الملة العوجاء". إلخ. وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى" ١ إلخ. ثم ذكر الأحاديث التي قالها في مرضه، وقبله، وفي الصحيحين عنه: "لتركبن سنن من كان قبلكم" ٢ الحديث، وقد شرحنا هذا الحديث، وتكلمنا على جملة مما وقع من ذلك. والمقصود هنا أن النصارى فيهم إشراك وغلو وابتداع، كقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ الآية..، وقوله ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ وقوله ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ؛ فصار ذلك في كثير من هذه الأمة. ومثله هؤلاء الذين يهدون العبادات إلى الأنبياء لطلب الأجر منهم، أما إشراكهم فقد ضاهوا المخلوق بالخالق، وأما الابتداع فهذا العمل لم يسنه رسول الله ﷺ ، والغلو حيث جعلوا في البشر شوبا من الربوبية والإلهية، والغنى عن صاحبه إلى النفع. وهم في تقربهم إلى غير الله بالأعمال يشبهون المتوكلين على غير الله المستغيثين بغيره. والفقر للمخلوق وصف لازم لا يفارقه في الدنيا، ولا في الآخرة، بل العبد محتاج إلى الله من جهة ربوبيته، فلا يستعين بغيره، ومن جهة الألوهية فلا يعبد غيره، كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٣؛ فإن لم يعبده خسر الدنيا والآخرة، وإن لم يعنه على عبادته لم يقدر عليها. وإذا كان الخلق كلهم فقراء إلى الله، والله يرحمهم بما شاء من الأسباب، ومن ذلك دعاء بعضهم لبعض، وإحسان بعضهم إلى بعض؛ والدعاء يكون من الأدنى للأعلى بلا غضاضة على الأعلى، فالله الذي أمرنا بالصلاة
стр. 107
والسلام على نبيه، وهو الذي يثيبنا على ذلك، بل لله عليه أكمل النعم والمنة، ونعمته عليه أكمل نعمة أنعمها على مخلوق، وما منّ به علينا من الثواب على الصلاة عليه، وعلى سائر أعمالنا، فقد منّ عليه بمثله لدعائه لنا إلى ذلك، والخالق إذا تقربنا إليه فذلك إحسانا منا إلى أنفسنا، وهو الذي أعاننا عليه، وإن كان يحب ذلك فحبه إياه منه على العامل، فإنه الذي خلق ذلك كله، فعلى العبد أن يلاحظ التوحيد والأنعام، قال تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. وهؤلاء جعلوا الهدية له ﷺ بمنْزلة الهدية إلى الله، وكأنهم يتقربون إليه كما يتقربون إلى الله، فجعلوا المخلوق كأنه الرب الغني عنهم المجازي لهم، وجعلوا الرب محتاجا إلى عبادتهم، وأنهم يبلغون ضره ونفعه. والمؤمنون وأولهم أبو بكر يطلبون أجر أعمالهم من الله، لا من مخلوق مع قوله "إنَّ أمن الناس علي في صحبته وذات يده: أبو بكر" ٢ ونزل فيه قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ٣ والله سبحانه لكمال إحسانه إلينا أمرنا بالجهاد، وأخبر أنه نصر له، وبالصدقة وأخبر أنها قرض له، وذلك ممتنع من جهة ربوبيته؛ ولكن يصح من جهة الألوهية التي أقر بها الموحدون.
(١١٤) وسئل ﵀ عن دعوة ذي النون معناها،
ولم كانت موجبة لكشوف الكرب؟ وهل لذلك شروط غير لفظها؟ وكيف يتحقق القائل لها في الكرب بمعنى النفي والإثبات ليوجب الكشف؟ وما مناسبة
стр. 108
ذكر ظلمه مع التوحيد؟ وهل الاعتراف مع التوحيد موجب للغفران وكشف الكرب؟ وهل اعترافه بذلك الذنب المعين يوجب كشف كربة نزلت بذنوب أوجب تأخيرها إلى ذلك الوقت سعة حلم الله، أم لا بد عند قولها من استحضار جميع الذنوب؟ وهل مجرد الاعتراف كاف بدون التوبة؟ وما السر في أن الفرج يجيء عند انقطاع الرجاء من الخلق؟ وما الحيلة في انصراف القلب عنهم وتعلقه بالله؟ وما المعنى على ذلك؟
أجاب عن الأولى بأن لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول دعاء العبادة ودعاء المسألة، وفسر قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ١ بالوجهين.
وفي حديث النّزول: "من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " ٢ والمستغفر سائل، والسائل داع، لكن ذكر السائل لدفع الشر بعد السائل للخير، وذكرهما بعد الداعي الذي يتناولهما وغيرهما من عطف الخاص على العام، وسماها دعوة لتضمنها للنوعين، فقوله: ﴿لا إله إلا أنت﴾ : اعتراف بتوحيد الآلهية، وهو يتضمن النوعين، فإن الإله هو المستحق لأن يدعى بالنوعين. وقوله ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣: اعتراف بالذنب متضمن طلب المغفرة. فالسائل يسأل تارة بصيغة الطلب، وتارة بصيغة الخبر، إما بوصف حاله، أو حال المسؤول، أو بهما، وهو من حسن الأدب في السؤال، كقول أيوب ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٤. والسؤال بالحال أبلغ من جهة العلم والبيان، وبالطلب أظهر من جهة القصد والإرادة؛ فلهذا كان غالب الدعاء من القسم الثاني، لأن السائل يتصور مراده، فيسأله بالمطابقة، فإن تضمن وصف حال
стр. 109
السائل والمسؤول فهو أكمل، كقوله: "قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا " ١ إلخ.
وفيه وصف لحال نفسه المقتضي حاجته إلى المغفرة، ووصف ربه أنه لا يقدر على هذا غيره، وفيه التصريح بالمطلوب، وفيه وصف الرب بما يقتضي الإجابة، وهو وصفه بالمغفرة والرحمة. فهذا ونحوه أكمل الأنواع. فمقام يونس ومن أشبهه، مقام اعتراف بأن ما أصابه بذنبه، والمقصود دفع الضر والاستغفار رجاء بالقصد.
الثاني: فلم يذكر صيغة الطلب لاستشعاره أنه مسيء أدخل الضر على نفسه، فناسب ذكر ما يرفع سببه من الاعتراف، وهذا يبين بالكلام على قوله: ﴿سبحانك﴾ فإنه يتضمن التعظيم والتنْزيه، والمقام يقتضي تنْزيهه عن العقوبة بغير ذنب، فقوله: ﴿لا إله إلا أنت﴾ : فيه انفراده بالإلهية، وهي تتضمن كمال العلم والقدرة، والرحمة والحكمة. ففيها إثبات إحسانه إلى العباد، فإن الإله هو المألوه، والمألوه الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق ذلك هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع. والتسبيح يتضمن تعظيمه وتنْزيهه عن الظلم وغيره من النقائص، فإن الظالم إنما يظلم لحاجته أو جهله، والله غني عن كل شيء، عليم بكل شيء، وهو غني بنفسه، وكل ما سواه فقير إليه، وهذا كمال العظمة.
أجاب عن الثانية: بأن ذلك لأن الضر لا يكشفه إلا الله، والذنوب سبب الضر، والاستغفار يزيل سببه، وقوله: ﴿إني كنت من الظالمين﴾ : اعتراف واستغفار، والتهليل تحقيق لتوحيد الإلهية، فإن الخير لا يوجب له إلا مشيئة الله، والمعوق له عن العبد ذنوبه، وما خرج عن قدرة العبد فهو من الله، وإن كان الكل بقدره، لكنه جعل الطاعة
стр. 110
سببا للنجاة والسعادة. فمشاهدة التوحيد تفتح باب الخير، والاستغفار يغلق باب الشر، والرجاء لا تعلق بمخلوق ولا بقوة العبد ولا علمه، فإن ذلك شرك، ولهذا يذكر الأسباب ويأمر بأن لا يعتمد عليها، ولهذا قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّه﴾ ١. فمن جعل مع الله إلها آخر، قعد مذموما مخذولا، والقائل لا إله إلا الله بلسانه، فقولها مخلصا من قلبه له حقيقة أخرى، وبحسب تحقيقها تكمل الطاعة، كما قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ٢ الآيتين، فمن جعل ما يألهه هو ما يهواه فقد اتخذ إلهه هواه، ولهذا قال الخليل ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ ٣ بين أنه يغيب عن عابده، فلا يعلم حاله. وكلما حقق العبد الإخلاص في قول لا إله إلا الله خرج من قلبه تأله ما يهواه، ويصرف عنه المعاصي، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ ٤ الآية. وفي الصحيح: "من قالها مخلصا من قلبه حرمه الله على النار " ٥ فمن دخلها لم يحقق إخلاصها المحرم له على النار، والشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، ولهذا أمر أن يقول في كل صلاة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٦. والشيطان يأمر بالشرك، والنفس تطيعه، فلا تزال تلتفت إلى غير الله، إما خوفا، وإما رجاء، فلا يزال مفتقرا إلى تخليص توحيده من شوائب الشرك. وفي الحديث يقول الشيطان: "أهلكت الناس بالذنوب فأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون
стр. 111
ولا يستغفرون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا". فالذي اتبع هواه بغير هدى من الله له نصيب ممن اتخذ إلهه هواه، فصار فيه شرك منعه من الاستعاذة. وأما من حقق التوحيد والاستغفار فلا بد أن يرفع عنه الشر؛ وفي الصحيح قوله في صلاته: "اللهم اغفر لي ما قدمت - إلى قوله لا إله إلا أنت" فهنا قدم الدعاء، وختمه بالتوحيد، لأنه أفضل الأمرين، بخلاف ما لم يقصد فيه هذا، فإن تقديم التوحيد أفضل. وأهل التوحيد هم الذين لم يعبدوا إلا إياه، ولم يتوكلوا إلا عليه. وقول المكروب: لا إله إلا أنت، قد يستحضر في ذلك أحد النوعين، فإن همته منصرفة لدفع ضره أي لا يكشف الضر غيرك، مع إعراضه عن توحيد الإلهية؛ فإن استحضره في ذلك كان عابدا لله، متوكلا عليه، محققا ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ . فإذا سبق إلى القلب قصد السؤال ناسب السؤال باسم الرب، وإن سبق قصد العبادة فاسم الله أولى؛ وكذلك إذا بدأ بالثناء، ولهذا قال يونس ﵇: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ إلخ، وقال آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ ؛ فإن يونس ذهب مغاضبا فكان ذلك المناسب، أي: هو الذي يستحق العبادة دون غيره، ولا يطاع الهوى فإن ذلك يضعف الإخلاص. وهذا يتضمن براءة ما سوى الله من الإلهية، سواء قدر ذلك هوى النفس أو طاعة الخلق، أو غير ذلك، والعبد يقول ذلك فيما يظنه، وهو غير مطابق، وما يريده وهو غير حسن. وآدم لم يكن عنده من منازعة الإرادة ما يزاحم الإلهية، بل ظن صدق الشيطان فكانا محتاجين إلى أن يريهما ربوبيته تكمل علمهما وقصدهما حتى لا يفترا. ويونس كمل تحقيق الإلهية ومحو الهوى الذي يتخذ إلها. وأيضا مثل هذه الحال تعرض لمن تعرض له فيبقى فيه نوع معارضة للقدر، ومعارضة له سبحانه في خلقه، وأمره ووساوس في حكمته ورحمته، فيحتاج إلى أن يتقي الآراء الفاسدة
стр. 112
والأهواء الفاسدة فيعلم أن الحكمة والعدل فيما اقتضاه علمه سبحانه وحكمته، لا في ما اقتضاه علم العبد وحكمته، ويكون هواه تبعا لما يأمر الله به، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ ١ الآية. فإذا كان الإيمان لا يحصل حتى يحكم الرسول، ويسلم له، ويكون هواه تبعا لما جاء به، ويكون الرسول والجهاد مقدما على حب الإنسان نفسه وماله وأهله، فكيف في تحكيمه تعالى والتسليم له؟ فمن رأى من يستحق العذاب في ظنه فغفر له فكره ذلك، فهو إما عن إرادة تخالف الحكم، أو ظن يخالف العلم، والله عليم حكيم، فلم يبق لكراهة ما فعله وجه، وهذا يكون فيما أمر به، وفيما خلقه ولم يأمرنا أن نكرهه، بخلاف توبته على عباده وإنجائهم من العذاب، فإنه يحب التوابين، فكراهة هذا من نوع اتباع الإرادة المزاحمة للإلهية، فعلى صاحبها أن يحققه ولإنالة مراداتنا المخالفة.
وقوله: هل الاعتراف مع التوحيد موجب لغفرانها وكشف الكربة؟ فالموجب له مع التوحيد هو التوبة المأمور بها، فإن الشرك لا يغفر إلا بها، وأما الاعتراف على وجه الخضوع لله من غير توبة فهما في نفس الاستغفار الذي لا توبة معه، فهذا لا يؤنس، ولا يقطع له بالمغفرة فإنه داع، وفي الصحيح: "ما من رجل يدعو الله بدعوة إلخ"، فمثل هذا الدعاء قد تحصل معه المغفرة أو صرف شر آخر أو حصول خير آخر. وقوله: الاعتراف بالذنب المعين يوجب رفع ما حصل بذنوب أم لا بد من استحضار جميعها؟ فهذا مبني على أصول: أحدها: أن التوبة تصح من ذنب
стр. 113
مع الإصرار على آخر، وهذا هو المعروف عن السلف والخلف.
والثاني: أن من تاب من بعض فإن التوبة إنما تقتضي مغفرة ما تاب منه.
والثالث: أن الإنسان قد يستحضر ذنوبا فيتوب منها، وقد يتوب توبة مطلقة. فإن كانت نية التوبة العامة فهي تتناول كل ما رآه ذنبا إلا أن يعارض هذا معارض، مثل أن يكون بعضها لو استحضره لم يتب منه لقوة إرادته، أو اعتقاد أنه حسن. وأما التوبة العامة وهي أن يتوب توبة مجملة، ولا تلتزم التوبة من كل ذنب، فهذا لا يوجب دخول كل فرد، ولا يمنع دخوله كاللفظ المطلق؛ والناس في غالب أحوالهم لا يتوبون توبة عامة مع حاجتهم إلى ذلك، وأنها واجبة على كل عبد في كل حال.
وقوله: ما السبب في أن الفرج يأتي عند انقطاع الرجاء عن الخلق؟ وما الحيلة في صرف القلب عنه؟ فسببه تحقيق توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية، فالأول لا خالق إلا الله، والراجي لمخلوق طالب بقلبه لما يريده منه وهو عاجز، وهذا من الشرك الذي لا يغفر، فمن كمال نعمته وإحسانه إلى المؤمنين أن يمنع حصول مطالبهم بالشرك حتى يصرف قلوبهم إلى التوحيد. ثم إن وحده العبد توحيد الإلهية حصلت له سعادة الدنيا والآخرة، وإن كان ممن قيل فيه: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ الآية، فإن ما حصل له من وحدانيته حجة عليه، كما احتج سبحانه على المشركين بذلك في غير موضع. فمن تمام نعمة الله على المؤمنين أن ينزل بهم من الضر ما يلجئهم إلى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين، فيحصل لهم من التوكل والإنابة وذوق طعم الإيمان والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة من زوال الضر؛ فإن ذلك نعم دنيوية قد يحصل للكافر منها أعظم مما للمؤمن، وأما ما يحصل للمخلصين فأعظم من أن يعبر عن كنهه مقال، أو يستحضر تفصيله بال. ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه؛ فالذي يحصل لأهل
стр. 114
الإيمان عند تجريد التوحيد لا يعرفه بالذوق إلا من له منه نصيب، وهذا هو حقيقة الإسلام، وقطب رحى القرآن، به أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب.
(١١٥) الراجي يرجو حصول الخير ودفع الشر،
والرجاء مقرون بالتوكل، والتوكل لا يجوز إلا على الله، فلا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ١ الآية، وقال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ ٢ الآية، أي: كافينا في دفع البلاء، وأولئك أمروا أن يقولوا حسبنا الله في جلب النعماء، ومن توكل على غير الله ورجاه خذل من جهته وحرم، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ ٣ الآية، ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً﴾ ٤، ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً﴾ ٥ الآية، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ٦ الآية، ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ ٧ الآية.
والراجي يكون راجيا تارة بعمل يعمله، فهذا نوع من العبادة، وتارة باعتماد قلبه عليه وسؤاله له، فهو نوع من الاستغاثة، يوضحه أن كل خير ونعمة فهي من الله، وكل شر
стр. 115
مندفع عنه فالله يمنعه، ويكشفه، وما جرى من الأسباب على يد خلقه فهو خالق الأسباب كلها. ومن عرف هذا حق المعرفة انفتح له باب توحيد الله، وعلم أنه لا يستحق أن يدعى غيره، ولا فرق بين الأسباب العلوية والسفلية. وملائكته قال فيهم ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ١ فالصادر عنهم إما قول وإما عمل، فالقول لا يسبقونه به، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى. فعلينا أن نكون معه ومع رسله هكذا، فلا نقول حتى يقول، ولا نعبده إلا بما أمر، وأعلى من هذا أن لا نفعل إلا ما أمر، فلا تكون أعمالنا إلا واجبة أو مستحبة. والاستعانة تكون على الأعمال، وأما التوكل فأعم من ذلك، يكون لجلب المنفعة، ودفع المضرة، فمن لم يفعل ما أمر به لم يكن مستعينا بالله، وعلى ذلك فيكون قد ترك العبادة والاستعانة عليها، فترك التوكل في هذا الموضع. ومن ظن أن الإيمان بالقدر ينافي الأمر كالإباحية المشركية والقدرية المجوسية، أو ظن أن التكليف معه غير معقول بل الشارع أطيع لمحض المشيئة، وجعل ذلك حجة على أن الأفعال لم تتضمن أسبابا مناسبة للأمر والنهي، ففساد قوله معلوم بضرورة العقل مع الكتاب والسنة والإجماع. فالعبد عليه أن يصبر على ما قدر من المصائب، ويستغفر من المعايب، ويشكر على المواهب، فيجمع بين الإيمان بالقدر والشرع، وبين الصبر والشكر والاستغفار، والمحتج بالقدر إذا اعتدى عليه تناقض وظهر فساد قوله.
(١١٦) التسبيح المتضمن تنْزيهه عن السوء ونفي النقص يتضمن تعظيمه
стр. 116
العظمة الموجبة براءته من الظلم؛ فالظالم يظلم لحاجته، أو لجهله، والله غني عن كل شيء، عليم بكل شيء، وهذا كمال العظمة. وقوله ﷺ : "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" ١، هاتان الكلمتان إحداهما مقرونة بالتحميد، والأخرى بالتعظيم، فقرن بين الحمد والتعظيم، كما قرن بين الجلال والإكرام، إذ ليس كل معظم محمودا محبوبا، ولا كل محبوب محمودا معظما، والعبادة تتضمن كمال الحب المتضمن معنى الحمد، وكمال الذل المتضمن معنى التعظيم، ففيها إجلاله وإكرامه، وهو سبحانه المستحق للجلال والإكرام.
ومن الناس من يحسب الجلال الصفات السلبية والإكرام الصفات الثبوتية، والتحقيق أن كليهما صفات ثبوتية، وإثبات الكمال يستلزم نفي النقائص، لكن ذكر نوعي الثبوت وهو ما يستحق أن يحب، وما يستحق أن يعظم كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ، ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ وكذلك قوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ فقرن التسبيح بالتحميد والتهليل بالتكبير كما في الأذان. ثم إنَّ كل واحد من النوعين يتضمن الآخر إذا أفرد، فإن التسبيح والتحميد يتضمن التعظيم، ويتضمن إثبات ما يحمد عليه، وذاك يستلزم الإلهية؛ فإنها تتضمن كونه محبوبا، بل تتضمن أنه لا يستحق كمال الواجب إلا هو. والحمد هو الإخبار عن المحمود بالصفات التي يستحق أن يحب، فالإلهية تتضمن كمال الحمد، ولهذا كان الحمد مفتاح الخطاب، وسبحان الله فيها إثبات عظمته، ولهذا قال:
стр. 117
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ١ وقال: "اجعلوها في ركوعكم"، وقال: "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء"، فيجعل التعظيم في الركوع أخص منه بالسجود، وقوله: (لا إله إلا الله والله أكبر) ففي الإلهية محامده، وفي الكبرياء إثبات عظمته؛ فإن الكبرياء تتضمن العظمة لكن الكبرياء أكمل، وهي كالرداء ومعلوم أن الرداء أشرف، فلما كان التكبير أبلغ صرح بلفظه، وفي "سبحان الله" التصريح بالتنْزيه من السوء المتضمن للتعظيم، فصار كل واحدة متضمنة معنى أخريين إذا أفردتا، وعند الاقتران تعطى كل كلمة خاصتها؟ وكذلك الدعاء باسم الرب أو باسم الله أو لوصف حال السائل، أو حال المسؤول لكل نوع منها خاصة.
(١١٧) قال ﵀ بعد ما ذكر آيات احتج بها الجبرية وآيات احتج بها القدرية:
وكل من الطائفتين تتناول نصوص الأخرى بتأويلات فاسدة، وتضم إلى النصوص التي احتجت بها أمورا لا تدل عليها، وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة المسلمين فآمنوا بالكتاب كله، ولم يحرفوا شيئا من النصوص. وقوله: "إن الله جميل يحب الجمال" ٢ أي: يجب أن يتجمل له العبد، كقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ٣، ويكره أن يصلي عريانا، أو المرأة مكشوفة الرأس، ولو تزين لمعصية لم يحب ذلك. والمؤمن يظهر نور الإيمان على وجهه، ويكسى محبة ومهابة، والمنافق عكسه، وأما الصورة المجردة مشتهاة كالنساء أو لا فقد صح "أن الله لا ينظر إلى صوركم" ٤ إلخ. وقوله: "إن الله جميل" إلخ قاله جوابا بالتساؤل في
стр. 118
بيان ما يحبه الله وما يكرهه، فإنه لما ذكر الكبر سأله السامع عن جمال الثوب والنعل، وحسن ثوبه ونعله إنما يحصل بفعله وقصده ليس شيئا مخلوقا فيه بغير كسبه كصورته.
ومعلوم أن الله إذا خلق شخصا أكبر من شخص إما في جسمه، وإما في عقله وذكائه لم يكن هذا مبغضا؛ فإنه خلق بغير اختياره، بخلاف ما إذا تكبر بذلك أو بغيره فإنه من عمله، والمقصود هنا ذكر ما يحبه الله ويرضاه الذي يثاب أصحابه عليه، ومعلوم أن الفرق بين مطلق الإرادة والمحبة موجود في الناس، وغيرهم من الجهمية والقدرية إنما لم يفرقوا بين ما يشاء وما يحب، لأنهم لا يثبتون لله محبة لبعض الأمور المخلوقة دون بعض، وفرحا بتوبة التائب. وكان أول من أنكره الجعد فضحى به خالد القسري فقال: إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا. فإن الخلة من توابع المحبة، فمن زعم أن الله لا يحب ولا يحب لم يكن للخلة عنده معنى. والرسل صلوات الله وسلامه عليهم جاؤوا بإثبات هذا الأصل، وهو أن الله يحب بعض الأمور المخلوقة، ويسخط بعضها، فإن الجهمية والقدرية تجعل الجميع بالنسبة إليه سواء، القدرية يقولون يقصد نفع العبد لكونه حسنا، ولا يقصد الظلم لكونه قبيحا.
والجهمية يقولون: إذا كان لا فرق بالنسبة إليه بين هذا، وهذا امتنع أن يكون عنده شيء حسن وشيء قبيح، وإنما يرجع ذلك إلى أمور إضافية ١ للعباد؛ فالحسن بالنسبة إلى العبد ما يلائمه، وما ترتب عليه ثواب يلائمه، والقبيح بالعكس؛ ومن هنا جعلوا المحبة والإرادة سواء. فلو أثبتوا أنه سبحانه يحب ويفرح بحصول محبوبه كما أخبر به الرسول
стр. 119
تبين لهم حكمته، وتبين لهم أيضا أنه يفعل الأفعال بحكمة. فإن الجهمية قالوا: إذا كانت الأشياء بالنسبة إليه سواء امتنع أن يفعله لحكمة، والمعتزلة يقولون يفعل لحكمة تعود إلى العباد، فقالت الجهمية تلك يعود إليه منها حكم أم لا؟ الأول خلاف أصلكم، والثاني ممتنع، فيمتنع أن أحدا يختار الحسن على القبيح إن لم يكن له من فعل الحسن معنى يعود إليه. ثم إن هذه الصفة من أعظم صفات الكمال، وكذلك كونه محبوبا لذاته هو أصل دين الرسل؛ فإنهم كلهم دعوا إلى عبادة الله وحده، وأن لا إله إلا هو، والإله المستحق للعبادة، وهو لا يكون إلا بتعظيم ومحبة، وإلا فمن عمل لغيره لعوض بلا محبة له لم يكن عابدا له.
وهؤلاء الذين ينكرون أنه يحب أو يحب، آخر أمرهم أنه لا يبقى عندهم فرق بالنسبة إلى الله بين أوليائه وأعدائه، ولا بين الإيمان والكفر. فإن كانوا من الصوفية الذين ينكرون الكمال في فناء العبد عن حظوظه، ودخلوا في مقام الفناء في توحيد الربوبية، وإن كانوا من المتكلمين صاروا من المستقلين للعبادة وفي قلوبهم مرتع للشياطين، لم لا ينعم بالثواب بدون هذا؟ فإذا أجابوا بجوابهم كان من أبرد الأجوبة وأسمجها، فإن هذا يقال في المتناظرين لا في رب العالمين، فلا أحد إلا مقر بفعله، ثم يقال قد حصل بطلب الألذ من شقاوة الأكثرين ما كان خلقهم في الجنة ابتداء، لأنه إن كان من المرجئة استرسلت نفسه في المحرمات وترك الواجبات، بخلاف من وجد حلاوة الإيمان بمحبة الله وحبه للعبادات، فإن هذا هو الإسلام الذي به يشهد العبد أن لا إله إلا الله. وهؤلاء يدعون محبة الله في الابتداء ويعظمونها ويستحبون السماع بالغنا والدف لأنه يحرك محبة الله، وإذا حقق أمرهم وجدت محبتهم تشبه محبة المشركين لا محبة الموحدين. فإن محبة الموحدين بمتابعة الرسول والجهاد في سبيل الله، وهؤلاء أكثرهم
стр. 120
يكره متابعة الرسول، وهم من أبعد الناس عن الجهاد، ومحبتهم التي يدعون من جنس محبة المشركين الذين صلاتهم عند البيت مكاء وتصديه، ويجتهدون في دعاء مشايخهم في حياتهم وعند قبورهم، فأولئك أنكروا المحبة، وهؤلاء دخلوا في محبة المشركين، فنفس محبته أصل عبادته، والشرك فيها أصل الشرك في عبادته، أولئك فيهم شبه من النصارى وفيهم شرك من جنس شرك النصارى؛ ولهذا كان مشايخ الصوفية العارفون يوصون كثيرا بمتابعة العلم، قال بعضهم: ما ترك أحد شيئا من السنة إلا لكبر في نفسه، وهو كما قال، فإنه إذا لم يكن متبعا لما جاء به الرسول كان متبعا لهواه بغير هدى من الله، وهذا عيش النفس، وهو من الكبر، فإنه شعبة من قول الذين قالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله.
(١١٨) العقوبات شرعت رحمة من الله بعباده،
ولهذا ينبغي لمن يعاقب على الذنوب أن يقصد بذلك الإحسان إلى المعاقب، والرحمة له، كما يقصد الوالد تأديب ولده، فإنه ﷺ قال: "إنما أنا لكم بمنْزلة الوالد".
وقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ١، وفي قراءة أبي (وهو أب لهم) ، والقراءة المشهورة تدل عليه؛ فلولا أنه كالأب لم تكن نساؤه كالأمهات. والأنبياء أطباء الدين، والقرآن أنزله الله شفاء، فالذي يعاقب عقوبة شرعية نائب له، فعليه أن يفعل كفعله، ولهذا قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٢. قال أبو هريرة: "خير
стр. 121
الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل تدخلونهم الجنة"، أخبر أنهم خير الأمم لبني آدم، يعاقبونهم بالقتل والأسر للإحسان إليهم. وهكذا الراد على أهل البدع من الرافضة وغيرهم، إذا لم يقصد بيان الحق وهدى الخلق لم يكن عمله صالحا. وإذا كان المسلم الذي يقاتل الكافر قد يقاتله شجاعة وحمية وذلك ليس في سبيل الله، فكيف بأهل البدع؟ وإذا كان الذنب متعلقا بالله ورسوله فهو حق محض لله، فيجب أن يكون الإنسان في هذا قاصدا لوجه الله، متبعا لرسوله ليكون عمله صوابا خالصا، وهو معنى قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ١. والأمر بالسنة والنهي عن البدعة أمر بمعروف ونهي عن منكر، وهو من أفضل الأعمال الصالحة، فيجب أن يبتغي به وجه الله، وأن يكون مطابقا للأمر. وفي الحديث: "من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فينبغي أن يكون عليما فيما يأمر به، عليما فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه"، فالعلم قبل الأمر، والرفق مع الأمر، والحكم بعد الأمر. فإن لم يكن عالما لم يكن له أن يقفو ما ليس له به علم، وإن لم يرفق فهو كالطبيب الذي يغلظ على المريض فلا يقبل منه.. وكالمؤدب الغليظ الذي لا يقبل منه الولد، قال تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ٢ ثم إذا أمر أو نهى فلا بد أن يؤذى في العادة، فعليه أن يصبر ويحلم، كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ
стр. 122
الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ ١.
وقد أمر الله نبيه بالصبر على أذى المشركين في غير موضع، وهو إمام الآمرين والناهين. وإن أمر ونهى طلبا لرياسة نفسه ولطائفته وتنقيص غيره كان ذلك حمية لا يفعله لله، وإذا فعل ذلك رياء كان عمله حابطا. ثم إذا رد عليه وأوذي وغرضه فاسد طلبت نفسه الانتصار لها، وأتاه الشيطان فكان مبدأ عمله لله وصار له هوى يطلب أن ينتصر بمن اعتدى. وهكذا يصيب أصحاب المقالات إذا كان كل يعتقد أن الحق معه، فأكثرهم صار له في ذلك هوى لا يقصد أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، بل يغضب على من خالفه وإن كان معذورا، ويرضى عمن وافقه ولو كان جاهلا سيئ القصد، فتصير الموالاة والمعاداة على الهوى لا على دين الله ورسوله؛ وهذه حال الكفار الذين لا يطلبون إلا هواهم يقولون: هذا صديقنا وهذا عدونا. قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٢. فإذا لم يكن الدين كله لله كانت فتنة، وأصل الدين أن يكون الحب لله، والبغض لله، وهذا إنما يكون بمتابعة الرسول.
وصاحب الهوى يعميه الهوى، ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يطلبه؛ ويكون مع ذلك معه شبهة دين أن الذي يرضى ويغضب له هو السنة، فإذا قدر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله ولا في سبيله، فكيف إذا كان كنظيره معه حق وباطل، ومع خصمه كذلك، وهذا حال المختلفين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، ولهذا
стр. 123
قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ١ الآية، وقال: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني فاختلفوا كما في سورة يونس، وكذلك في قراءة بعض الصحابة، وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين أنهم كانوا على الإسلام، وتفسير عطية عن ابن عباس لا يثبت عن ابن عباس.
(١١٩) ثبت عن ابن عباس أنه قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام"
وقال: " ﴿وما كان النّاس إلا أمة واحدة فاختلفوا﴾ فذمهم على الاختلاف بعد أن كانوا على دين واحد، فعلم أنه كان حقا".
والاختلاف في دين الله نوعان:
أحدهما: أن يكون كله مذموما كقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ٢.
الثاني: أن يكون بعضهم على الحق كقوله: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ ٣. ولكن إذا أطلق الاختلاف فالجميع مذموم، كقوله: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ٤، "إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبياءهم"، ولهذا فسروا الاختلاف في هذا بأنه كله مذموم، قال الفراء في اختلافهم وجهان:
стр. 124
أحدهما: كفر بعضهم ببعض الكتاب.
والثاني: بديل ما بدلوا، وهو كما قال، فإن المختلفين كل منهم يكون معه حق وباطل، فيكفر بالحق الذي مع الآخر، ويصدق الباطل الذي معه، وهو تبديل؛ فالاختلاف لا بد أن يجمع النوعين؛ ولهذا ذكر كل من السلف نوعا من هذا:
أحدهما: الاختلاف في اليوم الذي يكون فيه الاجتماع، فاليوم الذي أمروا به الجمعة، فعدلت عنه الطائفتان، فهذه أخذت السبت، وهذه الأحد. قال ﷺ : "فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له" ١. وهذا الحديث يطابق قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ ٢. ثم ذكر حديث الاستفتاح: "اللهم رب جبرائيل" إلخ، والحديث بين أن الله هدى المؤمنين لغير ما كان فيه المختلفون، فلا كانوا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، وهو مبين أن الاختلاف كله مذموم.
الثاني: القبلة، فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم من يصلي إلى المغرب، وكلاهما مذموم ولم يشرعه الله.
الثالث: إبراهيم، قالت اليهود كان يهوديا، وقالت النصارى كان نصرانيا، وكلاهما من الاختلاف المذموم.
والرابع: عيسى ﵇، جعله اليهود (ابن البغي) ، والنصارى إلها.
الخامس: الكتب المنزلة، آمن هؤلاء ببعض، وهؤلاء ببعض.
السادس: الدين، أخذ هؤلاء بدين، وهؤلاء بدين، ومن هذا الباب
стр. 125
قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ ١ الآية. وعن ابن عباس قال: "اختصمت يهود المدينة ونصارى نجران عند النبي ﷺ ، فقالت اليهود: ليست النصارى على شيء، ولن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وكفروا بالإنجيل وعيسى، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء، وكفروا بموسى والتوراة. فأنزل الله هذه الآية". واختلاف أهل البدع هو من هذا النمط، فالخارجي يقول: ليس الشيعي على شيء، والشيعي يقول: ليس الخارجي على شيء، والقدري النافي يقول: ليس المثبت على شيء، والقدري الجبري المثبت يقول: ليس النافي على شيء، ثم الوعيدية، والمرجئة كذلك، بل يوجد شيء من هذا بين أهل المذاهب الأصولية، والفروعية، المنتسبين إلى السنة؛ فالكلابي يقول: ليس الكرامي على شيء، والكرامي يقول: ليس الكلابي على شيء، والأشعري يقول: ليس السالمي على شيء، والسالمي يقول: ليس الأشعري على شيء.
وكذلك أهل المذاهب الأربعة وغيرها، لا سيما وكثير منهم قد تلبس ببعض المقالات الأصولية، وخلط هذا بهذا، فالحنبلي والشافعي والمالكي يخلط بمذهب مالك والشافعي وأحمد شيئا من أصول الأشعرية والسالمية وغير ذلك ويضيفه إلى مذهب مالك والشافعي وأحمد، وكذلك الحنفي يخلط بمذهب أبي حنيفة شيئا من أصول المعتزلة والكرامية والكلابية، ويضيفه إلى مذهب أبي حنيفة، وهذا من جنس الرفض والتشيع، لكنه تشيع في تفضيل بعض الطوائف والعلماء، لا في تفضيل بعض الصحابة. والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن
стр. 126
محمدا رسول الله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، وطاعة رسوله، يدور على ذلك ويتبعه أين وجده، ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخص انتصارا مطلقا عاما إلا لرسول الله ﷺ ، ولا لطائفة انتصارا مطلقا عاما إلا لأصحابه.
فإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا؛ فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب عالم من العلماء، بل كل قوم قالوا قولا لم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ. فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مسلما لعالم واحد وأصحابه، ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظير رسول الله ﷺ وهو شبيه بقول الرافضة في المعصوم، ولا بد أن يكون الصحابة والتابعون يعرفون ذلك الحق الذي بعث به الرسول قبل وجود المتبوعين الذين تنتسب المذاهب إليهم في الفروع والأصول، ويمتنع أن يكون هؤلاء جاؤوا بحق يخالف ما جاء به الرسول، ويمتنع أن يكون أحدهم علم من جهة الرسول ما يخالف الصحابة والتابعين، فأولئك لم يجتمعوا على ضلالة. والمقصود أن الله سبحانه ذكر أن المختلفين جاءهم العلم، وجاءتهم البينة بل كانوا قاصدين البغي عالمين بالحق، ونظيره قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ١ الآية. وقال: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرائيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ ٢ الآية. وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ
стр. 127
الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ ١ إلى قوله ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . فهذه المواضع تبين أن المختلفين ما اختلفوا حتى جاءهم العلم والبينات، فاختلفوا للبغي لا لاشتباه الحق بالباطل، وهذه حال أهل الأهواء كلهم لا يختلفون إلا من بعد أن يظهر الحق ويجيئهم، ثم كل يبغي على الآخر فيكذب بما معه من الحق مع علمه بأنه حق، ويصدق بما مع نفسه من الباطل مع العلم بأنه باطل.
ولهذا كان أهل الاختلاف المطلق كلهم مذمومون، فإنه ما منهم إلا من خالف حقا واتبع باطلا، ولهذا أمر الله الرسل أن تدعو إلى دين واحد، وهو الإسلام، ولا يتفرقوا فيه، قال تعالى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ ٢ إلى قوله ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ ٣، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ٤ إلى قوله ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾ ٥ كتبا اتبع كل قوم كتابا مبتدعا غير كتاب الله، فصاروا متفرقين، لأن أهل الاختلاف ليسوا على الحنيفية المحضة، التي هي الإسلام المحض الذي هو إخلاص الدين لله الذي في قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ ٦ الآية. وقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ ٧ الآيتين، فنهاه أن يكون من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، وأعاد حرف من لأن الثاني بدل من الأول والبدل هو المقصود بالكلام، وما قبله توطئة له، وقال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ
стр. 128
خَلَقَهُمْ﴾ ١.فأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون، وذكر في غير موضع أن دين الأنبياء كلهم الإسلام، كما قال عن نوح: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢. وتنوع الشرائع لا يمنع أن يكون الدين واحدا، فإن الذي بعث به محمد ﷺ هو دين الإسلام أولا وآخرا، وكانت القبلة في أول الأمر بيت المقدس، ثم صارت الكعبة، وفي كلا الحالين الدين واحد؛ فهكذا سائر ما شرع للأنبياء قبلنا.
ولهذا حيث ذكر الله الحق في القرآن جعله واحدا، وجعل الباطل متعددا كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٣ إلى آخرها. ثم ذكر آيات ثم قال: وهذا يطابق ما في كتاب الله من أن الاختلاف المطلق كله مذموم، بخلاف المقيد الذي قال فيه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ ٤، وقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ٥ نزلت في المقتتلين يوم بدر. وقد تدبرت كتب الاختلاف التي يذكر فيها المقالات مثل كتاب الأشعري والشهرستاني والوراق، أو مع انتصار لبعض الأقوال كسائر ما صنف أهل الكلام، فرأيت عامة الاختلاف الذي فيها من الاختلاف المذموم، وأما الحق الذي بعث الله به رسوله وكان عليه السلف فلا يوجد فيها، وليس ذلك لأنهم يعرفونه ولا يذكرونه، بل لا يعرفونه، والحاذق منهم الذي غرضه الحق يصرح بالحيرة في آخر عمره إذ لم يجد في الاختلافات التي نظر فيها وناظر ما هو حق محض. وكثير منهم ترك الجميع، ويرجع إلى دين العامة كما قال أبو المعالي وقت السياق: لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم،
стр. 129
ودخلت في الذي نهوا عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني. وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي. وكذلك أبو حامد في آخر عمره استقر أمره على الحيرة، وكذلك الشهرستاني مع أنه أخبر هؤلاء بالمقالات، وصنف فيها كتابه المعروف قال فيه الأبيات:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها.. إلخ.
فأخبر أنه لم يجد إلا شاكا مرتابا، أو من اعتقد ثم ندم لما تبين له خطؤه، الأول الجهل البسيط، كظلمات في بحر لجي إلخ. وهذا دخل في المركب ثم تبين له أنه جهل فندم. وكذلك الآمدي الغالب عليه الحيرة. وأما الرازي فهو في الكتاب الواحد بل في الموضع الواحد منه ينصر قولا، وفي موضع آخر منه أو من كتاب آخر ينصر نقيضه، ولهذا استقر أمره على الشك والحيرة، ثم ذكر أبياته:
نهاية إقدام العقول عقال.. إلخ.
وقوله: فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، وهو صادق فيما أخبر به أنه لم يستفد من بحوثه في الطرق الكلامية والفلسفية سوى جمع قيل وقالوا، وأنه لم يجد فيها ما يشفي عليلا، ولا يروي غليلا، فإن من تدبر كتبه كلها لم يجد فيها مسألة واحدة من مسائل أصول الدين موافقة للحق الذي يدل عليه المنقول والمعقول، بل يذكر في المسألة عدة أقوال، والقول الحق لا يعرفه فلا يذكره، وكذا غيره من أهل الكلام، بل هم مختلفون في الكتاب، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا. والذين يذكرون ذلك إما نقلا مجردا للأقوال، وإما بحثا وذكرا للجدال، مختلفون في الكتاب، كل منهم موافق بعضا ويرد بعضا، ويجعل ما يوافق رأيه هو المحكم الذي يجب اتباعه، وما يخالف رأيه هو المتشابه الذي يجب تأويله
стр. 130
أو تفويضه. هذا موجود في كلام من صنف في الكلام يذكر النصوص التي يحتج بها، ويحتج عليها، ثم تجده يتأول النصوص التي تخالفه تأويلا لو فعله غيره لأقام القيامة عليه. ويتأول الآيات بما يعلم بالاضطرار أن الرسول لم يرده، وبما لا يدل عليه اللفظ أصلا، وكثير ممن سمع ذم الكلام مجملا، وذم الطائفة الفلانية مجملا، ولا يعرف التفاصيل؛ من الفقهاء وأهل الحديث ومن كان متوسطا في الكلام لم يصل إلى الغايات التي منها تفرقوا، تجده يذم القول وقائله بعبارة ويقبله بعبارة، ويقرأ كتب التفسير والفقه وشروح الحديث وفيها تلك المقالات التي يذمها فيقبلها من أشخاص أخر ذكروها بعبارة أخرى، أو في ضمن تفسير آية أو حديث أو غير ذلك، هذا مما يوجد كثيرا، والسالم من سلمه الله، حتى إن كثيرًا من هؤلاء يعظم أئمة ويذم أقوالا، وقد يلعن قائلها أو يكفره، وقد قالها تلك الأئمة الذين يعظمهم، ولو علم أنهم قالوا لما لعن القائل، وكثير منها يكون قد قاله النبي ﷺ . ولو ذكرت ما أعرفه من ذلك لذكرت خلقا، ولا أستثني واحدا من أهل البدع لا من المشهورين بالبدع الكبار من معتزلي ورافضي ونحوهم، ولا من المنتسبين إلى السنة من كرامي، وأشعري، ونحوهم، وكذلك من صنف على طرائقهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم. هذا كله رأيته في كتبهم في مسائل الصفات والقرآن، ومسائل القدر ومسائل الأسماء والأحكام، والإيمان والإسلام، ومسائل الوعد والوعيد وغير ذلك.
ومن أجمع الكتب التي رأيتها في المقالات، كتاب الأشعري ذكر فيه من المقالات وتفاصيلها ما لم يذكره غيره، وذكر فيه مذهب أهل السنة بحسب فهمه، وليس في جنسه أقرب إليهم منه، ويذكر منه أمرا مجملا تلقاه عن زكريا الساجي وبعض عن
стр. 131
حنبلية بغداد ونحوهم، ونصر في الصفات طريقة ابن كلاب لأنها أقرب إلى الحق من قول المعتزلة، ويذكر مقالة ابن كلاب من خبره، ونظر في كتبه، ويذكر مقالات المعتزلة مفصلة، ويذكر قول كل واحد منهم، وما بينهم من النّزاع في الدق والجل، فإذا جاء إلى مقالة أهل السنة ذكر أمرا مجملا، فإنه لم يكن خبيرا بالسنة والحديث، وأقوال الصحابة والتابعين، وغيرهم، وتفسير السلف للقرآن، مع أنه من أعرف المصنفين في الاختلاف بذلك، وهو أعرف به من جميع أصحابه كالقاضي أبي بكر وابن فورك وابن إسحاق، وهؤلاء أعلم به من أبي المعالي وذويه، ومن الشهرستاني، ولهذا ما يذكره من مذهب أهل السنة ناقص عما يذكره الأشعري، فإن الأشعري أعلم من هؤلاء كلهم لذلك نقلا وتوجيها. وأما الاختلاف العملي وهو الاختلاف باليد والسيف والعصا، فهو داخل في الاختلاف، والخوارج والروافض والمعتزلة ونحوهم، يدخلون في النوعين، والملوك الذين يقاتلون على محض الدنيا يدخلون في الثاني. والذين يتكلمون في العلم ولا يدعون إلى قول ابتدعوه ولا يحاربون عليه لا بيد ولا بلسان، هؤلاء أهل العلم وخطؤهم مغفور إلا أن يدخلهم هوى، وعدوان، أو تفريط في بعض الأمور فيكون ذلك من ذنوبهم.
فإن العبد مأمور بالتزام الصراط المستقيم في كل أموره، وقد شرع الله تعالى أن نسأله ذلك في كل صلاة، وهو أفضل الدعاء وأفرضه وأجمعه لكل خير، وكل أحد محتاج إليه، فلهذا أوجبه الله على العبد في كل صلاة، فإنه إن هُدي هدي مجملا مثل إقراره بأن الإسلام حق، فهو محتاج إلى التفصيل في كل ما يقوله ويفعله ويعتقده، فيثبته أو ينفيه، أو يحبه أو يبغضه، ويأمر به أو ينهى عنه، أو يحمده أو يذمه. والمقصود بيان ما ذكره الله في كتابه من ذم
стр. 132
الاختلاف، وأن أهل الكلام يردون باطلا بباطل، مثاله تنازعهم في مسائل الأسماء والأحكام، والوعد والوعيد؛ فالخوارج والمعتزلة تقول: صاحب الكبائر إذا لم يتب مخلد في النار، ليس معه إيمان، ثم الخوارج تقول: كافر.
والمعتزلة توافقهم على الحكم لا الاسم، والمرجئة تقول: هو تام الإيمان إيمانه كإيمان الأنبياء، وهذا نزاع في الاسم. ثم تقول فقهاؤهم قول الجماعة في أهل الكبائر لا ينازعونهم الحكم في الآخرة، وينازعون أيضا فيمن قال ولم يفعل، وكثير من متكلمتهم يقول: لا نعلم أن أحدا من أهل القبلة من أهل الكبائر يدخل النار، بل يجوز أن يدخلها جميع الفساق، ويجوز أن لا يدخلها أحد منهم، ويجوز دخول بعضهم، ويقول: من أذنب وتاب لا نقطع بقبول توبته، بل يجوز أن يدخل النار، فهم يقفون في هذا كله، ولهذا سموا الواقفة، وهذا قول القاضي أبي بكر وغيره من الأشعرية وغيرهم، فيحتج أولئك بنصوص الوعيد وعمومها.
وقالوا: الفساق لا يدخلون في الوعد لأنهم لا حسنات لهم، لأنهم ليسوا من المتقين، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ١، وقال: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ ٢، وقال: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآية، وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ٣، فهذه النصوص وغيرها تدل على أن الماضي من العمل
стр. 133
قد يحبط بالسيئات، وأن العمل لا يقبل إلا مع التقوى، والوعد إنما هو للمؤمنين وليسوا منهم، بدليل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ١ ونحو ذلك، وبقوله: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" ٢ ونحو ذلك. وتقول المرجئة: إنما يتقبل الله من المتقين المراد من اتقى الشرك، والأعمال لا تحبط إلا بالكفر لقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ٣، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ ٤، وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ الآيتين، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٥ في الكفار لأنه قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ﴾ ٦ الآية، وكذلك قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ إلى قوله ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ، أخبر أنهم ارتدوا بعد بيان الهدى، وأن الشيطان سول لهم وأملى لهم أي: وسع لهم في العمر، فكان سبب وعدهم للكفار.
ولهذا فسرها السلف بالمنافقين وباليهود، قالت الوعيدية: إنما وصفهم بمجرد كراهة ما أنزل، والكراهة عمل القلب. وعند الجهمية الإيمان بمجرد تصديق القلب لا عمله؛ وعند فقهاء المرجئة قول اللسان مع التصديق، وعلى القولين أعمال القلوب ليست من الإيمان عندهم، فيمكن أن يصدق بقلبه ولسانه مع كراهته ما أنزل الله، فلا يكون كافرًا عندهم؛ والآية تتناوله فيدل على فساد قولهم. قالوا: وأما قولكم المتقون
стр. 134
الذين اتقوا الشرك، فهذا خلاف القرآن، لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ ١، ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً﴾ ٢، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ٣، ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ٤، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ٥، قال ابن مسعود وغيره: " ﴿حق تقاته﴾ أن يطاع فلا يعصى، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى" وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٦ وهي مفسرة لتلك؛ ومن قال من السلف، ناسخة، فمعناه رافعة لما يظن أن المراد يعجز عنه. فإن الله لم يأمر بهذا قط، ومن قال: إن الله أمر به، فقد غلط. والنسخ في عرف السلف يدخل فيه كل ما فيه نوع رفع لحكم، أو ظاهر، أو ظن دلالة، حتى إنهم يسمون تخصيص العالم نسخا، ومنهم من يسمي الاستثناء نسخا إذا تأخر نزوله.
وقد قال تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ ٧، فهذا رفع لما ألقاه الشيطان، ولم ينزله الله، لكن غايته أن يظن أن الله أنزله، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ ٨ الآيتين فمن كان الشيطان لا يزال يمده في الغي وهو لا يتفكر ولا يبصر، كيف يكون من المتقين؟ ومن آخر ما نزل، وقيل: إنها آخر
стр. 135
آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ١ الآية. وقال طلق ابن حبيب - ومع هذا كان سعيد بن جبير ينسبه إلى الإرجاء -: "التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله".
وبالجملة فكون المتقين هم الفاعلون للفرائض المجتنبون للمحارم هو من العلم العام الذي يعرفه المسلمون خلفا عن سلف. ثم ذكر أن أهل السنة وسط، وذكر بعض دلائلهم، منها قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ ٢ الآية. فلو كانت الحسنة لا تقبل من صاحب السيئة لم تمحها، وثبت بالكتاب والسنة المتواترة، فلو كانت الكبيرة تحبط الحسنات لم يبق حسنة توزن معها. وثبت أن بغيا سقت كلبا فغفر لها. قالوا: وابنا آدم لم يكن أحدهما مشركا، لكن لم يقصد التقرب إلى الله بالطيب من ماله، كما في الأثر، فلهذا لم يتقبل منه قربانه. وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ ٣ الآية، فجعل هذا من موانع قبول النفقة دون مطلق الذنوب، ويقولون: من نفي عنه الإيمان فلتركه بعض واجباته، ولا يلزم أن لا يبقى منه شيء، بل دلت النصوص على بقاء بعضه، ويخرج من النار من بقي معه بعضه، ومعلوم أن العبادات فيها واجب، فالحج فيه واجب، إذا تركه نقص حجه، ولا يفسده إلا الجماع.
فكذلك لا يزيل الإيمان كله إلا الكفر المحض، وما دونه قد يحبط بعض العمل كالمن والأذى، فإنه يبطل الصدقة، لا سائر
стр. 136
الأعمال. والذين كرهوا ما أنزل الله كفار، وأعمال القلب من الإيمان، وكراهة ما أنزل الله كفر. ودخول الظالم لنفسه الجنة لا يمنع أن يعذب قبله. وقوله: ﴿لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ ١ لا يخلو إما أن يكون الصلي نوعا من التعذيب، كما قيل: إنه الإحاطة، وأهل القبلة لا تحرق منهم مواضع السجود، أو تكون نارا مخصوصة، ومثاله تنازع القدرية النافية والمجبرة فقالوا جميعا: الإرادة هي المحبة، فقالت النافيه: هو يحب العمل الصالح ويكره الكفر والفسوق والعصيان، فلا يكون مريدا له لقوله: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ ٢، ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ ٣.
(١٢٠) من أصيب بمصيبة بسبب ما جاء به الرسول فبذنوبه،
ليس لأحد أن يعيب ما جاء به، لكون فيه جهاد الكفار والمنافقين. كما أنه لا يجوز أن يقول أحد بسببه نزول القرآن ونزوله بكلام العرب اختلفت الأمة في التأويل، واقتتلوا إلى أمثال ذلك، فإن هذا من كلام الكفار. والذين قالوا لرسلهم إنا تطيرنا بكم، فقالوا لهم: ﴿طائركم معكم﴾ وقال تعالى عن آل فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٤، وقال كما أمر بالجهاد وإن من الناس من يبطىء عنه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ ٥..
стр. 137
الآية. والحسنات والسيئات، هنا النعم، والمصائب كقوله ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ﴾ ١ الآية ولهذا قال: ﴿ما أصابك﴾ ولم يقل ما أصبت، وقال: ﴿وإن تصبهم حسنة﴾ إلخ، قيل: الضمير يعود على المنافقين، وقيل: على اليهود، وقيل: على الطائفتين. والتحقيق أنه يعود على من قال هذا، من أي صنف كان، ولهذا لم يعين قائله، لأنه دائما يقوله بعض الناس.
فإن الطاعنين على ما جاء به الرسول من كافر ومنافق، بل ومن في قلبه مرض، أو عنده جهل يقول مثل هذا، فكثير يقوله فيما جاء به الرسول ولا يعلم أنه جاء به، لظنه خطأ من قاله، ويكون هو المخطئ. فإذا أصابهم نصر ورزق قالوا: هذا من عند الله، ولا يضيفه إلى ما جاء به الرسول، وإن كان سببا له، وإن أصابهم نقص وخوف وظهور عدو قالوا: هذا من عندك، لأنه أمر بالجهاد فتطيروا به، كما تطير آل فرعون بما جاء به موسى. والسلف ذكروا المعنيين، وعن ابن عباس: بشؤمك، وعن زيد: بسوء تدبيرك. قال تعالى: ﴿قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ٢، قال: ابن عباس: "الحسنة والسيئة، الحسنة أنعم بها عليك، والسيئة ابتلاك بها"، ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ ٣ قيل لم يفقهوا ولم يكادوا، وقيل فقهوه بعد أن كانوا لا يفقهونه، كقوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٤ فالمنفي بها مثبت، والمثبت بها منفي، وهذا هو المشهور، وعليه عامة الاستعمال. وقد يقال يراد بها هذا تارة، وهذا
стр. 138
تارة، إن حرصت بإثبات الفعل فقد وجد، فإذا لم يأت إلا النفي المحض كقوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ فهذا نفي مطلق لا قرينة معه تدل على الإثبات، فيفرق بين مطلقها ومقيدها، هذه الأقوال الثلاثة للنحاة.
وقد وصف الله المنافقين بعدم الفقه في مثل قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ١ الآية لكن قوله: ﴿حديثا﴾ نكرة في سياق النفي، فيعم كما في قوله: ﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ ٢ ومعلوم أنهم لا بد أن يفقهوا بعض الأقوال، وإلا فلا يعيش الإنسان بدون ذلك، فعلم أنهم يفقهون بعد أن كادوا لم يفقهوا. وكذلك في الرؤية، وهذا أظهر الأقوال وأشهرها، والمراد: هؤلاء لو فقهوا القرآن لعلموا أنك ما أمرتهم إلا بخير، ولا نهيتهم إلا عن شر، وأن المصيبة لم تكن بسببك بل بذنوبهم. وأما رواية كروم ٣ عن يعقوب: ﴿فمن نفسك﴾ فمعناها يناقض القراءة المتواترة، فلا يعتمد عليها، ومعنى الآية قوله "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم" ٤ إلخ. ومعنى الآية متناول لكل من نسب ما أصابه من المصيبة إلى ما أمر الله به ورسوله كائنا من كان.
(١٢١) كل من استفرغ وسعه استحق الثواب،
وكذلك الكفار من بلغته دعوة النبي ﷺ فآمن به وبما أنزل عليه، واتقى الله ما استطاع، كما فعل النجاشي وغيره، ولم تمكنه الهجرة، ولا التزام جميع الشرائع لكونه ممنوعا من الهجرة، ومن إظهار دينه، وليس عنده
стр. 139
من يعلمه الشرائع، فهذا مؤمن من أهل الجنة، كما كان مؤمن آل فرعون مع قومه، وكامرأة فرعون، بل وكما كان يوسف مع أهل مصر، فإنهم كفار ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من الإسلام، فإنه دعاهم إلى التوحيد والإيمان، فلم يجيبوه. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ ١ الآية. وكذلك النجاشي وهو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام، بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك من يصلي عليه، فصلى عليه النبي ﷺ وقال: "إن أخا لكم صالحا من أهل الحبشة مات" ٢. وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر ولم يجاهد، ولا حج البيت، بل قد روي أنه لم يكن يصلي الخمس، ولا يصوم رمضان، ولا يؤدي الزكاة الشرعية، لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه ولا يمكنه مخالفتهم. ونحن نعلم قطعا أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن.
والله قد فرض على نبيه ألا يحكم بينهم إلا بما أنزل الله، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله مثل الحكم في الزنى بالرجم، وفي الديات بالعدل، والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع، النفس بالنفس والعين بالعين وغير ذلك، والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن، وكثيرا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيا، بل وإماما وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وعمر بن عبد العزيز عودي، وأوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل إنه سم على ذلك، فالنجاشي وأمثاله سعداء
стр. 140
في الجنة، وإن لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون عليه، بل يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها، ولهذا جعل الله هؤلاء من أهل الكتاب قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ١ الآية قيل نزلت في النجاشي، يروى عن جابر، وابن عباس، وأنس، ومنهم من قال فيه وفي أصحابه، كما قال الحسن وهذا مراد الصحابة، لكن هو المطاع، فإن لفظ الآية لفظ الجمع. وقال عطاء في أربعين من أهل نجران وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم على دين عيسى فآمنوا بمحمد ﷺ ، ولم يذكر هؤلاء من بالمدينة مثل ابن سلام، وسلمان وغيرهما، لأنهم صاروا من المؤمنين فلا يقال فيهم: ﴿وإن من أهل الكتاب﴾ ، كما يقال عن الصحابة الذين كانوا مشركين، وإن من المشركين لمن يؤمن بالله، فدل على أن هؤلاء من جملة أهل الكتاب، وقد آمنوا بالرسول، كما قال: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ٢ فهو من العدو، ولكن آمن ولم تمكنه الهجرة وإظهار الإيمان والتزام شرائعه، فسماه مؤمنا، لأنه فعل من الإيمان ما يقدر عليه، لما قال تعالى في العاجز عن الهجرة: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾ ٣ الآية، فأولئك كانوا عاجزين عن إظهار دينهم، فسقط عنهم ما عجزوا عنه.
فإذا كان هذا فيمن كان مشركا، فما تظن بمن كان كتابيا، وقوله: ﴿من قوم عدو لكم وهو مؤمن﴾ ، قيل: هو الذي عليه لباس أهل الحرب، مثل من يكون في صفهم
стр. 141
فيعذر القاتل، لأنه مأمور بقتاله فيسقط عنه الدم وتجب الكفارة وهو قول الشافعي، وقيل: هو من أسلم ولم يهاجر، وهو قول أبي حنيفة، وسواء عرف أنه مؤمن وقتل خطأ أو ظن أنه كافر، وهذا ظاهر الآية. وقيل في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ١ الآية، نزلت في ابن سلام وأصحابه كما نقل عن ابن زيد وغيره؛ وبعضهم قال في مؤمني أهل الكتاب فإن أراد من كان في الظاهر معدودا منهم فهو القول الأول، وإن أراد العموم فهو الثاني، وهو ضعيف؛ فإن هؤلاء لا يقال فيهم: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ لأنهم من جملة الصحابة، ولهم أجور مثل أجور المؤمنين، بل يؤتون أجرهم مرتين، وهم ملتزمون جميع الشرائع، فأمرهم أعظم من أن يقال لهم أجرهم عند ربهم، وأيضا فإن أمرهم ظاهر معروف، فأي فائدة في الإخبار بهم، وهذا مما يبين أن المظهرين للإسلام - فيهم منافق لا يصلى عليه كما نزل في ابن أبيّ وأمثاله، وأن من هو في أرض الكفر قد يكون مؤمنا يصلى عليه كالنجاشي، وشبه هذا قوله ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٢ الآية. قيل: ابن سلام وأصحابه، وهذا والله أعلم من نمط الذي قبله، لأن المقصود من هو منهم في الظاهر، وهو مؤمن كمؤمن آل فرعون، ولهذا قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ، ولهذا قال: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً﴾ وهذا عائد إلى جميعهم، لا إلى أكثرهم، ولهذا قال: ﴿يولوكم الأدبار﴾ وقد يقاتلون وفيهم من يكتم إيمانه، وهو مكره على القتال، ويبعث يوم القيامة على نيته كما في الصحيح في الجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف
стр. 142
بهم كلهم، ويبعثون على نياتهم، وهذا في ظاهر الأمر، وإن قتل وحكم عليه بحكم الكفار، فإنه يبعث على نيته، كما أن المنافقين منّا يبعثون على نياتهم، فالجزاء يوم القيامة على ما في القلوب. ولا خلاف بين المسلمين أن من كان في دار الحرب وقد آمن وعجز عن الهجرة لا يجب عليه ما يعجز عنه، وكذلك ما لم يعلم حكمه، فلو لم يعلم وجوب الصلاة أو الزكاة وبقي مدة لم يفعل لم يجب القضاء في أظهر القولين، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وكذلك سائر الواجبات، ولو لم يعلم تحريم الخمر فشربها لم يحد بإجماع المسلمين، وكذلك لو عامل بما يستحله من ربا أو ميسر ثم تبين له التحريم بعد القبض، وكذلك لو تزوج نكاحا يعتقد صحته على عادته ثم تبين له أنه أخل ببعض شروطه كمن تزوج في عدة.
وأصل هذا كله أن الشرائع هل تلزم من لم يعلم أم لا تلزم إلا بعد العلم؟ أو يفرق بين الشرائع الناسخة والمبتدأة؟ فيه ثلاثة أقوال هي ثلاثة أوجه في مذهب أحمد. ومن صلى في الموضع المنهي عنه قبل علمه بالنهي هل يعيد؟ فيه روايتان عن أحمد. والصواب في هذا كله أن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن من العلم، وأنه لا يقضي ما لم يعلم وجوبه، وهذا يطابق الأصل الذي عليه السلف والجمهور أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها؛ فالوجوب مشروط بالقدرة، والعقوبة لا تكون إلا على ترك مأمور وفعل محظور، وبعد قيام الحجة.
(١٢٢) العدل محمود محبوب باتفاق أهل الأرض،
وهو من المعروف الذي تعرفه القلوب. والظلم من المنكر الذي تبغضه القلوب وتذمه. والله سبحانه أرسل الرسل؛ ليقوم الناس بالقسط، وأمر الله نبيه أن يحكم بالقسط،
стр. 143
وبما أنزل الله، فدل على أن القسط هو ما أنزل الله. ولكن العدل يتنوع بتنوع الشرائع، ولهذا قال: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ ١ إلى قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ٢ الآية، فذكر أنه أنزل القرآن، وأن يحكم بينهم بما أنزل الله ولا يتبع أهواءهم عما جاءه من الكتاب، وأخبر أنه جعل لكل شيء شرعة ومنهاجا. جعل له ﷺ ما في القرآن من الشرعة والمنهاج، وأمره أن يحكم به، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما فيه، وأخبر أن ذلك حكم الله، ومن ابتغى غيره فقد ابتغى حكم الجاهلية، وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٣.
لا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم به فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر؛ فإنه ما من أمة إلا وتأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه كإبراهيم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم كسوالف البادية، وأمر المطاعين، ويرونه أنه هو الذي يبتغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر إذا عرفوا ما أنزل الله فلم يلتزموه، بل استحلوا الحكم بغيره فهم كفار، وإلا كانوا جهالا كما تقدم. وأما من كان ملتزما لحكم الله باطنا وظاهرا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنْزلة أمثاله من العصاة. وهذه الآية مما يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر يحكمون بغير ما أنزل الله، ثم يزعمون أن اعتقادهم هو حكم الله، وقد تكلم الناس على ما يطول ذكره هنا، والذي ذكرته يدل عليه سياق الآية.
стр. 144
والمقصود أن الحكم بالعدل واجب مطلقا، والحكم بما أنزل الله على محمد هو عدل خاص، وهو أكمل أنواع العدل، فمن لم يلتزمه فهو كافر. وهذا واجب على الأمة في كل ما تنازعت فيه من الأمور الاعتقادية، والعملية، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ ١ الآية.
(١٢٣) الرافضة سلكوا في الصحابة مسلك التفرق
والهوا بعضهم وغلوا فيه، وبعضهم غلوا في معاداته. وقد سلك ما يشبه هذا كثير من الناس في أمرائهم وعلمائهم وشيوخهم، فيحصل منهم رفض في غير الصحابة. فهذا كله من التفرق والتشيع الذي نهى الله عنه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً﴾ ٢ الآية، وقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ ٣ الآيات. قال ابن عباس: "تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة"، ولهذا كان أبو أمامة الباهلي وغيره يتأولها في الخوارج.
وقد أمر الله المؤمنين أن يعتصموا بكتابه وبدينه وبالإسلام وبالإخلاص، وبعهده، وبالجماعة، وهذه كلها منقولة عن الصحابة والتابعين، وكلها صحيحة. فالقرآن يأمر بدين الإسلام وذلك عهده، والاعتصام به جميعا إنما يكون في الجماعة، ودين الإسلام حقيقته الإخلاص. ثم المعاصي الذي يعرف صاحبها أنه عاص يتوب، والمبتدع الذي يظن أنه على حق ضرره على المسلمين أعظم من ضرر الظلمة الذين
стр. 145
يعلمون أن الظلم محرم، فنهى ﷺ عن قتال الأمراء الظلمة، وأمر بقتال الخوارج، وهذا مما يستدل به على أنه ليس كل ظالم باغ يجوز قتاله. ومن أسباب ذلك أن الظالم الذي يستأثر بالمال والولايات لا يقاتل في العادة إلا لأجل الدنيا، فلم يكن قتالهم ليكون الدين كله لله، ولا من جنس قتال قطاع الطريق الذين قال فيهم: "من قُتل دون ماله فهو شهيد"؛ لأن أولئك معادون لجميع الناس، وجميع الناس يعينون على قتالهم، ولو قدر أنه ليس كذلك، فليسوا ولاة أمر قادرين على الفعل، بل يريدون أموال الناس ودماءهم، فهم مبتدون الناس بالقتال بخلاف ولاة الأمور، فإنهم لا يبدؤون الرعية بالقتال، وفرق بين من تقاتله دفعا وبين من تقاتله ابتداء.
ولهذا هل يجوز في الفتنة قتال الدفع؟ فيه عن أحمد روايتان؛ لتعارض الآثار والمعاني. وبالجملة فالعادة المعروفة أن الخروج على ولاة الأمور لطلب ما في أيديهم من المال، والإمارة، وهذا قتال على الدنيا، ولهذا قال أبو برزة في فتنة ابن الزبير والقراء مع الحجاج، وفتنة مروان: إنما يقاتلون على الدنيا، وأما أهل البدع كالخوارج فهم يريدون إفساد دين الناس، فقتالهم قتال عن الدين لتكون كلمة الله هي العليا.
(١٢٤) تواتر النقل، وعُلم بالاضطرار من دين الرسول واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله، ومنه يصير الكافر مسلما والعدو وليا، ثم إن كان من قلبه دخل في الإيمان، وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام. وكما أنهما أصلا الدين فهما أيضا تمام فروعه، فهما الفرق بين أهل الجنة