Полный текст (1 969 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
والمغيرة، على أنّ اسم الجهالة مرفوع عنهما بهذه المتابعات.
ورواه الدارقطني من حديث إبراهيم بن المختار، عن عبد العزيز بن عمر عن سعيد بن ثوبان، عن أبي هند، عن أبي هريرة، ولفظه: من لم يطهره ماء البحر فلا طهّره الله.
١٢٠ - حدّثنا سهل بن أبي سهل، ثنا يحيى بن بكر، حدّثني الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مخشي، عن ابن الفراسي قال: كنت أصيد، وكانت لي قربة أجعل فيها ماءً، وإني توضأت بماء البحر، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته.
هذا حديث سأل الترمذي البخاري عنه فقال: هو مرسل، ابن الفراسي لم يدرك النبي ﷺ ، وأبوه له صحبة، وقَال الإشبيلي: لم يروه فيما أعلم إلا ابن مخشي وابن مخشي لم يرو فيما أعلم عنه إلَّا بكر بن سوادة، هذا نص ما ذكر، وخفي عليه انقطاع حديثه، وذلك أنه نقله من عند ابن عبد البر، ونص ما عنده عن مسلم أنّ الفراسي، قال: كنت أصيد … الحديث.
وناقض ذلك الإشبيلي حين ذكر حديث إذا كنت سائلا فسل الصالحين، بقوله: ابن الفراسي لم يرو عنه إلا مسلم.
قال أبو الحسن ابن القطان: فتبيّن من هناك أن مسلما لا يروي عن الفراسي إلا بوساطة ابنه، وليست لابنه صحبة. انتهى كلامه.
وقال أبو عمر: حديث الفراسي إسناده ليس بالقائم، وقد وقع لنا هذا الحديث
стр. 247
من طريق متصلة صحيحة، ذكرها أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده: نا قتيبة، نا ليث، عن جعفر، عن بكر، عن مسلم بن مخشي، عن ابن الفراسي أن الفراسي قال: قلت لرسول الله ﷺ … فذكر الحديث.
فهذا كما ترى ابن الفراسي رواه عن أبيه، فذهب ما توهم البخاري وغيره من انقطاعه، على أن البخاري قد خولف في ذلك، فذكر ابن بنت منيع في معجمه أنّ ابن الفراسي له صحبة أيضا، وزعم ابن الأثير أنَّ ابن الفراسي والفراسي واحد، ويشبه أن يكون وهما، والله أعلم.
وأما بكر بن سوادة أبو ثمامة المصري الفقيه المفتي، فروى عن سهل بن سعد الساعدي وغيره من الصحابة، وروى عنه جماعة، منهم: عمرو بن الحارث، وعبد الرحمن بن زياد الإفريقي، والليث بن سعد، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وروى له مسلم في صحيحه، واستشهد به البخاري، وبكر بن سوادة وثقه أبو حاتم البستي ﵀، فصح بذلك الحديث، والله تعالى أعلم.
ويقال في الفراسي: فراس، ولم يذكر البخاري في الكبير غيره، وهو من فراس بن مالك بن كنانة، حديثه عند أهل مصر، ومخرج حديثه عنهم.
كذا ذكره أبو عمر، وفيه نظر؛ لأن فراسا ليس هو ابن مالك، إنما هو ابن عثمان بن ثعلبة بن مالك، قال أبو محمد الرشاطي: وثبوتهما هو الصواب.
١٢١ - حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو القاسم بن أبي الزناد، حدّثني إسحاق بن حازم، عن ابن مقسم عبيد الله، عن جابر: أن النبي ﷺ سئل عن ماء البحر فقال: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته.
هذا حديث ذكر الشيخ تقي الدين أن ابن السكن خرجه في مصنفه. وقال: هو أصح ما روي في هذا الباب، وخالفه ابن منده في هذا، فقال: روى هذا الحديث
стр. 248
عبيد الله بن مقسم، عن جابر، وعن الأعرج، عن أبي هريرة، ولا يثبت، والظاهر أن القول كما قاله ابن السكن، وذلك أنّ رجال إسناده ثقات.
بيانه: أن أبا القاسم ابن أبي الزناد لما سئل عنه أبو زرعة، فقال: اسمه كنيته، لا يعرف له اسم، وتبعه على ذلك الحافظان مسلم بن الحجاج وأبو عمر، وغيرهما من المتأخرين، وخالف ذلك أبو عمرو بن الصلاح، فذكر أن اسمه مرداس، أنا بذلك قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، قال: أنا قاضي القضاة تقي الدين ابن رزين، أنا ابن الصلاح، وأنبأ به جماعة من شيوخنا الشاميين عنه به.
وقال عباس بن محمد: سئل عنه يحيى بن معين، فقال: ليس به بأس، قد سمع منه أحمد، قرأت على الشيخ المعمر أبي زكريا المقدسي أخبركم ابن رواح إجازة، إن لم يكن سماعا، أنا الحافظ أبو طاهر قراءة عليه وأنا أسمع بثغر الإسكندرية في يوم الأحد لعشرين من جمادى الأولى من سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، أنا الشيخ أبو القاسم محمود بن سعادة بن أحمد بن يوسف بن عمران الهلالي بثغر سلماس من أصل سماعه سنة ست وخمسمائة، أنا أبو يعلى الخليل بن عبد الله القزويني قدم علينا سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، ثنا أبي، نا علي بن إبراهيم بن سلمة القطان، نا علي بن أحمد بن الصباح، نا أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ ﵀ قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ذكر أبا القاسم بن أبي الزناد، فأثنى عليه، وقال: كتبنا عنه وهو شاب.
وأمّا إسحاق بن حازم. وقيل: ابن أبي حازم المديني، فروى عنه عبد الله بن وهب، وعبد الله بن نافع، وخالد بن مخلد، ومعن بن عيسى، قال فيه ابن معين: ثقة، وكذلك قاله أحمد بن حنبل. وقال أبو حاتم الرازي: صالح الحديث.
وخرجه الحاكم في مستدركه عن ابن قانع، ثنا محمد بن علي بن شعيب، ثنا الحسن بن بشر، ثنا المعافي بن عمران، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر.
ورواه الدارقطني، عن علي بن الفضل، ثنا أحمد بن أبي عمران، نا سهل بن تمام، ثنا مبارك بن فضالة، عن أبي الزبير به، قال: وخالفه عبد العزيز بن عمران، وليس بالقوي. فأسنده عن أبي بكر الصديق، وجعله عن وهب بن كيسان،
стр. 249
عن جابر، ولما ذكره في العلل قال: تفرد به عبد العزيز، وهو مدني ضعيف الحديث، وقد روي عن أبي بكر من قوله غير مرفوع من رواية صحيحة من حديث عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل عنه.
ورواه ابن زاطيا عن شيخ له، من حديث عبيد الله بن عمر، عن عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل، عن أبي بكر، عن النبي ﷺ ووهم في رفعه، والموقوف أصح.
ولما ذكره ابن صخر في فوائده، قال: قال لنا أبو محمد الحسن بن علي: هذا حديث غريب من حديث أبي بكر، عن النبي ﷺ ، انفرد بروايته بهذا الإِسناد محمد بن يحيى المدني، وما كتبناه إلَّا من حديث عمر، يعني ابن شبة، وقد حدّث به الزيادي، فقال: حدّثني أبو زيد النحوي، يعني ابن شبة، ثنا محمد بن يحيى، حدّثني عبد العزيز … فذكره.
وقال صاحب كتاب الوقوف على معرفة الموقوف: الصحيح موقوف على أبي بكر، وفي هذا ردّ لما ذكره أبو عيسى من حديث أبي هريرة: وفي الباب عن جابر والفراسي، وفيه أيضا حديث ابن عباس، خرجه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن موسى بن سلمة عنه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وشواهده كثيرة، ولم يخرجاه. وأبى ذلك الدارقطني، فزعم أن وقفه هو الصواب.
وفيه أيضا: حديث عليّ بن أبي طالب، خرجه الحاكم من حديث محمد بن الحسين بن علي، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه عنه.
وفيه أيضا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، خرجه الحاكم من حديث الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه.
وفيه أيضا: حديث أنس بن مالك، أنا به يونس بن إبراهيم إذنا ومناولة،
стр. 250
عن ابن المقيرّ، قال: أنبأنا أبو الكرم الشهرزوري، ثنا محمد بن علي من كتابه، أنبأنا علي بن عمر قال: نا علي بن مبشر، نا محمد بن حرب، نا محمد بن يزيد، عن أبان، عن أنس به، قال: أبان هو ابن أبي عياش، وهو متروك الحديث.
وفيه أيضا حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، ذكره الدارقطني، وقال: باطل بهذا الإسناد، مقلوب.
وفيه أيضا حديث العركي، أنا به الإِمام تاج الدين ابن دقيق العيد ﵀ إجازة، عن الفقيه أبي الحسن بن الحميري، قال: أنبأنا الحافظ أبو الطاهر بن سلفة، قال: أنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي قراءة عليه، وأنا أسمع بمصر، قال: أنا القاضي أبو الفضل محمد بن أحمد بن عيسى السعدي، قال: أنا أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن حمدان العكبري، قال: قرئ على أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، نا عثمان بن أبي شيبة، نا حاتم بن إسماعيل، عن حميد بن صخر، عن عياش بن عباس، عن عبد الله بن جرير، عن العركي الذي سأل رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، إنا نركب الأرمات، فنبعد في البحر، ومعنا ماء لشفاهنا … الحديث.
قال أبو القاسم: هكذا ثنا عثمان، عن حاتم، عن حميد بن صخر، وهو وهم، وإنما هو حميد بن زياد أبو صخر المدني، وهو صالح الحديث، قال: والعركي بلغني أن اسمه عبدود، ورواه ابن قتيبة في غريبه، عن القرشي، ثنا محمد بن غياث المكي، نا حاتم بن إسماعيل، عن أسامة بن زيد، عن أبي عبد الرحيم، عن عبد الله بن رزين الغافقي، عن العركي به.
وأما البحر فمختلف فيه؛ فزعم بعضهم أن ذلك يعم العذب والملح. وقال بعضهم: بل ذلك مخصوص بالملح فقط، وممن قال ذلك القزاز، فإنه ذكر أنه سمي بذلك لسعته من قولهم: تبحر الرجل في العلم؛ إذا اتسع فيه، وإذا اجتمع الملح من الماء والعذب سموهما باسم الملح، قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾،
стр. 251
فجعل الماء العذب بحرًا لمقارنة الملح.
قال الشاعر:
وقد عاد عذب الماء بحرًا فزادني … على مرضي أن أبحر المشرب العذب
انتهى كلامه.
وفيه تصريح بأن البحر إنما يطلق على الملح لا العذب، وإن أطلق فعلى سبيل المجاز، وكذا ذكره ابن فارس في محكمه بقوله: ماء بحر، أي ملح، يقال: أبحر الماء إذا ملح، وفي الغريب المصنف عن الأموي والأصمعي: البحر هو الملح، يقال فيه: قد أبحر الماء، أي صار ملحا، وكذا ذكره الزمخشري في أساس البلاغة بقوله: وماء بحر وصف به لملوحته، وقد أبحر المشرب العذب، قال ذو الرمة:
بأرض هجان الترب وسمية الثرى … غداة نأت عنها الملوحة والبحر
وفي كلام الجوهري ما يفهم منه خلاف ذلك؛ لقوله: البحر خلاف البر، سمي بذلك لعمقه واتساعه، والجمع: أبحر وبحار وبحور، وكل نهر عظيم بحر، قال عدي:
سره ماله وكثرة ما يملك … والبحر مُعْرضًا والسدير
يعني: الفرات. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - في كتاب المناسك وغيره: والبحر الماء العذب والملح، وإليه نحا أبو محمد بن بري في كتابه المسمى بـ التنبيه والإِفصاح عمّا وقع في كتاب الصحاح، الذي أنا بجميعه الشيخ تاج الدين أحمد بن علي بن وهب المعروف بابن دقيق العيد، إذنًا عن الفقيه بهاء الدين عنه، قال: كان الأموي يجعل البحر من الماء الملح فقط، قال: وسمّي بحرًا لملوحته، يقال: ماء بحر أي مالح، وأما غيره فقال: إنما سمي بحرًا لسعته وانبساطه، ومنه قولهم: إنّ فلانًا لبحر، أي: واسع المعروف، فعلى هذا يكون البحر للملح والعذب،
стр. 252
وشاهد العذب قول ابن مقبل:
ونحن منعنا البحر أن تشربوا به … وقد كان منكم ماؤه بمكان
وقال جرير:
اعطوا هنيدة تحدوها ثمانية … ما في عطائهم من ولا سرف
كومًا مهاريس مثل الهضب لو وردت … ماء الفرات لكاد البحر ينتزف
وقال الكميت:
أناس إذا وردت بحرهم … صوادي العرائب لم تضرب
وقد أجمع أهل اللغة أن اليم هو البحر، وجاء في التنزيل ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ قال أهل التفسير: هو نيل مصر، وفي كتاب الجمهرة لابن دريد: والعرب تسمي الماء الملح والعذب بحرًا إذا كثر، وفي التنزيل: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ يعني الملح والعذب. وفي كتاب الغريب لابن قتيبة: سئل ابن عباس عن الوضوء بماء البحر، فقال: هما البحران لا تبال بأيهما توضأت، والله أعلم.
ذكره الأجدائي في كتاب الكفاية التي قرأتها على علامة وقته وشيخ مشائخ البلاد أبي حيان عن ظهر قلب في مجلس واحد، وأخبرني بها عن الشيخ الصالح المقرئ رشيد الدين عبد النصير بن علي الهمداني وغيره، عن أبي الفضل جعفر بن أبي البركات، وأنبأني بها جماعة من أصحاب جعفر عنه، عن أبي الفتح رضوان بن مخلوف، عن أبي الحسن علي بن الحسن بن حفص القرشي سماعًا من والده. وعن أبي محمد عبد الله ابن المؤلف لها أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن عبد الله الطرابلسي، كلاهما عن مؤلّفها أبي إسحاق، قال: والبحر: الماء الكثير المتسع، عذبًا كان أو ملحا، وإنما سمي بحرا لكثرة مائه.
ومن أسمائه: اليم، والدأماء، والمهرقان، وحصارة، والقاموس: وسطه، وغواريه: أمواجه، والحال: طينه وترابه، والعبر: ساحل البحر وهو الشّط، والشاطئ، والسيف، والضف، والضفة، والجد، والجدة، والغيقة، ويقال: ماء زَغْرَبَ، وماء تليذم، وماء خضرم؛ إذا كان كثيرا متسعًا، وفي الغريب المصنف: والبلاثق: الماء الكثير، وفي كتاب الألفاظ لابن
стр. 253
السكيت: وكذلك ماء سُعر، وسعبر، وطيس، وطيسل، وأديب، وجوار على فعال أي: كثير.
وفي كتاب تثقيف اللسان للحميري: ولا يقولون بحرا إلَّا لما كان ملحًا خاصة، والبحر يقع على الملح والعذب. انتهى كلامه.
وفيه نظر من حيث عيبه على من يقول ذلك من الناس، ولا عيب عليهم؛ لما أسلفناه من قول جماعة من أهل العلم باللغة، والله أعلم.
وأما السائل، فزعم السمعاني أنه العركي، قال: وهو اسم يشبه النسبة، والله أعلم. انتهى.
وفيه نظر من حيث جعله اسما، وليس كذلك، بل هو نعت لمن كان صيادًا، وقد سبق بيان ذلك في الكتاب الموسوم بـ رفع الارتياب في الكلام على اللباب، وملخصه ما ذكره القزاز وغيره، والعروك: الصيادون، والواحد: عركي، قال زهير:
يغشى الحداة بها رعث الكثيب كما … يغشى السَّفائن موج اللجة العرك
وكتب المصطفى ﷺ لقوم من اليهود: أنّ عليكم ربع ما أخرجت نخلكم، وربع ما صاد عروككم، ويزيد ذلك وضوحا قول البغوي: قيل: اسمه عبد، كما أسلفناه، واختلف في الوضوء من ماء البحر؛ فكره الوضوء منه جماعة، منهم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبو العالية فيما ذكره ابن أبي شيبة في المصنف.
وفي الإشراف عن ابن المسيب: إذا ألجُئت إليه توضأ منه. وقد انعقد الإِجماع على جواز الوضوء منه فيما حكاه ابن عبد البر، وإنما كره الوضوء منه من كرهه لما روي في بعض الأحاديث من أنّ الله تعالى يسقط فيه الكواكب يوم
стр. 254
القيامة ويصيره نارًا، وفي حديث يعلى من تاريخ محمد بن إسماعيل مرفوعًا: البحر من جهنم، أحاط بهم سرادقها، والله لا أدخله حتى أعرض على الله تعالى وكنت لم أسمع بهذا الحديث، فلما سافرت إلى الشام سنة تسع وسبعمائة في شوال نزلنا منزلة العريش على شاطئ البحر يوم الثلاثاء تاسعه، وجب علي غسل، فلما أن أردت أن أغتسل من البحر، وجدت ناسا كثيرًا مختفين بالشاطئ، فبصرت استضواء، فنمت وقت القائلة، فرأيت في منامي برية واسعة مليء جمرا كهيئة الكرسي إذا أوقد عليه، فجعلت أفكر فيه، فسمعت قائلا يقول: هذا البحر الملح صيره أو يصيره الله يوم القيامة نارًا، فلا تقربه، فاستيقظت فزعًا ولم أقربه ولا ماءه، فلما قدمنا من الشام ومرت علينا أعوام رأيت هذا الحديث في كتب المسانيد، فحمدت الله تعالى الذي وقاني شره وصدق رؤياي.
стр. 255
الرّجل يستعين على وضوئه فيُصب عليه
١٢٢ - حدّثنا هشام بن عمار، ثنا عيسى بن يونس، ثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن المغيرة بن شعبة، قال: خرج النبي ﷺ لبعض حاجته، فلما رجع تلقيته بالإِداوة، فصببت عليه فغسل يديه ثم غسل وجهه، ثم ذهب يغسل ذراعيه، فضاقت الجبة، فأخرجهما من تحت الجبة، فغسلهما ومسح على خفيه ثم صلى.
هذا حديث خرجه الشيخان في صحيحيهما.
١٢٣ - حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا الهيثم بن جميل، ثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ، قالت: أتيت النبي ﷺ بميضأة، فقال: اسكبي، فسكبت فغسل وجهه وذراعيه، وأخذ ماءً جديدا، فمسح به رأسه مقدّمه ومؤخّره، وغسل قدميه ثلاثًا ثلاثًا.
هذا حديث قال فيه أبو عيسى حين تخريجه: هذا حديث حسن، وحديث ابن زيد أصح من هذا، وأجود إسنادًا.
وفي موضع آخر قال: وحديث الربيع حديث حسن صحيح، يعني بذلك نفس حديثها في الوضوء، يدلّ على ذلك قوله: حديث الربيع، ولم يقل هذا حديث صحيح كعادته،.
١٢٤ - حدّثنا بشر بن آدم، ثنا زيد بن الحباب، حدّثني الوليد بن عقبة،
стр. 256
حدّثني حذيفة بن أبي حذيفة الأزدي، عن صفوان بن عسال قال: صببت على النبي ﷺ الماء في السفر والحضر في الوضوء.
هذا حديث إسناده صحيح على شرط أبي حاتم البستي، لتوثيقه راويه الوليد وحذيفة، أما حذيفة فإن عبد الغني لم يذكره جملة، واستدركه عليه الحافظ المزي، ولم يعرف بحاله مع كثرة نظره ونقله من كتاب الثقات لابن حبّان.
١٢٥ - حدّثنا كردوس بن أبي عبد الله الواسطي، ثنا عبد الكريم بن روح، حدثني روح بن عنبسة بن سعيد بن أبي عياش مولى عثمان بن عفان عن أبيه عنبسة بن سعيد، عن جدّته أم أبيه أم عياش وكانت أمة لرقيّة بنت رسول الله ﷺ قالت: كنت أوضئ رسول الله ﷺ أنا قائمة وهو قاعد.
هذا حديث معلل بأمور:
الأول
الثاني:.
وكذلك عنبسة أيضا لم أجده في الكتب المذكورة، ولم يزد من ذكره على ما في نفس الإِسناد.
стр. 257
الرجل يستيقظ من منامه هل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها؟
.
١٢٦ - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، حدثني الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أيضا، حدثاه أن أبا هريرة كان يقول: قال رسول الله، ﷺ : إذا استيقظ أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري فيم باتت يده.
هذا حديث خرجه الترمذي، وقال فيه: حسن صحيح، وفيما قاله نظر؛ وذلك أنه رواه عن أبي الوليد أحمد بن عبد الرحمن بن بكار البسري الدمشقي البغدادي، عن الوليد بن مسلم، ولم يسمع منه، فيما ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخه. قال: قرأت في كتاب علي بن أحمد بن أبي الفوارس: أنا أبي، أنا الباغندي، قال: سمعت أبا عبد الله - يعني إسماعيل بن عبد الله السكري - يقول: لم يسمع أبو الوليد هو: أبو الوليد أحمد بن عبد الرحمن بن بكار البسري الدمشقي البغدادي من الوليد بن مسلم شيئًا قط، ولم أره عند الوليد قط، وقد أقمت تسع سنين، والوليد حي، ما رأيته قط؛ فعلى هذا يكون حديثه المذكور عنده منقطعا، ويكون حديث الباب أصح إسنادا منه؛ لسلامته من هذه الوصمة، ولتصريح كل منهم بسماعه من الآخر، وهو في الصحيح بلفظ: حتى يغسلهما ثلاثا، وفي لفظ
стр. 258
للبخاري: إذا استيقظ أحدكم من نومه، وفي لفظ عند مسلم: فليفرغ على يده ثلاث مرات، وفي لفظ: إذا كان أحدكم نائما ثم استيقظ فأراد الوضوء، فلا يضع يده في الإِناء حتى يصب على يده، فإنه لا يدري أين باتت.
وعند أبي داود: إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإِناء حتى يغسلها ثلاث مرات، وعند الدارمي: فلا يغمس يده في الوضوء، وعند الدارقطني: في إنائه أو في وضوئه، وفي رواية: أين باتت تطوف يده، وحسن إسناده، وفي الأوسط عن هشام بن عروة، عن أبي الزناد، عن الأعرج بزيادة: ويسمي قبل أن يدخلها، وقال: لم يروه عن هشام إلَّا عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة. تفرد به إبراهيم بن المنذر، ولا قال أحد ممن رواه عن أبي الزناد ويسمي إلا هشام، ولفظ ابن وهب في جامعه: حتى يغسل يده أو يفرغ فيها، فإنه لا يدري حيث باتت يده، وفي علل الرازي: فليغرف على يده ثلاث غرفات، مع لفظ: ثم ليغترف بيمينه من إنائه.
وعند البيهقي: أين باتت يده منه، وقال: قوله منه تفرد بها محمد بن الوليد البُسرِي، وفيما قاله نظر لما ذكره ابن منده، عن عبد الله بن شقيق من رواية خالد الحذاء عنه، قال: فإنه لا يدري أين باتت يده منه، قال: وكذلك رواه محمد بن الوليد، عن غندر، ومحمد بن يحيى، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن
стр. 259
الحذاء، عن ابن شقيق، عن أبي هريرة، وقال فيه: فإنه لا يدري أين باتت يده منه.
وقال: ما أراهما محفوظين بهذه الزيادة، إلَّا أن رواة هذه الزيادة ثقات معدلون، وبنحوه قاله الدارقطني، فهذا كما ترى غير البسري رواه كروايته. ورواه الحسن عن أبي هريرة عند ابن عدي: فإن غمس يده في الإناء قبل أن يغسلها، فليرق ذلك الماء.
وفي كتاب الكجي: حتى يصب عليها صبة أو صبتين. وفي رواية: على ما باتت يده. وفي المصنف لابن أبي شيبة: كان أصحاب عبد الله إذا ذكر عندهم حديث أبي هريرة، قالوا: كيف يصنع أبو هريرة بالمهراس الذي في المدينة؟ ورواه عن أبي هريرة من غير ذكر العدد جماعة، منهم: همام، وعبد الرحمن بن يعقوب، وثابت مولى عبد الرحمن بن زيد، وعمار بن أبي عمار، وابن سيرين، والأعرج، قال أبو عمر: وروى العدد جماعة عنه، منهم: جابر بن عبد الله الصحابي، وابن المسيب، وأبو سلمة، وعبد الله بن شقيق، وأبو صالح، وأبو رزين، وأبو مريم الأنصاري، انتهى.
وفيما قاله نظر، لما ذكره أبو نعيم في مستخرجه أنّ المقدمين، وهكذا روي عن زياد عن ثابت ذكر العدد.
١٢٧ - حدّثنا حرملة بن يحيى، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني ابن لهيعة، وجابر بن إسماعيل، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال رسول الله، ﷺ : إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإِناء حتى يغسلها.
هذا حديث إسناده صحيح على رسم مسلم؛ لتفرده بجابر بن إسماعيل الحضرمي
стр. 260
أبي عباد المصري، وفي كتاب العلل لأبي عيسى تقويته، وذلك أنّه ذكر عن سفيان بن وكيع، ثنا عبد الله بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه مرفوعا: إذا قمت من منامك فلا تضع يدك في الإناء حتى تفرغ عليها ثلاث مرات.
وقال: سألت محمدا عن هذا الحديث، فقَال: وهم فيه، إنما روى ابن وهب هذا عن جابر بن إسماعيل، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، ولما ذكره أبو الحسن البغدادي في سننه من حديث ابن أخي ابن وهب عن عمّه عنهما بلفظ: حتى تغسلها ثلاث مرات، فإنه لا يدري أين باتت يده، أو أين طافت يده، فقال له رجل: أرأيت إن كان حوضًا؟ فحصبه ابن عمر وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول: أرأيت إن كان حوضًا. قال: إسناد حسن، وبنحوه قاله أبو بكر البيهقي.
١٢٨ - حدّثنا إسماعيل بن توبة، ثنا زياد بن عبد الله البكائي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال رسول الله، ﷺ : إذا قام أحدكم فأراد أن يتوضأ، فلا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها؛ فإنه لا يدري أين باتت يده، ولا على ما وضعها.
هذا حديث قال فيه الدارقطني لما رواه من حديث محمد بن نوح، عن زياد: إسناد حسن. وفي قول أبي القاسم في الأوسط: لم يروه عن عبد الملك إلا زياد،
стр. 261
تفرّد به موسى بن يحيى المروزي، ولا يروى عن جابر إلَّا بهذا الإِسناد - نظر، لما تقدّم عند ابن ماجه والدارقطني من عدم تفرد موسى به.
١٢٩ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن الحارث قال: دعا علي ﵇ بماء، فغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع.
هذا حديث جمع ضعفًا وانقطاعًا:
الأول: الحارث بن عبد الله أبو زهير الأعور الهمداني الخارفي الكوفي، ويقال: الحارث بن عبيد، قال أبو بكر بن عياش: لم يكن الحارث أرضاهم، كان غيره أرضى منه، وكانوا يقولون: إنّه صاحب كتاب، وكان ابن مهدي قد ترك حديثه، وقال ابن أبي خيثمة: سمعت أبي يقول: هو كذاب.
وقال بندار: أخذ يحيى وعبد الرحمن القلم من يدي، فضربا على نحو أربعين حديثًا من حديث الحارث عن علي.
وقال الشعبي: ثنا الحارث، وأشهد أنه أحد الكذابين.
وقال أبو إسحاق السبيعي: زعم الحارث الأعور، وكان كذابًا.
وقال أبو زرعة: لا يحتج بحديثه.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي ولا يحتج بحديثه.
وقال حمزة الزيات: سمع مُرّة الهمداني من الحارث شيئًا فأنكره، فقال: اقعد حتى أخرج إليك، فدخل مرة واشتمل على سيفه، وأحس الحارث بالشر فذهب.
وقال ابن المديني: الحارث كذاب.
وقال أبو أحمد بن عدي: وعامة ما يرويه عنهما - يعني عليًا وابن مسعود - غير محفوظ.
وقال أبو بكر بن أبي داود: كان الحارث حُوتيًا من حوت، بطن من همدان.
وفي كتاب الدوري، عن ابن معين: يزعمون أنّه ليس من همدان، يقولون: إنه من الأبناء.
وقال النسائي: ليس بالقوي.
وقال أبو الحسن البغدادي: ضعيف.
وذكر ابن الجنيد جماعة ضعفاء، ثم قال: وأضعف القوم الحارث، عن علي، وقال ابن
стр. 262
سعد: كان له رأي سوء وهو ضعيف في رأيه، توفي بالكوفة أيّام عبد الله بن الزبير.
الثاني: انقطاع ما بين أبي إسحاق والحارث، وبين الحارث وعلي، فإن ابن نمير قال: لم يسمع السبيعي من الحارث إلَّا أربعة أحاديث، وإنما أخذ حديثه من صحيفة. وفي تاريخ السعدي ثلاثة أحاديث.
وقال ابن المديني في كتاب العلل الصغير الذي قرأته على المسند المعمر أبي الحسن بن الصلاح، عن ابن رواح، عن السلفي، أنا أبو الحسن عن علي بن المشرف الأنماطي من أصل سماعه وأبو الحسن علي بن الحسين بن عمر الفراء الموصلي بمصر، قالا: أنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحافظ بمصر، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن سعيد المعروف بابن النحاس المعدل، قراءة عليه بمصر في المحرم سنة سبع وأربعمائة، أنا أبو محمد دعلج بن أحمد بن عبد الرحمن السجزي، قدم علينا سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، أنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن البراء في ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ومائتين، قال: ثنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي المعروف بابن المديني: سمع أبو إسحاق من الحارث أربعة أحاديث، ثم قال: وإنما علمت الحارث روى عن علي حديثين، يختلف عنه في أحدهما.
وذلك في العلل الكبير ذلك عن شعبة بن الحجاج، قال: وكان ابن سيرين يرى أن عامة ما يروي عن علي باطل.
قرأت على الإمام المعمر أبي العباس أحمد بن محمد بن علي بن شجاع الهاشمي، أخبرَكم أبو محمد عبد الوهاب المصري إجازة، أنا أبو الطاهر الثغري قراءة عليه وأنا أسمع، أنا الشيخ أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي من أصله، أنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الجوهري بقراءة مسعود بن ناصر السجزي، أنبأ أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه فيما أذن لي، نا أبو الطيب محمد بن القاسم بن جعفر الكوكبي، نا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد قال: الحارث الأعور أحاديثه عن علي بن أبي طالب أخذها من كتاب، وقد وقع لنا معنى حديث علي هذا من طريق صحيحة، ذكرها أبو داود من حديث عبد خير، عن علي: أخذ بيمينه فألقى على يده اليسرى، ثم
стр. 263
غسل كفيه، ثم أخذ بيده اليمنى الإناء، فأفرغ على يده اليسرى ثم غسل كفيه، فعله ثلاث مرات.
وفي آخره: من سرّه أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا.
وسيأتي طرف منه في موضعه، إن الله قدر ذلك وشاءه.
وفي الباب حديث آخر عن عائشة. ذكره ابن وهب في جامعه، قال: أخبرني ابن أبي ذئب عمن سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يقول: حدّثتني عائشة، عن رسول الله ﷺ مثله - يعني حديث أبي هريرة - قال: إلَّا أنه قال: فليغرف على يديه ثلاث غرف قبل أن يدخلها في وضوئه.
ذهب عامة أهل العلم إلى أنّ ذلك على الاستحباب، وله أن يغمس يده في الإناء قبل غسلها، فإن الماء طاهر ما لم يتيقن نجاسة يده، وذهب داود والَطبري إلى إيجاب ذلك، وأن الماء ينجس به، إن لم تكن اليد مغسولة، وفرق أحمد وبعض الظاهرية بين نوم النهار والليل؛ لأنّ الحديث جاء في نوم الليل، وكأن الإنسان لا ينكشف لنوم النهار وينكشف لليل غالبا، وأبى ذلك الحسن البصري وإسحاق، حين قال الحسن: ما رأيته، فيما حكاه ابن المنذر، وفيه دليل على أن الماء إذا وردت عليه النجاسة وإن قلت غيرت حكمه.
стр. 264
باب ما جاء في التسمية في الوضوء
١٣٠ - حدّثنا أبو كريب محمد بن العلاء، ثنا زيد بن الحباب (ح)، وثنا محمد بن بشار، ثنا أبو عامر العقدي (ح)، وثنا أحمد بن منيع، ثنا أبو أحمد الزبيري، قالوا: ثنا كثير بن زيد، عن رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه.
هذا حديث ذكره الحاكم في مستدركه مستشهدا به، وذكر عن أحمد أنه أحسن ما يروى في هذا، ولما ذكره المروذي عن أحمد، قال: لم يصححه، وقال: ليس فيه شيء يثبت.
وفي تاريخ أبي زرعة الدمشقي عنه: وسأله عن التسمية على الوضوء، فقال: فيها أحاديث ليست بذاك، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ الآية، فلا أوجبه عليه.
وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الرجل يتوضأ ولم يسم، قال: ليس في هذا حديث يثبت، وأحسنها حديث كثير بن زيد.
وفي كتاب العلل للخلال: ذكر أبو عبد الله ربيحًا هو: رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد فقال: ليس بمعروف، وفي مسائل أبي عمر خطاب بن بشر الوراق للإِمام أحمد: وسألته عن قول النبي ﷺ : لا وضوء لمن لم يسم الله، فقال: ليس الخبر بصحيح، روي عن رجل ليس بالمشهور، واسمه رُبيح، وهذا لا يناقض كلامه الأول؛ لأنه حسّنه على علّاته.
ولما ذكره البزار في كتاب السنن من تصنيفه الذي رويناه عن جماعة من شيوخنا، عن مثلهم من أصحاب أبي طاهر عنه، أنا أبو الفتح أحمد بن محمد بن سعيد الحداد سماعًا، أنا أبو الفتح عبد الغفار بن إبراهيم، نا أبو محمد بن حيان عنه، قال: لا نعلمه عن أبي سعيد إلا بهذا الإِسناد.
وكثير قد روى عنه جماعة من أهل العلم، فاحتملوا حديثه، وربيح روى عنه فليح، والدراوردي، وكثير بن عبد الله بن عمرو، وكثير بن زيد، تتابع على هذا الحديث عن أبي سعيد، ولما ذكره في مسنده قال:
стр. 265
لا نعلمه يروى عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ إلَّا بهذا الإسناد، وكثير صالح الحديث، قد روى عنه سليمان بن بلال، وعبد العزيز بن أَبي حازم، والدراوردي، وسفيان بن حمزة، وأبو أحمد، وأبو عامر، وزيد بن الحباب.
وأما قول ابن عدي: لم يروه عن ربيح غير كثير، ولا عن كثير غير زيد فليس بشيء، لما تقدّم من عند ابن ماجه، وكلام البزار يدور على ترجيح كثير، وإغفال ذكر ربيح، وأحمد قد تقدّم كلامه فيه.
وقال فيه البخاري: منكر الحديث. ذكره عنه الترمذي في كتاب العلل الكبير عند إعلاله هذا الحديث، وخالف ذلك ابن حبان فذكره في كتاب الثقات. وقال أبو زرعة فيه: شيخ. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وكثير بن زيد وثقه ابن عمار وابن معين في رواية.
وقال أبو حاتم: صالح.
وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، وخرج ابن خزيمة له حديثا في صحيحه.
فعلى هذا يكون حديثا حسنا باعتبار سنده، وبما يشده من الشواهد، والله أعلم.
ورواه الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب الوضوء من تصنيفه، عن عمر بن أحمد بن عمر الصفار، أنا الطبراني، ثنا الحضرمي، ثنا الحماني، ثنا قيس بن الربيع، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: من قال إذا توضأ: باسم الله، وإذا فرغ قال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا الله .. الحديث، وسيأتي بعد إن شاء الله تعالى.
١٣١ - حدّثنا الحسن بن علي الخلال، ثنا يزيد بن هارون، أنا يزيد بن عياض، ثنا أبو ثفال، عن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان أنه سمع جدّته بنت سعيد بن زيد تحدّث أنها سمعت أباها سعيد بن زيد يقول: قال رسول الله، ﷺ : لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه.
стр. 266
هذا حديث اختلف في تحسينه وتضعيفه؛ فممن حسنه ظاهرا أبو عبد الله البخاري بقوله فيما حكاه عنه أبو عيسى: هو أحسن شيء في هذا الباب عندي، ولما ذكره البزار قال: وحديث ابن حرملة رواه جماعة ثقات، وأبو ثفال مشهور، ورباح وجدّته لا نعلمهما رويا إلَّا هذا الحديث، ولما سئل عنه أبو الحسن البغدادي قال: رواه عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي ثفال، واختلف عنه، فقال وهيب وبشر بن المفضل، وابن أبي فديك، وسليمان بن بلال، عن ابن حرملة، عن أبي ثفال عن رباح عن جدته، وذكر الاختلاف فيه، ثم قال: والصحيح قول وهيب، وبشر، ومن تابعهما، وذكره الحافظ ضياء الدين المقدسي في الأحاديث المختارة من طريق عفان عن وهيب، بزيادة: ولا يؤمن بالله من لا يؤمن بي، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار، ولما ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل قال: ذكرته لأبي وأبي زرعة، فقالا: ليس عندنا بذاك الصحيح، أبو ثفال مجهول، ورباح مجهول، ولما ذكره ابن القطان قال: إن كان يعني عبد الحق اعتمد قول أحمد: لا أعلم في هذا حديثًا له إسناد جيد، فقد بقي عليه أن يبين علته، وذلك هو الذي قصدت بيانه في هذا الباب لتكتمل الفائدة، وإن كان اعتمد قول البخاري: إنه أحسن شيء في هذا الباب، فقد توهم أنه حسن، وليس كذلك، وما هو إلَّا ضعيف جدا؛ لأنّ في إسناده ثلاثة مجاهيل الأحوال:
أولهم: جدّة رباح، فإنها لا تعرف بغير هذا، ولا يعرف لها اسم ولا حال،
стр. 267
وغاية ما تعرفنا بهذا أنها ابنة لسعيد.
الثاني: رباح فهو مجهول الحال كذلك، ولم يعرف ابن أبي حاتم من حاله بأكثر مما أخذ من هذا الإِسناد.
الثالث: أبو ثفال مجهول كذلك، وهو أشهرهم؛ لرواية جماعة عنه، منهم: ابن حرملة، وسليمان بن بلال، وصدقة مولى الزبير، والدراوردي، والحسن بن أبي جعفر، وعبد الله بن عبد العزيز، قاله أبو حاتم.
وفيما قاله نظر من وجوه:
الأول: ما ذكره من جهالة حال أبي ثفال، وليست كذلك فإنه ممن قال فيه البخاري: في حديثه نظر، والبخاري إذا قال ذلك يكون غير محتمل عنده، وقد أسلفنا فيما ذكر من حسن حديثه، وما ذاك إلا بعد تحسين حاله، وسيأتي كلام ابن حبان فيه.
الثاني: ابنة سعيد بن زيد، اسمها أسماء، سماها بذلك البيهقي في كتاب السنن الكبير، وقوله: إنها مجهولة الحال ليست كذلك؛ بل معروفة، ذكرها ابن حبان في كتاب الثقات. وقال: لا أدري ما اسمها، روى عنها رباح بن عبد الرحمن إلا أني لست بالمعتمد على ما انفرد به أبو ثفال ثمامة المري.
الثالث: قوله في رباح: إنه مجهول، ليس كذلك، فإنه ممن ذكره ابن حبان في كتاب الثقات أيضًا. قال المقدسي: وروى عنه حذيفة غير منسوب والحكم بن القاسم الأويسي، فعلى هذا لولا أن أبا ثفال في السند لكان الحديث صحيحا على رسم ابن حبان، ولكان قول أبي عبيد القاسم بن سلام في كتاب الطهور أقرب إلى الصواب، وذلك أنه لما ذكره وذكر حديث أبي سعيد قال: فقد كان بعض أهل الحديث يطعن في إسناديهما، لمكان المرأة المجهولة في الأول، ولما في الآخر من ذكر الرجل ليس يُروى عنه كثير علم، فإن كانا محفوظين فإنما يوجهان على ما
стр. 268
في ذكر الله تعالى عند الطهور من الفضيلة والثواب.
١٣٢ - حدثنا أبو كريب وعبد الرحمن بن إبراهيم قالا: ثنا ابن أبي فديك، ثنا محمد بن موسى بن أبي عبد الله، عن يعقوب بن سلمة الليثي، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال رسول الله، ﷺ : لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه.
هذا حديث اختلف فيه: فمنهم من أعله، ومنهم من صححه؛ فأما المعلل فالبخاري لما سأله عنه الترمذي فقال: محمد بن موسى المخزومي لا بأس به، مقارب الحديث، ويعقوب بن سلمة مدني، لا يعرف له سماع من أبيه، ولا يعرف لأبيه سماع من أبي هريرة، والعجب من المنذري في إيراده كلام البخاري هذا، ثم قال: وهذا الحديث أمثل الأحاديث الواردة إسنادا، وقد أسلفنا ذكر أحاديث حسنة الإِسناد متصلة، لا تقاس بهذا، وأمّا المصحح:
فالحاكم لما ذكره في مستدركه من حديث قتيبة بن سعيد، ثنا محمد بن موسى، ثنا يعقوب بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال … الحديث، ثم قال: رواه ابن أبي فديك، عن محمد بن موسى المخزومي، أخبرناه أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس، ثنا عثمان بن سعيد، ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن أبي فديك، قال: وهذا حديث صحيح الإسناد، فقد احتج مسلم بيعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سَلمة دينار، ولم يخرجاه، انتهى كلامه.
وعليه فيه مآخذ: الأول: حكمه عليه بالصحة، وهو عديمها لأمرين:
الأوّل: ما ذكره البخاري.
стр. 269
الثاني: جهالة يعقوب وأبيه سلمة، فإني لم أر أحدا تعرّض لذكر حالهما، وأما ما ذكره ابن سرور في باب سلمة من قوله: روى عنه ابنه يعقوب، ومحمد بن موسى الفطري وأبو عقيل يحيى بن المتوكل فوهم منه، وقد ذكره في باب يعقوب على الصواب، ولو كان ما قاله صحيحا لخرج سلمة من جهالة العين برواية جماعة عنه، وليس الظاهر كذلك، وإنّما تبع عبد الغني في ذلك ابن أبي حاتم حيث قال: سلمة الليثي، روى عن أبي هريرة، روى عنه ابنه يعقوب، وروى عنه محمد بن موسى وأبو عقيل، فاعتقد أنّ الضمير في روى عن محمد بن موسى عائد على سلمة، وإنما هو يرجع إلى يعقوب، يفهم ذلك من قوله روى مرتين، على أنّ هذا لا بد فيه من تعسف؛ إذ الاصطلاح غيره.
وأما البخاري فذكره في الكبير على الصواب، وتبعه على ذلك غير واحد من المتأخرين.
الثالث: قوله: يعقوب بن أبي سلمة، وليس صحيحا؛ إذ لو كان ابن أبي سلمة لكان صحيحا كما زعم، ولكنه ليس به، ولم يقل أحد ما قاله غيره بغير متابع له عليه، وممن رواه كرواية ابن ماجه: أبو داود، والترمذي في العلل، والدارقطني والإِمام أحمد بن حنبل، والطبراني في المعجم الكبير، وفي الأوسط، وقال: لم يروه عن يعقوب إلا الفطري، وغيرهم.
ويشبه أن يكون وقع ذلك منه لاعتماده على حفظه، فإن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون أجول على الذهن من يعقوب بن سلمة، فانتقل ذهنه من هذا إلى هذا، وأكّده بذكر أخيه، والله تعالى أعلم.
стр. 270
الرابع: لو سلم له قوله: إنّه ابن أبي سلمة، لكان يحتاج إلى معرفة حال أبيه دينار، وهي غير معروفة، بل لم يذكره في الرواة أحد من أصحاب التاريخ فيما أعلم.
ورواه أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: ما توضأ من لم يذكر اسم الله عليه ذكره الدارقطني في الأول من فوائده رواية ابن معروف عنه، ولما ذكره الحافظ أبو بكر في سننه، قال: وهذا الحديث لا يعرف من حديث يحيى، عن أبي سلمة إلا من هذا الوجه، وكان ابن النجار يقول: لم أسمع من يحيى إلَّا حديثًا واحدًا التقى آدم وموسى.
ذكره ابن معين، فحديثه على هذا يكون منقطعًا، وروي من حديث إبراهيم بن المنذر، ثنا عبد الله بن محمد عن هشام بن عروة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة نحوه.
قال أبو نصر الوائلي: هذا حديث غريب من حديث هشام، عن أبي الزناد وهو من المدبج، وفي كتاب أبي الحسن من حديث مجاهد، عن أبي هريرة نحوه، وفيه جماعة مجاهيل.
ورواه أبو القاسم في الأصغر من حديث علي بن ثابت، عن محمد يرفعه عنه: إذا توضأت فقل: باسم الله، والحمد لله، فإن حفظتك لا تستريح تكتب لك حسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء.
وقال: لم يروه عن علي بن ثابت أخي عزرة بن ثابت إلَّا إبراهيم بن محمد البصري، تفرد به عمرو بن أبي سلمة.
وفي كتاب الشيرازي من حديث الحسين بن علوان: من سمى في وضوئه لم يزل كاتباه يكتبان له الحسنات حتى يحدث من ذلك الوضوء.
١٣٣ - حدّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا ابن أبي فديك، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي ﷺ قال: لا صلاة
стр. 271
لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لا يصلي على النبي ﷺ ، ولا صلاة لمن لا يحب الأنصار.
هذا حديث خرجه الحاكم في مستدركه، وقال: لم يخرج على شرطهما. انتهى.
وإسناده ضعيف؛ لضعف راويه عبد المهيمن، فإنه ممن قال فيه البخاري: منكر الحديث.
وقال ابن الجنيد وابن معين: ضعيف الحديث.
وقال النسائي: متروك الحديث.
وقال ابن حبان: لما فحش الوهم في روايته بطل الاحتجاج به.
وقال الدارقطني: ليس بالقوي.
وقال الساجي: منكر الحديث.
وقال الحربي في كتاب العلل: غيره أوثق منه.
وأما حديث عائشة مرفوعًا: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله، فإن الحربي ذكر في كتاب العلل أنَّ إسحاق بن راهويه عمل مختصر سنن، فجاء به علي بن الجهم إلى أحمد بن حنبل، فأول حديث فيه حديث حارثة، عن عمرة، عن عائشة أن النبي ﷺ قال … الحديث.
قال: فرمى أحمد بالكتاب من يده، وقال: هذا يزعم أنّه اختار أصح شيء في الباب، هذا أضعف حديث في الباب، حديث ربيح وحديث سعيد بن زيد أصح من هذا؛، وكل ما روي في ذلك فليس بالقوي الإِسناد، وإن تتابعت هذه الأسانيد.
ولفظ الدارقطني: إذا مَسَّ طهورًا يسمِّي الله تعالى، وفي لفظ: إذا قام إلى الوضوء يسمي الله تعالى.
وأما قول الترمذي: وفي الباب عن أنس، فيشبه أن يريد بذلك الحديث الذي أخبرناه الإمام أبو الحسين بن الهيثم بقراءتي عليه، أخبركم الحافظ البكري إجازة إن لم يكَن سماعًا، أنا أبو روح الهروي قراءة عليه، أنا أبو القاسم
стр. 272
زاهر الشحامي قراءة عليه، أنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن الجنزروذي، أنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة، أنا جدي الإِمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه الصحيح، ثنا محمد بن يحيى وعبد الرحمن بن بشر بن الحكم قالا: حدثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن ثابت وقتادة، عن أنس قال: نظر بعض أصحاب رسول الله ﷺ وضوءا فلم يجدوا، فقال رسول الله، ﷺ : هاهنا ماء، فرأيت النبي ﷺ وضع يده في الإِناء الذي فيه الماء، ثم قال: توضئوا باسم الله، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، والقوم يتوضئون، حتى توضئوا عن آخرهم، قال ثابت: قلت لأنس: كم تراهم كانوا؟ قالوا: نحو من سبعين.
وأخرجه النسائي أيضًا، وأصله متفق عليه.
وفي الباب مما لم يذكره الترمذي: حديث جابر، وفيه طول، وفي آخره: فقلت: ألا وضوء، ألا وضوء؟ وفيه قال: خذ يا جابر، فصب علي، وقل: باسم الله، فصببت عليه، وقلت: باسم الله.
رواه مسلم في صحيحه، وهو أصرح من حديث أنس في الدلالة، وفيه رد لقول البيهقي، حيث قال في حديث أنس: هو أصح شيء في التسمية، إذ لقائل أن يقول: أراد بقوله باسم الله؛ الإذن لا التسمية، وفيه رد لقول من زعم أن ليس في الباب حديث له إسناد جيد كَما قدمناه، وفي حديث نبيح العنزي، عن جابر عند أحمد: فوضع النبي ﷺ كفه في الماء والقدح، ثم قال: باسم الله، ثم قال: أسبغوا الوضوء.
стр. 273
وفي حديث سالم بن أبي الجعد عنه عنده أيضًا: فوضع يده في تور من ماءٍ بين يديه، فجعل يفور من خلال أصابعه كأنها عيون، ثم قال: خذوا باسم الله، حتى وسعنا وكفانا.
وروى البخاري ومسلم هذا الحديث من رواية سالم، عن جابر بغير ذكر التسمية، وإسناد أحمد فيه على رسم الصحيح، وحديث أبي سبرة ذكره ابن بنت منيع في معجمه، عن صلت بن مسعود الجحدري، ثنا يحيى بن عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن أنيس، حدثني عيسى بن سبرة، عن أبيه، عن جدّه أبي سبرة مرفوعا … الحديث، ولما رواه الطبراني في الأوسط، قال: لم يرو هذا الحديث عن أبي سبرة إلَّا بهذا الإِسناد، ويشبه أن يكون وهم؛ لما رواه ابن أبي عاصم
стр. 274
في كتاب الآحاد والمثاني عن الصلت، ثنا يحيى عن عيسى بن سبرة، عن مولى لقريش، عن أبيه، عن جده، زاد الموَلى، وليس عنده، والله أعلم.
وحديث عبد الله بن مسعود مرفوعا، أنا به عبد المحسن المصري قراءة عليه، أنا جدي، أنا القاضي أبو القاسم عبد الصمد، أنا ابن أبي الفتح السلمي، أنا الشريف الحسين بن محمد الخطيب، أنا أبو الحسين الغساني، ثنا طلحة بن عبد الله بن موسى بن إسحاق، ثنا جدّي، ثنا يحيى بن هاشم، ثنا الأعمش، عن سفيان عنه، وأنا به أعلى من هذا بدرجة قاضي القضاة كمال الدين بن محمد بن سليمان - رحمه الله تعالى - قراءة عليه وأنا أسمع، أنا المسند أبو بكر محمد بن النشبي قراءة عليه وأنا أسمع، أنا أبو حفص البغدادي، أنا أبو القاسم بن الحصين، أنا أبو طالب محمد بن إبراهيم، أنا أبو بكر الشافعي، ثنا محمد بن غالب، ثنا يحيى بن هاشم، ثنا الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله به.
وحديث خصيف عن النبي ﷺ مقطوع ومعضل. ذكره أبو بكر البيهقي في كتاب السنن وضعفه، وحديث علي بن أبي طالب ذكره أبو أحمد بن عدي وضعفه، وحديث عبد الله بن عمر ذكره الدارقطني وضعفه بالداهري، وحديث ابن سبرة: لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار ذكره أبو موسى، وقال: قال جعفر: في إسناده نظر.
стр. 275
وحديث أبي بكر الصديق ذكره ابن أبي شيبة، فوقفه، واختلف في وجوب التسمية عند الوضوء؛ فاستحب كثير منهم أن يسمي. وقال قوم: إن تركه عامدًا فلا شيء عليه، كذلك قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد، وقال إسحاق: إذا تركه ساهيًا فلا شيء عليه، وإذا تعمد ذلك أعاد، قال ابن المنذر: وعندي لا شيء عليه، وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: تفسير: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه أنه الذي يتوضأ ويغتسل، ولا ينوي وضوءًا للصلاة ولا غسلا للجنابة.
وقال أبو عبيد ابن سلام: وأنا لا أرى لبشر أن يدع ذكر الله تعالى عند طهوره، وإني ما تركته ساهيا حتى يمضي بعض وضوئي، فأعيده من أوّله بالتسمية، وهذا اختيار مني لنفسي آخذها به، وأراه لمن قبل رأيي من غير أن أوجبه، ولا أفسد بتركه صلاة رجل ولا طهوره.
стр. 276
باب التيمن في الوضوء
١٣٤ - حدّثنا هناد بن السري، ثنا أبو الأحوص، عن أشعث بن أبي الشعثاء، وثنا سفيان بن وكيع، ثنا عمر بن عبيد الطنافسي، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يحب التيمن في الطهور إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل.
هذا حديث اتفقا على تخريجه.
١٣٥ - حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو جعفر النفيلي، ثنا زهير بن معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال رسول الله، ﷺ : إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم.
هذا حديث إسناده صحيح، وخرج ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما قطعة منه، عن نصر بن علي، أنا عبد الصمد، ثنا شعبة، عن الأعمش به: إذا لبس قميصًا بدأ بميامنه.
وفي موضع آخر: إذا لبستم أو توضأتم.
ورواه أيضًا الترمذي عن نصر، وقال: قد روى هذا غير واحد، عن شعبة، عن الأعمش بهذا الإِسناد، ولا نعلم أحدا رفعه غير عبد الصمد عن شعبة، ولما ذكره في الأوسط أشار إلى تفرد زهير به، عن الأعمش، عن أبي هريرة موقوفًا.
وفي مسلم، عن أبي هريرة مرفوعًا: إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وله شاهد في صحيح ابن حبان من حديث ابن عمر: نهى
стр. 277
رسول الله ﷺ أن يتعاطى أحدنا شيئًا بشماله.
وفي كتاب الإشراف: ثبت أن النبي ﷺ كان يعجبه التيمن ما استطاع من ترجله وتنعله ووضوئه. وقد أجمعوا على أنه لا إعادة على من بدأ بيساره في الوضوء قبل يمينه، وروينا عن علي وابن مسعود أنهما قالا: فلا تبال بأي يد بدأت. زاد الدارقطني: أبا هريرة.
стр. 278
باب المضمضة والاستنشاق من كف واحد
١٣٦ - حدّثنا عبد الله بن الجراح وأبو بكر بن خلاد، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ تمضمض واستنشق من غرفة واحدة.
هذا حديث خرجه ابن ماجه في موضعين آخرين، وهو قطعة من حديث مطول رواه البخاري في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وِلفظه: وجمع بين المضمضة والاستنشاق، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ، والحافظ أبو بكر في صحيحه، وجوده الإِمام أحمد فيما حكاه الخلال.
ولما خرجه أبو عيسى قال: حديث ابن عباس أحسن شيء في هذا الباب وأصح، وروى رشدين بن سعد وغيره هذا الحديث، عن الضحاك بن شرحبيل، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب: أن النبي ﷺ توضأ مَرة مرة وليس هذا بشيء، والصحيح ما روى هشام بن سعد والثوري وعبد العزيز بن محمد، عن زيد، عن عطاء، وبنحوه قاله أبو حاتم الرازي حين سأله ابنه، عن حديث رواه ابن لهيعة، عن الضحاك هذا.
١٣٧ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا شريك، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي: أن رسول الله ﷺ توضأ، فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا من كف واحد.
هذا حديث خرجه الحافظان أبو بكر بن خزيمة وأبو حاتم البستي في صحيحيهما من حديث خالد بن علقمة الهمداني، عن عبد خير مطولًا.
وقال فيه الترمذي:
стр. 279
حسن صحيح، ولما ذكره البغوي في شرح السنة قال: حديث عبد خير صحيح حسن، أنا بذلك العلامة أبو الحسن بن موسى الحجازي بقراءتي عليه في شهور سنة إحدى عشرة وسبعمائة جميع كتاب الطهارة منه والزكاة والحج، ومناولة لباقي ذلك.
وأخبرني أنه سمع بعضه من لفظ شيخه شيخ الإِسلام شمس الدين زكي بن الحسن وبقيته قراءة عليه وأنا أسمع بثغر عدن في شهور سنة تسع وستين وستمائة.
قال: أخبرني الفقيه رشيد الدين زاهد بن محمد بن أحمد بن وكيع، أنا شيخ الإسلام عماد الدين أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله المروروذي، قال: أنا البَغوي .. فذكره.
ورواه النسائي في مسند علي مطولًا: فملأ فمه فمضمض واستنشق، ونثر بيده اليسرى، يفعل هذا مرارًا في الحديث ثلاث مرات.
وكذا ذكره أحمد بن سنان القطان في مسنده، ورواه شعبة فقال: عن مالك بن عرفطة، ووهمه في ذلك أبو داود، والنسائي، والدارقطني، والإمام أحمد، ومسلم في كتاب شيوخ شعبة من تأليفه، والبزار، وقال: قد رواه غيَر واحد عن خالد بن علقمة، ولا نعلم أحدًا أحسن له سياقًا ولا أتم كلامًا من زائدة.
ولما ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل عن أبي زرعة قال: وهم فيه شعبة. إنما أراد خالد بن علقمة. ورواه سفيان موقوفًا، لم يرفعه.
وفي ذلك نظر؛ لأن الدارقطني ذكر رواية الثوري هذا الحديث مرفوعًا، ثم قال: وخالف الجماعة الحجاج بن أرطأة، فجعله عن خالد، عن عمرو ذي مر، ووهم في ذلك، والصواب قول من قال: عبد خير عن علي. انتهى.
وفي توهيم الجماعة شعبة وعصبهم الجناية برأسه تعسّف؛ لأمرين:
الأوّل: لروايته ذلك كرواية الجماعة: سفيان، وشريك، وأبو عوانة، وأبو
стр. 280
الأشهب، وغيرهم، نص على ذلك أبو الحسن البغدادي.
الثاني: متابعة أبي عوانة له. نص على ذلك مطلقًا من غير تقييد أبو داود في رواية ابن العبد، والترمذي في جامعه، وأبو حاتم كما أسلفناه، والدارقطني، وعن الإِمام أحمد أنه رجع عن ذلك لما قيل له: إن شعبة وهم، وقَال: ما يدريني أنا سمعته، وهو يخالفني في اسمه، فقلت: لعله أعلم مني، فاتبعته، وتبسم أبو عبد الله عند هذا. وقال: خالد بن علقمة كوفي ثقة. وحكى الدارقطني عنه أنه قال فيه أيضا: خالد بن عرفطة، وهو غير شيء أيضا؛ لأن خالد بن عرفطة روى عن أبي سفيان، عن جابر روى عنه واصل مولى أبي عيينة، ذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وفي مسند الدارمي متابع له، وهو حسن بن عقبة المرادي المذكور في الثقات للبستي.
١٣٨ - حدّثنا علي بن محمد، ثنا أبو الحسين العكلي، عن خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد الأنصاري، قال: أتانا رسول الله ﷺ فسألنا وضوءًا، فأتيته بماء فمضمض واستنشق من كف واحد.
هذا حديث أصله في الصحيحين، وقال فيه أبو عيسى: حسن غريب، وقد روى مالك وابن عيينة وغير واحد هذا الحديث عن عمرو، ولم يذكروا هذا الحرف (من كف واحد)، وإنما ذكره خالد بن عبد الله، وهو ثقة حافظ عند أهل
стр. 281
الحديث. انتهى كلامه.
وفيه نظر في موضعين:
الأول: قوله: عن مالك وغيره، لم يذكروا من كف واحد، إن أراد اللفظ فكذلك هو، وإن أراد المعنى فليس كذلك؛ لأن لفظ حديث مالك وغيره: فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة، وفي لفظ: ثلاث مرات من ثلاث غرف وفي رواية: من ثلاث حفنات، وفي رواية: فمضمض واستنشق ثلاثًا بثلاث غرفات من ماء، فهذا كما ترى مالك وغيره ذكروا معنى ما ذكره خالد، والله أعلم.
الثاني: تحسينه الحديث مع شهادته للمنفرد به بالحفظ، والحافظ إذا تفرد بحديث عنده كان صحيحًا، لا سيما إذا عضده متابع وشاهد كهذا، مع قطع النظر عمن صححه قبل.
وذكر أبو عبيد في كتاب الطهور: وجدنا الآثار عن النبي ﷺ مثبتة، فبعضها معناه أنهما كانا بغرفة واحدة، وفي بعضها: جدد لكل واحد منهما غرفة، ففي هذا شاهد أنّ الأمرين جميعًا واسعان، وأنهما من سنته، وقد عملت العلماء بالرخصة فيهما.
стр. 282
المبالغة في الاستنشاق والاستنثار
١٣٩ - حدّثنا أحمد بن عبدة، أنبأ حماد بن زيد، عن منصور (ح)، وثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سلمة بن قيس، قال: قال لي رسول الله، ﷺ : إذا توضأت فانثر، وإذا استجمرت فأوتر.
هذا حديث قال فيه أبو عيسى: حسن صحيح، وذكره ابن حزم محتجا به، وألزم الدارقطني الشيخين إخراجه، ولما ذكره أبو ذر الهروي في مستخرجه، زاد: ألا وإنما هن أربع: ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلَّا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا.
وفي لفظ: أربع ما أنا بأشح بهن مني يوم سمعتهن.
وفي لفظ: كان ذلك في حجة الوداع.
وأمّا النسائي والطبراني وغيرهما فجعلوهما حديثين.
ولفظ ابن أبي خيثمة في تاريخه الأوسط وابن قانع والطبراني: إذا استنشقت. وقد وقع لنا هذا الحديث بعلو ثلاث درجات على طريق ابن ماجه، أنا المسند المعمر يحيى بن أبي محمد الدمشقي بقراءتي عليه عن مفتي المسلمين علي بن هبة الله، أخبرتنا شهدة، أنا الحسن بن علي، أنا عبد الله بن يحيى، قرئ على إسماعيل بن أحمد، ثنا سعدان، ثنا ابن عيينة عن منصور، فذكره، وقال الدارقطني في الأفراد، ورواه من حديث موسى بن مطير عن منصور: هذا غريب من حديث موسى عن منصور.
١٤٠ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن سليمان الطائفي، عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه: قلت: يا رسول الله أخبرني عن
стр. 283
الوضوء؟ قال: أسبغ الوضوء، وبالغ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائما.
هذا حديث رواه أبو داود مطولا بلفظ: كنت وافد بني المنتفق، أو في وفد بني المنتفق، فلما قدمنا على النبي ﷺ لم نصادفه في منزله، وصادفنا عائشة، قال: فأمرت لنا بخزيرة فصنعت لنا، قال: وأتينا بقناع، ولم يُقل قتيبة: القناع، والقناع: الطبق فيه تمر، ثم جاء رسول الله ﷺ فقال: هل أصبتم شيئا أو أمر لكم بشيء؟ قال: قلنا: نعم يا رسول الله، قال: فبينما نحن مع رسول الله ﷺ جلوسا، إذ دفع الراعي غنمه إلى المراح ومعه سخلة تيعر، فقال: ما ولدت يا فلان؟ قال: بهمة، قال: فاذبح لنا مكانها شاة، ثم قال: لا تحسِبن، ولم يقل: لا تحسَبن، أنَّا من أجلك ذبحناها، لنا غنم مائة، لا نريد أن تزيد، فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة، قلت: يا رسول الله إن لي امرأة، وإن في لسانها شيئا، يعني البذاء، قال: فطلقها إذًا، قلت: يا رسول الله إنّ لها صحبة ولي منها ولد، قال: فمرها، يقول: عظها، فإن يك فيها خير فستفعل، ولا تضرب ظعينتك كضربك أُميّتك، قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما.
ثنا عقبة بن مكرم، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا ابن جريج، حدّثني إسماعيل، فذكر معناه، قال: فلم ننشب أن جاء النبي ﷺ يتكفأ، يتقلع. وقال عصيدة مكان خزيرة، ثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا أبو عاصم، ثنا ابن جريج بهذا الحديث، قال فيه: إذا توضأت فمضمض، والترمذي مختصرا، وقال: حسن صحيح، وابن حبان في صحيحه من حديث شريح، عن الطائفي مطولا، والحافظ أبو بكر بن خزيمة، عن الحسن بن محمد الزعفراني، وزياد بن يحيى الحساني، وإسحاق بن حاتم المدائني وجماعة، قالوا: ثنا يحيى بن سليم بمثل حديث ابن ماجه، وابن الجارود في كتاب
стр. 284
المنتقى، وصححه أيضا البغوي في شرح السنة، وأبو محمد الإشبيلي، وصحح إسناده الطبري، وأبو الحسن بن القطان، وأبو بشر الدولابي في جمعه حديث الثوري، بلفظ: إذا توضأت، فبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما، ورجحه أبو القاسم في الأوسط، وذلك لما رواه من حديث قرة بن خالد، عن إسماعيل قال: لم يروه عن قرّة إلا يحيى بن سعيد، تفرّد به علي بن حسان، فإن كان علي القطان حفظه فهو غريب من حديث قرة؛ لأن غير علي رواه عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن إسماعيل، ورواه أيضا من حديث محمد بن طارق، عن أبيه، عن لقيط بلفظ: إذا كنت صائما فاستنثر رويدا. وقال: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن طارق إلَّا بشر بن رافع، تفرد به صفوان بن عيسى.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه، وهو جملة ما قلنا: إنّهما أعرضا عن الصحابي الذي لا يروي عنه غير الواحد، وقد احتجا جميعًا ببعض هذا الحديث بعينه، وله شاهد من حديث ابن عباس، يعني الآتي بعد، وفيما قاله نظر من وجهين:
الأول: قوله: إنّهما أعرضا عن الصحابي الذي لا يروي عنه غير الواحد، وليس كما زعم لعدم اشتراطهما ذلك، ولما في كتابيهما من أحاديث جماعة بهذه المثابة، منهم: المسيب بن حزن، وأبو قيس بن أبي حازم، ومرداس الأسلمي، وربيعة بن كعب الأسلمي، وغيرهم.
стр. 285
الثاني: لو سلمنا له ما قاله، كان لفظ هذا خارجًا عن ذلك؛ لرواية جماعة عنه، منهم: ابن أخيه وكيع بن حدس، وابنه عاصم، وعمرو بن أوس، فيما ذكره ابن سعد وأبو عمر، قال: ومنهم من يجعل لقيط بن عامر بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل، المكنى أبا رزين غير لقيط بن صبرة، وليس بشيء، بل هما واحد، نسب إلى جدّه، وكذلك قاله البخاري، وأبو حاتم الرازي، وأبو أحمد العسكري، والفسوي في تاريخه، وابن حبان، وعبد الغني بن سعيد، وغيرهم.
وأما ما ذكره الخلال في كتاب العلل عن الإِمام أحمد بن حنبل: عاصم لم يسمع غير بكر رواية، أي: ليس بمشهور في الرواية عنه - فمردود بما أسلفنا ذكره عند من صحح حديثه.
وما ذكره العسكري والطبراني في الأوسط، ولفظه: فاستنثر رويدا من جهة بشر بن رافع، عن محمد بن طارق، عن أبيه، عن لقيط، قال: لم يروه عن ابن طارق إلَّا بشر بن رافْع، تفرد به صفوان بن عيسى، ومن جهة القطان، عن قرّة بن خالد، عن إسماعيل قال: لم يروه عن قرّة إلَّا يحيى بن سعيد، تفرد به علي بن حسّان القطان، فإن كان علي حفظه فهو غريب من حديث قرة؛ لأن غير ابن حسان رواه عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن إسماعيل.
ولما ذكره الخطيب في تاريخه من رواية وكيع، عن مسعر، قال: تفرد به وكيع عنه، وحبذا بوكيع، وكذا قول عبدان الذي حكاه العسكري: أتيت سفيان الثوري فقدمت على شعبة، قال لي: ما سمعت من سفيان؟ فقلت: حدّثني عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم … الحديث، فقال: أوه، منعتني، لو جئت به عن غير سفْيان لقلت فيه؛ لأنه عديم المحاباة، فلو اتجه له قول فيه لقاله، وحمل على أنه قاله مداعبة وتعظيما لسفيان، والله أعلم.
وكذا ذكره أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد، الذي أنا به بقراءتي المسند المعمر يوسف الحنفي، عن عبد الوهاب المصري، أنا أحمد بن محمد الإسكندري، أنا المبارك بن عبد الجبار، أنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد، أنا أبو الحسن أحمد بن الفرج عنه: أنه
следующие страницы →