Полный текст (1 969 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أبي سودة، عن أبي سعد الخير. وقال: لم يروه مرفوعا عن الأوزاعي إلَّا الهقل. تفرد به عمرو بن هاشم، وأبى ذلك أبو عمر بن عبد البر، وقال: ليس إسناده بالقائم، فيه مجهولان، وأبو محمد بن حزم، وأبو بكر البيهقي، وأبو محمد الإشبيلي، ويشبه أن يكون قول أبي حاتم أقرب إلى الصواب؛ وذلك أن العلّة عند من ضعفه إنّما هي الجهل بحال حصين وأبي سعد.
أما حصين فهو أبو سعيد حصين بن عبد الله الحبرانِي، ويقال: الحميري، ونسبه بعضهم: الحمراني، ولعلّه تصحيف الحبراني، وحبران قبيل من حمير، وحمران ليست منهم بحال. ذكره البستي في كتاب الثقات.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، فقال: شيخ.
وقال أبو زرعة الدمشقي: شيخ معروف.
وقال يعقوب: لا أعلم إلَّا خيرا، وهو مما اسْتُدْرِكَ على ابن عساكر في التاريخ الكبير، فإنه كان حمصيا.
وأما أبو سعد فاختلف فيه، فقال جماعة: أبو سعد، كما تقدّم. وقال بعضهم: أبو سعيد، قال الدارقطني في العلل: والصواب الأول.
وقد اختلف في صحبته، فممن ذكره في الصحابة أبو داود، قال لما خرج حديثه هذا في رواية ابن داسة: أبو سعد الخير هو من أصحاب النبي ﷺ .
وقال أبو عمر: أبو سعيد الخير، ويقال: أبو سعد الخير الأنماري، له صحبة، قيل: اسمه عامر بن سعد. وقيل: عمرو بن سعد، سكن الشام، له عن النبي ﷺ أحاديث يسيرة.
وأمّا العسكري فزعم أن الصحابي المكنى أبا سعد الأنماري المسمى بهذين الاسمين، هو المكنى أيضا أبا البشر، فالله أعلم.
وبنحو ما ذكره أبو عمر ذكره يعقوب وابن بنت منيع وغيره.
وأما ابن أبي حاتم فذكره في كتابه، سألت أبا زرعة عنه، فقال: لا
стр. 142
أعرفه، فقلت: لقي أبا هريرة؟ قال: على هذا يوضع، وذلك ليس بمؤثر في عدم المعرفة بحاله، على تقدير أن يكون تابعيا؛ لأن ابن حبان البستي عرفها؛ فلذلك أدخله في كتاب الثقات، وإن كان صحابيا كما تقدم فلا نظر في حاله.
وقول أحمد: كان من أصحاب عمر - لا ينافي صحبته؛ لأن الصحابة كلهم من أصحابه، وإن كان العرف يقضي على ذلك؛ فظهر بمجموع ما أسلفناه ترجيح قول من صحح الحديث على قول من ضعفه؛ لأن من علم حجة على من لم يعلم، ومن أثبت حجة على من نَفَى.
وفي رواية الطحاوي تصريح بسماع ثور من حصين، وحصين من أبي سعد.
وزعم بعض العلماء أنه لا يعرف اسمه، وليس كما زعم لما تقدّم. وزاد بعض مشائخنا زيادة، ولا أعلم له فيه سلفا.
٧٥ - حدّثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن يعلى بن مرّة، عن أبيه قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأراد أن يقضي حاجته، فقال: ائت تلك الأشاءتين - قال وكيع: يعني النخل الصغار - فقل لهما: إن رسول الله ﷺ يأمركما أن تجتمعا، فاجتمعا، فاستتر بهما، فقضى حاجته، ثم قال لي: ائتهما فقل لهما: لترجع كل واحدة منكما إلى مكانها، فقلت لهما، فرجعتا.
هذا حديث إسناده صحيح، واختلف على وكيع فيه، فتارة رواه كما تقدّم، وتارة عن يعلى من غير ذكر ابنه، ذكره عنه ابن أبي شيبة في مسنده، وهو الصحيح، والأول وهم، نص على ذلك البخاري وابن عساكر. انتهى.
وقد وجدت متابعا لوكيع على رواية بعضهم، وهو محاضر بن المورع فيما ذكره البغوي عن هارون بن عبد الله عنه، ورواه أحمد بن منيع في مسنده من غير طريق وكيع بزيادات يستفاد منها في أعلام النبوة، عن حسين بن محمد، ثنا المسعودي، عن يونس بن خباب، عن ابن
стр. 143
يعلى بن مرّة، عن يعلى بن مرّة أنه قال: شهدت مع النبي ﷺ مشهدا لم يشهده غيري، نزلت معه في سفر فقال لي: يا يعلى بن مرّة، هل ترى شيئًا يواريني؟ وأراد الحاجة، فقلت: والله يا رسول الله ما أرى شيئا يواريك إلا شجرتين، لعلهما إن اجتمعتا توارياك، قال: فقل لهما فليجتمعا بإذن الله تعالى، فأتت إحداهما إلى الأخرى، فلما قضى حاجته قال: قل لهما: فلترجع كل واحدة منهما إلى مكانها.
ثم إن امرأة عرضت له بابن لها، فقالت: يا رسول الله هذا ابني قد أصابه لمم، فتفل ﵇ في فيه، ثم قال: باسم الله، محمد رسول الله، اخسأ عدو الله، فلما رجعنا من سفرنا إذا هي تهدي لرسول الله ﷺ وتخبره أنه لم يصبه شيء منذ فارقها، فلما أتينا المدينة إذا بعير قد وضع جرانه مهملات عينيه، فقال النبي ﷺ : إنه يخبرني أنه نضح على أهله كذا وكذا، ثم أرادوا أن ينحروه، فالتمسوا صاحبه، فلما جاء صاحبه قال: بعني بعيرك هذا؟ قال: هو لك، قال: فاجعله في إبلك، وأحسن إليه. وروى بعضه الحاكم في مستدركه.
٧٦ - حدثنا محمد بن يحيى، نا أبو النعمان، ثنا مهدي بن ميمون، ثنا محمد بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر قال: كان أحب ما استتر به النبي ﷺ لحاجته هدفا أو حائش نخل.
هذا حديث صحيح خرجه مسلم بن حجاج في صحيحه، عن شيبان، وعن عبد الله بن محمد بن أسماء، قالا: ثنا مهدي، بلفظ: أردفني النبي ﷺ ذات يوم، فأسرّ إلي حديثا لا أحدثه أحدا من الناس .. الحديث.
стр. 144
٧٧ - حدثنا محمد بن عقيل بن خويلد، ثنا حفص بن عبد الله، حدّثني إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن ذكوان، عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: عدل رسول الله ﷺ إلى الشعب، فبال حتى إني لآوى له من فكِّ وركيه حين بال.
.
وأمّا محمد بن ذكوان البطاحي الأزدي الجهضمي مولاهم، فهو خال ولد حماد بن زيد، ذكره البخاري في التاريخ الأوسط، فقال: هو منكر الحديث. وكذلك قاله أبو حاتم الرازي والنسائي.
وقال الدارقطني: ضعيف.
وقال ابن حبان: سقط الاحتجاج به.
الاستجمار هنا عبارة عن تنح الخارج المعتاد من السبيلين بالأحجار، واشتق من الجمار، وهي الأحجار الصغار لرمي الجمار في الحج.
وسئل ابن عيينة عن معنى هذا، فسكت، فقيل له: أترضى بما قال مالك؟ قال: وما قال مالك؟ قال: الاستجمار الاستطابة، فقال ابن عيينة: مثلي ومثل مالك كما قال الأول:
وابن اللبُون إذا ما لز في قرن … لم يستطع صولة البزْلِ القَناعيس
كذا حكاه الدارقطني والخطابي وابن خزيمة في صحيحه، زاد عن ابن وهب: الاستجمار: وهو الاستطابة بالأحجار، وفيه ردّ لقول من قال: إنّ مالكا ﵀ حمل الاستنجاء هنا على استعمال البخور، مشتقا ذلك من التجمير وهو التبخير، وليس بشيء؛ لأنّ الحديث إنما سِيق في الاستطابة لا في التبخير، ولئن صح ذلك عن مالك فقد سبقه أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وبمثل ما
стр. 145
قاله مالك أولا قاله أصحاب اللغة بأسرهم فيما أعلم.
وزعم الزمخشري أنّ ذلك حقيقة فيهما، والله أعلم.
قوله: (فليلفظ)، معناه: فليقذف، ومضارعه مكسور الفاء، قال الجوهري: وذلك الشيء لفاظة، وفي الجامع: كل ما تركته من يدك فقد لفظته، فهو لفاظ ولفيظ وملفوظ، واسم ذلك الشيء الملفوظ اللفظ، ولا يقال: لفظته، بكسر الفاء.
قوله: (ما لاك)، يعني: أداره، يقال: لاك الشيء له يلوكه لوكا؛ إذا أداره في فيه، ولاك الفرس اللجام، يلوكه لوكا، إذا أداره في فيه، وكلّ شيء مضغته فقد لكته لوكا، وفلان يلوك أعراض الناس، إذا كان يقع فيهم. قاله القزاز. والجوهري بنحوه.
وأمّا الشيطان فذكر ابن الأنباري في اشتقاقه قولين:
الأوّل: لتباعده من الخير؛ أخذا من قول العرب: دار شطون ونوى شطون، أي: بعيدة، قال نابغة بني ظبيان:
فأضحت بعدما وصلت بدار … شطون لا تعاد ولا تعود
الثاني: لغيه وهلاكه، أخذا من قولهم: قد شاط الرجل يشيط، إذا هلك. قال الأعشى:
قد نطعن العير في مكنون فائله … وقد يشيط على أرماحنا البطل
أراد قد يهلك على أرماحنا، وقال في موضع آخر: وقولهم: فلان شيطان من الشياطين، قال: معناه قوي نشيط مرح، قال جرير:
أيام يدعونني الشيطان من غزلي … وهن يَهْوَيْنَنَي إذ كنت شيطانًا
وعاب الزجاج على أبي بكر قوله هذا، وأنكر عليه كونه لم يذكر مم اشتقاقه، وما درى أنه ذكر اشتقاقه أولا، كما تقدم، فاستغنى عن إعادته.
ثانيًا: وأغفلا من اشتقاقه ما ذكره نطفويه: هو من الشطن: وهو الحبل الطويل المضطرب، وما ذكره القزاز: هو فعلان من شيطه بالنار، إذا أحرقه بها، قال
стр. 146
الجوهري نونه أصلية، قال أمية بن أبي الصلت:
أيما شاطن عصاه عكاه … ثم يلقى في السجن والأغلال
ويقال أيضًا: إنها زائدة، فإن جعلته فيعالا من قولهم تشيطن الرجل، صرفته، وإن جعلته من شيط لم تصرفه، لأنه فعلان، وفي الكامل: وزعم أهل اللغة أن كل متمرد من جن، وإنس، أو سبع، أو حية يقال له: شيطان، وأن قولهم: تشيطن إنما معناه تخبث، وتنكر، قال الراجز:
أبصرتها تلتهم الثعبانا … شيطانة تزوجت شيطانا
وقوله: (ولا حرج): يعني فلا إثم، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ ويقال: معناه: الضيق، قال تعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، ويقال: معناه: الشك، وهذا ليس مرادًا في الحديث، وهو بالفتح والكسر وتسكين الراء أيضًا، قال الخطابي: معناه التخيير بين الماء الذي هو الأصل في الطهارة، وبين الأحجار التي هي للترخيص والترفه، يريد أن الاستجمار ليس بعزيمة، لا يجوز تركها إلى غيره، لكنه إن استنجى بالحجارة فليجعله وترًا، وإلا فلا حرج إن تركه إلى غيره، وليس معناه رفع الحرج في ترك التعبد أصلًا، بدليل حديث سلمان: نهانا أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، هكذا قاله، وهو غير ظاهر؛ لأن قوله: من استجمر فليوتر، ومَنْ لا فلا حرج إنما يريد الإيتار في الاستجمار وعدمه، لا ذكر للاستنجاء بالماء فيه، على هذا أوله الطحاوي وغيره.
قال الطحاوي: في الحديث دلالة على أنه ﵇ قعد للغائط في مكان ليس فيه أحجار، وأيضًا فقد اكتفى ﵇ بحجرين لما ألقى الروثة، لأنه لو كان لا يجزئ بما دون الثلاث لما اكتفى بالحجرين، ولأمر عبد الله أن يبغيه ثالثًا، ففي تركه ذلك دليل على اكتفائه بالحجرين انتهى. وفيه نظر من وجهين:
الأول: قوله دل هذا الحديث على أن النبي ﷺ قعد للغائط في موضع ليس فيه
стр. 147
أحجار، وذلك منطوق به فلا حاجة إلى أن يقال فيه: يدل، ذكر ذلك البخاري في صحيحه بقوله: فالتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فهذا ابن مسعود صاحب القصة بين أنه لم يجد في مكانه ذاك حجرًا لعلته.
الثاني: في قوله: ولأمر عبد الله أن يبغيه ثالثًا إلى آخره ذهول عما في الحديث عند أبي الحسن بإسناد حسن: وألقى الروثة، وقال: إنها رجس، ائتني بغيرها، وفي مسند أحمد: ائتني بحجر.
وفي الحديث جواز الاكتحال، واستحباب الإيتار فيه، واختلفوا في الكيفية على وجهين: فقيل بالإيتار في كل عين أخذًا بحديث ابن عباس من عند الترمذي كانت له ﵇ مكحلة يكتحل منها في كل ليلة، ثلاثة في هذه، وثلاثة في هذه، وقيل به في المجموع بأن يشفع في الواحدة، ويوتر في الأخرى، وقد رُوي في ذلك حديث عن أنس، ذكره البغوي في شرح السنة: أن النبي ﷺ كان يكتحل في عينه اليمنى ثلاثًا، وفي اليسرى ثنتين، أما الأشاء، فواحدها أشاءة. أنشد القزاز:
لاث به الأشاء والعُبريُّ … ..
وقال الأجدائي: يقال للنخلة حين تفصل من أمها: جثيثة، وثبيلة، وَوَدْيَة، فإذا انتشرت فهي فسيلة، ثم أشاءة، ثم جعلة، ثم ملم، ثم طريق إذا نالت اليد أعلاها، فإذا ارتفعت عن الأيدي فهي جبارة، ثم رَقْلَةٌ، ثم سحوق، وذكر العسكري في كتاب التلخيص أنها التي لا تحمل، وقيل: هي التي تنبت من غراس، ويقال له بالفارسية: خدور، وقال أبو حنيفة: هي من شواب النخل وصغاره حين نهضت، والجمع: أشاءات، وأشاء. وفي الصحاح: الأشآء بالفتح والمد الواحدة أشآة، والهمزة فيه منقلبة من الياء؛ لأن تصغيرها أُشَيٌّ، قال الشاعر:
стр. 148
وحبذا حين تمسي الريح باردة … وادي أشي وقيان به هضم
يا ليت شعري عن جنبي مُلَسحَة … وحيث تنبني من الحباة الألم
عن الأشاءة هل زالت مخارمها … وهل تغيّر من آرامها أرم
ولو كانت الهمزة أصلية لقال: أشيء.
والهدف: القطعة من الجبل أو الحائط، والجمع: أهداف، وهو أيضا حبل مشرف من الرمل، ذكر ذلك القزاز.
وفي الصحاح: وهو كلّ شيء مرتفع. وفي الغريب المصنف، عن الأصمعي تقييده بالعظيم.
والحائش: جماعة النخل، لا واحد له، كما قالوا لجماعة البقر: ربرب، قال الأخطل:
وكأن ظعن الحي حائش قرية … دان جناه وطيب الأثمار
وأصل الحائش: المجتمع من الشَّجر نخلا كان أو غيره، يقال: حائش الطرفاء. ذكره أبو نصر بن حماد.
وفي كتاب الهروي: هو جماعة النخل، ومثله الصور، والحَشّ والحُشّ والحُشَّة. وفي الغريب لأبي عبيد: وكذلك الغابة والأجمة والغيطل والأيكة والرعل والفيل والغريف والشعراء والدارة والأباة والخيس والأشب.
والشِّعْب بالكسر: الطريق في الجبل، والجمع الشعاب. قاله الجوهري، وفي الجامع: ما انفرج بين الجبلين.
ومعنى آوى: أرق وأرثى له، يقال: أويت لفلان وأنا آوي له، أوية وأية، بقلب الواو بالكسرة ما قبلها، وتدغم، ومأوية ومأواة. من كتاب الصحاح.
قال الشاعر:
ولو أنني استأويته ما أوى ليا … .
стр. 149
النهي عن الاجتماع على الخلاء والحديث عنده
٧٨ - حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد الله بن رجاء، أنبأ عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض، عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: لا يتناجى اثنان على غائطهما، ينظر كلّ واحد منهما إلى عورة صاحبه، فإن الله تعالى يمقت على ذلك.
حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا سلم بن إبراهيم الوراق، ثنا عكرمة، عن يحيى، عن عياض بن هلال، قال محمد بن يحيى: وهو الصواب.
ثنا محمد بن حميد، ثنا علي بن أبي بكر، عن سفيان الثوري، عن عكرمة بن عمار، عن يحيى عن عياض بن عبد الله نحوه.
هذا حديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه؛ فممّن ضعَّفه أبو داود ﵀ فإنه قال: لم يسنده إلا عكرمة. وفي كتاب ابن داسة عنه: هو من حديث المدنيين. وفي كتاب ابن العبد عنه: هو مرسل عندهم. وفي كتاب ابن الأعرابي، وأبي عمرو، وأحمد بن علي البصري عنه: وعكرمة في يحيى ليس بذاك. نا أبو سلمة، ثنا أبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن النبي ﷺ نحو حديث عكرمة عنه. انتهى.
وفي قوله: وهو من حديث المدنيين نظر؛ لأنه من مفردات أهل اليمامة، كذا ذكره غير واحد، منهم ابن عقدة في كتاب المفردات من تأليفه، وقال عبد الحق نحوه، زاد: وقد اضطرب فيه. .
كذا رواه عن يحيى أبان بن يزيد - يعني كما رواه عكرمة - وروته جماعة عن يحيى فقالت: عن عياض بن هلال. كذا رواه عن هشام الدستوائي، وعلي بن المبارك، وحرب بن شدّاد، كلّهم عكس ما قال
стр. 150
عكرمة وأبان، فقالوا: عياض بن هلال. انتهى كلامه.
ورواه ابن مهدي عند أبي نعيم في الحلية عن يحيى، أخبرني هلال بن أبي عياض، كذا في أصل سماعنا.
قال ابن القطان: ورواه الأوزاعي عن يحيى فقال: ثنا عياض بن أبي زهير، وهذا كلّه اضطراب، ولكنه على يحيى، لا على عكرمة، فيحتمل أن يكون ذلك من يحيى نفسه، ويحتمل أن يكون من أصحابه، فقول أبي محمد: لم يسنده إلَّا عكرمة، وقد اضطرب فيه، ينبغي أن يكون ضبط: اضْطُّرِبَ مَبْنِيًّا لما لم يسم فاعله، فإنّه إن أسند الفعل إلى عكرمة كان خطأ، ويحيى أحد الأئمة، ولكن هذا الرجل الذي أخذ عنه هذا الحديث هو من لا يعرف، ولا تحصل من أمره شيء، وهكذا هو عند مصنفي الرواة، لم يعرفوا من أمره بزيادة على هذا.
وللحديث مع ذلك علّة أخرى؛ وهي اضطراب متنه، وبيان ذلك هو أنّ ابن مهدي رواه عن عكرمة فقال ما تقدّم من جعل المقت على التكشف والتحدّث في حال قضاء الحاجة.
ورواه بعضهم فجعل المقت على التحدّث كذلك فقط.
ورواه بعضهم فجعل المقت على التكشف والنظر، لم يذكر التحدّث، وهذا قد كان يتكلّف جمعه لو كان راويه معتمدا، واضطرابه دليل سوء حال راويه، وقلة تحصيله، فكيف وهو من لا يعرف؟!
والآن قد بلغنا الغرض المقصود، وهو أنّ للحديث طريقا جيدا غير هذا.
قال أبو علي بن السكن: ثنا يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، ثنا مسكين بن بكير، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، قال رسول الله ﷺ : إذا تغوط الرجلان فليتوار كلّ منهما عن صاحبه، ولا يتحدّثا على طوقهما، فإن الله يمقت على ذلك.
قال ابن السكن: رواه عكرمة، عن يحيى، عن هلال بن عياض، عن أبي سعيد الخدري، وأرجو أن يكونا صحيحين. انتهى.
وليس فيه تصحيح حديث أبي سعيد الذي فرغنا من تعليله، وإنّما يعني أن القولين
стр. 151
عن يحيى صحيحان، وصدق في ذلك، صحّ عن يحيى أنّه قال: عن محمد بن عبد الرحمن عن جابر، وأنه قال: عن عياض، أو عن هلال عن أبي سعيد، ولم يقض على حديث أبي سعيد بالصحة أصلا، ولو فعل كان مخطئا، فإن الأمر فيه على ما بينا.
فأمّا حديث جابر هذا فصحيح،.
،، وسائر من في الإِسناد لا يسأل عنه، وعن يحيى في هذا المعنى غير هذا مما ذكره الدارقطني في علله، إلَّا أنه لم يوصل به إليه الأسانيد، انتهى ما ذكره.
وفيه نظر من وجوه:
قال ابن أبي حاتم: وعياض بن هلال أشبه.
ورجّحه البخاري في الكبير، ومسلم بن الحجاج في الوحدان، والدارقطني، وذكره البخاري في شواهده، وصحّ فيه الحديث.
وفي مسلم معناه: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل.
ولما ذكر الترمذي في جامعه حديث إذا لم يدر أحدكم كم صلى من رواية عياض هذا، عن أبي سعيد، قال فيه: حسن.
ولما خرج ابن خزيمة هذا الحديث في صحيحه، عن أبي موسى، ثنا ابن مهدي، ثنا عكرمة، عن يحيى، عن هلال بن عياض، حدثني أبو سعيد، فذكره، أتبعه قول: ثنا محمد بن يحيى، ثنا سلم بن إبراهيم، يعني
стр. 152
الوراق، ثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى عن عياض بهذا الإِسناد نحوه، قال: وهذا هو الصحيح، هذا الشيخ هو عياض بن هلال، روى عنه يحيى بن أبي كثير غير حديث، وأحسب الوهم من عكرمة حين قال: عن هلال.
ورواه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى، ثنا محمد بن أبي بكر المقدسي، ثنا إسماعيل بن سنان، ثنا عكرمة، ثنا يحيى، عن عياض بن هلال. فذكره، ولفظه: لا يقعد الرجلان على الغائط يتحدثان، يرى كل واحد منهما عورة صاحبه؛ فإن الله يمقت على ذلك.
والثاني:.
الثالث: في تصحيحه هذا الحديث نظر، وذلك أن الدارقطني الذي نقل أبو الحسن كلامه ذكر طريق مسكين هذه ولم يصححها، وزعم أن أشبه الأقوال بالصواب حديث عياض بن هلال، فعلى هذا لا يكتفى بجودة الطريق إذا ثبت عند الدارقطني تعليله، اللهم إلَّا لو لم تكن مذكورة عنده، كان يقال: إنه لم يرها، فأما عند الرواية فلا، والله أعلم.
الرابع: قد وجدنا لهذا الحديث طرقا جيّدة لا يطعن فيها، ذكرها أبو القاسم الطبراني في الأوسط، فقال: حدّثنا أحمد بن محمد بن صدقة، ثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل المصري، ثنا جدي عبيد بن عقيل، ثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال ﵇: لا يخرج الرجلان .. الحديث. قال: لم يروه
стр. 153
عن عكرمة - يعني هكذا - إلا عبيد بن عقيل. انتهى.
عبيد هو: عبيد بن عقيل هذا روى عنه جماعة. وقال فيه أبو حاتم الرازي: صدوق. وقال يعقوب: لا أعلم إلا خيرا، وابن ابنه هو: محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل روى عنه جماعة أيضا، منهم النسائي، وقال: لا بأس به، ولم أر أحدا من الأئمة تعرض لتعليلها، والله أعلم.
الخامس: ضبطه اضطرب بضم الهمزة فغير صواب؛ لأنّ عكرمة نفسه اضطرب فيه كيحيى، لما تقدّم من كلام أبي داود وابن خزيمة وأبي القاسم، رحمهم الله تعالى.
السادس: عيبه على أبي محمد قوله: لم يسنده إلا عكرمة - فليس بشيء؛ لأنّ عبد الحق خرّج الحديث من عند أبي داود، وهو قائل ذاك كما تقدّم، فهو في ذلك مقلّد لأبي داود، فإن كان عيبا فلأبي داود لا له.
السابع: هو دائبًا يعيب على الإشبيلي إبعاده النجعة، وهنا استعملها؛ لأنّ الحديث عند أبي الحسن في كتاب العلل كما قدمناه، فَذِكْرُهُ من عند ابن السكن إبعادٌ للنجعة، وإن كان سابقه، ولعل قائلًا يقول: إنما ذكره من عنده لتصحيحه إياه، وليس كذلك؛ لأن أبا علي لم يصححه، إذ لو صححه لكان مصححًا حديث أبي سعيد، وابن القطّان أبى ذلك؛ ولهذا ذكر حال رجال إسناده، ويشبه أن يكون عذره في ذلك كون الدارقطني ذكره منقطعًا بلا إسناد موصل إليه، ومع ذلك فلا عذر له في تركه كلام الدارقطني، مع روايته له، والله أعلم.
стр. 154
وقد ذكره أيضًا الإِسماعيلي من حديث يحيى بن أبي كثير، ذكرنا ذلك استظهارًا، ولا نطالبه به.
وفي قول أبي داود: وهو مرسل إشعار بأن وصله غير صواب عنده، وإلّا فالطريق المذكور عنده لا خلاف في رفعها ووصلها.
وأمّا قوله: إنّ عكرمة في يحيى ليس بذاك - فقد خالفه في ذلك الإمام أبو الحسين، حيث خرج له عنه في صحيحه حديثا محتجا به. واستشهد البَخاري بحديثه عنه أيضًا في صحيحه.
وأما قول من قال: عياض بن عبد الله، وفي تاريخ البخاري: عياض بن أبي زهير - فيشبه أن يكون نسيانا؛ لما رواه عن يحيى، نسي اسم أبيه فسمّاه عبد الله، والخلق كلهم عبيد الله.
وقول الأوزاعي: ابن أبي زهير - يحتمل أن يكون كنية أبيه.
وبهذا وبما أسلفناه تجتمع الأقوال وينتهي مذهب التهاتر والاختلال.
стр. 155
النهي عن البول في الماء الراكد
٧٩ - حدثنا محمد بن رمح، أنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله ﷺ : أنه نهى أن يبال في الماء الراكد.
هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث، وكان لا يقبل من حديث أبي الزبير إلَّا ما كان مسموعا له، فيما ذكره ابن القطان عنه، وذكره الحاكم في تاريخ نيسابور من حديث سفيان عنه، أنا جابر به. ورواه أبو نعيم من حديث عباد بن كثير، عن أبي الزبير بلفظ: لا يبولن أحدكم في الماء الراكد الدائم ثم يتوضأ منه.
٨٠ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : لا يبولن أحدكم في الماء الراكد.
هذا حديث اجتمع على تخريج أصله الأئمة الستة من حديث أبي هريرة، وحديث الباب أخرجه ابن حبان في صحيحه، ورواه أبو داود، عن مسدد، ثنا يحيى، عن محمد بن عجلان، فخالف أبا خالد في لفظه، وصرح بسماعه من أبيه، وسماع أبيه من أبي هريرة، ولفظه: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة. وفي لفظ للبخاري: ثم يتوضأ منه. وفي لفظ: نهى أو نُهي أن يبول الرجل في الماء الدائم أو الراكد، ثم يتوضأ منه، أو يغتسل منه. وفي رواية: أو يشرب منه.
وأعاد ابن ماجه ذكره في باب الجنب ينغمس في الماء الدائم أيجزئه؟ بلفظ: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم.
стр. 156
٨١ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن المبارك، ثنا يحيى بن حمزة، نا ابن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : لا يبولن أحدكم في الماء الناقع.
هذا حديث ضعيف الإِسناد برواية إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عبد الرحمن بن الأسود بن سوادة، ويقال: الأسود بن عمرو بن رياش، ويقال: كيسان أبو سليمان القرشي البلوي، ضعيف ذاهب الحديث، سيأتي ذكره في باب الوضوء من مس الذكر، إن شاء الله تعالى.
وأما قول أبي القاسم في الأوسط: لم يروه عن ابن أبي فروة إلا عبد السلام بن حرب، تفرد به سليمان الشاذكوني فغير صحيح لما تقدم.
الماء الراكد: هو الدائم الذي لا يجري، يقال: ركد الماء ركودًا، وركدت الريح سكنت، وركد الميزان إذا استوى، والناقع: المجتمع في قراره. ذكره الهروي.
وبهذا يقول الحنفيون في تنجيس الماء الراكد، وإن كان أكثر من القلتين؛ لأن الصيغة صيغة عموم، والشافعيون يخصون هذا العموم، ويحملون النهي على ما دون القلتين، وقوله: (ثم تغتسل فيه) نهي عن شيئين، وذلك يكون تارة على الجمع، وتارة عن الجمع، فأما الأول فتقتضي المنع من كل واحدة منهما، وأما الثاني فمعناه المنع عن فعلهما معًا، وهذا الحديث من باب النهي عن الجمع، أي: لا يجمع بين البول في الماء والاغتسال فيه، ويؤيده رواية ابن عجلان: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه نهي عن الجمع، قال القرطبي: الرواية الصحيحة: تغتسلُ برفع اللام، ولا يجوز نصبها، وحكى الثوري فيه النصب والجزم أيضًا، قال ابن بطال: ولم يأخذ أحد من الفقهاء بظاهر هذا الحديث إلا داود بن علي، والله تعالى أعلم.
стр. 157
التشديد في البول
٨٢ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن حسنة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده الدرقة فوضعها، ثم جلس فبال إليها، فقال بعضهم: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فسمعه النبي ﷺ فقال: ويحك، أما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض، فنهاهم، فعذب في قبره.
هذا حديث قال فيه الحاكم لما خرجه من حديث سفيان، وعبيد الله بن موسى، وزائدة، وعبد الواحد بن زياد، قالوا: حدثنا الأعمش بلفظ: انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النبي ﷺ فخرج ومعه درقة .. الحديث.
هذا حديث صحيح الإِسناد، ومن شرط الشيخين إلى أن بلغ: تفرد زيد بن وهب بالرواية عن ابن حسنة، ولم يخرجا هذا اللفظ.
وفيما قاله نظر، بل هو على شرطهما، ولا نظر إلى تفرد زيد؛ لأنهما رويا عن جماعة لم يرو عن أحدهم إلَّا شخص واحد.
ورواه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى، ثنا أبو خيثمة، ثنا محمد بن خازم كحديث الباب، لا ذكر لعمرو فيه، وزيد المشار إليه هو ابن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي، رحل إلى النبي ﷺ فَقُبِض وهو في الطريق؛ فلذلك عُد من المخضرمين، وإن كان مسلم لم يذكره فيهم.
وزعم ابن منجويه أنه من همدان، وجمع الكلاباذي بين النسبين، ولا جمع، إلَّا أن يكون بحلف أو شبهِهِ.
قال ابن سعد: زيد جهني أحد بني حسل بن نصر ابن مالك بن عدي بن الطول بن عوف بن غطفان بن قيس بن جهينة من قضاعة.
وبنحوه ذكره الكلبي في الجامع وغيره، حديثه في الصحيحين، وعبد الرحمن بن حسنة، وهي أمه، وأبوه عبد الله بن المطاع بن الغطريف بن عبد العزى
стр. 158
ابن جثامة بن مالك بن ملازم بن مالك بن رُهم بن يشكر بن مبشر بن الغوث بن مُرّ، أخي تيم بن مر، ويقال: إنه من كندة، وهو أخو شرحبيل بن حسنة. كذا ذكره البخاري وأبو داود السجستاني في كتاب الإخوة، وأبو زرعة الدمشقي في كتاب الإخوة أيضًا، وأنكر ذلك ابن أبي خيثمة، وبعده العسكري.
وكانت أمه مولاة لمعمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، هاجرت إلى الحبشة؛ فلذلك عدّه ابن شهاب في حلفاء بني جمح.
وقيل: إنّها ليست أمه، بل تبنَّته، ونسبه البخاري قرشيا، ولا منافاة بينه وبين ما تقدّم؛ ولأنه قرشي بالحلف في زهرة، أو بالولاء في جمح.
وأمّا من قال: كندي، فبالنسبة إلى نسب أمه، فإنّها منهم، والله أعلم.
واختلف في القائل: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فعند أبي داود والعسكري أن عمرًا وابن حسنة قالا ذلك، وفي كتاب البغوي: فقال بعضنا لبعض، وعند النسائي: بعض القوم، وكل ذلك قريب، وفي حديث البغوي والطبراني زيادة تبيّن معنى الإنكار على أي وجه كان، وهو قوله: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، وهو قاعد.
وفي بعض ألفاظ الطبراني: يا رسول الله، تبول كما تبول المرأة إما أن يكون سمع، وإما أن يكون أخبر، فإن الأحاديث المتقدّمة موهمة أنّ ذلك إما للاستتار أو الجلوس.
٨٣ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس قال: مر رسول الله ﷺ بقبرين جديدين، فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير؛ أمّا أحدهما فكان لا يستنزه من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة.
في صحيح ابن حبان حديث أبي هريرة بمثل حديث ابن عباس مطولًا هذا حديث اجتمع على تخريجه الأئمة الستة في كتبهم. وقال الترمذي: حديث
стр. 159
صحيح. وروى منصور هذا الحديث عن مجاهد، عن ابن عباس، ولم يذكر فيه طاوسا، ورواية الأعمش أصح. وكذا ذكره البخاري في كتاب العلل، وخالف وأبى ذلك في جامعه الصحيح بذكره حديث منصور إثر حديث الأعمش؛ فيحتاج إلى تأويل ذلك، بأن يكون ظهر له ترجيحه بوجه من الوجوه، وأظن ذلك؛ لأن شعبة روى عن الأعمش كما رواه منصور، ذكر ذلك أبو موسى المديني في كتاب الترغيب من حديث أبي داود الطيالسي، ثنا شعبة به، ولفظه: أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس، وأما الآخر فكان صاحب نميمة. وقال آخره: كذا قال عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، والمحفوظ من حديث الأعمش: مجاهد، عن طاوس، وفي حديث الأعمش عند الإسماعيلي: من طريق شعبة عنه، ثنا مجاهد. قال شعبة: وأخبرني منصور مثلَ إسناد سليمان وحديثه، فلم أنكره منه، فهذا الأعمش رواه كما رواه منصور؛ فظهر بذلك ترجيح حديثه على غيره.
وأما أبو حاتم البستي فذكر في صحيحه الحديثين جميعا، وقال: سمع مجاهد هذا الخبر عن ابن عباس، وسمعه عن طاوس، فالطريقان جميعا محفوظان، ففي هذا شفاء للنفس وإزالة للبس بتصريحه بسماع مجاهد هذا الحديث من ابن عباس ﵄ ولولا ذلك لكان لقائل أن يقول: إن مجاهدا مدلس، فلو عرى عنه ذلك أو صرّح بالسماع كنّا نقول: رواه عنهما. وأما في هذه الحالة فنجزم بالانقطاع، وعلى تقدير صحة ذلك، لم يكن حديث الأعمش أصح، إنما يكونان صحيحين.
وفي لفظ البخاري: ثم أخذ جريدة رطبة فشقّها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفّف عنهما ما لم ييبسا.
وفي رواية: وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى كان أحدهما. وفي لفظ لمسلم: لا يستنزه عن البول، أو من البول مع لفظ لأبي داود: ويستتر مكان يستنزه، وفي لفظ للبخاري: يستبرئ، زاد ابن الجوزي في قصة يوسف ﵇: فأورق كل واحد من الغصنين واخضر، وأورق من ساعته، ففرح النبي ﷺ وقال: رفع عنهما العذاب بشفاعتي.
стр. 160
٨٤ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عفان، نا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : أكثر عذاب القبر من البول.
هذا حديث صحيح الإسناد، قال الشيخ ضياء الدين المقدسي لما ذكره: إسناده حسن، وما علم بأن الحاكم حَكم بصحته على شرط الشيخين، قال: ولا أعرف له علّة، وله شاهد من حديث أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا: عامة عذاب القبر من البول. وصححه أيضًا البخاري، ﵀.
٨٥ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا الأسود بن شيبان، حدثني ابن مرّار، عن جدّه أبي بكرة قال: مرّ النبي ﷺ بقبرين، فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فيعذب في البول، وأما الآخر فيعذَّب في الغيبة.
هذا حديث معلّل بأمرين:
ولو سكت أبو عبد الله بن ماجه عن تعيين الجدّ لحمل على عبد الرحمن، وكان الحديث مرسلا، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق متصلة.
وعلى رأي ابن معِين ومن تابعه تكون صحيحة.
ذكرها البخاري في تاريخه الكبير، فقال: ثنا مسلم، ثنا الأسود بن شيبان، ثنا بحر، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: حدّث أبو بكرة، قال: قال لي النبي ﷺ : صاحبا القبر يُعذّبان بلا كبير: الغيبة، والبول.
نا الجعفي، ثنا عبد الصمد، نا الأسود، نا بحر، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: حدث أبو بكرة وثنا إسحاق قال: أنا عبد الصمد، نا الأسود، سمعت بحر بن مرار، يحدّث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، ثنا أبو بكرة، قال: كنت مع النبي ﷺ .. الحديث.
وبنحوه ذكره الطبراني في الكبير وابن قانع والعسكري، فهذا كما ترى تصريح بسماع بحر من جدّه، وجده من أبيه، والله تعالى أعلم.
ولما ذكره الدارقطني في العلل، قال: الصواب قول من قال: عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، يعني: عن أبي بكرة. وقال الترمذي إثر حديث ابن عباس: وفي الباب عن زيد بن ثابت، وأبي بكرة، وأبي هريرة، وأبي موسى، وابن حسنة، وأغفل حديث عائشة: عذاب القبر من البول، المذكور عند الدارقطني، وحديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: إني أظن منه عذاب القبر، يعني البول. ذكره البزار، وإسناده لا بأس به.
وحديث يعلى بن سيابة أن النبي ﷺ مرّ بقبر يعذّب صاحبه فقال: إنَّ هذا
стр. 161
القبر يعذب صاحبه في غير كبير، ذكره الطبراني وابن أبي شيبة، الحديث. وحديث أبي أمامة الباهلي وأبي رافع ذكرهما أبو موسى المديني في كتاب الترغيب والترهيب، وحديث ميمونة ذكره أبو القاسم في الأوسط. وحديث جابر بن عبد الله ذكره بحشل في تاريخه من حديث الأعمش، عن أبي سفيان عنه: دخل النبي ﷺ حائطا لأمه ميسرة، وإذا بقبرين، فدعا بجريدة رطبة فشقها نصفين، ثم وضع واحدة على أحد القبرين، والأخرى على الآخر، ثم قال: لا يرفعان عنهما حتى يجفّا، قيل: يا رسول الله في أي شيء يعذبان؟ فقال: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يتنزه من البول.
رواه عن موسى بن شبيب، ثنا عبد الله بن موسى، ثنا أبو إسرائيل، عن الأعمش.
وحديث أنس بن مالك: مرّ النبي ﷺ بقبرين من بني النجّار يعذبان في النميمة والبول، فأخذ سعفة رطبة، فشقها بنصفين، فجعل على ذا القبر نصفا، وعلى ذا القبر شقا، وقال: لا يزال يخفف عنهما ما دامتا رطبتين، أنا به المسند المعمر حسن بن عمر بن خليل، قراءة علينا من لفظه، أنا ابن شاذان قراءة عليه، أنا أبو عمرو عثمان بن أحمد الدقاق قراءة عليه، نا حسين بن حميد بن الربيع، ثنا عبيد بن عبد الرحمن، ثنا عيسى بن طهمان، عن أنس، فذكره.
وحديث ميمونة راويه ليس بثقة: أشدّ عذاب القبر في الغيبة والبول. ذكره ابن منده، وحديث عائشة: مرّ النبي
стр. 162
صلى الله عليه وسلم بقبرين يعذّبان، فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، كان أحدهما لا يستنزه عن البول، وكان الآخر يمشي بالنميمة، فدعا بجريدة رطبة الحديث، ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث عبيدة بن حميد، عن منصور، عن أبي وائل، عن مسروق عنها، وقال: لم يروه عن منصور إلا عبيدة، تفرّد به علي بن جعفر الأحمر، يعني شيخ شيخه محمد بن أحمد الوكيعي، وحديث عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ مر يوما بين قبور ومعه جريدة رطبة، فشقها باثنتين، ووضع واحدة على قبر، والأخرى على قبر آخر، ثم مضى، قلنا: يا رسول الله لم فعلت ذلك؟ فقال: أما أحدهما فكان يعذب في النميمة، وأما الآخر فكان لا يتقي البول، ولن يعذبا ما دامت هذه رطبة.
ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث غسان بن الربيع، ثنا جعفر بن ميسرة، عن أبيه عنه قال: لا يُرْوَى هذا الحديث عن ابن عمر إلا بهذا الإِسناد.
والقبر: جمعه قبور في الكثرة، وفي القلة: أقبرة، واستعمل مصدرًا، قالوا: قبرته أقبره قبرًا، وفي الغريبين: قبرته: دفنته، وأقبرته: جعلت له قبرًا. وقال القزاز: موضع قبر، ومن أسمائه أيضًا فيما ذكره ابن السكيت في كتاب الألفاظ، وأبو هلال العسكري في التلخيص: الجدث، والمنهال، والجدف، والرمس، والدمس، والجبان، والضريح، واللحد.
وفي هذه الأحاديث وغيرها إثبات عذاب القبر على ما هو المعروف عند أهل السنة، واشتهرت به الأخبار، ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة، كذا رأيت جماعة من العلماء ذكروا ذلك عند كلامهم على هذا الحديث وشبهه.
ويشبه أن يكون ذلك وهمًا منهم على المعتزلة؛ لما ذكره القاضي عبد الجبار رئيس المعتزلة ومصنفهم في كتاب الطبقات من تأليفه: إن قيل: إنّ مذهبكم أدَّاكم إلى إنكار عذاب القبر، وهو قد أطبقت عليه الأمة، وظهر فيه الآثار والدلائل. قيل:
стр. 163
إن هذا الأمر إنّما أنكره أولًا ضرار بن عمرو، ولما كان من أصحاب واصل، ظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة، وليس الأمر كذلك، بل المعتزلة رجلان: أحدهما: يجوز ذلك كما وردت به الأخبار، والثاني: يقطع بذلك، وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك، إنّما ينكرون قول طائفة من الجهلة: إنّهم يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع من ذلك، وبنحوه قاله أبو عبد الله المرزباني في كتاب الطبقات أيضًا.
واختلف في فتنة القبر: هل هي للمسلمين وللكافرين؟.
فذهب أبو عمر بن عبد البر إلى أنه لا تكون إلا لمؤمن أو منافق من أهل القبلة ممن حقن الإِسلام دمه، وبنحوه قال الحكيم أبو عبد الله الترمذي في نوادر الأصول.
وخالفهما أبو محمد الإشبيلي، فزعم أنها تعم المؤمنين والمنافقين والكافرين، واختاره القرطبي في التذكرة، قال: وقد اختلف في هذين المعذبين - أعني اللذين في حديث ابن عباس - هل كانا من أهل القبلة أم لا؟ فقال: إن كانا منها، فالمرجو لهما بذلك تخفيف العذاب عنهما مطلقا، وإن كانا كافرين فالمرجو تخفيف العذاب المطلق بهذين الذنبين المذكورين.
أما قوله: إن كانا كافرين .. إلى آخره، فهو من طريق الشكّ، فهو قول مسنده فيما أظن - والله أعلم - حديث رواه أبو موسى المديني في كتاب الترغيب والترهيب من حديث ابن لهيعة، عن أسامة بن زيد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: مر نبي الله ﷺ على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية، فسمعهما يعذبان في البول والنميمة.
وقال: هذا حديث حسن، وإن كان إسناده ليس بالقوي؛ لأنهما لو كانا مسلمين لما كان لشفاعته لهما إلى أن ييبسا معنى، ولكنه لما رآهما يعذبان، لم يستجز من عطفه ولطفه ﷺ حرمهما من ذلك،
стр. 164
فشفع لهما إلى المدّة المذكورة، والله أعلم.
وقد أنا بحديث أبي الزبير هذا المسند المعمر فتح الدين بن حسن الهروي الكناني عن أبي الحسن البغدادي، أنبأتنا شهدة قراءة عليها وأنا أسمع، أنا الحسين بن طلحة الثعالبي قراءة عليه ونحن نسمع، أنا أبو القاسم الحسن بن الحسن بن المنذر، أنا أبو علي البرذعي، ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، أنا محمد بن علي، ثنا النضر بن شميل، أنا أبو الغرام، واسمه عبد العزيز بن ربيع الباهلي، ثنا أبو الزبير، عن جابر، ولفظه غير اللفظ الذي ساقه أبو موسى، قال: كنا مع النبي ﷺ في مسيرنا، فأتى على قبرين يعذبان صاحباهما، فقال: إنهما لا يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان يغتاب الناس، وأمّا الآخر فكان لا يتأذى من بوله، ودعا بجريدة .. الحديث.
ولفظ أبي القاسم في الأوسط، وقد خرجه من حديث ابن لهيعة، عن أسامة بن زيد، عن أبي الزبير، عن جابر: مر النبي ﷺ على قبور نساء من بني النجار هلكن في الجاهلية، فسمعهن يعذبن في النميمة، فأتى بجريدة، لم يروه عن أسامة إلا ابن لهيعة، فلئن كان ذلك فهو تصريح لا شك فيه، ولكن يعكر عليه ما جاء في بعض ألفاظ حديث ابن عباس في: مر بقبرين من قبور الأنصار وبنو النجار من الأنصار، فيحتمل أن يكون الراوي قاله بالمعنى الأول، والأنصار لفظة إسلامية لم يعرف بها مسمى في الجاهلية؛ ولذلك قال النعمان بن بشير الأنصاري ﵄ يخاطب عمرو بن العاص:
يا عمرو لا تعد الدعاء فما لنا … نسب نجيب به سوى الأنصار
نسب تخيره الإله لصحبنا … أثقل به نسبًا على الكفار
وحديث الباب: بقبرين جديدين، وفي حديث مسلم: فأحببت بشفاعتي أن يخفف ذلك عنهما، والشفاعة لا تكون إلا لمؤمن، وبضميمة كونهما جديدين، وأما رواية من روى المدينة أو مكة، وهو البخاري في الصحيح، فيحتمل أن يكون سهوا من أحد الرواة. وقد استدرك ذلك أبو عبد الله؛ فذكره في كتاب الأدب على
стр. 165
الصواب: المدينة. وقوله: وما يعذبان في كبير، يحتمل معنيين، والذي يجب أن يحمل عليه منهما أنَّهما لا يعذبان في كبير إزالته أو دفعه أو الاحتراز عنه، وأنه سهل يسير على من يريد التوقي منه، ولا يراد بذلك أنه صغير من الذنوب؛ لأنه ورد في الصحيح: وإنه لكبير.
قال المازري: والنميمة تكون من الكبائر؛ فيحتمل على أنه يريد به في كبير علمهم تركه، وإن كان كبيرًا عند الله تعالى، ولا شك أن النميمة كبيرة.
قال: والمنهي عنه على ثلاثة أنحاء: منه ما يشق تركه على الطباع، كالملاذ المنهي عنها، ومنه ما ينبو عنه الطبع ولا يدعو إليه، كالنهي عن قتل نفسه وغيره، ومنه ما لا مشقة فيه على النفس في تركه، فهذا القسم مما يقال فيه: ليس بكبير على الإنسان تركه.
وقال عياض: قوله وما يعذبان في كبير أي كبير عندهم، كقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾، وسبب ذلك أن عدم النثرة من البول يلزم منه بطلان الصلاة، وتركها كبيرة.
وأما النميمة فقد تكون كبيرة، ولا سيما إذا تكررت، وبذلك أشعر قوله: كان يمشي بالنميمة.
وفي كتاب الإحياء للشيخ أبي حامد، رحمه الله تعالى: اعلم أن النميمة إنما تطلق في الأكثر على من ينم قول الغير إلى المقول فيه، كما تقول: فلان يتكلّم فيك بكذا، وليس النميمة مخصوصة بهذا، بل حدّ النميمة: كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه، وسواء أكان ذلك بالكناية أو الرمز أو الإِيماء، فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه؛ فلو رآه يخبئ مالا لنفسه فذكره فهو نميمة، فكلّ من حملت إليه نميمة، وقيل له: فلان يقول فيك، أو يفعل فيك كذا، فعليه ستة أمور:
الأول: أن لا يصدقه؛ لأن النمّام فاسق.
الثاني: ينهاه عن ذلك.
الثالث: يبغضه في الله؛ لأنه بغيض عند الله.
стр. 166
الرابع: لا يظن بأخيه الغائب سوءا.
الخامس: لا يحمله ما حكاه على التجسس والبحث عن ذلك.
السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى عنه النّمام، فلا يحكي نميمته عنه فيقول: فلان حكى كذا، فيصير نمّاما.
لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم
فإن كانت النميمة في مصلحة، فلا منع منها، وذلك كما إذا أخبره أن إنسانا يريد الفتك به أو بأهله أو بماله، أو أخبر الإمام أو من له ولاية أنّ إنسانًا يسعى بما فيه مفسدة؛ فيجب على صاحب الولايةَ الكشف عن ذلك وإزالته، فكلّ هذا وشبهه ليس بحرام، وقد يكون بعضه واجبًا وبعضه مستحبا على حسب المواطن. انتهى.
وأهل اللغة يفرقون بين نميت مخففة، ونمَّيت مشدّدة.
فالأول: إذا بلغته على وجه الإصلاح والخير.
والثاني: على وجه الإِفساد، ولم يبين الشيخ أبو حامد ذلك في كلامه، فيلبس على من لا يعرف اشتقاق النميمة، والله أعلم.
وأما حديث أبي بكرة: فيعذّب في الغيبة فالغيبة مخالفة للنميمة؛ إذ هي ذكر المرء بسوء فيه من ورائه، وفي قول الشيخ أبي حامد: النميمة هتك الستر، معنى من معاني الغيبة؛ لأنك إذا ذكرته بسوءٍ فيه، فقد هتكت ستره بذكرك ذلك، وإذا كان كذلك، كانا بمعنى واحد، ويكون الراوي لمح في هذا المعنى.
وقوله: من البول يؤخذ منه نجاسة الأبوال مطلقا، قليلها وكثيرها، إلا ما عفا عنه الشّارع، صلوات الله عليه وسلامه.
وأما لعلّ فهو حرف لتوقع مرجو أو مخوِّف، وفيها لغات أنها: لعلّ، وعلّ، وعنّ، ولعنّ، وأنّ، ولأنّ.
وفيه دليل على انتفاع الميت بتلاوة القرآن العظيم أخذًا من غرز العسيب، فإذا انتفع بتسبيح النبات فقراءة القرآن من الإِنسان
стр. 167
أولى، وفي الصحيح للبخاري: أوصى بريدة أن يجعل في قبره جريدتان تبركًا بفعل النبي ﷺ ذلك، واختلف في وصول ثواب القرآن العظيم للميت؛ فمذهبنا ومذهب أحمد وصول ذلك إليه، وأبى ذلك جماعة من العلماء مستدليّن بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ وبقوله ﵇: إذا مات المرء انقطع عمله .. والكلام في ذلك يأتي بعد في كتاب الجنائز، إن شاء الله تعالى.
وأمّا الدرقة فهي ضرب من الترسة تتخذ من جلود دواب تكون في بلاد الحبشة، والجمع درق وأدراق، قاله القزاز.
وفي الصحاح: هي الجحفة إذا كانت من جلود ليس فيها خشب ولا عقب.
وأما بنو إسرائيل فهم أولاد يعقوب ﵇، وهو اسم عبراني، وفيه لغات: إسرائيل بكسر أوله، والمدّ، والياء بعد الراء، والهمزة، وقيل: كذلك إلَّا أنّه بغير همز، وبيائين، وقيل: بفتح أوله مع الوجوه الثلاثة، وقيل: إسرال بغير مدّ ولا ياء، بكسر أوّله وقد يفتح، وقيل: بكسر الهمزتين بغير ألف بعد الراء، وقيل كذلك إلا أنه بياء من غير همز، وقيل بدلا عن اللام على الوجوه كلها، وقيل غير ذلك.
ولا خلاف أن إِيل هو اسم الله تعالى في اللغة العبرية. واختلف في إسرا، فزعم السهيلي أنه عبد. وقيل: صفوة. وقيل: هو مركب من عربي وعجمي، معناه: أسري إلى الله، وذلك أن يعقوب ﵇ أسري به ليلة في الهجرة إلى الربّ فسمى إسرائيل بذلك، والله أعلم.
стр. 168
الرجل يسلم عليه وهو يبول
٨٦ - حدّثنا إسماعيل بن محمد الطلحي، ثنا روح بن عبادة، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن بن حضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة أبي ساسات الرقاشي، عن المهاجر بن قنفذ بن عمير بن جذعان، قال: أتيت النبي ﷺ وهو يتوضأ فسلّمت عليه، فلم يرد عليّ، فلما فرغ من وضوئه، قال: إنه لم يمنعني من أن أرد عليك إلا أني كنت على غير وضوء.
هذا حديث قال فيه الحاكم لما أخرجه في مستدركه من حديث عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد الله بن خيران، قالا ثنا سعيد به: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ.
وفيه نظر من وجهين:
.
الثاني: ينظر في سعيد؛ فإنه ممن اختلط اختلاطًا قبيحًا، ولا نعلم من سمع منه أولا ممن سمع منه أخيرًا، ولم يذكر الحديث من رواية غيره ليكون متابعا له، والله أعلم.
وذكره ابن حبان في صحيحه: عن ابن خزيمة، ثنا محمد بن مثنى، ثنا عبد الأعلى به.
ورواه أبو أحمد العسكري من حديث مكي بن إبراهيم، عن سعيد،
стр. 169
وزاد: ولا تسلم علي وأنا في مثل هذه الحالة، فإنّك إن سلّمت علي لم أرد عليك.
وذكر البغوي في معجمه أن معاذ بن معاذ رواه عن قتادة، عن حضين من غير ذكر الحسن.
قال: ورواه الخفاف، فأثبت فيه الحسن، كذا قال.
والبزار ذكر رواية معاذ بن معاذ عن ابن مثنى عنه بثبوت الحسن، وكذلك ذكره أبو القاسم في الكبير من حديث معاذ بن هشام، والله أعلم.
وهذا الحديث معدود مما جوده قتادة، ورواه عنه شعبة والدستوائي، كما رواه ابن أبي عروبة، فذهب ما كنا نخشاه من اختلاطه، فكأنه غير موجود، والله أعلم.
وقد روي عن الحسن عن مهاجر مرسلا فيما ذكره الطبراني، قال ذلك عنه حميد، ويونس، وعبد الله بن المختار، وزياد الأعلم، وأبو عبيدة بن مجاعة، والحسن بن دينار، فيما ذكره ابن قانع، ولفظه: فقمت مهمومًا، فدعا بوضوءٍ فتوضَّأ ورد عليّ، وقال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى وأنا على غير وضوء.
ورواه أبو عبيدة الناجي، وهو ليِّن الحديث عن الحسن عن البراء، مخالفا لرواية الجميع، وحضين هذا بضاد معجمة، اسم مفرد فيما قاله البرذعي، وقيل فيه: بصاد مهملة، وهو قليل، كنيته أبو محمد، ولقبه أبو ساسان فيما ذكره الحاكم، وأبو حاتم، والسراج في مسنده، وابن حبان، وكان من أصحاب أمير المؤمنين علي، وفيه يقول، وكانت رايته معه:
لمن راية سوداء يخفق ظلها … إذا قيل قدمها حضين تقدّما
وفي التاريخ الأوسط للبخاري: وقال علي بن سويد بن منجوف: تعيشنا مع يزيد بن المهلب ومعنا حضين، ذكر ذلك في ترجمة مَنْ مات بين المائة إلى عشر
стр. 170
ومائة.
وأما المهاجر فاسمه عمرو، قال العسكري: سُمّي بذلك لما قَدم على النبي ﷺ يوم الفتح، فقال ﵇: هذا المهاجر حقًّا.
وبنحوه قاله ابن سعد: ابن قنفذ، واسمه خلف، قال الطبراني: يقال له: شارب الذهب، أيضًا ابن عمير بن جذعان.
٨٧ - حدّثنا هشام بن عمار، ثنا مسلمة بن علي، ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: مرّ رجل على النبي ﷺ وهو يبول، فسلّم عليه فلم يرد، فلما فرغ ضرب بكفيه الأرض، فتيمم، ثم ردّ ﵇.
هذا حديث قال فيه أبو القاسم الطبراني لما ذكره في الأوسط من حديث هشام: لم يروه عن الأوزاعي إلا مسلمة، تفرّد به هشام،.
٨٨ - حدّثنا سويد بن سعيد، نا عيسى بن يونس، عن هاشم بن البريد، عن
стр. 171
عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله: أنّ رجلا مرّ على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي، فإنك إن فعلت ذلك لم أردّ عليك.
هذا حديث إسناده لا بأس به. هاشم وثقه ابن معين وابن حبان، وقال الإِمام أحمد: لا بأس به، وابن عقيل تقدّم ذكره، وأن جماعة كانوا يحتجون بحديثهم، منهم: أحمد، وإسحاق، مع ما عضد حديثه من المتابعات والشواهد، والله أعلم.
٨٩ - حدّثنا عبد الله بن سعيد، والحسين بن أبي السري العسقلاني، قالا: ثنا أبو داود، عن سفيان، عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر: مرّ رجل على رسول الله ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه.
هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه. وقال فيه الترمذي: صحيح، وهو أحسن شيء في الباب. وقال ابن منده: هذا إسناد صحيح، خرجه الجماعة إلا البخاري للضحاك بن عثمان، وأخرجه أيضًا أبو عوانة في صحيحه.
وقال أبو داود بإثر تخريجه: وروي عن ابن عمر وغيره أن النبي ﷺ تيمّم، ثم ردّ على الرجل السلام.
وفي الأوسط لأبي القاسم ما يدل على أن الضحاك رواه عن نافع مختصرًا، وهو ما رواه من حديث محمد بن ثابت، عن نافع قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجته إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر حاجته من ابن عباس، وكان حديثه يومئذ أن قال: مرّ رجل على النبي ﷺ وهو في سكة من السكك، وقد خرج من بول أو غائط، فسلّم عليه فلم يرد ﵇، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة
стр. 172
ضرب بيديه على الحائط، فمسح وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى بيده على الحائط فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام، وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني لم أكن على طهر.
وقال: لم يروه بهذا التمام عن نافع إلا محمد بن ثابت، وسيأتي له مزيد بيان في كتاب التيمم، وأن أبا داود خرجه.
ورواه الإِمام الشافعي - رحمه الله تعالى - في مسنده، عن إبراهيم بن محمد: أخبرني أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر: أن رجلًا مر على النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه الرجل، فرد ﵇، فلما جاوزه ناداه النبي ﵇ فقال: إنما حملني على الردّ عليك خشية أن تذهب فتقول: إني سلّمت على النبي ﵇ فلم يرد علي، فإذا رأيتني على هذه الحالة، فلا تسلم علي، فإنك إن تفعل لا أردّ عليك.
وهذا لو صح إسناده، وسلم من إبراهيم لكان مخالفًا للأول، ولَكنّه عدم الصحة، وقد وقع لنا من طريق سالمة من إبراهيم، ذكرها البزار في مسنده، فقال: ثنا سعيد بن سلمة، ثنا أبو بكر، فصح الحديث والمخالفة؛ ولهذا، ولكن حديث مسلم أصح، ولعلّه كان ذلك في موطنين، وإنما قال ذلك لأجل المعارضة الظاهرة.
واعترض عليه أبو الحسن بن القطان بأن قال: ما قاله عبد الحق تصحيح للخبر مطلقا نطقا لا سكوتا، وإن كان رجح عليه حديث مسلم، فقد يُرجح في ذلك، والتمس له مخرجًا بجعله إيّاه في موطن آخر وقصة أخرى.
وهذا الذي ذكره في أبي بكر ينبغي أن يتوقف فيه؛ فإنه لا يعلم منه أكثر من أنه من ولد عبد الله بن عمر؛ فمن أين له هذا النسب؟ وأنّه الذي روى عنه مالك، وقد كان مانعا له من أن يقول ذلك، لو ثبت أنَّ الذي في الإِسناد يروى عن نافع، والذي توهمه أنه معلوم
стр. 173
الرواية عن ابن عمر، روى عنه مالك، وابن طهمان، وإسحاق بن شرفَى، وعبيد الله بن عمر. انتهى كلامه.
وفيه نظر، وذلك أنَّ عبد الحق - رحمه الله تعالى - احترز بقوله فيما أعلم، فسلم من هذا الإِيراد؛ لكونه لم يجزم به، وعلى ذلك فهو كما قاله.
صرّح بذلك الإِمام الشافعي كما سبق، وناهيك به جلالة ونُبلا، ولعل قائلا يقول: إنّما ساق نسبه إبراهيم، وهو ضعيف لا يحتج به، فلو استظهرت على ذلك بكلام عنه لثلج بذلك الصدر، فيقال له: قد ذكر ذلك غير واحد في مصنفه، منهم: ابن الجارود في كتاب المنتقى، فقال: ثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا سعيد - يعني ابن سلمة - حدّثني أبو بكر، هو ابن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. فذكره.
وكذلك أبو العباس السراج في مسنده، فقال: نا محمد بن إدريس، نا ابن رجاء، ثنا سعيد، ثنا أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثنا نافع. فذكره.
فذهب بحمد الله ما توهمه على أبي محمد، وصحَّ بما ذكرناه الحديث؛ لأن سعيدا وأبا بكر حديثهما في الصحيح، والله أعلم.
وأما المعارضة فيحتمل أن يكون الرد كان بعد التيمم، كما جاء في رواية غير أبي بكر، عن نافع.
وزعم الطحاوي في شرح الآثار أن حديث المنع من رد السلام منسوخ بآية الوضوء، وقيل: بحديث عائشة: كان يذكر الله تعالى على كل أحيانه، وقد جاء ذلك مصرحا به في حديث رواه جابر الجعفي، عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء، عن أبيه قال: كان النبي ﷺ إذا أراد الماء، نكلّمه فلا يكلّمنا، ونسلم عليه فلا يسلم علينا، حتى نزلت آية الرخصة
стр. 174
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، وزعم الحسن أنه ليس منسوخا، وتمسك بمقتضاه فأوجب الطهارة للذكر، ومنعه للمحدث، ثم ناقض بإيجابه للتسمية للطهارتين، فإنه مستلزم لإيقاع الذكر حالة الحدث، وروي عن عمر إيجاب الطهارة للذكر. وقيل: يتأوّل الخبر على الاستحباب؛ لأن ابن عمر راويه رأى ذلك، والصحابي الراوي أعلم بالمقصود، وهو حسن إن لم يثبت حديث جابر الجعفي لتضمنه الجمع بين الأدلة.
وفي حديث جابر بن سمرة ذكر الوضوء لا التيمم. ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث الفضل بن أبي حسان، ثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، نا أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه فلم يردّ علي، ثم دخل إلى بيته فتوضأ ثم خرج، فقال: وعليك السلام قال: لا يُروَى عن جابر إلا بهذا الإِسناد. تفرد به الفضل.
وذكر الخطابي أن السلام الذي يتحيّا به الناس اسم من أسماء الله ، جاء ذلك في حديث رواه أبو هريرة مرفوعا: السلام اسم من أسماء الله تعالى، فأفشوه بينكم، كذا ذكره، والذي رأيت في حديث أبي هريرة: السلام اسم من أسماء الله تعالى، وضعه في الأرض تحية لأهل ديننا، وأمانًا لأهل ذمتنا، قال فيه الطبراني في الأوسط: لم يروه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، يعني عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، إلا عصمة بن محمد الأنصاري، تفرد به محمد بن يحيى الأنيسي.
وذكر الحليمي في المنهاج معنى السلام: السالم من المعايب؛ إذ هي غير جائزة على القديم، فإن جوازها على المصنوعات؛ لأنّها أحداث وبدائع، فكما جاز أن يوجدوا بعد أن لم يكونوا موجودين، جاز أن يعدموا ما وجدوا، والقديم لا علّة لوجوده، فلا يجوز التغير عليه، ولا يمكن أن يعارضه
стр. 175
نقص، أو شين، أو تكون له صفة تخالف الفضل والكمال.
وفي كتاب القزاز: وقول القائل: السلام عليكم، يريد اسم الله عليكم، قال لبيد يخاطب ابنته:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكم … ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
يريد: اسم الله عليكم. وقيل: معنى السلام عليك، أي: سلمت مني لا أنالك بيدي ولا لساني.
وقيل: معناه السلامة من الله.
وقيل: هو الرحمة.
وقيل: هو الإيمان.
وقيل: الصلح.
قال الخطابي: وفي الحديث من الفقه أن يتيمم لغير مرض، ولا جرح، وإليه ذهب الأوزاعي في الجنب يخاف إن اغتسل أن تطلع الشمس، قال: يتيمم ويصلي قبل فوات الوقت، وبه قال مالك في بعض الروايات.
ومذهبنا أن ذلك في الجنازة والعيدين.
قال أبو سليمان: وفيه حجة للشّافعي فيمن كان محبوسًا في حَش أو نحوه، فلم يقدر على الطهارة بالماء، أنه يتيمم ويصلي على حسب الإِمكان، إلَّا أنه لا يرى عليه الإعادة إذا قدر عليها، وكذلك قال في المصلوب، وفيمن لا يجد ماءً ولا ترابًا، إلَّا أنه يعيد.
وفيه المنع من ذكر الله تعالى على الخلاء، ولو بسبب، كالعطاس والموافقة في الأذان، وهو مذهبنا ومذهب الشّافعي وأحمد، خلافًا لقوم من السلف ومالك في حمد العاطس.
стр. 176
الاستنجاء بالماء
٩٠ - حدثنا هناد بن السري، ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن إِبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ خرج من غائط قطّ إلا مس ماءً.
هذا حديث خرجه أبو حاتم البستي في صحيحه كما قدمناه، فقال: ثنا الحسن بن سفيان، ثنا يحيى بن طلحة اليربوعي، ثنا أبو الأحوص بزيادة: ما رأيت رسول الله ﷺ صائما العشر قط، ولا خرج من الخلاء إلا مس ماء.
ولما ذكر البزار في مسنده حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود عنها: ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا العشر قط، عن ابن المثنى وعمرو بن علي قالا: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش قال: وهذا الحديث لا نعلم له طريقًا عن عائشة إلا هذا الطريق، وقد تابع الأعمش الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم. انتهى.
وفيما قاله نظر؛ لما أسلفناه من عند ابن حبان، والله أعلم.
٩١ - حدّثنا هشام بن عمار، نا صدقة بن خالد، ثنا عتبة بن أبي حكيم، حدثني طلحة بن نافع، أخبرني أبو أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، قال: لما نزلت ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، قال رسول الله ﷺ : يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم؟ قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء، قال: فهو ذاك، فعليكموه.
هذا معلل بأشياء:
стр. 177
الأول: ضعف عتبة بن أبي حكيم الهمداني أبي العباس الشامي الطبراني الأزدي، فيما قاله أبو عبد الرحمن النسائي وابن معين.
وفي كتاب الآجري: قال أبو داود: سألت ابن معين عنه، فقال: والله الذي لا إله إلا هو إنه لمنكر الحديث، وكان الإِمام أحمد يوهِّنه قليلًا، وقال ابن عدي: أرجو أنّه لا بأس به. وقال السعدي: كان غير محمود في الحديث. وقال محمد بن عوف الحمصي: ضعيف الحديث، ومع ذلك وثقه مروان الطاطري، وأبو زرعة الدمشقي، وأبو القاسم الطبراني. وقال أبو حاتم: لا بأس به.
الثاني: أبو سفيان طلحة بن نافع، وإن كان مسلم خرج حديثه، فقد تكلّم فيه غير واحد، منهم ابن معين بقوله: ليس بشيء، ويعقوب بن سفيان، والحربي، وأبو محمد بن حزم، والإشبيلي، وغيرهم.
الثالث: انقطاع حديثه؛ وذلك أن ابن أبي حاتم ذكر في كتاب المراسيل: سمعت أبي يقول، وذكر حديثا رواه عتبة بن أبي حكيم، عن أبي سفيان، قال: حدثني أبو أيوب وجابر وأنس، عن النبي ﷺ فقال أبي: لم يسمع أبو سفيان من أبي أيوب، فأما جابر فإن شعبة يقول: سمع أبو سفيان من جابر أربعة أحاديث، قال أبي: وأما أنس فإنه يحتمل، ويقال: إنّ أبا سفيان أخذ صحيفة جابر من صحيفة سليمان اليشكري.
وقال وكيع، عن شعبة: حديثه عن جابر صحيفة، وبمثله قاله سفيان بن عيينة.
وقول الأعمش عنه: جاورت جابرًا ستّة أشهر ليس صريحًا في السماع، فكم من مجاور لا يعرف حال جاره، وآخر مسافر مطلع على أسراره.
وقال البستي في كتاب الثقات: يروي المقاطيع، وقد روى عن أنس ولم يره، وحديث الباب يقضي له بالسماع منهم، لكنه على لسان ضعيف؛ فلهذا لم يعتبره
стр. 178
أبو حاتم، والله أعلم.
ولما خرجه الحاكم من حديث محمد بن شعيب بن شابور، حدّثني عتبة به، قال: هذا حديث كبير صحيح في كتاب الطهارة، فإنّ محمد بن شعيب وعتبة بن أبي حكيم من أئمة أهل الشام، والشيخان إنّما أخذا مخ الروايات، ومثل هذا لا يترك.
قال إبراهيم بن يعقوب: محمد بن شعيب أعرف الناس بحديث الشاميين، وله شاهد بإسناد صحيح.
أخبرناه أحمد بن سلمان، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، ثنا أبي، عن شرحبيل بن سعد، عن عويم بن ساعدة الأنصاري ثم العجلاني أن النبي ﷺ قال لأهل قباء: إن الله قد أحسن الثناء عليكم في الطهور، وقال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ .. حتى انقضت الآية، فقال لهم: ما هذا الطهور؟ .. الحديث.
ثنا أبو العباس، ثنا محمد بن خالد، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾، قال: لما نزلت هذه الآية بعث النبي ﷺ إلى عويم، فقال: ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به؟ قال: يا نبي الله، ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل دبره، أو قال: مقعدته، فقال ﵇: ففي هذا.
قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وقد حدث به سلمة بن الفضل هكذا، عن ابن إسحاق، ولما ذكره الطبراني في الأوسط من حديث إسماعيل بن صبيح،
стр. 179
ثنا أبو أويس به، قال: لم يرو عن عويم إلا بهذا الإِسناد، فيحتمل أن يكون أراد إسماعيل فمن بعده، فإن كان كذلك فهذا يرُدّ عليه، وإن أراد أنه لم يقع إلا بهذا الإسناد فقريب، والله أعلم.
قال الحاكم: وحديث أبي أيوب شاهده: ثنا أبو بكر بن إسحاق، أنا محمد بن أيوب، وأخبرني عبد الله بن محمد بن موسى، ثنا إسماعيل بن قتيبة، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن واصل بن السائب الرقاشي، عن عطاء بن أبي رباح وأبي سَورة، عن عمه أبي أيوب، قال: قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين نزل فيهم ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ … الحديث. انتهى ما ذكر.
وقد تقدّم في حديث طلحة ما فيه كفاية.
وأما تصحيحه حديث شرحبيل بن سعد، وكذلك ابن خزيمة لما رواه في صحي هـ، عن محمد بن يحيى، ثنا إسماعيل بن أبي أويس به، ففيه نظر، وذلك أنه ممن وصفه ابن سعد بالاختلاط وعدم الاحتجاج به.
وقال ابن إسحاق بن يسار: نحن لا نروي عنه شيئا، وكان متهما.
وقال سفيان: احتاج، فكأنهم اتهموه، وكانوا يخافون إذا جاء إلى الرجل وطلب منه شيئا، ولم يعطه، أن يقول: لم يشهد أبوك بدرا.
وقال ابن أبي ذئب: أما شرحبيل فهو شرحبيل، وقد بينّا لكم، يعني أمره، وكان متهمًا. وقال أبو زرعة: فيه لين.
وقال مالك: ليس بثقة.
وقال النسائي: ضعيف.
وقال ابن معين: ليس هو بشيء، ضعيف.
وقال الدارقطني: يعتبر به، وهو ضعيف.
وقال ابن عدي: وفي عامة ما يرويه إنكار.
الثاني: انقطاع حديثه، وذلك أن عويمًا توفي في حياة النبي ﷺ ، وقيل: في
стр. 180
خلافة عمر، وأياما كان فمتعذر سماعه منه؛ لأني لم أر له شيخًا مذكورًا في كتب العلماء أقدم موتًا من زيد بن ثابت ﵁ وكانت وفاته أيام معاوية.
٩٢ - حدّثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن شريك، عن جابر، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يغسل مقعدته ثلاثًا. قال ابن عمر: فعلناه، فوجدناه دواءً وطهورًا.
هذا حديث قال فيه الطبراني في الأوسط: لم يروه عن أبي الصديق إلا العمي، ولا عنه إلَّا جابر، تفرد به شريك، وخرجه في موضع آخر بلفظ: قال ﵇: استنجوا بالماء البارد، فإنه مصحة للبواسير، رواه عن عبد الوارث بن إبراهيم، ثنا عمار بن هارون، نا أبو الربيع السمان، عن هشام، عن أبيه عنها، وقال: لم يروه عن هشام إلَّا أبو الربيع، تفرد به عمار، يعني المخرج حديثه في صحيح أبي عبد الله، ولما ذكره أبو حاتم في الثقات قال: رّبما أخطأ.
فهذا - والله أعلم - أصح من حديث ابن ماجه؛ لأنه معلل مع التفرد بأشياء:
.
.
الثالث: ما يتوهم من انقطاع ما بين أبي الصديق وعائشة، فإني لم أر أحدا ذكر ذلك حين عددت مشائخه، ولم يأت هنا ما يدلّ على سماعه منها، فيتوقف فيه إلى أن يظهر ذلك بطريقه، الله أعلم.
٩٣ - حدّثنا أبو كريب، ثنا معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : نزلت في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية.
هذا حديث قال فيه الترمذي عند تخريجه: غريب من هذا الوجه. ولما ذكره أبو داود سكت عنه، وكذلك عبد الحق.
وتعقب عليه أبو الحسن بن القطان بأن قال: احتمل أن يكون من قسم ما يتسمح فيه، وهو حديث إنّما يرويه إبراهيم بن أبي ميمونة، وهو م هول الحال لا يعرف روى عنه غير يونس بن الحارث الطائفي، وهو ضعيف. قال فيه ابن معين: لا شيء.
وسئل أحمد عنه فقال: مضطرب الحديث، وحكى أبو أحمد عن ابن معين أنه قال فيه: ضعيف، وعنه قول آخر: إنّه ليس به بأس، يكتب حديثه.
وقال النسائي: ليس بالقوي، وعندي أنه لم تثبت عدالته وليس له من الحديث إلا اليسير. قاله ابن عدي.
والجهل بحال إبراهيم كاف في تعليل الخبر، والله تعالى أعلم. انتهى قوله.
وفيه نظر لكونه قد عصب الجناية برأس إبراهيم، وليس كذلك فإنّه ممن ذكره أبو حاتم البستي في كتاب الثقات، فذهب ما توهمه من جهالة حاله، والله أعلم. فيشبه أن يكون
следующие страницы →