← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11572

مسائل لخصها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام بن تيمية (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني عشر)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (195 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

درجة، ومن قال: إنه ألقى إلى جبرائيل معاني وعبر بالعربي فمعناه أنه ألهمه إلهاما، وهذا يكون لآحاد المؤمنين كقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ ١، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ ٢، فيكون هذا أعلى من أخذ محمد. وأيضا فإنه سبحانه قال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ ٣ إلى قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ٤، وهذا يدل على أمور: على أنه يكلم العبد تكليما زائدا على الوحي الذي هو قسيم التكليم الخاص؛ فإن لفظ التكليم والوحي كل منهما ينقسم إلى: عام وخاص؛ فالتكليم العام هو المقسوم في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً﴾ ٥ الآية؛ فالتكليم المطلق قسيم الوحي الخاص، لا قسما منه؛ وكذلك الوحي يكون عاما فيدخل فيه التكليم الخاص، كقوله: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ ٦، ويكون قسيما له كما في الشورى. وهذا يبطل قول أنه معنى واحد قائم بالذات، فإنه لا فرق بين العام، وما لموسى، وفرق سبحانه في الشورى بين الإيحاء، وبين التكليم من وراء حجاب، وبين إرسال رسول فيوحي بإذنه ما يشاء. (٩٠) ثبت أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، وأن يجمع بين المرأة وعمتها، وخالتها، فقال طائفة: هذا نسخ للقرآن؛ فإن أرادوا النسخ العام الذي هو تقييد المطلق فصحيح، وإن أرادوا النسخ الذي هو رفع الحكم فضعيف، فإنه لم يثبت أن الله أراد بقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ

стр. 72

ذَلِكُمْ﴾ ١ تحليل ذلك. فإن قيل هو عام بين الدليل المخصص أن الله لم يرد تلك الصور كقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ٢ الآية، لم يرد به الأمة، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٣ لم يرد الحامل، ولا التي لم يدخل بها، ولم يثبت أن السنة نسخت القرآن، قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ٤ الآية، فالقرآن لا ينسخه إلا مثله. وقال كثير: السنة خصت القرآن وهم أكثر، وأفضل من أولئك، وقد يقال: السنة فسرت القرآن؛ ولهذا في حديث معاذ وكلام عمر وابن مسعود وغيرهما أن يحكم بكتاب الله، فإن لم يوجد فبسنة رسول الله. فلو كان في السنة ما يقدم على دلالة القرآن لم يكن كذلك، بل السنة تفسر المراد منه، وذلك أن قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ٥ كما يحتمل الاختصاص فقد يحتمل التنبيه على ما يحرم من النسب، وكذلك الجمع بين الأختين؛ وذلك أن نكاح الأخت والجمع بين الأختين شرع لبعض الأنبياء، فإن يعقوب جمع بينهما، وآدم كان يزوج ذكر هذا البطن بأنثى الآخر، ولم ينقل أنه زوج أحدا بعمته، أو خالته، لأنها بمنْزلة الأم، والعمة كالعم، والعم والد لقوله: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ ٦ الآية، فنكاح العمة والخالة أفحش من نكاح الأخت، وكذلك الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها أقرب إلى القطيعة

стр. 73

من الجمع بين الأختين، فإنهما يتماثلان، وكذلك نكاح العمة والخالة من الرضاع أفحش من نكاح الأخت. والقرآن دل على تحريم نكاح الأم والأخت والبنت أيضا من وجهين: من جهة أن الأم لا تنكح ابنها من الطرفين ليس كالإرث قد يكون من أحد الجهتين، فالمرأة يرثها عمها وابن أخيها ولا ترثهما، وإذا لم يكن لها أن تنكح ولدها، فكذلك الأب. الثاني: أن ﴿أخواتكم من الرضاعة﴾ يتناول الأخت من الجهات، وصحت الأحاديث بتحريم لبن الفحل، فتبين أن قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ١ يتناول أخته من أبيه، فإذا حرمت عليه فهي على أبيه أولى، فذكر سبحانه الأخت ينبه بها على غيرها. ويتبين أن هذا ليس مختصا بالأم كتحريم أمهات المؤمنين، فلو ذكرت الأم وحدها لظن هذا، فلما ذكرت الأخت دل على تعديه لأقارب الأم وأقارب الأب أيضا، حيث كانت الأخت بالأم تارة، وبالأب أخرى. ولما ذكر التحريم بالولادة وهو الأصل استوفي الكلام، فلما ذكر ما هو فرع عليه وشبيه به اختصر الكلام؛ فذكر الأم والأخت لما ذكرنا، ودلالة القرآن على هذا لم نستقل بفهمها بل السنة بينت ذلك، وهي لا تخالف القرآن بل توافقه، فكون قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٢ من الجوامع الذي لا تخصيص فيه أحسن وأدل على عظمة الكتاب من التخصيص، ولفظ الورى بمنْزلة الخلق، وهو يشعر بالتأخر والبعد، فيكون أصله دون ما ذكر وهو متأخر عنه، فلم يكن ما ذكرنا داخلا فيما وراء ذلكم لما ذكرنا من أنه أفحش؛ وهذا عرف ببيان الرسول ثم تفطن له من تفطن كما في نظائره إذ كان وجوه دلالات القرآن يخفى كثير منها على كثير من الناس، لكن السنة بينته. والقرآن

стр. 74

هو الذي لا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، وقد جاء عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما أنهم إذا سمعوا حديثا عنه ﷺ طلبوه من القرآن، قال مسروق: ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن، لكن علمنا قصر عنه، وقال الشعبي: ما ابتدع قوم بدعة إلا وفي القرآن بيانها. وكذلك أحاديث المسح لا تخالف القرآن بل تفسره، وذلك أنه أمر القائم إلى الصلاة بما ذكر، ولو قدمه قبل القيام جاز، ذكره أحمد إجماعا؛ فيجب الوضوء عند القيام على المحدث، ولو لبس محدثا لم يجز المسح إجماعا. واللابس على طهارة قد غسل رجليه وأتى بالمأمور به في القرآن، فإذا أحدث فقد بينت السنة أن مسحه على الخف الملبوس على طهارة يجزيه؛ فأجزأته الطهارة المتقدمة مع هذا المسح. وهذا كما بينت السنة أن المستحاضة ليس خروج الدم منها حدثا، وكذلك من به سلس البول والمذي، فقد فرق في جنس هذا تارة ينقض وتارة لا، إذا كان فيه عسر. وذكره لفظ المسح في الرجلين يشعر بتخفيف الأمر فيهما، لكن التقييد بالكعبين دل على أنه أراد الغسل إذا كانا ظاهرين، ومن نعم الله على عباده أن هذه المواضع التي تظهر فيها المخالفة لبعض الناس قد تواترت فيها السنة بما جاءت فيه، فلم يمكن أحد أن يترك السنة إلا من لا يعرفها. وأما المواضع التي تظن فيها المخالفة وهي غلط، كالحكم بشاهد ويمين، فتلك لما لم تكن متواترة لم يكن ظاهر القرآن مخالفا للسنة، بل أنكر قول من زعم المخالفة، وهذا يحقق وجوب العمل بما ثبت من السنة، فإنه لا يخالف الكتاب بل يفسره. (٩١) أرسل الله رسوله ﷺ وقد مقت أهل الأرض إلا بقايا من أهل الكتاب، وماتوا أو أكثرهم قبل مبعثه، والناس إذ ذاك

стр. 75

أحد رجلين، إما كتابي معتصم بكتاب مبدل أو مبدل منسوخ، ودين دارس بعضه مجهول وبعضه متروك، وإما أمي مقبل على عبادة ما استحسنه من نجم أو قبر أو تمثال أو وثن أو غير ذلك، والناس في مقالات يظنونها علما وهي جهل، وأعمال يحسبونها صلاحا وهي فساد، فهدى الله الناس بما جاء به من البينات والهدى هداية جلت عن الوصف. ثم إنه بعثه بدين الإسلام، وهو الصراط المستقيم، وفرض علينا أن نسأله هدايته في كل يوم وليلة في صلاتنا، ووصفه بأنه صراط المنعم عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين، ثم ذكر حديث عدي بن حاتم وفيه فإن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون. فقلت: فإني حنيف مسلم، ودل القرآن على معنى هذا. ووصف اليهود بالغضب والنصارى بالضلال له أسباب ظاهرة وباطنة جماعها: أن كفر اليهود من عدم العمل، والنصارى من عدم العلم. ومع أن الله حذرنا سبيلهم فقضى قضاء نافذا أن هذه الأمة يكون فيها مضاهاة لليهود والنصارى، وهم أهل الكتاب، ولفارس والروم وهم الأعاجم. وكان ﷺ ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، فكذلك أمر العبد بدوام الدعاء بالاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلا، والصراط المستقيم أمور باطنة في القلب من اعتقادات وإرادات، وأمور ظاهرة قد تكون عبادات وقد تكون عادات في الطعام والشراب والاجتماع والافتراق وغير ذلك. (٩٢) قد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام، ومن أهل الإرادة والعبادة، حتى قلبوا حقيقته؛ فطائفة ظنت أنه نفي الصفات، وسمو أنفسهم أهل التوحيد، وطائفة ظنت أنه ليس إلا الإقرار

стр. 76

بتوحيد الربوبية، وأطالوا الكلام في تقرير هذا الموضع، إما بدليل أن الاشتراك يوجب نقص القدرة، واستقلال كل من الفاعلين بالفعل محال، وإما بغير ذلك، ولم يعلموا أن مشركي العرب مقرون بهذا التوحيد، وهذا من التوحيد الواجب، لكن لا يخلص من الشرك الذي هو أكبر الكبائر، بل لا بد أن يخلص لله الدين فيكون دينه لله. والإله هو المألوه، وكونه يستحق ذلك مستلزما لصفات الكمال؛ فلا يستحق أن يكون معبودا محبوبا لذاته إلا هو، فكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل؛ وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ١. وقد بينا أن هذه الآية لم يقصد بها دليل التمانع، فإنه يمنع وجود المفعول لإفساده بعد وجوده. ثم إن طائفة ممن تكلم في تحقيق التوحيد ظن أن توحيد الربوبية هو الغاية، والفناء فيه هو النهاية، فآل بهم إلى تعطيل الأمر والنهي، ولم يفرقوا بين الكلمات الكونية التي لا يجاوزها بر ولا فاجر، وبين الكلمات الدينية التي اختص بها من عبده وأطاعه. ثم إن أولئك الذين أدخلوا فيه نفي الصفات، وهؤلاء الذين أخرجوا عنه متابعة الأمر إذا حققوا القولين أفضى بهم إلى الوحدة والاتحاد والحلول. ومن أحكم الأصلين في الصفات وفي الخلق والأمر، فميز بين المأمور وغيره مع شمول الخلق لهما، وأثبت الصفات الموجبة لمباينة المخلوقات، أثبت توحيد الرسل، كما نبه عليه في سورتي الإخلاص؛ فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٢ فيها التوحيد العلمي الذي يدل على الأسماء والصفات؛ فيتميز

стр. 77

مثبتو الرب الخالق الأحد الصمد من المعطلين، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ١ فيها التوحيد العلمي؛ فيتميز من يعبد الله من غيره، وإن أقر كل منهما بأن الله رب كل شيء ومليكه؛ ويتميز المخلصون ممن أشرك به، أو نظر إلى القدر الشامل فسوى بين المؤمن والكافر. والله سبحانه له حقوق لا يشرك فيها غيره، وللرسل حقوق لا يشركهم فيها غيرهم، وللمؤمنين على المؤمنين حقوق مشتركة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢؛ ويدخل في ذلك ألا يخاف إلا إياه كما قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٣، فجعل الخشية والتقوى لله وحده، وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ٤ فجعل التحسب بالله وحده، وجعل الرغبة لله وحده، ولم يأمر قط مخلوقا أن يسأل مخلوقا، وإن أباحه في بعض المواضع، كما في صفة الذين لا يحاسبون، أنهم لا يطلبون غيرهم أن يرقيهم. والقرآن كله يحقق هذا الأصل؛ وقد بعث الله محمداصلى الله عليه وسلم بتحقيقه، ونفى الشرك بكل وجه حتى في الألفاظ كما قال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد" ٥. والعبادات المشروعة كلها تتضمن إخلاص الدين لله تحقيقا لقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٦ فالصلاة لله وحده، والصدقة لله وحده، والصيام لله وحده،

стр. 78

والحج لله وحده، وإلى بيت الله وحده، فالمقصود من الحج عبادة الله وحده في البقاع التي أمر الله بعبادته فيها، ولهذا كان الحج شعار الحنيفية، حتى قال طائفة من السلف: حنفاء لله، أي حجاجا. وقوله ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً﴾ ١ عام في الأولين والآخرين، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ٢ الآية. فسر إسلام الوجه بما يقتضي إخلاص القصد لله، وهو محسن بالعمل الصالح المأمور به. وهذان الأصلان جماع الدين، لا يعبد إلا الله، ولا يعبد إلا بما شرعه. ولفظ الإسلام: الاستسلام والانقياد، ويتضمن الإخلاص قوله: ﴿وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ﴾ ٣، فمن استسلم لله ولغيره فهو مشرك، ومن لم يستسلم فهو مستكبر. فاليهود موصوفون بالكبر والنصارى بالشرك. (٩٣) الشهادة أن محمدا رسول الله تتضمن تصديقه في كل ما أخبر به، وطاعته في كل ما أمر به؛ فيثبت العبد ما أثبته الرسول لربه من الأسماء والصفات، وينفي ما نفى عنه من مماثلة المخلوقات. فلا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه. ولهذا ذم الله المشركين في الأنعام والأعراف وغيرهما لكونهم حرموا ما لم يحرم الله، وشرعوا دينا لم يأذن به، كما في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ﴾ ٤ إلى آخر السورة، وما ذكر في صدر سورة الأعراف، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ ٥، فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك، ومن

стр. 79

دعا إليه بغير إذنه فقد ابتدع؛ والشرك بدعة، والمبتدع يؤول إلى الشرك، ولهذا لم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً﴾ ١ الآية، وقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ﴾ ٢، فقرن بعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر أنهم لا يحرمون ما حرمه الرسول، ولا يدينون دين الحق. (٩٤) أصل دين المسلمين أنه لا يخص بقعة بقصد العبادة إلا المساجد، وأما ما عليه المشركون وأهل الكتاب من تعظيم بقاع غيرها كحراء ونحوه هو مما جاء الإسلام بإزالته. ثم المساجد تشترك في العبادة إلا ما خص به المسجد الحرام من الطواف ونحوه، فإن خصائصه لا يشركه فيها مسجد، كما أنه لا يصلى إلى غيره. وإذا كان مثل مقام نبينا في مثل غار حراء الذي ابتدئ فيه بإنزال القرآن لا يشرع قصده، فكيف بغيره؟ فمن جعل شيئا من ذلك قربة فقد ابتدع غير سبيله ﷺ وأصحابه، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله؛ ولهذا جاء الاعتكاف الشرعي في المساجد بدل ما كان يفعل قبل الإسلام من المجاورة بحراء ونحوه. فأما العكوف والمجاورة عند قبر نبي أو غيره أو مقامه فليس من دين المسلمين. وأما المسجد الأقصى فهو أحد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، ولا يشرع السفر إلى غيرها؛ ولو نذره لم يجب بالنذر باتفاق الأئمة. وليس بالمدينة مسجد يشرع إتيانه إلا مسجد قباء؛ وكان الفقهاء من أهل المدينة لا يقصدون شيئا من تلك الأماكن إلا قباء خاصة. وثبت أن ابن عمر إذا أتى بيت المقدس دخل وصلى

стр. 80

فيه ولا يقرب الصخرة. وكذلك نقل عن غير واحد من السلف كعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والثوري وغيرهم. وذكر بعض من صنف من المناسك استحباب زيارة مساجد مكة، وقد كتبت دعاء في منسك كتبته في أول عمري، ثم تبين لي أن هذا كله من البدع. (٩٥) كل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله ﷺ يكون موجودا لو كان مصلحة ولم يفعله علم أنه ليس بمصلحة كالأذان في العيدين، فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء أنكره المسلمون، لأنه بدعة، فلو لم يكن كونه بدعة دليلا على كراهته، وإلا لقيل: هذا ذكر لله ودعاء إلى عبادته، فيدخل في عموم قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ ١، وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ ٢. والاستدلال بهذا أقوى من الاستدلال على حسن أكثر البدع، بل يقال: ترك رسول الله ﷺ سنة، كما أن فعله سنة، فلما أمر بالأذان في الجمعة، وتركه في العيدين، فذلك كالزيادة في عدد الركعات المكتوبة، ولا يقال: هذا زيادة عمل صالح، بل يقال: كل بدعة ضلالة. ومثل ما حدثت الحاجة إليه بتفريط من الناس تقديم الخطبة في العيد، فإنه لما فعله بعض الأمراء أنكره المسلمون، لأنه بدعة، فاعتذر من أحدثه بأن الناس ينفضّون قبل سماع الخطبة، فيقال: سببه تفريطك؛ فإن الخطبة مقصدها التذكير وتعليم الدين، وأنت قصدك إقامة رياستك، وإن قصدت صلاحهم لم تعلمهم ما ينفعهم. وأما ما تركه من المصالح لأجل مفسدة قد زالت، كقيام رمضان جماعة

стр. 81

لما خاف أن يفرض، أو جمع القرآن لما زال المانع وهو أن الوحي لا يزال ينْزل، ويغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو جمع في مصحف لتعذر أو تعسر تغييره كل وقت، فلما استقرت الشريعة، وأمن من زيادة الإيجاب والتحريم، والمقتضى للعمل قائم بسنته، فعمل المسلمون بمقتضى سنته، وصار كنفي عمر أهل الكتاب من الجزيرة، وكذلك قوله: "خذوا العطاء ما كان عطاء، فإذا كان عوضا عن دين أحدكم فلا تأخذوه"، فلما صار الأمراء يعطونه لمن أعانهم على الهوى كان الامتناع منه اتباعا للسنة، وإن كان محدثا، وكذلك قتال مانعي الزكاة. ومن فهم هذا المعنى انحل عنه كثير من شبه البدع، فإنه قد روي عنه صلى لله عليه وسلم: "ما أحدث قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها" ١. وقد أشرت إلى هذا فيما تقدم، وبينت أن الشرائع أحد أغذية القلوب، فمتى اغتذت بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن. وعامة الأمراء إنما أحدثوا أنواعا من السياسات من أخذ أموال لا تجوز، وعقوبات لا تجوز، لأنهم فرطوا في المشروع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه، ووضعوه موضعه لإقامة دين الله، وأقاموا الحدود على القريب والبعيد، لما احتاجوا إلى المكوس، والعقوبات الجائرة، ولا إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين، كما كان الخلفاء وغيرهم من أمراء بعض الأقاليم. وكذلك العلماء إذا أقاموا كتاب الله وفهموا ما فيه وأقاموا الحكمة التي بعث بها رسول الله ﷺ ، لوجدوا في ذلك ما يحيط بعلمه الناس، ولميزوا بين المحق والمبطل بوصف الشهادة التي جعلها الله لهذه الأمة، ولاسْتغنوا عما أحدث المبتدعون من الحجج التي يزعمون أنهم ينصرون بها أصل الدين، وعن الرأي الفاسد الذي يزعم القياسيون أنهم يتممون به فروع الدين.

стр. 82

(٩٦) أكثر الناس لا يدرك فساد البدع إذا كانت من جنس العبادات، أو من جنس الأعياد، بل أولو الألباب يدركون بعض ما فيها من الفساد؛ والواجب اتباع ما أنزل الله وإن لم تدرك الحكمة. فمن أحدث عملا في يوم كصوم أول خميس من رجب، أو صلاة أول ليلة جمعة منه، وما يتبعه من إحداث زينة، وتوسيع في نفقة، فلا بد أن يتبع هذا اعتقاد في القلب أن العمل في ذلك له مزية، ولولاه لما انبعث القلب إلى ذلك؛ فإن الترجيح من غير مرجح ممتنع، وهذا المعنى قد شهد له الشرع بالاعتبار في هذا الحكم، فهو من المعاني المناسبة المؤثرة، فإن مجرد المناسبة مع الاقتران يدل على العلة عند من يقول بالمناسب الغريب، وهم كثير من الفقهاء؛ ومن لا يقول إلا بالمؤثر يكتفي بمجرد المناسبة حتى يدل الشرع أن مثل ذلك الوصف مؤثر في هذا الحكم، وهو قول كثير منهم، وهؤلاء إذا رأوا الحكم المنصوص فيه معنى قد أثر في مثل ذلك الحكم في موضع آخر عللوا المنصوص به. وقال كثير منهم إن الحكم المنصوص لا يعلل إلا بوصف دل الشرع على أنه معلل به. وتلخيص الفرق أنا إذا رأينا الشارع دل على العلة كقوله: "إنها من الطوافين" إلخ، فهذه يعمل بموجبها باتفاق الطوائف الثلاثة؛ فلو قال: لا ألبس هذا الثوب الذي تمن علي به، حنث بما كانت منته مثله، وهو ثمنه. وأما إذا رأينا الشارع قد حكم بحكم لم يعلله لكن علل نظيره أو نوعه، مثل أنه جوز للأب أن يزوج ابنته الصغيرة البكر بلا إذنها، وقد رأيناه جوز له الاستيلاء على مالِها لكونها صغيرة، فهل علة ولاية النكاح الصغر؟ أم قد تكون أخرى وهي البكارة مثلا، فهذه هي المؤثرة أي: قد بين تأثيرها في حكم، وسكت عنه في آخر نظيره، فالفريقان الأولان يقولان بها، وهو في الحقيقة إثبات لها

стр. 83

بالقياس. والفريق الثالث لا يقول بها إلا بدلالة خاصة لجواز أن يكون النوع الواحد له علل مختلفة، ومنه نهيه عن البيع على بيع أخيه، وسومه على سومه، فيعلل بفساد ذات البين كما علل به في قوله: "لا تنكح المرأة على عمتها" ١. وأما إذا رأيناه حكم بحكم فيه وصف مناسب لم يذكره، ولا علل به نظيره، فهذا الوصف المناسب الغريب، فجوز اتباعه الفريق الأول خاصة، وهو إدراك لعلة الشارع بالعقل، والذي قبله بالقياس، والأول بكلامه. ومع هذا فقد تعلم علة الحكم المعين بالسبر وبدلالات أخرى، فإذا تبين هذا، فمسألتنا من باب العلة المنصوصة في موضع، المؤثرة في موضع آخر، وذلك أنه ﷺ نهى عن تخصيص أوقات بصلاة أو صيام، وأباح ذلك على غير التخصيص كقيام ليلة الجمعة وصيام نهارها وتقدم رمضان، فوجه الدلالة أن المفسدة تنشأ من تخصيص ما لا خصيصة له، إذ لا ينبعث التخصيص إلا عن اعتقاد الاختصاص. ومن قال إذًا أخصها بلا اعتقاد، فلا بد أن يكون الباعث إما موافقة غيره، وإما اتباع العادة، وإما خوف اللوم، فهذا العمل مستلزم إما لاعتقاد هو ضلال، أو عمل دين لغير الله. ثم الاعتقاد يتبعه تعظيم في القلب ولو خواطر متقابلة، فمن حيث اعتقاد أنه بدعة يقتضي عدم التعظيم، ومن شعوره بما روي فيه أو فعل بعض الناس له، أو بما يظهر له فيه من المنفعة يقوم بقلبه عظمته، فعلمت أن فعل البدع يناقض الاعتقادات الواجبة، وينازع الرسل ما جاؤوا به، وأنها تورث في القلب نفاقا ولو كان خفيفا، مثل من عظم أبا جهل، وابن أبي لرياسته أو إحسانه، فإذا ذمه الرسول أو أمر بإهانته، فمن لم يخلص إيمانه وإلا بقي في قلبه منازعة؛ ولهذا قيل: البدع مشتقة من الكفر. ومنها أن البدع تنقص الرغبة في السنن فيفعلها كأنها عادة ووظيفة، فيفوت ما فيها من المغفرة والرحمة والخشوع،

стр. 84

وإجابة الدعاء وغير ذلك. ومنها جهالة الناس بدين المرسلين، وانتشار زرع الجاهلية. ومنها مسارعة الطبع إلى الانحلال من ربقة الاتباع، لأن النفس فيها نوع من الكبر فتحب أن تخرج من العبودية بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان: ما ترك أحد سنة إلا تكبر في نفسه. (٩٧) العيد يكون اسما لنفس المكان، ولنفس الزمان، ولنفس الاجتماع: وهذه الثلاثة قد أحدث منها أشياء: أما الزمان فثلاثة أنواع، ويدخل فيها بدع أعياد المكان والأفعال: أحدها: يوم لم تعظمه الشريعة أصلا، ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه، مثل ليلة الرغايب. الثاني: ما جرى فيه حادثة كيوم الغدير، ولم يكن في السلف لا أهل البيت ولا غيرهم من يعظمه، إذ الأعياد من الشرائع فيجب فيها الاتباع. وكذلك ما أحدث في المولد إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى، وإما محبة للنبي ﷺ . ويصحب هذه الأعمال من الرياء والكبر والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها كما في الحديث: "ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم" ١. ومن الأعمال ما فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع، وفيه شر من بدعة وغيرها، فيكون ذلك العمل شرا بالنسبة إلى الإعراض عن الدين بالكلية كحال المنافقين والفاسقين، وهذا قد ابتلي به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة؛ فعليك هنا بأدبين: أحدهما: الحرص على التمسك بالسنة في خاصتك ومن أطاعك، واعرف المعروف، وأنكر المنكر. الثاني: الدعوة إلى السنة بحسب الإمكان فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدع إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو

стр. 85

بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه. فإذا كان الفاعلون للبدع معيبين، فالتاركون للسنن كذلك؛ فإن منها ما يكون واجبا مطلقا، ومنها مقيدا كالنافلة، فإنها لا تجب، ولكن من أراد أن يصليها وجب عليه الإتيان بأركانها، وكما يجب على من أتى الذنوب من الكفارات، وما يجب على من كان إماما أو مفتيا من الحقوق، وعامتها يجب تعليمها، والحض عليها، والدعاء إليها. وكثير من المنكرين للبدع تجدهم مقصرين في فعل السنن، فلا ينهى عن منكر إلا ويؤمر بمعروف يغني عنه، كما يؤمر بعبادة الله عن عبادة ما سواه، والنفوس خلقت لتعمل، وإنما الترك مقصود لغيره. فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح والمفاسد، بحيث تعرف مراتب المعروف والمنكر حتى تقدم أهمها عند الازدحام؛ فإن هذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل، وهذا خاصة العلماء. الثالث: ما هو معظم في الشرع كيوم عاشوراء ويوم عرفة ويومي العيدين وعشر رمضان، فيحدث فيه مما يعتقد أنه فضيلة ما يصير منكرا ينهى عنه. وأما المكانية فأيضا ثلاثة أقسام: أحدها: ما لا خصوص له، فقصده للعبادة والاجتماع فيه لدعاء أو غير ذلك ضلال بين؛ وهذا أقبح من الذي قبله، فإنه يشبه عبادة الأوثان، أو نوع منها أو ذريعة. وكانت الطواغيت الكبار التي تشد إليها الرحال ثلاثة: اللات والعزى ومناة، وكل واحد منها لمصر من أمصار العرب. ومن أراد معرفة أحوال المشركين قبل مبعثه ﷺ ، وحقيقة الشرك الذي ذمه الله وأنواعه، حتى يتبين له تأويل القرآن، ويعرف ما كرهه

стр. 86

الله ورسوله، فلينظر سيرة النبي ﷺ وأحوال العرب في زمانه وما ذكره الأزرقي في أخبار مكة وغيره من العلماء. ولما كان للمشركين سدرة فذكر الحديث، فأنكر مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها سلاحهم، فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهة المشركين؟ أو هو الشرك بعينه؟ الثاني: ما له خصوصية لا يقتضي اتخاذه عيدا ولا الصلاة ولا غيرها عنده، كقبور الأنبياء والصالحين؛ وقد جاء عن النبي ﷺ والسلف النهي عن اتخاذها عيدا عموما وخصوصا، وبينوا معنى العيد. فأما العموم فقوله: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا " ١ عكس ما يفعله المشركون. ثم أن أفضل التابعين من أهل البيت ٢ نهى الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره، واستدل بالحديث، فتبين أن قصده للدعاء ونحوه اتخاذ له عيدا، وكذلك أبي عمر الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند غير دخول المسجد، ورآه من اتخاذه عيدا، وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع، فلما جاء الإسلام محا ذلك. (٩٨) سبب عبادة اللات سبب تعظيم قبر رجل صالح، وهذه هي العلة في تغليظه ﷺ في النهي عن اتخاذ قبور الصالحين مساجد، ونهيه عن الصلاة في المقبرة، وقد نبه عليها بقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" ٣. وقد ذكر هذه العلة الشافعي وأبو بكر الأثرم وغيرهما

стр. 87

من العلماء، وهي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو ما دونه، فإن الشرك بقبر الذي يعتقد نبوته أو صلاحه أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله؛ ولهذا تجد قوما كثيرا يتضرعون عندها، ويتعبدون بقلوبهم عبادة لا يعبدونها في المسجد ولا في السحر. فهذه المفسدة هي التي حسم ﷺ مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد بركة البقعة، كما يقصد بركة المساجد الثلاثة، كما نهى عن الصلاة وقت الطلوع والغروب والاستواء، لأنها الأوقات التي يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها، فنهى المسلم عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد ذلك الوقت سدا للذريعة. فأما إذا قصد الصلاة عند قبور الصالحين متبركا فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن الله به؛ فنهى ﷺ من اتخاذها مساجد، وعن الصلاة عندها، وعن اتخاذها عيدا، ودعا الله أن لا يجعل قبره وثنا يعبد. واتخاذ المكان عيدا هو اعتياد إتيانه لعبادة أو غيرها، وتقدم النهي الخاص عن الصلاة عندها وإليها، وذكرنا ما في دعاء المرء لنفسه من الفرق بين قصدها لأجل الدعاء، والدعاء ضمنا وتبعا. (٩٩) الله سبحانه يقرن بين الشرك والكذب كما يقرن بين الصدق والإخلاص، ولهذا في الصحيح: "عدلت شهادة الزور الإشراك بالله. ثم قرأ قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ١") وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ

стр. 88

تَزْعُمُونَ ١ إلى قوله ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ٢ وقوله: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ٣ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٤ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ ٥ الآية. قال أبو قلابة: هي لكل مبتدع من هذه الأمة إلى يوم القيمة، وكل من كان أقرب إلى الشرك كان أقرب إلى الكذب، كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركا. (١٠٠) الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته قاعدة عظيمة عامة، وتمامها بالجواب عما يعارضها؛ فإن من الناس من يقول البدع تنقسم إلى قسمين لقول عمر: "نعمت البدعة" وبأشياء أحدثت بعده ﷺ وليست مكروهة للأدلة من الإجماع والقياس، وربما ضم إلى ذلك من لم يحكم أصول العلم ما عليه كثير من الناس من العادة، بمنْزلة من إذا قيل لهم ﴿تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ٦؛ وما أكثر ما قد يحتج به من يتميز من المنتسبين إلى علم أو عبادة بحجج ليست من أصول العلم. وقد يبدي ذو العلم له مستندا من الأدلة الشرعية والله يعلم أن قوله لها وعلمه بها ليس مستندا إلى ذلك، وإنما يذكرها دفعا لمن يناظره، والمجادلة المحمودة إنما هي إبداء المدارك التي هي مستند الأقوال والأعمال، وأما إظهار غير ذلك فنوع من النفاق في العلم والعمل؛ وهذه

стр. 89

قاعدة دلت عليها السنة والإجماع مع الكتاب، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١. فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن شرعه الله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله؛ فمن اتبعه في ذلك فقد اتخذ شريكا لله شرع من الدين ما لم يأذن به الله، وقد يغفر له لأجل تأويله إذا كان مجتهدا الاجتهاد الذي يعفى معه عن المخطئ، لكن لا يجوز اتباعه في ذلك، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٢ الآية. فمن أطاع أحدا في دين لم يأذن به الله من تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب، فقد لحقه من هذا الذم نصيب، كما يلحق الآمر الناهي. ثم قد يكون كلا منهما معفوا عنه فيتخلف الذم لفوات شرطه أو وجود مانعه، وإن كان المقتضي له قائما؛ ويلحق الذم من تبين له الحق فتركه، أو قصر في طلبه فلم يتبين له، أو أعرض عن طلبه لهوى أو كسل ونحو ذلك. وأيضا فإن الله عاب على المشركين شيئين: أحدهما: أنهم أشركوا به ما لم ينزل به سلطانا، الثاني: تحريمهم ما لم يحرمه، كما بينه ﷺ في حديث عياض عند مسلم، وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣ فجمعوا بين الشرك والتحريم، والشرك يدخل فيه كل عبادة لم يأذن بها الله، فإن

стр. 90

المشركين يزعمون أن عبادتهم إما واجبة وإما مستحبة، ثم منهم من عبد غير الله فيتقرب به إلى الله، ومنهم من ابتدع دينا عبد به الله كما أحدثه النصارى من العبادات؛ وأصل الضلال في أهل الأرض إنّما نشأ من هذين: إما اتخاذ دين لم يشرعه الله، أو تحريم ما لم يحرمه؛ ولهذا كان الأصل الذي بنى عليه أحمد وغيره مذهبهم أن الأعمال عبادات وعادات: فالأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله. وهذه المواسم المحدثة إنما هي منها لما أحدث فيها من الدين الذي يتقرب به إلى الله. (١٠١) من جوز أن يطلب من المخلوق كما يطلب من الخالق، من كشف الشدائد، فكفره شر من كفر عباد الأصنام، فإنهم لا يطلبون منها كما يطلب من الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ ١ الآيتين، فبين أنه إذا جاء عذاب الله، أو أتت الساعة لا يطلبون إلا الله في كشف الشدائد وإنزال الفوائد، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ٢ الآية. وقد وقع في كثير من ذلك من وقع من العامة ونحوهم ممن فيه زهد وصلاح. ودين الإسلام مبني على أصلين: أن لا نعبد إلا الله، الثاني: أن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال الفضيل في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ٣ قال: أخلصه وأصوبه؛ إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل،

стр. 91

وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. ولهذا قال الإمام أحمد: أصول الإسلام تدور على ثلاثة أحاديث قوله: "الحلال بين والحرام بين" ١، وقوله: "إنما الأعمال بالنيات" ٢، وقوله: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ٣. وأهل الضلال يخالفون هذين الأصلين، فيعبدون غير الله ويبتدعون عبادة لم يأذن بها الله، كما في سورة الأنعام والأعراف وبراءة وغيرهن من السور. (١٠٢) ما بين الخلق من الأسباب الكسبية التي بها يتساءلون، ويشفع بعضهم إلى بعض هي من جنس المشاركة، والسبب الآخر الولادة؛ فالأسباب والصلات التي بينهم لا تخرج عن سبب خلقي وهو الولادة، أو كسبي من جنس المشاركة والمعاوضة؛ ولهذا افتتح سورة النساء بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ٤ الآية، فذكر في السورة حكم الأسباب من هذا وهذا، فذكر ما يتعلق بالولادة من القرابة والرحم، وما يتعلق بذلك من المواريث والمناكح، وكذلك ما يحصل بينهم بالعقود من المناكح والمواريث والوصايا على اليتامى. فالنسب من الأول، والصهر من الثاني، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾ ٥، فافتتحها بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ٦، ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ ٧ أي: تتعاهدون وتتعاقدون والأرحام، فدخل في الأول ما بينهم من التساؤل والتعاقد الذي يجمع المعاوضة والمشاركة، وفي الثاني الولادة وفروعها. وقد نزه الله نفسه المقدسة عنهما، فقال ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ

стр. 92

لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ ١ الآية، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ ٢ الآيتين، وقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ ٣ الآيتين، وقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ٤ إلى آخرها. ومن هنا ضل من ضل من المشركين وأشباههم من المتفلسفة، حيث جعلوا لله ما نسبوه إليه نسب الولادة، أو جعلوه كالشريك، ولهذا كانوا يتخذون هؤلاء شفعاء، فإنهم يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى، ويتخذونهم وسيطا ووسائل كما يتخذون ذلك عند المخلوقين؛ فهذا أصل مادة هؤلاء الجهلة الضلال ونحوهم. والقرآن قد حسم هذه المادة، وجرد التوحيد، وبين أنه لا نسبة بين المخلوق والخالق إلا نسبة العبودية المحضة كما قال: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ٥، وقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ﴾ ٦ الآية، وقال: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ ٧ الآية. (١٠٣) المشركون من الصابئة ونحوهم لما عبدوا الكواكب والملائكة وجعلوها وسائط بين الله وبين خلقه، جادلوا الحنفاء الذين يتبعون الرسل، ولا يعبدون إلا الله، فقالوا: نحن نتخذ الروحانيين وسائط، وأنتم تتخذون البشر؛ فأخذ يعارضهم طائفة كالشهرستاني في الملل والنحل وغيره، ويذكرون

стр. 93

أن توسط البشر أولى من توسط الروحانيين، فبنوا معارضتهم على أصل فاسد، وهو مقايسة وسائط أولئك بوسائط الحنفاء، وهذا جهل بدين الحنفاء، فإنه ليس بينهم وبين الله واسطة في العبادة، وإنما الرسل بلغتهم أمر الله فهم وسائط في التبليغ، كدليل الحاج، وإمام الصلاة. وبعض من دخل دين الصابئة والمشركين ظنوا أن شفاعة الرسول لأمته لا تحتاج إلى دعاء منه بل الرحمة التي تفيض على الرسول تفيض على المستشفع من غير شعور من الرسول ولا دعاء منه، ومثلوا ذلك بانعكاس شعاع الشمس إذا وقع على جسم صقيل، ثم انعكس على غيره، وكما أن انعكاس الشعاع يحتاج إلى المحاذاة، فكذلك الفيض لا بد فيه من توجه الإنسان إلى النفوس الفاضلة؛ وجعلوا الفائدة في زيارة قبورهم من هذا الوجه، وقالوا: إن الأرواح المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة، فيقوى تأثيرها، وهذه المعاني ذكرها طائفة من الفلاسفة ومن أخذ عنهم كابن سينا وأبي حامد وغيرهم؛ وهذه من أصول عُبَّاد الأصنام، وهي من المقاييس التي قال فيها بعض السلف: ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. (١٠٤) ومما يبين حكمة الشريعة أنها كسفينة نوح، أن الذين خرجوا عن المشروع خرجوا إلى الشرك. وطائفة منهم يصلون للميت، ويدعو أحدهم الميت، فيقول: اغفر لي وارحمني، ومنهم من يستقبل القبر، ويصلي لله مستدبرا الكعبة، ويقول القبر: قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة، وهذا يقوله من هو أكثر عبادة وزهدا، وهو شيخ متبوع، ولعله أمثل أصحاب شيخه، لقوله في شيخه؛ وآخر من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الصدق والاجتهاد في العبادة والزهد يأمر المريد أول ما يتوب أن يذهب إلى قبر

стр. 94

الشيخ فيعكف عليه عكوف أهل التماثيل عليها. وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع وحضور القلب ما لا يجدونه في المساجد. وآخرون يحجون إلى القبور. وطائفة صنفوا كتبا وسموها مناسك حج المشاهد. وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ، وإن لم يسموه منسكا وحجا فالمعنى واحد. وبعض الشيوخ المشهورين بالزهد والصلاح صنف كتاب الاستغاثة بالنبي ﷺ في المنام. وذكر في مناقب هذا الشيخ أنه حج مرة، وكان قبر النبي ﷺ منتهى قصده، ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة، وجعل هذا من مناقبه. وبسبب الخروج عن الشريعة، صار بعض الشيوخ ممن يقصده القضاة والعلماء قيل عنه إنه كان يقول: البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والبلد الذي بالهند الذي للمشركين، لأنه يعتقد أن دين اليهود والنصارى حق، وجاء بعض إخواننا العارفين قبل أن يعرف حقيقته، فقال له: أريد أن أسلك على يدك، فقال له: على دين اليهود أو النصارى أو المسلمين؟ فقال له: واليهود والنصارى أليسوا كفارا؟ قال: لا تشدد عليهم، ولكن الإسلام أفضل. ومن الناس من يجعل مقبرة الشيخ كعرفات، يسافرون إليها وقت الموسم، فيعرفون بها، كما يفعل بالمغرب والمشرق. وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله، فليسوا على ملة إبراهيم. والاستغاثة بالنبي ﷺ بعد موته موجود في كلام بعض الناس، مثل يحيى الصرصري ومحمد بن النعمان، وهؤلاء لهم صلاح لكن ليسوا من أهل العلم، بل جروا على عادة كعادة من يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه. وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم وله فضل وعلم وزهد، إذا نزل به أمر خطا إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات واستغاث به؛ وهذا يفعله كثير من الناس.

стр. 95

وهؤلاء مستندهم مع العادة قول طائفة: قبر معروف أو غيره: ترياق مجرب. ومعهم أن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه أتى في الهواء، وقضى بعض الحوائج؛ وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة أو الأنبياء أو الكواكب والأوثان، فإن الشيطان يتمثل لهم. ولو ذكرت ما أعلم من الوقائع الموجودة في زماننا من هذا لطال المقال، وقد طاف هذا بجوابه يعني الذي ذكر فيه جواز الاستغاثة بالنبي على علماء مصر ليوافقه واحد منهم فما وافقوه، وطلب منهم أن يخالفوا الجواب الذي كتبته فما خالفوه مع أن قوما كان لهم غرض، وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك قياما عظيما، واستعانوا بمن له غرض من ذوي السلطان مع فرط تعصبهم، وكثرة جمعهم، وقوة سلطانهم ومكائد شيطانهم. (١٠٥) لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين الخمر كقدامة وأصحابه ظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموا من آية المائدة، اتفق علماء كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون، فإن أصروا على الاستحلال كفروا، وإن أقروا بالتحريم جلدوا؛ فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة، حتى يبين لهم الحق؛ فإن أصروا كفروا، ولهذا كنت أقول للجهمية الذين نفوا أن يكون الله فوق العرش: أنا لو وافقتكم كنت كافرا، وأنتم عندي لا تكفرون، لأنكم جهال ونحن نعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأحياء ولا الأموات، لا الأنبياء ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بلفظ الاستعاذة ولا غيرهما، كما أنه لم يشرع لهم السجود لميت، ولا إلى غير ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن ذلك كله، وأنه من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن

стр. 96

لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول; ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل دين الإسلام إلا تفطن له، وقال: هذا أصل دين الإسلام. وكان بعض أكابر الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول: هذه أعظم ما بينته لنا. (١٠٦) الله سبحانه لم يذكر في كتابه المشاهد بل ذكر المساجد، وأنها خالصة له، كما قال: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ١، وقال: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ ٢ الآيتين، وقال: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ﴾ ٣ الآية. ولم يذكر بيوت الشرك كبيوت المشاهد، وبيوت النار والأصنام، لأن الصوامع والبيع لأهل الكتاب، فالممدوح من ذلك ما كان مبينا قبل النسخ والتبديل، كما أثنى على اليهود والنصارى والصابئين الذين كانوا قبل النسخ والتبديل يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحا. فبيوت الأوثان والمقابر لم يذكر الله شيئا منها إلا في قصة من لعنهم النبي ﷺ وذكر أنهم شرار الخلق عند الله يوم القيامة، فجمعوا بين التصاوير والمقابر. (١٠٧) جاء في القرآن نسبة المسيح إلى أمه لينفي نسبه إلى غيرها، لا كما

стр. 97

زعمت النصارى، ولا كما زعمت اليهود، وأبلغ منه قوله: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ ١ الآية، خص المسيح وأمه من أهل الأرض، لأنهما اتخذا إلهين، فخصا لنفي هذا الشرك، ولم يكن تنقصا لهما. وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً﴾ ٢ الآية. فتخصيصه تنبيه على من دونهم، ومن هذا قوله: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" ٣ فتخصيصه لتحقيق العموم، وكذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ٤ الآية، فذكر الملائكة تنبيها على أن هذه الدعوى لا تجوز لأحد من الخلق، ولو قدر وقوعه من ملك لكان جزاؤه جهنم، فكيف بغيره؟ وهذا التحقيق إفراد لله بالإلهية، ومنه قوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥. والأنبياء معصومون ولكن المقصود بيان أن الشرك لو صدر من أفضل الخلق لأحبط عمله، فكيف بغيره؟ وكذلك قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ٦، خوطب بذلك أفضل الخلق لبيان عظم هذا الذنب، لا لغض قدر المخاطب، كقوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ٧ الآيات، وقوله: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ ٨.

стр. 98

وفي الحديث: "إن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم" ١، فهذا في بيان عدل الرب وإحسانه، وتقصير الخلق عن واجب حقه من الملائكة والأنبياء. (١٠٨) وقال في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ ٢ الآيتين: لما ذكر أن من السلف من ذكر أنهم من الملائكة، ومنهم من ذكر معهم الإنس، ومنهم من ذكر أنهم من الجن، يذكرون جنس المراد به الآية على التمثيل، كما يقول الترجماني لمن سأله عن الخبز فيريه رغيفا، والآية هنا قصد بها التعميم لكل ما يدعى من دون الله. فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء والصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها فقد تناولته هذه الآية، كما تناول من دعا الملائكة والجن. ومعلوم أن هؤلاء يكونون وسائط فيما يقدره الله بأفعالهم، ومع هذا فقد نهى عن دعائهم، وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله، لا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع، أو من حال إلى حال، كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال: ﴿وَلا تَحْوِيلاً﴾ فذكر نكرة تعم أنواع التحويل. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ٣، كان أحدهم إذا نزل بواد يقول: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه، فقالت الجن: الأنس تستعيذ بنا، فازدادوا رهقا، وقد نص الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا تجوز الاستعاذة بمخلوق، وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، لما ثبت عنه ﷺ

стр. 99

أنه استعاذ بكلمات الله، وأمر بذلك، فإذا كان لا يجوز ذلك فأن لا يجوز أن يقال: أنت خير مستعاذ يستعاذ به أولى. فالاستعاذة والاستجارة والاستغاثة كلها من نوع الدعاء والطلب، وهي ألفاظ متقاربة، ولما كانت الكعبة بيت الله الذي يدعى ويذكر عنده، فإنه سبحانه يستجار به هناك، وقد يستمسك بأستار الكعبة كما يتعلق المتعلق بأذيال من يستجير به، كما قال عمر وابن سعيد: إن الحرم لا يعيذ عصيا، ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة. وفي الصحيح "يعوذ عائذ بهذا البيت " ١ والمقصود أن كثيرًا من الضالين يستغيثون بمن يحسنون به الظن، ولا يتصور أن يقضي لهم أكثر مطالبهم، كما أن ما تخبر به الشياطين من الأمور الغائبة لا يصدقون في أكثر بل يصدقون في واحدة، ويكذبون في أضعافها، ويقضون لهم حاجة واحدة ويمنعونهم أضعافها، ويكون فيما أخبروا به وأعانوا عليه إفساد حال الرجال في الدين والدنيا، ويكون فيه شبهة للمشركين كما يخبر الكاهن ونحوه. والله سبحانه جعل الرسول مبلغا لأمره، ونهيه، ووعده، ووعيده، وهؤلاء يجعلون الرسل والمشايخ يدبرون العالم بقضاء الحاجات، وكشف الكربات، وليس هذا من دين المسلمين، بل النصارى تقول هذا في المسيح وحده شبهة الاتحاد والحلول، ولهذا لم يقولوه في إبراهيم وموسى وغيرهم مع أنهم في غاية الجهل في ذلك، فإن الآيات التي بعث بها موسى أعظم، ولو كان هذا ممكنا لم يكن للمسيح خاصية به بل موسى أحق، ولهذا كنت أتنزل مع علماء النصارى إلى أن أطالبهم بالفرق بين المسيح وغيره من جهة الإلهية، فلا يجدون فرقا، بل أبين لهم أن ما جاء به موسى من الآيات أعظم، فإن كان حجة في دعوى الإلهية فموسى أحق، وأما ولادته من غير أب فهو يدل على قدرة الخالق لا على أن المخلوق أفضل من غيره.

стр. 100

(١٠٩) إذا كان الكلام في سياق التوحيد، ونفي خصائص الرب عما سواه لم يجز أن يقال: هذا سوء عبارة في حق من دون الله من الأنبياء والملائكة، فإن المقام أجل من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده، والنبي ﷺ كان من أعظم الناس تقريرا لما يقال على هذا الوجه، وإن كان هو المسلوب، كما قالت عائشة لما أخبرها ببراءتها: "والله لا أقوم إليه ولا أحمده، ولا أحمد إلا الله" ١، وفي لفظ "بحمد الله لا بحمدك"، فأقرها ﷺ وأبوها على ذلك، لأن الله سبحانه الذي أنزل براءتها بغير فعل أحد. قال حبان: قلت لابن المبارك: إني لاستعظم هذا القول، قال: ولت الحمد أهله. وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد قول الأسير: "اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد، قال: عرف الحق لأهله" ٢ وكان يعلم أصحابه تجريد التوحيد، فقال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد" ٣ وقال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده". وما أحدثه الله بغير فعل منه أضافه إلى الله وحده كما قال لكعب بن مالك لما قال له: أَوَ من عندك أَوْ من عند الله؟ قال: "بل من عند الله"، ومعلوم أنه لو كان من عند النبي ﷺ لكان من عند الله بمعنى أنه خلقه، فجميع الحادثات من عنده بهذا الاعتبار، ولكن المقصود أنه ﷺ لم يصدر عنه فعل في هذه التوبة إلا أنه بلغ الرسالة. (١١٠) وقال في الكلام على قوله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٤ الآية: تدل على أن الاستهزاء بالله كفر، وبآياته كفر، وبالرسول كفر

стр. 101

من جهة الاستهزاء بالله وحده كفر بالضرورة، فلم يكن ذكر الآيات والرسول شرطا، فعلم أن الاستهزاء بالرسول كفر وإلا لم يكن لذكره فائدة، وكذلك الآيات؛ وأيضا فالاستهزاء بهذه الأمور متلازم. والضالون مستخفون بتوحيد الله تعالى، يعظمون دعاء غيره من الأموات وإذا أمروا بالتوحيد، ونهوا عن الشرك، استخفوا به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً﴾ ١ الآية؛ فاستهزؤوا بالرسول لما نهاهم عن الشرك. وما زال المشركون يسبون الأنبياء، ويصفونهم بالسفاهة والضلال والجنون إذا دعوهم إلى التوحيد، لما في أنفسهم من عظيم الشرك. وهكذا تجد من فيه شبه منهم إذا رأى من يدعو إلى التوحيد استهزأ بذلك لما عنده من الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ٢، فمن أحب مخلوقا مثل ما يحب الله، فهو مشرك. ويجب الفرق بين الحب في الله والحب مع الله، وهؤلاء الذين اتخذوا القبور أوثانا تجدهم يستهزؤون بما هو من توحيد الله وعبادته، ويعظمون ما اتخذوه من دون الله شفعاء، ويحلف أحدهم اليمين الغموس كاذبا، ولا يجترئ أن يحلف بشيخه كاذبا. وكثير من طوائف متعددة يرى أحدهم أن استغاثته بالشيخ إما عند قبره، أو غير قبره، أنفع له من أن يدعو الله في المسجد عند السحر، ويستهزئ بمن يعدل عن طريقته إلى التوحيد. وكثير منهم يخربون المساجد ويعمرون المشاهد؛ فهل هذا إلا من استخفافهم بالله وبآياته، ورسوله، وتعظيمهم للشرك؛ وإذا كان لهذا وقف ولهذا

стр. 102

وقف كان وقف الشرك أعظم عندهم، مضاهاة لمشركي العرب الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً﴾ ١ الآية؛ فيفضلون ما يجعل لغير الله على ما يجعل لله، ويقولون: الله غني وآلهتنا فقيرة. وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه يبكي عنده، ويخشع، ويتضرع ما لا يحصل له مثله في الجمعة والصلوات الخمس وقيام الليل، فهل هذا إلا من حال المشركين، لا الموحدين. ومثل هذا أنه إذا سمع أحدهم سماع الأبيات حصل له من الخشوع والحضور ما لا يحصل له عند الآيات، بل يستثقلونها ويستهزئون بها وبمن يقرؤها مما يحصل لهم به أعظم نصيب من قوله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٢. والذين يجعلون دعاء الموتى أفضل من دعاء الله، منهم من يحكي أن بعض المريدين استغاث بالله فلم يغثه، واستغاث بشيخه فأغاثه، وأن بعض المأسورين دعا الله فلم يخرجه، فدعا بعض الموتى فجاءه فأخرجه إلى بلاد الإسلام، وآخر قال: قبر فلان هو الترياق المجرب. ومنهم من إذا نزل به شدة لا يدعو إلا شيخه، قد لهج به كما لهج الصبي بذكر أمه، وقد قال تعالى للموحدين: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ ٣ وقد قال شعيب: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ ٥.

стр. 103

(١١١) نهى النبي ﷺ عن الرقى التي فيها شرك كالتي فيها استعاذة بالجن، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ١؛ ولهذا نهى العلماء عن التعازيم، والأقسام التي يستعملها بعض الناس في حق المصروع وغيره التي تتضمن الشرك، بل نهوا عن كل ما لا يعرف معناه من ذلك خشية أن يكون فيه شرك. ومن قال لغيره: أسألك بكذا، فإما أن يكون مقسما فلا يجوز بغير الله، وإلا فهو من باب السؤال به. فتبين أن السائل لله بخلقه إما أن يكون حالفا بمخلوق، وذلك لا يجوز، وأما أن يكون سائلا به وتقدم تفصيله. وأما إذا أقسم على الله مثل أن يقول: أقسمت عليك يا رب لتفعلن كذا، كما كان البراء بن مالك وغيره من السلف يفعله، وفي الصحيح: "رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره" ٢، فهذا من الإقسام عليه تعالى به ليس إقساما عليه بمخلوق. ومعنى قوله: أسألك بالرحم ليس إقساما لكن بسبب الرحم لأنها توجب حقوقا، لسؤال الثلاثة بأعمالهم الصالحة، وكسؤالنا بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته، ومنه ما روي عن علي أن عبد الله بن جعفر إذا سأله بحق جعفر أعطاه، ومنه الحديث الذي أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا. إلخ فحق السائلين والعابدين الإجابة والإثابة، فذلك سؤال له بأفعاله كالاستعاذة بنحو ذلك، كقوله: أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك؛ فالاستعاذة بمعافاته التي هي فعله من السؤال بإثابته التي هي فعله، وقوله في الحديث "ونستشفع بالله عليك"٣، وتسبيحه صلى الله عليه

стр. 104

وسلم وتعليمه له أنه لا يستشفع بالله على خلقه على كل تقدير، طلب منه ما لا يقدر عليه، وطلب منه ما لا يطلب إلا من الله، ولا يقدر عليه إلا الله، وطلب منه ما هو أعظم استخفافا بالله، وانتقاصا له من طلب شفاعة الله إلى عبده فإنه ممكن، لكن طلب من الله ما فيه سؤال لغيره، وهو سبحانه قادر عليه بلا سؤال وهو غني عن المخلوقات، سبح رسول الله ﷺ وعظم ذلك حتى رؤي ذلك في وجوه أصحابه. فإذا كان لا يجوز أن يطلب من الله أن يسأل غيره إذ هو قادر على فعل الغير بلا سؤال، فكيف إذا كان المطلوب فعل نفسه؟ فلم يطلب فعل نفسه منه، بل طلبه من بعض عباده، وليس عندهم إلا الشفاعة، وهم لا يشفعون إلا من بعد إذنه، فتبين أن ليس لهم من الأمر شيء. (١١٢) كونه ﷺ يستفتح بصعاليك المهاجرين ليس معناه أنه يسأل الله بهم أو يقسم بهم عليه، بل يستنصر بدعائهم، كما قال لسعد: "وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم، بصلاتهم ودعواتهم وإخلاصهم"١. وأما استغاثة الجمل به ليجيره من ظلم أهله، فهو طلب منه أن يشكيه، فأشكاه بمنعهم من أذاه. وأما استغاثة الصحابة في القحط به، فاستغاثوا به ليدعو لهم، كما يستغيث به الناس يوم القيامة ليدعو لهم. والكلام في الأحكام الشرعية لا يقبل من الباطل أو التدليس ما ينفق عند أهل البدع الذين لم يرثوا علومهم من أنوار النبوة، كالفلاسفة الذين يكونون أكثر الخائضين في العلم ضلالا وافتراقا، وليس هذا شأن ما ورث عن الأنبياء إلا أن يدخل فيه الكذب والتحريف، والدين محفوظ بحفظ الله له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢. ولما

стр. 105

كانت ألفاظ القرآن منقولة بالتواتر بخلاف بعض الحديث، وطمع الشيطان في تحريف معانيه، وتغيير ألفاظ الرسول بالزيادة والنقص، أقام الله من يحفظ بهم دينه، يحملون العلم الموروث عنه، فينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ فبينوا ما أدخل أهل الكذب والغلط في ألفاظ الحديث، وما أدخل أهل التحريف في معاني القرآن والحديث، كما قال ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة" ١. (١١٣) وقال في الكلام على إهداء الثواب للنبي ﷺ : الأعمال لا تعمل إلا لله، ولا يطلب أجرها إلا منه، وإن وصل بها نفع عظيم إلى الأنبياء وغيرهم فإنهم دعوا إلى عبادته، وبينوا أن الجزاء عليه لا عليهم، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ ٢. وكثير من الضلال يطلبون الجزاء من الأولياء كأنهم يعبدونهم، أو كأنهم عملوا لأجلهم، فصاروا شبه النصارى نزلوا المخلوق بعد موته منْزلة الخالق، لأن الأولياء في حياتهم لا يمكنون أحدا من الإشراك بهم، كما قال المسيح ﵇: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ ٣ الآية، وقال: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا﴾ ٤ الآيتين. ولهذا كان خاتم الرسل المبعوث بملة إبراهيم قد أقام الحنيفية كما نعت بذلك في الكتب كقوله: "ولن أقبضه حتى أقيم به

стр. 106

الملة العوجاء". إلخ. وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى" ١ إلخ. ثم ذكر الأحاديث التي قالها في مرضه، وقبله، وفي الصحيحين عنه: "لتركبن سنن من كان قبلكم" ٢ الحديث، وقد شرحنا هذا الحديث، وتكلمنا على جملة مما وقع من ذلك. والمقصود هنا أن النصارى فيهم إشراك وغلو وابتداع، كقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ الآية..، وقوله ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ وقوله ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ؛ فصار ذلك في كثير من هذه الأمة. ومثله هؤلاء الذين يهدون العبادات إلى الأنبياء لطلب الأجر منهم، أما إشراكهم فقد ضاهوا المخلوق بالخالق، وأما الابتداع فهذا العمل لم يسنه رسول الله ﷺ ، والغلو حيث جعلوا في البشر شوبا من الربوبية والإلهية، والغنى عن صاحبه إلى النفع. وهم في تقربهم إلى غير الله بالأعمال يشبهون المتوكلين على غير الله المستغيثين بغيره. والفقر للمخلوق وصف لازم لا يفارقه في الدنيا، ولا في الآخرة، بل العبد محتاج إلى الله من جهة ربوبيته، فلا يستعين بغيره، ومن جهة الألوهية فلا يعبد غيره، كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٣؛ فإن لم يعبده خسر الدنيا والآخرة، وإن لم يعنه على عبادته لم يقدر عليها. وإذا كان الخلق كلهم فقراء إلى الله، والله يرحمهم بما شاء من الأسباب، ومن ذلك دعاء بعضهم لبعض، وإحسان بعضهم إلى بعض؛ والدعاء يكون من الأدنى للأعلى بلا غضاضة على الأعلى، فالله الذي أمرنا بالصلاة

стр. 107

والسلام على نبيه، وهو الذي يثيبنا على ذلك، بل لله عليه أكمل النعم والمنة، ونعمته عليه أكمل نعمة أنعمها على مخلوق، وما منّ به علينا من الثواب على الصلاة عليه، وعلى سائر أعمالنا، فقد منّ عليه بمثله لدعائه لنا إلى ذلك، والخالق إذا تقربنا إليه فذلك إحسانا منا إلى أنفسنا، وهو الذي أعاننا عليه، وإن كان يحب ذلك فحبه إياه منه على العامل، فإنه الذي خلق ذلك كله، فعلى العبد أن يلاحظ التوحيد والأنعام، قال تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. وهؤلاء جعلوا الهدية له ﷺ بمنْزلة الهدية إلى الله، وكأنهم يتقربون إليه كما يتقربون إلى الله، فجعلوا المخلوق كأنه الرب الغني عنهم المجازي لهم، وجعلوا الرب محتاجا إلى عبادتهم، وأنهم يبلغون ضره ونفعه. والمؤمنون وأولهم أبو بكر يطلبون أجر أعمالهم من الله، لا من مخلوق مع قوله "إنَّ أمن الناس علي في صحبته وذات يده: أبو بكر" ٢ ونزل فيه قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ٣ والله سبحانه لكمال إحسانه إلينا أمرنا بالجهاد، وأخبر أنه نصر له، وبالصدقة وأخبر أنها قرض له، وذلك ممتنع من جهة ربوبيته؛ ولكن يصح من جهة الألوهية التي أقر بها الموحدون. (١١٤) وسئل ﵀ عن دعوة ذي النون معناها، ولم كانت موجبة لكشوف الكرب؟ وهل لذلك شروط غير لفظها؟ وكيف يتحقق القائل لها في الكرب بمعنى النفي والإثبات ليوجب الكشف؟ وما مناسبة

стр. 108

ذكر ظلمه مع التوحيد؟ وهل الاعتراف مع التوحيد موجب للغفران وكشف الكرب؟ وهل اعترافه بذلك الذنب المعين يوجب كشف كربة نزلت بذنوب أوجب تأخيرها إلى ذلك الوقت سعة حلم الله، أم لا بد عند قولها من استحضار جميع الذنوب؟ وهل مجرد الاعتراف كاف بدون التوبة؟ وما السر في أن الفرج يجيء عند انقطاع الرجاء من الخلق؟ وما الحيلة في انصراف القلب عنهم وتعلقه بالله؟ وما المعنى على ذلك؟ أجاب عن الأولى بأن لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول دعاء العبادة ودعاء المسألة، وفسر قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ١ بالوجهين. وفي حديث النّزول: "من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " ٢ والمستغفر سائل، والسائل داع، لكن ذكر السائل لدفع الشر بعد السائل للخير، وذكرهما بعد الداعي الذي يتناولهما وغيرهما من عطف الخاص على العام، وسماها دعوة لتضمنها للنوعين، فقوله: ﴿لا إله إلا أنت﴾ : اعتراف بتوحيد الآلهية، وهو يتضمن النوعين، فإن الإله هو المستحق لأن يدعى بالنوعين. وقوله ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣: اعتراف بالذنب متضمن طلب المغفرة. فالسائل يسأل تارة بصيغة الطلب، وتارة بصيغة الخبر، إما بوصف حاله، أو حال المسؤول، أو بهما، وهو من حسن الأدب في السؤال، كقول أيوب ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٤. والسؤال بالحال أبلغ من جهة العلم والبيان، وبالطلب أظهر من جهة القصد والإرادة؛ فلهذا كان غالب الدعاء من القسم الثاني، لأن السائل يتصور مراده، فيسأله بالمطابقة، فإن تضمن وصف حال

стр. 109

السائل والمسؤول فهو أكمل، كقوله: "قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا " ١ إلخ. وفيه وصف لحال نفسه المقتضي حاجته إلى المغفرة، ووصف ربه أنه لا يقدر على هذا غيره، وفيه التصريح بالمطلوب، وفيه وصف الرب بما يقتضي الإجابة، وهو وصفه بالمغفرة والرحمة. فهذا ونحوه أكمل الأنواع. فمقام يونس ومن أشبهه، مقام اعتراف بأن ما أصابه بذنبه، والمقصود دفع الضر والاستغفار رجاء بالقصد. الثاني: فلم يذكر صيغة الطلب لاستشعاره أنه مسيء أدخل الضر على نفسه، فناسب ذكر ما يرفع سببه من الاعتراف، وهذا يبين بالكلام على قوله: ﴿سبحانك﴾ فإنه يتضمن التعظيم والتنْزيه، والمقام يقتضي تنْزيهه عن العقوبة بغير ذنب، فقوله: ﴿لا إله إلا أنت﴾ : فيه انفراده بالإلهية، وهي تتضمن كمال العلم والقدرة، والرحمة والحكمة. ففيها إثبات إحسانه إلى العباد، فإن الإله هو المألوه، والمألوه الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق ذلك هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع. والتسبيح يتضمن تعظيمه وتنْزيهه عن الظلم وغيره من النقائص، فإن الظالم إنما يظلم لحاجته أو جهله، والله غني عن كل شيء، عليم بكل شيء، وهو غني بنفسه، وكل ما سواه فقير إليه، وهذا كمال العظمة. أجاب عن الثانية: بأن ذلك لأن الضر لا يكشفه إلا الله، والذنوب سبب الضر، والاستغفار يزيل سببه، وقوله: ﴿إني كنت من الظالمين﴾ : اعتراف واستغفار، والتهليل تحقيق لتوحيد الإلهية، فإن الخير لا يوجب له إلا مشيئة الله، والمعوق له عن العبد ذنوبه، وما خرج عن قدرة العبد فهو من الله، وإن كان الكل بقدره، لكنه جعل الطاعة

стр. 110

سببا للنجاة والسعادة. فمشاهدة التوحيد تفتح باب الخير، والاستغفار يغلق باب الشر، والرجاء لا تعلق بمخلوق ولا بقوة العبد ولا علمه، فإن ذلك شرك، ولهذا يذكر الأسباب ويأمر بأن لا يعتمد عليها، ولهذا قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّه﴾ ١. فمن جعل مع الله إلها آخر، قعد مذموما مخذولا، والقائل لا إله إلا الله بلسانه، فقولها مخلصا من قلبه له حقيقة أخرى، وبحسب تحقيقها تكمل الطاعة، كما قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ٢ الآيتين، فمن جعل ما يألهه هو ما يهواه فقد اتخذ إلهه هواه، ولهذا قال الخليل ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ ٣ بين أنه يغيب عن عابده، فلا يعلم حاله. وكلما حقق العبد الإخلاص في قول لا إله إلا الله خرج من قلبه تأله ما يهواه، ويصرف عنه المعاصي، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ ٤ الآية. وفي الصحيح: "من قالها مخلصا من قلبه حرمه الله على النار " ٥ فمن دخلها لم يحقق إخلاصها المحرم له على النار، والشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، ولهذا أمر أن يقول في كل صلاة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٦. والشيطان يأمر بالشرك، والنفس تطيعه، فلا تزال تلتفت إلى غير الله، إما خوفا، وإما رجاء، فلا يزال مفتقرا إلى تخليص توحيده من شوائب الشرك. وفي الحديث يقول الشيطان: "أهلكت الناس بالذنوب فأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون
следующие страницы →