Полный текст (1 969 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
باب ما جاء في القصد في الوضوء، وكراهية التعدي فيه
١٥٣ - حدثنا محمد بن بشار، ثنا أبو داود، ثنا خارجة بن مصعب، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عتي بن ضمرة السعدي، عن أبي بن كعب، قال رسول الله، ﷺ : إن للوضوء شيطانا يقال له ولهان، فاتقوا وسواس الماءِ.
هذا الحديث مختلف فيه؛ فممن صححه: الحافظ أبو بكر بن خزيمة وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي؛ بذكره له في الأحاديث المختارة، وأبو عبد الله ابن البيع بذكره له شاهدا في مستدركه، ونبه على تفرد خارجة به، وكذلك قال الترمذي: هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوي، لا نعلم أحدًا أسنده غير خارجة، وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه، عن الحسن قوله، ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء،.
وفي العلل لابن أبي حاتم، عن أبيه: كذا رواه خارجة، وأخطأ فيه، ورواه الثوري، عن يونس، عن الحسن قوله.
ورواه غير الثوري، عن يونس، عن الحسن أن النبي ﷺ … مرسل.
قال: وسئل أبو زرعة عن هذا الحديث، فقال: رفعه إلى النبي ﷺ منكر.
وفي موضع آخر: هو عندي منكر.
وفي كتاب التاريخ لأبي حاتم، وقال له الكَناني: روى هذا الحديث غير خارجة؟ فقال: لم يرو هذا الحديث غيره، وهو متروك الحديث، ولا يرويه عن
стр. 317
يونس غيره، وفيما قالوه نظر؛ لأنا رأينا غير خارجة رواه أيضا، وأسنده وهو محمد بن دينار الثقة برفع البأس عنه عند ابن معين وأبي حاتم، الصدوق عند أبي زرعة، الحسن الحديث عند ابن عدي.
قال الهيثم بن كليب في مسنده: ثنا أبو بكر بن أبي خيثمة، أنبأ موسى بن إسماعيل المنقري، عن محمد بن دينار، عن يونس. فذكره مرفوعًا.
ولنذكر من حال أبي الحجاج خارجة بن مصعب الضبعي الخراساني ما يبين أمره ويوضحه، وذلك أنه ممن ذكر البخاري أنّ وكيعًا تركه قال: وكان يدلس على غياث بن إبراهيم، ولا نعرف صحيح حديثه من سقيمه.
وسئِل عنه ابن معين، فقال: ليس بشيء. وقال مرة: ليس بثقة.
وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث، ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، مثل مسلم بن خالد، لم يكن محله محل الكذب.
وقال أحمد: لا يكتب حديثه، وفي كتاب المروذي: سئل أحمد عنه فضعفه، وقال: ما روى عنه ابن المبارك شيئًا في كتبه، فقال له ابن أبي رزمة: بلى حديثًا واحدًا، قال: وقد قالوا لابن المبارك فيه، فقال: كيف أحدث عن رجل حدث بكذا؟! لحديث منكر.
وقال يحيى بن يحيى: هو مستقيم عندنا، ولا ننكر من حديثه إلا ما كان يُدلس عن غياث، وإنّا كنّا نعرف تلك الأحاديث.
وقال النسائي والأزدي وابن خراش: متروك الحديث.
وقال الدارقطني: هو وأخوه علي ضعيفان.
وقال ابن عدي: وهو ممن يكتب حديثه، وعندي أنّه إذا خالف في الإسناد أو المتن فإنّه يغلط، ولا يتعمّد الكذب، وإذا روى حديثًا منكرًا فيكون البلاء ممن روى عنه، فيكون ضعيفًا.
وقال ابن أبي شيبة: سألت عليًا عنه فقال: هو عندنا ضعيف.
وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج بخبره.
وفي كتاب الآجري: سألت أبا داود عنه، فقال: ضعيف، وفي موضع آخر: سمعت أبا داود يقول: خارجة أودع كتبه غياث بن إبراهيم، فأفسدها عليه.
وفي موضع آخر: سألت أبا داود عنه، فقال: ليس بشيء. وذكره العُقيلي، والبلخي،
стр. 318
ويعقوب بن سفيان، في الضعفاء. وقال الساجي: كان يرى الإرجاء، تركه وكيع.
فتبيّن بمجموع ما ذكر أنّ الصواب قول من ضعف الحديث بخارجة، ومن صححّه بوجوده وتفرده على ما زعم لا عذر له، وأنّ الحديث الذي أورده الهيثم صحيح الإِسناد، والله أعلم.
١٥٤ - حدّثنا علي بن محمد، ثنا خالي يَعْلى، عن سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هذا الوضوء، فمن زاد على هذا، فقد أساء أو تعدى أو ظلم.
هذا حديث خرجه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه، عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ثنا الأشجعي، عن سفيان ثم قال: لم يوصل هذا الخبر غير الأشجعي ويعلى، وخرجه أيضا ابن الجارود في المنتقى.
وخرجه أبو داود في باب: ما تفرد به أهل الطائف بلفظ: أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء، فغسل كفّيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، فمسح بإبهامه ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أُذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثا، ثم قال: هكذا الوضوء. وإسناده صحيح إلى عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص أبي إبراهيم، وحاله مختلف فيها على أربعة أنحاء: هل هو ثقة أم لا؟ وهل حديثه متصل أم لا؟
فأما الأول: فذكر يحيى بن سعيد القطان أنه إذا روى عنه الثقات فهو ثقة يحتج به.
وقال الأوزاعي: ما رأيت قرشيا أفضل من عمرو.
وذكر ابن معين أنه ثقة في نفسه، إنما بلي بكتاب أبيه، عن جدّه.
وقال أبو الفتح الأزدي: سمعت عدة من أهل العلم بالحديث يذكرون أنّ عمرا فيما روى عن ابن المسيب وغيره فهو صدوق، وما
стр. 319
رواه عن أبيه عن جدّه يجب التوقّف فيه.
وقال النسائي: سمعت ابن راهويه يقول: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عندنا عدل، وإنما دخل حديثه الوهن لرواية الضعفاء عنه، وقد روى عنه جماعة من الأئمة، قال أبو عبد الرحمن: وهو لا بأس به.
وسئل أبو حاتم: عمرو أحب إليك أو بهز عن أبيه عن جدّه؟ قال: عمرو، عن أبيه، عن جده أحب إلي.
وسأله الكناني عن حديث عمرو، عن أبيه، عن جده، فقال: يكُتب ما روى عنه الثقات، ولا يحتج بها، وفي رواية: وسئل عنه أيضا فقال: ما شأنه؟ وغضب، وقال: ما أقول فيه؟ روى عنه الأئمة.
وفي رواية يحيى بن منصور: يكتب حديثه.
وفي كتاب الطبقات لمحمد بن عبد الله البرقي: قال لي ابن معين: كان عمرو ثبتا.
وقال العجلي: هو ثقة.
وقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن عبد الله، والحميدي، وإسحاق بن إبراهيم، وأبا عبيد، وعامة أصحابنا، يحتجون بحديث عمرو، عن أبيه، عن جده، ما تركه أحد من الناس.
قال محمد: قال حنبل: فمن الناس بعدهم؟
وقال أحمد بن تميم: قلت لمن يتكلم فيه: تقول ماذا؟ قال: يقولون: إن عمرا أكثر، أو نحو هذا.
وقال الدارقطني: لم يترك حديثه أحد من الأئمة، وإذا بين جدّه فهو صحيح.
وقال أبو زرعة: مكي، كأنه ثقة في نفسه، إنّما تكلم فيه بسبب كتاب كان عنده.
الثاني: قال أيوب السختياني: كنت إذا أتيته غطيت رأسي حياء من الناس.
وقال الليث: عليك بطاوس ومجاهد، رد عني من جواليقك: عمرو بن شعيب وفلانا.
وقال يحيى بن سعيد: حديثه عندنا واهٍ.
وقال أحمد: أنا أكتب حديثه، وربّما احتججنا به، ورّبما وجس في القلب منه شيء، وله مناكير.
وفي رواية: ليس بحجة، ومالك روى عن رجل عنه.
وفي سؤالات الميموني: سمعت أحمد يقول: عمرو له أشياء مناكير، وإّنما يكتب حديثه ليعتبر، فأما أن يكون حجة فلا. وفي هذا معارضة لما ذكره البخاري قبل.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يكتب حديثه، ما
стр. 320
روى عنه الثقات فيذاكر به، وفي رواية ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ليس بذاك.
وقال الآجري: سألت أبا داود: عمرو عندك حجة؟ قال: لا، ولا نصف حجة.
وفي موضع آخر: قال أبو داود، عن أحمد: أصحاب الحديث إذا شاءوا احتجوا بحديث عمرو، عن أبيه، عن جدّه، وإذا شاءوا تركوه.
وقال ابن عدي: أحاديثه عن أبيه عن جدّه اجتنبها الناس مع احتمالهم إيّاه، ولم يدخلوه في صحيح ما خرجوه. وقالوا: هي صحيفة.
ولما ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء قال: قال سفيان بن عيينة: غيره خير منه.
وفي كتاب ابن أبي حاتم عنه: وكان حديثه عند الناس فيه شيء.
وقال أبو عمرو بن العلاء: كان قتادة وعمرو بن شعيب لا يُعاب عليهما بشيء، إلا أنّهما كانا لا يسمعان شيئا إلَّا حدّثا به.
وفي كتاب الساجي: ثنا ابن المثنى، ثنا حماد بن سلمة، عن حميد، قال: الناس يتهمون عمرًا في حديث رواه عن أبيه، عن جدّه، عن عمر بن الخطاب: أن النبي ﵇ قضى في موالي المرأة لعصبتها دون ابنها، وذكره البرقي في كتاب الطبقات في باب من ينسب من الثقات إلى الضعف.
الثالث: قال البخاري في تاريخه الكبير: شعيب بن محمد سمع عبد الله بن عمرو، سمع منه ابنه عمرو.
وقال أبو عاصم: عن حَيوة، عن زياد بن عمرو: شعيب بن محمد سمع عبد الله بن عمرو، قال البخاري: إنّما أردنا بهذا أن شعيبًا سمع من عبد الله.
وقال أبو جعفر أحمد بن سعيد الدارمي: عمرو ثقة، روى عنه الذين نظروا في الرجال، واحتج أصحابنا بحديثه، وسمع أبوه من عبد الله بن عمرو.
وقال أبو الحسن البغدادي: رأى شعيب عبد الله. وقال في كتاب السنن: قال محمد بن علي الوراق: قلت لأحمد بن حنبل: عمرو بن شعيب سمع من أبيه شيئًا؟ قال: يقول: حدّثني أبي، قلت: فأبوه سمع من ابن عمرو؟ قال: نعم أرَاهُ قد سمع منه، قال: وسمعت أبا بكر النيسابوري، يقول: هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد صح سماع عمرو من أبيه شعيب، وسماع شعيب من جدّه
стр. 321
عبد الله، وبنحوه قاله ابن سرور.
وأمّا قول البيهقي في المعرفة: لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في سماع عمرو من أبيه، وإنّما الخلاف في سماع شعيب من جدّه عبد الله.
وقد ذكرنا في مسألة الجماع في الإحرام ما دلّ على سماع شعيب من عبد الله بن عمرو، وما نذكره بعد من الخلاف، يرد عليه قوله، والحمد لله وحده.
الرابع: ذكر العقيلي عن يحيى: حديث عمرو كتاب، إنما هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله، وهو يقول: أبي عن جدّي، عن النبي ﷺ ، فمن هنا ضُعّف أو نحو هذا.
وقال الدوري عنه: إذا حدّث عمرو عن أبيه فهو كتاب، وفي كتاب الطبقات للبرقي: كانوا يرون ما روى عن أبيه، عن جدّه كتابا.
وقال أبو زرعة: إنّما أنكروا عليه أنه روى صحيفة كانت عنده، وكان مغيرة بن مقسم لا يعبأ بصحيفة عمرو، وقال: ما يسرني أن صحيفته عندي بتمرتين أو بفلسين.
وفي كتاب الساجي: عن أبيه عن جده - لا حجة فيه، وليس هو بمتصل، وهو ضعيف من قبل أنه مرسل، وجد شعيب كتب عبد الله بن عمرو، فكان يرويها عن جدّه إرسالًا، وهي صحاح عن ابن عمرو، غير أنه لم يسمعها.
وفي تاريخ ابن أبي خيثمة الأوسط: سئل يحيى عن حديث عمرو، عن أبيه، عن جدّه، فقال: ليس بذاك، قال: وسمعت هارون بن معروف، يقول: لم يسمع عمرو من أبيه شيئًا، إنما وجده في كتاب، وبنحوه قاله الترمذي.
وقال ابن حبان في كتاب الثقات: شعيب يروي عن ابن عباس، روى عنه ابنه عمرو، ويُقال: إنه سمع جدّه عبد الله، وليس ذلك بصحيح عندي.
١٥٥ - حدثنا أبو إسحاق الشّافعي إبراهيم بن محمد بن العباس، ثنا سفيان، عن عمرو سمع كريبًا سمعت ابن عباس يقول: بت عند خالتي ميمونة، فقام النبي ﷺ فتوضأ من شنة وضوءًا يقلله، فقمت، فصنعت كما صنع.
стр. 322
هذا حديث خرجه الشيخان في صحيحيهما مطولًا بذكر الصلاة وغيرها، وسيأتي طرف منه بعد - إن شاء الله تعالى - وميمونَةُ هي بنت الحارث بن حَزْن بن بجير بن الهُزَم بن رُؤيبة بن عبد الله بن هلال أخت لبابة الكبرى أم ابن عباس، ولبابة الصغرى أم خالد، عَصْيماء وعزة وأم حفيد هُزَيلة لأب وأم، وأخواتها لأمها: أسماء وسلمى وسلامة بنات عُمَيس، تزوجها ﵇ بسرف وهو محرم.
وقيل: وهو حلال في شوال سنة سبع، وبنى بها به، وتوفّيت به سنة ثلاث. وقيل: ست وستين. وقيل: إحدى وخمسين. وقيل: اثنتين وخمسين، وضعفها ابن عساكر، خلا الحادي والخمسين. وقيل: سنة ثمان وثلاثين، ذكره البكري أبو عُبيد، وهي آخر زوجة تزوجها ﷺ .
١٥٦ - حدثنا محمد بن المصفى الحمصي، ثنا بقية، عن محمد بن الفضل، عن أبيه، عن سالم، عن ابن عمر، قال: رأى رسول الله ﷺ رجلًا يتوضأ، فقال: لا تسرف لا تسرف.
هذا حديث إسناده معلل بأمور، منها:
بقية بن الوليد بن صائد بن كعب بن حريز الكلاعي الحميري الميَّتمي، وإن كان مسلم قد خرج له حديثًا في صحيحه واحدًا في كتاب النكاح، واستشهد به البخاري في باب: من أخف الصلاة، وصحح له الترمذي أحاديث.
وقال ابن المبارك في تاريخه: كان صدوقًا، ولكنه كان يكتب عمن أقبل وأدبر.
وقال ابن معين: كان شعبة مبجلا لبقية حين قدم بغداد.
وقال أبو زرعة: ما له عيب إلا كثرة روايته عن المجهولين، فأما الصدق فلا يؤتى من الصدق، إِذا حدّث عن الثقات فهو ثقة.
وقال يعقوب: هو ثقة إذا حدث عن المعروفين، ويحدّث عن قوم متروكي الحديث، وعن الضعفاء، ويحيل عن أسمائهم إلى
стр. 323
كناهم، وعن كناهم إلى أسمائهم، ويحدث عمن هو أصغر منه.
وقال محمد بن سَعْد: كان ثقة في روايته عن الثقات، ضعيفا في روايته عن الضعفاء.
وقال النسائي: إذا قال: ثنا وأنبأنا، فهو ثقة، وإذا قال: عن فلان، فلا يؤخذ عنه؛ لأنه لا يدرى عمن أخذه.
وقال العجلي: هو ثقة فيما روى عن المعروفين، وما روى عن المجهولين فليس بشيء.
وعن عبد الله بن أحمد قال: سمعت عطية بن بقية يقول: أنا عطية بن بقية وأحاديثي نقية، فإذا مات عطية ذهب حديث بقية.
وذكر الحازمي أنه ثقة في نفسه، وإذا روى عن المعروفين فمحتج به، فقد قال ابن عيينة، وسئل عن حديث، فقال: أنا أبو العجب أنا بقية بن الوليد، ثم قال: لا تسمعوا من بقية ما كان في سُنة، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره.
وقال أبو مسهر: بقية ليست أحاديثه نقية فكن منها على تقية.
وقال أحمد بن حنبل: إذا حدّث عن قوم ليسوا بمعروفين فلا تقبلوه.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وفي سؤالات السلمي للدارقطني: وأخرج البخاري عن بقية وبهز اعتبارا. قال: لأن بقية يحدث عن الضعفاء، وبهز متوسط.
وقال ابن عدي: يخالف في بعض رواياته الثقات، وإذا روى عن أهل الشام فهو ثبت، وإذا روى عن غيرهم خلط، وإذا روى عن المجهولين فالعهدة منه، لا منهم، وهوْ صاحب حديث.
وفي الخلافيات لأبي بكر في أثناء كلام له: كيف وقد أجمعوا على أن بقية ليس بحجة. انتهى. وهو كلام يحتاج إلى تأويل وصرف عن ظاهره.
وقال أبو حاتم بن حبان: سمع من شعبة ومالك وغيرهما أحاديث مستقيمة، ثم سمع من أقوام كذابين، عن شعبة ومالك، فروى عن الثقات بالتدليس ما سمع من الضعفاء، وكان أصحابه يفعلون ذلك، ولا يحتج به.
وفي كتاب العقيلي عن بقية قال: ذاكرت حماد بن زيد بأحاديث، فقال: ما أجود أحاديثك لو كان لها أجنحة. يعني: أسانيد.
وقال وكيع: ما سمعت أحدا أجرأ على أن يقول: قال النبي ﷺ من بقية.
وقال أبو عبد الله: وما سمعته يتناول أحدا إلا بقية، ولما ذكره الساجي في كتاب الضعفاء، قال: فيه اختلاف.
الثاني: محمد بن الفضل بن عطية العَبسي أبو عبد الله المروزي، قال فيه ابن
стр. 324
معين: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه. وفي رواية: كان كذابا. وفي رواية: حديثه حديث أهل الكذب.
وقال الجوزجاني: كان كذابا، سألت ابن حنبل عنه فقال: ذاك عجب يأتي بالطّامات، ولم يرضه، وهو صاحب حديث: ناقة ثمود، وبلال المؤذن.
وقال ابن المديني: روى عجائب، وضعفه.
وقال النسائي ومسلم: متروك الحديث.
وقال صالح بن محمد: كان يضع الحديث.
وقال عبد الرحمن بن يوسف ابن خراش: متروك الحديث.
وقال مرة: كذاب.
وقال أبو بكر: قلت له - يعني الدارقطني - عنه، قال: متروك.
وقال ابن أبي حاتم: ثنا محمد بن يحيى، أخبرني صالح ابن الضريس يقول لعمرو بن عيسى، وحدث عن محمد بن الفضل، فقال: ألم أنهك عن هذا الكذاب؟
وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: ليس بشيء.
وقال الآجريّ: سألت أبا داود عنه فوهاه.
وقال عمرو بن علي: متروك الحديث كذاب.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: ذاهب الحديث، ترك حديثه.
وقال عبد السلام بن عاصم: سمعت إسحاق بن سليمان يسأل عن حديث من حديثه، فقال: تسألوني عن حديث الكذابين؟
وقال ابن راهويه: قال لي يحيى بن يحيى: كتبت عن محمد بن الفضل ثم مزّقته، قلت: كان أهلهُ.
قال إسحاق: وكان أبوه ثقة.
وقال ابن عدي: وله غير ما ذكرت من الحديث، وعامة حديثه ما لا يتابعه عليه الثقات.
وقال أبو موسى المديني: ومحمد هذا ممن لا يُرتاب في تركه، وكان أبو بكر بن أبي شيبة شديد الحمل عليه.
وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يحل كتب حديثه إلا على سبيل الاعتبار.
وقال الدارقطني: ضعيف.
وبنحوه قاله الفسوي في تاريخه.
الثالث: أبوه فضل بن عطية، وإن كان ابن معين قال فيه: ليس به بأس. وبمثله قاله أبو زرعة، ووثقه أبو داود لما سأله عنه الآجري، وابن حبان ذكره في كتاب الثقات، فقد قال فيه: يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه؛ لأن ابنه في الحديث ليس بشيء.
وقال عمرو بن علي وأبو أحمد بن عدي: ضعيف، وذكره في كامله من حديث ابن
стр. 325
لفضل، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان يتعوذ بالله من وسوسة الوضوء. فخالف هذه الرواية في الإسناد واللفظ.
١٥٧ - حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا قتيبة، ثنا ابن لهيعة، عن حيي بن عبد اللَه المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ مرّ بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف؟ قال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار.
هذا حديث إسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة المتقدم الذكر، وحيي بن عبد الله أبي عبد الله المعافري المصري، قال فيه أحمد بن حنبل: أحاديثه مناكير.
وقال البخاري: فيه نظر.
ولما ذكره ابن عدي قال: أرجو أنه لا بأس به.
وقال النسائي: ليس بالقوي، وذكره العقيلي في كتاب الضعفاء.
ولما ذكره الساجي قال: عنده مناكير.
وقال ابن معين: لا بأس به، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وفي هذا المعنى حديث إسناده صحيح، رواه أبو حاتم البُستي في صحيحه من حديث الجريري، عن أبي العلاء، قال: سمع عبد الله بن مغفل ابنا له، وهو يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: يا بني سل الله الجنة، وتعوذ به من النّار، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور وفي الدعاء، ثم قال: سمع هذا الخبر الجريري، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير وأبي نعامة العدوي، فالطريقان جميعا محفوظان، وحديث أبي نعامة المشار إليه، روى ابن ماجه حديثه في كتاب الدعاء مقتصرا على ذلك.
ورواه أبو داود مطولا في كتاب الطهارة، وحديث عمران بن الحصين. ذكره البيهقي في
стр. 326
كتاب السنن، وحديث ذي مخبر: أن النبي ﷺ توضأ وضوءا لم يلت منه التراب. ذكره البرقي في تاريخه، من رواية آدم، عن حريز، ثنا يزيد بن صالح عنه، وحديث أبي كاهل: قال لي رسول الله، ﷺ : يا أبا كاهل ضع الوضوء منك مواضعه، وأبق فضل وضوئك لأهلك، لا تعطش أهلك، ولا تشق على خادمك.
رواه أيضا عن آدم، ثنا الهيثم بن جماز، عن ابن أبي كثير عنه.
وحديث أبي الدرداء ذكره أبو عبيد في كتاب الطهور، فقال: ثنا أبو أيوب ونعيم بن حماد، عن بقية، ثنا أبو بكر بن أبي مريم، قال: قال أبو أيوب، عن شريح بن عبيد، وقال نعيم: عن حبيب بن عبيد، عن أبي الدرداء، عن النبي، ﷺ : أنه مر بنهر فنزل وأخذ قعبا معه، فملأه من الماء، ثم تنحى عنه، فتوضأ، ففضل من ذلك الماء، فرده إلى النهر، وقال: يبلغه الله إنسانا أو دابة وأشباهه ينفعهم الله تعالى به.
وذكره أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عُبيد في مسند أبي الدرداء بنحوه.
ولما ذكر ابن أبي حاتم هذا الحديث في العلل قال: قال أبي: حبيب عن أبي الدرداء مرسل.
وحديث أنس بن مالك قال ﵇: لا خير في صب الماء، وقال: إنه من الشيطان يعني: كثرة صب الماء.
ذكره أبو نعيم في تاريخه من حديث محمد بن جعفر الوركاني، ثنا سعيد بن ميسرة، عنه.
الشيطان: اشتقاقه من قولهم: دار شطون، ونوى شطون، أي: بعيدة. قال نابغة بني شيبان:
فأصبحت بعدما وصلت بدارٍ … شَطُون لا تُعاد ولا تعودُ
стр. 327
بمعنى تباعده من الخير، أو تكون لغيه وهلاكه، أخذ من قولهم: قد شاط الرجل يشيط، إذا هلك، قال الأعشى:
قد نطعن العير في مكنون فائله … وقد يشيط على أرماحنا البطل
أراد: وقد يهلك على أرماحنا. ذكره ابن الأنباري وأبو القاسم الزجاجي.
وقوله: أساء، قيل: أساء في الأدب، بتركه السنة والتأدب بآداب الشّرع، وظلم نفسه بما نقصها من الثواب، بترداد المرات في الوضوء.
وقيل: ظلم: جاوز الحد، ونقص: يحتمل أن يريد به نقصان العضو، والشنّة: كل وعاءٍ من أدم خلق، والجمع الشنان، وقد تشان: إذا أخلق.
قال أبو عمر: الشن: قطران الماء من الشنة، شيء بعد شيء، وهو الشنين، قال الشاعر:
يا من لدمع دائم الشنين
وفي الصحاح تقييد الشنة بالصغيرة.
стр. 328
باب ما جاء في إسباغ الوضوءِ
١٥٨ - حدّثنا أحمد بن عَبدة، أنبأ حمّاد بن زيد، ثنا موسى بن جهضم أبو جهضم، ثنا عبيد الله بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس، قال: أمرنا رسول الله ﷺ بإسباغ الوضوء.
هذا حديث وهم ابن ماجه في موضعين منه:
الأول: قوله: موسى بن جَهْضَم، وإنّما هو موسى بن سالم.
الثاني: قوله: عبيد الله بن عبد الله، وإنما هو عبد الله بن عبيد الله، بين ذلك أبو عيسى حين خرجه عن أبي كريب، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا موسى بن سالم أبو جهضم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ عَبدًا مأمورًا، ما اختصّنا دون الناس بشيء إلا بثلاث: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي حمارا على فرس.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وروى سفيان الثوري، عن أبي جَهْضَم هذا، فقال: عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، وسمعت محمدا يقول: حديث الثوري غير محفوظ، وهم فيه الثوري، والصحيح ما روى إسماعيل بن علية وعبد الوارث، عن أبي جَهْضَم، عن عَبد الله بن عُبَيد الله.
وكذا سمّاه النسائي في كتاب الكنى عن قرّة بن خالد وأبو بشر الدولابي ومسلم بن الحجاج وأبو حاتم الرازي وأبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستغناء.
وقال ابن عساكر: قال ابن ماجه: موسى بن جهضم، وهو وهم، وأخرجه في ترجمة عبد الله بن عبيد الله، وأخرجه الحافظ أبو بكر بن خزيمة
стр. 329
في صحيحه، عن ابن عبده شيخ ابن ماجه، قال: ثنا حماد بن زيد، عن موسى بن سالم أبي الجَهْضم، قال: حدثني عبد الله بن عبيد الله.
ثم أخرجه من حديث ابن علية، عن موسى بن سالم، عن عبد الله بمثله. وزاد: قال موسى: فلقيت عبد الله بن حسن، فقلت: إن عبد الله بن عبيد الله حدّثني بكذا وكذا، فقال: إن الخيل كانت في بني هاشم قليلة، فأحب أن تكثر فيهم، فتبين بمجموع ما أسلفناه أن الوهم من صاحب الكتاب لا من غيره من شيوخه.
وإن كان ابن أبي حاتم ذكر في كتاب العلل، عن أبيه: إنما هو عبد الله بن عبيد الله، أخطأ فيه حماد، قال: وقالا جميعا: رواه حماد بن زيد وعبد الوارث ومرجا، فقالوا كلهم: عن أبي جهضم، عن عبد الله بن عبيد الله، وهو الصحيح، فقد بينّا أن رواية حماد وابن عبدة على الصواب، وأن الدارمي رواه عن مسدد، عن حماد، فقال: عبيد الله بن عبد الله.
ورواه الترمذي أيضًا من حديث أيوب، عن أبي قلابة عنه مطولًا، ثم قال: وقد ذكروا بين أبي قلابة وابن عباس في هذا الحديث رجلًا، وهو خالد بن اللجلاج، قال: وهو حديث حسن غريب.
١٥٩ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا زُهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله ﷺ قال: ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطايا ويزيد به في الحسنات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة.
стр. 330
هذا حديث إسناده ضعيف بعبد الله بن عقيل المتقدم الذكر.
ورواه أبو عاصم النبيل، عن الثوري، عن عبد الله بن أبي بكر، عن ابن المسيب، عن أبي سعيد يرفعه: ألا أدلكم على شيء يكفر الخطايا ويزيد في الحسنات .. فذكره، وفيه: إذا قمتم إلى الصلاة فاعدلوا صفوفكم، وسدوا الفُرج، وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وخير صفوف الرجال المقَدم، وفيه: يا معشر النساء، إذا سجد الرجال فاحفظن أبصاركن.
قال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: قال أبي: هذا وهم، إنما هو الثوري، عن ابن عقيل، وليس لعبد الله بن أبي بكر معنى.
١٦٠ - حدّثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، ثنا سفيان بن حمزة، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: كفارات الخطايا: إسباغ الوضوء على المكاره، وإعمال الأقدام إلى المساجد.
هذا حديث إسناده حسن؛ للاختلاف في حال كثير هو: كثير بن زيد؛ فإنه ممن صحح له الترمذي حديثا. وخرج ابن خزيمة له حديثًا في صحيحه.
وقال ابن معين: ثقة، ومرة: ليس بشيء، ومرة: ليس بذاك القوي، ومرّة: صالح.
وقال محمد بن عبد الله بن عمار: ثقة، وذكره البستي في الثقات.
وقال النسائي: ضعيف.
وقال أبو زرعة: لين.
وأمّا الوليد بن رباح بن عاصم بن عدي أبو البداح الدوسي المديني مولى ابن أبي
стр. 331
ذباب، قال عبد الرحمن: سئل أبي عنه، فقال: صالح، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وسفيان وصفه أبو زرعة بالصدق. وقال أبو حاتم: صالح.
وأغفل ذكره ابن سرور، ولا ينبغي له ذلك، وهو في صحيح مسلم، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ألا أخبركم بما يمحُو اللهُ به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط.
ولما ذكره ابن منده في صحيحه قال: هذا صحيح على رسم الجماعة، إلا البخاري؛ فإنه لم يخرج في كتابه، عن العلاء إلا استشهادا.
وقد روى هذا الحديث، عن العلاء جماعة؛ منهم: شعبة، ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر والدراوردي وزهير بن محمد وحفص بن ميسرة وسعيد بن سلمة بن أبي الحسام، وكل هؤلاء مقبول عندهم. انتهى ما ذكره.
وفيه نظر من حيث زعم أنّ البخاري استشهد به، وذلك قول لم أره لغيره، والله أعلم.
وفي المستدرك من حديث فوان بن عيسى: ثنا الحارث بن أبي ذباب، عن ابن المسيب، عن علي، قال ﵇: إسباغ الوضوء على المكاره، وإعمال الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة - يغسل الخطايا غسلا.
قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وذكره في الأوسط من حديث علي بن زيد، عن ابن المسيب عنه: من أسبغ الوضوء في البرد الشديد كان له من الأجر كِفْلان. وقال: لم يروه عن علي إلا أبو حفص العبدي، واسمه عمر بن حفص.
وفي كتاب النجوم للخطيب البغدادي من حديث عبيد الله بن موسى، عن
стр. 332
الربيع بن حبيب، عن نوفل بن عبد الملك، عن أبيه عنه: نهاني النبي ﷺ عن النظر في النجوم، وأمرني بإسباغ الوضوء.
ومن حديث المقدمي: ثنا هارون بن مسلم، ثنا القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن علي .. بنحو هذا.
وفي صحيح ابن خزيمة: أنبأ محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي، حدّثني أبي، ثنا سفيان، عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله، وهو ابن مسعود، عن أبيه، قال: الصفقة بالصفقتين ربا، وأمرنا رسول الله ﷺ بإسباغ الوضوء.
ولما رواه الطبراني في الأوسط من حديث سفيان أشار إلى تفرد ابن أبي صفوان، عن أبيه، وأبيه عن سفيان.
وفي تصحيح ابن خزيمة لهذا الحديث نظر؛ لأن عبد الرحمن أنكر سماعَهُ مِنْ أَبِيهِ ابْنُ مَعِينٍ.
وقال ابن سعد: تكلموا في روايته عن أبيه، قالوا: كان صغيرا، وقال الغلابي عن أحمد: مات أبوه وله ست سنين.
واختلف قول أبي حاتم، ففي كتاب الجرح والتعديل: سمع أباه، وفي كتاب التاريخ: يدخل في المسند ولا يصح سماعه من أبيه، واختلف قول البخاري في ذلك أيضًا؛ فذكر في التاريخ الكبير أنّه سمع من أبيه، وفي الأوسط: قال محمد: شعبة يقول: عبد الرحمن لم يسمع من أبيه، ويجمع بما قاله ابن المديني في كتاب العلل الكبير، ولعله عمد لهما: سمع من أبيه حديثين: حديث الضب، وحديث: كنت مع أبي، فأخر ابن عقبة الصلاة.
قرأت على المسند البقية شرف الدين المقدسي ﵀ عن أبي محمد القرشي، أنبأ العلامة أبو طاهر الإِسكندري، قرأت على أبي
стр. 333
الحسن ابن عبد الجبار بن أحمد، سمعت أبا مسلم عمر بن علي بن الليث البخاري: سمعت أبا الحسن علي بن أبي بكر الحافظ الجرجاني بنيسابور، سمعت مسعود بن علي السجزي، سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول، وذكر عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، فقال: اتفق مشائخ الحديث على أنه لم يسمع من أبيه.
وفي مسند البزار: أنا خالد بن يوسف - يعني السمتي - عن أبيه، أنا موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى ابن أخي عبادة، عن عبادة بن الصامت، قال رسول الله، ﷺ : ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطيئة، ويمحو به الذنوب؟ قالوا: نعم، قال: إسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط.
وفي معرفة الصحابة لأبي نعيم الحافظ: عن امرأة من المبايعات قالت: جاءنا رسول الله ﷺ في بني سَلمة، فقربنا له طعامًا، فأكل ومعه أصحابه، ثم قرب إليه وضوء فتوضأ، ثم أقبل على أصحابه، فقال: ألا أخبركم بمكفرات الخطايا؟ قالوا: بلى، قال: إسباغ الوضوء .. الحديث.
وفي مسند أبي يعلى الموصلي، عن عُبيدة بن عمرو الكلابي، قال: رأيت النبي ﷺ توضأ، فأسبغ الوضوء.
وفي سنن الكجي، عن ربيعة بنت عياض الكلابية، قالت: حدّثني ربيعة الكلابي، قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فأسبغ الوضوء.
стр. 334
وفي كتاب أبي موسى المديني من حديث عبيدة بن عمرو الكلابي، قال: رأيت النبي ﷺ توضأ فأبلغ الوضوء، وفي لفظ: فأسبغ الوضوء.
رواه من حديث سعيد بن خثيم، عن ربيعة بنت عياض الكلابية، قالت: حدثني ربيعة، وفي موضع آخر: حدّثني جدّي عبيدة، قال أبو موسى: وهو الصواب.
وفي تاريخ الموصلي: ثنا علي بن جابر، ثنا أبو العباس محمد بن عمارة القرشي، أنا الثوري، عن آدم بن علي، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: يُدعى يوم القيامة قوم يقال لهم المنقوصون، قيل: يا رسول الله وما المنقوصون؟ قال: الذين لا يتمون وضوءهم ويلتفتون في صلاتهم.
وسألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن صحيح.
وفي كتاب الترمذي - رحمة الله عليه - عن معاذ بن جبل، ولفظه: وإسباغ الوضوء حين الكريهات. وقال: حديث حسن صحيح.
وهو أصح من حديث الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ثنا خالد بن اللجلاج، حدّثني عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: سمعت النبي ﵇ .. فذكر الحديث.
وهذا غير محفوظ، كذا ذكر الوليد في حديثه عن عبد الرحمن بن عائش: سمعت النبي ﷺ ، وروى بشر بن بكر، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا الإِسناد، عن ابن عائش، عن النبي ﷺ . وهذا أصح، وابن عائش لم يسمع من النبي ﵇.
وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في علله من عدّة طرق، وفي كتاب الكامل لأبي أحمد من حديث أشعث بن براز: ثنا ثابت، عن أنس قال ﵇: يا أنس أسبغ الوضوء يُزَد في عمرك.
وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: سألت أبي وأبا زرعة عن أحاديث تروى عن أنس مرفوعة في إسباغ الوضوء، وذكرت لهما الأسانيد المروية في ذلك، فضعفاها كلها، وقالا: ليس في إسباغ الوضوء يزيد في العمر حديث صحيح.
وقال: سألت أبا زرعة عن حديث رواه عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، عن
стр. 335
إسماعيل بن عياش، عن حبيب بن صالح، عن ثابت بن أبي ثابت، عن عبد الله بن معانق الدمشقي، عن عبد الرحمن بن غنم الدمشقي الأشعري، عن أبي عامر الأشعري، عن النبي ﷺ قال: إسباغ الوضوء نصف الإِيمان. فقال: عبد الوهاب شيخ صالح من حَوْط من مذحج، وأبو عامر اسمه عبيد، قتل بخيبر، وإنما هو عن أبي مالك الأشعري، وهو أشبه؛ لأن الشيخ قال: أبو عامر، وحديث لقيط بن صَبرة تقدم ذكره.
وفي المعجم الأوسط، عن أنس، قال ﵇: أسبغ الوضوء يزد في عمرك .. الحديث بطوله، وقال: لم يروه بهذا التمام عن ابن المسيب إلا علي بن زيد بن جدعان، ولا عن علي إلا عبد الله بن المثنى.
تفرد به مسلم بن حاتم، عن الأنصاري، عن أبيه، وتفرّد به محمد بن الحسن بن أبي يزيد، عن عباد المنقري.
стр. 336
باب ما جاء في تخليل اللحية
١٦١ - حدّثنا محمد بن أبي عمر العدني، ثنا سفيان، عن عبد الكريم أبي أمية، عن حسان بن بلال، عن عمار بن ياسر، (ح) وثنا ابن أبي عمر قال: وثنا سفيان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسان بن بلال، عن عمار بن ياسر قال: رأيت رسول الله ﷺ يخلل لحيته.
هذا حديث حرف ابن ماجه ألفاظه، وذلك أن العدني لم يروه له كما ذكر، وإنما قال في مسنده: ثنا سفيان، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن حسان بن بلال، قال: رأيت عمار بن ياسر توضأ، فخلل لحيته، فقيل له: أتخلل لحيتك؟ قال: ما يمنعني، وقد رأيت رسول الله ﷺ يخلل لحيته.
ثنا سفيان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسان بن بلال، عن عمار، عن النبي ﵇ مثله.
هذا نص ما في مسنده، وكذلك رواه عنه الترمذي لا يغادر حرفًا، فقد تبين لك تحريف نقله له، وانتقاله من التصريح بالسماع والرواية إلى العنعنة المشعرة بعدم الاتصال، لا سيما من كوفي، وقد كنت قديمًا رأيت من تكلم في هذا الحديث بنحو من هذه العلة فقط، وهو أبو محمد بن حزم، قال: حسان بن بلال مجهول، وأيضا فلا يعرف له لقاء عمار، وفيما قاله نظر؛ وإن كان ابن حبّان قد سبقه بقوله: روى عن عمار، إن كان قد سمع منه حين ذكره في الثقات، لما تقدم من تصريحه بالرواية والسماع عند ابن ماجه والمكي وابن منده في كتاب الوضوء من تصنيفه، ولأنه قد روى عنه جماعة، منهم: أبو قلابة وأبو بشر وقتادة ويحيى بن أبي كثير، وقال ابن المديني فيه: ثقة، فمن كانت هذه حاله فليس مجهولا
стр. 337
بحال، والذي يظهر من العذر لابن ماجه أنه عدل عن حديث عبد الكريم بن أبي المخارق قيس، ويقال: طارق أبي أمية البصري، فقد قال فيه أيوب: كان غير ثقة، سألني عن حديثه لعكرمة، فحدثته ثم قال: حدثني عكرمة، وذكر ابن أبي معين أنّه اتهم بالكذب، وقال مرة: هو ضعيف، وإن كان مسلم قد خرج له في صحيحه.
كذا ذكره ابن سرور، وأظنّه وهم؛ لأني لم أر ذلك لغيره، إنما خرّج له البخاري مستشهدًا في باب التهجد بقوله: قال سفيان: وزاد عبد الكريم أبو أمية، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومسلم إنما جرحه في مقدمة كتابه.
ولهذا قال أبو محمد بن يربوع: أمّا مسلم فقد بين جرحه في صدر كتابه، وأمّا البخاري فلم ينبه من أمره على شيء؛ فدل أنه عنده على الاحتمال؛ لأنه قد قال في التاريخ: كل من لم أبين فيه جرحة فهو على الاحتمال، وإذا قلت: فيه نظر، فلا يحتمل.
وقال معمر: سألني حماد عن فقهائنا، فذكرتهم، فقال: قد تركت أفقههم، يعني أبا أمية، قال أحمد: كان يوافقه على الإِرجاء، وكان ابن عيينة يستضعفه.
وقال أحمد: هو ضعيف، وفي رواية: ليس بشيء قد ضربت على حديثه، وهو شبيه بالمتروك.
وفي إطلاق ذلك نظر؛ لما ذكره ابن أبي حاتم عنه، وذكروا مرة عند يحيى يوم الجمعة في مسجد الجامع، قال عمرو: وأنا شاهد الترويح في الصلاة، فقال: يذكرون عن مسلم بن يسار وأبي العالية، فقال له عفان: من حديث من؟ فقال فيما بينه وبينه وأنا أسمع: ثنا هشام، عن عبد الكريم المعلم، عن عمير بن أبي يزيد، وأما عبد الرحمن فإني سألته فيما بيني وبينه، فقال: فأين التقوى؟ انتهى.
стр. 338
فهذا يحيى قد حدّث عنه.
وقال الفلاس: كان ابن مهدي ويحيى لا يحدثان عنه.
وقال ابن عدي: والضعف بين على كل ما يرويه.
وقال ابن معين: ليس بشيء.
وقال مرّة: هو ضعيف.
وقال السعدي: غير ثقة.
وقال ابن حبان: كثير الوهم فاحش الخطأ، فلما كثر ذلك منه بطل الاحتجاج به.
وقال النسائي وأبو الحسن الدارقطني: متروك.
وقال الحربي في كتاب العلل من تأليفه: كان يتفقه ويرى الإرجاء، غيره أوثق منه.
وقال الآجري: سمعت أبا داود يقول: لم يحدث مالك عن أحد أضعف من عبد الكريم، وسمعه يقول: مرجئة البصرة: أبو أمية عبد الكريم، وعثمان بن غياث، والقاسم بن الفضل. وقال أبو عمر في التمهيد: بصري ضعيف متروك، مجتمع على ضعفه، لقيه مالك بمكة، فروى عنه، ولم يكن عرفه قبل.
وفي موضع آخر: عبد الكريم ضعيف لا يختلف العلماء بالحديث في ضعفه، إلا أنّ منّهم من يقبله في غير الأحكام خاصة، ولا يحتج به على كل حال، ومن أَجَلِّ من جرحه وطرحه أبو العالية وأيوب مع ورعه، ثم شعبة ويحيى القطان وأحمد وابن المديني وابن معين، وكان مؤدب كتاب، غر مالكًا منه سَمْته، ولم يكن من أهل بلده، ولم يخرج عنه في موطئه حكمًا، إنما ذكر عنه فيه ترغيبًا وفضلًا، ولقائل أن يقول: إنّ ذلك ليس كما زعم، بل روى عنه حكمًا وهو قوله: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحْيِ فاصنع ما شئت، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة، وتعجيل الفطر، والاستيناء بالسحور، فهذه الأحاديث لا شك في أنها أحكام، والله أعلم.
ولما ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء، قال: ثنا أحمد بن محمود، ثنا عثمان بن سعيد قال: سمعت الحسن يقول: عبد الكريم بن أبي المخارق ليس بشيء.
وقال الساجي: فيه ضعف، ليس
стр. 339
بحجة في الأحكام، وذكره البلخي في الضعفاء، وكذلك يعقوب بن سفيان، وضعف به ابن طاهر غير حديث، وسئل عنه أبو حاتم فقال: ضعيف، وسئل أبو زرعة فقال: ليّن.
وأما ابن راهويه فإن حَرَبا لما سأله عن التخليل قال: سنة، وذكر له حديثه في معرض الاحتجاج به في تصريح حسان بسماعه له من عمار، وهو ردّ على من نفاه، وأخرجه من حديث ابن أبي عروبة لعدالة رواته وثقتهم، وذلك هو المحوج لأبي عبد الله الحاكم إلى تصحيحه، ولعمري لقد كان ذلك عذرا لو صحّ، لكن مهنأ ذكر عن أحمد، عن ابن المديني أنه قال: إنّ قتادة لم يسمع هذا الحديث إلَّا من عبد الكريم فلا عذر إذا، والله أعلم.
وفيه تصريح بسماع سفيان من سعيد. وقال البخاري في الكبير: إنّ ابن عيينة قال مرّة: عن سعيد، عن قتادة، عن حسان، ولا يصح سعيد، ومع ضعف حديث عبد الكريم فيه انقطاع أيضا فيما بينه وبين حسان.
قال الترمذي: سمعت إسحاق بن منصور، سمعت أحمد بن حنبل قال: قال ابن عيينة: لم يسمع عبد الكريم من حسان حديث التخليل، وكذا ذكره البخاري في التاريخ، فهاتان علّتان كافيتان في عدم الاحتجاج بالحديث، ولو كانت واحدة لكانت كافية.
وأمّا ما ذكره مهنأ، قلت لأحمد: حدّثوني عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسان بن بلال، عن عمار … الحديث - فقال أبو عبد الله: إمّا أن يكون الحميدي اختلط، وإمّا أن يكون الذي حدّث عنه خلط، قلت: كيف؟ فحدثني أحمد قال: ثنا سفيان، عن عبد الكريم، عن حسان بن بلال، عن عمار. انتهى.
وفي عصْبه الجناية برأس الحميدي أو الراوي عنه - نظر؛ لما أسلفناه من عند ابن أبي عمر، وهو كاف في الردّ عليه.
وأما قول ابن أبي حاتم في كتاب العلل: سألت أبي عن حديث رواه ابن عيينة، عن سعيد، يعني هذا، فقال: لم يحدث بهذا أحد سوى ابن عيينة، عن ابن أبي عروبة، قلت: هو صحيح؟ فقال: لو كان صحيحا لكان في
стр. 340
مصنفات ابن أبي عروبة، ولم يذكر ابن عيينة في هذا الحديث، يعني سماعا، وهذا أيضا مما يوهنه، فليس كما زعم، لأنا أسلفنا من عند الحاكم تصريحه بالسماع لهذا الحديث من سعيد، فزال ما يخشى من تدليسه.
وأمّا كونه ليس في كتبه فليس بشيء أيضا، إذ العالم قد يشذ عنه عند التصنيف الكثير من روايته.
وأمّا قول الطبراني في المعجم الصغير: لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلَّا سعيد، تفرد به ابن عيينة، فليس بموهن له، إذ في الصحيح الكثير من أفراد الثقات، فكيف بالحفاظ!
ورواه أبو القاسم في الكبير، عن إبراهيم بن موسى، ثنا صالح بن قطن، ثنا محمد بن عمار بن محمد بن عمّار، حدثني أبي، عن جدي، عن عمار، قال: رأيت النبي ﷺ توضأ وخلل لحيته.
١٦٢ - حدثنا محمد بن أبي خالد، ثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق الأسدي، عن أبي وائل، عن عثمان: أن رسول الله ﷺ توضأ فخلل لحيته.
هذا حديث خرجه ابن حبان في صحيحه، عن الحسن بن سفيان، أنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن نمير، ثنا إسرائيل. وقال فيه الترمذي: حسن صحيح.
وقال في العلل: قال محمد: أصح شيء عندي في التخليل حديث عثمان، قلت: إنهم يتكلمون في هذا الحديث، فقال: هو حسن.
ورواه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه وابن الجارود في منتقاه، عن إسحاق بن منصور، أنا ابن مهدي، نا إسرائيل،
стр. 341
عن عامر عن شقيق بن سلمة، قال: رأيت عثمان توضأ، فغسل كفيه ثلاثًا، ومضمض، واستنشق، وغسل وجهه ثلاثًا، ومسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، وخلّل أصابعه، وخلل لحيته، حتى غسل وجهه ثلاثًا، وقال: رأيت رسول الله ﷺ يفعل كما رأيتموني فعلت.
وقال الحاكم: قد اتفق الشيخان على إخراج طرق حديث عثمان، ولم يذكرا في روايتهما تخليل اللحية ثلاثا، وهذا إسناده صحيح، قد احتجا بجميع رواته غير عامر بن شقيق، ولا أعلم فيه طعنًا بوجه من الوجوه، وله في تخليل اللحية شاهد صحيح عن عمار، وأنس، وعائشة، ﵃.
وقال أحمد فيما ذكره عنه الخلال: ليس يثبت في التخليل حديث، وأحسن شيء فيه حديث شقيق، عن عثمان.
وأما ما اعتل به ابن حزم حيث قال: هذا حديث لا يصح؛ لأنّ إسرائيل ليس بالقوي عن عامر بن شقيق، وليس مشهورًا بقوة النقل - فليس بشيء؛ لأن إسرائيل لا يحتاج إلى تعريف حاله؛ لأنه ممّن خرج له الشيخان في صحيحيهما ووثّقه أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة، وابن سفيان، وابن حبان، وأبو داود، وابن سعد، وغيرهم.
وأما عامر فروى عنه جماعة، منهم: الثوري، وابن عيينة، ومسعر، وشريك، وذكره أبو حاتم في كتاب الثقات، وفي كتاب المروذي، وذكره - يعني أحمد - فلم يتكلّم فيه بشيء.
وقال النسائي: لا بأس به، وإن شهرته أكثر من هذه.
وأمّا قول ابن معين: فيه ضعف، فليس يعارض ما أسلفناه من توثيقه عند من صحح حديثه أو حسنه، ويكون ضعيفا بالنسبة إلى غيره من الثقات.
وكذا قول أبي حاتم الرازي: ليس بقوي. قال معنى ذلك أبو الحسن ابن القطان.
ولما ذكره الدارقطني في كتاب السنن من حديث أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا
стр. 342
ابن نمير، عن إسرائيل بلفظ: رأيت عثمان يتوضأ فغسل يديه ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ومضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا .. الحديث.
قال: قال موسى بن هارون: في هذا الحديث موضع فيه عندنا وهم؛ لأن فيه ابتدأ بغسل الوجه قبل المضمضة والاستنشاق.
وقد رواه ابن مهدي وأبو غسان على الصواب، وبنحوه ذكره في العلل لم يزد على ذلك شيئا، والله أعلم.
وأما قول البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه عن عثمان بهذا الإسناد - فيشبه أن يكون وهما؛ لما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث عطاء الخراساني، عن ابن المسيب: رأيت عثمانَ توضأ فخلل لحيته، ثم قال: رأيت النبي ﵇ توضأ فخلل لحيته.
وقال: لم يروه عن عطاء إلا شعيب بن رزيق.
وقال أبو نعيم لما رواه أيضا من حديث عطاء: تفرّد به شعيب.
وفي كتاب العلل للرازي: سألت أبي عن حديث رواه بقية عن أبي سفيان الأنماري، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن ابن المسيب، عن عثمان … الحديث، فقال: هو حديث موضوع، وأبو سفيان مجهول.
١٦٣ - حدّثنا محمد بن عبد الله بن حفص بن هشام بن زيد بن أنس بن مالك، ثنا يحيى بن كثير أبو النضر صاحب البصري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ خلل لحيته وفرج أصابعه مرتين.
هذا حديث لما ذكره الدارقطني في الأفراد قال: تفرّد به محمد بن حمير، عن سلمة بن العيار، عن موسى بن أبي عائشة عنه، ولم يروه عنه غير عيسى بن المنذر الحمصي، وما أسلفناه من عند ابن ماجه يرد عليه، وعلى هذا فإسناده في غاية
стр. 343
الضعف، أما شيخ ابن ماجه فحاله مجهولة، وأما يحيى بن كثير فقال فيه الرازيان وابن معين: ضعيف.
زاد أبو حاتم: ذاهب الحديث جدًّا.
وقال الدارقطني: متروك الحديث.
وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم، لا يجوز الاحتجاج به فيما انفرد به.
وقال الفلاس: لا يتعمد الكذب ويكثر الغلط.
وقال العُقيلي: منكر الحديث لا يتابع على حديثه.
وقال الساجي: معروف في التشيع، كان ضعيف الحديث جدًّا، متروك، يحدّث عن الثقات بأحاديث بواطيل، وذكره يعقوب في باب من يُرغب عن الرواية عنهم.
وأمّا يزيد بن أبان أبو عمرو فكان يحيى بن سعيد لا يحدّث عنه، وكان عبد الرحمن يحدّث عنه، فيما قاله عمرو بن علي.
وقال أبو طالب: قلت لأحمد بن حنبل: يزيد لم ترك حديثه، هوى كان فيه؟ قال: لا، ولكن كان منكر الحديث.
وقال عبد الله: سمعت أبي يقول: هو فوق أبان بن أبي عياش، وكان شعبة يشبهه بأبان.
وفي رواية: قال أحمد: لا يكتب عنه شيء، كان منكر الحديث.
وفي كتاب المروذي: عن أحمد: ليس ممن يحتج به، وقال ابن معين: ضعيف، وفي رواية: هو خير من أبان، وفي رواية: لا شيء، وفي رواية: هو رجل صالح وليس حديثه بشيء.
وقال النسائي: متروك الحديث.
وقال في التمييز: ليس بثقة.
وقال الفسوي: فيه ضعف.
وقال أبو حاتم: كان واعظا بكاء كثير الرواية عن أنس بما فيه نظر صاحب عبادة وفيه ضعف.
وقال ابن عدي: أرجو أنّه لا بأس به لرواية الثقات عنه، وقال ابن أبي شيبة: سألت ابن المديني عن يزيد، فقال: كان ضعيفًا. وقال الدارقطني مثله. وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله من البكائين بالليل، لكنه غفل عن حفظ الحديث شغلًا بالعبادة، حتى كان يقلب كلام الحسن، فجعله عن أنس، عن رسول الله ﷺ فلا تحل الرواية عنه إلا على جهة التعجب.
وفي كتاب الساجي: كان رجلًا صالحًا يهم ولا يحفظ، ويحتمل حديثه لصدقه وصلاحه وفضله.
وفي كتاب العقيلي: قال شعبة: لأن أزني أحب إلي من أن أروي عن يزيد، وقد وقع لنا هذا الحديث بزيادة: كان رسول
стр. 344
الله ﷺ إذا توضأ يقول بيده في ذقنه يخلل لحيته، يفعل ذلك مرتين، وربما فعله ثلاثًا أو أكثر من مرتين.
أنا بها المعمر أبو الفضل الصابوني - رحمة الله عليه - قراءة عليه وأنا أسمع، أنا جدي قراءة عليه، أنا ابن الحرستاني، أنا السلمي قراءة عليه، أنا ابن طلاب، أنا ابن جميع، ثنا زكريا بن أحمد بمصر، ثنا أبو غسان، ثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، ثنا الرحيل بن معاوية، عن الرقاشي، فذكره.
وقد وقع لنا أيضًا من طريق سالمة من هؤلاء الضعفاء حسّنة، بل صحيحة؛ لما عضدها من الشواهد والمتابعات، ذكرها الحاكم في الشواهد الصحيحة لحديث عثمان عن علي بن حمشاذ، نا عبيد بن عبد الواحد، ثنا محمد بن وهب بن أبي كريمة، ثنا محمد بن حرب، وذكرها الذهلي في كتاب علل حديث الزهري، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن خالد الصفار من أصله، وكان صدوقًا، ثنا محمد بن حرب، ثنا الزبيدي عن الزهري عن أنس بن مالك فذكره، قال ابن القطان: وهذا الإسناد عندي صحيح، ولا يضره رواية من رواه عن ابن حرب عن الزبيدي أنه بلغه عن أنس، فإنه ليس مَنْ لم يحفظ حجة على مَنْ حفظ، فالصفار قد عين شيخ الزبيدي بأنه الزهري، وحتى لو علمنا أن محمد بن حرب حدث به تارة، فقال فيه: عن الزبيدي بلغني عن أنس لم يضره ذلك، وقد يراجع فيعرف فيه أن الذي حدثه هو الزهري، فيحدث به، فيأخذه عنه الصفار وغيره، وهذا الذي أشرت إليه هو الذي اعتل به الذهلي حين ذكره، ونص كلامه هو أن قال: وثنا يزيد بن عبد ربه، ثنا محمد بن حرب عن الزبيدي أنه بلغه عن أنس، أن رسول الله ﷺ توضأ، فأدخل أصابعه تحت لحيته، قال الذهلي: المحفوظ عندنا حديث يزيد، وحديث الصفار واهٍ عندنا، هذا نص كلامه، فانظر فيه، ويزيد بن عبد ربه ثقة، فاعلمه، ورواه ابن قيراط في مسند أنس بن مالك: عن سليمان بن سلمة عن ابن حرب كذلك، ولفظه: فأدخل أصابعه من تحت لحيته، فخللها، وقال: هكذا أمرني ربي تعالى. وفي كتاب
стр. 345
حرب، ثنا أبو عبيدة شاذ بن فياض، ثنا هاشم بن سعيد عن محمد بن زياد عن أنس به، ورواه عن أنس أيضًا غير واحد، منهم: الوليد بن زوران، أنا بحديثه الإمام المسند المعمر يوسف بن عمر ﵀ قراءة عليه وأنا أسمع قال: أنا الحافظ المنذري قراءة عليه وأنا أسمع أنا المسند المعمر أبو حفص عمر بن محمد وأنبأنا به عاليًا ابن البخاري، عن ابن طبرزد، قال: أنبأنا الشيخان إبراهيم الكرخي ومفلح الدومي، أنا الحافظ أبو بكر الخطيب، أنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، أنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، أنا سليمان بن الأشعث قال: ثنا أبو توبة، يعني الربيع بن نافع، ثنا أبو المليح، عن الوليد بن زوران، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًّا من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلل به لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي، قال أبو داود: الوليد بن زوران، روى عنه حجاج بن حجاج، وأبو المليح الرقي، زاد الإمام أحمد: وجعفر بن برقان، وفي تاريخ الرقة: وهو مَنْ بني سليم، ومع ذلك فهو مجهول الحال، ولا يعرف بغير هذا الحديث، قال ذلك ابن القطان، وهي طريقة له معلومة في طلب زيادة التعديل، مع رواية جماعة عن الراوي، وليس هو بأبي عذرة هذا القول لِسَبْق ابن حزم بذلك.
ولما سئل ابن المبارك عن التخليل في تاريخه قال: قد جاء: كذا أمرني ربي، قال: ولم نجد ذاك القوة، وقال: قد جاء حديث آخر تحريك ما مر عليها من الماء، قال: وهذا أيضًا ليس له قوة، ومنهم: ثابت البناني روى حديثه أبو القاسم في الأوسط، وقال: لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا عمر أبو حفص العبدي.
ورواه ابن حبان في الثقات، ولما ذكره ابن طاهر ضعفه بعمر، ومنهم
стр. 346
حميد الطويل، قال في الأوسط: لم يروه عن حميد إلا إسماعيل بن جعفر، تفرد به إسحاق بن عبد الله التميمي، ومنهم موسى بن أبي عائشة، رواه مروان الطاطري عن أبي إسحاق الفزاري عنه، وعُلِّل برواية أحمد بن يونس عن حسن بن صالح عن موسى عن رجل عن يزيد الرقاشي عن أنس، قال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: قال أبي: هذا الصحيح، وكنا نظن أن ذلك غريب، ثم تبين لنا علته، ترك من الإسناد رجلين، وجعل موسى عن أنس، وفي موضع آخر: الخطأ من مروان، موسى بن أبي عائشة يحدث عن رجل عن الرقاشي عن أنس، ورواه الطبراني من طريق أبي بدر شجاع بن الوليد عن الرحيل بن معاوية عن يزيد، وقال: لم يرو هذا عن الرحيل إلا شجاع بن الوليد، ورواه الخطيب في كتاب المتفق والمفترق من حديث وكيع عن الهيثم بن أبي الهيثم عن يزيد، ورواه البغوي عن الهيثم بن حماد عن يزيد.
ومنهم أبو خالد، ذكر حديثه الحافظ أبو بكر البيهقي، ومنهم محمد بن زياد، روى حديثه ابن عدي من حديث هاشم بن سعيد عنه، وقال: هاشم له من الحديث غير ما ذكرت، ومقدار ما يرويه لا يتابع عليه، ومنهم بشير بن يحيى الكوسج أبو نصر النيسابوري، ذكر حديثه الحاكم في تاريخ نيسابور، ومنهم الحسن بن أبي الحسن، روى الدارقطني من حديث أيوب بن عبد الله عنه، ومنهم مطر الوراق رواه الطبراني من حديث عتاب بن محمد بن شوذب عن عيسى الأزرق عن مطر، وقال:
стр. 347
لا يُروى عن مطر إلا بهذا الإسناد، ومنهم معاوية بن قرة، وسلام الطويل، ذكرهما ابن عدي، ومنهم عمرو بن وهب، ذكره ابن حزم.
١٦٤ - حدثنا هشام بن عمار، نا عبد الحميد بن حبيب، ثنا الأوزاعي، ثنا عبد الواحد بن قيس، حدثني نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك، ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها.
هذا حديث رجال إسناده لا بأس بهم، وذكر الخلال عن أحمد أنه أصح شيء في التخليل، وقال فيه الدارقطني: الصواب موقوف أن ابن عمر كان إذا توضأ، وبنحوه قاله البيهقي.
وفي كتاب العلل لابن أبي حاتم: قال أبي: روى هذا الحديث الوليد عن الأوزاعي عن عبد الواحد، عن يزيد الرقاشي، وقتادة قالا: كان النبي ﷺ ، وهو أشبه، وخالف ذلك أبو أحمد بن عدي، فصوب رفعه، وأظن أن ذاك بسبب متابعة عبد الحميد المذكورة عند أبي القاسم في الأوسط، حين رواه عن أحمد بن محمد بن صدقة، ثنا أحمد بن محمد بن أبي بزة، عن مؤمل بن إسماعيل، ثنا عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا توضأ خلل لحيته وأصابع رجليه، وزعم أنه رأى النبي ﷺ يفعل ذلك. وقال: لم يرو هذا الحديث عن ابن عمر إلا مؤمل.
стр. 348
ولما قال عبد الحق: الصحيح أنه فعل ابن عمر، غير مرفوع إلى النبي، ﵇ قال ابن القطان: قد يظن أن تعليله إياه إنما هو ما ذكر من وقفه ورفعه، وليس ذلك بصحيح، فإنه إنما كان يصح أن يكون هذا علة لو كان رافعه ضعيفًا، وواقفه ثقة، ففي مثل هذه الحال كان يصدق قوله: الصحيح موقوف من فعل ابن عمر.
أما إذا كان رافعه ثقة فهذا لا يضره، ولا هو علة فيه، وهذا حال هذا الحديث، فإن رافعه عن الأوزاعي ابن أبي العشرين، وواقفه عنه هو أبو المغيرة، وكلاهما ثقة، والقضاء للوقف على الرفع يكون خطأ، قال: وبعد هذا فعلة الخبر هي، والموقوف الذي صحح لا بد فيه من عبد الواحد المذكور، فليس إذًا بصحيح، والدارقطني لم يقل في الموقوف: صحيح، ولا أصح، إنما قال في رواية أبي المغيرة وقفه هو الصواب. انتهى كلامه.
وفي حصره أن الرافع يكون ضعيفًا، والواقف ثقة - نظر، فقد يأخذون ذلك من كثرة الواقفين، أو تقديم مرتبة الواقف على الرافع، ولعل هذا منه عند مَنْ قال ذلك، فإن أبا المغيرة عبد القدوس احتج به الشيخان، وابن أبي العشرين ليس مثله، ولعل أبا الحسن أراد: إنما يصح ذلك في النظر الصحيح عنده، والله أعلم.
.
١٦٥ - حدثنا إسماعيل بن عبد الله البرقي، ثنا محمد بن ربيعة الكلابي، ثنا واصل بن السائب الرقاشي، عن أبي سورة، عن أبي أيوب الأنصاري قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فخلل لحيته.
стр. 349
هذا حديث قال الترمذي في كتاب العلل: سألت محمدًا عنه؟ فقال: هذا لا شيء، فقلت: أبو سَوْرة ما اسمه؟ فقال: لا أدري ما يصنع به؟ عنده مناكير، ولا يعرف له سماع من أبي أيوب، ولما ذكره ابن حزم قال: فيه واصل، وهو ضعيف، وأبو أيوب هذا ليس هو بأبي أيوب الأنصاري، قاله ابن معين. انتهى كلامه، وفيه نظر من وجوه: الأول: تضعيفه واصلًا، وذلك أمر لا يضر أحيانًا لو كان صحيحًا؛ لأنها كلمة مقولة في جماعة من الأئمة، ولا ضرر فيها عليهم إلا بضميمة أخرى، وهذا الرجل لا يحسن فيه هذا القول وحده، إلا بما يضم إليه، لأنه مما قال فيه البخاري، وأبو حاتم الرازي: منكر الحديث، وقال أبو عبد الرحمن النسائي، والأزدي: متروك الحديث، وقال أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو زرعة، والدارقطني: ضعيف، وقال ابن عدي: أحاديثه لا تشبه أحاديث الثقات، وقال أبو داود عن ابن معين: ليس بشيء، ولما ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء ذكر من حديثه هذا الحديث، ثم قال: والرواية في التخليل فيها لين، وفيها ما هو أصلح من هذا الإسناد، وقال الساجي: منكر الحديث، وبنحوه قاله يعقوب، وابن طاهر، فمن كان بهذه المثابة لا يحسن فيه قول ضعيف فقط.
الثاني: قوله: إن أبا أيوب هذا ليس بأبي أيوب الأنصاري، وحديث الباب كافٍ في الرد عليه، وكذا ذكره أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستغناء، وأبو حاتم البستي حين ذكر أبا سورة في كتاب الثقات، وأبو حاتم الحنظلي، وأبو القاسم الطبراني، وأبو بكر البزار، وغيرهم من المتأخرين.
الثالث: سكوته عن حال أبي سورة، ولا ينبغي ذلك له؛ لأنه ممن قال فيه البخاري ما أسلفناه، وقال أبو عيسى: يضعف في الحديث، ضعفه ابن معين جدًّا، وسمعت محمدًا يقول: أبو سورة منكر الحديث، يروي عن أبي أيوب مناكير، لا
стр. 350
يتابع عليها، وقال أبو الحسن الدارقطني: مجهول، وقال الساجي: أبو سورة يحدث عن أبي أيوب منكر الحديث، روى واصل بن السائب عنه أحاديث عن أبي أيوب مناكير يطول ذكرها.
الرابع: انقطاع ما بينه وبين أبي أيوب المشار إليه أولًا، فهذه علل ثلاث قوادح، لو كان في الحديث منهن واحدة لكان مردودًا، لا ما أبرزه هو من العلتين اللتين ذكرهما، والله أعلم.
ولفظ البغوي في معجمه: إذا توضأ تمضمض، ومسح لحيته من تحتها بالماء، وقد روى التخليل جماعة من الصحابة ﵃، منهم: وائل بن حجر، ذكر حديثه أبو عبد الرحمن في كتاب الكنى فقال: ثنا أحمد بن يوسف، ثنا محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل أبو جعفر، وحدثه عن سعيد بن عبد الجبار عن أبيه عن أمه عن وائل قال: خلل النبي ﷺ لحيته، ومسح باطن أذنيه، ثم قال: رواه أحمد عنه، ومنهم: عائشة، ذكر حديثها أبو عبد الله الحاكم في مستدركه في باب الشواهد الصحاح من حديث شاذ بن فياض، ثنا عمر بن أبي وهب، عن موسى بن ثروان، عن طلحة بن كريز عنها، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: عمر بن أبي وهب كيف هو؟ قال: ما أعلم به بأسًا، وروى حديثه هذا في مسنده، وذكره أبو حاتم في كتاب الثقات في باب من اسمه عمر، وسمى أباه ثورًا، قال: وهو الذي أعتق سلام بن أبي مطيع، روى عنه ابن المبارك وعبد الصمد بن عبد الوارث.
стр. 351
وموسى بن ثروان اضطرب فيه، فشعبة يقول: ابن ثروان، ووكيع يقول: سروان، وأبو الحسن يقول: وردان، وأخطأ في ذلك، وقال غيره: مروان، وقال غيره: موسى النجدي، وهو ثقة، وثقه ابن معين، وخرج مسلم حديثه في صحيحه متابعة، وفي سؤالات حرب: ثنا شاذ بن فياض، ثنا عمر بن أبي وهب عن موسى النجدي به، ولما ذكر ابن حزم حديث عائشة هذا رده بقوله: فيه رجل مجهول، لا يعرف من هو؟ شعبة يسميه عَمْرًا، وأمية بن خالد يسميه عمر. انتهى كلامه، وفيه نظر لما أسلفناه قبل. ومنهم: علي بن أبي طالب رواه ابن مردويه في انتقائه على كتاب الطبراني عن يحيى بن عثمان، ثنا زكريا بن عبد الخالق الواسطي، ثنا هشيم عن منصور بن زاذان عن أبي البختري الطائي عنه.
وفي كتاب المراسيل لأبي حاتم، ثنا الهسنجاني، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا حجاج، يعني ابن محمد، نا شعبة قال: كان أبو إسحاق أكثر عن أبي البختري، ولم يدرك أبو البختري عليًّا، ولم يره، سمعت أبي يقول: أبو البختري لم يدرك عليًّا، ومنهم جابر بن عبد الله، رواه الحاكم في تاريخ نيسابور من حديث أصرم بن غياث، ثنا مقاتل، عن الحسن عنه، ولفظه: وضأت النبي ﷺ غير مرة ولا مرتين، فرأيته يخلل لحيته، قال جابر: فنظرت إلى أصابعه من تحت لحيته،، وبقي علة غير انقطاع ما بين مقاتل والحسن المذكور قبل، وهي انقطاع ما بين الحسن وجابر بن عبد الله، نص على ذلك ابن المديني، وأبو زرعة، وبهز، وأبو حاتم، والبزار، وأبو داود، ومنهم أبو أمامة، ذكر حديثه أبو القاسم في الكبير من حديث أبي غالب حزوَّر عنه عن عمر بن سليم الباهلي، وحاله مختلف فيها: فأبو الحسن يوثقه، وابن معين يقول: صالح الحديث، وأبو زرعة يقول: صدوق، وغيرهم يضعفه، ومنهم: ابن عباس، ذكر حديثه أبو القاسم في الأوسط من حديث شيبان بن فرُّوخ، ثنا نافع أبو هرمز عن عطاء عنه، وقال: لم يرو هذه اللفظة عن ابن عباس عن النبي ﷺ في تخليل اللحية في الوضوء إلا نافع أبو هرمز، تفرد به شيبان، قال العقيلي: لا يتابع نافع عليه بهذا الإسناد لما رواه عنه عن ابن سيرين عن ابن عباس، ومنهم أم سلمة ذكره ابن حزم، ورده بخالد بن إياس العدوي من ولد أبي الجهم بن حذيفة، وهو ساقط، منكر الحديث، وليس هو خالد بن إياس الذي يروي عنه شعبة، ذاك بصري ثقة، ومنهم ابن أبي أوفى، وقد تقدم حديثه في باب الوضوء ثلاثًا، ومنهم أبو الدرداء، وأشار إليه ابن حزم، وقال: حديث الحسن، وعمرو بن الحارث مرسلان، فأسقط بزعمه كل حديث رُوي في التخليل، وكذا قال أبو عمر: رُوي عن النبي ﷺ أنه خلل لحيته في وضوئه من وجوه كثيرة، كلها ضعيفة، وبنحوه قاله العقيلي، وقال أبو حاتم الرازي: لا يثبت عن
стр. 352
النبي ﷺ في تخليل اللحية حديث، خرجه أبو إسحاق بن عبيد في مسنده عن أبي زرعة، ثنا هشام بن عمار، وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيان، قالا: ثنا إسماعيل بن عياش، ثنا تمام بن نجيح الأسدي عن الحسن عنه قال: توضأ النبي ﵇ فخلل لحيته بفضل وجهه.
قال أبو محمد: ولا معنى لذلك في الغسل والوضوء، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وداود، وذهب إلى إيجابه قوم، منهم: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وعطاء، وابن جريج، وابن سابط، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، وروينا عن غير هؤلاء فعل التخليل دون أن يأمروا به، منهم: عثمان، وعمار، وابن أبي أوفى، وأبو الدرداء، وعلي، وإليه كان يذهب أحمد بن حنبل، وهو قول أبي البختري، وابن سيرين، وأبي ميسرة، والحسن، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وعبد الرزاق، وقال ابن المنذر: قال إسحاق، وأبو ثور: إذا ترك التخليل عامدًا أعاد، وممن روينا عنه أنه كان يخلل لحيته: ابن عباس، والحسن بن علي، وأنس، وممن روينا عنه أنه رخص في ترك ذلك: ابن عمر، والحسين بن علي، وطاوس، والنخعي، وأبو العالية، والشعبي، ومحمد بن علي، ومجاهد، والقاسم.
وقال سعيد بن عبد العزيز، والأوزاعي: ليس عرك العارضين وتشبيك اللحية بواجب. وقال أبو بكر: غسل ما تحت اللحية غير واجب، إذ لا حجة تدل على وجوب ذلك. وقال الخطابي: يشبه أن يكون المأمور بتخليله من اللحي على سبيل الوجوب ما رقّ من الشعر منها، فيُرى ما تحتها من البشرة، والله أعلم.
وفي تاريخ ابن المبارك: وفي الحديث أنه قال: تحريك ما مر عليها من الماء، وقال: ليس له قوة، والله أعلم.
стр. 353
باب ما جاء في مسح الرأس
١٦٦ - حدثنا الربيع بن سليمان، وحرملة بن يحيى قالا: ثنا محمد بن إدريس الشافعي ﵁ أنا مالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، أنه قال لعبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين، ثم تمضمض، واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما، وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه.
هذا حديث خرجه الجماعة في كتبهم، وقال ابن منده بعد ما أخرجه من حديث مالك: وهذا إسناد مجمع على صحته، رواه جماعة عن عمرو، ولم يذكر واحد منهم في صفة مسح الرأس أنه مسح جميع الرأس إلا مالك بن أنس. انتهى كلامه.
وفيه نظر لما ذكره ابن وهب في مسنده، ثنا يحيى بن عبد الله بن سالم، ومالك عن عمرو، وفيه: أنه أخذ بيديه ماء، فبدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بيديه إلى مؤخر الرأس، ثم ردهما إلى مقدمه، وهذا يقتضي متابعة يحيى بن عبد الله لمالك في هذه الصفة، وهو ممن أخرج مسلم حديثه في صحيحه، ولما ذكره ابن خزيمة في صحيحه، ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، ثنا ابن عيينة عن عمرو بن يحيى، وفيه: ثم مسح برأسه، وبدأ بالمقدم. وفي رواية خالد عنه عند أبي داود نحوه.
стр. 354
وفي سنن النسائي عن ابن زيد: ومسح برأسه مرتين، وفي صحيح ابن حبان عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عمرو بن يحيى: ومسح برأسه، فأقبل بيديه وأدبر.
قال ابن عبد البر: وهم ابن عيينة فيه في موضعين:
الأول: قوله: عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهو خطأ، إنما هو عبد الله بن زيد بن عاصم، وأما ابن عبد ربه فهو الذي أري الأذان، وليس هو الذي يروي عنه يحيى بن عمارة هذا الحديث، وعبد الله بن زيد بن عاصم هو عم عباد بن تميم، وهو أكثر رواية من ابن عبد ربه، وقد كان أحمد بن زهير يزعم أن إسماعيل بن إسحاق وهم فيهما، فجعلهما واحدًا، والغلط لا يسلم منه أحد.
الثاني: ذكر المسح على الرأس مرتين، وأظنه والله أعلم تأول الحديث: فمسح رأسه بيديه أقبل بهما وأدبر، وما ذكرناه عن ابن عيينة فمن رواية مسدد، ومحمد بن منصور، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأما الحميدي فإنه ميَّز ذلك، فلم يذكره، أو حفظ عن ابن عيينة أنه رجع عنه، قال: وليس هذا الحديث في نسخة القعنبي، فإما أسقطه، وإما سقط. انتهى.
وفي ذلك نظر من حيث كونه موجودًا عنده، نص على ذلك أبو الحسن الدارقطني في كتاب أحاديث الموطأ، وأما قوله: إن سفيان تفرد بقوله: ابن عبد ربه، فليس كذلك، لما ذكر أبو قرة السكسكي في مسنده: ذكر ابن جريج أخبرت عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عمه أنه قال لعبد الله بن زيد، فذكر الحديث، وفي آخره: وعبد الله بن زيد الأنصاري هو الذي أري الأذان بالصلاة.
وفي كتاب الصحابة لأبي موسى المديني عن عمرو بن يحيى بن عمارة عن عمه عمرو بن أبي حسن قال: رأيت النبي ﵇ توضأ، فمضمض،
стр. 355
واستنشق واحدة.
١٦٧ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عباد بن العوام، عن حجاج، عن عطاء، عن عثمان بن عفان قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فمسح رأسه مرة.
هذا حديث في إسناده علتان: ضعف، وانقطاع.
. الثانية: انقطاع ما بين عطاء وعثمان. ذكر ذلك ابن أبي حاتم في علله عن أبي زرعة حين سأله عن هذا الحديث، قال: وكذا رواه حماد بن زيد، وابن سلمة، وهشيم، وابن أبي زائدة، ويزيد بن أبي حبيب، والليث، وابن لهيعة، ورواه ابن جريج عن عطاء أنه بلغه عن عثمان، مرسل، وهو الصحيح عندنا، انتهى.
وبنحوه ذكره في المراسيل، وخالفه الليث، فرواه عن خالد عن سعيد بن أبي هلال عن عطاء، فقال: ومسح برأسه ثلاثًا حتى قفاه وأذنيه، وحديث حجاج معناه مخرج في الصحيح من حديث حمران، ويخدش فيما قاله رواية مسلم عنه: توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وكذا رواه الشافعي من جهة حمران، قال البيهقي: على هذا اعتمد الشافعي في تكرار المسح، وفي كتابه عنه: ومسح رأسه ثلاثًا، رواه من جهة عامر بن شقيق، وقد تقدم ذكر مَنْ صححه في كتاب أبي الحسن من جهة أبي حنيفة، وتفرد به عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي مرفوعًا ذكر الثلاث، قال: وغالب الروايات عن علي أنه مسح مرة واحدة، وفي مسند البزار من حديث أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي حية: رأيت عليًّا،
следующие страницы →