأمة الإسلام أن يبدأ الحاكم فيها باتباع الحكمة في الدعوة إلى الله، ومن الحكمة إفساح المجال لصوت الحق أن يصل إلى الناس، وستكون أكبر خدمة للمسلمين في العصر الراهن
стр. 137
من حكامهم أن يرفعوا أيديهم عن الدعاة الحقيقيين إلى الله ، ويفسحوا صدورهم لسماع كلمة الله جل وعلا، ويسمحوا بأن تعاد صياغة مناهج التعليم والتربية وفق الإسلام، وأن يعملوا على تنقية مجتمعاتنا من الفساد بالهدوء والحكمة، وأن ينصفوا الشعوب من أنفسهم فيعيشوا في مستواهم ويسمعوا لشكاتهم وأن يتصفوا بالرحمة والعدل، وأن يعملوا على مداواة جراح الأمة المثخنة بالجراح والآلام، وأن يعملوا على إطعام الجياع، وإكساء العراة، ومسح الدموع من أعين الثكالى والمحرومين.
على حكامنا إن أرادوا حقاً الدعوة إلى الله والاحتكام إلى شريعة القرآن أن يقربوا أهل الأخلاق والدين والفضيلة والعفاف، وأن يبعدوا عن بطانتهم أهل النفاق والكذب والغش والسرقة، وهذه بدايات متواضعة جداً للدخول في البيت الإسلامي الطيب الطاهر.
وأما البدء بتطبيق حكم المرتد، فإنه يحمل آفات عظيمة على الإسلام والمسلمين؟ فعلى من ستطبقون حكم المرتد في وقتنا هذا؟
هل ستطبقونه على المسلم المتأول لكلام الله وكلام رسوله؟ وما أكثر التأويل في زماننا؟ ولعله لا يخلوا مذاهب عقائدي أو بدعة ظهرت في إسلام إلا ولها الآن أنصار ومشايعون، ومن فضول القول أن نقول إن كل أصحاب غلة وفرقة يرون مخالفيهم مرتدين خارجين عن الإسلام أو على الأقل يلزمونهم الكفر، أم هل ستطبقونه على الذين تركوا الصلاة والصوم متعمدين مجاهرين؟ وما هو موقفكم غداً من العصاة المصرّين المجاهرين وكما هو معلوم من الإسلام أن من جحد شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة فهو كافر، فالحجاب الشرعي للمرأة من المعلوم من الدين بالضرورة فهل
стр. 138
ستطبقون حكم المرتد على كل امرأة لا تلتزم بالحجاب الشرعي وعلى كل كاتب يقول بأن الإسلام رجعية والحجاب رجعية والزواج بأربع رجعية؟.
وما موقفكم غداً ممن يرفض الحكم بالشريعة والله يقول ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ ويقول ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ فما موقفكم غداً ممن يحكم بغير شريعة القرآن أو يتحاكم إلى غير حكم الله هل ستطبقون عليه أيضاً حكم المرتد؟!.
يبدو بعد هذا الإيضاح أن تطبيق حكم المرتد سابق لأوانه جداً، فالمجتمع بكل طوائفه يعيش في ردة حقيقية إلا من عصم الله وهؤلاء المعصومون قلة -ولا نكابر- والإسلام الحق يحتاج منا إلى جهود طويلة مخلصة مثابرة والعبء الأكبر من ذلك يقع على الحكام وهم مسؤولون بين يدي الله غداً عن هذه الأمانة ودعواتنا لهم أن يوفق الله أهل الإخلاص والتقوى منهم إلى سلوك سبيله، وأن يلهم الجميع العودة الحقة إلى شريعته.
٥ أغسطس ١٩٧٧
стр. 139
الدوَّامة
أصدق وصف من الممكن أن نصف به حالة الأمة الإسلامية اليوم هو أنها تعيش في الدوامة، فالتمزق السياسي، والنزاعات الإقليمية، والانفصال النفسي، وضياع الأهداف وابتعاد الآمال بالعزة والسيادة، واللهث وراء الأحداث المتناقضة المتشابكة وعدم فهم ما يدور.. كل هذه ملامح واضحة للدوامة التي تلف العالم الإسلامي.
وليس العالم الإسلامي وحده في هذه الدوامة، بل إن شعوب الأرض جميعاً قد أصبحت أجزاء تائهة وسط هذه الآلة الرهيبة التي تطحن الجميع بلا رحمة، فالأزمات النفسية، والصراعات الدولية، والتسابق الجنوني نحو مصادر الطاقة والمواد الخام، والأسواق والإنتاج الصناعي المجنون لكل شيء وبلا حساب، والركض اللاهث نحو أسلحة الدمار والفناء.. كل هذا وغيره جعل إنسان العصر هو إنسان الصراع أو الإنسان التائه، وجعل السمة الأساسية لعصرنا الرهيب هو "الصراع".
ولو خرجنا قليلاً بأنفسنا من الدوامة لنلقي نظرة عامة من خارجها لوجدنا أن البداية لهذه الدوامة المعقدة هو انتهاء الحرب العالمية الثانية وسقوط انجلترا وفرنسا اللتين خرجتا منتصرتين ظاهراً ولكن منهزمتين حقيقة واللتين أفسحتا
стр. 140
المجال مرغمتين لدولتين أخريين هما أمريكا وروسيا، وببروز هاتين الدولتين منذ ذلك الوقت وإلى اليوم نشأ استعمار جديد حل مكان الاستعمار الإنجليزي والفرنسي التقليدي القديم.. وبحلول الاستعمار الجديد تغيرت كافة الأساليب الاستعمارية القديمة التي كانت تعتمد على الجيوش الغازية والمعاهدات التي تخول للمستعمر الاستئثار بالسياسة الخارجية والأمن الداخلي والحماية الخارجية إلى استعمار جديد يعتمد على المعاهدات الاقتصادية، والألاعيب السياسية والعملاء المدربين.
وإذا كان الاستعمار القديم قد خلق أبطالاً شجعاناً سواء من الجيوش الاستعمارية أو من الشعوب التي حارب أبطالها دفاعاً عن أرضها وحماها، فإن البطولة الجديدة التي خلقها الاستعمار الجديد ليست هي بطولة الحروب، وركوب الأخطار، وإنما هي اليوم اتقان فن الكذب والدهاء واللف والدوران والمناورة، فالاستعمار الجديد استعمار تصنعه أجهزة المخابرات التي لا يوجد في قواميسها وسيلة ممنوعة للوصول إلى الأهداف، وهذه الأجهزة الرهيبة التي يستحيل على من هم خارجها أن يعرفوا ما يدور فيها يتحكمون بكل شيء تقريباً حتى برؤساء الدول العظمى التي تدبر عجلة هذه الدوامة، هذا الأخطبوط الخفي الذي لا يعمل إلا في الظلام هو المحرك الحقيقي للدوامة العالمية التي نعيشها اليوم، وهذه المظاهر والظواهر السياسية التي نشاهدها في كل مكان من ثورات وانقلابات وحروب وتصريحات وتهديدات يستحيل تفسيرها إلا وفق المعادلات المعقدة التي تحكم هذه السياسة الخفية، والذين يحاولون منا تفسير هذه الظواهر السياسية بعيداً عن فهم هذه المعادلات المعقدة يقعون في التناقض ثم في الحيرة والالباس ثم في اليأس واعتزال الفهم والتفكير..
стр. 141
بعد هذا العرض السريع والموجز لمظاهر الدوامة التي تلف العالم يرد هذا السؤال: ألا يمكن أن نخرج من هذه الدوامة؟
والجواب: يجب أن نعلم أولاً أننا لا نعيش وحدنا في هذا العالم، وأن الحدود السياسية أصبحت الآن خطوطاً وهمية على الخرائط وأن الوقت الذي كانت تستطيع فيه دولة ما أن تغلق فيه الأبواب على نفسها وتعيش بعيداً عن العالم قد انتهى والعالم اليوم قد أصبح قرية صغيرة فمن بيتك اليوم ترفع سماعة التليفون وتخاطب صديقاً في أمريكا وصديقاً آخر (بمجرد إدارة القرص) في اليابان، والغزو الإعلامي الخارجي دخل البيوت إلى مخادع الزوجات وليس هناك مكان في العالم اليوم بمنأى عن الحرب المدمرة والمصالح الاقتصادية تشابكت بحيث لو حدث إضراب عمال في مكان ما من العالم لتأثرت أجزاء كثيرة له، ولو احترقت نصف آبار البترول في العالم اليوم دفعة واحدة لعاد الناس جميعاً إلى ما قبل الآلة ولاندثرت الحضارة الحديثة، وأي خلل في ميزان القوى، وفي ضبط النفس بين روسيا وأمريكا يعرض العالم للدمار، ولقد وقف العالم على هذه الهاوية مرات عديدة وكادت أن تقع الكارثة، وكل يوم يأتي يزيد من احتمال الوصول إلى حافة الهاوية.. باختصار لسنا وحدنا في هذا العالم، ولكن ثمة أمم ودول كانت تعاني مثلنا هذه الحالة من الضياع والدوار والشتات، ولكن بفضل رجال مخلصين من أبنائها استطاعت أن تخرج ولو قليلاً من الدوامة الروسية الأمريكية مع أنها مع ذلك لم تتخلص نهائياً وهذه الدول هي: الصين، واليابان، وألمانيا، ولست بصدد بيان الدور الذي اضطلعت به كل دولة منها لتتخلص جزئياً من التكالب والسيطرة الروسية الأمريكية عليها. وأما منطقتنا الإسلامية والعربية منها بالذات فما زالت نهباً للصراع بين
стр. 142
العملاقين، ومجريات الأحداث فيها لا يمكن فهمه بعيداً عن هذا الصراع.
وهناك أمران اثنان يجعلان هذا الصراع شرساً أليماً فالعامل الأول هو هذه المميزات الظاهرة التي تتمتع بها هذه المنطقة من التوسط الجغرافي بين دول العالم والثروات الهائلة التي يزخر بها الوطن الإسلامي العربي (البترول، والزراعة) . والعامل الثاني هو وجود إسرائيل هذه الدولة التي عاشت عميلاً أميناً للشيوعية العالمية والرأسمالية العالمية في آن واحد والتي تختلف الدول الكبرى دائماً حول مصالح كل منها، ولكنها تلتقي دائماً حول بقاء إسرائيل في أرض فلسطين، ويستحيل على اليهود أن يقبلوا أمة إسلامية موحدة خارجة عن اللعبة العالمية والصراع الدولي والدوامة الرهيبة.
هذه الخطوط العامة التي نضعها بين يدي القارئ لملامح الدوامة الرهيبة التي تلف عالمنا الإسلامي سيستطيع بها أي فرد أتاه الله نصيباً من الذكاء والفهم أن يحل شيئاً من معضلة الحرب اللبنانية، وأن يفهم جانباً من معضلة الحرب-المصرية-الليبية، وأن يدرك لماذا وفي بلادنا الإسلامية بالذات يصاب الناس بالإحباط وخيبة الأمل والدهشة وعدم الفهم والتعصب الأعمى، وأيضاً بالتطرف واستعمال العنف أنها جميعاً محاولات يائسة للخروج من الدوامة.
٢٩ يوليو ١٩٧٧
стр. 143
لحساب من تعمل إسرائيل ؟
أصبح واضحاً الآن أن منتهى آمال السياسة العربية هو إزالة إسرائيل عن الأراضي التي احتلتها عام ١٩٦٧ في مقابل السكوت النهائي عن وجود إسرائيل في بقية فلسطين، وإعطائها صك غفران لإساءاتها السابقة وصك أمان لحياتها المستقلة وفتح الطريق أمام نشوء علاقات عادية بين اليهود وجيرانهم من العرب، ويتصور السادة الرؤساء أن بهذا الحل سيحققون المكاسب التالية:
أولاً: التخلص من عقدة الفلسطينيين وذلك يجمعهم في "وطن" وإلقاء المسؤوليات والهموم الفلسطينية على الفلسطينيين..
ثانياً: تفرغ الدول العربية التي تضررت بالحروب المتلاحقة مع إسرائيل لمعارك التنمية والخروج من الضائقات الاقتصادية التي تعانيها وخاصة مصر وسوريا.
ثالثاً: استمرار تدفق النفط إلى الغرب والشرق، وذلك بما يتيحه الاستقرار الذي سيوفره البعد عن الحروب، ويعني هذا استمرار تدفق الثروة والغنى على دول النفط، وتحررها ولو نسبياً من مشاكل الدعم للدول المواجهة.
وهذا الهدف النهائي أو مع -حسن الظن- المرحلي
стр. 144
للساسة العرب قد تبلور بشكل نهائي عند الساسة العرب بعد هزيمة ١٩٦٧ ولذلك قبلت الدول العربية بقرار الأمم المتحدة رقم ٢٤٢ وقبلت أيضاً بمبادرة روجرز وكل هذه كانت خطوات نحو هذا الهدف، وجميع البيانات المشتركة التي أعلن عنها بعد لقاءات عربية ودولية كانت تحمل في طياتها هذه الغاية كالقول بأحقية كل دول المنطقة في العيش بسلام داخل حدود آمنة ومعترف بها.. الخ.
وهذه الغاية النهائية المنشودة لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي ليست في الحقيقة في صناعة العرب ولا من اختراع زعماء السياسة ولكنها في الحقيقة هي الحل الوسط الذي تريده القوى الدولية الكبرى روسيا وأمريكا، بل وأيضاً الدول الشرقية والغربية عامة وهذا ما تعرب عنه جميع البيانات السياسية لهذه الدول في كل مناسبة تتعلق بهذا الصراع، وإن كان هناك خلاف قائم فإنما هو في التفصيلات والأشكال والسبل ليحقق ذلك فقط وليس في الجوهر أو المضمون، كالخلاف القديم بين روسيا وأمريكا هل يوصل إلى هذا الحل دفعة واحدة أو على دفعات (خطوة خطوة) والخلاف بين روسيا وأمريكا: هل يمثل الفلسطينيون في جنيف (مؤتمر السلام) بوفد مستقل أو بوفد ضمن الدول العربية، أو وفد ضمن الأردن.. الخ، وكلها خلافات شكلية لا يغير من المضمون شيئاً..
هذا الهدف الغالي للدول الكبرى وللسياسة العربية أيضاً قد اتخذ الساسة العرب للوصول إليه طرقاً مختلفة نستطيع أن نجملها فيما يأتي:
أولاً: التهديد باستعمال القوة، وقد فعلت مصر هذا بعد هزيمة ٦٧ حيث أعلن مراراً عن إعادة تكوين الجيش المصري بعد الهزيمة وإعادة تسليحه بأفضل بما كان وتهديد
стр. 145
عبد الناصر بالخطابات النارية كقوله: "سنحررها شبراً شبراً، وما أخذ بالقوة لا يرد إلا بالقوة.. الخ" هذه المقولات، التي لم تغن شيئاً في زحزحة الإسرائيليين عن مواقفهم أو رضوخهم لقرارات الأمم المتحدة أو انسحابهم.
ثانياً: استخدام الحرب الجزئية، وقد فعلت مصر هذا أيضاً لتمارس بحرب الاستنزاف على ضفتي القناة، ولكن هذه الحرب كانت خسارة عظيمة للعرب، فقد خربت على آثار هذه الحرب مدن القناة الثلاث.. (السويس، وبور سعيد، والإسماعيلية) وهجر أهلها، وكلفت مصر الكثير من أموالها ورجالها وقادتها أيضاً..
ولكن حرب ١٩٧٣م الجزئية التي باغتت اليهود في وقت ما كانوا يحلمون فيه بأن للعرب قدرة على الوقوف أمامهم وبأخذهم تصريحات الرئيس السادات بالحسم والحرب مأخذ الهزل، هذه الحرب كانت قمة موفقة لحرب الاستنزاف فقد صدمت المجتمع الإسرائيلي صدمة كبيرة ولكنه أفاق على أثرها أكثر تصميماً وتشبثاً بالأرض وأكثر عزماً على البقاء في مواقعه.
ثالثاً: استمالة الدول الكبرى لتضغط على إسرائيل بقبول (الحل العادل) وقد اتخذت هذه الاستمالة صوراً شتى فمن التهديد بقطع البترول عنهم، إلى التهديد بسحب الأرصدة (الأموال) ، إلى السير في الفلك الروسي أو الأمريكي، وذلك بإعطاء التسهيلات العسكرية والاقتصادية وتحقيق مآرب أخرى لبعض الدول الكبرى ضد بعضها الآخر.
وهذه هي الورقة الأخيرة المتبقية في أيدي الدول، أعني أنه لم يبق من الساسة، العرب لإقناع إسرائيل بقبول الحل
следующие страницы →