Полный текст (1 969 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
في سنة ثنتين وثمانين، وأتقن بنيانه، ثم لم يبلغنا أن أحدا غير منه شيئا، ولا أحدث فيه عملا.
وفي كتاب أخبار المدينة لأبي زيد بن شبة: أن العباس قال للنبي ﷺ : يا رسول الله ألا نبني لك مقصورة، حجابا يكلمك الناس من ورائه، يكف عنك ضغاطهم، وأذاهم؟ قال: لا بل أصبر لهم فضول قدمي، وبناني حتى يريحني الله منهم، قال ابن شهاب: فكان أول من عمل المقصورة معاوية، فأما التي في مسجد النبي ﷺ اليوم؛ فإن عمر بن عبد العزيز، عملها حين بنى المسجد بأمر الوليد، وكانت حين عملها مرتفعة عن الأرض ذراعين، فخفضها المهدي فهي على حالها إلى اليوم، وفي لفظ: أول من أحدث المقصورة مروان في عمل معاوية بحجارة منقوشة، وجعل فيها كوى، وفي لفظ: أول من عمل مقصورة بلبن عثمان بن عفان، وكانت فيها كوى ينظر الناس فيها إلى الإمام، وإن عمر بن عبد العزيز عملها بالساج، قال: والذي بلط حوالي المسجد بالحجارة معاوية، أمر بذاك مروان، وعمل له أسرابا ثلاثة تصد فيها مياه المطر، وأراد أن يبلط بقيع الزبير، فحال ابن الزبير بينه، وبين ذلك، وكان بين يدي المنبر مرمر، تطرح فيه طنفسة لعبد الله بن حسن بن حسن، فلما ولي حسن بن زيد المدينة في رمضان سنة خمسين ومائة؛ غير ذلك المرمر ووسعه من جوانبه كلها حتى ألحقه بالسواري على ما هو عليه اليوم، فلما قدم المهدي قال لمالك: إني أريد أن أعيد منبر النبي ﷺ إلى حاله التي كانت عليها، فقال مالك: إنه من طرفاء، وقد سمر إلى هذه العيدان، وشد فمتى نزعته، خفت أن ينهار، ويهلك فلا أرى أن تغيره، قال أبو زيد: فانصرف رأي المهدي، عن تغييره - والله أعلم -.
٤٦ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو همام الدلال، ثنا سعيد بن السائب، عن محمد بن عبد الله بن عياض، عن عثمان بن أبي العاص: أن رسول الله ﷺ أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كان طاغيتهم.
стр. 1402
هذا حديث إسناده صحيح؛ لتوثيق البستي محمد بن عياض، وباقي من في الإسناد لا يسأل عن حاله، ولفظ أبي داود: طواغيتهم.
٤٧ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا عمرو بن عثمان، ثنا موسى بن أعين، ثنا محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: وسئل، عن الحيطان تلقى فيها العذرات؟ فقال: إذا سقيت مرارا فصلوا فيها يرفعه إلى النبي ﷺ .
هذا حديث إسناده صحيح، عمرو بن عثمان بن سيار الكلابي، مذكور في ثقات ابن حبان، ورجاله الباقون حديثهم في الصحيح.
وفي الباب: حديث طلق بن علي قال: خرجنا وفدا إلى النبي ﷺ فبايعناه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا، فاستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء فتوضأ، وتمضمض، ثم صبه في إداوة، وأمرنا إذا أتيتم أرضكم، فاكسروا بيعتكم، وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوه مسجدا، رواه النسائي من حديث ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق عنه، وسكت عنه عبد الحق لما ذكره، وحديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ : كان يصلي في الموضع الذي يبول فيه الحسن، والحسين، ويقول: إن العبد إذا سجد سجدة، طهر الله موضع سجوده، رواه أبو القاسم في الأوسط، وقال: لم يروه عن هشام إلا بزيع أبو الخليل يعني المتكلم فيه بكلام فيه إقذاع.
قوله: ثامنوني أي: قدروا ثمنه لأشتريه منكم فأبوا، وفي كتاب ابن سعد: أن النبي ﷺ اشتراه منهما بعشرة دنانير، دفعها عنه أبو بكر ﵁ فيحتمل على تقدير
стр. 1403
الصحة أنه أعطاهما ذلك ثواب هبتهما إياه، فاعتقد رائي ذلك أنه ثمنه، وهذا هو الأليق بحاله ﷺ ويبينه ما تقدم من قول ابن شهاب، وأما ارتجازه ﷺ فذكر ابن التين: أن الرجز مختلف فيه هل هو شعر أم لا؟، قال: وقالوا: إنما هو كالكلام المسجع، وهى دائرة المشتبه سمي بذلك؛ لأنه يقع فيه ما يكون على ثلاثة أجزاء مأخوذ من البعير إذا شدت إحدى يديه فبقي على ثلاث قوائم، ويقال: بل هو مأخوذ من قولهم: ناقة رجزاء: إذا ارتعشت عند قيامها لضعف يلحقها، أو داء.
وفي الروض: يحتمل أن يكون من رجزت الحمل إذا عدلته.
قال ابن حبان: وهو شيء يعدل رجز حمل، وفي المحكم: الرجز اضطراب رجل البعير، إذا أراد القيام ساعة ثم ينبسط.
وقال أبو إسحاق: سمي بذلك؛ لأنه تتوالى في أوله حركة، وسكون، وقيل: لاضطراب أجزائه، وتقاربها، وقيل: هو صدور بلا أعجاز، فلما كان هذا الوزن فيه اضطراب سمي رجزا، تشبيها بذلك.
وفي الحديث: لما اجتمعت قريش في أمره ﵇ وقالوا: نقول هو شاعر، فقال بعضهم: قد عرفنا الشعر كله: مقبوضه، ومبسوطه، ورجزه؛ فذكروا الرجز من جملة أنواع الشعر، وقد تقدم أيضا قول الزهري في ذلك، ولعل الملجئ له إلى ذلك؛ هروبه من إنشاد النبي ﷺ شيئا منه، قال: فلو كان شعرا لما علمه النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾، وما علم أن من أنشد القليل من الشعر متمثلا على جهة الندور لم يستحق اسم شاعر، ولا يقال فيه: إنه تعلم الشعر، ولا ينسب إليه، ولو كان كذلك للزم أن يقال: كل الناس شعراء؛ لأن كل فرد لا بد أن يتمثل بشعر، أو يتكلم به من غير قصد إذ الشعر لا يكون إلا عن قصد، والذي قاله الخليل هو الكلام الصحيح؛ لأن المنهوك عنده ليس بشعر، وهو الذي جرى على لسانه ﵇.
وأما الطاغية؛ فذكر أبو موسى المديني أنه ليس من الطواغيت يشبه أن يريد به من
стр. 1404
من طغى في الكفر، وجاوز القدر في الشر أي عظماءهم، ويجوز أن يريد به الأديان، وأما من رواه الطواغيت فزعم ابن سيده أن الطاغوت: ما عبد من دون الله تعالى. وقيل: هي الأصنام. وقيل: الشيطان. وقيل: الكهنة. وقيل: مردة أهل الكتاب. وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ قال أبو إسحاق: قيل هاهنا حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف.
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يعني: إلى الكاهن، أو الشيطان، وهو يقع على الواحد، والجميع، والمذكر والمؤنث، ووزنه: فعلوت؛ لأنه من طغوت، وإنما أجريت في التقدير على طيغوت؛ لأن قلب الواو عن موضعها أكثر من قلب الياء في كلامهم، نحو شجر شاك، ولاث، وهار، وقد يكسر على طواغيت، وطواغ، الأخير عن اللحياني، وفي الجامع: العرب تسمي الكاهن، والكاهنة: طاغوتا.
وفي كتاب أبي موسى المديني: هو ما زين لهم الشيطان أن يعبدوه. وفي الصحاح: هو كل رأس في الضلال، ومعنى قوله: سقيت: أي صب عليها الماء مرة بعد أخرى، كما قال ﷺ : صبوا عليه سجلا من ماء - والله أعلم -.
стр. 1405
١٤ - باب المواضع التي يكره فيها الصلاة
٤٨ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا يزيد بن هارون، ثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، وحماد بن سلمة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله ﷺ : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام.
هذا حديث خرجه أبو عبد الله في مستدركه من حديث عبد الواحد بن زياد، ثنا عمرو، وقال: تابعه عبد العزيز بن محمد عن عمرو، قال: وتابع عمارة بن غزية عمرو بن يحيى على روايته عن أبيه يحيى بن عمارة، ثم قال: هذه الأسانيد كلها صحيحة على شرط البخاري، ومسلم، ولم يخرجاه، وخرجه ابن حبان في صحيحه، عن عمران بن موسى، ثنا أبو كامل، ثنا عبد الواحد به، ولما خرجه الدارمي في مسنده الذي زعم الضياء أنه صحيح ذكر آخره، قيل لأبي محمد: تجزئ الصلاة في المقبرة؟ قال: إذا لم يكن على القبر فنعم، قال: والحديث أكثرهم أرسله، وذكره ابن حزم مصححا له، ثم قال: وقال بعض من لا يتقي عاقبة كلامه في الدين: هذا حديث أرسله الثوري، وشك في إسناده موسى بن إسماعيل، عن حماد فكان ماذا؟ وهم يقولون: إن المسند كالمرسل ولا فرق ثم أي منفعة لهم في شك موسى، ولم يشك حجاج، وإن لم يكن فوق موسى فليس دونه أو في إرسال سفيان، وقد أسند حماد، وأبو طوالة، وعبد الواحد، وابن إسحاق، وكلهم عدل.
وفي كتاب المعرفة: قال الشافعي: وحدث هذا الحديث في كتابي في
стр. 1406
موضعين: أحدهما: منقطع، قال أبو عبد الله: وبه نقول ومعقول أنه كما جاء الحديث، ولو لم يبينه؛ لأنه ليس لأحد أن يصلي على أرض نجسة.
وقال أبو عيسى: حديث أبي سعيد قد روي عن عبد العزيز بن محمد روايتين، منهم: من ذكره عن أبي سعيد، ومنهم من لم يذكره، وهذا حديث فيه اضطراب، روى سفيان الثوري، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلا، ورواه حماد بن سلمة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ مسندا، ورواه محمد بن إسحاق، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: وكان عامة روايته عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، ولم يذكر فيه أبا سعيد، وكأن رواية الثوري، عن عمرو، عن أبيه، عن النبي ﷺ أصح وأثبت، وقال في العلل: كان الدراوردي أحيانا يذكر فيه أبا سعيد وربما لم يذكره، والصحيح: رواية الثوري وغيره، عن عمرو، عن أبيه مرسل، وبنحوه، قاله أبو علي الطوسي في أحكامه، وفي ما قالاه نظر؛ من حيث إن ابن ماجه ساق رواية الثوري بسنده قبل، - والله أعلم -.
وقال البيهقي: حديث الثوري مرسل، وقد روي موصولا، وليس بشيء. انتهى كلامه، وهو غير صواب؛ لما قدمناه مسندا صحيحا، وفي قول الترمذي: إن ابن إسحاق لم يسنده نظر؛ لما تقدم من عند ابن حزم، ولما يأتي من عند البزار، ورواه أبو داود، عن موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، وثنا مسدد، ثنا عبد الواحد، عن عمرو، عن أبيه، عن أبي سعيد، قال موسى في حديثه: فيما يحسب أن رسول الله ﷺ يذكره، قال أبو الحسن بن القطان: فقد أخبر حماد في روايته أن عمرا شك في ذكر النبي ﷺ ، ومنتهى الذين رووه مرفوعا إلى عمرو فإن الحديث حديثه، وعليه
стр. 1407
يدور، فسواء شك أولا، ثم تيقن، أو تيقن ثم شك، فإنه لو تعين الواقع منهما أنه الشك بعد أن حدث به متيقنا للرفع؛ لكان مختلفا فيه، فمن يرى نسيان المحدث قادحا لا يقبله، ومن يراه غير ضائر يقبله، وإن قدرناه حدث به شاكا ثم تيقن، فهاهنا يحتمل أن يقال: عثر بعد الشك على سبب من أسباب اليقين، مثل أن يراه في مسموعاته، أو مكتوباته فيرتفع شكه فلا نبالي ما تقدم من تشككه، ومع هذا فلا ينبغي للمحدث أن يترك بمثل هذا في نقله؛ فإنه إذا فعل فقد أراد منا قبول رأيه في روايته، وهذا كله إنما يكون إذا سلم أن الدراوردي وعبد الواحد الرافعين له سمعاه منه غير مشكوك فيه، فإنه من المحتمل أن لا يكون الأمر كذلك بأن سمعاه مشكوكا فيه كما سمعه حماد، ولكنهما حدثا به، ولم يذكرا ذلك اكتفاء بحسبانه، وعلى هذا تكون علة الخبر لا شيء، فاعلم ذلك. انتهى كلامه وفيه نظر؛ من حيث قوله عن عمرو، والحديث حديثه؛ لما أسلفناه صحيحا من عند الحاكم من أن عمارة بن غزية رواه عن يحيى كرواية ابنه عمرو، ورواه البزار من حديث زياد، ثنا أبو طوالة، عن عمرو مرفوعا، وقال: رواه جماعة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، ولم يقولوا عن أبي سعيد، ورواه عبد الواحد، وعبد الله بن عبد الرحمن، ومحمد بن إسحاق مرفوعا، وقد أسلفنا عن ابن حزم أن حجاجا رواه عن حماد بغير شك، وكذلك يزيد بن هارون المذكور عند ابن ماجه، وهو رد؛ لما ذكره ابن القطان أيضا، وأما تعداد الرواة الذين أسندوه عن البزار؛ فقد أغفل ما ذكره أبو القاسم؛ إذ رواه من حديث حجاج بن منهال، وخارجة بن مصعب، عن عمرو مسندا، وأما قول أبي الخطاب بن دحية في كتابه المولد: حديث أبي سعيد يعني هذا لا يصح من طريق من الطرق، بين ذلك أهل التعديل والتجريح، فغير صحيح؛ لما قدمنا تصحيحه في الترجيح الذي سلم به الحديث من التجريح.
٤٩ - حدثنا محمد بن إبراهيم الدمشقي، ثنا عبد الله بن يزيد، عن يحيى بن
стр. 1408
أيوب، عن زيد بن جبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يصلى في سبع مواطن: في المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق الكعبة.
هذا حديث لما رواه أبو عيسى قال: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث، عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي ﷺ ، وحديث ابن عمر، عن النبي ﷺ أشبه وأصح من حديث الليث، وعبد الله بن عمر العمري، ضعفه بعض أهل الحديث من قبل حفظه، قال أبو عيسى: وزيد بن جبيرة الكوفي أثبت من هذا وأقدم، فقد سمع من ابن عمر، وقال أبو محمد الإشبيلي: غير أبي عيسى يقول في هذا الإسناد أكثر من هذا، وقال أبو علي الطوسي في كتاب الأحكام: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي، وهو أشبه وأصح من حديث الليث، وقال أبو الفرج في العلل المتناهية: هذا خبر لا يصح، وقال أبو الخطاب بن دحية: هذا حديث باطل عندهم أنكروه على ابن جبيرة، ولا يعرف مسندا إلا برواية يحيى بن أيوب عنه، ولا يجوز أن يحتج عند أهل العلم بمثله، وقال أبو زكريا الساجي: زيد بن جبيرة الأنصاري يحدث عن داود بن حصين ثقة إلا أنه أتى بمنكر في هذا الحديث يعني حديث ابن عمر، وقال أبو جعفر العقيلي: زيد بن جبيرة منكر الحديث، من حديثه: ما حدثناه عبد الله بن أحمد بن أبي ميسرة، ثنا المقرئ، ثنا يحيى بن أيوب، عن زيد، عن داود فذكره، وثنا يحيى، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ نحوه، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا الحسن بن علي، ثنا ابن أبي مريم، ثنا الليث بن سعد:
стр. 1409
قال: هذه نسخة رسالة من عبد الله بن نافع مولى ابن عمر إلى الليث بن سعد: أما بعد فإن نافعا كان يحدث عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه: نهى أن يصلى في سبع مواطن: مواطن الإبل، والمجزرة، والمزبلة، وفي مصلى قبلته إلى مرحاض، وقارعة الطريق، والمقبرة، وظهر بيت الله العتيق، قال: ولا أعلم الذي حدث بهذا عن نافع إلا قد قال عليه الباطل؛ فأما ما ذكرت من مصلى قبلته إلى مرحاض، فإنما جعلت السترة لتستر من المرحاض وغيره، وقد حدثني نافع أن دار ابن عمر التي هي وراء جدار قبلة النبي ﷺ كان مربدا لأزواج النبي ﷺ يذهبن فيه، ثم ابتاعته حفصة ﵂ منهن فاتخذته دارا.
وأما ما ذكرت من معاطن الإبل: فقد بلغنا أن ذلك يكره، وقد كان النبي ﷺ يصلي على راحلته، وقد كان ابن عمر ومن أدركنا من خيار أهل أرضنا يعرض أحدهم ناقته بينه وبين القبلة فيصلي إليها وهي تبعر وتبول، وأما ما ذكرت من الصلاة في المقبرة؛ فإن أبي حدثني أن عبد الله بن عمر صلى على رافع بن خديج في المقبرة، وهو إمام الناس يومئذ.
وذكره أبو الفضل بن طاهر في كتاب التذكرة ورده بزيد، وذكره أبو أحمد في كامله في باب ما أنكر على زيد بن جبيرة يعني أبا جبيرة الأنصاري القائل فيه يحيى بن معين: لا شيء. وقال أبو حاتم: منكر الحديث جدا متروكه. وقال النسائي: متروك الحديث. وفي التمييز: ليس بثقة.
وقال الأزدي: متروك الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف الحديث.
وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير فاستحق التنكب عن روايته. وقال
стр. 1410
أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقائم. وقال أبو عمر في الاستغناء: أجمعوا على أنه ضعيف الحديث. انتهى، وفيه نظر؛ لما تقدم من عند الساجي وغيره، ولما ذكر له الحاكم حديثا في مستدركه صحح إسناده.
وأما يحيى بن أيوب أبو زكريا البغدادي الزاهد المقابري، وداود بن الحصين، وإن كان فيهما كلام فحديثهما في الصحيح.
٥٠ - حدثنا علي بن داود، ومحمد بن أبي الحسين قالا: ثنا أبو صالح، حدثني الليث، عن عبد الله بن عمر، حدثني نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: سبع مواطن لا يجوز فيها الصلاة: ظاهر بيت الله، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق.
هذا حديث سبق الكلام عليه، ورده أبو علي الطوسي بعلي بن داود أيضا، - والله أعلم -.
وقال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عمر عن عمر إلا من هذا الوجه، ولا نعلم حدث به عن عبد الله بن عمر إلا الليث بن سعد.
وفي الباب حديث عائشة وذكر عند النبي ﷺ كنيسة بالحبشة، فقال: أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله ، وحديث ابن عباس قال ﷺ : لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا.
стр. 1411
وحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، خرجاه في صحيحيهما.
وحديث جندب: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، وحديث أبي مرثد الغنوي أن رسول الله ﷺ قال: لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها، رواهما مسلم.
وحديث ابن عمر؛ قال ﷺ : اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا، ذكره البخاري، وقال الإسماعيلي: إن هذا الحديث يدل على النهي عن الصلاة في القبر لا في المقابر.
وفي كتاب ابن المنذر: هذا يدل على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة، وللعلماء في معنى هذا الحديث قولان: أحدهما: أنه ورد في صلاة النافلة، وهو الظاهر.
الثاني: في الفريضة، يعني بذلك من لا يقدر على الخروج، وفيه بعد.
وفي كتاب ابن التين: تأول البخاري هذا مع الصلاة في المقابر، وأخذ عليه، وذلك أن جماعة أولوه على أنه ﵇ ندب إلى الصلاة في البيوت، إذ الموتى لا يصلون في قبورهم، فقال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم، وهي في القبور.
وأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك، وحديث علي ﵁ أنه مر ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذن بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن، فأقام، فلما فرغ قال: إن حبيبي ﵇ نهاني أن
стр. 1412
أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل، فإنها ملعونة.
ذكره أبو داود من حديث الحجاج بن شداد، عن أبي صالح الغفاري سعيد بن عبد الرحمن عنه، وذكره أبو عبد الله الجعفي في صحيحه بلفظ: ويذكر عن علي أنه كره الصلاة بخسف بابل، وذكر ابن يونس: أبا صالح هذا، فقال: روى عن علي، وما أظنه سمع منه، وقال الإشبيلي: هذا حديث واه، وزعم ابن القطان: أن فيه رجالا لا تعرف حالهم. وقال البيهقي في المعرفة: إسناده غير قوي. وقال الخطابي: إسناد هذا الحديث فيه مقال، ولا أعلم أحدا من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل، وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو قوله ﷺ : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، ويشبه إن ثبت الحديث أن يكون معناه أنه نهاه أن يتخذها وطنا، ودارا للإقامة، فتكون صلاته فيها إذا كانت إقامته بها.
ويخرج النهي فيه على الخصوص، ألا ترى إلى قوله نهاني حبيبي، أو يحتمل أن يكون أنذره ما يلقى من المحنة بالكوفة، وهى من أرض بابل، - والله أعلم -، وفي السن الكبير للبيهقي: وروينا عن عبد الله بن أبي محل العامري قال: كنا مع علي فمررنا على الخسف الذي ببابل فلم يصل حتى أجازه، وعن حجر بن عدي الحضرمي، عن علي قال: ما كنت لأصلي في أرض خسف الله بها ثلاث مرات.
وقال أبو بكر: وهذا النهي إن ثبت مرفوعا، ليس لمعنى يرجع إلى الصلاة، فلو صلى فيها لم يعد؛، وإنما هو كما جاء [في حديث الحجر]، وحديث ابن عمر قال
стр. 1413
صلى الله عليه وسلم: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم، أدخله البخاري في باب الصلاة، في موضع الخسف والعذاب، وفي كتاب البيهقي: وروينا عن ابن عمرو بن العاص أنه: كان يكره أن يصلي الرجل في الحمام، وروينا عن ابن عباس: أنه كره أن يصلي إلى حش، أو حمام، أو قبر، ورأى عمر أنسا يصلي وبين يديه قبر لا يشعر به، فناداه: القبر القبر، وحديث أبي سعيد مولى المهري قال رسول الله ﷺ : لا تتخذوا بيوتكم قبورا، أنبأنا به المسند الجودري، عن أبي الحسن المحمودي، أنبأ الحافظ أبو طاهر، أنبأنا أبو مسعود محمد بن عبد الله بن أحمد السوذرجاني، أنبأ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن حمدان الحبال، قال السلفي: وأنبأ أبو القاسم الفضل بن علي السكري، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد الذكواني قالا: أنبأنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم، ثنا جدي أبو موسى، عن عيسى بن إبراهيم، ثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني بجميع كتاب الثواب تأليفه، ثنا حبان، عن محمد بن عجلان عنه، وحديث الحسن قال: حدثني سبعة رهط من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو هريرة أن النبي ﷺ : نهى عن الصلاة في المسجد تجاهه حش، أو حمام، أو مقبرة، ذكره أبو أحمد من حديث عباد بن كثير الثقفي، عن عثمان الأعرج عنه، ورده بضعف عباد، وزاد ابن القطان علة أخرى؛ وهي الجهالة بحال عثمان، فإنها لا تعرف.
وفي كتاب البزار من حديث الأشعث عنه، عن أنس: نهى النبي ﷺ عن الصلاة
стр. 1414
بين القبور، وسنده صحيح، قاله عبد الحق في الكبرى.
وحديث أبي هريرة يرفعه: لا تجعلوا بيوتكم مقابر، رواه مسلم، وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان عند حديث عمر إن شاء الله تعالى.
غريبه: قال ابن سيده: القبر مدفن الإنسان، وجمعه: قبور، والمقبرة، والمقبرة: موضع القبور، قال سيبويه: المقبرة ليس على الفعل، ولكنه اسم. وفي الصحاح: وقد جاء في الشعر المقبر، قال الشاعر:
لكل أناس مقبر بفنائهم … فهم ينقصون، والقبور تزيد
.
وهو المقبري، والمقبري، قال ابن بري: وقول أبي نصر: إن المقبر بفتح الباء قد جاء في الشعر، يقضى أنه من الشاذ، وليس كذلك؛ بل هو قياس مطرد في اسم المكان من قبر: يقبر المقبر، ومن خرج: يخرج المخرج، ومن دخل: يدخل المدخل، وهو قياس مطرد لم يشذ عنه من غير الألفاظ المعروفة، مثل المنبت، والمسقط، والمطلع، والمشرق، والمغرب، ونحوها.
قال ابن سيده: والحمام: الديماس مشتق من الحميم مذكر، وهو أحد ما جاء من الأسماء على: فعال، نحو: القذاف، والجبان، والجمع: حمامات، قال سيبويه: جمعوه بألف وتاء، وإن كان مذكرا حين لم يكسر، جعلوا ذلك عوضا من التكسير، وفي الصحاح: الحمام مشدد، واحد الحمامات المبنية. وفي الأوائل: أول من اتخذ له الحمام سليمان، قالوا: أراد أن يتذكر به الآخرة، فلما دخلها قال: أوه من عذاب الله تعالى.
وأما المجزرة فزعم الجوهري: أن المجزر بكسر الزاي: موضع جزر الجزور
стр. 1415
يقال: جزرت الجزور أجزرها بالضم، واجتزرتها إذا نحرتها، وجلدتها.
وفي الحديث عن عمر: إياكم وهذه المجازر، فإن لها ضراوة كضراوة الخمر، قال الأصمعي: يعني ندي القوم؛ لأن الجزور إنما يذبح عند جمع الناس.
قال: المزبلة والمزبلة بالضم أيضا: موضع الزبل، وهو السرجين، قال أبو محمد بن حزم: ولا تحل الصلاة في حمام، سواء في ذلك مبدأ بابه إلى منتهى جميع حدوده، ولا على سطحه، وسقف موقده، وأعالي حيطانه خربا كان أو قائما، فإن سقط من بنيانه شيء يسقط عنه اسم حمام، جازت الصلاة في أرضه حينئذ، ولا في مقبرة لمسلم كانت أو لكافر، فإن نبشت وأخرج ما فيها من الموتى جازت الصلاة فيها، ولا إلى قبر ولا عليه، ولو أنه قبر نبي، وبهذا يقول طوائف من السلف، روينا عن نافع بن جبير، أنه قال: كان ينهى أن يصلى، وسط القبور، والحمام، والحشان، وعن ابن عباس قال: لا تصلين إلى حش، ولا حمام، ولا في مقبرة.
قال أبو محمد: ولا نعلم لابن عباس في هذا مخالفا من الصحابة.
وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يتخذوا ثلاثة أبيات قبلة: الحمام، والحش، والمقبرة، وعن العلاء بن زياد، عن أبيه، وخيثمة بن عبد الرحمن أنهما قالا: لا تصل إلى حمام، ولا إلى حش، ولا وسط مقبرة. وقال أحمد: من صلى في حمام، أو مقبرة، أو إلى مقبرة أعاد أبدا. وعن علي: من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد، وعن ابن عباس رفعه: لا تصلوا على قبر، ولا إلى قبر قال ابن جريج: قلت لعطاء: أيكره أن يصلى إلى قبر، أو وسط القبور؟! قال: نعم، كان ينهى عن
стр. 1416
ذلك، فإن كان بينك وبين القبر سترة ذراع فصل.
وعن عمرو بن دينار نحوه، وكان طاوس يكره الصلاة وسط القبور كراهية شديدة. قال أبو محمد: فهؤلاء الصحابة لا نعلم لهم من الصحابة أيضا مخالفا، وكره الصلاة على القبر، وإلى القبر وفي المقبرة: أبو حنيفة، والأوزاعي، وسفيان، ولم ير مالك بذلك بأسا.
وأما الصلاة على ظهر الكعبة فسيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه.
стр. 1417
١٥ - باب ما يكره في المساجد
٥١ - حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، ثنا محمد بن حمير، ثنا زيد بن جبيرة الأنصاري، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: خصال لا تنبغي في المسجد: لا يتخذ طريقا، ولا يشهر فيه سلاح، ولا ينبض فيه بقوس، ولا ينثر فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه حد، ولا يقتص فيه من أحد، ولا يتخذ سوقا.
هذا حديث لما ذكره أبو أحمد بن عدي، وأبو الفضل في كتاب التذكرة ضعفاه بزيد وقال أبو الفرج في العلل المتناهية: هذا خبر لا يصح، ورواه أبو نعيم من حديث يحيى بن صالح الوحاظي، ثنا علي بن حوشب، عن أبي قبيل حيي ابن هانئ، عن سالم عنه بلفظ: لا تتخذوا المساجد طرقا إلا لذكر أو صلاة، ثم قال: تفرد به أبو قبيل، عن سالم.
٥٢ - حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، ثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: نهى رسول الله ﷺ عن البيع والابتياع، وعن تناشد الأشعار في المساجد.
ثم كرر ذكره في باب إنشاد الضوال، وهو حديث خرجه ابن خزيمة، في صحيحه، عن عبد الله بن سعيد، ثنا أبو خالد، ولفظه: عن البيع والابتياع، وأن ينشد الضوال، وعن تناشد الأشعار، وعن التحلق للحديث يوم الجمعة قبل الصلاة يعني في
стр. 1418
المسجد.
ولما رواه أبو عيسى، عن قتيبة، ثنا الليث، عن ابن عجلان قال فيه: حديث حسن، ولا التفات إلى قول ابن حزم: هذا خبر لا يصح؛ لأنه من طريق عمرو، عن أبيه، عن جده، وهي صحيفة، أو من طريق هي أسقط منها، زاد أحمد: وأن لا يشتري فيه، وعند البيهقي: وعن تعريف الضالة.
٥٣ - حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا الحارث بن نبهان، ثنا عتبة بن يقظان، عن أبي سعيد، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع أن النبي ﷺ قال: جنبوا مساجدنا صبيانكم، ومجانينكم، وشراءكم، وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع.
هذا حديث معلل بأمور منها:
.
.
.
ورواه أبو أحمد بن عدي في كامله من حديث عبد الرحمن بن هانئ، وهو متهم بالكذب، عن العلاء بن كثير، وهو ضعيف، عن مكحول، عن واثلة، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: جنبوا مساجدكم فذكره بزيادة: واجعلوا على أبوابها المطاهر
стр. 1419
وغير ذلك، ثم رده بالعلاء، وكذلك أبو الفضل بن طاهر، وأبو محمد الإشبيلي، وأما أبو الحسن ابن القطان، وصاحب العلل المتناهية فرداه بهما، وأما إغفال ابن عساكر، ومن بعده حديث ابن ماجه هذا فغير صواب، وقد استدركناه في كتابنا المسمى بـ الإطراف بتهذيب الأطراف، وفي الباب غير حديث، من ذلك: حديث حكيم بن حزام قال: نهى رسول الله ﷺ : أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود، وخرجه أبو داود من حديث صدقه بن خالد، عن محمد بن عبد الله الشعيثي، عن زفر بن وثيمة عنه، وزعم أبو محمد الإشبيلي: أنه حديث ضعيف، وقال ابن القطان: لم يبين أبو محمد من أمره شيئا، وعلته: الجهل بحال زفر بن وثيمة بن مالك بن أوس بن الحدثان؛ فإنه لا يعرف بأكثر من رواية محمد بن عبد الله بن المهاجر الشعيثي عنه، وروايته هو عن حكيم. انتهى كلامه، وفيه نظر من حيث نظر في عين موضع النظر، وذلك أن زفر لا يصلح أن يكون علة لحديث؛ فإنه ممن سأل عثمان بن سعيد الدارمي أبا زكريا يحيى بن معين عنه، فقال: ثقة، وذكره أبو حاتم البستي في كتاب الثقات، وروى له الحاكم في مستدركه حديثا صحح إسناده، وروى عن المغيرة بن شعبة، وروى عنه أيضا محمد بن عبد الله النصري فيما ذكره أبو نعيم في كتاب المساجد، وأظنهما واحدا، وعلى كل حال زالت علته التي عصب بها ابن القطان رأس زفر.
стр. 1420
وأما الشعيثي الذي أبرزه أبو محمد عبد الحق، فهو ثقة عند جماعة منهم: دحيم، والمفضل بن غسان، فصح على هذا إذا الحديث، ولقائل أن يقول: ليس الأمر على ما ذكرت، وذلك أنه حديث منقطع، والمنقطع لا يكون صحيحا، وبيانه عدم اتصال ما بين زفر، وحكيم الذي أشار إليه ابن حبان بقوله: روى عن حكيم، إن كان سمع منه، وهذا وإن كان ظنا لا يقينا، فإنه يخدش في الاتصال؛ لكوننا لم نعرف مولده ليتضح سماعه منه، أو عدمه، ولأنا لم نره صرح بسماعه منه، وإن لم يتهم بتدليس فغير كاف وجداننا روايته عنه مع هذا الخدش، والله تعالى أعلم.
وقد وجدنا دحيما لما ذكره نبه، وأوضح ما استبهم علينا من حاله بقوله: لم يلق حكيما، وأما ما ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر من أن وكيع بن الجراح رواه عن الشعيثي، عن القاسم بن عبد الرحمن المزني، عن حكيم، وكذا قول الدارقطني: رواه عن حكيم: العباس بن عبد الكريم فغير مجد؛ لعدم ذكر هذين في شيء من التواريخ جملة فيما أعلم.
وحديث عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ قال: جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، رواه البزار، وقال: ليس لهذا الحديث أصل من حديث عبد الله، وفي كتاب أبي نعيم من حديث الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه عنه مرفوعا: من أشراط الساعة أن يمر الرجل في المسجد لا يصلي فيه، وفي المستدرك من حديث خارجة بن الصلت البرجمي قال: دخلت مع عبد الله، فإذا القوم ركوع، فركع فمر رجل فسلم عليه، فقال عبد الله: صدق الله، ورسوله إنه كان يقول: لا تقوم الساعة حتى تتخذ المساجد طرقا … الحديث.
وقال فيه: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وخرجه ابن خزيمة في صحيحه
стр. 1421
وبين رفعه مطولا، وحديث مكحول رفعه إلى معاذ بن جبل، ومعاذ رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: جنبوا مساجدكم صبيانكم، وخصوماتكم، وشراءكم، وبيعكم، وجمروها يوم جمعكم، واجعلوا على أبوابها مطاهركم.
رواه أبو نعيم في كتاب المساجد من حديث محمد بن مسلم الطائفي: عن عبد ربه بن عبد الله الشامي، عن يحيى بن العلاء عنه، وفي التفسير المنسوب للضحاك: من حديث برد، عن مكحول عنه مرفوعا بلفظ: لتنهون صبيانكم، عن اللعب في المساجد، ويهودكم، ونصاراكم أن يدخلوا المسجد، أو ليمسخنكم الله قردة، وخنازير ركعا وسجدا برد، عن مكحول، عن زيد بن ثابت، عن النبي ﷺ بمثله، برد عن مكحول، قال ﷺ : لا تقروا أهل الكفر بالله أن يدخلوا مساجدكم لما هم فيه من النجاسة، برد، عن مكحول قال ﷺ : جنبوا مساجدكم مجانينكم، وصبيانكم، ورفع أصواتكم، وبيعكم، وشراءكم، وسلاحكم، وجمروها بين كل سبعة أيام، وضعوا المطاهر بأبوابها وأفنيتها، وحديث محمد بن مجيب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: صليت العصر مع عثمان فرأى خياطا في ناحية المسجد، فأمر بإخراجه، فقيل له: يا أمير المؤمنين أنه يكنس المسجد، ويغلق أبوابه، ويرش أحيانا، فقال عثمان: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: جنبوا صناعكم مساجدكم، ذكره أبو أحمد، وقال: هذا حديث غير محفوظ، ورده أبو الفرج بكذب محمد بن مجيب أبي همام الثقفي البصري الصانع الدلال الراوي، عن جعفر والثوري، كذا ذكره ابن الجوزي في كتاب الضعفاء والمتروكين، وفيه نظر في ثلاثة مواضع:
стр. 1422
الأول: تركيبهما بين ترجمتي الدلال، والثقفي.
الثاني: أن الثقفي إنما حدث عن جعفر بن محمد لا عن الثوري وقد حدث أبو همام، عن الثوري، وهشام بن سعد، وغيرهما.
الثالث: أن الضعيف الثقفي، لا الدلال ذكرهما كذلك ابن أبي حاتم، والمنتجيلي، وغيرهما، وضحنا ذلك في كتابنا الاكتفاء بتنقيح كتاب الضعفاء، وحديث أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : إذا رأيتم الرجل يبيع ويشتري في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، أخرجه ابن حبان في صحيحه.
وحديث جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله ﷺ أن يسل السيف في المسجد، قال عبد الحق: رواه عمر بن هارون، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير سمع جابرا فذكره، وعمر ضعيف، والصحيح حديث عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب قال: نهى رسول الله ﷺ ، مرسل، قال ابن القطان: لم يعز أبو محمد حديث جابر، ولا أعرف له الآن موقعا. انتهى، وفيه نظر؛ من حيث أغضي على كلام أبي محمد في عمر بأنه ضعيف، وهو ليس بهذه المنزلة عند العلماء، قال ابن معين: هو كذاب خبيث، وتركه أحمد، وابن مهدي، والنسائي، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات المعضلات، ويدعي شيوخا لم يرهم، وقد رأينا لهذا الحديث موقعا، وهو ما رواه الطبراني في الأوسط بسند صحيح من حديث عمرو بن دينار عنه مرفوعا: إذا دخلتم بالسهام المساجد فامسكوا بنصالها لا تجرحوا أحدا من المسلمين، وقال: تفرد به سهل بن زنجلة، عن وكيع يعني عن الأعمش، عن ابن عيينة عنه، وحديث ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : لا يقتل الوالد بالولد، ولا تقام
стр. 1423
الحدود في المساجد رواه أبو أحمد من حديث إسماعيل بن مسلم المكي، عن عمرو بن دينار، عن طاوس عنه.
وقال: إسماعيل ضعيف، وله أحاديث غير محفوظة هذا منها، وأشار أبو نعيم إلى تفرده به عن عمرو، ولفظه في التفسير المنسوب للضحاك: رواية جويبر عنه، عن ابن عباس مرفوعا: نزهوا المساجد فلا تتخذوها طرقا، ولا تمر فيه حائض، ولا يقعد فيه جنب إلا عابري سبيل، ولا ينثر فيه نبل، ولا يسل فيه سيف، ولا يضرب فيه حد، ولا يتخذ فيه مجلس للقضاء، ولا ينشد فيه شعر فإن أنشد فقل: فض الله فاك، ولا يباع، ولا يشترى، فإن باع فيه، أو اشترى فقل: لا أربح الله تجارتك، ولا تنشد فيه ضالة، فإن أنشدها فقل: لا ردها الله عليك، ولا يزين بالقوارير، ولا يصور بالتصاوير، ولا ينفخ فيه بالمزامير، ولا يضرب فيه بالدفوف فإنما شيدت بالأمانة، ورفعت بالكرامة، وحديث جبير بن مطعم قال رسول الله ﷺ : لا تقام الحدود في المساجد، ولا تنشد فيها الأشعار، ولا يستقاد فيها، ولا ترفع فيها الأصوات، رواه أبو نعيم من حديث بقية، قال: حدثني مقاتل، عن عمرو، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، ورواه أيضا مختصرا من حديث سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عتبة بن مسلم، أنه سمع نافع بن جبير بن مطعم، يحدث عن أبيه، قال ابن إسحاق: وحدثني أبي، عن جبير به، ورواه عمرو بن دينار، عن نافع، عن أبيه بلفظ: لا تسل السيوف، ولا تنثر النبل في المساجد، ولا تحلف بالله في المسجد، ولا تمنع القائلة في المسجد مقيما، ولا ضعيفا، ولا تبني التصاوير، ولا تزين بالقوارير، فإنما بنيت بالأمانة، وشرفت بالكرامة.
وحديث ابن عباس، وابن عمر، عن النبي ﷺ : أنه نهى عن أن تتخذ المساجد طرقا، أو تقام فيها الحدود، أو تنشد فيها الأشعار، أو يرفع فيها الصوت.
стр. 1424
ذكره أبو أحمد من حديث فرات بن السائب، وهو منكر الحديث، عن ميمون بن مهران عنهما، وحديث أسيد بن عبد الرحمن: أن شاعرا جاء إلى النبي ﷺ ، وهو في المسجد فقال: أنشدك يا رسول الله؟ قال: لا، قال: بلى، فأذن لي، فقال النبي ﷺ : فاخرج من المسجد فانشد، فأعطاه النبي ﷺ ثوبا، وقال: هذا بدل ما مدحت به ربك.
رواه عبد الرزاق في مصنفه، عن إبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي، عن ابن المنكدر عنه، وحديث أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلا، فيقال لليلتين، وأن تتخذ المساجد طرقا، وأن يظهر موت الفجأة، ذكره ابن بنت منيع في معجم الصحابة، عن شريك، ثنا العباس بن ذريح، عن الشعبي عنه، وسئل عنه الدارقطني فقال: رواه عبد الكبير بن المعافي، عن شريك مرفوعا، وغيره يرويه عن الشعبي مرسلا، وفي كتاب أبي نعيم من حديث عبد الله بن ضرار بن عمرو الملطي، عن أبيه، عن قتادة عنه مرفوعا: جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، ورفع أصواتكم، وحديث أبو موسى الأشعري: قال رسول الله ﷺ : إذا مر أحدكم في شيء من مساجدنا، أو أسواقنا بنبل، فليمسك عن نصالها بكفه لا يصيب أحدا من المسلمين منها بشيء، خرجاه في الصحيح، وكذا حديث جابر قال: مر رجل في المسجد، ومعه سهام فقال له النبي ﷺ : أمسك بنصالها.
стр. 1425
وحديث محمد بن عبيد الله قال: كنا عند أبي سعيد الخدري فقلب رجل نبلا، فقال أبو سعيد: أما كان هذا يعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن تقليب السلاح وسله، رواه أبو القاسم في الكبير، عن علي بن سعيد الرازي، ثنا إسحاق بن خلف الأعسم، ثنا مروان بن معاوية، ثنا أبو البلاد عنه، ورواه أبو نعيم من حديث خالد بن إلياس، ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنه بلفظ قال ﷺ : طيبوا مساجدكم، وجمروها، فإن المساجد بيوت الله في الأرض، ومجالس المؤمن، وجنبوها مجانينكم، وصبيانكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وسيأتي ذكره فيما بعد.
وحديث السائب بن يزيد قال: كنت قائما في المسجد فصحبني رجل فنظرت فإذا عمر فقال: اذهب فأتني بهذين فجئته بهما فقال: من أنتما، أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ؟، رواه البخاري، وقد وردت أحاديث تعارض هذه منها: حديث أبي واقد عند البخاري: بينما النبي في المسجد أقبل ثلاثة نفر، فأما أحدهما فرأى فرجة فجلس في الحلقة، وكذا حديث كعب بن مالك: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ ، وحديث أبي قتادة: بينا نحن جلوس في المسجد خرج علينا النبي ﷺ يحمل أمامة على عاتقه، وحديث بريدة: خطبنا النبي ﷺ فأقبل الحسن والحسين فأخذهما فصعد بهما، رواه أبو داود بسند صحيح.
стр. 1426
وحديث عائشة عند مسلم قالت: رأيت الحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد النبي ﷺ ، وهو يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم، وكذا حديث حسان، وقوله لعمر: كنت أنشد فيه الشعر، وفيه من هو خير منك.
وحديث سهل بن سعد في التلاعن وأنهما تلاعنا في المسجد إلى غير ذلك من الأحاديث المبيحة لما حظر أولا، فحملها بعضهم على الإباحة وألا منع، وأن الأولى تنزيه المساجد، وأن لا يجعل ذلك ديدنا فيها، ودفعها بعضهم جملة، لكونها معلولة، وفرق ابن خزيمة في صحيحه بين إنشاد الشعر الجائز إنشاده، وبين الممنوع من إنشاده.
غريبه: أنبض القوس: مثل: أنضبها: جذب وترها لتصوت، وأنبض بالوتر كذلك، وأنبض الوتر أيضا: جذبه بغير سهم، ثم أرسله عن يعقوب.
قال اللحياني: الإنباض: أن يمد الوتر ثم يرسله فيسمع له صوت، وفي المثل: لا تعجل بالإنباض قبل التوتير، مثل في استعجال الأمر قبل بلوغ أناه، وقال أبو حنيفة: أنبض في قوسه، ونبض أصاتها، وأنشد:
لئن نصبت لي الروقين معترضا … لأرمينك رميا غير تنبيض
.
أي: لا يكون ترعى تنبيضا وتنقيرا، يعني: لا يكون توعدا بل إيقاعا، ذكره ابن سيده، وأنشد بعضهم شاهدا عليه قول مهلهل:
انبضوا معجس القسي وأوعدنا … كما توعد الفحول الفحولا
.
وهو بيت مصنوع، حكاه الأخفش في أماليه، عن الأصمعي.
стр. 1427
١٦ - باب النوم في المسجد
٥٤ - حدثنا إسحاق بن منصور، ثنا عبد الله بن نمير، أنبأنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا ننام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ .
هذا حديث خرجاه في الصحيح، وفي الباب أحاديث، منها: حديث سهل بن سعد: جاء إلى بيت فاطمة فقال: أين ابن عمك؟ فقالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني، فخرج فلم يقل عندي، فقال النبي لإنسان: انظر أين هو؟ فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد: فجاء رسول الله ﷺ ، وهو مضطجع، وقد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب … الحديث، روياه أيضا.
وحديث أبي هريرة قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة في المسجد ما منهم رجل عليه رداء، رواه البخاري.
وحديث عائشة: ضرب رسول الله ﷺ لسعد خيمة في المسجد يعوده من قريب، فلم يرعهم في المسجد إلا والدم يسيل، روياه في الصحيح، وحديث المرأة التي كان لها حفش في المسجد، وحديث ربط ثمامة بن أثال في المسجد، وهما في الصحيح، وحديث عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف أنزلهم النبي ﷺ المسجد ليكون أرق لقلوبهم، رواه أبو داود، وحديث عبد الله بن زيد أنه رأى
стр. 1428
النبي ﷺ مستلقيا في المسجد، عند البخاري، وفيه عن سعيد قال: كان عمر، وعثمان يفعلان ذلك، والله أعلم.
стр. 1429
١٧ - باب أي مسجد وضع أول؟
٥٥ - حدثنا علي بن ميمون الرقي، ثنا محمد بن عبيد، وثنا علي بن محمد، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: ثم المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عاما، ثم الأرض لك مصلى فصل حيث أدركتك الصلاة.
هذا حديث خرجاه في الصحيح، وفي صحيح ابن خزيمة: ثنا يوسف بن موسى، ثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي قال: كنت أنا وأبي نجلس في الطريق، فيعرض علي القرآن، وأعرض، قال: فتمر السجدة فنسجد، فقلت له: أيسجد في الطريق؟ قال: نعم، سمعت أبا ذر … فذكره.
وفي حديث عبد الأعلى، عن إبراهيم عند أبي نعيم الحافظ: قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة، قلت: ثم أي؟ قال: أينما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد.
وقال ابن حبان في صحيحه: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن بين إسماعيل، وداود ألف سنة، فذكر حديث أبي ذر، وتتبع ذلك عليه الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه المسمى علل التقاسم والأنواع بقوله: ظن أبو حاتم، وتوهم
стр. 1430
أن أول وضع البيت لما بناه إبراهيم وإسماعيل ﵉.
وقد روي أن آدم ﵇ حج البيت، فقالت له الملائكة: قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي سنة، أو ما هذا معناه، ثم إن بين إسماعيل وداود ﵉ من القرون ما لا يخفى على المميز، وذلك أكثر من أربعين سنة، فإن داود كان بعد موسى ﵉ ووجه الحديث أن هذين المسجدين، وضعا قديما ثم خربا ثم بنيا - والله أعلم -.
وزعم القرطبي أن بين إبراهيم، وسليمان ﵉ آمادا طويلة، قال أهل التاريخ: أكثر من ألف سنة، قال: ويرتفع الإشكال؛ بأن يقال: إن الآية والحديث لا يدلان على أن إبراهيم، وسليمان ابتدآ وضعهما بل ذلك تجديدا لما كان أسسه غيرهما، وقد روي أن أول من بنى البيت آدم، ﵇ وعلى هذا فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس بعده بأربعين عاما، وبنحوه قاله ابن الجوزي في مشكله. انتهى كلامهم، وفيه نظر؛ من حيث إن ابن هشام في كتاب المغازي أن آدم ﵇ لما بنى البيت أمره جبريل بالمسير إلى بيت المقدس وأمره بأن يبنيه فبناه، ونسك فيه. انتهى.
وقد ورد عن علي ﵁ ما بيّن هذا الإشكال، ويوضحه إيضاحا لا حاجة بنا معه إلى هذا التخرص، والحسبان: أنبأنا به المسند المعمر بدر الدين يوسف بن عمر التركي ﵀ قراءة عليه وأنا أسمع، أنبأنا المسند أبو الكرم لاحق بن عبد المنعم الأرتاحي قراءة عليه، عن الحافظ أبي محمد المبارك بن علي، أنبأنا أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن أحمد، أنبأنا الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو، ثنا أحمد بن حيان بن ملاعب، ثنا عبيد الله بن موسى، ومحمد بن سابق قالا: ثنا إسرائيل، ثنا سماك بن حرب، عن خالد
стр. 1431
ابن عرعرة قال: سأل رجل عليا ﵇ عن: أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا، أهو أول بيت بني في الأرض؟ قال: لا كان نوح قبله، وكان في البيوت، وكان إبراهيم قبله، وكان في البيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس فيه البركة، والهدى، ومقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا … الحديث، فهذا علي ﵁ بين أن المراد بالوضع غير البناء، وإذا كان هكذا فلا إشكال، إذ مفهوم حديثه يقتضي، وضع ذلك فيه من الله تعالى قبل أن يضع مثله في مكان المسجد الأقصى، وسياق الآية الكريمة يدل عليه أيضا ويزيد وضوحا بما ذكر في تاريخ بيت المقدس تأليف: محمد بن عبدك الكنجي، ومن خطه نقلت: أن أبا عمرو الشيباني، قال: قال علي بن أبي طالب: كانت الأرض ماء، فبعث الله ريحا فمسحت الأرض مسحا فطهرت على الأرض زبدة، فقسمها الله أربع قطع فخلق من قطعة مكة، ومن الثانية المدينة، ومن الثالثة بيت المقدس، ومن الرابعة مسجد الكوفة. وعن كعب قال: بنى سليمان بيت المقدس على أساس قديم كما بنى إبراهيم البيت على أساس قديم، قال: والأساس لبيت المقدس أسسه سام بن نوح ﵇ وأما ما رد به أيضا، قول ابن حبان أن آدم ﵇ حج البيت، وليس فيه تصريح لكونه مبنيا يومئذ، لا سيما على رواية من روى أنه كان إذ ذاك الوقت خشفة، أو ياقوتة. انتهى من وجه الدلالة من هذا أن الأيام التي خلقت فيها السموات، والموجودات كل سهم منها ألف سنة على ما رجحه ابن جرير، واحتج له فيحتمل أن يكون خلق البيت، قبل خلق المسجد الأقصى بهذا المقدار من سني الدنيا - والله أعلم -.
стр. 1432
١٨ - باب المساجد في الدور
٥٦ - حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان، ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع الأنصاري، وكان عقل مجة مجها رسول الله ﷺ من دلو في بئر لهم، عن عتبان بن مالك السالمي، وكان إمام قومه بني سالم، وكان شهد بدرا مع رسول الله ﷺ قال: جئت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إني قد أنكرت من بصري، وإن السيل يأتيني فيحول بيني وبين مسجد قومي، ويشق علي اجتيازه فإن رأيت أن تأتيني فتصلي في بيتي مكانا أتخذه مصلى فافعل قال: أفعل، فغدا علي رسول الله ﷺ ، وأبو بكر بعد ما اشتد النهار، فاستأذن، فأذنت له فلم يجلس حتى قال: أين تحب أن أصلي لك من بيتك؟ فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه، فقام رسول الله ﷺ وصففنا خلفه فصلى بنا ركعتين، ثم احتبسته على خزير يصنع لهم.
هذا حديث خرجاه مطولا في الصحيح، ورواه أبو الشيخ من حديث النضر بن أنس، عن أبيه قال: لما أصيب عتبان، فجعله من مسند أنس.
٥٧ - حدثنا يحيى بن الفضل المقرئ، ثنا أبو عامر، ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رجلا من الأنصار أرسل إلى رسول الله ﷺ : أن تعال، فخط لي مسجدا في داري أصلي فيه، وذلك بعد ما عمي، فجاء ففعل.
هذا حديث إسناده صحيح، وكأنه اختصار من الحديث الأول - والله أعلم -.
стр. 1433
٥٨ - حدثنا يحيى بن حكيم، ثنا ابن أبي عدي، عن ابن عون، عن أنس بن سيرين، عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود، عن أنس بن مالك قال: صنع بعض عمومتي للنبي ﷺ طعاما، فقال للنبي ﷺ : إني أحب أن تأكل في بيتي، وتصلي فيه، قال: فأتاه وفي البيت فحل من هذه الفحول، فأمر بناحية منه فكنس، ورش فصلى، وصلينا معه.
قال ابن ماجه: الفحل الحصير الذي قد اسود.
هذا حديث إسناده صحيح، وقد تقدم في كتاب الطهارة صلاته ﵇ في بيت أم سليم، وفي كتاب الصلاة صلاته ﷺ في الأماكن التي اتخذت مساجد.
غريبة: الدار مؤنثة، وإنما قال الله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ فذكر على معنى المثوى، والموضع كما قال: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ فأنث على المعنى، وأدنى العدد: أدر، والهمزة فيه مبدلة من واو مضمومة، ولك ألا تهمز والكثير: ديار مثل: جبل، وأجبل، وجبال، ودور أيضا مثل: أسد، وأسد، ذكره الجوهري، وفي الجامع: الدور: الأرض، والدور: القبائل، وفي الحديث: ما بقيت دار إلا بني فيها مسجد. وفيه قوله ﷺ : ألا أنبئكم بخير دور الأنصار.
والخزيرة: اللحم يقطع صغارا، ثم يطبخ بالماء والملح، فإذا أميت طبخا، ذر عليه الدقيق فقصر به، ثم أدم بأي أدام شيء، ولا تكون الخزيرة إلا وفيها لحم، وقيل الخزيرة: مرقة وهو أن تصفى بلالة النخالة، ثم تطبخ، وقيل: الخزيرة والخزير: الحساء من الدسم، والدقيق.
قال:
فتدخل أيد في حناجر أقنعت … لعادتها من الخزير المعرف
.
стр. 1434
ذكره ابن سيده، وفي الصحاح: الخزير، والخزيرة: أن ينصب القدر بلحم يقطع صغارا، فإذا أنضج ذر عليه الدقيق، وإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة.
وفي غريب ابن قتيبة: وقيل: هي حساء من دقيق ودسم، وفي البخاري، عن النضر، والتهذيب للأزهري، عن أبي الهيثم: إذا كان من دقيق فهي حريرة، وإذا كان من نخالة فهي خزيرة، وقال ابن سيده: وقيل: الحريرة هي: الدقيق الذي يطبخ بلبن.
والفحل: حصير ينسج من فحال النخل يعني ذكره، والجمع: فحول، وزعم أبو حنيفة أن أبا عمرو الشيباني قال: لا يقال فحل إلا في ذي الروح.
وكذلك قاله أبو نصر، قال أبو حنيفة: والناس على خلاف هذا، وقال أبو عبيد: هو الحصير المرمول من سعف النخل، وقال شمر: قيل له ذلك؛ لأنه مسوى من الفحل من النخيل، فتكلم به على التجوز، كما قالوا: يلبس الصوف والقطن، وإنما هي ثياب تغزل منهما، وأما منزل عتبان فكان في بني سالم بن عوف.
وفي كتاب الطبراني من حديث ابن أبي أويس، عن أبيه، عن ابن شهاب، عن محمود عنه: أن النبي ﷺ أتاه يوم السبت، ومعه أبو بكر، وعمر، وفي رواية: فأتاني، ومن شاء من أصحابه، وأما ما ورد في بعض الطرق أنه لقي النبي ﷺ فقال له: إني أحب أن تأتيني. وفي بعضها: بعث إليه؛ فيحتمل أنه أرسل إليه أولا، ثم مشى إليه بعد.
وقوله: أنكرت من بصري. وفي رواية: أنا ضرير البصر. وفي رواية: أعمى. وفي رواية: أصابني في بصري بعض الشيء يحتمل أن يريد فأنكرت، وأصابني في بصري بعض الشيء ذهاب البصر كله، ويحتمل أنه ذهب معظمه، وسماه عمى لقربه منه، ومشاركته إياه في فوات بعض ما كان حاصلا في حال السلامة.
стр. 1435
وأما قوله: السيل يحول بيني، وبين مسجد قومي حمله بعضهم على جواز الصلاة في المساجد التي حول المدينة زمن النبي ﷺ .
وفي كتاب الطبراني ما يدفع هذا التأويل، وإن كان الأول جائزا لكن من غير هذا الحديث يؤخذ وهو ما رواه من طريق أبي بكر بن أنس بن مالك: فلا أستطيع أن أصلي معك في مسجدك، وفي قوله: أتخذه مصلى، إباحة له في أن يصلي في بيته لعذره، وفي تعيينه ﵇ موضعا للصلاة إشعار بأن قوله: ولا يوطن الرجل موضعا في المسجد، محمول على من فعل ذلك رياء وسمعة - والله أعلم -.
стр. 1436
١٩ - باب تطهير المساجد وتطييبها
٥٩ - حدثنا هشام بن عمار، ثنا عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون، ثنا محمد بن صالح المدني، ثنا مسلم بن أبي مريم، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : من أخرج أذى من المسجد بنى الله له بيتا في الجنة.
هذا حديث إسناده صحيح، وقد تقدم لفظه من كتاب أبي نعيم مطولا من حديث عبد الله بن محمد بن وهب، ثنا عبد الله بن مصعب الزبيري، ثنا عيسى بن المغيرة، ثنا خالد بن إلياس، حدثني يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنه.
٦٠ - حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، وأحمد بن الأزهر، ثنا مالك بن سعير، أنبأنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أمر بالمساجد أن تبنى في الدور وأن تطهر.
وثنا رزق الله، ثنا يعقوب الحضرمي، ثنا زائدة، عن هشام به مرفوعا.
هذا حديث رواه ابن خزيمة في صحيحه، عن عبد الرحمن بن بشر بلفظ: أمر ببناء المساجد في الدور، وعن أحمد بن الأزهر بزيادة: وأن تطهر وتطيب، فهذا ابن ماجه كما ترى أدرج لفظ أحد شيخيه، على لفظ الآخر وأخل بلفظ أحدهما مع ذلك، ورواه ابن حبان في صحيحه، عن الحسن بن سفيان، ثنا أبو كريب، ثنا الحسين بن علي، عن زائدة، عن هشام بلفظ: وأن تطيب وتنظف، وذكره ابن حزم محتجا به، وقال أبو الحسن بن القطان: لا شك في صحة رفعه، وأبى ذلك جماعة
стр. 1437
منهم: ابن أبي حاتم، إذ سأل أباه عنه فقال: إنما يروى عن عروة، عن النبي ﷺ مرسل، ولما رواه أبو عيسى، عن محمد بن حاتم، عن عامر بن صالح، عن هشام بن عروة أتبعه: ثنا هناد، ووكيع، وابن أبي عمر كلهم، عن سفيان، عن هشام، عن أبيه: أن النبي ﷺ فذكره، وقال: هذا أصح من الأول، قرأت على المسند بقية السلف أبي العباس أحمد الخطوي، أنبأكم عبد اللطيف بن عبد المنعم، عن يوسف بن المبارك قال: أنبأنا سعد الخير قراءة عليه، وأنا أسمع في شوال سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، أنبأنا الإمام أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد العزيز الأبهري، أنبأنا الشيخان أبو بكر محمد بن الحاجب، وأبو حفص عمر بن جاباري، عن أبي سعيد القاسم بن علقمة قال سعد الخير، وأنبأنا أيضا أبو المحاسن عبد المحسن بن عبد العزيز بن عبد السلام الأبهري، أنبأنا أبو حفص، أنبأنا أبو سعيد بن علقمة، أنبأنا الحافظ أبو علي الحسن بن علي بن نصر بن منصور الطوسي، قال: وقد روى عامر الزبيري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ فذكره مرفوعا قال: وروى وكيع، وعبده جميعا عن هشام، عن أبيه مرسلا.
وهذا أصح من حديث الزبيري، وقال عبد الحق: إسناده مشهور، وإن كان قد روي مرسلا، وهذا لعمري قول إذا حقق لم يحقق؛ لأن هذا الحديث أسنده جماعة من أصحاب هشام، منهم: سفيان بن سعيد الثوري من رواية علي بن الحسن بن أبي عيسى، ثنا عبد الله بن الوليد عنه، ويحيى بن هاشم من رواية أبي بكر بن خلاد، عن الحارث بن أبي أسامة عنه فيما ذكره أبو نعيم الحافظ، وقال الفضل بن دكين: ثنا سفيان، عن هشام فذكره مرفوعا، وزعم أبو الحسن علي بن عمر أن عبد الله
стр. 1438
ابن المبارك، وابن عيينة، وعبيد الله بن عروة، ويونس، وحبان بن علي رووه، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، والصحيح عن جميع من ذكرنا، وعن غيرهم: عن هشام مرسلا. انتهى كلامه.
ولو رأى حديث الثوري سفيان لأذعن له كل الإذعان؛ لأنه مسند كالشمس لا مرية في صحته ولا لبس، ولقائل أن يقول: هب أن سائر المخلوقين خالفه، ولم يتابعه أحد له عارفة فكان ماذا؟ أليس قوله أولى بالصواب؟ وإليه في الحفظ والإتقان المرجع والمآب، لا سيما، ولم يرو خلاف قوله إلا عن ابن عيينة، وقد تقدم الخلاف عليه في ذلك، وهذه مسألة اختلف فيها: هل الحكم للمسند، أو المرسل؟ وهل يعتبر فيهما الأحفظ، أو الأكثر؟، وهل الحكم للزائد، أو للناقص؟، وهل إذا تساويا يكون علة مؤثرة أم لا؟، وهنا يترجح ألا خلاف في هذا الحديث؛ لأن الذين أسندوه أكثر وأحفظ من الذين أرسلوه؛ ولأن الزيادة من الثقة الحافظ مقبولة إجماعا - والله أعلم -.
وقد روى أبو داود في سننه حديثا شاهدا له من حديث سمرة بن جندب، وكتب إلى بنيه أن رسول الله: كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في ديارنا، ونصلح صنعتها، ونطهرها، ولفظ أحمد في مسنده: وأمرنا أن ننظفها، ولما ذكره أبو محمد الإشبيلي بعد حديث عروة قال: الأول أشهر إسنادا، قال ابن القطان: يقتضي ظاهر كلامه أن حديث سمرة يلتفت إليه بحيث يفاضل بينه وبين حديث عائشة، وهذا لا شيء؛ لأنه إسناد مجهول البتة، فيه جعفر بن سعد بن سمرة،
стр. 1439
وخبيب بن سليمان بن سمرة، وأبوه سليمان، وما من هؤلاء من تعرف له حال، وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم، وهو إسناد تروى به جملة أخبار، ذكر البزار منها نحو المائة، ولما ذكر عبد الحق حديث سمرة بهذا الإسناد فيمن نسي صلاة أو نام عنها، قال في هؤلاء: ليسوا بأقوياء انتهى كلامه، وفيه نظر؛ من حيث إن هؤلاء ليسوا كما قال؛ بل حالهم معروفة، لا مجهولة، أما جعفر، فروى عنه جماعة منهم: سليمان بن موسى، ومحمد بن إبراهيم بن خبيب، وعبد الجبار بن العباس الشبامي، وصالح بن أبي عتيقة الكاهلي، وسليمان بن سمرة روى عنه ابنه خبيب، وعلي بن ربيعة الوالبي، وخبيب بن سليمان، ذكرهم ابن حبان البستي في الثقات، وروى أبو بكر الإسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير، عن القاسم المطرز، ثنا العلاء بن سالم، ثنا حفص بن عمر، ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي الزبير، عن جابر: كان رسول الله ﷺ يأمرنا باتخاذ المساجد في الدور، ورواه أبو نعيم، عن عمر بن أحمد القاضي، ثنا العباس بن علي، ثنا العلاء بن سالم، فذكره، وفي علل الدارقطني روى قران بن تمام، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الفرافصة، عن النبي ﷺ : أنه أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تطيب، ولا يصح، وقد قدمنا ذكر المساجد التي كانت في الدور.
٦١ - حدثنا أحمد بن سنان، ثنا أبو معاوية، عن خالد بن إياس، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبي سعيد الخدري قال: أول من أسرج في المساجد تميم الداري.
هذا أثر إسناده ضعيف؛ لضعف راويه أبي الهيثم خالد بن إياس بن صخر العدوي القرشي، ويقال: الأسلمي، وقال مسلمة بن قاسم في كتاب الصلة: كان مدنيا
стр. 1440
روى عنه العقيلي، وفي قوله نظر، إن أراد أبا جعفر الحافظ؛ لتأخره عن إدراكه، وأظنه يريد غيره - والله تعالى أعلم - قال فيه الإمام أحمد: هو منكر الحديث، وقال عباس عن يحيى: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه.
وفي كتاب ابن البرقي عنه: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه، وقال أبو حاتم الرازي: هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، قال عبد الرحمن: فقلت يكتب حديثه؟ فقال: زحفا، وسئل عنه أبو زرعة فقال: ليس بقوي سمعت أبا نعيم يقول: لا يسوي حديثه، وسكت، وذكر بعد: لا يسوي حديثه فلسين، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها غرائب أفراد عمن يحدث عنهم، ومع ضعفه يكتب حديثه، وقال البخاري: ليس بشيء، وقال الساجي: منكر الحديث، وذكره العقيلي، وأبو العرب في كتاب الضعفاء، وقال الحافظ أبو سعيد محمد بن علي بن عمرو بن مهدي النقاش في كتاب الضعفاء تأليفه: روى عن ابن المنكدر، وغيره أحاديث موضوعة، وفي كتاب الصحابة للمديني من حديث محمد بن الحسن هو ابن قتيبة، ثنا سعيد بن زياد بن فائد، عن أبيه، عن جده، عن أبي هند قال: حمل تميم الداري معه من الشام إلى المدينة زيتا، وقناديل، ومقطا، فلما انتهى إلى المدينة، وافق ذلك ليلة الجمعة، فأمر غلاما يقال له: أبو البراد فقام، فشد المقط، وعلق القناديل، وصب فيها الماء، والزيت، وجعل فيها الفتل، وأمر أبا البراد فأسرجها، وخرج النبي ﷺ إلى المسجد، فإذا هو يزهر، فقال: من فعل هذا؟ قالوا: تميم، يا رسول الله، قال: نورت الإسلام نور الله عليك في الدنيا والآخرة أما إنه لو كانت لي ابنة لزوجتكها، فقال نوفل بن الحارث بن عبد المطلب: لي ابنة يا رسول الله تسمى أم المغيرة، فافعل فيها ما أردت، فأنكحه إياها على المكان.
٦٢ - حدثنا إسماعيل بن عبد الله الرقي، ثنا عيسى بن يونس، عن ثور بن يزيد،
следующие страницы →