بمصر بتحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد وملتزم نفقات الطبع الشيخ عبد العزيز ابن الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وقد جرد في هذه الطبعة الأخيرة من الأسجاع الممقوتة، لكن مع الأسف تصرف فيه تصرفا مخلا حيث حذف منه جميع ما حواه من القصائد وهي سبع قصائد، اثنتان لمحمد بن إسماعيل اليمني المشهور بالصنعاني الأولي بائية ومطلعها:
أما آن عما أنت فيه متاب ... وهل لك من بعد البعاد إياب
والثانية الدالية والمشهورة ومطلعها:
سلامي على نجد ومن حل في نجد ... وأن كان تسليمي على البعد لا يجدي
وخمس قصائد للمؤلف الشيخ حسين بن غنام، الأولي هائية ومطلعها:
نفوس الورى إلا القليل ركونها ... إلي الغي لا يلفى لدين حنينها
تبلغ أبياتها ستة وثلاثين بيتا وتقع في ص ٧١_ ٧٢ج ٢طبعة أبا بطين الثانية سينية قالها في مناسبة جلاء دهام بن دواس عن الرياض ومطلعها:
كشف الحق ظلمة الاغلاس ... ومحا الدين جملة الأرجاس
والقصيدة الثالثة عينية قالها في رثاء شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ومطلعها:
إلي الله في كشف الشدائد تفزع ... وليس إلي غير المهيمن مفزع
وتبلغ أبياتها تسعة وثلاثين بيتا وتقع في ج ٢ص ١٥٥-١٥٦الطبعة المذكورة.
والقصيدة الرابعة الطائية التي رد بها على قصيدة محمد١ بن عبد الله بن
стр. 142
فيروز ومطلعها:
على وجهها الموسوم بالشؤم قد خطا ... عروس هوى ممقوتة زارت الشطا
تبلغ أبياتها ستة وسبعين بيتا وتقع في ج ٢ ص ١٩٠ _ ١٩٢من الطبعة المذكورة وسنثبت هذه القصيدة في آخر هذه الترجمة _ إن شاء الله _.
والقصيدة الخامسة الرائية قالها في مناسبة قتل ثويني وتهنئة للأمير سعود ووالده الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود باستيلاء ابنه الأمير سعود على الأحساء ومطلعها:
تلألأ نور الحق وانصدع الفجر ... وديجور ليل الشرك مزقه الظهر
وتبلغ أبياتها مائة وثمانية عشر بيتا وتقع في ج "٢" ص٢٣٧_٢٤٢من الطبعة المذكورة.
وكل هذه القصائد التي نوهنا عنها حذفت من طبعة المدني بلا إشارة إلي حذفها وحذف أيضا من طبعة المدني رسالة الشيخ حمد بن ناصر بن معمر المسماة "الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب" وهذه الرسالة تقع في ج "٢" طبعة أبي بطين وتبتدئ من ص٢٠٤ إلي ص ٢٣٢ أي تبلغ ثمانيا وعشرين صفحة.
كما حذف الحديثان المسلسلان بالأولية رواهما الشيخ محمد بن عبد الوهاب إجازة، الأول "الراحمون يرحمهم الرحمن" الحديث والثاني "إذا أراد من يعبده خيرا استعمله" الحديث.
وكل هذا الحذف لم يشر إليه فإذا جاء القارئ الذي لم يسبق له الإطلاع على الأصل ظن أن هذا هو تاريخ ابن غنام بكامله بدون حذف ولا تغيير سوى السجعات حيث نوه عنها في التمهيد والمقدمة إذا علم هذا عدنا إلي ما نحن بصدده من ذكر قصيدة الشيخ حسين بن غنام التي رد بها على قصيدة محمد بن فيروز ١ حيث يقول:
стр. 143
على وجهها الموسوم بالشؤم قد خطا ... عروس هوى ممقوتة زارت الشطا
تخطت فأخطت في المساعي مرامها ... ومرسلها عن نيل مقصوده أخطا
وثارت لنار الشرك تذكي ضرامها ... وسارت فبارت والإله لها قطا
لقد شوهت ما زخرفته يزورها ... كما أنها بالمين قد أحكمت ربطا
وقد جاء منشيها بزور منكر ... وفحش وبهتان يعط به عطا
وحان به داعي العناد لمهيع ... تنكب عن سبل الهداية واشتطا
فضل عن الإرشاد والحق واعتدى ... وغطا أناسا في طريقته غطا
وجاوز منهاج الهداية راضيا ... عن الدين بالدنيا فما نالها بسطا
يحاول تشييدا ورفعا لما وهت ... قواعده فوق البسيطة وانحطا ١
стр. 144
ويسعى بتحريض وتهييج فتنة ... تصير إذا شبت لحاء العدا شمطا
وربك بالمرصاد ممن يريد أن ... يؤسس ركن الشرك من بعد أن حطا
فلا عجب من يعش عن ذكر ربه ... يقيض له الشيطان ينشطه نشطا
لقد خاب مسعى من غدا طول عمره ... يصد عن الوحيد من دان أو شطا
ولا كابن فيروز يروم سفاهة ... دفاعا لحق في البرية قد وطا
وصار يذود الناس عما سفا أتي به ... أجل شفيع في الجزا للوى يعطى
ويدعو إلي نهج الضلالة معلنا ... ومنهاج أهل الزيغ جهلا به أطا
يغالب أمر الله والله غالب ... ويندب من لا يملك الرفع والحطا
ويرجو من المخلوق غوثا ونصرة ... يناديه من بعد أغثنا بلا ابطا
وذاك من الأقدار ما فك نفسه ... ولم يغن عنه المال إذ بذل الشرطا
لئن كان يدعوه لتفريج كربة ... فليس سوى الرحمن ندعو بلا استبطا
فبشراه بالخسران والذل إن سعى ... بهدم لهذا الدين أو وافق الضغطا
стр. 145
ومن جرب الأشياء يكفه ما جرى ... ويلغي أباطيل عن الاهتدا شحطا
وينظر في عقبي الخيانة الردى ... فكل امرىء خان العهود غدا سقطا
وللشهم في تلك القضايا مواعظ ... يرد بها عنه الغواية والهمطا
وكم دولة كادت وقادت جموعها ... فبادت وما فادت وما أدركت مسطا
يريدون إخفاء لما الله مظهر ... وإتمام نور الله بالحفظ قد حيطا
رويدا فوعد الله لا بد واقع ... وقد وعد التمكين من عمل القسطا
ومن عارض الأقدار أو سخط القضا ... فربك قهار له المنع والإعطا
وما ذاك إلا معتد ذو حماقة ... توغل في الابلاس وأغتر وانغطا
فويل له يوم القصاص وحيث لا ... مناص وأهل النار تسرطهم سرطا
سمت عصبة التوحيد عما يشينهم ... وعن وصفهم بالكفر لكنة الأخطى
أيوصف بالطاغوت من جدد الهدى ... وأحيا أصول الدين والسنة الوسطى
وأعلن بالإسلام والدعوة التي ... لها كشط المختار رأس العدا كشطا
وقام بأمر الحق في جاهلية ... وأهل الردى والشرك تحسبه خلطا
стр. 146
وأطلع مولاه نجوم سعوده ... بآل سعود حين ساروا له سبطا
فسبحان من عم العباد بحلمه ... وفي هذه الدنيا بإمهاله غطا
يكفر قوما بالكباب تمسكوا ... وبالهدي والإجماع ما خالفوا شرطا
وما عمموا بالكفر بل خصصوا به ... أناسا من الإشراك أعما أعمالهم حبطا
أفي محكم التنزيل تكفير من دعا ... إلي الله التقوى وإسلام من شطا
أهل الهوى والزيغ والفرق التي ... تحرف وحي الله حازوا الهدى خرطا
وهل جاء في التنزيل والوحي شاهد ... بتحقيق إسلام الروافض قد خطا
ومن قد نحا في الدين سنة صحبه ... ينادي عليهم أنهم خبطوا خبطا
فتبا وسحقا يا لها من مقالة ... من الإفك والبهتان قد سحبت مرطا
لينظر ذو الأحلام والعلم والتقى ... إلي أي قوم في الهدى تبعوا الخطا
وفي غربة الإسلام أعظم شاهد ... بإصلاح من قد قام يدعو الورى ضبطا
وبرهانه العقلي نصرة رهطه ... وتمكينهم في الأرض أكرم بهم رهطا
стр. 147
لقد رفعت أعلامهم بأميرهم ... وأبناه أسد الحرب بل بأسهم أسطى
بهم أسفرت شمس الهدى بعد دجنها ... وزال ظلام الشرك من بعد ما غطا
ذوو الحزم والشديد والعزم والنهى ... وأهل المعالي والفخار بهم نيطا
يذودون عن ورد الدنايا نفوسهم ... ويسخون في نيل المزايا بها سفطا
فقد بذلوا في ذا النفوس فأحرزوا ... به العز يا طوبى لمن أدرك القسطا
وقد ولي الأحسا سعود فأسعدت ... مساعيه أهل الخير فانتظموا سمطا
وأبعد أهل الشرك عنها وأبعدت ... مذاهبهم فيها وما أبصروا غمطا
وقرر أرباب الوظائف كلهم ... وما شاهدوا في كل أوقاتهم هبطا
مدارسهم معمورة بعلومهم ... وما ثبطوا عن نشر أحكامهم ثبطا
وما أبطلت أحكامهم حيثما أتى ... بإبطاله الشرع الشريف وما أخطا
نعم هدمت للرفض فيها كنائس ... وكل شعار الرفض عن أرضها ميطا
وما كان من جور ونكث وبدعة ... ولهو وتابوت بكل الدعا معطى
стр. 148
ولم ينف الأكل من عمل الردى ... ومن كان سبابا لمنطقه مسطا
فليس ترى إلا مفيدا وهاديا ... وعلما وتحديثا بذا تسمع اللغطا
وأمر بمعروف وتنكير منكر ... وتنكيل من قد قارف الذنب والسخطا
وحثا على فعل الصلاة جماعة ... وتوبيخ من عنها قد تخلف أو أبطا
فلله ربي الحمد والشكر دائما ... على نعم لم يحض نظم لها ضبطا
لقد من مولانا علينا بمنة ... وخولنا من فضله خير ما أعطى
وصب علينا من شآبيب بره ... سحائب رحمى قد حوينا بها غبطا
بإنقاذنا من غمرة الشرك والهوى ... ولولاه كنا في غياهبها ورطا
عسى الله يعلى في الجنان محمدا ... ويولي الرضا عبد العزيز الذي وطا
ويحرسه من كل سوء ونسله ... ويبقي سعودا في سعود وفي إبطا
أبا عمر هنيت بل هني الورى ... بما نلت والتوحيد حاز بك البسطا
إليك القرى والمدن ترنو عيونها ... تمناك ترعاها فتملؤها قسطا
стр. 149
وترتاح من عليا سعود ونصره ... وتغبط نجدا والحسا الآن والخطا
فجهز لها المنصور بالبشر تلقه ... وتفرش إكراما لأقدامه بسطا
فقد طرز الإقبال آيات فوزه ... براياته والنصر والفتح قد خطا
ودم شاربا كأس المسرة والهنا ... بأطيب عيش والعدا تأكل الخمطا
وأزكى صلاة يبهر المسك عرفها ... تعم رسولا في الورود لنا فرطا
كذا لآل والأصحاب ما خط كاتب ... ونمق في مرسومه الشكل والنقطا
وفاته:
توفي الشيخ المترجم الشيخ حسين بن غنام بمدينة الدرعية سنة ١٢٢٥هـ ﵀ وغفر له، وأسكنه فسيح جنته.
стр. 150
الشيخ حمد بن ناصر بن معمر
هو العالم العلامة المحقق الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان معمر النجدي التميمي من آل معمر أهل العيينة، نزح منها واستوطن مدينة الدرعية وقرأ فيها على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وعلى الشيخ أبي بكر حسين بن غنام نزيل الدرعية، صاحب التاريخ المشهور وعلى الشيخ سليمان بن عبد الوهاب أخي الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبعد ذلك جلس للتدريس بمدينة الدرعية فأخذ عنه العلم خلق كثير من أهل الدرعية وغيرهم من أهل نجد الوافدين إليها، نذكر من فضلائهم في هذه الترجمة المقتضبة ما يأتي _ الشيخ العلامة الشهيد سليمان ابن الشيخ عبد الله ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب. والشيخ العالم الكبير عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ونجل المترجم الشيخ عبد العزيز ابن الشيخ حمد بن معمر والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين.
وبعد ذلك لما كان في سنة ألف ومائتين واحد عشرة من الهجرة طلب غالب بن مساعد شريف مكة من الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود أن يبعث إليه عالما ليناظر علماء الحرم الشريف في شيء من أمور الدين، فبعث إليه الإمام عبد العزيز المترجم الشيخ حمد بن ناصر بن معمر على رأس ركب من العلماء، فلما وصلوا إلي الحرم الشريف أناخوا رواحلهم أمام قصر الشريف غالب فاستقبلهم بالحفاوة والإكرام وأنزلهم منزلا محترما يليق بهم، فلما طافوا وسعوا للعمرة ونحروا الجزر التي أرسلها معهم الأمير سعود بن عبد
стр. 151
العزيز هديا للحرم واستراحوا أربعة أيام من عناء السفر جمع الشريف غالب علماء الحرم الشريف من أرباب مذاهب الأئمة الأربعة _ ما عدا الحنابلة فوقع بين علماء الحرم ومقدمهم يومئذ في الكلام الشيخ ١عبد الملك القلعي الحنفي وبين الشيخ حمد بن ناصر مناظرة عظيمة في مجالس عديدة بحضرة والي مكة الشريف غالب وبمشهد عظيم من أهل مكة وذلك في شهر رجب من السنة المذكورة سنة ١٢١١هـ فظهر عليهم الشيخ حمد بن ناصر بن معمر بالحجة قهرهم بالحق فسلموا له وأذعنوا وقد سألهم _ ﵀ _ تعالى ثلاث مسائل الأولى، ما قولكم فيمن دعا نبيا أو وليا واستغاث به في تفريج الكربات كقوله: يا رسول الله، أو يا ابن عباس، أو يا محجوب، أو غيرهم من الأولياء الصالحين.
والثانية، من قال _ لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ولم يصل ولم يزك هل يكون مؤمنا؟ والثالثة، قال _ هل يجوز البناء على القبور؟ فعكس علماء الحرم هذه الأسئلة على الشيخ حمد المذكور. وطلبوا منه الإجابة عليها فأجاب عنها _ ﵀ _ بما يشفي الغليل، ويبتهج به من يتبع الدليل، وأصل الإجابة وحررها لهم في رسالة سماها علماء الدرعية "الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب" وقد أوردها الشيخ حسين بن غنام، في الجزء الثاني من تاريخه _ واختارها الشيخ سليمان بن سحمان مع مختاراته التي جمعها في رسالة وسماها "الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية" فطبعت عدة مرات، ولولا ذلك لأوردناها في ترجمتنا للشيخ حمد بن معمر المذكور، فإنها جليلة القدر عظيمة الفائدة، وقد أشار إلي ما جرى بين الشيخ
стр. 152
حمد ين ناصر بن معمر، وعلماء مكة من المناظرة الشيخ محمد بن علي الشوكاني. فقال في الجزء الثاني من كتابه "البدر الطالع" ص٧ بعد ترجمته للشريف غالب بن مساعد، ما نصه: وبلغنا أنه وصل إلي مكة بعض علماء نجد لقصد المناظرة فناظر علماء مكة بحضرة الشريف في مسائل، تدل على ثبات قدمه، وقدم صاحبه في الدين انتهى كلام الشوكاني.
وللشيخ حمد بن معمر غير هذه الرسالة رسائل كثيرة، أجاب فيها على أسئلة علمية، لو جمعت لبلغت مجلدا ضخما، ولكنها طبعت مفرقة في مجاميع الرسائل والمسائل النجدية، التي طبعت بمطبعة المنار أولا، ثم بمطبعة أم القرى في مكة المكرمة ثانيا، وقد ولاه الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود قضاء الدرعية من جملة قضاتها الكثيرين، وبعثه بعدما استولى على الحجاز١ سنة ١٢٢٠هـ إلي مكة، عند الشريف غالب مشرفا على أحكام قضاة مكة المكرمة، فأقام بمكة نحو أربعة سنوات، ثم توفي بها _ ﵀ _ سنة ألف ومائتين وخمس وعشرين من الهجرة، في أول شهر ذي الحجة، وصلى عليه الناس تحت الكعبة المشرفة، ثم خرجوا به من الحرم إلي البياضية٢ فخرج الإمام سعود بن عبد العزيز من قصره بالبياضية وصلى عليه بعدد كثير من المسلمين صلاة ثانية. قبل أن يدفن ثم دفنوه بعد ذلك بمقبرة البياضية.
قال أحمد بن محمد بن أحمد الحضراوي في تاريخه المخطوط الذي سماه "اللطائف في تاريخ الطائف ما نصه، نقلا منه عن السيد محمد ياسين ميرغني بن عبد الله المحجوب لما ذكر كشف الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود للقبة التي فوق صخرة مقام إبراهيم. قال: وكان المباشر له أي لكشف
стр. 153
القبة حمد بن ناصر، يقصد به المترجم له. ثم ذكر بعد كلام لا فائدة في ذكره، انه مات ودفن بالبياضية.
وقد ذكر المؤرخ عثمان بن عبد الله بن بشر في الجزء الأول من تاريخه ص ١٥٩طبعة أبي بطين: أن الشيخ حمد ١ بن ناصر بن معمر _ توفي بمكة وخفي عليه أنه دفن بمقبرة البياضية. فلم يذكر ذلك.
وقد خلف الشيخ حمد ابنا عالما هو الشيخ عبد العزيز صاحب "منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب" وسنورد له ترجمة في هده الرسالة _ رحم الله الشيخ أحمد ورحم ابنه الشيخ عبد العزيز، وجميع مشائخ الإسلام، وعلماء الدين، إنه سميع مجيب. وصلى الله على محمد وسلم.
стр. 154
الشيخ عبد العزيز الحصين
هو الشيخ العالم الورع التقي الزاهد عبد العزيز بن عبد الله الحصين الناصري التميمي النجدي الحنبلي. ولد سنة ألف ومائة وأربع وخمسين من الهجرة في بلدة الوقف من قرى الوشم وقرأ القرآن حتى ختمه نظرا وعن ظهر قلب ثم قرأ الفقه في صغره على الشيخ إبراهيم بن محمد بن عبد الله ابن الشيخ محمد بن أحمد إسماعيل قاضي بلد "القرائن"١ في ناحية الوشم، ثم تفقه وقرأ على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أقام مدة سنين يقرأ عليه وكان يكرمه ويعظمه ونصبه قاضيا في ناحية الوشم للإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود واستمر في قضاء تلك الناحية زمن الإمام سعود وزمن ابنه الإمام عبد الله بن محمد بن سعود، وقد أرسله الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة ١١٨٥هـ إلي والي مكة آنذاك الشريف أحمد بن سعيد لمناظرة علماء مكة وأرسل معه الشيخ رسالة إلي الشريف المذكور وقدم مكة ونزل عند الشريف الملقب بالفعر، واجتمع هو وبعض علماء مكة عنده، وهم يحي بن صالح الحنفي , وعبد الوهاب بن حسن التركي مفتي السلطان، وعبد الغني بن هلال، وتفاوضوا في ثلاث مسائل وقعت المناظرة فيها:
الأول: ما نسب إلي أهل نجد من التكفير بالعموم. والثانية: هدم القباب
стр. 155
التي على القبور. والثالثة: إنكار دعوة الصالحين لطلب الشفاعة.
فذكر لهم الشيخ عبد العزيز: أن نسبة التكفير إلي أهل نجد بالعموم زور وبهتان عليهم. وأما هدم القباب التي على القبور فهو الحق والصواب كما هو وارد في كثير من الكتب وليس لدى العلماء فيه شك. وأما دعوة الصالحين وطلب الشفاعة منهم الاستغاثة بهم في النوازل فقد نص على تحريمه الأئمة العلماء وقرروا انه من الشرك الذي فعله القدماء ولا يجادل في جوازه إلا كل ملحد أو جاهل، فأحضروا كتب الحنابلة فوجدوا أن الأمر على ما ذكر فاقتنعوا واعترفوا بأن هذا دين الله وقالوا: هذا مذهب الإمام الأعظم وانصرف عنهم الشيخ عبد العزيز مبجلا.
ولما كان سنة ألف ومائتين وأربع من الهجرة أرسل غالب بن مساعد شريف مكة كتابا إلي الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود ذكر له فيه أنه يريد رجلا عارفا من أهل الدين يعرفه حقيقة الأمر ليكون فيه على بصيرة، فأرسل إليه المترجم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين وكتب معه الشيخ محمد كتابا هذا لفظه:
"بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الوهاب إلي علماء الإسلام في بلد الله الحرام نصر الله بهم دين سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام وتابعي الأئمة الأعلام سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد جرى علينا من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم وسببه هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين ومع هذا نهيناهم عن دعوة الصالحين وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله فلما أظهرنا هذه المسالة مع ما ذكرنا من هدم البناء على القبور كبر على العامة وعاضدهم بعض من يدعي العلم لأسباب لا تخفي على مثلكم أعظمها أتباع الهوى مع أسباب أخرى فأشاعوا عنا أنا نسب الصالحين وأنا لسنا على جادة العلماء ورفعوا الأمر إلي المشرق والمغرب فأشاعوا عنا أشياء يستحيى من ذكرها وأنا أخبركم بما نحن عليه بسبب أن مثلكم ما يروج عليه الكذب فنحن ولله الحمد متبعون لا مبتدعون
стр. 156
على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وتعلمون أعزكم الله أن المطاع في كثير من البلدان لو تبين بهاتين المسألتين أنها تكبر على العامة الذين درجوا وآباؤهم على ضد ذلك وأنتم تعلمون رحمكم الله أن في ولاية الشريف أحمد بن سعيد وصل إليكم الشيخ عبد العزيز١ بن عبد الله وأشرفتم على ما عندنا بعدما احضروا كتب الحنابلة التي عندنا عمدة كالتحفة والنهاية عند الشافعية فلما طلب منا الشريف غالب أعزه الله ونصره امتثلنا وهو إليكم واصل فان كانت المسألة إجماعا فلا كلام وان كانت مسألة اجتهاد فمعلومكم أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد فمن أفتى بمذهبه في ولايته لا ينكر عليه وأنا أشهد الله وملائكته واشهدكم أني على دين الله ورسوله وأني متبع لأهل العلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
فقدم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين مكة المشرفة فأكرمه غالب وأجتمع به مرات وعرض عليه رسالة الشيخ فعرف ما بها من الحق فأذعن الشريف وأقر بذلك وطلب منه الشيخ عبد العزيز حضور العلماء للمناظرة في التوحيد فأبوا: وقالوا هؤلاء يريدون أن يقطعوا جوائزك التي من أجدادك ويملكون بلادك فارتعش قلبه وطار لبه فرجع الشيخ عبد العزيز إلي نجد وأفهم الإمام عبد العزيز والشيخ محمدا بما حصل من تهرب علماء مكة عن المناظرة. وكان المترجم مع ما اتصف به من الإخلاص للدين زاهدا ليس للدنيا عنده قدر ولا يركن إليها ولا يتعاطاها أمضى عمره وقطع وقته في نسخ الكتب النافعة وطلب العلم وبذله وبلغ من زهده وورعه أنه إذا دخل عليه وقت حصاد الزرع وجذاذ ثمرة النخل _ قوت سنته من الحنطة والتمر من يبت المال وقد بقي عنده شيء من قوت السنة الماضية وثمرتها أعاده لبيت المال ولا يترك عنده منه شيئا وكان _ ﵀ _ يحب طالب العلم محبة عظيمة كأنه ولده بالتودد إليه وتعليمه وإدخال السرور عليه والقيام بما ينوبه من بيت المال وكانت كلمته.
стр. 157
مسموعة وقوله نافد عند الرؤساء ومن دونهم وكان عنده حلقة كبيرة للتدريس من أهل شقراء وأهل الوشم وغيرهم وكان مجلسه في التدريس للفقه من وقت طلوع الشمس إلي ارتفاع النهار وكان إذا فرغ من التدريس رفع يديه ورفع الطلبة أيديهم ثم دعا فأكثر الدعاء والطلبة يؤمنون على دعاته فإذا فرغ من الدعاء قاموا وتفرقوا ولا يحضر ذلك المجلس عند أحد غير الطلبة أو ثنين أو ثلاثة من رؤساء أهل شقراء وله مجالس في التدريس غير ذلك للعامة وقت الظهر والعصر وبين العشائين.
تلامذته:
قرأ عليه وأخذ عنه العلم عدد وفير من قضاة المسلمين منهم العلامة الشهير الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن "أبا بطين" والشيخ إبراهيم بن سيف قاضي ناحية سدير للإمام عبد الله بن سعود ثم كان قاضيا لمدينة الرياض زمن الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود وابنه الإمام فيصل، وأخذ عنه أيضا الشيخ غنيم بن سيف والشيخ عبد الله بن سيف اللذان توليا على انفراد القضاء في مدينة عنيزة وغيرها زمن الإمام سعود ابن الإمام عبد العزيز وهما إخوان للشيخ إبراهيم بن سيف الآنف الذكر، وأخذ عنه أيضا القاضي في بلد القرائن في ناحية الوشم زمن الإمام سعود وابنه عبد الله أخوه الشيخ محمد بن عبد الله الحصين الناصري التميمي جد الأسرة المعروفة بآل الحصين، وأخذ عنه أيضا الشيخ علي بن يحيى بن ساعد القاضي في ناحية سدير والشيخ عبد الله١ بن سليمان عبيد قاضي ناحية الجبل زمن الإمام سعود وابنه الإمام عبد الله ثم كان قاضيا في بلد جلاجل في أول ولاية الإمام تركي بن عبد الله والشيخ محمد بن سيف بن خميس قاضي بلد ثرمداء والشيخ إبراهيم بن يحيي قاضي بلد ثرمداء بعد ابن خميس المذكور والشيخ عثمان بن عبد المحسن "أبا حسين"
стр. 158
قاضي بلد أشيقر ومحمد بن نشوان قاضي حريق نعام في ناحية الجنوب بنجد والشيخ عبد الله القضيبي من أهل بلدة شقراء والشيخ عبد الكريم١ بن معيقل صاحب القرائن وأخذ عنه خلق كثير غير هؤلاء المذكورين.
مؤلفاته:
رأيت له رسالة في الدرر السنية ج٢وج ٣طبعة دار الإفتاء في موضوع معنى العبادة تبلغ أربعا وستين صفحة وأظن أن له رسائل غيرها في مجموع الرسائل. توفي _ ﵀ _ في الثاني عشر من رجب سنة ١٢٣٧هـ وليس له ذرية وآله الحصين الموجودون اليوم من ذرية أخيه الشيخ محمد بن عبد الله الحصين، وقد ترجم للشيخ المترجم عبد العزيز بن عبد الله الحصين الشيخ عثمان بن عبد الله بن بشر في الجزء الأول من كتابه عنوان المجد في حوادث السنة المذكورة سنة ١٢٣٧هـ٢ ﵀ الجميع وغفر لهم وعفا عنهم وجميع المسلمين انه سميع مجيب وصلى الله على محمد.
стр. 159
الشيخ عبد العزيز بن محمد .
هو الشيخ العالم الكبير الملقب بالقاضي عبد العزيز بن الشيخ حمد بن إبراهيم بن حمد بن عبد الوهاب بن عبد الله بن عبد الوهاب بن موسى بن عبد القادر بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف الوهيبي التميمي.
سبط الشيخ محمد بن عبد الوهاب ابن ابنته، كان أبوه الشيخ حمد١ بن إبراهيم بن حمد يشغل قضاء بلدة مرأة ثم تركه وقدم على الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مدينة الدرعية وتزوج ابنته والدة المترجم له وسكن الدرعية عند الشيخ محمد وأخذ يقرأ عليه وقد ولد المترجم الشيخ عبد العزيز ابن حمد قبل سنة ألف٢ ومائة وتسعين وقرأ على الشيخ عبد الله٣ بن علي بن غريب وعلي الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب وغيرهم من علماء الدرعية وتولى القضاء في الدرعية زمن الإمام سعود وابنه الإمام عبد الله ابن الإمام سعود وأرسله الإمام سعود٤ في سفارة إلي إمام صنعاء وهو صاحب الأجوبة
стр. 160
المعروفة ١ بالمسائل الشرعية إلي علماء الدرعية أورد ذكره الشيخ عثمان بن عبد الله بن بشر في كتابه "عنوان المجد "في معرض تحدثه عن الصلح الذي تم بين طوسون والإمام عبد الله وذلك بقوله: وبعث عبد الله معهم بكتاب الصلح عبد الله بن محمد بن بنيان صاحب الدرعية والقاضي عبد العزيز بن حمد ليعرضوه على محمد علي صاحب مصر فوصلوا مصر ورجعوا منه وانتظم الصلح. وذكره عبد الرحمن بن حسن الجبرتي بقوله: وفيه وصلت٢ هجانة وأخبار ومكاتبات من الديار الحجازية بوقوع الصلح بين طوسون باشا وعبد الله بن سعود الذي تولى بعد أبيه كبيرا على الوهابية وأن عبد الله المذكور ترك الحرب والقتال وأذعن للطاعة وحقن الدماء وحضر من جماعة الوهابية نحو العشرين نفرا إلي طوسون باشا وصل معهم اثنان إلي مصر.
فكأن الباشا لم يعجبه هذا الصلح ولم يظهر عليه علامات الرضى بذلك ولم يحسن نزل الواصلين: ولما اجتمعا به وخاطبهما عاتبهما على المخالفة فاعتذرا وذكرا أن الأمير سعود المتوفى كان فيه عناد وحدة مزاج. .. وأما ابنه الأمير عبد الله فإنه لين الجانب والعريكة ويكره سفك الدماء على طريقة سلفه الأمير عبد العزيز المرحوم فانه كان مسالما حتى أن المرحوم الوزير يوسف باشا حين كان بالمدينة كان بينه وبينه غاية الصداقة ولم يقع بينهما منازعة ولا مخالفة في شيء ولم يحصل التفاقم والخلاف إلا في أيام الأمير سعود ومعظم الأمر من الشريف غالب بخلاف الأمير عبد الله فانه أحسن السيرة وترك الخلاف وأمن الطرق والسبل للحجاج والمسافرين ونحو ذلك من الكلمات والعبارات المستحسنات وانقضى المجلس وانصرفا إلي المحل الذي أمرا بالنزول فيه ومعهما أتراك ملازمون لصحبتهما مع أتباعهما في الركوب والذهاب والإياب فانه
стр. 161
أطلق لهما الأذن إلي أي محل أراداه فكانا يركبان ويمران بالشوارع باتباعهما ومن يصحبهما ويتفرجان البلدة وأهلها ودخلا إلي الجامع الأزهر في وقت لم يكن فيه أحد من المتصدرين للإقراء والتدريس وسألا عن أهل مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁ وعن الكتب الفقهية المصنفة في مذهبه فقيل انقرضوا من أرض مصر بالكلية واشتريا نسخا من كتب التفسير والحديث مثل الخازن والكشاف والبغوي والكتب الفقهية المجمع على صحتها وغير ذلك وقد اجتمعت بهما مرتين فوجدت منهما إنسا وطلاقة لسان وإطلاعا وتضلعا ومعرفة بالأخبار والنوادر ولهما من التواضع وتهذيب الأخلاق وحسن الأدب في الخطاب والتفقه في الدين واستحضار الفروع الفقهية وإخلاص المذاهب فيما يفوق الوصف، واسم أحدهما عبد الله والآخر عبد العزيز وهو الأكبر حسا ومعنى انتهى كلام عبد الرحمن بن حسن الجبرتي وقال بركهارت وهو يتحدث عن صلح الإمام عبد الله بن سعود وطوسون وعن الرسولين اللذين يحملان اتفاقية الصلح قال ما نصه: وصل الرسولان الوافدان من قبل عبد الله بن سعود وكانا في حاشية طوسون باشا في المدينة إلي القاهرة في أغسطس أثناء تمرد الجنود التي سبق ذكرها أحدهما كان يدعى عبد العزيز وهو أحد أقارب الشيخ محمد بن عبد الوهاب مؤسسة الدعوة والآخر كان أحد ضباط سعود قدما لمحمد علي المعاهدة التي عقدت مع ابنه طوسون باشا ومعها الخطابات التي ذكرت من قبل، وكان عبد العزيز عالما كبيرا أمر الباشا إلي معظم العلماء الأكفاء أن يحتكوا به في الأمور الدينية استفسر عبد العزيز عن كل صغيرة وكبيرة خاصة بالمؤسسات العسكرية والمدنية في مصر واشترى الكتب الكثيرة من الكتب الحربية وأخيرا أثار غيرة محمد علي باشا فأمر جنديين بملازمة الرسولين أينما ذهبا ولما تضايقا من هذا التصرف طلبا الرحيل فورا فأعطى محمد علي كلا منهما حلة من الملابس وثلاثمائة ريال كما أعطاهما خطابا لعبد الله بن سعود بطريقة غامضة مبهمة بخصوص الحرب والسلم وذكر فيها انه
стр. 162
يوافق على المعاهدة التي عقدت مع ابنه على شريطة أن يتخلى الوهابيون عن منطقة الأحساء انتهى ما ذكره بركهارت.
والشاهد ما أوردناه من كلام الجبرتي وبركهارت الاتفاق على غزارة علم المترجم وفضله الشيخ عبد العزيز بن حمد.
انتقل الشيخ عبد العزيز بن حمد بعد خراب الدرعية وسقوطها إلي مدينة١ عنيزة وتولي القضاء فيها ثم تحول إلي سوق الشيوخ بالعراق فولاه شيخ المنتفق قضاءها إلي أن توفي فيما بعد المائتين والأربعين والألف _رحمه الله القاضي الشيخ عبد العزيز بن حمد وغفر له٢
стр. 163
الشيخ عثمان بن عبد الجبار بن شبانة
هو العالم الفقيه عثمان ابن الشيخ عبد الجبار ابن الشيخ حمد بن شبانة الوهبي التميمي أخذ العلم عن عدة أشياخ كبار منهم ابن عمه الشيخ حمد بن عثمان ابن عبد الله والشيخ حمد التويجري وأخذ أيضا عن العالم عبد المحسن بن نشوان ابن شارخ القاضي في الكويت والزبير وعن الشيخ عبد العزيز بن عيد الأحسائي نزيل الدرعية وكان المترجم له فقيها له قدرة على استحضار أقوال العلماء وله معرفة في التفسير والفرائض والحساب تخرج عليه وانتفع به خلق كثير منهم ابنه القاضي الشيخ عبد العزيز بن عثمان بن عبد الجبار والشيخ عبد الرحمن بن أحمد الثميري قاضي سدير بعد الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن "أبا بطين" والشيخ عثمان بن علي بن عيسى قاضي الغاط والزلفي وغيرهم وكان في الغاية من الورع والعبادة والعفاف عينه الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود قاضيا لعسير والمع عند عبد الوهاب"أبو نقطة" المتحمي وأقام هناك مدة ثم رجع وأرسله الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود أيضا قاضيا لعسير عند ابن حرملة وعشيرته ثم أرسله الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود قاضيا في عمان وأقام في رأس الخيمة يقضي بين الناس ويدرس طلاب العلم ومعه ابنه حمد ثم رجع ولما توفي عمه محمد قاضي بلدان سدير عينه الإمام سعود مكانه حرملة قاضيا لبلدان سدير واستمر في القضاء زمن الإمام سعود وزمن ابنه الإمام عبد الله وما بعدهما إلي أن توفي في السابع والعشرين من شهر شعبان في عام١ ١٢٤٢هـ ألف ومائتين واثنين وأربعين _ ﵀ وغفر له وعفا عنه وصلى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 164
الشيخ عبد العزيز بن حمد بن معمر
هو الإمام العلامة الشيخ عبد العزيز بن الشيخ الإمام حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر ولد في الدرعية عاصمة الحكم السعودي ومركز الحركة العلمية في ذلك الحين وذلك سنة ألف ومائتين وثلاث من الهجرة ونشأ في وسط العلماء العاملين الذين كانت تزخر بهم الدرعية ونجد في ذلك الزمن فكان من شيوخه والده الشيخ حمد بن ناصر بن معمر والشيخ الإمام عبد الله ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب والشيخ العلامة المؤرخ أبو بكر حسين بن غنام والشيخ أحمد بن حسن بن رشيد بن عفالق الحنبلي نزيل الدرعية وغيرهم من العلماء فمهر في جميع العلوم والفنون فصار عالما محققا وفقيها متبحرا له اليد الطولي والباع الواسع في التصنيف والتأليف ونشر العلم وتخريج الكثير من الطلاب والرد على المعارضين وله عدة مصنفات وفتاوى ورسائل وأشعار ومن أشهر مصنفاته وأجلها الكتاب المسمى منحة١ القريب العجيب في الرد على عباد
стр. 165
الصليب ومن مصنفاته أيضا اختصار نظم ابن عبد القوي لمقنع ومنتقى عقد الفرائد وكنز الفوائد يوجد مخطوطة منه بالمكتبة السعودية بالرياض أخذ عنه العلم وانتفع به كثير من العلماء لم يسعدني الحظ بالوقوف على أسمائهم وفي زمنه جرى على الديار النجدية والدولة السعودية ما جرى من التقتيل والتخريب فدمرت الدرعية عاصمة الملك آل سعود في ذلك الحين وتشتت علماؤها وقادة الدعوة الإسلامية الذين كانوا بها أخرجهم إبراهيم١ بن محمد علي باشا من أوطانهم ونفاهم إلي مصر وفر المترجم له الشيخ عبد العزيز بن معمر من الدرعية إلي البحرين وكان لا يزال شابا في العقد الثالث من عمره فأقام بها ولم تنقطع صلته بآل الشيخ الذين نقلوا إلي مصر فكان يكاتب الشيخ عبد الرحمن بن حسن بأشعار يتوجع فيها على ما حل بنجد من الدمار والخراب وكانت الدولة الإفرنجية قد مدت إصبعها في بلاد العرب وفكرت في أن تبسط نفوذها على هاتيك الربوع ومنها بلاد البحرين فإنها كانت مثار خلاف بني الإنكليز والفرنسيين والدولة العثمانية وأرسلت كل واحدة من هذه الدول مندوبا من قبلها فكان مندوب الإنكليز رجلا قسيسا اختارته إنكلترا ليكون أبلغ إلي مقصودها بدهائه وعظيم مكره وليعمل على التبشير وبث الدعاية المسيحية فينشر في تلك البلاد الشبهات والشكوك النصرانية ليفتن الناس عن دينهم إن استطاع وتلك سياسة أوروبا في كل الشرق الإسلامي أعظم ما تهتم له تشكيك الناس في دينهم مصداقا لقوله تعالي: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لو يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ .
فحمل ذلك القسيس الإنكليزي كتابا أورد فيه شبهات نصرانية يزعم فيها تصحيح الملة المسيحية ودفعه إلي أمير البحرين وشيخها عبد الله بن خليفة وقد شحن القسيس كتابه بشكوك وشبهات كثيرة لظنه أنها ستروج على أهل
стр. 166
بلك الديار. وطلب القسيس من الشيخ عبد الله١ بن خليفة أن يعرضه على علماء البحرين ليردوا على ما فيه أو يقروا بعجزهم وانقطاع حجتهم فعمد الشيخ ابن خليفة إلي من كان عنده من علماء البحرين وطلب منهم الرد عليه فلما قرأوه وجدوا أنفسهم عاجزين عن الرد عليه فاعتذروا وقالوا: لا نستطيع الرد على ما فيه من الشبه ثم أرسله إلي علماء الأحساء فقالوا مثل ما قال علماء البحرين من إظهار العجز وعدم القدرة على الرد عليه وقال بعضهم: ليس هذا النصراني كفوا أن يجاب فحزن لذلك الشيخ ابن خليفة أشد الحزن واغتم به أشد الاغتمام فلما رأي من حوله من جلسائه وخواصه ما هو فيه من الهم والحزن لعجز علماء البحرين والأحساء عن دفع شبه ذلك القسيس قال له أحدهم: إنه قد نزل بالبحرين شاب من طلبة العلم النجديين فأرى أن تعرضه عليه لعل الله أن يزيح به عنا هذه الغمة. . فأعطاه لكتاب وأوصله إلي الشيخ عبد العزيز وقص عليه الأمر والقصة من أولها إلي آخرها فتناوله الشيخ وأمعن النظر فيه وقال: تأخذون مني دحض هذه الشبه بعد شهر _ إن شاء الله تعالي _ فلبث شهرا واتم الرد وبعث به إلي الأمير وفرح به أشد الفرح ودعي القسيس الإنكليزي وأعطاه الرد فلما طالعه عجب له واندهش جدا لما كان يظنه من عجز علماء البحرين وقال: الرد لا يكون من هنا وإنما يكون من البحر النجد فقال له الأمير: نعم هو أحد طلبة العلم النجديين.
وللشيخ عبد العزيز المترجم له أشعار رائعة لاسيما رثاء الدرعية حين حل بها ما حل من الخراب والتدمير على يد إبراهيم بن محمد علي باشا ومنها القصيدة المعروفة عند علماء الدرعية بالطنانة أوردها الشيخ عثمان بن عبد الله بن بشر في تاريخه ونحن نوردها في هذا الموضع من ترجمته _ ﵀ _ وهي هذه المقتطفات الآتية
стр. 167
إليك إله العرش أشكو تضرعا ... وأدعوك في الضراء ربي لتسمعا
إلي أن قال:
وكم قتلوا من عصبة الحق فتية ... هداة رضاة ساجدين وركعا
وكم دمروا من مربع كان آهلا ... فقد تركوا الدار الأنيسة بلقعا
فأصبحت الأموال فيهم نهائبا ... أصبحت الأيتام غرثي وجوعا
وفر من الأوطان من كان فاطنا ... وفرق إلف كان مجتمعا معا
إلي أن قال:
مضوا وانقضت أيامهم حين أوردوا ... ثناء وذكرا طيبه قد تضوعا
فجازاهم الله الكريم بفضله ... جنانا ورضوانا من الله ارفعا
فان كانت الأشباح منا تباعدت ... فإن لأرواح المحبين مجمعا
عسى وعسى أن ينصر الله ديننا ... ويجبر منا كل ما قد تصدعا
ويعمر للسمحا ربوعا تهدمت ... ويفتح سبلا للهداية مهيعا
ويظهر نور الحق يعلو ضياؤه ... فيضحي ظلام الشرك والشك مقشعا
إلهي فحقق ذا الرجاء وكن بنا ... رؤوفا رحيما مستجيبا لنا الدعا
إلي أن قال:
ألا أيها الإخوان صبرا فإنني ... أرى الصبر للمقدور خيرا وأنفعا
ولا تيأسوا من كشف ما ناب إنه ... إذا شاء ربي كشف ذاك تمزعا
فما قلت ذا أشكو إلي الخلق نكبة ... "ولا جزعا مما أصاب فأوجعا"
فما كان هذا الأمر إلا بقدرة ... بها قهر الله الخلائق أجمعا
وذلك عن ذنب وعصيان خالق ... أخذنا به حينا فحينا لنرجعا
وقد آن أن نرجو رضاه وعفوه ... وأن نعرف التقصير منا فنقلعا
فيا محسنا قد كنت تحسن دائما ... ويا راحما قد كان عفوك أوسعا
стр. 168
نعوذ بك اللهم من سوء صنعنا ... فان لنا في العفو منك المطمعا
أغثنا أغثنا وادفع الشدة التي ... أصابت وصابت وأكشف الضر وارفعا
فجد وتفضل بالذي أنت أهله ... من العفو والغفران يا غوث من دعا
توفي المترجم الشيخ عبد العزيز ابن الشيخ حمد بن معمر سنة ألف ومائتين وأربع وأربعين من الهجرة ببلدة البحرين وقد رثاه الشيخ أحمد بن علي بن مشرف بقصيدة تبلغ أبياتها ستة وعشرين بيتا مطلعها:
أشمس الهدى غابت أم البدر آفل ... أم النجم أمسى لونه وهو حائل
ورثاه غيره _ رحم الله الجميع وغفر لهم أنه سميع مجيب وصلى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 169
الشيخ أبا بطين
هو الإمام العلامة الفقيه الشيخ١ عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سلطان بن خميس، الملقب كأسلافه أبا بطين _ بضم الباء وفتح الطاء وسكون الياء _ العائذي ٢ نسبا، الحنبلي مذهبا، النجدي بلدا.
ولد هذا العالم في بلدة الروضة من بلدان سدير، لعشر بقين من ذي القعدة سنة أربع وتسعين ومائة وألف من الهجرة , ونشأ بها وقرأ على عالمها محمد بن الحاج عبد الله بن طراد الدوسري الحنبلي، فمهر في الفقه، ثم رحل إلي شقراء عاصمة الوشم بنجد واستوطنها، وقرأ على قاضيها الشيخ العلامة الورع التقي عبد العزيز بن عبد الله الحصين _ بضم الحاء الناصري التميمي، تلميذ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
قرأ عليه في التفسير والحديث والفقه وأصول الدين، حتى برع في ذلك كله، وأخذ عن العلامة أحمد بن حسن بن رشيد العفالقي الأحسائي ثم المدني الحنبلي، وعن الشيخ العلامة حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر التميمي،
стр. 170
صاحب رسالة "الفواكه العذاب، في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب" وجد واجتهد حتى صار إماما من أئمة العلم في زمنه _ ﵀ _.
ولما تولي الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود على الحرمين الشريفين سنة ألف ومائتين وعشرين من الهجرة، ولاه قضاء الطائف فباشره بعفة وتثبت، وعدالة تامة، وتأن في الأحكام، وجلس هناك للتدريس والتعليم، وقرأ عليه جماعة كثيرون في الحديث والتفسير، وعقائد السلف. وقرأ هو على السيد حسين الجفري في النحو١ ثم رجع إلي بلدة شقراء، وصار قاضيا عليها، وعلى جميع بلدان الوشم، وجلس مع القضاء في شقراء للتدريس والتعليم، وأخذ عنه العلم جماعة. منهم: الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، الشيخ محمد بن عمر بن سليم. والشيخ علي بن محمد بن علي بن حمد بن راشد. والشيخ إبراهيم بن حمد بن عيسى وابنه الشيخ احمد، والشيخ علي بن عبد الله بن عيسى. والشيخ سليمان بن عبد الرحمن. والشيخ عبد الله بن عبد الكريم بن معيقل. والشيخ محمد بن عبد الله بن مانع وابنه عبد الرحمن، والشيخ صالح بن حمد بن نصر الله وغيرهم. ثم إن الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، أرسله إلي بلدة عنيزة قاضيا عليها وعلي جميع بلدان القصيم، وذلك بعد ولاية الإمام تركي بن عبد الله على نجد، بثمان سنوات أي سنة ١٢٤٨هـ.
وبعد ما قتل الإمام تركي شهيدا، وتولي بعده ابنه الإمام فيصل، أقره على قضاء القصيم، فبقي قاضيا على بلدان القصيم سنين عديدة، وقد قرأ عليه خلق كثير بالقصيم، وتخرجوا عليه وانتفعوا به، وكان _ ﵀ _ جلدا
стр. 171
على التعليم والتدريس، لا يمل ولا يضجر، كريما سخيا ساكنا وقورا، دائم الصمت قليل الكلام، كثير التهجد والعبادة، قليل المجيء إلي الناس. وقد كتب بخط يده المتقن الجيد كتبا كثيرة قيمة، وقد اختصر بدائع الفوائد للإمام ابن القيم وكتب حاشية نفيسة على شرح المنتهى. جاءت في مجلد ضخم، وكتب تعليقات على شرح الدرة المضية شرح ١ عقيدة السفاريني وقد رد على طاغية العراق وداعية الكفر والضلال، داود بن سليمان بن جرجيس البغدادي بكتاب سماه "تأسيس٢ التقديس في كشف تلبيس داود بن سليمان جرجيس" وألف ردا ثانيا سماه "الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على المجادل عن المشركين" وله فتاوى كثيرة طبعت ضمن رسائل علماء دعوة التوحيد المسماة "بالرسائل والمسائل النجدية" ولما كان في ١٢٧٠هـ رجع من مدينة عنيزة إلي بلدة شقراء، بسبب إلحاح أهل شقراء على الإمام فيصل في طلب إرجاعه إليهم وأقام بشقراء مستمرا على حالته المذكورة يقضي بين الناس وينشر العلم تأليفا وتدريسا حتى توفي في السابع من جمادى الأولي سنة ١٢٨٢هـ ولا أعرف له أبناء إلا ابنه عبد العزيز كان من رجال الإمام عبد الله آل فيصل وقتل عبد العزيز٣ المذكور سنة ١٣٠١هـ في وقعة الحمادة التي حصلت بين الإمام عبد الله ابن الإمام فيصل ومحمد بن عبد الله بن رشيد ولعبد العزيز "أبا بطين" المذكور حفيد هو عبد العزيز مدير مصلحة الأشغال _ ﵀ _ المترجم الشيخ عبد الله "أبابطين" وغفر له.
стр. 172
الشيخ حمد بن عتيق
هو العلامة الفاضل المحقق الشيخ حمد بن علي بن محمد بن عتيق بن راشد بن حميضة واشتهر بابن عتيق نسبة إلي جده الثاني عتيق، وكذلك ذريته إنما يعرفون بآل عتيق.
ولد هذا العالم المحقق في بلدة الزلفي من بلدان نجد سنة ألف ومائتين وسبع وعشرين من الهجرة، وقرأ القرآن حتى حفظه، ثم بعد ذلك سمت همته وتاقت نفسه إلي طلب العلم الشريف، فسافر من بلدة الزلفي في سبيل هذه المهمة، فقدم الرياض سنة ألف ومائتين وثلاث وخمسين من الهجرة، وذلك في زمن الإمام فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، فمكث بها تسع سنين يقرا فيها على الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وكان حريصا مجتهدا، فرغ نفسه من جميع المشاغل وأقبل على العلم برغبة شديدة فتخرج على الشيخ عبد الرحمن بن حسن المذكور، فمهر في علم الفقه والعقائد وأصول الدين والتوحيد.
وولاه الإمام فيصل قضاء الخرج ثم الحلوة ثم نقل منها إلي قضاء الأفلاج واستقر بها وجلس لطلاب العلم، يقرأون عليه فتخرج به خلائق لا يحصون كثرة، من أجلهم علامة نجد وزعيمها الديني في زمنه الشيخ عبد الله ابن الشيخ عبد اللطيف، رحل إليه في بلدة الأفلاج عام ١٢٩٤هـ. وقرأ عليه مدة سنتين. وقرأ عليه ابنه العلامة الجليل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق العالم المشهور. وابنه الشيخ عبد العزيز بن حمد بن عتيق، وقد ألف الشيخ المترجم
стр. 173
له حمد بن عتيق مؤلفات كثيرة مفيدة. منها "إبطال التنديد، شرح كتاب التوحيد" ورسالة "بيان النجاة والفكاك" ورسالة "الدفاع عن أهل السنة والإتباع" ورسالة كتبها لصديق بن حسن خان ملك بهوبال ينبهه فيها على أخطاء وقعت في تفسيره، وله غير ذلك رسائل كثيرة، تبلغ مجلدا طبعت مفرقة ضمن رسائل أئمة الدعوة المسماة "بالرسائل والمسائل النجدية"
وقد كان معروفا بقوة الإبمان وصلابة الدين ونشر الدعوة، توفي سنة ١٣٠١هـ ألف وثلاثمائة وسنة من الهجرة في بلدة الأفلاج _ ﵀ وخلف أبناء هم الشيخ سعد بن عتيق، والشيخ عبد العزيز، والشيخ عبد اللطيف، والشيخ عبد الله، وغيرهم من أبنائه وكلهم انتقلوا إلي رحمة الله، وله اليوم أحفاد، يقطنون بلدة الأفلاج، رحم الله الشيخ حمد بن عتيق وغفر له وأسكنه فسيح جنته، وصلى الله على محمد وصحبه وسلم
стр. 174
الشيخ محمد بن سليم
هو الشيخ العلامة محمد بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن صالح بن حمد بن سليم، ولد بمدينة بريدة بالقصيم ونشأ بها وقرأ القرآن ثم قرأ العلم على الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المشهور "بأبا بطين" ثم رحل إلي مدينة الرياض وقرأ على العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وعلى ابنه علامة الشيخ عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن ثم رجع إلي مدينة بريدة ودرس بها وأفتى.
فأخذ عنه العلم بمدينة بريدة خلق كثير نذكر منهم الورع الزاهد الشيخ عبد الله بن محمد بن مفدى "فداء" والشيخ عثمان بن حمد بن مضيان الذي تولى قضاء "أبو عريش" في عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن _ ﵀ _، وأخذ عنه ابنه إبراهيم بن محمد بن عمر وإبراهيم بن حمد بن جاسر١ في بداية أمره وصالح بن كريديس وسليمان بن عبد الله بن حميد وعبد الرحمن بن غيث وابن عمه الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم٢ قاضي القصيم في حياته _ ﵀ _ والشيخ عمر بن محمد سليم قاضي القصيم بعد أخيه المذكور
стр. 175
ولم يزل المترجم الشيخ محمد بن عمر بن سليم قائما بنشر العلم وبث الدعوة إلي الله إلى أن توفي سنة ١٣٠٨هـ وخلف أبناء نذكر منهم إبراهيم وسليمان وعبد العزيز انتقلوا فيما بعد إلي رحمة الله، وله اليوم أحفاد أشهرهم عبد الله بن إبراهيم ابن الشيخ محمد بن عمر بن سليم، تولي إدارة المدرسة السعودية في مدينة بريدة في أول تأسيسها ثم تولى إدارة المدرسة الأهلية بمدينة الرياض ثم تولى إدارة معهد المعلمين بمدينة بريدة وأظنه لا يزال مديرا للمعهد المذكور _ رحم الله الشيخ المترجم محمد بن عمر بن سليم وغفر له وعفا عنه وجميع علماء المسلمين وعامتهم إنه سميع مجيب.
стр. 176
الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم
هو الشيخ العلامة محمد١ بن عبد الله بن حمد بن محمد بن صالح بن حمد بن محمد بن سليم. ولد بمدينة بريدة بالقصيم سنة ١٢٤٠هـ ونشأ بها وقرأ القرآن نظرا وعن ظهر قلب اشتغل بالعلم فأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المشهور "بأبا بطين" ثم رحل إلي مدنية الرياض فقرأ بها على العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وابنه الشيخ عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن ثم رجع إلي بلده ولازم الشيخ سلمان بن علي بن مقبل قاضي مدينة بريدة وتوابعها في زمنه. ولما عزم الشيخ سليمان بن علي بن مقبل على السفر إلي مكة المكرمة للإقامة بها والمجاورة بالحرم الشريف أشار على أمير بريدة آنذاك بتولية المترجم الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم القضاء فقبل مشورته وولاه القضاء فاستمر قاضيا ومفتيا ومدرسا لطلاب العلم زهاء اثنتين وعشرين سنة وكان بينه وبين الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن مراسلات موجودة في مجموع الرسائل والمسائل النجدية.
تلامذته:
أخذ عنه العلم خلق كثير نذكر منهم: نجليه الشيخ عبد الله والشيخ عمر _ والشيخ عبد الله بن سليمان بن بلهيد، والزاهد الورع عبد الله بن محمد بن فداء "مفدى" _ وعبد الله بن دخيل قاضي بلدة المذنب وعبد الله
стр. 177
ابن محمد قاضي مدينة عنيزة في حياته، وعلي بن مقبل، وعثمان بن حمد بن مضيان، وعبد الرحمن بن عبد العزيز بن عويد، ومحمد بن حمد بن مضيان، وأخذ عنه فوزان عبد العزيز صاحب الشماسية، وعبد الرحمن بن ناصر العجاجي، وعبد العزيز بن عبد الله بن فداء وصالح بن دخيل، وعبد الله بن أحمد آل رواف وغيرهم.
توفي _ ﵀ _ بمدينة بريدة سنة ١٣٢٣هـ وخلف ابنين عالمين هما: الشيخ عبد الله والشيخ عمر، وسنورد لكل واحد منهما ترجمة وافية في هذا الكتاب _ إن شاء الله _ رحم الله الجميع وغفر لهم وعفا عنهم إنه سميع مجيب وصلى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 178
الشيخ أحمد بن عيسى
هو الشيخ العلامة أحمد بن إبراهيم بن حمد بن محمد بن حمد بن عبد الله بن عيسى من قبيلة بني زيد القبيلة المشهورة بشقراء وغيرها من البلدان الوشم بنجد وهي قبيلة قضاعية.
مولده:
ولد في بلدة شقراء سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف فقرأ القرآن حتى ختمه ثم شرع في القراءة على الشيخ الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن "أبا بطين" ثم ارتحل إلي مدينة الرياض فأخذ عن الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وعن ابنه العلامة الشهير عبد اللطيف ثم توجه إلي مكة لقضاء فريضة الحج وعاد ثم أخذ يتردد على مكة للتجارة وعلى جدة وكان غالب تجارته الأقمشة القطنية وعامل في التجارة والشراء عبد القادرة بن مصطفى التلمساني أحد تجار جدة ومن ذوي الأملاك في القطر المصري، كان يدفع له أربعمائة جنيه ويشتري بألف ويسدد الباقي أقساطا١ ودام التعامل بينه وبين الشيخ التلمساني زمنا طويلا. وكان لصدقه وأمانته ووفائه أثر طيب في نفس الشيخ التلمساني حتى أخذ يبيعه كل ما يحتاج إليه مؤجلا يسدده فيما بعد أقساطا وقال له التلمساني: أني عاملت الناس أكثر
стр. 179
من ثلاثين عاما فما وجدت أحسن من التعامل معك يا وهابي، ويظهر أن ما يشاع عنكم يا أهل نجد مبالغ فيه من خصومكم السياسيين بسبب الحروب التي وقعت بينكم وبين أشراف مكة والمصريين والأتراك. فقد أشاعوا عنكم أقوالا منكرة فسأله الشيخ أحمد أن يبينها له. فقال له الشيخ التلمساني: يقولون إنكم لا تصلون على النبي ﷺ ، ولا تحبونه. فأجابه الشيخ أحمد: سبحانك هذا بهتان عظيم كيف ونحن نعتقد أن من لا يصلي عليه في التشهد الأخير صلاته باطلة ونعتقد أن من لا يحبه كافر، وإنما نحن أهل نجد ننكر الاستغاثة والاستعانة بالأموات، لا نستغيث إلا بالله وحده ولا نستعين إلا به سبحانه كما كان على ذلك سلف الأمة، واستمر النقاش بينه وبين التلمساني ثلاثة أيام وأخيرا هدى الله الشيخ التلمساني للحق وصار موحدا ظاهرا وباطنا، ثم سأله الشيخ التلمساني أن يوضح له وجه الخلاف بينهم وبين خصومهم في باب أسماء الله وصفاته ونعوت جلاله فقال الشيخ أحمد: إنا نعتقد أن الله فوق سماواته بائن عن مخلوقاته مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته من غير تشبيه ولا تجسيم ولا تأويل وهكذا اعتقادنا في جميع آيات الصفات وأحاديثها، كما جاء عن الإمام أبي الحسن الأشعري في كتابيه الإبانة في أصول الديانة ومقالات لإسلاميين واختلاف المصلين ودامت المناظرة بينهما في هذه المسألة خمسة عشر يوما لأن الشيخ التلمساني كان أشعريا درس في الجامع الأزهر كتب العقائد الأشعرية، السنوسية وأم البراهين وشرح الجوهرة وغيرها وقد انتهت هذه المناظرات الطويلة بإقناع الشيخ التلمساني بأن عقيدة السلف هي الأسلم والأحكم والأعلم، ثم بعد هذا صار الشيخ التلمساني _ ﵀ _ من دعاة العقيدة السلفية وطبع على نفقته كتبا كثيرة كان يوزعها مجانا، مثل "الصارم المنكي في الرد على السبكي" لابن عبد الهادي، والكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية المعروفة بالنونية للإمام ابن القيم، والاستعاذة من الشيطان الرحيم لابن مفلح والمؤمل في الرجوع إلي
стр. 180
الأمر الأول لأبي شامة المؤرخ الدمشقي والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشطان للإمام أحمد بن تيمية _ والرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي١ مع رسائل أخرى ضمن الرد الوافر، وغاية ألأماني في الرد على النبهاني للسيد محمود شكري الالوسي البغدادي وقد هدى الله كذلك الوجيه الحجازي الشهير الشيخ محمد بن حسين نصيف ﵀ _ على يد المترجم.
مؤلفاته:
ألف المترجم الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى ردودا كثيرة على علماء الضلال وأنصار البدع، منها كتاب تنبيه النبيه والغبي في الرد على المدراسي٢ والحلبي وله الرد على ما جاء في خلاصة الكلام من الطعن على الوهابية والافتراء لدحلان "خ" والرد على شبهات المستعينين بغير الله رد به علي شبهات داود ابن سليمان بن جرجيس البغدادي "ط" وكتاب توضيح المقاصد وتصحيح٣ القواعد شرح به نونية الإمام ابن القيم "المسماة بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية" طبع بمطابع المكتب الإسلامي بدمشق وهو يقع في جزئين.