Полный текст (1 969 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
سميت بذلك لأنّ الإِبل ترمها أي تأكلها، قال القزاز: أي: تتملح بها. قال لبيد:
والنيب إن تغرمني رمة خلقا … بعد الممات فإني كنت أَثئرُ
والرواية الصحيحة: تعدمني بالدال، وهو الأكل بشدة.
قال الجوهري: والجمع رمم ورمام، تقول: رم العظم يرم بالكسر رمة، أي: بلى فهو رميم. وفي الأساس: الرم: الرمام بدون الرفات، قال: ظلّت عليه تعلك الرمَاما، أي: تتملح به.
والرجيع: الروث، وهو اسم يقع على كلِّ حدث، وسمي بذلك لأنه رجع عن الحالة الأولى، وكذا كلّ شيء حدث أو فعل إذا ردّد فهو رجيع، فعيل بمعنى مفعول، قال الشاعر:
وفلاة كأنها ظهر ترس … ليس إلَّا الرجيع فيها علاق
وذكر الزمخشري الرجيع في باب المجاز، وبنحوه قال ابن دريد، وذكر الزمخشري بيت الأعشى المستشهد به دليلا على دسع البعير رجيعه، أي جرّته.
قال أبو سليمان: الخراءة مكسورة الخاء ممدودة الألف: أدب التخَلِي والقعود عند الحاجة، وأكثر الرواة يفتحون الخاء، ولا يمدون الألف، فيفحش معناه. وقد اختلف في الاستنجاء، فعند مالك وأبي حنيفة هو سنة. وقال الشافعي وأحمد: فرض. واختلفوا في العدد: فأبو حنيفة ومالك إلى الإنقاء، والشافعي وأحمد لا يجوز عندهما الاقتصار على ما دون الثلاثة، وإن حصل الإنقاء بدونها.
وأجاز الطبري الاستنجاء بكل طاهر ونجس، وكره الاستنجاء بأشياء، منها: العظم، والرجيع، والروث، والطعام، والفحم، والزجاج، والورق، والخزف، وورق الشجر، والشعر، والجلد؛ لمجيء ذلك في الحديث.
стр. 107
باب النهي عن استقبال القبلة بالغائط والبول
٥٣ - حدثنا محمد بن رمح المصري، أنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، سمع عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي يقول: أنا أول من سمع النبي ﷺ يقول: لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة، وأنا أول من حدث الناس بذلك.
هذا حديث ألزم الدارقطني الشيخين إخراجه، وخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي خليفة، نا أبو الوليد، ثنا غوث بن سليمان بن زياد المصري، ثنا أبي، قال: دخلنا على عبد الله بن الحارث بن جزء في يوم جمعة، فدعا بطست، وقال للجارية: استريني، فسترته، فبال فيه ثم قال: سمعت النبي ﷺ ينهى أن يبول أحدكم مستقبل القبلة.
وأشار الطبراني في الأوسط إلى أنه لم يروه عن غوث إلا أبو الوليد، وفي مسند ابن وهب: أخبرني الليث وعمرو بن الحارث وابن لهيعة، عن يزيد، قال لي الليث: وحدثنيه سهل بن ثعلبة عنه، قال ابن لهيعة: وحدثنيه سليمان بن زياد الحضرمي عنه. انتهى.
وحديثه عن سليمان ذكره أبو جعفر أحمد بن منيع المروزي في مسنده، عن الحسن بن موسى عنه مختصرا، ولما ذكره ابن يونس في تاريخه من جهة ابن السرح، ثنا محمد بن حميد أبو قرّة الرعيني، ثنا عثمان بن صالح، ثنا ابن لهيعة، عن يزيد، عن جبلة بن نافع الفهمي من بني شبابة، سمعت عبد الله بن الحارث … فذكره. قال: وهو حديث معلول. انتهى.
وفيه نظر؛ وذلك أنه إن أراد سنده الذي ساقه، فهو بلا شك معلول بابن لهيعة، وإن أراد علّة أخرى فكان ينبغي له بيانها مع خلو حديث الباب من علّة ظاهرة.
وإن أراد كون الليث اختلف عليه فيه بأن رواه عن قول الكجي، ثنا أبو الوليد، ثنا
стр. 108
ليث، ثنا يزيد وسهل بن ثعلبة، وتارة أفرده، فرواه عن سهل، عن عبد الله كما أسلفناه؛ فليس بعلّة أيضا لمتابعة عمرو بن الحارث له على تصريح يزيد بسماعه، وناهيك به جلالة ونبلا.
وذكره أبو القاسم في الكبير وفي الأوسط زاد الحسن بن ثوبان، وقال: لم يروه عن الحسن إلَّا رشدين بن سعد.
وأيضا فذكر الكجي في مسنده، ثنا أبو الوليد، ثنا ليث، ثنا يزيد وابن ثعلبة جميعا، فيشبه أن يكون تصحف على الناسخ، والنسخة التي نقلت منها في غاية الجودة، فالله أعلم.
فليس ما أورده قادحا في إسناد حديث الباب؛ إذ فيه دخول جبلة بين يزيد وعبد الله؛ لتصريح يزيد فيه بالسماع من عبد الله، ويكون على هذا سمعه منه وعنه؛ فأولا سمعه من جبلة فحدّث به، ثم إنّه رأى عبد الله فسأله عما سمعه عنه فحدّثه به؛ فحصل له نزول ثم علّو، وهذا شأن جماعة من العلماء.
٥٤ - حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، أنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد أنّه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: نهى رسول الله ﷺ أن يستقبل الذي يذهب الغائط القبلة، وقال: شرقوا أو غربوا.
هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم بزيادة: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل الكعبة، قلنا: ننحرف عنها ونستغفر الله .
وفي مسلم: ببول أو غائط.
وفي النسائي من حديث مالك، عن إسحاق، عن رافع بن إسحاق، سمع أبا أيوب وهو بمصر يقول: والله ما أدري كيف أصنع بهذه الكرابيس؟ وقد قال ﵇ الحديث.
ولعل قائلا يقول: سفيان والزهري يدلسان، ولم يصرحا هنا بالسماع، فلعلّ ذاك يكون علّة، فيقال له: ليس كما توهمت؛ لأن كلا من
стр. 109
المذكورين صرح بسماعه ممن فوقه، ففي البخاري ومسند الحميدي تصريح الزهري بسماعه إياه من عطاء، وكذا عطاء من أبي أيوب.
وفي مسلم: عن يحيى، قلت لابن عيينة: سمعت الزهري يذكر عن عطاء الحديث، فقال: نعم.
وقال الترمذي: حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح، وفي بعض النسخ: وأصح صحيح.
وقد رواه عن أبي أيوب غير عطاء جماعة، منهم: عمر بن ثابت، ونافع بن إسحاق، وأبو الأحوص، وعبد الرحمن بن يزيد بن جارية، وعن الزهري جماعة، منهم: ابن أبي ذئب، ومعمر، ويونس، وابن أخي الزهري، والنعمان بن راشد، وسليمان بن كثير، وعبد الرحمن بن إسحاق، وأبو سعيد الجزري، ومحمد بن أبي حفصة، ويزيد بن أبي حبيب، وعقيل، واختلف عنه، فرواه سلامة ورشدين عنه، عن الزهري، عن أبيّ بن كعب، ووهم، والصواب أبي أيوب، وإبراهيم بن سعد، رواه عن الزهري، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جارية، عن أبي أيوب. وقيل: عن إبراهيم، عن الزهري، عن رجل، عن أبي أيوب، ورواه أيوب السختياني، عن الزهري، عن رجلين لم يسمهما، عن أبي أيوب، وأرسله نافع بن عمر الجمحي، عن الزهري، عن النبي ﵇.
قال الشيخ أبو الحسن: والقول قول ابن عيينة ومن تابعه، قال الحميدي في مسنده: إن نافعا الجمحي لا يسنده. فقال: لكن أحفظه وأسنده كما قلت لك، ثم قال: إن المكيين إنما أخذوا كتابا جاء به حميد الأعرج من الشام قد كتب عن الزهري، فوقع الكتاب من خرجه، فكان المكيون يعرضون ذلك الكتاب على ابن شهاب؛ فأما نحن فإنما كنا نسمع من فيه.
стр. 110
٥٥ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، حدثني عمرو بن يحيى المازني، عن أبي زيد مولى الثّعلبيين، عن معقل بن أبي معقل الأسدي وقد صحب النبي ﷺ قال: نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط.
، ويضم إلى جهالته انقطاع حديثه فيما ذكره العسكري من أن معقلا مات في أيام النبي ﷺ فإذا كان كذلك فيكون حديثه منقطعا؛ لأنه ليس صحابيا، ولا ذكره منهم أحد؛ فتعيّن انقطاع حديثه، هذا وعلى قول ابن سرور يكون متصلا؛ لأنه قال: إنه توفي في عهد معاوية، والقلبُ إلى قوله أميل؛ لأن الطبراني ذكر عن عمرو بن يحيى أن معقلا حدّثه مصرّحا بذلك، فترجح ما قاله من وفاته زمن معاوية، والله أعلم. وقاله مسلم في كتاب الوحدان من تأليفه.
وفيه نظر من حيث إن يحيى بن عمرو حدّث عنه فيما ذكره الطبراني في الكبير، ولم أر أحدا فيما أعلم تعرّض لمعرفة حاله، وسمّاه أبو داود الوليد. وذكره أبو عمر في كتاب الاستغناء في القسم الذين يعرف أسماءهم، ولم يسمه، ويشبه أن يكون ذلك وهما من فعله، وليس بكاف سكوت أبي داود عنه.
وقوله: أبو زيد مولى بني ثعلبة، وكذلك سكوت المنذري عنه.
وأما قول ابن قانع عن معقل بن أبي الهيثم الأسدي، كذا وقع، وإنما هو معقل بن أبي معقل؛ فليس بشيء؛ لأنه معقل بن الهيثم، وابن أبي معقل، وابن أبي الهيثم، وابن أم معقل، وكلّه واحد.
كذا ذكره ابن عبد البر وابن
стр. 111
بنت منيع وغيرهما، وعند ابن سعد علّة ثالثة؛ وهي أنّ الحديث من رواية معقل، عن أبي الهيثم، لا عن معقل.
بيان ذلك قوله: ثنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، ثنا مسلم بن خالد، حدثني عبد الرحيم بن عمرو، عن عمرو بن يحيى، عن أبي زيد، عن معقل، عن أبي الهيثم الأسدي، حليف لهم قد صحب النبي ﷺ : أن النبي ﷺ نهى أن نستقبل القبلة ببول أو غائط.
قال مسلم: ثم لقيت عمرو بن يحيى، فحدثني بهذا الحديث عن معقل، عن أبي الهيثم. فهذا كما ترى معضل هنا، وإن كانت له صحبة ولأبيه، فهو بمنزلة تابعي، والله أعلم.
٥٦ - حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي، نا مروان بن محمد، نا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: حدّثني أبو سعيد الخدري: أنه شهد على رسول الله ﷺ أنه نهى أن تستقبل القبلة بغائط أو بول.
٥٧ - حدثنا أبو سعد عمير بن مرداس الدونقي، ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم أبو يحيى المقرئ، ثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر سمع أبا سعيد يقول: إن رسول الله ﷺ نهى أن أشرب قائما، أو أبول مستقبل القبلة.
كذا هو في عدة نسخ، وفي بعض النسخ: هذه زيادة من القطان، ويشبه أن يكون صحيحا؛ لأني لم أر هذا الحديث مذكورا في شيء من كتب الأطراف، ولا رأيت عميرا مذكورا في شرح ابن ماجه، وكذلك المقرئ، والله أعلم.
هذا حديث إسناده ضعيف بابن لهيعة؛ فإنه ممن تكلّم فيه جماعة من العلماء فيهم كثرة، ومع ذلك فقد قال فيه الثوري: عنده الأصول وعندنا الفروع.
وقال ابن مهدي: وددت أنّي سمعت منه خمسمائة حديث، وأنّي غرمت مالي، وحدثت ابن وهب بحديث، فقال: من حدثك هذا؟ فقال: حدّثني به والله الصادق البار عبد الله
стр. 112
ابن لهيعة.
وروى البخاري في صحيحه حديثا، قال فيه عن ابن فلان، ولم يُسَمِّه، فذكر أبو نعيم الحافظ والإِسماعيلي وصاحب الأطراف أنّه ابن لهيعة.
وفي الروض الأنف لأبي زيد - رحمه الله تعالى -: كان مالك يحسن القول فيه، ويقول إن الذي رَوى عنه حديث العربان في الموطأ عن الثقة عنده، عن عمرو بن شعيب ابن لهيعة، ويقال: بل الثقة ابن وهب حدّثه به عن ابن لهيعة.
وذكر الآجري، عن أبي داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من كان بمثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟! وحدّث عنه أحمد بحديث كثير.
وإنّما ذكرت هذا لأنّ البيهقي قال في كتاب السنن الكبير: أهل الحديث أجمعوا على ضعفه، وأي إجماع مع مخالفة هؤلاء؟! فتأمّله، والله أعلم.
وفي حديث الدونقي بضم الدال وبعد الساكنة نون بعدها قاف، نسبة إلى دونق، قرية من نهاوند - شيء ليس في الحديث الأول، على تقدير أن يكون من الأصل، أو كان من غيره، فلا ضير، والله أعلم.
وذلك أن عمرو بن علي، قال عن ابن لهيعة: احترقت كتبه؛ فمن كتب عنه قبل ذلك مثل ابن المبارك والمقرئ أصح ممن كتب عنه بعد الاحتراق. وبنحوه قاله ابن سعد، وهذه ليست من حديث المقرئ، والله أعلم.
وخرجه الترمذي في العلل الكبير من حديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة: أنه رأى النبي ﷺ يبول مستقبل القبلة. وقال: حديث جابر عن أبي قتادة غير محفوظ، وفيه ردّ لما قاله أبو عيسى إثر حديث أبي أيوب: وفي الباب عن عبد الله بن الحارث، ومعقل، وأبي أمامة، وأبي هريرة، وسهل بن حنيف. وكذا حديث أبي سعيد المتقدّم، وحديث عبد الله بن مسعود المذكور عند ابن
стр. 113
عدي، وحديث ابن عباس المذكور عند الدارقطني، وضعفه، وقد تقدّم قريبا.
وحديث سراقة بن مالك بن جعشم، سأل ابن أبي حاتم عنه أباه فضعفه، ولفظه: إذا أتى أحدكم البراز فليكرمن قبلته لدينه.
وحديث عمرو بن العجلان عند ابن عدي: أن النبي ﷺ نهى أن نستقبل شيئا من القبلتين للغائط والبول.
ولفظ البرقي في تاريخه: نهى أن نستقبل القبلة بغائط أو بول وضعفه بعبد الله بن نافع.
وحديث رجل من الأنصار ذكره ابن وهب في مسنده، فقال: أخبرني مالك وابن سمعان، عن نافع، عن رجل من الأنصار، عن أبيه: نهى رسول الله ﷺ .. الحديث.
وفي السنن لأبي قرّة، ذكره مالك، عن نافع أنَّ رجلا من الأنصار أخبره.
وحديث أنس بن مالك: نهى رسول الله ﷺ أن يبول الرجل مستقبل القبلة. رواه أبو زكريا الموصلي في تاريخه، عن سليمان بن عرَّام الحناط، ثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، ثنا ضمرة بن ربيعة، عن عباد بن كثير الثقفي، عن الأعرج عنه.
وأمّا حديث أبي هريرة فذكره أبو القاسم في الأوسط. وقال: لم يروه عن يحيى بن أبي كثير، يعني: عن أبي سلمة عنه إلَّا حسين المعلم، ولا عن حسين إلا إبراهيم، ولا عن إبراهيم إلَّا القاسم، تفرد به أحمد بن حرب.
وحديث زيد أبي العجلان: سمع النبي ﷺ ينهى أن يبال مستقبل القبلة.
ذكره المنذر بن حرب، عن ابن أبي فديك، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه أن عبد الله بن عمرو العجلاني، حدث فذكره.
стр. 114
الرخصة في ذلك في الكنيف وإباحته دون الصحاري
٥٨ - حدّثنا هشام بن عمار، ثنا عبد الحميد بن حبيب، ثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري. (ح) وثنا أبو بكر بن خلاد، ومحمد بن يحيى قالا: نا يزيد بن هارون، أنا يحيى بن سعيد، أن محمد بن يحيى بن حبان أخبره أن عمّه واسع بن حبان أخبره أن عبد الله بن عمر قال: يقول أناس: إذا قعدت للغائط فلا تستقبل القبلة، ولقد ظهرت يوما من الأيام على ظهر بيتنا، فرأيت رسول الله ﷺ قاعدا على لبنتين مستقبل بيت المقدس.
هذا حديث يزيد بن هارون، خرج هذا الحديث الأئمة الستة في كتبهم، وفي حديث البخاري: فلا تستقبل القبلة، ولا بيت المقدس.
وفي حديث أبي صالح كاتب الليث، عن الليث، عن ابن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبان: يقضي حاجته محجر عليه بلبن، ذكره أبو محمد بن حزم، وصححه.
٥٩ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا عبيد الله بن موسى، عن عيسى الحناط، عن نافع، عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ في كنيف مستقبل القبلة.
قال عيسى: فقلت ذلك للشعبي فقال: صدق ابن عمر، وصدق أبو هريرة؛ أما قول أبي هريرة فقال: في الصحراء لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها. وأما قول ابن عمر: فإن الكنيف ليس فيه قبلة، استقبل حيث شئت. وفي رواية أبي حاتم، عن
стр. 115
عبيد الله: فإنه كنيف صنع للنبي ﷺ لا قبلة فيه، وتستقبل فيه حيث شئت.
هذا حديث ضعفه الدارقطني لما خرجه بعيسى الحناط، ولفظه: أتيت النبي ﷺ في حاجة، فلما دخلت عليه، إذا هو في المخرج على لبنتين مستقبل القبلة.
وقال البزار: لا نعلم أحدا رواه عن نافع إلا عيسى،.
٦٠ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، ثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك بن مالك، عن عائشة، قالت: ذكر عند رسول الله ﷺ قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة، فقال: أراهم قد فعلوها، استقبلوا بمقعدتي القبلة.
هذا حديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه وإرساله ووصله.
أما إسناده فصحيح ظاهره الاتصال؛ لأنّ خالد بن أبي الصلت عامل عمر بن عبد العزيز روى عنه أيضا المبارك بن فضالة، وسليم بن حسين، وواصل مولى أبي عيينة، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات. وذكر بحشل في تاريخ واسط، عن سفيان بن حسين، أنا خالد بن أبي الصلت، وكان عينا لعمر بن عبد العزيز بواسط، وكان له
стр. 116
هيئة، فأتيناه يوما وقد مرض وإذا تحته شاذكونية خلقة من متاع رث، فقلنا له في ذلك، فقال: إنكم كنتم تأتون وأنا في حال دنيا، وإنكم الآن أتيتموني وأنا في حال الآخرة، ثم ذكر روايته عن جماعة من الأئمة، وليس في الإِسنادين سماع.
وأما عِرَاك فظاهر حديثه الاتصال؛ لأن مسلما وأبا حاتم البستي خرجاه في صحيحيهما وهو منهما محمول على السماع حتى يقوم الدليل على خلافه.
دليلهما قول الإِمام أحمد عند تخريجه حديث عائشة: أحسن ما روي في الرخصة حديث عراك، وإن كان مرسلا، فإن مخرجه حسن، كذا ذكره في المسند.
وقال ابن أبي حاتم في المراسيل: كتب إلي علي بن أبي طاهر، ثنا أحمد بن محمد بن هانئ، سمعت أبا عبد الله وذكر حديث خالد - يعني هذا - فقال: مرسل، فقلت له: عراك بن مالك، قال: سمعت عائشة، فأنكره، وقال: عراك من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنّما يروي عن عروة، هذا خطأ، قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء، فقال: رواه غير واحد عن خالد ليس فيه (سمعت)، وقال غير واحد أيضا: عن حماد بن سلمة، ليس فيه سمعت، فليس فيه تصريح بعدم سماعه منها، لا سيما وقد جمعهما بلد واحد وعصر واحد، فسماعه منها ممكن جائز، وقد صرح بذلك بعض الأئمة، وهو ابن سرور، رحمه الله تعالى.
وقد تابع حمادَ بن سلمة على قوله عن عراك سمعت عائشة - عليُّ بن عاصم عند الدارقطني.
وأما قول الترمذي في العلل الكبير: حدّثنا علي بن خشْرَم، ثنا عيسى بن يونس، عن أبي عبد الله، عن الحذاء، عن عراك به،
стр. 117
ثم قال: رواه حماد بن سلمة، عن خالد، عن ابن أبي الصلت قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز فذكروا استقبال القبلة، فقال عراك الحديث، فسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث فيه اضطراب، والصحيح عن عائشة قولها.
وقال أبو محمد بن حزم: هذا حديث ساقط؛ لأن راويه خالدٌ الحذاء، وهو ثقة عن خالد بن أبي الصلت، وهو مجهول لا يُدرى من هو؟! وأخطأ فيه عبد الرزاق، فرواه عن خالد الحذاء، عن كثير بن أبي الصلت، وهذا أبطل وأبطل؛ لأن الحذاء لم يدرك كثيرا، وفيه نظر من وجوه:
الأول: الاضطراب المشار إليه يشبه أن يكون قول حماد، وعلي بن عاصم، وعبد الوهاب الثقفي أولى لكونهم أثبتوا زيادة أخل بها أبو عوانة، ويحيى بن مطر، والقاسم بن مطيب، والزيادة من الثقة مقبولة، أو المثبت أولى من النافي.
الثاني: قول أبي محِمد: إنّ خالد بن أبي الصلت مجهول، لا يدرى من هو. قد بينا قبل حاله، وأنها غير مجهولة.
الثالث: قوله: كثير بن أبي الصلت لم يدركه الحذاء، وهو لا شيء؛ لأنّ البخاري وابن أبي حاتم ومن بعدهم كابن عبد البر وغيره إنما سموه كثير بن الصلت، لا ابن أبي الصلت، فإن كان ذلك من خطأ عبد الرزاق، فكان ينبغي أن ينبّه عليه، وما أظنّ ذلك لتقريره له، وعدم إنكاره عليه ذلك، أو لعلّه يكون تصحف على الناسخ.
стр. 118
الرابع: إنكاره سماع خالد منه إن كان ذلك بتوقيف فسمعا وطاعة، ولكني لم أر أحدا قاله غيره، وإن كان استبعادا لذلك من حيث إنّ كثيرا ولد في زمنه ﵇، فغير مستبعد سماعه منه لرؤيته أنس بن مالك، وبذلك كان تابعيا.
٦١ - حدّثنا محمد بن بشار، ثنا وهب بن جرير، نا أبي، سمعت محمد بن إسحاق يحدّث، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن تستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها.
ثنا محمد بن بشار، عن وهب به، ولفظه: نهاني أن أستقبل القبلة … الحديث.
هذا حديث خرجه ابن خزيمة، عن ابن بشار شيخ أبي عبد الله، وخرجه أيضا الحاكم، وزعم أنه صحيح على شرط مسلم، وليس كما زعم، فإن أبان بن صالح لم يخرج مسلم له شيئًا، وخرجه ابن حبان في كتابه الصحيح، وفيه فائدة تصريح ابن إسحاق بسماعه من أبان، فقال: ثنا الحسن بن سفيان، ثنا عمرو الناقد، ثنا يعقوب ابن إبراهيم، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني أبان … فذكره. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ورواه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة: أنه رأى النبي ﷺ يبول مستقبل القبلة. أنا بذلك قتيبة، ثنا ابن لهيعة بهذا، وحديث جابر، عن النبي ﷺ أصح من حديث ابن لهيعة، ولما رواه البزار في مسنده، عن محمد بن المثنى، نا وهب به، قال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن جابر بهذا اللفظ بإسناد أحسن من هذا الإِسناد.
وذكر البيهقي في كتاب الخلافيات، وأبو الحسن الخزرجي في تقريب المدارك، وعبد الحق الإشبيلي أنّ الترمذي سأل البخاري عن حديث ابن
стр. 119
إسحاق هذا، فقال: هذا حديث صحيح، كذا ذكروه عنه. والذي في نسختي من كتاب العلل: سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: رواه غير واحد، عن ابن إسحاق فقط، فلعله سقط منها شيء، والله أعلم.
وأما قول ابن حزم حين أراد ردّه: حديث جابر رواه أبان بن صالح، وليس بالمشهور، فقول مردود، لما أسلفنا من توثيقه عند من صحح حديثه؛ ولقول ابن معين، وأبي زرعة، وأبي حاتم، ويعقوب بن شيبة، والعجلي فيه: ثقة.
وقال النسائي: كان حاكما بالمدينة، وليس به بأس، روى عنه إبراهيم بن أبي عبلة، وأسامة بن زيد، وابن جريج، وإسحاق بن أبي فروة، وعقيل، ومحمد الجندي، وابن عجلان، وموسى بن عبيدة، والحارث بن يعقوب والد عمرو، وعبد الله بن عامر الأسلمي، وسعد بن كعب بن عجرة، وعبيد الله بن أبي جعفر، وهو قرشي جَدّ مشكدانه، استشهد به محمد في باب عمرة القضاء من كتاب المغازي، وقال ابن سعد: ولد سنة ستين، ومات بعسقلان سنة بضع عشرة ومائة، زاد يعقوب الفسوي في تاريخه: وهو ابن خمس وخمسين سنة، فأي شهرة أرفع من هذه وأعلى.
وأما قول أبي عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد: ردّ أحمد بن حنبل حديث جابر، قال أبو عمرو: وليس حديث جابر بصحيح، فيعرج عليه؛ لأنّ أبان بن صالح راويه ضعيف، ففيه نظر من وجهين:
الأول: قوله ردّه أحمد: إن أراد رد العمل به فمعروف عنه، وإن أراد الردّ الصناعي فغير صحيح؛ لثبوته في مسنده، لم يضرب عليه ولم ينزعه منه، كعادته
стр. 120
فيما ليس بصحيح عنده أو مردود. بين ذلك أبو موسى المديني عنه.
الثاني: تضعيفه الحديث بأبان، وهو قول لا سلف له فيما أعلم، وقد عارضه قول من أسلفنا.
وقول الترمذي فيه: حسن غريب، وهما لفظان متغايران، اللهم إلَّا أن يكون بعض رواته تفرد به، ولئن كان كذلك فما أظنه غير أبان، والله تعالى أعلم.
وفي كتاب الطبراني الكبير حديث عمار: ثنا محمد بن الفضل السقطي، ثنا الحكم بن موسى، نا عيسى بن يونس، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم عن عمار، قال: رأيت النبي ﷺ مستقبل القبلة بعد النهي لغائط أو بول.
ولما ذكر الترمذي الأحاديث التي في الباب أغفل حديث ابن عمر: إنّما نهى عن ذلك في الفضاء؛ فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس رواه أبو داود، وقال فيه الحاكم: صحيح على شرط البخاري.
وأما قول ابن حزم: النهي عن ذلك، يعني عن استقبال القدس لم يصح، فمردود بما أسلفناه من عند البخاري: فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس.
البيت، جمعه: بيوت، وأبيات، وأبابيت عن سيبويه، مثل قول وأقاويل، وتصغيره: بييت، وبييت أيضا بكسر أوله، والعامة تقول: بويت. قاله الجوهري.
وقوله: ظهرت بمعنى علوت، وفي بعض الروايات: رقيت بمعنى صعدت، وهو العلو، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾، وقال: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾
стр. 121
أي: يعلون. قال النابغة:
بلغنا السماء أبانا وجدودنا … وإنّا لنبغي فوق ذلك مظهرا
وأما اللبن مثل كلم، فواحده لبنة، ككلمة، ويقال: لبنة ولبن مثل لبدة ولبد. قال القزاز: هو المضروب مربعا، وكل شيء ربعته فقد لبنته، والملبن: هو الفاعل، وهو الذي يضرب به.
وأما الكنيف: فهو البناء الذي انتزع من الدور لقضاء الحاجة، وأصله الشيء الساتر؛ لأنه يستر ويغطي، أو لأنه كنف في أستر النواحي؛ ولذلك قالوا للترس كنيفا، قال لبيد: ولا الحجف الكنيف.
ولحظيرة الإِبل كذلك، وفي حديث: أن أبا بكر ﵁ أشرف من كنف أي ستر. قال القزاز: ومنه قولهم: اذهب في كنف الله، أي: ستره وحياطته.
اختلف الناس في تأويل ما اختلف من الأخبار في استقبال القبلة واستدبارها؛ فذهب أبو أيوب إلى تعميم النهي والتسوية في ذلك بين الصحاري والأبنية، وهو مذهب الثوري والكوفي وأحمد وأبي ثور، واحتجوا بحديث أبي أيوب وغيره من الأحاديث الواردة في النهي، وفيها كثرة.
وقال آخرون: جائز استقبال القبلة وبيت المقدس على كلّ حال، واستدبارهما في الصحاري والبيوت.
قال الخطابي: وذهب ابن عمر إلى أنّ النهي إنّما جاء في الصحاري، وكذلك قاله الشعبي، وإليه ذهب مالك والشافعي، وقد قيل: إن المعنى في ذلك هو أنَّ الفضاء من الأرض موضع للصلاة، ومتعبد للملائكة والإنس والجن؛ ففاعل ذلك مستهدف للأبصار، وهو في الأبنية مأمون، وفي قول ابن عمر جمع بين الأخبار، والله أعلم.
стр. 122
الاستبراء بعد البول
٦٢ - حدثنا علي بن محمد، نا وكيع. (ح) وثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو نعيم، قالا: ثنا زمعة بن صالح، عن عيسى بن يزداد اليماني، عن أبيه، قال رسول الله ﷺ : إذا بال أحدكم فلينثر ذكره ثلاث مرّات.
- ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا زمعة، فذكر نحوه.
هذا حديث اختلف في اتصاله وإرساله وضعفه؛ فممن قال: إنه مرسل، أبو حاتم الرازي، قال: ليس ليزداد صحبة.
وقال في موضع آخر: لا يصح حديثه وليس لأبيه صحبة، ومنهم من يدخله في المسند، وهو وأبوه مجهولان، وفي الاستيعاب: يزداد والد عيسى، يقال: له صحبة، وأكثرهم لا يعرفونه ولم يرو عنه غير ابنه عيسى، وهو حديث يدور على زمعة.
وقال البخاري: ليس حديثه بالقائم. وقال يحيى بن معين: لا يعرف عيسى هذا ولا أبوه.
وقال أبو عمر: وهو تحامل، وفيما قاله نظر؛ لأن أبا حاتم ذكر ذلك أيضا كما قدمناه، فذهب ما توهمه، وذكره أبو داود في المراسيل.
وقال ابن عساكر: يزداد، ويقال: أزداد، مولى بحير بن ريسان اليماني، عن النبي ﷺ ، ويقال: هو مرسل، وبنحوه قاله عبد الحق، وزاد: لا يصح حديثه، وقرر ذلك أبو الحسن بن القطان.
وأما قول أبي عمر: لم يرو عنه غير ابنه عيسى، فغير صحيح؛ وذلك أن البخاري ذكر أن عكرمة روى عنه أيضا. وقال: ويزداد صاحب عدن. وأما الإِمام أحمد فإنه ذكر حديثه في مسنده اعتمادا على أنّ له صحبة، وأن حاله جيدة عنده، وكذلك العسكري قال: وهو من أهل اليمامة، ذكر بعضهم في حديثه أنه قد أدرك النبي ﷺ ، وذكر أيضا أن يحيى بن العلاء قال ذلك، وكذلك ذكره البغوي في معجم الصحابة، وابن حبان البستي قال: يقال: إن له صحبة، إلا أني لست أحتج بحديثه بخبر زمعة بن
стр. 123
صالح.
كذا قال في زمعة، وهو جندي يماني، روى عنه جماعة.
وقال فيه ابن معين: صويلح الحديث.
وقال الفلاس: جائز الحديث مع الضعف الذي فيه.
وقال السعدي: متماسك.
وقال ابن عدي: رّبما يهم في بعض ما يرويه، وأرجو أنَّ حديثه صالح لا بأس به، وروى مسلم له مقرونا بمحمد بن أبي حفصة، وتكلّم فيه غير واحد.
وقال ابن عساكر: رواه جماعة عن زمعة، يعني حديث يزداد، منهم: عيسى بن يونس، وابن عيينة، والمعتمر بن سليمان، وأبو أحمد الزبيري، وإسماعيل بن عياش، وأبو داود الطيالسي، وعبد الرزاق، وأبو عاصم، وروح بن عبادة.
وفي كتاب العسكري: وابن هراشة، ووكيع، وزكريا بن إسحاق، ثنا يحيى بن علي، ثنا نصر بن داود، ثنا أبو نعيم، ثنا زمعة، عن عيسى بن يزداد، عن أبيه قال: كان النبي ﷺ إذا بال نثر ذكره ثلاث مرات.
قال العسكري: كذا جعله من فعله ﵇، وغيره يجعله من قوله.
وفي حديث قرة بن خالد ويحيى بن العلاء عنه: إذا بال أحدكم فلينثر ذكره ثلاث مرات، فإن ذلك يكفيه. انتهى. وهذا يدل على اضطراب وعدم ضبط.
وأما قول ابن معين في عيسى: لا يعرف، إن أراد عينه فمردود برواية زمعة وزكريا بن إسحاق المكي عنه، وإن أراد حاله فكذلك؛ لذكره في كتاب الثقات لابن حبان.
والنتر بالتاء المثناة: جذب في جفوة. قاله في الصحاح.
стр. 124
من بال ولم يمسّ ماء
٦٣ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، عن عبد الله بن يحيى التوأم، عن ابن أبي مليكة، عن أمه، عن عائشة قالت: انطلق النبي ﷺ يبول فاتبعه عمر بماء، فقال: ما هذا يا عمر؟ قال: ماء، قال: ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ، ولو فعلت لكانت سنة.
بوّب أبو داود على هذا الحديث باب في الاستبراء، ورده الشيخ زكي الدين بقوله: التي روته عن عائشة مجهولة، وليس ذلك بشيء لأمرين:
الأول: ليس كما زعم في أم ابن أبي مليكة بأنهّا مجهولة، بل معروفة الاسم والحال والنسب، ذكر الزبير وابن حبان في كتاب الثقات أن اسمها ميمونة بنت الوليد بن أبي حسين بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، روى عنها ابنها، عن عائشة - يعني هذا الحديث - ثناه محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا التوأم به.
وفي كتاب الوحدان للقشيري، وابن أبي مليكة يعني تفرد عن أمه وعن التوأم، وخالفه أيوب السختياني.
والثاني: إغفاله النظر في حال التوأم، وهو مختلف فيه، فابن معين يضعفه، وكذلك النسائي، وابن حبان يوثقه. ولذلك قال فيه بعض الحفاظ: هذا حديث
стр. 125
غريب، وفي الباب حديث ابن مسعود: أن النبي ﷺ توضأ ولم يمس ماء رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم عنه. وقال: لم يروه عن أبي إسحاق إلا أبو سنان. تفرد به الصباح بن محارب.
وأما حديث الباب فيدل على أن إتيان عمر بالماء كان لقصد أن يستعمله ﵇ مع الحجارة علما من عمر بمطلوبيّة ذلك، وإنما يتم كون هذا المعنى مرادا في الخبر لحمل الوضوء منه على الغسل لغة، وعلى هذا يكون الخبر دليلا على استحباب الجمع بين الماء والحجر.
وجه الدلالة: قوله ﵇: ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ، فيقتضي فعل الوضوء المذكور في بعض الحالات بطريق المفهوم، وذلك مفيد للندب، وقد يدلّ على الجمع حديث أورده البزار في مسنده من رواية محمد بن عبد العزيز الزهري، وهو ضعيف لا يحتج به، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ فسألهم النبي ﷺ فقالوا: إنّا نتبع الحجارة الماء.
وقد وردت أحاديث مخالفة الظاهر لحديث الباب تأتي بعد، وفيه دليل على أن مداومته ﵇ على الفعل يقتضي وجوب ذلك الفعل علينا، ما لم يقم دليل على عدم الوجوب، والله أعلم.
стр. 126
النهي عن الخلاء على قارعة الطريق
٦٤ - حدثنا حرملة بن يحيى، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن حيوة بن شريح أن أبا سعيد الحميري حدثه قال: كان معاذ بن جبل يتحدّث بما يسمع أصحاب رسول الله ﷺ ويسكت عما يسمعوه، فبلغ عبد الله بن عمرو وما يتحدّث به، فقال: والله ما سمعت رسول الله ﷺ قال هذا، وأوشك معاذ أن يعنتكم في الخلاء، فبلغ ذلك معاذا، فلقيه معاذ، فقال معاذ: يا عبد الله بن عمرو، إنّ التكذيب بحديث رسول الله ﷺ نفاق، وإنما إثمه على من قاله، قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، والظل، وقارعة الطريق.
هذا حديث خرجه أبو عبد الله في مستدركه من رواية سعيد بن الحكم، عن نافع. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، إنّما انفرد مسلم بحديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: اتقوا اللاعنين.
وفيما قاله نظر، وذلك أنّ هذا حديث منقطع، وفيه رجل مجهول، بيانه: ما ذكره أبو داود، عن إسحاق بن سويد وعمر بن الخطاب، عن سعيد بن الحكم، أنا نافع. فذكره مختصرا. كذا هو في رواية اللؤلؤي وابن داسةَ.
وفي رواية ابن العبد، وفي كتاب التفرد له زيادة عليها، وهي: قال أبو داود: ليس هذا بمتصل، يعني بذلك انقطاع ما بين أبي سعيد ومعاذ. وبنحوه قاله الإشبيلي أيضا وابن القطان، وهو رجل مجهول لا يعرف اسمه ولا حاله، ولا من روى عنه غير حيوة، ولا روى هو عن غير معاذ، ولا رواه عن حيوة غير نافع، ومع ذلك فله شاهد
стр. 127
جيّد من حديث سراقة بن مالك، أورده حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله، عن عباس العنبري، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن سماك بن الفضل، عن أبي رشدين الجندي، أنّ سراقة بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أتى أحدكم الغائط فليكرم قبلة الله، ولا يستقبل القبلة، واتقوا مجالس اللعن: الظل والماء وقارعة الطريق … .
الحديث، رواه أبو رشدين زياد، وسماك وثقه النسائي والبستي، وبقية من في هذا الإِسناد لا يسأل عنهم، قال: ورواه حبان بن موسى، عن ابن المبارك عنَ معمر موقوفا.
وشاهد ذكره عبد الله بن وهب في مسنده، عن عبد الله بن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة السبائي، أخبرني من سمع ابن عباس سمعت رسول الله ﷺ يقول: اتقوا الملاعن الثلاث، قيل: وما الملاعن الثلاث يا رسول الله؟ قال: أن يقعد أحدكم في ظل يستظل فيه، أو في طريق، أو نقع ماء. وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده من حديث ابن المبارك، عن ابن لهيعة قال: حدّثني ابن هبيرة، وهو وإن كان مرسلا لإبهام الراوي عن ابن عباس؛ فإنّ الشواهد لا يعتبر لها شرط الصحيح من كل وجه، وابن لهيعة مختلف في حاله كما أسلفناه، وقد زال تدليسه بتصريحه بالسماع، وأيضا فابن المبارك حمل عنه قبل احتراق كتبه، وكان يتبع أصوله.
وشاهد آخر ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث ميمون بن مهران، عن ابن عمر: نهى النبي ﷺ أن يتخلى الرجل تحت شجرة مثمرة، ونهى أن يتخلى على ضفة نهر جارٍ.
قال: لم يروه عن ميمون إلا.
٦٥ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن زهير قال: قال سالم: سمعت الحسن يقول: ثنا جابر بن عبد الله، قال رسول الله ﷺ : إياكم والتعريس
стр. 128
على جواد الطريق، والصلاة عليها، فإنها مأوى الحيات والسباع، وقضاء الحاجة عليها، فإنها الملاعن.
هذا حديث معلل بأمرين:
الأول: ضعف عمرو بن أبي سلمة؛ فإنه ممن قال فيه أبو حاتم: لا يحتج به. وقال يحيى: ضعيف.
الثاني: انقطاع ما بين الحسن وجابر، فممن ذكر ذلك ابن المديني، وبهز، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبزار.
وفي حديث الباب تصريح بسماعه منه لو كانت الطريق سالمة من عمرو، على أنه قد توبع على ذلك فيما ذكره ابن أبي حاتم، عن أبيه: هشام بن حسان يقول: عن الحسن، ثنا جابر بن عبد الله. وأنا أنكر هذا.
وروى شريك، عن أشعث، عن الحسن، سألت جابرا، قال أبو داود: لا يصح، ولو رأينا الحديث الذي في مسند أحمد أنه سمع لأذعنا له سمعا وطاعة، قال: حدّثنا يزيد يعني ابن هارون، أنا حميد الطويل، قال: حدثنا الحسن إحدى صلاتي العشاء، فأطال، فرأيت اضطراب لحيته، فلما انصرف قلت: أكنت تقرأ؟ فقال لي: عامته تسبيح ودعاء، ثم قال: ثنا جابر بن عبد الله قال: كنا ندعو قياما وقعودا، ونسبح ركوعا وسجودا. فهذا كما ترى سند كالشمس، فيه تصريح بسماعه، فلا مطعن في سماعه بعد هذا، وإذا ثبت هذا فقد وقع لنا هذا الحديث مختصرا بإسناد صحيح على شرط مسلم، ذكره المروروذي في مسنده، فقال: حدّثنا إسحاق الأزرق، عن هشام، عن الحسن، عن جابر قال: نُهي عن الصلاة على جواد الطريق والصحاري، فإذا قال: نُهي أو أمر كان محمولًا على
стр. 129
الاتصال كما تقدم من قبل.
ورواه يزيد بن هارون، عن هشام مرفوعا مطولًا، قال رسول الله ﷺ : إذا كنتم في الخصب فأعطوا الركاب حقها - أو كلمة نحوها - ولا تعدوا المنازل، وإذا كنتم في الجدب فعليكم بالدلجة؛ فإن الأرض تطوى بالليل، وإذا تغولت لكم الغيلان فبادروا بالأذان، ولا تصلوا على جواد الطريق، ولا تبولوا عليها فإنها مأوى الحيّات والسباع، ولا تقضوا عليها الحاجات؛ فإنها ملاعن.
رواه البزار عن محمد بن معمر، عن يزيد، وقال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن جابر إلا بهذا الإِسناد. وهم يتكلمون في سماع الحسن من جابر، وفيما قاله نظر؛ لأن حديث الباب بغير هذا الإِسناد، والله أعلم.
وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعا: اتقوا اللعانين، قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم رواه مسلم في صحيحه.
ومن حديثه أيضا عند ابن عدي مرفوعا: نهي أن يتغوط الرجل في القرع، قيل: وما القرع؟ قال: أن يأتي أحدكم الأرض فيها النبات كأنما قمت قمامته، فتلك مساكن إخوانكم من الجن.
وفي بعض الروايات: فإنه مصلى الخافير يعني الجن. رواه أبو أحمد من طريق سلام بن سلم الطويل، وهو متروك.
٦٦ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا عمرو بن خالد، ثنا لهيعة، عن قرة، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه أن النبي ﷺ : نهى أن يصلى على قارعة الطريق، أو يضرب الخلاء عليها، أو يبال عليها.
ابن لهيعة تقدم ذكره، وقرة هو ابن عبد الرحمن بن حَيُويل، أبو حَيُويل اسمه
стр. 130
يحيى، قال ابن حبان: من ثقات أهل مصر، وخرّج حديثه في صحيحه، ومسلم قرنه بغيره، وأبو عيسى يصحح حديثه، وكذلك الحاكم.
وقال الأوزاعي: ما أحد أعلم بالزهري منه.
وقال ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا جدا، وأرجو أنه لا بأس به.
وخالف ذلك أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، وابن القطان.
وعمرو بن خالد أبو خالد القرشي الأعشى الهاشمي، مولاهم، أصله كوفي، قال فيه البخاري: منكر الحديث.
وقال أحمد بن حنبل: متروك الحديث ليس بشيء.
وقال أحمد بن محمد: قال أبو عبد الله: عمرو بن خالد الواسطي كذاب، يروي عن زيد بن علي، عن آبائه نسخة موضوعة، يكذب، وكذلك قاله وكيع وإسحاق بن راهويه وأبو زرعة.
وقال ابن معين: كذاب.
وقال أبو داود ويعقوب بن سفيان: لا شيء.
وقد وردت أحاديث تدلّ على المنع من البول في مواضع مخصوصة، منها:
حديث أبي هريرة لا يبولن أحدكم في الماء الدائم في الصحيحين.
وحديث ابن سرجس لا يبولن أحدكم في جحر من عند النسائي، وإسناده صحيح، وإن كان أبو عمرو ذكر أن أهل البصرة تفردوا به، فلا بأس بذلك.
وحديث ابن عمر قال ﵇: لا تبولوا في الماء الناقع. ذكره أبو نعيم في تاريخ أصبهان من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن نافع، عنه.
وفي مراسيل أبي داود، عن أبي مجلز: أن
стр. 131
النبي ﷺ أمر عمر أن ينهى أن يبال في قبلة المسجد. وفيه عن مكحول: نهى رسول الله ﷺ أن يبال بأبواب المساجد.
وعند العقيلي، عن أبي هريرة: كان ﵇ يكره البول في الهواء. وضعفه بأبي الفيض يوسف بن السفر.
وحديث ابن مغفل: لا يبولن أحدكم في مستحمه، وقد تقدم، وحديث رجل من الصحابة: نهى ﵇ أن يتمشط أحدنا كل يوم، أو يبول في مغتسله عند أبي داود.
الموارد: جمع مورد، وهو مفعل من الورود، أي: الحضور، قاله الجوهري، ورد فلان، ويردوا حضروا، وأورده غيره: أحضره، والموارد يقول: على طريق الماء، وعلى منهل الماء، والأول المراد في الحديث، على ما قاله جماعة من العلماء، والظاهر أن المراد هو الثاني؛ وذلك أن الحديث رواه ابن عباس كما مر، وفيه: أو في نقع الماء. وفي حديث سراقة: والماء. وفيها البيان لمجمل المورد؛ فوجب المصير إليه؛ ولأن الحديث يفسر بعضه بعضا، وإذا تقرر هذا فالذي يظهر تخصيصه بالماء الراكد لتقييد الإِطلاق بنقع الماء في حديث ابن عباس، ولأن ما كثر وجرى لا تأثير للأخبثين فيه.
وقارعة الطريق هي الجادة، واشتُقت من القرع، أي الضرب، فهي مقروعة بالقدم وغيره، وذلك من باب تسمية المفعول بالفاعل.
وفيه منع التخلي بظل الأشجار المثمرة صونا لسواقط الثمر عن التنجيس، والفقهاء يختلفون في المنع؛ فمنهم من يطرده في جميع الزمان، ومنهم من يخصه بزمن الثمار؛ لحديث ابن عمر مرفوعا: نهى أن يتخلى الرجل تحت شجرة مثمرة أو ضفة نهر جارٍ.
стр. 132
وفي معناه تحريم التخلي فيما ينفع من الأمكنة، كالبيداء والمربد، ويحتمل التعميم، وفي معنى الظل الشمس في الشتاء؛ فإنها تقصد لمنع البرد، كما أن الظل يقصده المسافر للقيلولة. يدل عليه ما رواه أبو خيثمة، عن أبي قطن، قلت لشعبة: لِمَ لمْ ترو عن فلان؟ قال: رأيته يخرى في الشمس. فيحتمل ما قلناه أو على كشف عورته وقت ذاك.
والظل على ما حكاه ثعلب للشجرة وغيرها بالغداة، والفيء بالعشي، قال الشاعر:
فلا الظل في وقت الضحى نستطيعه … ولا الفيء من برد العشي نذوق
قال: وأخبرت عن أبي عبيدة، قال رؤبة بن العجاج: كلما كانت عليه الشمس فهو ظل. قال ابن سيده: وجمعه أظلال، وظلال، وظلول.
стр. 133
التباعد للبراز في الفضاء
٦٧ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا إسماعيل بن علية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن المغيرة بن شعبة قال: كان النبي ﷺ إذا ذهب المذهب أبعد.
خرجه الترمذي، وقال فيه: حسن صحيح، وخرجه ابن خزيمة في صحيحه، عن علي بن حجر، نا إسماعيل بن جعفر، ثنا محمد بن عمرو. فذكره.
وفي الصحيحين عنه: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فقال: يا مغيرة خذ الإداوة، فأخذتها، فانطلق حتى توارى عني فقضى حاجته.
وذكر الدارقطني أن محمد بن عمرو رواه عنه، عن المغيرة: إسماعيل، وأسباط بن محمد، وأبو بدر شجاع بن الوليد، وخالفهم عبدة بن سليمان، فقال: عن ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، والصحيح الأول.
وفي الأوسط، وذكره من حديث ابن سيرين، عن عمرو بن وهب عنه، لم يروه عن ابن سيرين إلا جرير بن حازم. تفرد به علي بن عبد المجيد المعنيّ.
٦٨ - حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا عمر بن عبيد، عن عمر بن المثنى، عن عطاء الخراساني، عن أنس قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فتنحى لحاجته، ثم جاء فدعا بوضوء فتوضأ.
هذا الحديث فيه علل ثلاث:
الأولى: الجهالة بحال عمر بن المثنى؛ فإني لم أره في تاريخ البخاري، ولا ابن أبي حاتم، ولا البستي، ولما ذكره ابن سرور، قال: سمع عطاء ببيت المقدس، روى
стр. 134
عنه عمر بن عبيد الطنافسي، والعلاء بن هلال الباهلي، روى له ابن ماجه، لم يزد على ذلك، وليس بكاف في معرفة حاله، وذكره أبو عروبة في الطبقة الثالثة من أهل الجزيرة، وبنحوه ذكره الشيخ جمال الدين ولم يزد.
الثانية: ضعف عطاء بن أبي مسلم عبد الله، ويقال: ميسرة، أبو أيوب الخراساني الأزدي البلخي الشامي، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو صالح مولى المهلب، وإن كان مسلم خرّج حديثه في صحيحه فقد كذّبه سعيد بن المسيب.
وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ يخطئ ولا يعلم؛ فبطل الاحتجاج به.
الثالثة: انقطاع ما بينه وبين أنس بن مالك. نص على ذلك أبو زكريا يحيى بن معين، وأبو زرعة الرازي وغيرهما.
٦٩ - حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، نا يحيى بن سليم، عن ابن خثيم، عن يونس بن خباب، عن يعلى بن مرة: أن النبي ﷺ كان إذا ذهب إلى الغائط أبعد.
هذا حديث معلل بثلاثة أشياء:
الأول: ضعف يعقوب بن حميد المدني، قال فيه أبو حاتم: ضعيف.
وسئل عنه أبو زرعة فحرك رأسه، فقيل: صدوق؟ فقال: لهذا شروط. وقال مرة أخرى: قلبي لا يسكن إليه. وقال العنبري: يوصل الحديث. وقال يحيى والنسائي: ليس بشيء.
الثاني: يونس بن خباب أبو حمزة، ويقال: أبو الجهم، كوفي، قال يحيى بن سعيد فيه: ما تعجبنا الرواية عنه، كان كذابا.
وقال أحمد: كان عبد الرحمن لا يحدّث عنه.
وقال ابن معين: هو لا شيء، رجل سوء.
وقال مرة أخرى: ضعيف، وكذلك قاله النسائي والفسوي في تاريخه.
وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث
стр. 135
ليس بالقوي. وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه.
وقال الدارقطني: كان رجل سوء، فيه شيعية مفرطة، كان يسب عثمان. وقال عبّاد بن العوام: سمعته يحدث بحديث القبر، وزاد فيه: وسئل عن علي، قال: فقلت له: لم نسمع بهذا، قال: أنت من هؤلاء الذين يحبون عثمان الذي قتل ابنتي رسول الله ﷺ قال: قلت له: قتل واحدة، فلم زوَّجه الأخرى؟
وقال أبو داود: كان له رأي سوء في حديث القبر، وعلى رأي شتام لأصحاب النبي ﷺ ، قال أبو داود: وحدثني من سمعه قال: لا أحدث عنه حتى أتوسد يميني.
قال أبو داود: وقد رأيت أحاديث شعبة عنه مستقيمة وليست الرافضة كذلك.
وقال العجلي: كوفي شيعي خبيث.
الثالث: انقطاع ما بينه وبين يعلى، فإن جميع من نظر في كلامه لما ذكر ابن أبي خيثمة لم يذكر في أشياخه صحابيا كبيرا ولا صغيرا، إنّما ذكر في أشياخه التابعين: كمجاهد، وطاوس، وغيرهما، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق ليس فيها إلا علّة واحدة، وعلى قول بعضهم تكون صحيحة لا علة فيها.
وهي مذكورة في كتاب البغوي عن داود بن رشيد، ثنا إسماعيل بن عياش، حدثني عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن راشد، عن يعلى بن مرّة قال: كان النبي ﷺ إذا خرج إلى الخلاء استبعد وتوارى ورواه ابن قانع، عن إبراهيم البلدي، ثنا آدم بن أبي إياس، ثنا إسماعيل به.
ورواه الخطابي في كتاب الغريب، عن محمد بن العباس المكتب، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، ثنا هارون بن إسحاق الهمداني، ثنا مطلب بن زياد، عن عمر بن عبد الله، عن حكيمة، امرأة يعلى، عن يعلى، ولفظه عن النبي ﷺ : أنه انطلق للبراز، فقال لرجل معه: سر إلى هاتين الأشاءتين، فقل لهما حتى يجتمعا، فاجتمعا، فقضى حاجته، وسعيد حديثه في الصحيح.
وفي كتاب الاستيعاب: يعلى بن مرة بن وهب بن جابر الثقفي، ويقال: العامري، واسم أمه سيابة، فربما نسب إليها، فقيل: يعلى بن سيابة، ويكنى أبا المرازم، كوفي. وقيل: إن له دارا بالبصرة، شهد مع النبي ﷺ الحديبية، وخيبر، والفتح، وحنينا، والطائف. كذا ذكر نسبه، وغالبا إنما يذكر النسب من كتاب المذيل للطبري، وعندي نسخته التي عليها مواضع بخطه، وليست على ما ذكر، إنما هو يعلى بن مرة بن عتاب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف، والنسب الذي ذكره أبو عمر، وذكره ابن سعد، وابن بنت منيع، وأبو أحمد العسكري، وابن قانع، وفي جمع أبي عمر بين ابن سيابة وابن مرة نظر، وإن كان ابن سعد قد ذكر ذلك، وقال: هي أمه أو جدّته، فقد أنكر ذلك ابن حبان في قوله: يعلى بن مرّة الثقفي العامري كنيته أبو المرازم، ومن قال: إنه يعلى بن سيابة، فقد وهم، وكذا فرّق بينهما العسكري وابن أبي حاتم الرازي وخليفة، وذكر نسب كلّ واحد منهما على خلاف ما ذكره الآخر.
فأما ابن مرّة فذكره كما تقدّم، وأما ابن سيابة، فقال: سيابة بن عثمان بن جزي بن ربيعة بن سعد بن أبي عتبة بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس، وهو ثقفي، ثم أعاد ذكر ابن مرة في ساكن البصرة كما تقدّم وحده.
والطبراني في الكبير فرق بينهما، بين ابن مرة العامري، وابن مرة الثقفي، وابن أمية، وابن سيابة. وعلى قول أبي القاسم الاعتماد؛ لأن ثقيفا لا تجتمع مع عامر بحال إلا بحلف أو نزول أو غير ذلك.
وأما الترمذي فإنه لم يذكر في تاريخه غير ابن مرة الثقفي، وكذا يعقوب الفسوي.
٧٠ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن بشار، قالا: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن أبي جعفر الخطمي، واسمه عمير بن يزيد، عن عمارة بن خزيمة،
стр. 136
والحارث بن فضيل، عن عبد الرحمن بن أبي قراد، قال: حججنا مع النبي ﷺ فذهب لحاجته، فأبعد.
هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه عن بندار، ثنا يحيى بن سعيد به.
ولفظ النسائي: خرجت مع النبي ﷺ إلى الخلاء، وكان إذا أراد الحاجة أبعد.
ولما رواه البزار عن عمرو بن علي، ثنا يحيى به، قال: لا نعلم روى عبد الرحمن عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث، وقد زاد فيه غير يحيى كلاما، وكذا قاله ابن بنت منيع في معجمه، وخالف ذلك أبو عمر بن عبد البر، فقال: له حديث آخر في الوضوء، وله أحاديث، يعد في أهل الحجاز.
وأما ما ذكره ابن قانع من أنَّ عمارة روى هذا الحديث عن الحارث عن عبد الرحمن، فيشبه أن يكون وهما، ولعلّه من الناسخ، ولفظه: فرأيته خرج من الخلاء، فاتبعته بإداوة، وجلست له على الطريق، وكان إذا أتى الحاجة أبعد.
٧١ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا إسماعيل بن عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ وكان ﵇ لا يأتي البراز حتى يتغيّب فلا يرى.
هذا حديث إسناده ضعيف، لضعف راويه:
إسماعيل بن عبد الملك بن رفيع ابن أخي عبد العزيز أبو عبد الملك، وهو ابن أبي الصفير المكي، روى عنه الثوري، وعيسى بن يونس، وأبو نعيم، وعبد الواحد بن زياد.
قال القطان: تركته ثم كتبت عن سفيان عنه.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي
стр. 137
في الحديث، وليس حده الترك.
قال ابنه: يكون مثل أشعث بن سوار في الضعف؟ قال: نعم. وقال ابن معين والنسائي: ليس بالقوي. وقال البخاري: يكتب حديثه.
وقال ابن حبان: يقلب ما روى.
وقال ابن مهدي: اضرب على حديثه.
وذكر ابن عدي حديثه هذا فيما أنكر عليه، ثم قال: وهو ممن يكتب حديثه.
وقال الآجري: سألت عنه أبا داود، فقال: ضعيف، وفي موضع آخر: ليس بذاك.
وسيأتي ما للناس في حديث أبي الزبير، عن جابر من الضعف وغير ذلك عن قريب، إن شاء الله تعالى.
وأمّا قول الحاكم إثر حديث المغيرة المتقدّم: شاهده حديث إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير، فالشواهد لا يلتزم فيها الصحة من كلّ وجه.
٧٢ - حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري، ثنا عبد الله بن كثير بن جعفر، ثنا كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جدّه، عن بلال بن الحارث المزني: أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد الحاجة أبعد.
زاد العسكري: خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره فخرج لحاجته، وكان إذا خرج يبعد.
ورواه في الأفراد مطولا، فذكر الشجرتين اللتين سترتاه ﵇. وقال: غريب من حديث جابر، تفرد به إسماعيل عنه.
.
وقال في العلل الكبير: سألت محمدا عن هذا الحديث - يعني المذكور في العيد - من رواية عمرو؟ فقال: صحيح، وعن حديث كثير عنه أيضا، فقال: هو أصح شيء في الباب. وبه أقول، وذكر له حديثا آخر: في الجمعة ساعة. وقال فيه: حديث غريب. وحديث فيه: الصلح جائز بين المسلمين. وقال فيه: حسن صحيح. وحديث فيه: من أحيا سنتي قال فيه: حسن. فأين الإِجماع مع مخالفة أبي عبد الله وأبي عيسى؟
وأَما أبوه عبد الله فتفرد عنه بالرواية ابنه كثير، فيما ذكره البخاري وأبو حاتم والبستي في كتاب الثقات.
ومقدار إبعاده ﵇ غير مبين فيما مضى من الأحاديث، وفي الباب غير ما حديث.
من ذلك: حديث زياد بن سعد، عن أبي الزبير، حدثني يونس بن خباب الكوفي: سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يذكر أنه سمع أباه يقول: كان النبي ﷺ وإنه معه مسافرين إلى مكة، إذا خرج إلى الغائط أبعد حتى لا يراه أحد، قال: فبصر بشجرتين
стр. 138
متباعدتين فقال: يا ابن مسعود اذهب إليهما فقل لهما: إنّ النبي ﷺ يأمركما أن تجتمعا، فيتوارى بكما .. الحديث.
قال أبو القاسم في الأوسط: لم يروه عن زياد إلا زمعة بن صالح، تفرد به أبو قرّة.
وقد جاء مقدار ذلك البعد مصرحا به في حديث عبد الله بن عمر، ذكره الطبري في تهذيب الآثار، قال: كان رسول الله ﷺ يذهب إلى حاجته إلى المغمس. قال نافع عن ابن عمر: نحو ميلين من مكة. وفي مسند السراج: أو ثلاثة. وحديث ابن عمر هذا ويعلى وأنس بن مالك مستدرك ذكرهم على الترمذي في قوله: وفي الباب عن أبي قتادة وعبد الرحمن بن أبي قراد، ويحيى بن عبيد عن أبيه، وأبي موسى، وابن عباس، وبلال بن الحارث، وجابر.
وفيه دليل على الإبعاد إذا كان في براح من الأرض، ويدخل في معناه ضرب الحجب وإرخاء الستور وأعماق الآبار والحفائر، ونحو ذلك من الأمور الساترة للعورات.
وذلك من آداب التخلي، وكذلك لا يرتفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، والالتفات يمنة وشأمة، وتغطية الرأس وترك الكلام، والاستنجاء باليسار، وغسل اليد بعد الفراغ بالتراب، والاستجمار بثلاث، وأن يجتنب الروثَ والرمة، وأن لا يتوضأ في المغتسل، ونزع الخاتم إذا كان فيه اسم الله تعالى وما في معناه، وارتياد الموضع الدمث، وأن لا يستقبل الشمس والقمر والقبلة، ولا يستدبرها في البيوت، وأن لا يبول قائما، ولا في طريق الناس وظلّهم، والماء الراكد، ومساقط الثمار، وضفة الأنهار، وأن يتكئ على رجله اليسرى، ويتنحنح، وينثر ذكره ثلاثا.
قال الخطابي: البراز بفتح الباء: اسم للفضاء الواسع من الأرض، كَنَوا به عن
стр. 139
حاجة الإنسان، كما كنوا بالخلاء عنه، يقال: تبرز الرجل، إذا تغوط، وهو أن يخرج إلى البراز، كما يقال: تخلى، إذا صار إلى الخلاء.
وأكثر الرواة يقولون: البراز بكسر الباء، وهو غلط، وإنما البراز مصدر بارزت الرجل في الحرب مبارزة وبرازا. انتهى.
وما أنكره غير منكر، ولا مردود، لذكره في كتاب الصحاح وغيره من كتب اللغة، والله أعلم.
стр. 140
الارتياد للغائط والبول
٧٣ - حدّثنا محمد بن بشار، ثنا عبد الملك بن الصباح، ثنا ثور بن يزيد، عن حصين الحميري، عن أبي سعد الخير، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من استجمر فليوتر، ومن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن تخلل فليلفظ، ومن لاك فليبتلع، ومن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن أتى الخلاء فليستتر، فإن لم يجد إلا كثيب رملٍ فليمدده عليه، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج عليه.
٧٤ - حدّثنا عبد الرحمن بن عمر، ثنا عبد الملك بن الصباح بإسناده نحوه، وزاد فيه: من اكتحل فليوتر، ومن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج عليه.
هذا حديث خرجه أبو حاتم في صحيحه، عن محمد بن عبد الله بن عبد السلام (مكحول) قال: ثنا سليمان بن سيف، نا أبو عاصم، ثنا ثور به.
ورواه البخاري في التاريخ الكبير، عن أبي عاصم مختصرا، والإِمام أحمد في مسنده، وقال: كان من أصحاب عمر بن الخطاب.
ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث أبي عامر الخزاز عن عطاء عنه مختصرا، وقال: لم يروه عن أبي عامر إلَّا روح بن عبادة.
تفرد به إبراهيم بن بسطام، وخرجه من حديث ابن شهاب، قال: سمعت أبا إدريس يخبر عن أبي هريرة مختصرا.
ورواه أيضا من جهة الأوزاعي، عن عثمان بن
стр. 141
أبي سودة، عن أبي سعد الخير. وقال: لم يروه مرفوعا عن الأوزاعي إلَّا الهقل. تفرد به عمرو بن هاشم، وأبى ذلك أبو عمر بن عبد البر، وقال: ليس إسناده بالقائم، فيه مجهولان، وأبو محمد بن حزم، وأبو بكر البيهقي، وأبو محمد الإشبيلي، ويشبه أن يكون قول أبي حاتم أقرب إلى الصواب؛ وذلك أن العلّة عند من ضعفه إنّما هي الجهل بحال حصين وأبي سعد.
أما حصين فهو أبو سعيد حصين بن عبد الله الحبرانِي، ويقال: الحميري، ونسبه بعضهم: الحمراني، ولعلّه تصحيف الحبراني، وحبران قبيل من حمير، وحمران ليست منهم بحال. ذكره البستي في كتاب الثقات.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، فقال: شيخ.
وقال أبو زرعة الدمشقي: شيخ معروف.
وقال يعقوب: لا أعلم إلَّا خيرا، وهو مما اسْتُدْرِكَ على ابن عساكر في التاريخ الكبير، فإنه كان حمصيا.
وأما أبو سعد فاختلف فيه، فقال جماعة: أبو سعد، كما تقدّم. وقال بعضهم: أبو سعيد، قال الدارقطني في العلل: والصواب الأول.
وقد اختلف في صحبته، فممن ذكره في الصحابة أبو داود، قال لما خرج حديثه هذا في رواية ابن داسة: أبو سعد الخير هو من أصحاب النبي ﷺ .
وقال أبو عمر: أبو سعيد الخير، ويقال: أبو سعد الخير الأنماري، له صحبة، قيل: اسمه عامر بن سعد. وقيل: عمرو بن سعد، سكن الشام، له عن النبي ﷺ أحاديث يسيرة.
وأمّا العسكري فزعم أن الصحابي المكنى أبا سعد الأنماري المسمى بهذين الاسمين، هو المكنى أيضا أبا البشر، فالله أعلم.
وبنحو ما ذكره أبو عمر ذكره يعقوب وابن بنت منيع وغيره.
وأما ابن أبي حاتم فذكره في كتابه، سألت أبا زرعة عنه، فقال: لا
стр. 142
أعرفه، فقلت: لقي أبا هريرة؟ قال: على هذا يوضع، وذلك ليس بمؤثر في عدم المعرفة بحاله، على تقدير أن يكون تابعيا؛ لأن ابن حبان البستي عرفها؛ فلذلك أدخله في كتاب الثقات، وإن كان صحابيا كما تقدم فلا نظر في حاله.
وقول أحمد: كان من أصحاب عمر - لا ينافي صحبته؛ لأن الصحابة كلهم من أصحابه، وإن كان العرف يقضي على ذلك؛ فظهر بمجموع ما أسلفناه ترجيح قول من صحح الحديث على قول من ضعفه؛ لأن من علم حجة على من لم يعلم، ومن أثبت حجة على من نَفَى.
وفي رواية الطحاوي تصريح بسماع ثور من حصين، وحصين من أبي سعد.
وزعم بعض العلماء أنه لا يعرف اسمه، وليس كما زعم لما تقدّم. وزاد بعض مشائخنا زيادة، ولا أعلم له فيه سلفا.
٧٥ - حدّثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن يعلى بن مرّة، عن أبيه قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأراد أن يقضي حاجته، فقال: ائت تلك الأشاءتين - قال وكيع: يعني النخل الصغار - فقل لهما: إن رسول الله ﷺ يأمركما أن تجتمعا، فاجتمعا، فاستتر بهما، فقضى حاجته، ثم قال لي: ائتهما فقل لهما: لترجع كل واحدة منكما إلى مكانها، فقلت لهما، فرجعتا.
هذا حديث إسناده صحيح، واختلف على وكيع فيه، فتارة رواه كما تقدّم، وتارة عن يعلى من غير ذكر ابنه، ذكره عنه ابن أبي شيبة في مسنده، وهو الصحيح، والأول وهم، نص على ذلك البخاري وابن عساكر. انتهى.
وقد وجدت متابعا لوكيع على رواية بعضهم، وهو محاضر بن المورع فيما ذكره البغوي عن هارون بن عبد الله عنه، ورواه أحمد بن منيع في مسنده من غير طريق وكيع بزيادات يستفاد منها في أعلام النبوة، عن حسين بن محمد، ثنا المسعودي، عن يونس بن خباب، عن ابن
стр. 143
يعلى بن مرّة، عن يعلى بن مرّة أنه قال: شهدت مع النبي ﷺ مشهدا لم يشهده غيري، نزلت معه في سفر فقال لي: يا يعلى بن مرّة، هل ترى شيئًا يواريني؟ وأراد الحاجة، فقلت: والله يا رسول الله ما أرى شيئا يواريك إلا شجرتين، لعلهما إن اجتمعتا توارياك، قال: فقل لهما فليجتمعا بإذن الله تعالى، فأتت إحداهما إلى الأخرى، فلما قضى حاجته قال: قل لهما: فلترجع كل واحدة منهما إلى مكانها.
ثم إن امرأة عرضت له بابن لها، فقالت: يا رسول الله هذا ابني قد أصابه لمم، فتفل ﵇ في فيه، ثم قال: باسم الله، محمد رسول الله، اخسأ عدو الله، فلما رجعنا من سفرنا إذا هي تهدي لرسول الله ﷺ وتخبره أنه لم يصبه شيء منذ فارقها، فلما أتينا المدينة إذا بعير قد وضع جرانه مهملات عينيه، فقال النبي ﷺ : إنه يخبرني أنه نضح على أهله كذا وكذا، ثم أرادوا أن ينحروه، فالتمسوا صاحبه، فلما جاء صاحبه قال: بعني بعيرك هذا؟ قال: هو لك، قال: فاجعله في إبلك، وأحسن إليه. وروى بعضه الحاكم في مستدركه.
٧٦ - حدثنا محمد بن يحيى، نا أبو النعمان، ثنا مهدي بن ميمون، ثنا محمد بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر قال: كان أحب ما استتر به النبي ﷺ لحاجته هدفا أو حائش نخل.
هذا حديث صحيح خرجه مسلم بن حجاج في صحيحه، عن شيبان، وعن عبد الله بن محمد بن أسماء، قالا: ثنا مهدي، بلفظ: أردفني النبي ﷺ ذات يوم، فأسرّ إلي حديثا لا أحدثه أحدا من الناس .. الحديث.
стр. 144
٧٧ - حدثنا محمد بن عقيل بن خويلد، ثنا حفص بن عبد الله، حدّثني إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن ذكوان، عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: عدل رسول الله ﷺ إلى الشعب، فبال حتى إني لآوى له من فكِّ وركيه حين بال.
.
وأمّا محمد بن ذكوان البطاحي الأزدي الجهضمي مولاهم، فهو خال ولد حماد بن زيد، ذكره البخاري في التاريخ الأوسط، فقال: هو منكر الحديث. وكذلك قاله أبو حاتم الرازي والنسائي.
وقال الدارقطني: ضعيف.
وقال ابن حبان: سقط الاحتجاج به.
الاستجمار هنا عبارة عن تنح الخارج المعتاد من السبيلين بالأحجار، واشتق من الجمار، وهي الأحجار الصغار لرمي الجمار في الحج.
وسئل ابن عيينة عن معنى هذا، فسكت، فقيل له: أترضى بما قال مالك؟ قال: وما قال مالك؟ قال: الاستجمار الاستطابة، فقال ابن عيينة: مثلي ومثل مالك كما قال الأول:
وابن اللبُون إذا ما لز في قرن … لم يستطع صولة البزْلِ القَناعيس
كذا حكاه الدارقطني والخطابي وابن خزيمة في صحيحه، زاد عن ابن وهب: الاستجمار: وهو الاستطابة بالأحجار، وفيه ردّ لقول من قال: إنّ مالكا ﵀ حمل الاستنجاء هنا على استعمال البخور، مشتقا ذلك من التجمير وهو التبخير، وليس بشيء؛ لأنّ الحديث إنما سِيق في الاستطابة لا في التبخير، ولئن صح ذلك عن مالك فقد سبقه أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وبمثل ما
стр. 145
قاله مالك أولا قاله أصحاب اللغة بأسرهم فيما أعلم.
وزعم الزمخشري أنّ ذلك حقيقة فيهما، والله أعلم.
قوله: (فليلفظ)، معناه: فليقذف، ومضارعه مكسور الفاء، قال الجوهري: وذلك الشيء لفاظة، وفي الجامع: كل ما تركته من يدك فقد لفظته، فهو لفاظ ولفيظ وملفوظ، واسم ذلك الشيء الملفوظ اللفظ، ولا يقال: لفظته، بكسر الفاء.
قوله: (ما لاك)، يعني: أداره، يقال: لاك الشيء له يلوكه لوكا؛ إذا أداره في فيه، ولاك الفرس اللجام، يلوكه لوكا، إذا أداره في فيه، وكلّ شيء مضغته فقد لكته لوكا، وفلان يلوك أعراض الناس، إذا كان يقع فيهم. قاله القزاز. والجوهري بنحوه.
وأمّا الشيطان فذكر ابن الأنباري في اشتقاقه قولين:
الأوّل: لتباعده من الخير؛ أخذا من قول العرب: دار شطون ونوى شطون، أي: بعيدة، قال نابغة بني ظبيان:
فأضحت بعدما وصلت بدار … شطون لا تعاد ولا تعود
الثاني: لغيه وهلاكه، أخذا من قولهم: قد شاط الرجل يشيط، إذا هلك. قال الأعشى:
قد نطعن العير في مكنون فائله … وقد يشيط على أرماحنا البطل
أراد قد يهلك على أرماحنا، وقال في موضع آخر: وقولهم: فلان شيطان من الشياطين، قال: معناه قوي نشيط مرح، قال جرير:
أيام يدعونني الشيطان من غزلي … وهن يَهْوَيْنَنَي إذ كنت شيطانًا
وعاب الزجاج على أبي بكر قوله هذا، وأنكر عليه كونه لم يذكر مم اشتقاقه، وما درى أنه ذكر اشتقاقه أولا، كما تقدم، فاستغنى عن إعادته.
ثانيًا: وأغفلا من اشتقاقه ما ذكره نطفويه: هو من الشطن: وهو الحبل الطويل المضطرب، وما ذكره القزاز: هو فعلان من شيطه بالنار، إذا أحرقه بها، قال
следующие страницы →