← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1158

شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي - ت أبو العينين

علاء الدين مغلطاي

Полный текст (1 969 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

عند التنازع سنة المصطفى ﷺ . ولا أعلم حجة لمن كره الوضوء بسؤره أحسن من أنه لم يبلغه حديث أبي قتادة، وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب فقاس الهر عليه، وقد فرقت السنة بينهما في باب التعبد، وجمعت بينهما على ما قدمناه. انتهى كلامه، وفيه نظر من وجوه: الأول: قوله: ولا نعلم أحدًا من الصحابة روي عنه في الهر إلا أبا هريرة، وليس كما قال، بل قد قاله منهم أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄. الثاني: قوله: إلا عطاء وابن المسيب والحسن، وليس كذلك؛ بل قد قاله غير هؤلاء، وهم: ابن أبي ليلى، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وطاوس بالغ إلى أن قال: يغسل سبعًا بمنزلة الكلب. ذكر ذلك ابن المنذر في كتاب الإشراف. الثالث: قوله: لأن الكلب من الطوافين علينا إلى آخره ليس كذلك، ولا تابعه على ذلك العلماء، والكلام معه ومع غيره مستوفى في كتب الفقهاء، ولا يليق ذكره بهذا المختصر لتشعب الكلام فيه. الرابع: قوله: وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب فقاس الهر عليه. وليس كذلك؛ بل يكون بلغه حديث أبي هريرة المتقدّم من عند الحاكم، والدارقطني المصرّح فيه بالغسل من سؤر الهرة سبعا، فأي حاجة للقياس مع هذا النص الصريح؟ والله تعالى أعلم. وأما السؤر مهموز: فهو ما بقي من الشراب وغيره في الإناء وغيره، فيما ذكره أبو العباس أحمد بن يحيى في كتاب الفصيح. قالَ ابن درستويه: والعامة لا تهمزه، وتركها الهمز ليس بخطأ. وقال اللبلي: يستعمل في كل بقية، قال: وأسار فلان من الطعام: إذا أبقى منه. ومن أسماء الهر: القط، والخيطل، والسنور، والأبوسندره، والضيون، ولفظ

стр. 212

(السنور) مؤنث، ويقال لولده: الوبر، ولصوته: الهوآء، مآيمو، مؤا، قاله العسكري في كتاب التلخيص، وفيه نظر من حيث جعله الوبر ولد القط، وذلك أن الوبر: دويبة رأيتها بأرض الشام، لا سيما بالغور صغيرة برية، لا يزيد مقدارها على القطاط، بل هي أصغر من السنانير، وبهذه الصفة حكاه غير واحد من اللغويين. قال الأجدائي: هي دويبة تقرب من السنور، ولها بول يخثر، وييبس، يتداوى الناس به، يسمى: الصن. وقال القزاز: الوبر بسكون الباء: دويبة أصغر من السنور، طحلاء اللون، لا ذنب لها، وبنحوه قاله في الصحاح والجمهرة، وفي الغريب المصنف: جمع الهر هررة، وجمع الهرة هرر، والله أعلم.

стр. 213

الرخصة بفضل وضوء المرأة ١٠٦ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليغتسل أو يتوضأ، فقالت: يا رسول الله إني كنت جنبا، فقال: إن الماء لا يجنب. هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه؛ فممن صححه: أبو عيسى، فإنّه لما خرجه قال فيه: حسن صحيح، وخرجه أبو حاتم في صحيحه عن عمر بن إسماعيل الثقفي ببغداد، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص، عن سماك، أنا أبو يعلى نا أبو معمر القطيعي، نا أبو الأحوص، أنا الحسن بن سفيان، ثنا حبان بن موسى، أنا عبد الله، عن سفْيان، ثنا سماك، فذكره مختصرا. قال: ولم يقل أحد عن سماك: في جفنة غير أبي الأحوص، ولما خرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث محمد بن يحيى وأحمد بن المقدام قالا: ثنا محمد بن بكر، ثنا شعبة، عن سماك به. ولفظه: الماء لا ينجسه شيء. قال: هذا حديث أحمد بن المقدام، وخرجه الحاكم من حديث سفيان، وشعبة عن سماك، وقال: قد احتج البخاري بأحاديث عكرمة، ومسلم بسماك، وهذا حديث صحيح ولم يخرجاه ولا يحفظ له علّة. وفي الخلافيات: وروي مرسلًا، ومن أسنده أحفظ، وروى مسلم معناه في صحيحه من حديث عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس أن النبي ﷺ : كان يغتسل بفضل ميمونة. وفي بعض طرقه، عن عمرو: أكبر علمي، والذي

стр. 214

يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني عن ابن عباس، وذلك يوجب تعليله، والله أعلم. لكن ذكر أبو عوانة في صحيحه: أنا عمرو، أنا جابر أبو الشعثاء سمع ابن عباس … فذكره. وقال: قال سفيان: هذا الإسناد كان يعجب به شعبة. أخبرني سمعت كأنه اشتهى توصيله؛ فزالت تلك العَلّة، والله أعلم. ولما أخرجه البزار من طريقهما قال: وهذا الحديث لا نعلم أحدا أسنده عن شعبة إلَّا محمد بن بكر، ورواه غيره عنه مرسلا، وقد رواه جماعة عن سماك، واقتصرنا على هذين، ولا نعلمه يُروى عن ابن عباس إلَّا من هذا الوجه. وخرجه ابن الجارود في المنتقى من حديث سفيان، وممن ضعفه الإِمام أحمد بن حنبل بقوله: هذا حديث مضطرب. ذكره عنه الأثرم في سؤالاته. وفي رواية الميموني عنه: لم يجئ بحديث سماك غيره، والمعروف أنهما اغتسلا جميعا. وقال أبو طالب: قال أحمد: هذا فيه اختلاف شديد، بعضهم يرفعه وبعضهم لا يرفعه، وأكثر أصحاب النبي ﷺ يقولون: إذا خلت فلا يتوضأ منه. وقال ابن حزم: لا يصح لأن سماك كان يقبل التلقين، شهد عليه بذلك شعبة وغيره، وهذه جرحة ظاهرة، وذكره ابن ماجه في موضع آخر، والدارقطني في سننه من حديث شريك عن سماك، فجعله من مسند ميمونة. قال ابن القطان: فعلى هذا يجب أن تكون رواية غيره مرسلة، وتبين برواية شريك أن ابن عباس لم يشهد ذلك، إنّما تلقاه من خالته ميمونة. انتهى. ويجاب عن الاضطراب بأن ذلك لا يقدح إلا مع التساوي، ولا تساوي هنا؛ لأنّ من أرسله لا يقاوم من رفعه، أعني بذلك شعبة وسفيان، ويجاب عن قول ابن حزم بأن شعبة الذي شهد على سماك بالتلقين كان لا يقبل منه حديثا ملقنا فيما أخبر

стр. 215

بذلك عن نفسه، حكاه عبد الحق الإشبيلي، فصح حديثه بهذا الاعتبار. ويجاب عن قول ابن القطان بأمرين: الأول: شريك لا يقاس بشعبة والثوري. والثاني: على تقدير صحة حديثه، فكان ماذا؟! قصاراه أن نقول: هو مرسل صحابي، ولئن كان ذلك فلا ضير؛ لكونه مسندا على الصحيح، ومن المعلوم أنّ ابن عباس لم يكن ليشهد مثل هذا من المصطفى ﷺ لكونه غير جائز له، والله أعلم. فتبين بمجموع ما تقدم أن قول من صححه راجح على قول من ضعفه؛ بل هو الصواب، والله تعالى أعلم. وأما قول ابن حبان: لم يقل أحد عن سماك: في جفنة غير أبي الأحوص، فيشبه أن يكون ليس كذلك؛ لأن الدارمي ذكر في مسنده: ثنا يحيى بن حسان، عن يزيد بن عطاء، عن سماك، عن عكرمة به، وفيه ذكر الجفنة، ثم قال: ونا عبيد الله، عن سفيان، عن سماك بنحوه، اللهم إلَّا أن يكون أراد بالغير ثقة، فلا يردّ عليه حديث يزيد هذا لضعفه، والله أعلم.

стр. 216

النهي عن ذلك ١٠٧ - حدثنا محمد بن بشار، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، عن عاصم الأحول، عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمرو أن رسول الله ﷺ : نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة. هذا حديث اختلف فيه: فصححه جماعة، وضعفه آخرون، فمن المصححين له أبو محمد بن حزم. ولما ذكر ابن ماجه حديث ابن سرجس بعده؛ قال: الصحيح الأول، والثاني وهم. وخرجه أبو حاتم البستي من حديث أبي داود، عن شعبة، عن عاصم: سمعت أبا حاجب يحدّث فذكره. ولما خرجه أبو عيسى في جامعه؛ قال فيه: حديث حسن. ومن المضعفين له أبو عبد الله البخاري، فإن الترمذي سأله عنه فقال: ليس بصحيح. كذا في كتاب العلل. وفي التاريخ الكبير قال: سوادة بن عاصم أبو حاجب العنزي يعد في البصريين، ويقال: الغفاري، ولا أراه يصح عن الحكم بن عمرو. وهذا كلام لا يعطي على صراحته تضعيفًا ولا تصحيحًا، وإن كان المنذري قد ذكره في معرض ردّ الحديث لاحتمال أن يكون لفظ الصحة منه عائدة إلى نسبه إلى غفار، وذلك لا يوجب ضعفًا، لكن بضميمة ما في العلل يتبيّن الضعف، ولا يخلص ذلك المنذري؛ لأنه لم ير ما في العلل؛ فلذلك لم يحكه، والذي حكاه في التاريخ لا يوضح مقصده، والله تعالى أعلم. أو تكون عائدة على الانقطاع فيما بين أبي حاجب والحكم، ولئن كان كذلك فليس بشيء أيضًا؛ لما صحّ عن أبي حاجب أنه سمعه منه فيما يبينّ ذلك بعد. وذكر ابن منده أنه لا يثبت من جهة السند، ولما ذكر أبو عمر حديث الحكم هذا قال: الآثار

стр. 217

في هذا الباب مضطربة، لا تقوم بها حجة، وذكر الميموني أنه سأل أبا عبد الله عنه، فقلت: يسنده أحد غير عاصم؟ قال: لا، ويضطربون فيه عن شعبة، وليس هو في كتاب غندر، وبعضهم يقول: عن فضل سؤر المرأة، وبعضهم يقول: فضل وضوء المرأة ولا يتفقون عليه. ورواه التيمي إلَّا أنه لم يسمه، قال: عن رجل من الصحابة، والآثار الصحاح واردة بالإِباحة. وقال الدارقطني: اختلف عنه، يعني أبا حاجب، فرواه عمران بن حدير وغزوان بن حجين السدوسي عنه موقوفًا من قول الحكم، ورواه أبو كدينة، عن سليمان، عن أبي حاجب، عن أبي هريرة، وهو وهم. انتهى. ويشبه أن يكون قول من صحح أرجح من قول من ضعف، وذلك أن الإِسناد ظاهره السلامة من مضعف وانقطاع، وذلك يرد قول ابن منده. أمّا الأول: فلأنّ أبا حاجب سوادة بن عاصم روى عنه جماعة منهم سليمان التيمي، وعاصم، وعمران بن حدير، وشعبة، ووثقه ابن معين وغيره، وخرَج حديثه مسلم في صحيحه على ما قاله اللالكائي، وأبو إسحاق الحبال وغيرهما، ومن قبله في الإِسناد لا يسأل عنه. الثاني: تدليس عاصم المخوف زال بما ذكره ابن حبان، وسوادة صرّح بسماعه من الحكم بن أبي شيبة في المصنف بقول سوادة: انتهيت إلى الحكم بن عمرو بالمربد، وهو ينهاهم عن فضل طهور المرأة، فقلت: ألا حبذا صفرة ذراعيها، ألا حبذا كذا، فأخذ شيئًا، فرمى نحوي، وقال: لك ولأصحابك. ويجاب عن قول البخاري المذكور في التاريخ بما تقدّم، والقول المذكور في العلل بخلاف

стр. 218

الترمذي له حين حسنه، ولولا ظهور ترجيح لما جاز له الإقدام على خلافه، أو يحمل على أنه لم يصح صحة المجمع عليه من الأحاديث، إذ الصحة تتفاوت عنده وعند غيره، أو يكون قوله صحيحًا لا يمنع الحسن. ويجاب عن قول أحمد بأن تفرد عاصم بالرفع لا يؤثر في صحة الحديث إذا وقفه ثقة غيره؛ بل يكون ذلك مقبولًا، وكونه ليس في كتاب غندر ليس قادحا أيضًا؛ لأنّ ابن جعفر لم يدع الإِحاطة بجميع حديث شعبة، وقد رواه عن شعبة كرواية أبي داود موافقًا له الربيع بن يحيى الأشناني فيما ذكره الطبراني في الكبير، وعبد الصمد بن عبد الوارث عند ابن بنت منيع في معجمه، وقيس بن الربيع عند العسكري بزيادة: نهى رسول الله ﷺ عن الدباء والحنتم والمزفت مع سؤر المرأة. ويجاب عن الاضطراب بأن معنى ما روي يرجع إلى شيء واحد، وهو البقيّة؛ إذ الرواية بالمعنى جائزة. فقول من روى فضل طهور المرأة، وسؤر المرأة - واحد، يريد بذلك البقّية، وقد جاء مصرحًا به في كتاب الطبراني الكبير بفضل المرأة، وإذا كان كذلك فلا خلف، ويجاب عن إبهام اسم الصحابي بأن ذلك لا يضر، إذ الصحابة كلّهم عدول، فسواء أبرز اسمه التابعي أو أبهمه، لكن بعد أن يشهد له بالصحبة كما يشترطه أبو الحسن بن القطان، رحمه الله تعالى. وأيضًا ففي الطبراني الكبير المسمّى عن رجل من غفار، والحكم غفاري، فعلى هذا لا فرق بين القولين إذًا، قول من قال عن الحكم، وقول من قال رجل غفاري له صحبة، ولأنّ المسمى روى عنه أيضًا غير هذا الحديث مصرحا باسمه، فيجيء ذلك من باب البسط وعدمه، والله تعالى أعلم. ويجاب عن قول من وقفه بأمرين:

стр. 219

الأول: ليس بشيء. الثاني: يجعل ذلك من قبيل الفتيا، لا من قبيل التعارض في الرواية. وأما من نسب الحكم غفاريًا، يعني بذلك أن صلبه منهم، فيشبه أن يكون ليس كذلك، وممن نسبه غفاريا أبو عبد الله البخاري في تاريخه الكبير، وأبو حاتم الرازي، وأبو عيسى الترمذي في كتابه الجامع، والتاريخ، ومسلم في كتاب الطبقات، وأبو بكر بن أبي شيبة في كتابه المصنف، والمسند، وغيرهم، ويس كما زعموا، بل هو من نعيلة، حي غُفار بن مُلَيل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة، نسب غفاريا لدخوله فيهم، نص على ذلك ابن الكلبي، وابن سعد، وأبو أحمد العسكري، وأبو حاتم بن حبان، والطبري في المذيل، والأمير أبو نصر، والبغوي في معجمه، وابن قانع، قالوا: هو الحكم بن عمرو الأقرع بن مجدع بن حذيم بن الحارث بن نعيلة بن مليل، إلَّا العسكري فإنَّه قال: نعيلة بن جدي بن مُليل، وفي كتاب خليفة: خديم بن حلوان بن الحارث، والصواب الأول، توفي سنة خمس وأربعين، ويقال: خمسين، ويقال: إحدى وخمسين، بمرو. ١٠٨ - حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا المعلى بن أسد، ثنا عبد العزيز بن المختار، ثنا عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس قال: نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة، والمرأة بفضل وضوء الرجل، ولكن يشرعان جميعا. هذا الحديث اختلف في رفعه ووقفه؛ فأما البخاري فذكر عنه أبو عيسى في كتاب العلل أنّه قال: حديث ابن سرجس هذا حديث موقوف، ومن رفعه فهو خطأ،

стр. 220

وقد تقدم كلام ابن ماجه فيه، ولما رواه في الأوسط قال: لم يروه عن عاصم، عن ابن سرجس غير عبد العزيز. تفرد به معلى بن أسد. ورواه غيره عن عاصم الأحول، عن سوادة بن عمرو، عن الحكم الغفاري، ولما ذكره الدارقطني قال: خالفه شعبة فوقفه، وهو أولى. وقال البزار: لا نعلم أحدًا أسنده عن عاصم، عن ابن سرجس إلَّا عبد العزيز، وخالف ذلك أبو محمد بن حزم فصححه مرفوعًا، وذكر عبد الحق أنَّ النسائي خرجه، ووهم في ذلك فيما بينه أبو الحسن. قال أبو الحسن: عبد العزيز بن المختار قد رفعه، وهو ثقة، ولا يضره وقف من وقفه، وتوقف في تصحيحه؛ لأنه لم يره إلا في كتاب الدارقطني، وشيخ الدارقطني فيه لم يعرف حاله، ولو رآه هنا لما توقف؛ لأن رجاله كلهم حديثهم في الصحيحين، وفي قول أبي عيسى إثر حديث الحكم: وفي الباب عن ابن سرجس نظر من حيث إغفاله حديث أبي داود من جهة داود الأودي عن حميد الحميري، قال: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، أو تغتسل المرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعًا. وهو حديث صحيح الإسناد، وممن صححه أيضًا ابن مفوز وابن القطان. وقال أحمد: إسناده حسن، فيما حكاه عنه الأثرم. وَلا التفات إلى قول ابن حزم عندما أراد تضعيفه، إن كان داود هذا هو عم عبد الله بن إدريس فهو ضعيف، وإن لم يكن إياه فهو مجهول. وقد كتب الحميدي إلى ابن حزم من العراق يخبره بصحة هذا الخبر،

стр. 221

وتبين له أمر داود هذا، بأنه داود بن عبد الله الزعافري الأزدي أبو العلاء الكوفي، روى عنه جماعة، ووثقه الإِمام أحمد وغيره، وهو غير عم ابن إدريس فيما ذكره الإمام أحمد. ولما ذكره أبو داود في كتاب التفرد قال: الذي تفرد به من هذا الحديث قوله: نهى أن تغتسل المرأة من فضل الرجل. قال ابن مفوز: فلا أدري رجع عن قوله أم لا؟ ولما ذكره البيهقي في كتاب المعرفة، قال: هو منقطع، وداود بن عبد الله ينفرد به. وقال في السنن الكبير: رواته ثقات إلَّا أن حميدًا لم يسم الصحابي الذي حدّثه، فهو بمعنى المرسل، إلا أنه مرسل جيّد، لولا مخالفته الأحاديث الثابتة الموصولة قبله، وداود لم يحتج به الشيخان. انتهى. وعليه فيه مآخذ: الأول: قوله: إنه بمعنى المرسل إن أراد أنه يشبهه في أنّه لم يسم الصحابي فصحيح، لكنه لا يمنع خصمه من الاحتجاج، وإنما إلى أنّه لا حاجة إلى تسمية الصحابي بعد أن يحكم التابعي بكونه صحابيًا، وإن أراد أنه في معناه من أنه لا يحتج به قوم كما لا يحتجون بمرسل التابعي، فغير صحيح لما تقدم. الثاني: قوله: مرسل جيّد، غير جيّد، بل هو مسند على الصحيح من قول العلماء. الثالث: قوله: لولا مخالفة الأحاديث الثابتة. يعني بذلك ما تقدّم، فليس بجيّد أيضًا لأمرين: الأول: شأن المحدّث الإعراض عن المعارضة كما قررناه في غير موضع. الثاني: على تقدير تسليمنا ذلك، يجاب عنه بأنه لا بأس أن يتوضأا، أو يغتسلا جميعًا من إناء واحد، يتنازعاه على حديث عائشة، وميمونة، وأنس، وابن عمر، وأم هانئ، وأم سلمة، وأم حبيبة، وغيرهن، وعلى أنه لا يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة على حديث الحكم، ولأن الأحاديث التي وردت بعد في الكراهة عن الصحابة والتابعين، لم يكن في شيء منها أنَّ الكراهة في ذلك للرجل أن يتطهر بفضل وضوء المرأة، ولتلك

стр. 222

الأحاديث علل، ذكر ذلك أبو بكر الأثرم في كتاب الناسخ والمنسوخ. الرابع: قوله: وداود لم يحتج به الشيخان فيه نظر لأمرين: الأول: إن أراد عيبه بذلك فليس ذلك بعيب عند المحدثين قاطبة؛ لأنهما لم يلتزما الإِخراج عن كل ثقة، ولو التزماه ما أطاقاه. الثاني: إن كان يريد بهذا الكلام ردّ الحديث، وهو الأقرب بضميمة كلامه على انقطاعه وغيره؛ فهو كلام متناقض، ولا حاصل تحته لما سلف من توثيقه رجاله. الخامس: قوله: منقطع، إنما يريد به الإرسال الذي أشار إليه في السنْن الكبير، لا الانقطاع الصناعي، والله أعلم. وزعم أبو عمر بن عبد البر أن أبا عوانة رواه عن داود عن حميد عن أبي هريرة، فأخطأ فيه. وزعم أبو الحسن ابن القطان أنَّ المبهم هنا، قيل: هو عبد الله بن مغفل، وقيل: ابن سرجس. وقطع أبو محمد بن حزم بأن حكم الإباحة منسوخ، وهذا الباب وما فيه من الأحاديث ناسخ، وأبى ذلك ابن العربي، فزعم أنّ الناسخ حديث ميمونة؛ بدليل أنّه ﵇ لما أراد أن يغتسل قالت له: إني توضأت به، وهذا يدّل على تقدّم النهي، وبنحوه قاله الخطابي. وأغفل أيضا - أعني الترمذي - حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن رجل: كان نبي الله ﵇ وأهله يغتسلون من إناء واحد، ولا يغتسل أحد مما يفضل صاحبه. قال أبو بكر الأثرم: لم يسمعه أبو إسحاق من الحارث، وحديث عائشة: سئل ﵇ عن فضل وضوء المرأة، قال: لا بأس به ما لم تخل به، فإذا خلت به فلا يتوضأ بفضل وضوئها. كره ابن عدي، وأعلّه بعمر بن صبح، وحديث أبي ذر وأبي هريرة ذكرهما ابن منده، وأشار إلى أنهما لا يثبتان من قبل سندهما، وقد سبقت الإِشارة إلى حديث أبي هريرة أيضا.

стр. 223

الرجل والمرأة يغتسلان من إناء واحد ١٠٩ - حدثنا محمد بن رمح، أنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب (ح)، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد. هذا الحديث اتفقا على تخريجه بزيادة: تختلف فيه أيدينا، زاد ابن عوانة في صحيحه: وتلتقي. ورواه عن عائشة جماعة. ١١٠ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن خالته ميمونة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد. هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، والبخاري عن أبي نعيم، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر، عن ابن عباس، ثم قال: كان ابن عيينة أخيرا يقول: عن ابن عباس، عن ميمونة، والصحيح ما رواه أبو نعيم. انتهى، وقد تقدم التنبيه على طرف منه قبل، والله أعلم. وخرجه الترمذي كما تقدم. وقال: حسن صحيح. وذكر الإِسماعيلي: وقال المقدمي، وابن أبي شيبة، والنرسي، وإسحاق الطالقاني، وأبو خيثمة، وابن أبي عمر، وسريج، وابن منيع، والمخزومي، وعثمان بن أبي شيبة، وعبد الجبار، وابن همام، وأبو موسى الأنصاري، وابن وكيع، والأحمسي، كلّهم عن سفيان في هذا الحديث عن ميمونة، قال: وهكذا يقول ابن مهدي. وقال الدارقطني: خالف ابن عيينة ابن جريج، فرواه عن عمرو، عن جابر، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ : كان يغتسل بفضل ميمونة. قال:

стр. 224

وقول ابن جريج أشبه. ١١١ - حدثنا أبو عامر الأشعري عبد الله بن عامر، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ: أن النبي ﷺ اغتسل وميمونة من إناءٍ واحد في قصعة فيها أثر العجين. هذا حديث إسناده ضعيف؛ للجهل بحال أبي عامر عبد الله بن عامر بن براد بن يوسف بن أبي بردة. قال الحافظ المزي: وظنّ بعضهم أنه ابن براد، يعني الذي حديثه في الصحيح، وليس كذلك، ولم يذكر أحدًا من أصحاب الكتب روى عن هذا إلا ابن ماجه فقط، ولم يعرف بشيء من حاله، ولم أر قبله أحدًا عرض بحاله، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق صحيحة سالمة، من أبي عامر هذا، ذكرها الحافظ النسائي، فقال: محمد بن بشار حدّثني عبد الرحمن، حدثني إبراهيم بن نافع … فذكره. ١١٢ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن الحسن الأسدي، ثنا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ وأزواجه يغتسلون من إناء واحد. هذا حديث حسن، لعرفان مخرجه ولاحتجاج جماعة بحديث ابن عقيل كما بيناه قبل. ١١٣ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل بن علية، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة: أنها كانت ورسول الله ﷺ يغتسلان من إناء واحد. هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه عن سعد بن حفص، ثنا سفيان، عن يحيى

стр. 225

به، كذا ذكره خلف في أطرافه. وزعم الشيخ ضياء الدين أنهما اتفقا عليه، والله أعلم. ورواية ابن ماجه، عن ابن أبي شيبة فيها تقصير منه؛ لأن ابن أبي شيبة روى هذا الحديث في مسنده، عن إسماعيل، بزيادة: وكان يقبلها وهو صائم. ورواه كرواية ابن ماجه عثمانُ بن أبي شيبة عند الطبراني، وعند أحمد بن منيع، عن عنبسة بن عمار الفزاري، ثنا يحيى .. فذكره، وتابعه عمار الدهني عند الطبراني، ورواه عن أم سلمة أيضًا عنده سليمان مولاها، ولفظه: من إناء واحد نحو نصف الفرق، فيتبادران الغسل جميعًا، يبدأ قبلي. وخيرة أم الحسن البصري بزيادة: فأقول: اترك اترك. وعبيد بن عمير، ولفظه: يأخذ كل منّا على حدة. وعبد الله بن رافع، وقد روي عن علي بن أبي طالب نحوه مرفوعًا. ذكره أحمد بن حنبل ومطين في مسنديهما، وفي البخاري من حديث أنس نحوه.

стр. 226

الرجل والمرأة يتوضآن من إناء واحد ١١٤ - حدّثنا هشام بن عمار، ثنا مالك بن أنس، حدّثني نافع، عن ابن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد. هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه، ولفظ أبي داود: من الإناء الواحد جميعًا. وفي لفظ له: كنا نتوضأ نحن والنساء من إناء واحد على عهد النبي ﷺ ، ندلي فيه أيدينا، وفي لفظ: من الميضأة. ١١٥ - حدّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا أنس بن عياض، ثنا أسامة بن زيد، عن سالم بن النعمان، وهو ابن سرج، عن أم صبية الجهنية قالت: ربما اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناء واحد. قال أبو عبد الله: سمعت محمدًا يقول: أم صبية هي: خولة بنت قيس، فذكرته لأبي زرعة: فقال: صدق. ، وأمّا سالم بن سرج فهو أبو النعمان، ويقال أيضا ابن النعمان، ويقال: ابن خربوذ، قال الحاكم: من قال سرج عَرّبَهُ، ومن قال خَربوذ أراد به الإكاف بالفارسيَّة. وقال الدارقطني: سرج يعرف بخربوذ، ووهم وكيع، فقال: عن أسامة، عن النعمان بن خربوذ. قاله البخاري، قال: والصواب سالم بن خربوذ أبو النعمان. روى عنه أيضا خارجة بن عبد الله أبو الحجاج، قال فيه ابن معين: شيخ مشهور ثقة. وذكره البستي في الثقات، وفي كتاب العلل الكبير للترمذي تصريح

стр. 227

سالم بسماعه من خولة هذا الحديث، وكانت من المبايعات، وروت عن النبي ﵊ أحاديث، وهي جدّة خارجة، ومولاة سالم. قاله ابن سعد وغيره. وفرق ابن حبان بينها وبين خولة الأنصارية امرأة حمزة بن عبد المطلب، واعترض بعضهم على صحة هذا الحديث بكونه ﵇ لم يمس امرأة لا تحل له. قال: وخولة هذه لم يأت في خبر صحيح ولا غيره أنها كانت بتلك الصفة، وفي الذي قاله نظر في موضعين: الأول: وذلك يؤخذ من قولها: تختلف، ألا يسلم أن الاختلاف يوجب مسًا. الثاني: لا يدفع صحة الحديث لتخيّل معارضة إذا عُدلت رواته، وسَلِمَ من شائبة الانقطاع، والله تعالى أعلم. ١١٦ - حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا داود بن شبيب، ثنا حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم، عن عكرمة، عن عائشة، عن النبي ﷺ : أنهما كانا يتوضآن جميعًا للصلاة. هذا حديث صحيح الإِسناد متصله، وإن كان ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل خالف ذلك بقوله: سمعت أبي يقول: عكرمة لم يسمع من عائشة، فغير صواب؛ لنقضه ذلك في كتابه الجرح والتعديل، قيل لأبي: سمع عكرمة من عائشة؟ فقال: نعم، وكذلك قاله البخاري، وخرج حديثه عنها في صحيحه، وكذلك الترمذي وصححه. وقال الآجري: سمعت أبا داود يقول: عكرمة سمع من عائشة. ورواه عن عائشة ﵂ جماعة، منهم: أبو سلمة، ومعاذة، وحفصة عند مسلم، وعطاء عند عبد الرزاق، وعبيد بن عمير عند الدارقطني، ومسروق

стр. 228

وأم منصور بن عبد الرحمن عند الطحاوي، وابن المسيب عند ابن عبد البر، وإبراهيم - على انقطاعه - عند ابن أبي شيبة، وأبو أمامة الأنصاري، أنا بحديثه الإِمام تاج الدين أبو العباس أحمد بن علي بن وهب القشيري، المعروف بابن دقيق العيد ﵀ قراءة عليه وأنا أسمع، [أنا أبو الحسن ابن الحميري قراءة عليه وأنا أسمع أنا الحافظ أبو طاهر السلفي ﵀ قراءة عليه وأنا أسمع]، أنا أبو عبد الله القاسم بن الفضل الأصبهاني قراءة عليه في شهور سنة ثمان وثمانين وأربعمائة بأصبهان، أنا أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الحافظ، أنا أحمد بن محمد بن زياد القطان، نا علي بن إبراهيم الواسطي، ثنا يزيد بن هارون، أنا جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن عائشة قالت: لقد كنت أنا ورسول الله ﷺ تختلف أيدينا في الإِناء الواحد في الغسل من الجنابة. والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وفي حديثه زيادات أخبرنا به جماعة من شيوخنا بقراءتنا وقراءة عليهم، وأنا أسمع، قالوا: أنا جماعة، منهم: ابن خطيب المزة، وأبو بكر المقدسي، والشريف عماد الدين، وابن أبي حيان، نا ابن طبرزد ﵀، وأنبأنا به الإِمام أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي المعروف بابن البخاري، أنا أبو حفص عمر بن معمر الدارقزي، أنا أبو القاسم هبة الله بن محمد الشيباني، أنا أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم البزاز، أنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، ثنا جعفر بن محمد أبو بكر القاضي، ثنا محمد بن عثمان العثماني، ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن القاسم، عن عائشة بمثله، يعني حديثا قبله فيه: كنت أغتسل معه ﵇ من الإناء الواحد. قال: زاد في حديثه: هو الفرق. قال ابن شهاب: الفرق خمسة أقساط، وبه قال الشافعي. قال: ثنا عبد الرحمن بن إسحاق الدمشقي، ثنا محمد، ثنا مروان، نا ابن لهيعة، ثنا عطاء بن خباب

стр. 229

المكي، عن القاسم، عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، فإن سبقني لم أقربه، وإن سبقته لم يقربه. وبه قال: أنا يوسف بن يعقوب، نا محمد بن أبي بكر ونصر بن علي، قالا: ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، عن عباد بن منصور، عن القاسم، عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناءٍ واحد، غير أنه يبدأ قبلي. وفي حديث عبد الرحمن بن القاسم عنه: إناء ليس بالكثير الماء. قال أبو عمر بن عبد البرّ: في هذه المسألة خمسة أقوال: الأول: قال ابن عمر: لا بأس أن يغتسل الرجل بفضل المرأة ما لم تكن حائضا أو جنبا. الثاني: الكراهة أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، أو تتوضأ المرأة بفضل الرجل. الثالث: الكراهة في أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، والترخيص في أن تتطهر المرأة بفضل وضوء الرجل. الرابع: أنّهما إذا شرعا جميعا في التطهير فلا بأس به، وإذا خلت المرأة بالطهور فلا خير في أن يتوضأ بفضل طهورها، وهو قول أحمد بن حنبل. الخامس: لا بأس أن يتوضأ كل واحد منهما بفضل طهور صاحبه شرعا جميعا، أو خلا كل واحد منهما به. وعليه فقهاء الأمصار، والآثار في معناه متواترة. وذكر ابن المنذر معناه، وقال: وبه نقول.

стр. 230

الوضوء بالنبيذ ١١٧ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، قالا: ثنا وكيع، عن أبيه. (ح) وثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد الرزاق، عن سفيان، عن أبي فزارة العبسي، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال له ليلة الجن: عندك طهور؟ قال: لا، إلَّا شيء من نبيذ في إداوة، قال: تمرة طيبة وماء طهور، فتوضأ. ١١٨ - ثنا العباس بن الوليد الدمشقي، ثنا مروان بن محمد، ثنا ابن لهيعة، ثنا قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال لابن مسعود ليلة الجن: معك ماء؟ قال: لا، إلا نبيذا في سطيحة، فقال ﷺ : تمرة طيبة وماء طهور، صب علي، قال: فصببت عليه، فتوضأ به. هذا حديث قال فيه الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي: نقلته من خطّ ابن أبي يداس البرزالي: حديث صحيح، وما تركوه إلا بسبب أبي فزارة، وأبي زيد؛ لأنهما غير معروفين، وأبو فزارة اسمه راشد بن كيسان، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث. انتهى كلامه. وهو حديث علل بأمور: الأول: جهالة حال أبي زيد وضعف حديثه، فقد قال الترمذي عند تخريجه: إنّما روي هذا الحديث عن أبي زيد، عن عبد الله، عن النبي ﷺ ، وأبو زيد رجل مجهول عند أهل العلم لا يعرف له رواية غير هذا الحديث. انتهى كلامه، وفيه نظر من حيث زعمه أن أبا زيد تفرّد به عن ابن مسعود؛ لرواية جماعة نحوه عنه، منهم عمرو البكالي الصحابي، ذكره الحاكم أبو أحمد في كتاب الكنى، فقال: نا أبو القاسم البغوي، ثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي، ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، أخبرني

стр. 231

أبو تميمة عن عمرو، ولعلّه قد قال: البكالي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: استتبعني النبي ﷺ قال: فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا … فذكر حديث ليلة الجن، ومنهم أبو رافع، ذكر حديثه أبو عبد الله الحاكم من جهة أبي سعيد مولى أبي هاشم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عنه، عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: أمعك ماء؟ قال: لا، قال: أمعك نبيذ؟ قال: نعم، قال: فتوضأ به. قال الجوزقاني: هذا حديث باطل. وقال أبو عبد الله: تفرد به أبو سعيد، عن حماد. وفيما قاله نظر؛ وذلك أن الدارقطني لما ذكره من جهة أبي سعيد قال: علي ضعيف، وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود، وليس هذا الحديث في مصنفات حماد، وقد رواه أيضًا عبد العزيز بن أبي رزمة، وليس هو بقوي، عن حماد مثله، فهذا عبد العزيز قد تابع أبا سعيد، وفي قول أبي الحسن: وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود نظر من حيث كونه جاهليا من كبار التابعين. قال أبو عمر: روى عن أبي بكر وعمر وابن مسعود، روى عنه الحسن وغيره من كبار التابعين، فمن كان بهذه المثابة لا ينكر سماعه من ابن مسعود، لا سيما وقد جمعهما العصر والبلد. وفي قوله: لم يثبت - إشعار بعدم النفي، إذ لو كان ثابتا عنده لجزم به كعادته، ويشبه أن تكون روايته عنه إنّما جاءت على لسان متكلّم فيه؛ فلذلك قال: لم يثبت. وفي كلامه أيضا إشعار بترجيح مذهب من يشترط أنّه لا بدّ من أن يعرف سماعه من المروي عنه، ولو مرة، ولئن كان كذلك فهو مذهب مرجوح، أطنب مسلم - رحمه الله تعالى - في الردّ على قائله. وفي قوله أيضا: وليس هذا الحديث في مصنفات حماد نظر؛ لأن المصنف الكبير لا يذكر في جامعه جميع رواياته، إمّا

стр. 232

لعدم استحضاره له، أو لكونه لم يرتضه، وقد يحتمل أن يكون ذكره في مصنف لم يره الدارقطني، وذلك مأخوذ من قوله: مصنفات بغير آلة الحصر، إذ لو حصر لما تطرق ذلك له غالبا، والله أعلم. فعلى ما تقرر يشبه أن يكون أمثل أسانيد هذا الحديث. [ومنهم علي بن رباح، ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديثه عن المقدام بن داود، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني موسى بن عُلي بن رباح عن أبيه عن عبد الله فذكر حضوره ليلة الجن، وذكر عن ابن مسعود حديثًا غير هذا، وإسناده لا بأس، ومنهم ما ذكره عمر بن الخطاب حدث به ابنه ابن عمر قال: كنت ممن حضر مع ابن مسعود ليلة الجن، ذكره أبو موسى المديني في الصحابة، وحديث محمد بن خالد الجندي، ثنا شعبة بن الحجاج … عن ابن عباس عنه]، ومنهم: أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وأبو الأحوص، أنا بذلك الشيخ المسند المعمر حسن بن عمر بن عيسى بن خليل الكردي من لفظه، وابن خطيب المزة، قالا: أنا أبو المنجا [عبد الله بن عمر بن اللتي قراءة عليه وأنا في الرابعة سنة ثلاثة وثلاثين وستمائة قال: ثنا أبو المعالي محمد بن محمد بن اللحاس أنا أبو عبد الله محمد بن الحسين بن السراج، أنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: ثنا الشيخ الإمام أبو عمرو عثمان بن] أحمد بن عبد الله الدقّاق، قال: نا محمد بن عيسى المدائني، نا الحسن بن قتيبة، نا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، وأبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: مر بي رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: خذ معك إداوة من ماء، ثم انطلق وأنا معه، قال: ثم خطّ علي خطا، ثم قال لي: لا تخرج من هذا الخط، قال: ثم مضى ﵇، فسمعت لغطا شديدا، قال: فخفت على رسول الله ﷺ والله أحفظ لرسوله

стр. 233

مني، فإذا هم وفد الجن، فلما انصرف النبي ﷺ ، قال: فأتاني، فقلت: يا رسول الله: سمعت لغطا شديدا قال: هذا وفد أهل نصيبين من الجن أتوني، قال: فلما انصرفت تبعوني يسألوني الرزق، فأمرت لهم بالعظام والروث، قال: ثم تبرز ثم جاء، فقال: ناولني ثلاثة أحجار فناولته حجرين وروثة قال: فرمى بالروثة، وقال: هذا ركس أو رجس، قال: فلما أفرغت عليه من الإِداوة إذا هو نبيذ، فقلت: يا رسول الله، أخطأت بالنبيذ، فقال: تمرة حلوة وماء عذب. . ومنهم عبد الله بن سلمة ذكره الحافظ أبو الحسين بن المظفر في كتاب غرائب حديث شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلمة عنه، وذكره البخاري في الأوسط والصغير، فقال: لا يصح. ومنهم قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، ثنا ابن مسعود نحوه، ومنهم عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي، ذكره

стр. 234

الإِسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير عن يحيى عنه، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل، وأعله بجهالة حال ابن غيلان هذا. وقال الدارقطني: يقال: اسمه عمرو، وقيل: عبد الله بن عمرو بن غيلان، وفي الخلافيات: وقيل: عن فلان بن غيلان، وبنحوه قاله الجوزقاني، ومنهم عُلي بن رباح، ولم يسمع منه ولم يره ولم تبلغه سنه. ذكره البيهقي في الخلافيات. ومنهم عبد الله بن عباس من طريق ابن لهيعة، عن حنش الصنعاني، عنه. ذكره ابن ماجه تباعا. وقال البيهقي: تفرّد به ابن لهيعة، ومنهم أبو وائل شقيق بن سلمة، ذكره الدارقطني من جهة الحسين بن عبيد الله العجلي. وقال: كان وضاعًا. قال الحاكم أبو عبد الله، فيما ذكره أبو بكر في الخلافيات: ومنهم ابن لعبد الله، روى أبو عبيدة بن عبد الله، عن طلحة بن عبد الله عنه أن أباه حدثه، قال البخاري في التاريخ الأوسط: ولا يُعرف لطلحة سماعٌ من ابن عبد الله، وأما حديث أبي عثمان النهدي، عن عبد الله حين خرج مع النبي ﷺ فسنده صحيح. رواه الدارقطني في سننه عن يزيد بن هارون، نا سليمان التيمي، عن أبي عثمان. وأما حديث أبي تميمة الهجيمي وعمرو البكالي، عن ابن مسعود، فليس في حديث

стр. 235

واحد منهما ذكر نبيذ التمر، إنّما ذكرا خروجه مع النبي ﷺ تلك اللّيلة على اضطراب في إسناد حديثهما، وعلى هذا فلا تقوم بهما حجة. وأبو عثمان بن سَنَهْ ذكره ابن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ من طريق ضعيفة، كذا ذكره البيهقي، وفيه نظر؛ لأنّ حديث عمرو سنده صحيح، رواه الدارقطني عن غيلان، ثنا المعتمر قال: قال أبي: حدّثني عمرو البكالي فذكره، فقد ثبت بمجموع ما تقدّم أنه لم يروه أبو زيد عن ابن مسعود وحده، كما فهم من كلام الترمذي المتقدم، والله أعلم. رجعنا إلى ذكر أبي زيد ومن جهله. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي فزارة ليس بصحيح، يعني في الوضوء بالنبيذ، وأبو زيد مجهول، وذكر في العلل نحوا من هذا، وقال أبو عبد الله البخاري: أبو زيد رجل مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، وقال ابن حبان: لا يُدرى من هو، ولا يُعرف أبوه ولا بلده. قال أبو أحمد الحاكم: هو رجل مجهول لا يوقف على صحة كنيته واسمه، ولا نعرف له راويًا غير أبي فزارة، ولا رواية من وجه ثابت إلا حديث النبيذ. وقال الأثرم في كتاب الناسخ والمنسوخ: وأبو زيد لا يعرف وما يُدرى من أين هو؟ وقال الجوزقاني: منهم من سمّاه، ومنهم من كنّاه، ولكنه رجل مجهول. وقال أبو عمر في كتاب الاستغناء: هو عند أهل الحديث رجل مجهول، روى عن ابن مسعود حديثًا منكرًا لم يتابع عليه، ولم يرو عنه غير أبي فزارة، ولا يصح حديث أبي زيد هذا عند أهل الحديث، ولا قال به أحد من أهل الحجاز، ولا رواه من يوثق

стр. 236

به، ولا يثبت، وقال أبو الحسن محمد بن محمد بن عبد الله الباهلي في مسند عبد الله بن مسعود، تأليف أحمد بن إبراهيم الدورقي: هذا الحديث يدخله شيئان: أحدهما: أن يكون هذا من قبل حفظ الناقلين، والوجه الآخر: أن يكون قوله ما رأيت مثلهم إلا ليلة الجن حين رأى ناسًا من الزط، يعني: ما علمت إلَّا ما علمت من رسول الله ﷺ ؛ لأن الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: ما كنت ليلتئذ مع النبي ﷺ ، وقال أبو أحمد الكرابيسي: وفي هذا الخبر إبطال كتاب الله تعالى، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، وقال ﵇ لعمار: إن لم تجد الماء فعليك بالصعيد. وقد اجتمعت الأمة أنه لا يتوضأ بغير الماء، ولا يغتسل بغيره من الجنابة، مثل: الخل، ونبيذ التمر والعسل، وماء العصفر، وما أشبه ذلك. ولا يثبت في هذا الباب من هذه الرواية حديث، بل الأخبار الصحيحة عن ابن مسعود ناطقة بخلافه. وقال أبو جعفر الطحاوي: هذه الطرق لا تقوم بها الحجة عند من يقبل خبر الواحد. وقال أبو بكر بن المنذر: حديث ليس بثابت، وقال ابن عدي: ولا يصح هذا الحديث عن النبي ﷺ ، وهو خلاف القرآن، وبنحوه قاله الترمذي، وفي علل الحربي: وأبو زيد رجل مجهول، قد روى حديثه هذا عن أبي فزارة سبعة أنفس، وقالوا خمسة أقاويل، فقال إسرائيل ووكيع وشريك وسفيان: عن أبي زيد، وقال أبو العميس: عن زيد، وقال عبد الملك بن أبي سليمان: عن عبد الله بن يزيد بن الأصم، وقال ليث: عن رجل، وقال أبو عبد الله الشقري: عن شريك أنه حدّثه عن أبي زائدة، خلاف ما حكي عن سعدويه، والقول قول من قال: عن أبي زيد. الثاني: وقد خرج عبد الرزاق في أماليه التي رواها عنه الرمادي، فقال: أخبرني الثوري، عن أبي فزارة العبسي، وأما النسائي فلم يذكر في كتاب الكنى غير راشد، فعلى قول البخاري ومن بعده يكون قول من قال فيه: مجهول غير جيد، لا سيما على قول الحربي من أن سبعة رووه عنه، وذكر جماعة من العلماء، فأين مطلق الجهالة مع هذا؟ والله أعلم. وأما قول ابن الجوزي في كتاب التحقيق: فإن قيل: أبو فزارة اسمه راشد بن كيسان أخرج عنه مسلم، فلذلك قال الدارقطني: أبو فزارة في حديث النبيذ اسمه راشد، فجوابه من وجهين: أحدهما: أنهما اثنان؛ والمجهول هو الذي في هذا الحديث، ودليل هذا قول أحمد: أبو فزارة في حديث ابن مسعود مجهول، فاعلم أنه غير المعروف. الثاني: أن معرفة اسمه لا تخرجه عن الجهالة، فيه نظر لما أسلفناه. الثالث: وهو إنكار كون ابن مسعود ﵁ وغيره شهد ليلة الجن، وقد أسلفنا ما يدلّ على أنّه هو حضرها، ولما رأى قومًا من الزطّ، قال: هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن، ذكره البطليوسي، وأنكر ذلك علقمة فيما ذكره مسلم في

стр. 237

صحيحه، وأبو عبيدة ابنه فيما ذكره البخاري في الأوسط، ولما ذكره أبو جعفر الطحاوي رجّحه مع علمه بانقطاعه، قال: لأنّ ابنه يعلم حال أبيه، وإبراهيم النخعي فيما ذكره البيهقي. وقال في التحقيق عن اللالكائي: أحاديث الوضوء بالنبيذ وضعت على أصحاب ابن مسعود عند ظهور العصبية. ويجاب عن إنكار أبي عبيدة بأمرين: الأول: ضعف الإِسناد الموصل إليه. الثاني: ما أسلفناه من روايته عكس ذلك، فتهاترتا. وعن قول إبراهيم بانقطاعه، ويشبه أنّه إنّما أخذه عن علقمة، وعن قول علقمة بأن عبد الله لم يشهد الجن وما قالوا، وصدق في ذلك، كان في الخط الذي خطه له المصطفى ﷺ ولهذا فإنك لا تجد رواية ضعيفة ولا صحيحة أنه شهد الجن، إنما يقولون: ليلة الجن. وذلك بيّن في حديث أبي الأحوص المتقدّم، وأن الوضوء بالنبيذ كان بعد مجيئه ﷺ من عند الجن. ومال الطحاوي ﵀ إلى أن ابن مسعود لم يحضرها، ويزيده وضوحا ما ذكره الكرابيسي في كتاب المدلّسين من تأليفه: أخبرني من سمع عبد الرزاق يحدّث عن أبيه، عن ميناء، عن عبد الله، أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: يا عبد الله نعيت إلي نفسي .. الحديث، في ذكر الخلافة، وحديث التيمي عن أبي عثمان النهدي، عن عبد الله: أنّه رأى ناسا من الزطّ، فقال: ما رأيت شبههم إلا ليلة الجن مع النبي ﷺ .

стр. 238

وأمّا قول اللالكائي فظاهر في التعصب، والله أعلم، ويزيد ذلك وضوحا حضور الزبير بن العوام أيضا تلك الليلة، روى ذلك الإِسماعيلي، عن موسى بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا سليمان بن سلمة، ثنا أبو يحمد بقية بن الوليد، حدّثني نمير بن يزيد الحمصي - معروف حسن الحديث - عن أبيه، عن عمه قحافة بن ربيعة، ثنا الزبير بن العوام، قال: صلى بنا النبي ﷺ الصبح في مسجد المدينة، فلما فرغ قال: أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة … الحديث. وكيفما حكى فلم يجزم بعدم حضوره، لكنه تردد، قال الأثرم: سألت أبا عبد الله: الذي يصح عندك أن عبد الله صحب النبي ﷺ ليلة الجن؟ فقال: لا أدري. وقال ابن السيد في كتاب أسباب الخلاف: إنما أوجب التعارض أن الذي روى الحديث الأول يعني حديث عبد الله أسقط منه كلمة، وإنّما الحديث ما شهدها أحد غيري. ومال الطحاوي ﵀ إلى أن ابن مسعود لم يحضرها، فقال: فهذا الباب إن كان يؤخذ من طريق صحة الإِسناد؛ فهذا الحديث الذي فيه الإِنكار أولى، يعني حديث علقمة، لاستقامة طريقه ومتنه، وثبت رواته، وإن كان من طريق النظر فإنا قد رأينا الأصل المتفق عليه، أنه لا يتوضأ بنبيذ الزبيب ولا بالخل، فكان النظر على ذلك أن يكون نبيذ التمر أيضًا كذلك. وقد أجمع العلماء أن نبيذ التمر إذا كان موجودا في حال وجود الماء أنّه لا يتوضأ به؛ لأنه ليس ماءً، فلما كان خارجًا عن حكم المياه في حال وجود الماء، كان كذلك هو في عدم الماء، وتوضؤ النبي ﷺ كان وهو غير مسافر، فلو ثبت هذا الأثر أنّ النبيذ يجوز التوضؤ به في البوادي والأمصار، ثبت أنّه يجوز التوضؤ به في حال وجود

стр. 239

الماء وعدمه، فلما أجمعوا على ترك ذلك والعمل بضدّه، ثبت بذلك تركهم لذلك الحديث، وخرج حكم ذلك النبيذ من حكم سائر المياه، وثبت بذلك ألّا يجوز التوضؤ به في حال من الأحوال، وهو قول أبي يوسف وهو النظر عندنا، والأول قول أبي حنيفة. انتهى كلامه. وفي تاريخ الموصلي من حديث شريك، عن أبي فزارة أن النبي ﷺ قال: قد أمرت أن أتلو على إخوانكم من الجن، فليقم معي من ليس في قلبه مثقال خردلة من غش، وفي سنن الدارقطني من جهة المسيب بن واضح، ثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ : النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء. قال: ووهم فيه المسيب في موضعين: في ذكره ابن عباس، وفي ذكره النبي ﵇، والمحفوظ من قول عكرمة غير مرفوع إلى النبي ﷺ ، ولا إلى ابن عباس والمسيب ضعيف، وقد رواه مجاعة، وهو ضعيف، عن أبان بن أبي عياش، وهو متروك، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا. ولما ذكره الجوزقاني قال: هذا حديث باطل، والصحيح رأي عكرمة غير مرفوع، ولما ذكره البيهقي في الخلافيات قال: هذا حديث واهي، وروى أبو إسحاق السبيعي، عن الحارث ومزيدة بن جابر، عن علي: أنه كان لا يرى بالوضوء به بأسًا، قال ابن المنذر: وهو قول الحسن البصري والأوزاعي، قال الدارقطني: وبه قال ابن عباس وعكرمة، قال الترمذي: وبه قال الثوري، وروي عن أبي العالية نحوه، وذهب بعضهم إلى أنّه لو صح لكان منسوخا؛ لأنه كان بمكة في صدر الإسلام. وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ نزل في غزوة المريسيع، وممن قالَ ذلك ابن القصار من المالكية وغيره. وأما قول أبي حنيفة: لا يجوز الوضوء بشيء من الأنبذة إلا نبيذ التمر، ففيه نظر؛ لما روى الدارقطني، عن أبي العالية: إنما كان ذلك زبيبا وماء.

стр. 240

وأصل النبذ: الطرح والرفض، قال الله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾، وإذا أردت عمله ليطيب، قلت: نبذت النبيذ، بغير ألف. ذكره ثعلب وكراع وابن السكيت والقزاز. وأما ما ذكره ابن درستويه من أن قول العامة: أنبذت خطأ، فيشبه أن يكون وهما؛ لأنّ جماعة من اللغويين ذكروا ذلك، فلا عيب على العامة، قال اللحياني في نوادره: وأنبذت لغة، ولكنّها قليلة، وبنحوه ذكره ثعلب في كتاب فعلت وأفعلت، وابن سيده في المحكم، قال: والانتباذ قيل: هو المعالجة.

стр. 241

الوضوء بماء البحر ١١٩ - حدّثنا هشام بن عمار، ثنا مالك بن أنس، حدّثني صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة، هو من آل ابن الأزرق، أن المغيرة بن أبي بردة، وهو من بني عبد الدار، حدّثه أنه سمع أبا هريرة يقول: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته. هذا حديث قال فيه أبو عيسى لما خرجه: هذا حديث حسن صحيح، قال: وسألت محمدًا عنه، فقال: هو حديث صحيح، قال أبو عمر بن عبد البر: ما أدري ما هذا من البخاري، فإن أهل الحديث لا يحتجون بمثل إسناد هذا الحديث، ولو كان صحيحًا عنده لوضعه في كتابه، قال: الحديث عندي صحيح؛ لأن العلماء تلقوه بالقبول، وحاصل ما يعترض به على هذا الحديث أربعة أوجه: أحدها: الجهالة بسعيد بن سلمة والمغيرة، وادعاء أنه لم يرو عن سعيد غير صفوان، ولا عن المغيرة غير سعيد، وفي موضع آخر: وليس إسناده مما تقوم به حجة، فيه رجلان غير معروفين بحمل العلم. انتهى كلامه. وفيه نظر من وجوه: الأول: قوله ولو كان صحيحًا لوضعه في كتابه، وذلك أنه هو قد أخبر عن نفسه أنه خرج كتابه هذا من مائة ألف حديث صحيحة، قال: ولم أخرج هنا إلا ما أجمعوا عليه، فهذا صحيح غير مجمع عليه. الثاني: ما ادّعى من أنّه لم يرو عن سعيد غير صفوان، وليس كذلك، بل روى عنه أيضًا الجلاح أبو كثير، فيما ذكره النسائي في كتاب السنن، والحاكم في

стр. 242

المستدرك، والبيهقي في كتاب السنن الكبير بلفظ: كنا عند النبي ﷺ يوما فجاءه صيّاد، فقال: يا رسول الله إنا ننطلق في البحر نريد الصيد، فيحمل معه أحدنا الإداوة وهو يرجو أن يأخذ الصيد قريبا، فربما وجده كذلك، وربما لم يجد الصيد حتى يبلغ من البحر مكانا لم يظن أن يبلغه، فلعله يحتلم أو يتوضأ، فإن اغتسل أو توضأ نفد الماء، فلعل أحدنا يهلكه العطش، فهل ترى في ماء البحر أن نغتسل منه أو نتوضأ به إذا خضنا ذلك؟ فزعم أن رسول الله ﷺ قال له: اغتسلوا به وتوضؤوا منه، فإنه الطهور ماؤه، الحل ميتته. الثالث: المغيرة روى عنه غير سعيد، وهو يحيى بن سعيد، ويزيد بن محمد القرشي، فيما ذكره البيهقي، وعبد الله بن أبي صالح من رواية ابن وهب عنه. ذكره أبو بكر في رياض النفوس، والحارث بن يزيد، ويزيد بن أبي حبيب، وعبد العزيز بن صالح، وأبو مرزوق التجيبي، وموسى بن الأشعث البلوي وغيرهم، فيما ذكره ابن يونس. وقال عبد الغني: وصفوان بن سليمان وعبد الله ابنه فيما ذكره أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد في كتابه التعريف بصريح التاريخ. الرابع: الخامس: وقال ابن يونس في تاريخ علماء مصر: ولي غزو البحر لسليمان بن عبد الملك سنة ثمان وتسعين، والبعث من مصر لعمر بن عبد العزيز سنة مائة، وولده بإفريقيا إلى اليوم. قال ابن أبي خلف: شهد قتل أصحاب يزيد بن المهلب، وممن صححه أيضًا أبو حاتم البستي، ثم قال: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذه السنة تفرد بها سعيد بن سلمة، فذكر حديث جابر الآتي بعد، ورجّح ابن منده صحته. وقال ابن المنذر: ثبت أن النبي ﷺ قال في البحر: هو الطهور ماؤه. وقال البيهقي: هو حديث صحيح، وإنما لم يخرجه البخاري في الصحيح لأجل اختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة والمغيرة، وذكره ابن الجارود في المنتقى، أنا الشيخ المسند المعمر مجد الدين إبراهيم بن علي بقراءتي عليه، أخبركم الإِمام الرحّال صدر الدين أبو علي الحسن بن محمد بن محمد البكري إجازة، إن لم يكن

стр. 243

سماعا، أنا أبو روح عبد المعز بن محمد بن أبي الفضل الهروي قراءة عليه، أخبركم أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي قراءة عليه وأنت تسمع، أنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن الجنزروذي، أنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح السلمي النيسابوري، أنا جدي الإِمام أبو بكر بجميع كتاب الصحيح من تأليفه، قال: أنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أنا ابن وهب أنّ مالكًا حدثه (ح)، وثنا يحيى بن حكيم، نا بشر، يعني ابن عمر الزهراني، ثنا مالك، نا صفوان، عن سعيد بن سلمة فذكره، قال: هذا حديث يونس. وقال يحيى: عن صفوان، ولم يقل: من آل ابن الأزرق، ولا من بني عبد الدار. وقال: نركب البحر أزمانًا، والحاكم في المستدرك، ومع ذلك فقد أعل بأمور، منها: الاختلاف في سعيد بن سلمة، فيما ذكره البيهقي في السنن الكبير، فقيل: عن سلمة بن سعيد. وقيل: عن عبد الله بن سعيد المخزومي. وقيل: من آل الأزرق. وقيل: من آل ابن الأزرق. وقيل: من آل بني الأزرق. ومنها: الإِرسال فيما ذكره أبو عمر من أن ابن أبي عمر والحميدي والمخزومي، رووه عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن رجل من أهل المغرب يقال له المغيرة، أن ناسًا من بني مدلج أتوا النبي ﷺ فقالوا: … الحديث بمعنى حديث مالك، قال: ويحيى بن سعيد أحفظ من صفوان، وأثبت من سعيد بن سلمة. ومنها: الاضطراب واختلاف الروايات، فأما ابن إسحاق فرواه عن يزيد بن أبي حبيب، عن الجلاح، عن عبد الله بن سعيد المخزومي، عن المغيرة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: أتى رجال من بني مدلج، وفي رواية عن ابن إسحاق: سلمة بن سعيد،

стр. 244

عن المغيرة حليف بني عبد الدار، عن أبي هريرة. ذكره السراج في مسنده. وفي كتاب البيهقي: واختلف في رواية يحيى بن سعيد اختلافًا كثيرًا، فقيل: عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة، عن رجل من بني مدلج، عن النبي ﷺ ، هذه رواية أبي عبيد القاسم بن سلام، عن هشيم عنه. ورواه بعضهم، عن هشيم، فقال: عن المغيرة بن أبي برزة، وهو وهم،. قال البيهقي: ورواه سفيان عن يحيى، فقال: عن المغيرة بن عبد الله بن عبدٍ أن رجلا من بني مدلج، ورواه سليمان بن بلال، عن يحيى، عن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة أن رجلا من بني مدلج، وفي رواية: عن عبد الله بن المغيرة الكندي، عن رجل من مدلج. وقيل: عن عبد الله بن المغيرة، عن أبيه، عن رجل من مدلج، وقيل: عن المغيرة بن عبد الله عن أبيه. قال البيهقي في معرفة السنن: وهذا الاختلاف يدل على أنه لم يحفظه كما ينبغي، والجواب عن ذلك أنّ من لم يحفظ لا يكون حجة على من حفظ، وذلك أن ابن يوسف جوده، وذلك فيما ذكره الحافظ ابن عساكر ﵀ في كتابه مجموع الرغائب، الذي قرأته على الشيخ بدر الدين يوسف الحنفي، أخبركم أبو التقي صالح إجازة إن لم يكن سماعا عن مصنفه المذكور، قال: وقد جوده عبد الله بن يوسف عن مالك، عن صفوان، عن سعيد، سمع المغيرة أبا هريرة.

стр. 245

وفي كتاب التاريخ للبخاري: وحديث مالك أصح، قال البيهقي: وقد تابعه الليث وعمرو بن الحارث، كلاهما عن سعيد بن سلمة، عن يزيد بن محمد، عن المغيرة. وأمّا الاختلاف في نسبة المغيرة فكلّه بتفاوت غير ضار، قاله أبو عمر. وأمّا رواية ابن إسحاق فقد خالفه في ذلك الليث، حيث رواه كمالك، والليث لا يقارن به ابن إسحاق، وقد وقع لنا حديث أبي هريرة ﵁ من غير طريق المغيرة، من جهة الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عنه، أنا بذلك أبو النون يونس بن إبراهيم الكناني إذنًا ومناولة عن ابن المقير، قال: أنبأنا أبو الكرم الشهرزوري، قال: أنا أبو الحسن بن المهتدي في كتابه، عن أبي الحسن علي بن مهدي البغدادي الحافظ، أنا الحسين بن إسماعيل، ثنا محمد بن عبد الله بن منصور، نا أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن، نا محمد بن غزوان، نا الأوزاعي به، ومن جهة ابن المسيب، عن أبي هريرة، ذكره ابن حبان في كتاب الضعفاء من طريق عبد الله بن محمد القدامي، نا إبراهيم بن سعد، عن الزهري عنه، ومن جهة الأعرج، عن أبي هريرة، ذكره ابن منده، وأشار إلى عدم ثبوته. وفي المستدرك: وقد رويت من متابعات مالك في طرق هذا الحديث عن ثلاثة ليسوا من شرط هذا الكتاب، وهم: عبد الرحمن بن إسحاق، والقدامي، وإسحاق بن إبراهيم المزني، وإنّما حملني على ذلك أن نعرف العالمين أن هذه المتابعات والشواهد لهذا الأصل الذي صدّر به مالك كتاب الموطأ، وتداوله فقهاء الإسلام من عصره إلى وقتنا هذا، لا يرد بجهالة سعيد

стр. 246

والمغيرة، على أنّ اسم الجهالة مرفوع عنهما بهذه المتابعات. ورواه الدارقطني من حديث إبراهيم بن المختار، عن عبد العزيز بن عمر عن سعيد بن ثوبان، عن أبي هند، عن أبي هريرة، ولفظه: من لم يطهره ماء البحر فلا طهّره الله. ١٢٠ - حدّثنا سهل بن أبي سهل، ثنا يحيى بن بكر، حدّثني الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مخشي، عن ابن الفراسي قال: كنت أصيد، وكانت لي قربة أجعل فيها ماءً، وإني توضأت بماء البحر، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته. هذا حديث سأل الترمذي البخاري عنه فقال: هو مرسل، ابن الفراسي لم يدرك النبي ﷺ ، وأبوه له صحبة، وقَال الإشبيلي: لم يروه فيما أعلم إلا ابن مخشي وابن مخشي لم يرو فيما أعلم عنه إلَّا بكر بن سوادة، هذا نص ما ذكر، وخفي عليه انقطاع حديثه، وذلك أنه نقله من عند ابن عبد البر، ونص ما عنده عن مسلم أنّ الفراسي، قال: كنت أصيد … الحديث. وناقض ذلك الإشبيلي حين ذكر حديث إذا كنت سائلا فسل الصالحين، بقوله: ابن الفراسي لم يرو عنه إلا مسلم. قال أبو الحسن ابن القطان: فتبيّن من هناك أن مسلما لا يروي عن الفراسي إلا بوساطة ابنه، وليست لابنه صحبة. انتهى كلامه. وقال أبو عمر: حديث الفراسي إسناده ليس بالقائم، وقد وقع لنا هذا الحديث

стр. 247

من طريق متصلة صحيحة، ذكرها أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده: نا قتيبة، نا ليث، عن جعفر، عن بكر، عن مسلم بن مخشي، عن ابن الفراسي أن الفراسي قال: قلت لرسول الله ﷺ … فذكر الحديث. فهذا كما ترى ابن الفراسي رواه عن أبيه، فذهب ما توهم البخاري وغيره من انقطاعه، على أن البخاري قد خولف في ذلك، فذكر ابن بنت منيع في معجمه أنّ ابن الفراسي له صحبة أيضا، وزعم ابن الأثير أنَّ ابن الفراسي والفراسي واحد، ويشبه أن يكون وهما، والله أعلم. وأما بكر بن سوادة أبو ثمامة المصري الفقيه المفتي، فروى عن سهل بن سعد الساعدي وغيره من الصحابة، وروى عنه جماعة، منهم: عمرو بن الحارث، وعبد الرحمن بن زياد الإفريقي، والليث بن سعد، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وروى له مسلم في صحيحه، واستشهد به البخاري، وبكر بن سوادة وثقه أبو حاتم البستي ﵀، فصح بذلك الحديث، والله تعالى أعلم. ويقال في الفراسي: فراس، ولم يذكر البخاري في الكبير غيره، وهو من فراس بن مالك بن كنانة، حديثه عند أهل مصر، ومخرج حديثه عنهم. كذا ذكره أبو عمر، وفيه نظر؛ لأن فراسا ليس هو ابن مالك، إنما هو ابن عثمان بن ثعلبة بن مالك، قال أبو محمد الرشاطي: وثبوتهما هو الصواب. ١٢١ - حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو القاسم بن أبي الزناد، حدّثني إسحاق بن حازم، عن ابن مقسم عبيد الله، عن جابر: أن النبي ﷺ سئل عن ماء البحر فقال: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته. هذا حديث ذكر الشيخ تقي الدين أن ابن السكن خرجه في مصنفه. وقال: هو أصح ما روي في هذا الباب، وخالفه ابن منده في هذا، فقال: روى هذا الحديث

стр. 248

عبيد الله بن مقسم، عن جابر، وعن الأعرج، عن أبي هريرة، ولا يثبت، والظاهر أن القول كما قاله ابن السكن، وذلك أنّ رجال إسناده ثقات. بيانه: أن أبا القاسم ابن أبي الزناد لما سئل عنه أبو زرعة، فقال: اسمه كنيته، لا يعرف له اسم، وتبعه على ذلك الحافظان مسلم بن الحجاج وأبو عمر، وغيرهما من المتأخرين، وخالف ذلك أبو عمرو بن الصلاح، فذكر أن اسمه مرداس، أنا بذلك قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، قال: أنا قاضي القضاة تقي الدين ابن رزين، أنا ابن الصلاح، وأنبأ به جماعة من شيوخنا الشاميين عنه به. وقال عباس بن محمد: سئل عنه يحيى بن معين، فقال: ليس به بأس، قد سمع منه أحمد، قرأت على الشيخ المعمر أبي زكريا المقدسي أخبركم ابن رواح إجازة، إن لم يكن سماعا، أنا الحافظ أبو طاهر قراءة عليه وأنا أسمع بثغر الإسكندرية في يوم الأحد لعشرين من جمادى الأولى من سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، أنا الشيخ أبو القاسم محمود بن سعادة بن أحمد بن يوسف بن عمران الهلالي بثغر سلماس من أصل سماعه سنة ست وخمسمائة، أنا أبو يعلى الخليل بن عبد الله القزويني قدم علينا سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، ثنا أبي، نا علي بن إبراهيم بن سلمة القطان، نا علي بن أحمد بن الصباح، نا أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ ﵀ قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ذكر أبا القاسم بن أبي الزناد، فأثنى عليه، وقال: كتبنا عنه وهو شاب. وأمّا إسحاق بن حازم. وقيل: ابن أبي حازم المديني، فروى عنه عبد الله بن وهب، وعبد الله بن نافع، وخالد بن مخلد، ومعن بن عيسى، قال فيه ابن معين: ثقة، وكذلك قاله أحمد بن حنبل. وقال أبو حاتم الرازي: صالح الحديث. وخرجه الحاكم في مستدركه عن ابن قانع، ثنا محمد بن علي بن شعيب، ثنا الحسن بن بشر، ثنا المعافي بن عمران، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر. ورواه الدارقطني، عن علي بن الفضل، ثنا أحمد بن أبي عمران، نا سهل بن تمام، ثنا مبارك بن فضالة، عن أبي الزبير به، قال: وخالفه عبد العزيز بن عمران، وليس بالقوي. فأسنده عن أبي بكر الصديق، وجعله عن وهب بن كيسان،

стр. 249

عن جابر، ولما ذكره في العلل قال: تفرد به عبد العزيز، وهو مدني ضعيف الحديث، وقد روي عن أبي بكر من قوله غير مرفوع من رواية صحيحة من حديث عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل عنه. ورواه ابن زاطيا عن شيخ له، من حديث عبيد الله بن عمر، عن عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل، عن أبي بكر، عن النبي ﷺ ووهم في رفعه، والموقوف أصح. ولما ذكره ابن صخر في فوائده، قال: قال لنا أبو محمد الحسن بن علي: هذا حديث غريب من حديث أبي بكر، عن النبي ﷺ ، انفرد بروايته بهذا الإِسناد محمد بن يحيى المدني، وما كتبناه إلَّا من حديث عمر، يعني ابن شبة، وقد حدّث به الزيادي، فقال: حدّثني أبو زيد النحوي، يعني ابن شبة، ثنا محمد بن يحيى، حدّثني عبد العزيز … فذكره. وقال صاحب كتاب الوقوف على معرفة الموقوف: الصحيح موقوف على أبي بكر، وفي هذا ردّ لما ذكره أبو عيسى من حديث أبي هريرة: وفي الباب عن جابر والفراسي، وفيه أيضا حديث ابن عباس، خرجه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن موسى بن سلمة عنه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وشواهده كثيرة، ولم يخرجاه. وأبى ذلك الدارقطني، فزعم أن وقفه هو الصواب. وفيه أيضا: حديث عليّ بن أبي طالب، خرجه الحاكم من حديث محمد بن الحسين بن علي، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه عنه. وفيه أيضا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، خرجه الحاكم من حديث الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه. وفيه أيضا: حديث أنس بن مالك، أنا به يونس بن إبراهيم إذنا ومناولة،

стр. 250

عن ابن المقيرّ، قال: أنبأنا أبو الكرم الشهرزوري، ثنا محمد بن علي من كتابه، أنبأنا علي بن عمر قال: نا علي بن مبشر، نا محمد بن حرب، نا محمد بن يزيد، عن أبان، عن أنس به، قال: أبان هو ابن أبي عياش، وهو متروك الحديث. وفيه أيضا حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، ذكره الدارقطني، وقال: باطل بهذا الإسناد، مقلوب. وفيه أيضا حديث العركي، أنا به الإِمام تاج الدين ابن دقيق العيد ﵀ إجازة، عن الفقيه أبي الحسن بن الحميري، قال: أنبأنا الحافظ أبو الطاهر بن سلفة، قال: أنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي قراءة عليه، وأنا أسمع بمصر، قال: أنا القاضي أبو الفضل محمد بن أحمد بن عيسى السعدي، قال: أنا أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن حمدان العكبري، قال: قرئ على أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، نا عثمان بن أبي شيبة، نا حاتم بن إسماعيل، عن حميد بن صخر، عن عياش بن عباس، عن عبد الله بن جرير، عن العركي الذي سأل رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، إنا نركب الأرمات، فنبعد في البحر، ومعنا ماء لشفاهنا … الحديث. قال أبو القاسم: هكذا ثنا عثمان، عن حاتم، عن حميد بن صخر، وهو وهم، وإنما هو حميد بن زياد أبو صخر المدني، وهو صالح الحديث، قال: والعركي بلغني أن اسمه عبدود، ورواه ابن قتيبة في غريبه، عن القرشي، ثنا محمد بن غياث المكي، نا حاتم بن إسماعيل، عن أسامة بن زيد، عن أبي عبد الرحيم، عن عبد الله بن رزين الغافقي، عن العركي به. وأما البحر فمختلف فيه؛ فزعم بعضهم أن ذلك يعم العذب والملح. وقال بعضهم: بل ذلك مخصوص بالملح فقط، وممن قال ذلك القزاز، فإنه ذكر أنه سمي بذلك لسعته من قولهم: تبحر الرجل في العلم؛ إذا اتسع فيه، وإذا اجتمع الملح من الماء والعذب سموهما باسم الملح، قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾،
следующие страницы →