Полный текст (1 969 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
حيث إن الطحاوي لما ذكره في شرحه صرح بقول سويد: سمعت بلالا يؤذن مثنى مثنى، ويقيم مثنى. وفي الأسرار لأبي زيد الدبوسي: رأيته يؤذن ببطحاء مكة، فعلى هذا يكون متصلا؛ لأنه دخل المدينة كبيرا مسلما، يوم دفن النبي ﷺ ، فبالضرورة سمع أذان بلال؛ لأن المشهور أن بلالا رحل إلى الشام في خلافة أبي بكر كما قدمناه، وقيل في أيام عمر، وأيا ما كان فقد سمع بلالا يؤذن بذلك يوم الوفاة، وقبل الاجتماع على أبي بكر حتى لا يقول قائل لعل أبا بكر، أو غيره أمره بذلك، وفي الخلافيات من حديث الحجاج بن أرطاة، عن حماد عن إبراهيم، عن ثوبان قال: كان يؤذن يعني بلالا مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى، قال البيهقي: وهذا لا يثبت من أوجه:
أحدها: أن إبراهيم لم يلق ثوبان.
الثاني:.
الثالث: الحجاج ضعيف، وروى أبو جحيفة ما يعضده قال: أذن بلال للنبي ﷺ مثنى مثنى، وأقام مثل ذلك. ذكره ابن حبان في كتاب الضعفاء، ورده بزياد البكائي فقط، وزياد لا يصلح أن يكون علة لحديث لا سيما وله فيه غير متابع، وموقوف علي بن أبي طالب أنه قال: الأذان مثنى مثنى، وإنه سمع مؤذنه يقيم مرة فقال: اجعلها مثنى. ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه، عن هشيم، عن عبد الرحمن بن يحيى، عن الهجنع بن قيس عنه، وعن أبي هريرة قال: كان بلال إذا أراد أن يقيم،
стр. 1367
قال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته الصلاة رحمك الله. رواه في الأوسط من حديث كامل أبي العلاء، عن أبي صالح عنه، وقال: لم يروه عن كامل إلا عبد الله بن محمد بن المغيرة عنه، وعن وكيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع: أن سلمة كان يثني الإقامة. وثنا عفان نا عبد الواحد بن زياد، ثنا حجاج بن أرطأة، ثنا أبو إسحاق: كان أصحاب علي، وأصحاب عبد الله يشفعون الأذان والإقامة. وفي كتاب الطحاوي، من حديث فطر بن خليفة، عن مجاهد: في الإقامة مرة مرة، إنما هو شيء استخفه الأمراء، وفي لفظ: قلت لمجاهد: الأمراء يقيمون مرة مرة، قال: إنما ذلك شيء استخفه الأمراء، الإقامة مرتان. وفي الأسرار لأبي زيد: أول من أفرد الإقامة معاوية. وعن عون بن أبي جحيفة نحوه، وفي الخلافيات من جهة حماد، عن إبراهيم: أول من نقص التكبير في الصلاة، وخطب قبل الصلاة في العيدين، وجلس على المنبر، ونقص الإقامة معاوية بن أبي سفيان. قال الحاكم: هذا دليل على إفراد الإقامة فإنه قال: نقض - بالضاد المعجمة - ونقض الإقامة تثنيتها لا إفرادها. انتهى كلامه، وفيه نظر؛ لما رواه يحيى بن أبي طالب، فتبين أن النقص هناك بالصاد المهملة، الذي هو ضد الزيادة، فقال: ثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم: كان أذان بلال، وإقامته مثنى مثنى حتى كان هؤلاء الملوك فجعلوها واحدة. وأما قوله عن معاوية: إنه أول من قدم الخطبة على الصلاة فمردود بما في الصحيح أن مروان بن الحكم
стр. 1368
فعل ذلك، اللهم إلا أن يحمل ما في الصحيح على أن معاوية أمر مروان بفعل ذلك إذ يبعد في العادة استقلال مروان بذلك من غير مراجعة إمامه، وحديث ابن عباس قال رسول الله ﷺ : من أفرد الإقامة فليس مني. ذكره الجوزقاني في كتابه، وقال: هذا حديث باطل، وفي إسناده من المجهولين غير واحد.
اختلف الناس في إفراد الإقامة وتثنيتها، فحكى البيهقي، عن الشافعي أنه قال: سمعت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة يقيم فيقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. قال الشافعي: وحسبتني سمعته يحكي الإقامة خبرا كما يحكي الأذان.
قال البيهقي: وروينا عن عبد الله بن الزبير الحميدي، عن إبراهيم بن عبد العزيز قال: أدركت جدي، وأبي، وأهلي يقيمون فيقولون، فذكر هذه الإقامة. ثناه أبو سعيد الإسفرائيني، ثنا أبو بحر البربهاري، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي فذكره، أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ، ثنا أبو زرعة: أن محمد بن المسيب بن إسحاق أخبرهم ثنا محمد بن إسماعيل البخاري، بخسروجرد، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، أخبرني إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، أخبرني جدي عبد الملك مثله ففي بقاء أبي محذورة وأولاده على إفراد الإقامة، دلالة ظاهرة على وهم وقع فيما روي في حديث أبي محذورة من تثنية الإقامة، وأن الحديث في تثنية كلمة التكبير، وكلمة الإقامة فقط، فحملها بعض الرواة على جميع كلماتها. وفي رواية حجاج بن محمد، وعبد الرزاق، عن ابن جريج، يعني ما أسلفناه من حديثه، عن عثمان بن السائب، أخبرني أبي، وأم عبد الملك، عن أبي محذورة قال: وعلمني الإقامة مرتين، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا
стр. 1369
إله إلا الله. ما يدل على ذلك، وإن كانت محفوظة في جميع كلماتها، ففيما ذكرنا دلالة على أن الأمر صار بعد ذلك إلى إفراد الإقامة، ولولا ذلك لم يقروا عليه في حرم الله ، ثم إن أولاد سعد القرظ في حرم رسول الله ﷺ كانوا على ذلك. قال الشافعي: فإن جاز أن يكون ذلك غلطا من جماعتهم والناس بحضرتهم، ويأتينا من طرف الأرض من يعلمنا جاز له أن يسألنا عن عرفة، وعن منى ثم يخالفنا، ولو خالفنا في المواقيت كان أجوز له في خلافنا من هذا الأمر الظاهر المعمول به. وفي السنن الكبير عن ابن خزيمة: الترجيع في الأذان مع تثنية الإقامة من جنس الاختلاف المباح إذ قد صح كلا الأمرين، فأما تثنية الأذان، والإقامة فلم يثبت عن النبي ﷺ ، الأمر بهما، قال البيهقي: وفي صحة التثنية في كلمات الإقامة سوى التكبير، وكلمتي الإقامة نظر، وفي اختلاف الروايات ما يوهم أن يكون الأمر بالتثنية عائدا إلى كلمتي الإقامة، وفي دوام أبي محذورة وأولاده، وسعد وأولاده، ما يوجب ضعف رواية من روى تثنيتهما، أو يقتضي أن الأمر صار إلى ما بقي عليه هو وأولاده في الحرمين إلى أن وقع التغيير في أيام المصريين. وزعم الحازمي أنهم قالوا: حديث خالد الحذاء ظاهر في النسخ؛ لأن بلالا أمر بالإفراد أول ما شرع الأذان، وأما حديث أبي محذورة فكان عام حنين، وبين الوقعتين مدة مديدة، وخالفهم في ذلك أكثر أهل العلم، فرأوا أن الإقامة فرادى، وإلى هذا المذهب، ذهب ابن المسيب، وعروة، والزهري، ومالك، وأهل الحجاز، والشافعي، وأصحابه، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز، ومكحول، والأوزاعي، وأهل الشام، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وأحمد بن حنبل، ومن تبعهم من العراقيين، ويحيى بن يحيى، وابن راهويه، ومن تبعهم من الخراسانيين، وذهبوا في ذلك إلى حديث أنس، وقالوا: أما حديث أبي محذورة فالجواب عنه من وجوه منها: أن
стр. 1370
من شرط الناسخ أن يكون أصح سندا، وأقوم قاعدة في جميع جهات الترجيحات على ما قررناه في مقدمة الكتاب، وغير مخفي على من الحديث من صناعته، أن حديث أبي محذورة لا يوازي حديث أنس في جهة واحدة في الترجيح فضلا عن الجهات كلها. ومنها: أن جماعة من الحفاظ ذهبوا إلى أن هذه اللفظة في تثنية الإقامة غير محفوظة، ولو قدرنا أنها محفوظة وأن الحديث ثابت، كانت منسوخة بدليل ما ذكره الأثرم، قيل لأبي عبد الله: أليس حديث أبي محذورة بعد فتح مكة؟ فقال: أليس قد رجع النبي ﷺ إلى المدينة، وأقر بلالا على أذان ابن زيد؟!.
وفي لفظ: ولكن أذان بلال هو آخر الأذانين انتهى كلامه، وفيه نظر من حيث إنه قال: من شرط الناسخ أن يكون أصح سندا، وأقوم إلى آخره؛ لأنه ليس من شرط الناسخ ما ذكر، بل يكفي أن يكون صحيحا متأخرا معارضا غير ممكن للجمع بينه وبين معارضه، فلو فرضناهما متساويين في الصحة، ووجد ما ذكرناه من الشروط ثبت النسخ، وأما أن يشترط أن يكون أرجح من المعارض في الصحة فلا يسلم، نعم. لو كان دونه في الصحة لكان فيه نظر، وهذا الذي ذكرته هو الذي مشى عليه هو في كتابه، من ذلك ما ذكره منسوخا من عند البخاري: أكان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة؟ قال: نعم. بحديث حسنه هو، إلى غير ذلك من الأحاديث، وكذا فعله ابن شاهين، وقبله الأثرم، وتبعهم على ذلك الخرقي - والله تعالى أعلم - وأما قوله: فحملها بعض الرواة على جميع كلماتها فهو ظن، والظن لا يغني من الحق شيئا، وإنما يقوي احتماله إذا نظر إلى لفظ عام أو مطلق في ألفاظ الإقامة كرواية من روى: مثنى، مثنى، وأما ما فيها من الروايات حكاية ألفاظ الإقامة لفظة لفظة فتبعه هذا الظن، قال أبو عمرو: كقول أبي حنيفة يقول الثوري، والحسن بن حي، وعبيد الله بن الحسن، وجماعة التابعين والفقهاء بالعراق متوارث عندهم بالعمل قرنا بعد قرن، وقال الأثرم عن أحمد: من أقام مثنى مثنى لم أعنفه، وليس
стр. 1371
به بأس، وكذلك قاله إسحاق الحنظلي، وداود، وأبو محمد بن حزم قالوا: لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ جميع ذلك، وعمل به أصحابه ﵃ ومن هذا الباب إذا كان مسافرا: هل له الاقتصار على الإقامة أم لا؟ فروى عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ ، كان لا يؤذن في شيء من الصلوات في السفر، ولا يقيم إلا الصبح، فإنه كان يؤذن ويقيم. خرجه أبو عبد الله من حديث نعيم بن حماد، عن عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عنه، وقال: صحيح الإسناد. فقد احتج مسلم بعبد العزيز، ومحمد بنعيم، وهو المشهور، من فعل ابن عمر، وفي سنن البيهقي الكبير: عن أبي الزبير قال: سألت ابن عمر أؤذن في السفر؟ قال: لمن يؤذن؟ للفأر؟! قال الشيخ: هذا الذي ذهب إليه ابن عمر يحتمل لولا حديث أبي سعيد في الأذان بالبادية. انتهى، وكذا حديث مالك بن الحويرث مثله، وأما الأذان والإقامة للمرأة، فروى الحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن إدريس، عن ليث، عن عطاء، عن عائشة: أنها كانت تؤذن، وتقيم، وتؤم النساء. ومن حديث عبد الله بن داود الخريبي، حدثنا الوليد بن جميع، عن ليلى بنت مالك، وعبد الرحمن بن خالد الأنصاري، عن أم ورقة الأنصارية أن رسول الله ﷺ كان يقول: انطلقوا بنا إلى الشهيدة فنزورها، وأمر أن يؤذن لها وتقام، وتؤم أهل دارها في الفرائض. قال أبو عبد الله: قد احتج مسلم بالوليد بن الجميع، وهذه سنة غريبة لا أعرف في الباب حديثا مسندا غير هذا، ورواه ابن الجارود في منتقاه، ولما ذكره
стр. 1372
الحافظ ضياء الدين رجح صحته، وقال أبو موسى في كتاب الصحابة: وروي الحديث عن عبد العزيز، عن الوليد، عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أم ورقة: أنها استأذنت، ورواه وكيع، عن الوليد، عن جدته، وعبد الرحمن، عن أم ورقة، ورواه جماعة عن الوليد، عن جدته، لم يذكروا عبد الرحمن. قال البيهقي: وفي حديث ابن ثوبان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كنا نصلي بغير إقامة. قال أبو بكر: وهذا إن صح مع حديث ليث، فلا يتنافيان لجواز فعلها هذا مرة، وذاك أخرى، ويذكر عن جابر أنه قيل له: أتقيم المرأة؟ قال: نعم. ومن حديث نافع، عن ابن عمر: ليس على النساء أذان ولا إقامة، ولا جمعة، ولا اغتسال جمعة. قال البيهقي:. وروينا في الأذان والإقامة، عن أنس بن مالك موقوفا، ومرفوعا، ورفعه ضعيف، وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب، والنخعي، وابن سيرين.
стр. 1373
١٠ - باب إذا أذن وأنت في المسجد فلا تخرج
٣٦ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن إبراهيم بن مهاجر، عن أبي الشعثاء قال: كنا قعودا في المسجد مع أبي هريرة فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ .
هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن مهاجر، وفيه كلام يقتضي أن نذكر له متابعا، وهو رواية له أيضا عن ابن أبي عمر حدثنا سفيان، عن عمر بن سعيد، عن أشعث، عن أبيه به، وقال فيه أبو عيسى: حسن صحيح. ورواه أبو عبد الرحمن، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن جعفر بن عون، عن أبي عميس، عن أبي صخرة جامع بن شداد، عن أبي الشعثاء، وزعم بعض العلماء أنه موقوف، وخالف ذلك ابن عبد البر فقال: هو مسند عندهم، لا يختلفون في هذا، وذلك أنهما مسندان مرفوعان يعني هذا، وقول أبي هريرة: ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله، ورسوله. انتهى كلامه.
وقد وقع لنا هذا الحديث مرفوعا، من غير ما طريق بسند جيد من ذلك: ما رواه أبو الشيخ ﵀ عن نوح بن منصور، ثنا عبد الله بن أيوب المخرمي، ثنا يحيى بن آدم، ثنا شريك، عن أشعث بن سليم، عن أبيه: أنه رأى رجلا خارجا من المسجد، وقد نودي
стр. 1374
بالأذان فقال: عصى هذا أبا القاسم أمرنا رسول الله ﷺ إذا نودي بالأذان، أن لا نخرج من المسجد.
وثنا ابن أبي حاتم، ثنا أحمد بن محمد الأطرابلسي، ثنا موسى بن داود، ثنا شريك، عن أشعث، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه قال: إذا أقيمت الصلاة، وأحدكم في المسجد، فلا يخرج حتى يصلي، فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بذلك.
وثنا يوسف بن محمد المؤذن، ثنا محمد بن الحارث المخزومي، ثنا أبو مصعب، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، حدثني أبي، وصفوان بن سليم، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : لا يسمع النداء في مسجدي هذا أحد، ثم يخرج إلا لحاجة ثم لا يرجع إلا منافق.
وقال أبو القاسم في الأوسط: لم يروه موصولا عن أبي هريرة، عن صفوان، وأبي حازم إلا ابن أبي حازم، تفرد به أبو مصعب، وقال أبو الشيخ: وثنا عبد الله بن أحمد بن سعيد الجصاص، ثنا نهشل بن كثير النهشلي بصري ثقة، ثنا ابن أبي فديك، عن ابن حرملة، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : لا يخرج من المسجد بعد النداء إلا منافق إلا أحد أخرجته حاجة، وهو يريد الرجعة إلى الصلاة.
وثنا الوليد بن أبان قرئ على يحيى بن عبدك، وأنا حاضر، ثنا أحمد بن أبي يزيد القطان بالري، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله.
٣٧ - حدثنا حرملة بن يحيى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عبد الجبار ابن عمر، عن ابن أبي فروة، عن محمد بن يوسف مولى عثمان بن عفان، عن عثمان قال رسول الله ﷺ : من أدركه الأذان في المسجد، ثم خرج، لم يخرج لحاجة، وهو لا يريد الرجعة فهو منافق.
стр. 1375
هذا حديث إسناده معلل بأمرين:
الأول: ضعف أبي سليمان إسحاق بنْ عبد الله بن أبي فروة عبد الرحمن بن الأسود بن سوادة، ويقال: الأسود بن عمرو بن رياش، ويقال: كيسان القرشي الأموي المدني، أخي إسماعيل، وصالح، وعبد الأعلى، وعبد الحكم، وعمار، ويونس، فإن أبا عيسى قال: تركه بعض أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل، وقال الجوزجاني: سمعت أحمد يقول: لا تحل الرواية عنه. فقلت: يا أبا عبد الله لا تحل؟ قال: عندي، وفي رواية: ما هو بأهل أن يحمل عنه، ولا يروى عنه. وقال أيضا: لا أكتب حديث أربعة، منهم: إسحاق، وفي الإرشاد للخليلي وذكره: ضعفوه جدا، وتكلم فيه مالك، والشافعي، وتركاه، وقال الزهري له يوما: يا أبا إسحاق تجيء بأحاديث ليست لها أزمة ولا خطم، إذا حدثت فأسند.
وقال مسلم في الكنى: مدني ضعيف الحديث، وفي كتاب الكنى لأبي بشر: ليس بذاك. وقال محمد بن عبد الله بن عمار: هو ضعيف ذاهب. وقال أبو حاتم: متروك، ذاهب الحديث. وقال أبو بكر بن خزيمة: لا أحتج بحديثه. وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: هو كذاب. وذكره أبو القاسم البلخي في كتاب الضعفاء. وقال ابن طاهر: ضعفه غير واحد. وقال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب التحقيق: هالك، وبنحوه قاله أبو بكر في الخلافيات. وقال أبو حاتم، والفلاس، والنسائي، وابن الجنيد، والدارقطني: متروك. زاد النسائي: ولا يكتب حديثه. وذكره أيضا في الطبقة العاشرة من أصحاب نافع المتروك حديثهم. وقال البخاري: تركوه. وقال أبو زرعة: ذاهب الحديث متروك الحديث. وقال يحيى: ليس بشي، ولا يكتب حديثه، وفي رواية ليس بشيء كذاب، وفي رواية ليس بثقة. وسئل سعدويه عن حديث يعلى بن ثابت، عن الوازع بن نافع، فقال: لا يروى الحديث عن رسول الله ﷺ عن مثل الوازع،، وسئل عن حديث إسحاق بن أبي
стр. 1376
فروة، فقال: شر مما قال في الوازع. وقال ابن المديني: هو منكر الحديث. وقال أبو غسان: جاءني علي فكتب عني، عن عبد السلام أحاديث ابن أبي فروة، فقلت: أيش تصنع بها؟ قال: أعرفها لا تقلب، وفي رواية قال علي: لم يدخل ذلك في كتبه ابن أبي فروة فيما ذكره ابن عساكر في تاريخه، وقال ابن سعد: كان لين الحديث ويروي أحاديث منكرة، ولا يحتجون بحديثه، وكان يرى رأي الخوارج. وقال الساجي: ضعيف الحديث ليس بحجة، وذكر البرقي في كتاب الطبقات: بأن من ترك حديثه، واتهم في روايته: إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وذكره أبو العرب فقال: هو ممن ترك حديثه. قال أبو العرب: وعن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت محمد بن عاصم، وكان من أهل الصدق قال: قدمت المدينة، ومالك بن أنس حي، فلم أر أهل المدينة يشكون أن إسحاق بن أبي فروة متهم على الدين، وفي تاريخ يعقوب بن سفيان الفسوي: وآل أبي فروة كل من حدث عنه ثقة إلا إسحاق، فلا يكتب حديثه. وقال الحافظ أبو بكر البزار في سننه: كان ضعيفا، وقال في مسنده: متروك الحديث.
الثاني: عبد الجبار بن عمر أبو عمر الأيلي الأموي القرشي؛ وإن وثقه ابن سعد فقد قال فيه أبو زرعة: واهي الحديث. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: منكر الحديث، ضعيف الحديث، ليس محله الكذب، وسمعت أبا زرعة يقول: هو ضعيف الحديث ليس بقوي، وقرأ علينا حديثه. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، ولا يكتب وقال مرة: ضعيف، وكذلك قاله السعدي، والنسائي في كتاب الضعفاء، وقال في كتاب الكنى ليس بثقة، وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم؛ عنده مناكير.
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه يخالف فيه، والضعف بين على رواياته.
стр. 1377
وقال الحربي في كتاب العلل: عبد الجبار بن عمر رجل من أهل أيلة، سنه قريب من سن يزيد بن أبي سمية شيخه، وإنما روى عنه لفضله، وعبد الجبار رجل يتفقه، وغيره أثبت منه. وقال الآجري: سألت أبا داود عنه؟ فقال: ضعيف، وذكره يعقوب في باب من يرغب عن الرواية عنهم. وقال الساجي: هو ضعيف. وقال العقيلي: ليس بالقوي عندهم، عنده مناكير. وقال أبو سعيد بن يونس: منكر الحديث. وفي كتاب الكنى لأبي أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وقد روينا في كتاب الصلاة للفضل ما يشد هذا عن مسعر، عن ابن عون، عن شريح رجل من همدان، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: إذا كنت في المسجد، فنودي بالأذان فلا تخرج.
قال: وحدثني سفْيان، عن حرملة، عن سعيد بن المسيب، قال رسول الله ﷺ : من سمع المنادي فخرج فهو منافق، إلا رجل خرج في حاجة، ثم رجع.
وثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: إذا سمعت الإقامة، فلا تخرج.
وفي كتاب أبي علي الطوسي، عن إبراهيم: تخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة، قال أبو علي: وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه، والذي عليه أصحاب النبي ﷺ أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذرٍ، أو يكون على غير وضوء. وقال ابن حزم: ومن كان في المسجد، فاندفع المؤذن في الأذان لم يحل له الخروج من المسجد إلا لضرورة - والله أعلم -.
стр. 1378
١١ - أبواب المساجد والجماعات ومن بنى لله مسجدا
٣٨ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يونس بن محمد، ثنا الليث بن سعد، وثنا أبو بكر، ثنا داود بن عبد الله الجعفري، ثنا عبد العزيز بن محمد - جميعا - عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن الوليد بن أبي الوليد، عن عثمان بن عبد الله بن سراقة العدوي، عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من بنى لله مسجدا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتا في الجنة.
هذا حديث خرجه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، عن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة به، ورواه ابن لهيعة، عن الوليد بن أبي الوليد فقال: عن أيوب بن خالد، عن عمر بن الخطاب، قال ﷺ : من بنى مسجدا لا يريد به رياء، ولا سمعة بنى الله الكريم له بيتا في الجنة.
ذكر ذلك الحافظ أبو نعيم في كتاب المساجد، عن أبي بكر الآجري، ثنا جعفر الفريابي، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا ابن لهيعة به، قال: ورواه يحيى بن بكير، عن ابن لهيعة، وقال: ويذكر اسم الله عليه، قال: ورواه يحيى بن أيوب، عن الوليد، عن عثمان، وقال عبد الله بن صالح، عن الليث: يذكر اسم الله تعالى فيه.
٣٩ - حدثنا محمد بن بشار، ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من بنى لله مسجدا بنى الله له مثله في الجنة.
هذا حديث خرجاه في صحيحيهما.
٤٠ - حدثنا العباس بن عثمان الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة أنه
стр. 1379
قال: حدثني أبو الأسود، عن عروة، عن علي بن أبي طالب قال رسول الله ﷺ : من بنى مسجدا من ماله بنى الله له بيتا في الجنة.
هذا حديث ضعيف معلل بأمرين:
الأول: قال فيه أبو القاسم في الأوسط: لا يروى عن علي إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن لهيعة، ومع ذلك فهو ابن لهيعة، وقد سبق ذكره.
الثاني: انقطاع ما بين عروة، وعلي؛ وإن كان مولده سنة ثلاث وعشرين، وسنه يوم الجمل ثلاث عشرة سنة، فرد لاستصغارهم إياه.
وقيل: كان مولده لست سنين خلت من خلافة عثمان ﵁ فقد نص أبو حاتم على أنه لم يسمع من علي فيما حكاه عنه ابنه في كتاب المراسيل، ويزيده وضوحا أن النسائي في مسند علي أدخل بينه وبين المقداد، ومحمد بن سنجر، وأحمد بن سنان القطان في مسندهما، أدخلا بينهما عبد الله بن جعفر. ورواه صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم بلفظ: من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة. رواه أبو نعيم في كتاب المساجد، عن أبي عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان عنه، وكذا رواه عبد الله بن يوسف، وابن المبارك، وابن وهب، عن ابن لهيعة وقال: ولفظهم سواء فظهر من هذا أن زيادة (من ماله) تفرد بها عباس بن عثمان، وليس بقريب من أولئك - والله أعلم -.
٤١ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، ثنا عبد الله بن وهب، عن إبراهيم بن نشيط، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين النوفلي، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: من بنى مسجدا كمفحص قطاة، أو أصغر
стр. 1380
بنى الله له بيتا في الجنة.
هذا حديث خرجه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه، عن يونس، وعيسى بن إبراهيم الغافقي، ثنا ابن وهب بلفظ: من حفر ماء لم يشرب منه كبد حي من جن، ولا إنس، ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة، ومن بنى مسجدا كمفحص قطاة، أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنة.
قال يونس: من سبع ولا طائر. وقال: كمفحص قطاة، وقال الدارقطني في الأفراد: تفرد به ابن وهب بسنده، وفي الباب غير ما حديث، من ذلك: حديث أبي ذر الغفاري، عن النبي ﷺ قال: من بنى لله مسجدا، ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة، رواه أبو نعيم الحافظ، عن محمد بن حميد، ثنا محمد بن جرير، ثنا الحسن بن خلف، ثنا إسحاق الأزرق، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه عنه، وثنا أبو بكر الطلحي، ثنا أبو حصين القاضي، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، ورواه يحيى بن آدم، عن قطبة بن عبد العزيز، عن الأعمش مثله.
وثنا محمد بن محمد بن أحمد المقرئ، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا سلم بن جنادة، ثنا وكيع في الدار، عن سفيان، عن الأعمش، وهذا سند لعمري ظاهره الصحة، لولا ما ذكره أبو نعيم من قوله: ثنا أبو بكر بن مالك، ثنا جعفر الفريابي، ثنا علي بن المديني قال: قال لي يحيى بن سعيد: قال لي سفيان، أو شعبة -: لم يسمع الأعمش هذا الحديث من إبراهيم التيمي يعني حديث: من بنى لله مسجدا، وزعم الكرابيسي في كتاب المدلسين: أنه كان يعني الأعمش يدلس عن إبراهيم كثيرا، وذكر البيهقي في السنن الكبير علة أخرى؛ وهي أن الدوري حكى عن أحمد بن يونس أنه قال: قيل لابن عياش: إن الناس يخالفونك في هذا الحديث لا يرفعونه؟ فقال أبو بكر: سمعنا هذا من الأعمش، وهو شاب.
стр. 1381
قال البيهقي: وكذلك روي عن شريك، وجرير بن عبد الحميد، عن الأعمش مرفوعا، وروي عن الحكم، عن يزيد بن شريك، عن أبي ذر مرفوعا.
ورواه أبو نعيم أيضا من حديث عيسى بن يونس، عن الأعمش مرفوعا، ومن حديث محمد بن عبيد، عن أخيه يعلى عنه كذلك.
وقال أبو حاتم، وأبو زرعة: رواه عدة من أصحاب شريك فلم يرفعوه، والصحيح عن أبي ذر من حديث شريك موقوف.
قال أبو حاتم: ورواه أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، ورفعه، ونفس الحديث موقوف، وهو أصح. وقال ابن مهدي: هذا الحديث ليس من صحيح حديث الأعمش، وحديث أبي بكر الصديق ﵁ قال رسول الله ﷺ : من بنى مسجدا لله، ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة، رواه أبو نعيم، عن الآجري، والحسن بن علي الوراق، حدثنا جعفر الفريابي، ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا الحكم بن يعلى بن عطاء المحاربي، ثنا محمد بن طلحة الأيامي، عن أبي معمر عنه، وثناه أبو بكر الطلحي، ثنا أحمد بن حماد بن سفيان، ثنا إسحاق بن بهلول، حدثني محمد بن عبد الرحمن القرشي، عن محمد بن طلحة بن مصرف، عن أبيه مثله، وثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن نوح العسكري، ثنا وهب بن حفص الحراني، ثنا حبيب بن فروخ، ثنا ابن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن مرة الطيب، عن أبي بكر به، ثم قال: كذا قال حبيب، عن مرة الطيب.
وقال أبو حاتم الرازي في علله: هذا حديث منكر، وحديث عبد الله بن عباس
стр. 1382
- ﵄ قال رسول الله ﷺ : من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة.
رواه أبو الحسن الدارقطني في كتاب الغرائب والأفراد من حديث عمران بن عبيد الله البصري، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة عنه، وزعم أن عمران تفرد به. انتهى كلامه، وهو محتمل لأمرين:
الأول: أن يريد: تفرد بهذا السند.
الثاني: تفرده بالحديث جملة، وأيا ما كان فهو مردود؛ بما ذكره الحافظ أبو نعيم من حديث يحيى بن عبد الحميد، ثنا شريك، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير عنه، وعن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا ضرار بن صرد، ثنا علي بن هاشم، عن عمار بن رزيق، عن الدهني مثله، وعن أبي مسلم، ثنا عمرو بن مرزوق، ثنا شعبة قال: لقن جابر، عن عمار الدهني بلفظ: من بنى مسجدا، ولو كمفحص قطاة .... الحديث.
وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال رسول الله ﷺ : من بنى لله مسجدا، يذكر الله فيه، بنى الله له بيتا في الجنة، رواه أيضا من حديث حجاج بن أرطاة عنه.
وحديث ابن عمر قال رسول الله ﷺ : من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة. رواه البزار، عن إسحاق بن شاهين، ثنا الحكم بن ظهير، ثنا ابن أبي ليلى، عن نافع عنه، وقال: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن ابن عمر إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، والحكم لين الحديث، وقد روى عنه جماعة كثيرة، واحتملوا حديثه. وقال أبو نعيم الحافظ: رواه عن إسحاق، أحمد بن كعب الواسطي، وزاد فيه: ولو كمفحص قطاة.
وحديث أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: من بنى لله مسجدا صغيرا كان أو كبيرا، بنى الله له بيتا في الجنة.
стр. 1383
رواه أبو عيسى من حديث نوح بن قيس، عن عبد الرحمن مولى قيس، عن زياد النميري عنه، وخرجه أبو نعيم من حديث أحمد بن علي الخزاعي، ثنا قرة بن حبيب، ثنا عبد الحكم عنه بلفظ: من بنى لله مسجدا في الدنيا يريد به وجه الله، ومن حديث إبراهيم بن مهدي المصيصي، ثنا عمر بن رديح، عن ثابت عنه، وفي لفظ قالوا: إذا نكثر يا رسول الله؟ قال: الله أكثر، ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، ثنا شريك، عن الأعمش عنه بلفظ: كمفحص قطاة، وقال: لم يروه عن الأعمش إلا شريك، تفرد به إسحاق، ومن حديث حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن أبان عنه، ومن حديث يحيى بن يمان، عن الثوري، عن أبي عمارة عنه بلفظ: كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة، إلا مسجدا فإن له به قصرا في الجنة من لؤلؤة.
وحديث أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : من بنى بيتا يعبد الله فيه حلالا، بنى الله له بيتا في الجنة من الدر، والياقوت. رواه البيهقي في شعب الإيمان تأليفه من حديث بشر بن الوليد، وسعيد بن سليمان، عن سليمان بن داود، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عنه، ورواه أبو القاسم في الأوسط، من حديث محمد بن سليمان بن عبد الله الكوفي، ثنا أبي، عن المثنى بن الصباح، عن عطاء بن أبي رباح، عن المحرر، عن أبيه، وقال: لم يروه عن المحرر إلا عطاء، تفرد به المثنى عن عطاء، ورواه أيضا من حديث سليمان بن داود اليمامي، ثنا ابن أبي كثير، عن أبي سلمة عنه قال ﷺ : من بنى لله بيتا يعبد الله فيه من ما حلال، بنى الله له بيتا في الجنة من در، وياقوت،
стр. 1384
قال: لم يروه عن يحيى إلا سليمان، تفرد به سعيد بن سليمان، ولا يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد.
وقال أبو زرعة: هذا الحديث من حديث أبي هريرة وهم، قال أبو محمد: قلت: ولم يشبع الجواب ولم يبين علة الحديث، والذي عندي: أن الصحيح على ما رواه أبان العطار، عن يحيى، عن محمد بن عمرو، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، عن النبي ﷺ ، وعن يحيى، عن محمود بن عمرو، عن أبي هريرة موقوف، وسمعت أبي يقول: هو محمود بن عمرو بن يزيد بن السكن - والله تعالى أعلم - ولما ذكر أبو القاسم حديث أسماء بنت يزيد مرفوعا قال: لم يروه عن يحيى بن أبي كثير إلا أبان، تفرد به موسى بن إسماعيل، ولا يروى عن أسماء إلا بهذا الإسناد، تفرد به المثنى، عن عطاء. انتهى كلامه، وفيه نظر؛ لما أسلفناه من عنده قبل.
وحديث معاذ بن جبل قال رسول الله ﷺ : من بنى لله مسجدا، بنى الله له بيتا في الجنة، رواه أبو نعيم من حديث عمر بن صبح، ثنا عاصم بن سليمان، عن برد، عن مكحول، عن الوليد بن العباس عنه، وذكره ابن الجوزي في العلل بزيادة: ومن علق فيه قنديلا، صلى عليه سبعون ألف ملك، حتى يطفأ ذلك القنديل، ومن بسط فيه حصيرا، صلى عليه سبعون ألف ملك حتى ينقطع ذلك الحصير، ومن أخرج منه قذاة كان له كفلان من الأجر، ثم رده بعاصم، وحديث أبي سعيد الخدري قال
стр. 1385
رسول الله ﷺ : من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة، رواه الطبراني في الكبير، من حديث سهل بن تمام بن بزيع، ثنا عبد الحكم القسملي، عن أبي المتوكل عنه، وحديث واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من بنى لله مسجدا يصلى فيه، بنى الله له بيتا في الجنة أفضل منه، رواه أيضا من حديث هشام بن عمار، ثنا الحسن بن يحيى الخشني، عن بشر بن حيان عنه، وحديث عمرو بن عبسة قال رسول الله ﷺ : من بنى لله مسجدا دخل الجنة، أنبأنا به المسند أبو بكر الحميري، أنبأنا أبو الطاهر بن عبد القوي، عن فاطمة، أنبأتنا فاطمة، أنبأنا ابن ريذة، أنبأنا أبو القاسم، ثنا محمد بن النضر الأزدي، ثنا أحمد بن عبد الملك بن واقد الحراني، ثنا بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة عنه، ورواه النسائي، عن عمرو بن عثمان، عن بقية، فوقع لنا موافقة عالية، ولله الحمد.
ولفظ ابن أبي حاتم الرازي في كتاب ثواب الأعمال: من بنى مسجدا لله، ذكر الله فيه بني له بيت في الجنة.
وحديث أبي إمامة أن النبي ﷺ قال: لا يبني أحد مسجدا لله، إلا بنى الله له بيتا في الجنة أوسع منه، رواه أبو نعيم من حديث صدقة بن خالد، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد عنه.
وحديث عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة، قلت: يا رسول الله، وهذه المساجد التي في طريق مكة؟ قال: وتلك.
رواه مسدد بن مسرهد في مسنده، عن ابن داود، عن كثير بن عبد الرحمن
стр. 1386
الطحان، عن عطاء عنها، وفي لفظ الطبراني من حديث المثنى بن الصباح، عن عطاء: من بنى مسجدا لا يريد به رياء، ولا سمعة، وفي لفظ من حديث كثير بن عبد الله المؤذن، عن عطاء: ولو قدر مفحص قطاة. وقال: لم يروه عن المثنى إلا محمد بن عيسى بن سميع، تفرد به هشام بن عمار، ولم يروه عن عطاء عنها إلا كثير بن عبد الرحمن الكوفي، والمثنى بن الصباح، وحديث أبي قرصافة، سمع رسول الله ﷺ يقول: ابنوا المساجد، وأخرجوا القمامة منها؛ فمن بنى لله مسجدا، بنى الله له بيتا في الجنة. فقال رجل: يا رسول الله، وهذه المساجد التي تبنى في الطريق؟. قال: نعم، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين. وفي لفظ: ولو مفحص قطاة، رواه أبو القاسم من حديث زياد بن يسار، عن عزة بنت عياض، عن جدها أبي قرصافة، وحديث عمر بن مالك الأنصاري، قال رسول الله ﷺ : من بنى لله مسجدا بنى الله تعالى له بيتا في الجنة، ذكره أبو موسى في كتاب الصحابة من حديث نصر، عن علي بن زيد، عن زرارة بن أوفى عنه، ثم قال: رواه سفيان، عن علي فقال: عمرو بن مالك، أو مالك بن عمرو وقال هشيم: عن ابن عمرو بن مالك وقال حماد: مالك القشيري. وقال قتادة: عن زرارة أبي بن مالك، وهذا غير الأول.
وحديث نبيط بن شريط قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من بنى لله مسجدا، بنى الله له بيتا في الجنة، رواه في الأوسط من حديث إسحاق بن إبراهيم، عن أبيه، عن نبيط، وقال: لا يروى عن نبيط إلا بهذا الإسناد، تفرد به ولده عنه.
وحديث قرة بن خالد، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس يرفعه: تذهب الأرضون كلها يوم القيامة، إلا المساجد فإنها تنضم بعضها إلى بعض.
стр. 1387
قال أبو القاسم: لم يروه عن قرة إلا أصرم بن حوشب.
وحديث أم حبيبة أن النبي ﷺ قال: من بنى لله بيتا، بنى الله له بيتا في الجنة، رواه أيضا من حديث شهر بن حوشب، وسليمان بن قيس، عن عنبسة بن أبي سفيان، ومن حديث شعيب بن بيان، ثنا أبو ظلال، عن أنس عنها، ذكره أبو القاسم بن مطير في معجمه الكبير.
وحديث أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ : من بنى لله مسجدا، بنى الله له بيتا في الجنة أوسع منه، رواه أيضا من حديث أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير عنها، وهو منقطع. ورواه أبو نعيم الحافظ فوصله من حديث موسى بن إسماعيل، ثنا أبان، عن يحيى، عن محمود بن عمرو عنها.
غريبه: قال ابن سيده: المسجد، والمسجد الموضع الذي يسجد فيه، وقد كان حكمه ألا يجيء على مفعِل؛ لأن حق اسم المكان، والمصدر من فعل يفعل أن يجئ على مفعَل؛ لعلة أثبتها في المخصص، ولكنه أحد الحروف التي شذت فجاء على مفعِل.
قال سيبويه: وأما المسجد فإنهم جعلوه اسما للبيت، ولم يأت على فعل يفعل، كما قالوا في المدق: إنه اسم للجلمود يعني أنه ليس على الفعل، ولو كان على الفعل، لقيل مدق؛ لأنه آلة، والآلات تجيء على مفعل كمخرز، ومكنس، ومكسح. وفي الصحاح: المسجد والمسجد، واحد المساجد.
قال الفراء: كلما كان على فعل يفعل، مثل دخل يدخل؛ فالمفعل منه بالفتح
стр. 1388
اسما كان، أو مصدرا، ولا يقع فيه الفرق مثلا: دخل مدخلا، وهذا مدخله، إلا أحرفا من الأسماء ألزموها كسر العين، من ذلك المسجد، والمطلع، وذكر حروفا، ثم قال: فجعلوا الكسر علامة للاسم، وربما فتحه بعض العرب في الاسم، وسمعنا المسجد، والمسجد، والمطلع، والمطلع، قال: والفتح في كله جائز، وإن لم نسمعه، وما كان في باب فعل يفعل، مثل جلس يجلس، فالموضع بالكسر، والمصدر بالفتح للفرق بينهما، تقول نزل منزلا، بفتح الزاي تريد نزل نزولا، وهذا منزله فتكسر؛ لأنك تعني الدار. وفي الجامع للقزاز: المسجد - بفتح الجيم - هو موضع السجود، والمسجد - بكسرها - هو البيت الذي يصلى فيه، وحق الاسم، والمصدر، أن يكونا في مكان على يفعل مضموم العين، وعلى يفعل بفتحها، وإنما قالوا: مسجد بالكسر؛ ليفرقوا بين موضع السجود، وبين بيوت الصلاة، ومن العرب من يفتح فيقول: مسجد في كلا الوجهين، ويلتزم القياس، وفي جمهرة ابن دريد، والمساجد: الآراب، وقد فسر قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾. وقال الزجاج: كل موضع يتعبد فيه فهو مسجد.
والقطاة: قال ابن سيده: هو طائر معروف، والجمع قطوات، وقطيات، وقد كان بالمدينة مساجد ذكرها أبو داود في كتاب المراسيل، عن بكير بن الأشج قال: كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجد النبي ﷺ يسمع أهلها، تأذين بلال فيصلون في مساجدهم أقربها مسجد بني عمرو بن مبذول، ومسجد بني ساعدة، ومسجد بني عبيد، ومسجد بني سلمة، ومسجد بني رابح من بني عبد الأشهل، ومسجد بني زريق، ومسجد بني غفار، ومسجد أسلم، ومسجد جهينة، وشك في التاسع. انتهى، وقد وقع لنا غير ما ذكر من المساجد التي صلى فيها النبي ﷺ ذكرها أبو زيد عمر بن شبة في أخبار المدينة عن رافع بن خديج: صلى النبي ﷺ في المسجد
стр. 1389
الصغير الذي بأحد في شعب الجرار على يمينك لازقا بالجبل. وعن أسيد بن أبي أسيد، عن أشياخهم: أن النبي ﷺ دعا على الجبل الذي عليه مسجد الفتح، وصلى في المسجد الصغير الذي بأصل الجبل على الطريق حتى تصعد الجبل. وعن عمارة بن أبي اليسر قال: صلى النبي ﷺ في المسجد الأسفل. وعن جابر قال: دعا النبي ﷺ في المسجد المرتفع، ورفع يديه مدا، وعن عمرو بن شرحبيل: أن النبي ﷺ صلى في مسجد بني خدارة. وعن عمر بن قتادة: أن النبي ﷺ صلى في مسجد لهم، في بني أمية من الأنصار، وكان في موضع الحرتين اللتين عند مال نهيك.
وعن الأعرج: أن النبي ﷺ صلى على ذباب. وفي لفظ: كان ضرب قبته يوم الخندق عليه. وعن جابر بن أسامة قال: خط النبي ﷺ مسجد جهينة ليلا. وفي لفظ: وصلى فيه. وعن سعد بن إسحاق: أن النبي ﷺ صلى في مسجد بني ساعدة، الخارج من بيوت المدينة، وفي مسجد بني بياضة، ومسجد بني الحبلي، ومسجد بني عضية. وعن العباس بن سهل: أن النبي ﷺ صلى في مسجد بني ساعدة في جوف المدينة. وعن يحيى بن سعيد قال: كان النبي ﷺ يختلف إلى مسجد أبي فيصلي فيه غير مرة، ولا مرتين. وقال: لولا أن يميل الناس إليه لأكثرت الصلاة فيه. وعن يحيى بن النضر أن النبي ﷺ صلى في مسجد أبي بن كعب في بني جديلة، ومسجد بني عمرو بن مبذول، ومسجد بني دينار، ومسجد دار النابغة، ومسجد بني عدي، وجلس في كهف سلع.
وعن هشام بن عروة أن النبي ﷺ صلى في مسجد بلحارث بن الخزرج، ومسجد السنح، وبني خطمة، ومسجد الفضيخ، وفي صدقة الزبير، وفي بني
стр. 1390
محمم، وفي بيت صرمة في بني عدي، وفي بيت عتبان، وعن الحارث بن سعيد: أن النبي ﷺ صلى في مسجد بني حارثة، وبني ظفر، وبني عبد الأشهل.
وعن إسماعيل بن أبي حبيبة أن النبي ﷺ صلى في مسجد واقم.
وعن ابن عمر: أن النبي ﷺ صلى في مسجد بني معاوية، وعن كعب بن عجرة: أن النبي ﷺ أول جمعة جمعها حين قدم المدينة في بني سالم فْي مسجد عاتكة، وعن جابر أن النبي ﷺ صلى في مسجد الخربة، ومسجد القبلتين، ومسجد بني حرام الذي بالقاع، وعن محمد بن عتبة بن أبي مالك: أن النبي ﷺ صلى في صدقته، وعن يحيى بن إبراهيم أن النبي ﷺ صلى في مشربة أم إبراهيم، وعن خالد بن رباح أن النبي ﷺ صلى في مسجد راتج، وعن زيد بن سعد أن النبي ﷺ صلى في حائط أبي الهيثم، وعن جابر أن النبي ﷺ صلى الظهر يوم أحد على عينين.
وعن علي بن رافع أن النبي ﷺ صلى في بيت امرأة من الخضر، فأدخل ذلك البيت في مسجد بني قريظة، وعن سلمة الخطمي: أن النبي ﷺ صلى في بيت المقعدة عند مسجد بني وائل في مسجد العجوز.
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ عرض المسلمين بالسقيا التي بالحرة متوجها إلى بدر، وصلى بها، وعن المطلب أن النبي ﷺ صلى في مسجد بني ساعدة، وصلى في المسجد الذي عند الشيخين، وبات فيه، وهو الذي عند البدائع، وعن هشام أن النبي ﷺ صلى في مسجد الشجرة بالمعرس، وعن ابن عمر أن النبي ﷺ صلى بالبطحاء التي بذي حليفة، وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ صلى في مسجد الشجرة، وعن ربيعة بن عثمان أن النبي ﷺ صلى في بيت إلى جنب مسجد بني خدرة.
قال أبو غسان: قال لي غير واحد من أهل العلم: إن كل مسجد من مساجد
стр. 1391
المدينة، ونواحيها مبني بالحجارة المنقوشة المطابقة، فقد صلى فيه النبي ﷺ وذلك أن عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد النبي ﷺ سأل والناس يومئذ متوافرون، عن المساجد التي صلى فيها النبي ﷺ ثم بناها بالحجارة المطابقة، وعن ابن أبي حثمة أن النبي ﷺ صلى في دار الشفاء على يمين من دخل الدار، وصلى في دار بسرة بنت صفوان، وفي دار عمرو بن أمية الضمري، ومنزل أبي بن عمارة.
قال أبو زيد: وأما المساجد التي يقال: إنه صلى فيها، ويقال: إنه لم يصل فيها، فهي دار سعد بن خيثمة بقباء، ومسجد بني زريق، ومسجد بني مازن، ومسجد بني سالم الأكبر، والمسجد الذي بغار أحد، ومسجد بني حرام الأكبر، وسقيفة بني ساعدة القصوى، والمسجد الذي ببطن الروحاء عند عرق الظبية.
وذكر الأزرقي في مكة شرفها الله تعالى مساجد منها: مسجد منى، وهو مسجد الخيف، ومسجد مزدلفة، ومسجد عرفة، ومسجد المولد، ومسجد خديجة، ومسجد الأرقم، ومسجد عند الردم، ومسجد الجن، ومسجد الشجرة، ومسجد السرر، ومسجد عن يمين الموقف بعرفة، ومسجد الكبش، ومسجد بأجياد، ومسجد إبراهيم، ومسجد بحراء، ومسجد بثور، ومسجد عند سوق الغنم، ومسجد بذي طوى، ومسجد بالجعرانة، والمسجد الأقصى الذي من وراء الوادي بالعدوة القصوى، ومسجد التنعيم، والمسجد الذي عند خيمة جمانة.
стр. 1392
١٢ - باب تشييد المساجد
٤٢ - حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي، ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد.
هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه، عن محمد بن رافع، ثنا المؤمل بن إسماعيل، ثنا حماد بلفظ: إن من أشراط الساعة، وثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن عبد الله الخزاعي، ثنا حماد، عن قتادة، وأيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال أبو نعيم: تفرد الخزاعي بذكر قتادة، وقال ابن مطير في الأوسط: لم يروه عن قتادة إلا حماد، وقال ابن خزيمة: ثنا محمد بن عمرو بن العباس، ثنا سعيد بن عامر، عن أبي عامر الخزاز قال: قال أبو قلابة: انطلقنا مع أنس نريد الزاوية يعني قصر أنس، فمررنا بمسجد، فحضرت صلاة الصبح، فقال أنس: لو صلينا في هذا المسجد، فقال بعض القوم: نأتي الآخر، قالوا: أي مسجد؟! قال: فذكر مسجدا، فقال أنس: إن رسول الله ﷺ قال: يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد، ثم لا يعمرونها إلا قليلا، أو قال: يعمروها قليلا، وفي كتاب أبي نعيم من حديث محمد بن مصعب القرقساني، عن حماد: يتباهى الناس ببناء المساجد، وفي حديث علي بن جرير عن سعيد عن أبي عامر الخزاز: يتباهون بكثرة المساجد.
стр. 1393
٤٣ - حدثنا جبارة بن المغلس، ثنا عبد الكريم بن عبد الرحمن البجلي، عن ليث، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : ستشرفون مساجدكم كما شرفت اليهود كنائسها، وكما شرفت النصارى بيعها هذا حديث لما ذكره الحافظ ضياء الدين المقدسي: رده بليث المذكور قبل، وأغفل كونه من رواية أبي محمد جبارة بن المغلس الحماني الكوفي، فإن عبد الله بن أحمد عرض على أبيه شيئا من حديثه فأنكرها، وقال في بعضها: سمعت هذه موضوعة، أو هي كذب، وقال ابن معين: هو كذاب، وكان أبو زرعة حدث عنه، ثم ترك حديثه بعد ذلك، وقال: قال لي ابن نمير: ما هو عندي ممن يكذب، كان يوضع له الحديث فيحدث به، وما كان عندي ممن يتعمد الكذب، وذكر ابن عقدة، عن محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي: سألت ابن نمير عنه؟ فقال: صدوق، وقال أبو حاتم: هو مثل القاسم بن أبي شيبة، وقال ابن عدي: في بعض حديثه ما لا يتابعه أحد عليه، غير أنه كان لا يتعمد الكذب، وحديثه مضطرب كما ذكره البخاري.
وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، وقال محمد بن سعد: يضعف، وذكره أبو جعفر العقيلي، والبلخي في كتاب الضعفاء، ويعقوب في باب من يرغب عن الرواية عنهم، وقال البزار: كان رجلا كثير الخطأ، ليس يحدث عنه رجل من أهل العلم، إنما يحدث عنه قوم فاتتهم أحاديث كانت عنده، أو رجل غبي، وأغفل كونه أيضا من رواية عبد الكريم المجهول العين، والمنفرد عنه بالرواية جبارة، وقد وجدنا لهذا الحديث شاهدا، رواه أبو داود بسند صححه ابن حزم، عن محمد بن الصباح، ثنا سفيان بن عيينة، عن سفيان، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : ما أمرت بتشييد المساجد، قال ابن
стр. 1394
عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود، والنصارى.
ورواه أبو نعيم من حديث عبد الأعلى بن حماد، ثنا معتمر سمعت ليثا، عن أبي فزارة به.
٤٤ - حدثنا جبارة، ثنا عبد الكريم بن عبد الرحمن، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب: قال رسول الله ﷺ : ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم.
هذا حديث تقدم الكلام على سنده قبيل، وقد وردت أحاديث من هذا الباب غير ما تقدم من ذلك: حديث ليث، عن أيوب، عن أنس قال رسول الله ﷺ : ابنوا المساجد، واتخذوها جما، وفي لفظ: أمرت بالمساجد جما، ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه، عن مالك بن إسماعيل، ثنا هريم عنه، ولما سأل الترمذي محمدا عنه، قال: إنما يروى عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق قوله. وقال أبو الحسن وسئل عنه: لم يتابع ليث عليه، وغيره يرويه، عن أيوب، عن ابن شقيق قوله.
وحديث مجاهد، عن ابن عمر قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي في مسجد مشرف، رواه الدارقطني، وقال: رواه إسحاق بن منصور، وأبو غسان، عن هريم، عن ليث عنه، ورواه عبد الحميد بن صالح، عن هريم، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر.
وحديث ابن عباس ﵁ قال: أمرنا أن نبني المساجد جما، ذكره عبد الغافر الفارسي في كتابه مجمع الغرائب، قال: ومعناه التي لا شرف لها، وفي كتاب غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام زيادة: والمدائن شرفا.
стр. 1395
وحديث علي بن أبي طالب سمعت رسول الله ﷺ يقول: ائتوا المساجد حسرا ومقنعين فإن ذلك سيما المسلمين.
رواه أبو نعيم الحافظ من حديث محمد بن شعيب، ثنا مبشر بن عبيد، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار عنه، وحديث جابر بن عبد الله: قال رسول الله ﷺ : من زوق بيته، أو مسجده لم يمت حتى تصيبه قارعة، رواه أيضا من حديث موسى بن محمد صاحب القديدي، ثنا المنكدر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه عنه.
ورواه ابن الجوزي في علله من حديث أبي البختري، وهب بن وهب، ورده به. وفي كتاب أبي نعيم بن دكين، ثنا سفيان، عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كانت المساجد تبنى جما، والمدائن تشرف، ثنا سفيان، عن أبي فزارة، عن مسلم البطين قال: كان علي بن أبي طالب إذا مر بمسجد التيم، وهو مشرف قال: هذه بيعة التيم.
غريبه: الشرفة: ما يوضع على أعالي القصور، والمدن، وشرف الحائط: جعل له شرفة، ذكره ابن سيده، وفي الجامع: وقولهم قصر مشرف: إنما معناه طويل، وإذا أرادوا له شرف قالوا: قصر مشروف، والبيعة: كنيسة النصارى، وقيل: كنيسة اليهود، فيما ذكره في المحكم، وفي الجامع: البيعة: بكسر الباء: صومعة الراهب، وقيل: كنيسة النصارى، والجمع بيع.
وقال عياض: البيعة: كنيسة أهل الكتاب،، والصلوات للصابئين، كالمساجد للمسلمين، وفي كتاب الجواليقي: البيعة والكنيسة: جعلهما بعض العلماء، فارسيين معربين، وأما البناء المشيد: فهو المعمول بالشيد، وكل ما أحكم من البناء، فقد شيد، قال أبو عبيد: البناء المشيد المطول. وقال الكسائي: المشيد للواحد، والمشيدة للجميع. حكاه أبو عبيد عنه، والكسائي يجل عن هذا. قاله ابن سيده، وفي
стр. 1396
الجامع: أشدت الحائط، وشيدته: فهو مشاد، ومشيد إذا طولته. وقيل: لا يكون مشيدا حتى يجصص، ويطول.
والزخرف: الذهب هذا الأصل، ثم سمي كل زينة زخرفا، وزخرف البيت: زينه، وأكمله، وكل ما زوق وزين، فقد زخرف، والتزخرف: التزين، والزخارف: ما زين من السفن.
والزخرف: زينة النبات، ذكره ابن سيده، وفي الجامع: كل نفيس يسمى زخرفا، وقال الهروي: هو كمال حسن الشيء، وقال عياض: هو التزويق بالنقش، والتلوين، قال الخطابي: المعنى أن اليهود، والنصارى؛ إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا، وتركوا العمل بما في كتبهم، نقول: فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم؛ إذا طلبتم الدنيا بالدين، وتركتم الإخلاص في العمل، وصار أمركم إلى المراءاة بالمساجد، والمباهاة بتشييدها، وزينتها، وفيه دليل على أن الصلاة لا تجبر بالمال كما يجبر الصوم وغيره، وأما قول من قال: أراد بالتباهي في المساجد: التفاخر بالأنساب والأحساب، وشبهه فمردود بقوله: ببناء المساجد، وبكثرة المساجد.
стр. 1397
١٣ - باب أين يجوز بناء المساجد؟
٤٥ - حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن أبي التياح الضبعي، عن أنس بن مالك قال: كان موضع مسجد النبي ﷺ لبني النجار، وكان فيه نخل، ومقابر للمشركين، فقال لهم النبي ﷺ : ثامنوني به قالوا: لا نأخذ به ثمنا أبدا، قال: فكان النبي ﷺ يبنيه، وهم يناولونه، والنبي ﷺ يقول: ألا إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة قال: وكان النبي ﷺ يصلي قبل أن يبنى المسجد حيث أدركته الصلاة.
هذا حديث خرجاه في الصحيح من حديث أبي التياح مطولا: قدم النبي ﷺ المدينة، ونزل أعلاها في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام ﵇ فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاءوا متقلدين السيوف، فكأني أنظر إلى النبي - صلى الله عليه سلم - على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، وكان يصلي في مرابض الغنم، وفيه فأمر بقبور المشركين، فنشبت ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة، وفيه: لا خير إلا خير الآخرة، وأما قول خلف: رواه مسلم أيضا في الهجرة، عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد، عن أبيه، عن أبي التياح، فيشبه أن يكون وهما، وذلك أن مسلما ليس عنده كتاب هجرة، وكتاب الهجرة إنما هو عند البخاري، وكذا ذكره الطرقي، وابن أبي أحد عشر في جمعه.
ورواه الحاكم في دلائل النبوة من حديث موسى بن إسماعيل، ثنا حماد بن سلمة،
стр. 1398
عن أبي التياح بزيادة: وكان المهاجرون، والأنصار ينقلون اللبن، أو التراب لبناء المسجد، وهم يقولون:
بحق الذين بايعوا محمدا … على الجهاد ما بقينا أبدا
.
فأجابهم النبي ﷺ : اللهم إن الخير خير الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة.
وفي حديثه شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ : ينقل التراب معنا، وقد وارى الغبار بياض إبطيه وهو يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا
ولا صمنا ولا صلينا
فأنزلنْ سكينة علينا
إن الألى لقد بغوا علينا
وإن أرادوا فتنة أبينا
ومد بها صوته ﷺ .
وفي حديث حشرج بن نباتة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة قال: لما بنى النبي ﷺ المسجد جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه، فقال: هؤلاء ولاة الأمر من بعدي.
وفي كتاب موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: كان المسجد مربدا للتمر لغلامين سهل، وسهيل ابني عمرو وفي حجر أسعد، قال ابن شهاب: وزعموا أنه كان رجال من المسلمين يصلون في المربد قبل قدوم النبي ﷺ المدينة، فأعطاه رسول الله ﷺ ثمنه، ويقال: عوض عليها أسعد نخلا له في بني بياضة ثوابا من مربدهما، فقالا: بل نعطيه رسول الله ﷺ ، ويقال: بل اشتراه النبي ﷺ منهما، فبناه مسجدا، فطفق هو وأصحابه ينقلون اللبن وهم يقولون:
هذا الحمال لا حمال خيبر … هذا أبر ربنا وأطهر
فأجابهم رسول الله ﷺ : اللهم إن الخير خير الآخرة.
стр. 1399
قال ابن شهاب: فتمثل رسول الله ﷺ بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي، ولم يبلغني في الأحاديث أن النبي ﷺ تمثل بشعر قط غير هذه الأبيات، أنبأنا المشائخ المعمر بقية السلف عبد القادر بن عبد العزيز بن أيوب، وأبو بكر عبد الله بن علي بن عمر، وأبو عبد الله محمد بن عبد الحميد بن محمد - رحمهم الله تعالى - قراءة عليهم، وأنا أسمع قال الأول: أنبأنا الصالح أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن أحمد بن أبي الفتح، أنبأنا القاضي صنعة الملك أبو محمد هبة الله بن يحيى بن علي بن حيدرة، أنبأنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن رفاعة، أنبأنا أبو الحسن الخلعي، وقال الآخران: أنبأنا الشريف تاج الشرف بن السيد أبي القاسم عبد الرحمن بن علي الحسيني، أنبأنا أبو الطاهر محمد بن محمد بن بنان، أنبأنا والدي، أنبأنا أبو إسحاق الحبال، قال هو والخلعي: أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر البزاز، ثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن الورد، أنبأنا أبو سعد عبد الرحيم بن عبد الله البرقي، ثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، ثنا زياد قال: قال محمد بن إسحاق: فقال أسعد بن زرارة: يا رسول الله: إني مرضيهما منه فابنه مسجدا، فأمر النبي ﷺ ببناء المسجد، فأصيب أسعد، والمسجد يبنى أصابته الذبحة، أو الشهقة.
وفي كتاب ابن سعد: جعل قبلته للقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب يقال له: باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه، وفي الإكليل من حديث عبد الله بن عمر، عن نافع، عن مولاه: أنه أخبره أن المسجد كان على عهده ﷺ مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد
стр. 1400
فيه عمر، وبناه على بنيانه في عهد النبي ﷺ وقال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إني أريد أن أزيد في قبلتنا ما زدت، فزاد ما بين المنبر إلى موضع المقصورة، ثم غيره عثمان، وزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى: جداره بالحجارة المنقوشة، والقصة، وجعل عمده حجارة منقوشة، وسقفه بالساج، وفي حديث مالك بن مغول، عن رجاء، قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز، أن يكسر مسجد النبي ﷺ وحجراته، وكان قد اشتراها من أهلها، وأرغبهم في ثمنها، وأن يدخلها في مسجد النبي ﷺ فجاء عمر، فقعد ناحية، وقعدت معه، ثم أمر بهدم الحجرات، فما رأيت، باكية ولا باكيا أكثر من يومئذ جزعا، حين كسرت، ثم بناه، فلما أراد أن يبني البيت على القبر، وكسر البيت الأول، الذي كان عليه فظهرت القبور الثلاثة، وكان الرمل الذي كان عليها قد انهار عنها، فأراد عمر يسويها، ثم يضعون البناء، قال رجاء: فقلت: إن قمت قام الناس معك، فوطئوا القبور، فلو أمرت رجلا أنْ يصلحها، ورجوت أن يأمرني بذلك، فقال: يا مزاحم، قم فأصلحها، قال رجاء: فأكرمه الله بها.
وفي حديث يزيد بن رومان قال معاوية: في منبر النبي ﷺ : فجعله ست درجات، وحوله عن مكانه، فكسفت الشمس يومئذ، قال أبو عبد الله: وقد أحرق المنبر الذي أحدثه معاوية، ورد منبر النبي ﷺ إلى مكانه.
وفي حديث علي بن زيد عن أنس عند أبي نعيم الحافظ لما بنى النبي ﷺ المسجد جعل سقفه جريدا، وكان إذا بسط يده لحقت السقف.
وفي كتاب الروض لأبي زيد: كان مربد التيمي في حجر معاذ بن عفراء، وعن الشفاء بنت عبد الرحمن قالت: كان رسول الله ﷺ يؤمه جبريل إلى الكعبة، ويقيم له القبلة، وكانت من اللبن ويقال: بل من حجارة منضودة، بعضها على بعض، ثم إن المهدي بناه ووسعه، وزاد فيه، وذلك في سنة ستين ومائة، ثم زاد فيه المأمون
стр. 1401
في سنة ثنتين وثمانين، وأتقن بنيانه، ثم لم يبلغنا أن أحدا غير منه شيئا، ولا أحدث فيه عملا.
وفي كتاب أخبار المدينة لأبي زيد بن شبة: أن العباس قال للنبي ﷺ : يا رسول الله ألا نبني لك مقصورة، حجابا يكلمك الناس من ورائه، يكف عنك ضغاطهم، وأذاهم؟ قال: لا بل أصبر لهم فضول قدمي، وبناني حتى يريحني الله منهم، قال ابن شهاب: فكان أول من عمل المقصورة معاوية، فأما التي في مسجد النبي ﷺ اليوم؛ فإن عمر بن عبد العزيز، عملها حين بنى المسجد بأمر الوليد، وكانت حين عملها مرتفعة عن الأرض ذراعين، فخفضها المهدي فهي على حالها إلى اليوم، وفي لفظ: أول من أحدث المقصورة مروان في عمل معاوية بحجارة منقوشة، وجعل فيها كوى، وفي لفظ: أول من عمل مقصورة بلبن عثمان بن عفان، وكانت فيها كوى ينظر الناس فيها إلى الإمام، وإن عمر بن عبد العزيز عملها بالساج، قال: والذي بلط حوالي المسجد بالحجارة معاوية، أمر بذاك مروان، وعمل له أسرابا ثلاثة تصد فيها مياه المطر، وأراد أن يبلط بقيع الزبير، فحال ابن الزبير بينه، وبين ذلك، وكان بين يدي المنبر مرمر، تطرح فيه طنفسة لعبد الله بن حسن بن حسن، فلما ولي حسن بن زيد المدينة في رمضان سنة خمسين ومائة؛ غير ذلك المرمر ووسعه من جوانبه كلها حتى ألحقه بالسواري على ما هو عليه اليوم، فلما قدم المهدي قال لمالك: إني أريد أن أعيد منبر النبي ﷺ إلى حاله التي كانت عليها، فقال مالك: إنه من طرفاء، وقد سمر إلى هذه العيدان، وشد فمتى نزعته، خفت أن ينهار، ويهلك فلا أرى أن تغيره، قال أبو زيد: فانصرف رأي المهدي، عن تغييره - والله أعلم -.
٤٦ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو همام الدلال، ثنا سعيد بن السائب، عن محمد بن عبد الله بن عياض، عن عثمان بن أبي العاص: أن رسول الله ﷺ أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كان طاغيتهم.
стр. 1402
هذا حديث إسناده صحيح؛ لتوثيق البستي محمد بن عياض، وباقي من في الإسناد لا يسأل عن حاله، ولفظ أبي داود: طواغيتهم.
٤٧ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا عمرو بن عثمان، ثنا موسى بن أعين، ثنا محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: وسئل، عن الحيطان تلقى فيها العذرات؟ فقال: إذا سقيت مرارا فصلوا فيها يرفعه إلى النبي ﷺ .
هذا حديث إسناده صحيح، عمرو بن عثمان بن سيار الكلابي، مذكور في ثقات ابن حبان، ورجاله الباقون حديثهم في الصحيح.
وفي الباب: حديث طلق بن علي قال: خرجنا وفدا إلى النبي ﷺ فبايعناه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا، فاستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء فتوضأ، وتمضمض، ثم صبه في إداوة، وأمرنا إذا أتيتم أرضكم، فاكسروا بيعتكم، وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوه مسجدا، رواه النسائي من حديث ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق عنه، وسكت عنه عبد الحق لما ذكره، وحديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ : كان يصلي في الموضع الذي يبول فيه الحسن، والحسين، ويقول: إن العبد إذا سجد سجدة، طهر الله موضع سجوده، رواه أبو القاسم في الأوسط، وقال: لم يروه عن هشام إلا بزيع أبو الخليل يعني المتكلم فيه بكلام فيه إقذاع.
قوله: ثامنوني أي: قدروا ثمنه لأشتريه منكم فأبوا، وفي كتاب ابن سعد: أن النبي ﷺ اشتراه منهما بعشرة دنانير، دفعها عنه أبو بكر ﵁ فيحتمل على تقدير
стр. 1403
الصحة أنه أعطاهما ذلك ثواب هبتهما إياه، فاعتقد رائي ذلك أنه ثمنه، وهذا هو الأليق بحاله ﷺ ويبينه ما تقدم من قول ابن شهاب، وأما ارتجازه ﷺ فذكر ابن التين: أن الرجز مختلف فيه هل هو شعر أم لا؟، قال: وقالوا: إنما هو كالكلام المسجع، وهى دائرة المشتبه سمي بذلك؛ لأنه يقع فيه ما يكون على ثلاثة أجزاء مأخوذ من البعير إذا شدت إحدى يديه فبقي على ثلاث قوائم، ويقال: بل هو مأخوذ من قولهم: ناقة رجزاء: إذا ارتعشت عند قيامها لضعف يلحقها، أو داء.
وفي الروض: يحتمل أن يكون من رجزت الحمل إذا عدلته.
قال ابن حبان: وهو شيء يعدل رجز حمل، وفي المحكم: الرجز اضطراب رجل البعير، إذا أراد القيام ساعة ثم ينبسط.
وقال أبو إسحاق: سمي بذلك؛ لأنه تتوالى في أوله حركة، وسكون، وقيل: لاضطراب أجزائه، وتقاربها، وقيل: هو صدور بلا أعجاز، فلما كان هذا الوزن فيه اضطراب سمي رجزا، تشبيها بذلك.
وفي الحديث: لما اجتمعت قريش في أمره ﵇ وقالوا: نقول هو شاعر، فقال بعضهم: قد عرفنا الشعر كله: مقبوضه، ومبسوطه، ورجزه؛ فذكروا الرجز من جملة أنواع الشعر، وقد تقدم أيضا قول الزهري في ذلك، ولعل الملجئ له إلى ذلك؛ هروبه من إنشاد النبي ﷺ شيئا منه، قال: فلو كان شعرا لما علمه النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾، وما علم أن من أنشد القليل من الشعر متمثلا على جهة الندور لم يستحق اسم شاعر، ولا يقال فيه: إنه تعلم الشعر، ولا ينسب إليه، ولو كان كذلك للزم أن يقال: كل الناس شعراء؛ لأن كل فرد لا بد أن يتمثل بشعر، أو يتكلم به من غير قصد إذ الشعر لا يكون إلا عن قصد، والذي قاله الخليل هو الكلام الصحيح؛ لأن المنهوك عنده ليس بشعر، وهو الذي جرى على لسانه ﵇.
وأما الطاغية؛ فذكر أبو موسى المديني أنه ليس من الطواغيت يشبه أن يريد به من
стр. 1404
من طغى في الكفر، وجاوز القدر في الشر أي عظماءهم، ويجوز أن يريد به الأديان، وأما من رواه الطواغيت فزعم ابن سيده أن الطاغوت: ما عبد من دون الله تعالى. وقيل: هي الأصنام. وقيل: الشيطان. وقيل: الكهنة. وقيل: مردة أهل الكتاب. وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ قال أبو إسحاق: قيل هاهنا حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف.
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يعني: إلى الكاهن، أو الشيطان، وهو يقع على الواحد، والجميع، والمذكر والمؤنث، ووزنه: فعلوت؛ لأنه من طغوت، وإنما أجريت في التقدير على طيغوت؛ لأن قلب الواو عن موضعها أكثر من قلب الياء في كلامهم، نحو شجر شاك، ولاث، وهار، وقد يكسر على طواغيت، وطواغ، الأخير عن اللحياني، وفي الجامع: العرب تسمي الكاهن، والكاهنة: طاغوتا.
وفي كتاب أبي موسى المديني: هو ما زين لهم الشيطان أن يعبدوه. وفي الصحاح: هو كل رأس في الضلال، ومعنى قوله: سقيت: أي صب عليها الماء مرة بعد أخرى، كما قال ﷺ : صبوا عليه سجلا من ماء - والله أعلم -.
стр. 1405
١٤ - باب المواضع التي يكره فيها الصلاة
٤٨ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا يزيد بن هارون، ثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، وحماد بن سلمة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله ﷺ : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام.
هذا حديث خرجه أبو عبد الله في مستدركه من حديث عبد الواحد بن زياد، ثنا عمرو، وقال: تابعه عبد العزيز بن محمد عن عمرو، قال: وتابع عمارة بن غزية عمرو بن يحيى على روايته عن أبيه يحيى بن عمارة، ثم قال: هذه الأسانيد كلها صحيحة على شرط البخاري، ومسلم، ولم يخرجاه، وخرجه ابن حبان في صحيحه، عن عمران بن موسى، ثنا أبو كامل، ثنا عبد الواحد به، ولما خرجه الدارمي في مسنده الذي زعم الضياء أنه صحيح ذكر آخره، قيل لأبي محمد: تجزئ الصلاة في المقبرة؟ قال: إذا لم يكن على القبر فنعم، قال: والحديث أكثرهم أرسله، وذكره ابن حزم مصححا له، ثم قال: وقال بعض من لا يتقي عاقبة كلامه في الدين: هذا حديث أرسله الثوري، وشك في إسناده موسى بن إسماعيل، عن حماد فكان ماذا؟ وهم يقولون: إن المسند كالمرسل ولا فرق ثم أي منفعة لهم في شك موسى، ولم يشك حجاج، وإن لم يكن فوق موسى فليس دونه أو في إرسال سفيان، وقد أسند حماد، وأبو طوالة، وعبد الواحد، وابن إسحاق، وكلهم عدل.
وفي كتاب المعرفة: قال الشافعي: وحدث هذا الحديث في كتابي في
следующие страницы →