← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1158

شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي - ت أبو العينين

علاء الدين مغلطاي

Полный текст (1 969 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

٤٣ - حدثنا حوثرة بن محمد ومحمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم، قالا: ثنا معاذ بن هشام، ثنا أبي، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي، عن أبيه، عن علي: أن نبي الله ﷺ قال في بول الرضيع: ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية. هذا حديث لما خرجه الحاكم عن أبي عمرو بن السماك، ثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي، ثنا معاذ، قال: هذا حديث صحيح، فإن أبا الأسود الديلمي صحيح سماعه من علي، وهو على شرطهما صحيح، ولم يخرجاه، وله شاهدان صحيحان: حديث قابوس عن لبابة، وحديث محل عن أبي السمح، انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لأنّ أبا حرب عند مسلم فقط، ولما خرجه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه أتبعه: حدثنا أبو موسى - يعني: عن معاذ - بمثله، وزاد: قال قتادة: هذا ما لم يطعم الطعام، فإذا طعم الطعام غسلا جميعا، وخرجه أيضا البستي في صحيحه، ولما خرجه الترمذي قال فيه: حسن صحيح، وقال في العلل: سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: شعبة لا يرفعه، وهشام الدستوائي حافظ، ورواه يحيى بن سعيد القطان عن ابن أبي عروبة عن قتادة فلم يرفعه، وقال البزار: وقد روى هذا الفعل عائشة وأبو ليلى وزينب بنت جحش، وأحسنها إسنادا حديث علي وحديث أم قيس، وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وإنما أسنده معاذ عن أبيه، وقد رواه غير معاذ عن

стр. 632

هشام عن قتادة عن أبي حرب عن أبيه عن علي موقوفا. حدثنا أحمد بن موسى بن معقل، ثنا أبو اليمان المصري، قال: سألت الشافعي عن حديث النبي ﷺ : يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية، والماءان جميعا واحد، قال: لأنّ بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدّم، ثم قال لي: فهمت؟ قلت: بقيت، قال: قلت: لا. قال: إن الله لما خلق آدم، خلقت حواء من ضلعه الأيسر، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم، قال: قال لي: فهمت؟ قلت: نعم، قال: نفعك الله. هكذا هذا ثابت في نسختي التي بخط المرادي، وفي نسخة أخرى علم الحافظ المنذري عليها لا إلى وكأنه أشبه، والله تعالى أعلم. ٤٤ - حدثنا عمرو بن علي، ومجاهد بن موسى، والعباس بن عبد العظيم، قالوا: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا يحيى بن الوليد، أنبأ محل بن خليفة، أنبأ أبو السمح، قال: كنت خادم النبي ﷺ فجيء بالحسن - أو الحسين - فبال على صدره، فأرادوا أن يغسلوه، فقال رسول الله ﷺ : رشه، فإنه يغسل بول الجارية، ويرش من بول الغلام. هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث عباس العنبري، ولفظه: رشوه رشا، وقد أسلفنا عن أبي عبد الله الحاكم تصحيحه في الشواهد، وقال البزار وأبو السمح: لا نعلم حدث عن النبي ﷺ إلا بهذا الحديث، ولا لهذا

стр. 633

الحديث إسناد إلا هذا، ولا يحفظ هذا الحديث إلا من حديث ابن مهدي، وصححه أبو محمد بن حزم والإشبيلي بسكوته عنه، وخرجه أبو أحمد العسكري في كتاب الصحابة، وشرطه في ذلك معروف، وفي التمهيد: حديث المحل هو: محل بن خليفة لا تقوم به حجة، والمحل ضعيف، ويشبه أن يكون أبا عذرة هذا القول؛ لأني لم أره لغيره، وذلك أنه ممن خرج حديثه البخاري في صحيحه محتجّا به في الزكاة وعلامات النبوة، وقال فيه أبو زرعة الرازي: ثقة صدوق، وقال أبو زكريا يحيى بن معين: هو ثقة، وذكره البستي في كتاب الثقات، وسيأتي ذكره. وفي كتاب الإشراف: وقال أبو ثور: يغسل بول الغلام والجارية، وإن ثبت حديث الرش عن النبي ﷺ كان الرش جائزا في بول الغلام، ولفظ أبي داود: كان ﵊ إذا أراد أن يغتسل قال: ولني، فأوليه قفاه، فأستره به، وفيه: فجئت أغسله، ولفظ الدولابي في كتاب الكنى: وأنشر الثوب، وفيه: ويغسل من بول النساءِ. ٤٥ - حدثنا محمد بن بشار، ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أم كرز: أن رسول الله ﷺ قال: بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل. هذا حديث قال فيه مهنأ: سألت أحمد بن حنبل عن محمد بن جعفر بن أبي كثير حدثوني عنه، قال: حدثنا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أم كرز: أتي النبي ﷺ بغلام .. الحديث، فقال أحمد: هو معروف الحديث صحيحه، وهو أخو إسماعيل بن جعفر، وهو ثقة لم يزد على ذلك، ولم يتعرض للانقطاع فيما بين

стр. 634

عمرو وأم كرز، المنصوص عليه في كتاب تهذيب الكمال في غير ما موضع، وأخذا أيضا بعموم قول أبي بكر النقاش: عمرو ليس تابعيا، وقد روى عنه جماعة من التابعين. ذكر ذلك عنه الدارقطني، ولو سلم من هذه العلة لكان إسناده صحيحا؛ لما أسلفناه قبل في ترجمة عمرو - والله أعلم - ورواه أبو القاسم في الكبير عن عبد الله بن أحمد عن أبيه عن الحنفي، بلفظ: أتي النبي ﷺ بغلام، فبال عليه، فأمر به فنضح، وأتي بجارية فبالت فأمر به فغسل، وفي الباب حديث آخر رواه أبو جعفر البغوي عن ابن علية: ثنا عمارة بن أبي حفصة، عن أبي مجلز، عن حسن بن علي - أو حسين -: حدثتنا امرأة من أهلنا، قالت: بينا النبي ﷺ مستلقيا على ظهره، يُلاعب صبيا على صدره؛ إذ بال، فقامت لتأخذه وتضربه، فقال: دعيه، ائتوني بكوز من ماء، فنضح الماء على البول، حتى تفايض الماء على البول، فقال: هكذا يصنع بالبول؛ ينضح من الذكر، ويغسل من الأنثى. وحديث عبد الله بن عباس، قال: أصاب النبي ﷺ أو جلده بول صبي وهو صغير، فصب عليه من الماءِ بقدر البول. رواه الدارقطني من حديث الواقدي عن خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت القائل فيه يحيى: ليس به بأس، وكذلك قال ابن عدي، وذكره أبو حاتم في كتاب الثقات عن داود بن حصين عن عكرمة عنه، ورواه أيضا من طريق إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بهذا الإسناد. وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ : أتي بصبي، فبال عليه فنضحه، وأتي بجارية، فبالت عليه فغسله. رواه أبو القاسم في الأوسط عن أحمد بن يحيى الحلواني، ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا عبد الله بن مُوسى، عن أسامة بن زيد، عن عمرو، وقال: لم يروه عن عمرو عن أبيه عن جده إلا أسامة، تفرد به

стр. 635

عبد الله بن موسى. وحديث أم سلمة: قال ﷺ : إذا كان الغلام لم يطعم الطعام صب على بوله، وإذا كانت الجارية غسله. قال فيه أبو القاسم: لم يروه عن الحسن عن أمه إلا إسماعيل بن مسلم. تفرد به عبد الرحيم بن سليمان، ورواه أبو يعلى في مسنده من حديث المبارك بن فضالة عن الحسن عن أمه، بلفظ: ويصب عليه الماء صبا ما لم يطعم، وبول الجارية يغسل غسلا طعم أو لم تطعم، وفيه رد لما قاله الطبراني. ورواه أبو القاسم في الأوسط: ثنا من حديث هشيم، عن يونس، عن الحسن، عن أمه عنها، أنّ الحسن - أو الحسين - بال على بطن النبي ﷺ فذهبوا ليأخذوه، فقال: لا تزرموا ابني - أو لا تعجلوه - فتركوه حتى قضى بوله، فدعا بماء فصبّه عليه. وقال: لم يروه عن يونس إلا هشيم، تفرد به محمد بن ماهان. وحديث عائشة: كان ﷺ يصلي في الموضع الذي يبول فيه الحسن والحسين. ذكره في الأوسط من حديث هشام عن أمه عنها، وقال: لم يروه عن هشام إلا بزيع أبو الخليل. وحديث قابوس بن المخارق، عن أبيه، عن النبي ﷺ : يغسل بول

стр. 636

الجارية، وينضح على بول الغلام. كما رواه سماك عنه، ورواه شريك عن سماك عنه عن أم الفضل، ورواه أبو الأحوص عنه عن قابوس عن لبابة بنت الحارث، ورواه علي بن صالح عن سماك عن قابوس، فلم يقل: عن أبيه، قال الدارقطني في العلل: والمرسل أصح، قال عبد الحق: ولا تصح هذه الصفة في بول الصبي، ولا يصح أيضا فيه ما لم يأكل الطعام، إنّما يصح من قول علي وقتادة وأم سلمة وغيرهم. وقال أبو محمد الفارسي: وتطهير بول الذكر أي ذكر كان في أي شيء كان، فبأن يرش عليه الماء رشا يزيل أثره، وليس تحديده بأكل الصبي الطعام من كلام النبي ﷺ ، وممن فرق بين بول الغلام والجارية أم سلمة، وعلي بن أبي طالب، ولا مخالف لهما من الصحابة، وبه يقول قتادة والزهري، وقال: مضت السنة بذلك، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود بن علي، وابن وهب، وغيرهم، إلا أنّه قد روي عن الحسن وسفيان التسوية بين بول الغلام والجارية في الرش عليهما جميعا، وقال أبو حنيفة ومالك وابن حي: يغسل بول الصبي كبول الصبيّة، وما نعلم لهم متعلقا إلا ما ذكره بعض المتأخرين عن النخعي، والمشهور عنه خلاف ذلك. وفي كتاب التمهيد: أجمع المسلمون أن بول كل آدمي يأكل الطعام نجس، وقال الشّافعي: بول الصبي ليس بنجس، ولا يتبين لي فرق ما بينه وبين الصبية، ولو غسل كان أحبّ إلي، قال أبو عمر: احتج من ذهب مذهب الشافعي بحديث هذا الباب - يعني: حديث أم قيس - ولا حجة فيه؛ لأنّ النضح يحتمل أن يكون أراد به صب

стр. 637

الماء، ولم يُرد به الرشّ، وهو الظاهر من معنى هذا الحديث؛ لأنّ الرش لا يزيد النجاسة إلا شرا، ومن الدليل على أنّ النضح قد يكون صب الماء والغسل من غير عرك: قول العرب: غسلتني السماء، وما روي عن النبي ﷺ : إني لأعلم أرضا يقال لها: عمان، ينضح بناحيتها البحر، بها حي من العرب، لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر. والقياس: ألا فرق بين بول الغلام والجارية، كما أنه لا فرق بين بول الرجل والمرأة إلا أن هذه الآثار - إن صحت - ولم يعارضها مثلها وجب القول بها، إلا أنّ رواية من روى الصبّ على بول الصبي وإتباعه بالماء أصح وأولى، وأحسن شيء عندي في هذا الباب ما قالته أم سلمة: بول الغلام يصب عليه الماء صبّا، وبول الجارية يغسل طعمت أو لم تطعم. ذكره البغوي، وهو حديث مفسر للأحاديث كلها، مستعمل لها حاشا حديث المحل بن خليفة، ولا تقوم به حجة، وقال في الاستذكار: وقال بعض شيوخنا: قوله في حديث أم قيس: ولم يغسله، ليس في الحديث، وزعم أنّ آخر الحديث: فنضحه. قال أبو عمر: ولا يتبين عندي ما قاله؛ لصحة رواية مالك هذه، ولمتابعته على ذلك، وأمّا أبو السمح فاسمه إياد، قال أبو عمر: قيل: كان خادما، وقيل: مولى، ذهب فلا يدرى خبره، لم يرو عنه - فيما علمت - غير المحل، وكذا ذكره أبو الفتح الأزدي في الكتاب المخزون، وخدامه ﵇ جماعة ذكرناهم في كتابنا الزهر الباسم، والإشارة؛ فمنهم هند وأسماء ابنا حارثة الأسلميان، ذكرهما ابن سعد وربيعة بن كعب

стр. 638

الأسلمي وذو مخمر ابن أخي النجاشي. ذكرهما الإمام أحمد، وأيمن بن عبيد، ذكره ابن إسحاق، وعبد الله بن مسعود، ونعيم بن ربيعة بن كعب الأسلمي، ذكرهما أبو نعيم وعقبة بن عامر الجهني ذكره النسائي، وبلال بن رباح ذكره في الإكليل، وسعد مولى أبي بكر الصديق، والأسود بن مالك الأسدي، وأخوه الحدرجان، وابنه جزء بن الحدرجان، وثعلبة بن عبد الرحمن الأنصاري، ذكرهم ابن منده، وسالم ذكره أبو أحمد العسكري وبكير بن شدّاخ الليثي، ويقال: بكر، وأبو الحمراء هلال بن الحارث. ذكرهما ابن عساكر وأسلع بن شريك الأعرجي وسابق، وقيل: هو أبو سلام الهاشمي، وخولة جدة حفص بن سعيد، ورزينة أمّ عليلة، وسلمى أمّ رافع، ومارية جدة المثنى

стр. 639

ابن صالح. ذكرهم ابن عبد البر، وميمونة بنت سعد ذكرهما الترمذي، وأربد ذكره أبو موسى المديني، وسلمى ومهاجر مولى أم سلمة، وأمة الله بنت رزينة ومارية أم الرباب وأم عياش ذكرهم ابن الأثير، وأبو عبيد ذكره البرقي وأبو ذر الغفاري ذكره ابن سرور، وغلام من الأنصار نحو أنس جاء ذكره في الصحيح، وأمّا الموالي فسنذكرهم - إن شاء الله تعالى - في الموضع اللائق بذكرهم ﵃ أجمعين - وأما الصبي فهو: الغلام، والجمع صبية وصبيان، وهو من الواو، ولم يقولوا: أصبية، استغناء بصبية، كما لم يقولوا: أغلمة استغناء بغلمة، ويصغر صُبيّة في القياس، أصيبية، كأنه تصغير أصبية، قال الشاعر: ارحم أصيبيتي الذين كأنهم … حجلي تدرج في الشربة وقع ويقال: صبي بين الصبا والصباء، إذا فتحت الصاد مددت، وإذا كسرت قصرت، والجارية صبية، والجمع صبايا، مثل: مطية ومطايا، ذكره الجوهري، وقال الأجدائي: فإذا ولد فهو صبي إلى أن يفطم، فإذا فطم سُمّي غلاما إلى

стр. 640

سبع سنين، ثم يصير يافعا إلى عشر حجج، وكذا ذكره ابن سيدة عن ثابت. قال الزمخشري: الغلام الصغير إلى حد الالتحاء، فإن أجري عليه بعد ما صار ملتحيا اسم الغلام فهو مجاز، قال علي بن أبي طالب ﵁ في بعض أراجيزه: أنا الغلام الهاشمي المكي ، وقالت ليلى الأخيلية في كلمة لها تمدح الحجاج: شفاها من الداء العضال الذي بها … غلام إذا هز القناة ثناها فقال لها الحجاج: لا تقولي غلام، ولكن قولي: همام، قال: جاء والله، وقال بعضهم: يستحق هذا الاسم إذا ترعرع، وبلغ الاحتلام بشهوة النكاح، كأنه يشتهيه ذلك الوقت، ويسمى غلاما أولا، فقالا: وبعد ذلك مجازا، وقال ابن سيده عن الأصمعي: هو غلام إذا طر شاربه. وفي الفصيح: غلام من الغلومة والغلومية، وقال ابن دريد: وربما سميت الجارية غلامة، وأنشد: ومركضة صريحي أبُوها … تهان لها الغلامة والغلام وقال أبو إسحاق الحربي: لا يقال للأنثى إلا في كلام قد ذهب من ألسن الناس، قال عبد الحق: قد جاء ذلك في الحديث والشعر، وأنشد: فلم أر عاما كان أكثر هالكا … ووجه غلام يشتري وغلامة وقال النّضر بن شميل: هو غلام أول ما يولد حتى يشيب.

стр. 641

باب الأرض يُصيبُها البول كيف تُغسل ٤٦ - حدثنا أحمد بن عبدة، أنبأنا حماد بن زيد، ثنا ثابت، عن أنس: أن أعرابيا بال في المسجد، فوثب إليه بعض القوم، فقال رسول الله ﷺ : لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء، فصّب عليه. هذا حديث خرجاه في صحيحيهما، وسماه أبو موسى في كتاب الصحابة ذا الخويصرة اليماني، وساقه في أعلام النبوة؛ لأن النبي ﷺ لما رآه مقبلا قال: هذا الرجل الذي بال في المسجد، فلم ينشب أن بال. ٤٧ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا علي بن مسهر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: دخل أعرابي المسجد، ورسول الله ﷺ جالس، فقال: اللهم اغفر لي ولمحمد، ولا تغفر لأحد معنا، فضحك رسول الله ﷺ ، وقال: لقد احتظرت واسعا، ثم ولى حتى إذا كان في ناحية المسجد فشج يبول، فقال الأعرابي بعد أن فقه، فقام إلي: بأبي وأمي ﷺ ، فلم يؤنب، ولم يسُبّ، فقال: إنّ هذا المسجد لا يبال فيه، وإنّما بني لذكر الله وللصلاة، ثم أمر بسجل من ماء، فأفرغ على بوله. هذا حديث رواه أبو داود والترمذي من حديث الزهري عن سعيد، وقال في آخره: قال سعيد: قال سفيان: وحدثني يحيى بن سعيد عن أنس نحو هذا، وهذا حديث حسن صحيح، وقد روى يونس هذا الحديث عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة، وأصله في صحيح الجعفي، بلفظ: قام أعرابي في

стр. 642

المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : دعوه، وهريقوا على بوله سجلا من ماء - أو ذنوبا من ماء -، فإنّما بعثتم مبشرين، ولم تبعثوا معسرين. وفي لفظ: قام النبي ﷺ في الصلاة وقمنا معه، فقال أعرابي: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا، فلما سلم رسول الله ﷺ قال: لقد تحجرت واسعا. وروى ابن صاعد، عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس: أنّ أعرابيا بال في المسجد، فقال ﵇: احفروا مكانه، ثم صبوا عليه ذنوبا من ماء. قال أبو الحسن البغدادي الحافظ - رحمه الله تعالى -: وهم عبد الجبار على ابن عيينة؛ لأنّ أصحاب ابن عيينة الحفاظ رووه عن يحيى بن سعيد، فلم يذكر أحد منهم الحفر، وإنّما روى ابن عيينة هذا عن عمرو بن دينار، عن طاوس: أن النبي ﷺ قال: احفروا مكانه، فاختلط على عبد الجبار المتنان،، وذكر الدارقطني أنه يقال

стр. 643

فيه أيضا: ابن سمعان، أن أبا بكر بن عياش قال: ثنا المعلى المالكي، فذكر غير اللفظ الأول عن شقيق عن عبد الله: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ شيخ كبير، فقال: يا محمد متى الساعة؟ قال: وما أعددت لها؟ قال: والذي بعثك بالحق ما أعددت لها من كبير صلاة ولا صيام، إلا أنّي أحب الله ورسوله، قال: إنك مع من أحببت، قال: فذهب الشيخ فأخذ يبول في المسجد، فمر عليه الناس فأقاموه، فقال النبي ﷺ : دعوه، عسى أن يكون من أهل الجنة، فصبوا على بوله الماء. رواه عن المحاملي، ثنا يوسف بن موسى، ثنا أحمد بن عبد الله، ثنا ابن عياش به. وقال الخطابي: وليس في حديث أبي هريرة ولا في خبر متصل ذكر لحفر المكان، ولا لنقل التراب، ولو سلم الحنفيون للإمام أحمد وغيره قوله، فإن لهم حديثا إسناده على رسم الشيخين، رواه أبو داود في كتاب السنن، فقال: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا جرير بن حازم، قال: سمعت عبد الملك بن عمير يحدث عن عبد الله بن معقل بن مقرن، قال: قام أعرابي إلى زاوية من زوايا المسجد فانكشف فبال فيها، فقال النبي ﷺ : خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء. قال: هذا مرسل، وابن معقل لم يدرك النبي ﷺ ، وأبى ذلك عليه الحافظ ابن فتحون، فذكر أنّه له صحبة في كتابه المستدرك على ابن عبد البر، ولئن سلمنا لأبي داود قوله، وألقينا قول ابن فتحون فيكون مرسلا صحيحا، والمرسل معمول به عندهم، والله أعلم. وذكره عبد الرزاق عن طاوس، وقد تقدّم كلام أبي الحسن عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس مرسلا مثله، فالاصطلاح: إذا عارض مرسلان صحيحان

стр. 644

حديثا صحيحا مسندا كان العمل بالمرسل أولى، فكيف مع عدم المعارضة؟. ٤٨ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن عبد الله، عن عبيد الله الهذلي، قال محمد بن يحيى: هو عندنا ابن أبي حميد، أنبأنا أبو المليح الهذلي، عن واثلة بن الأسقع، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا تشرك في رحمتك إيانا أحدا، فقال: لقد حظرت واسعا، ويحك - أو ويلك -. قال: فشبح يبول، فقام أصحاب النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : دعوه، فدعا بسجل من ماء فصبه عليه. هذا حديث إسناده ضعيف لضعف راويه عبيد الله بن أبي حميد غالب بن أبي الخطاب الهذلي الكوفي، فإنه ممن قال فيه الإمام أحمد بن حنبل: رجل ترك الناس حديثه، وقال البخاري: منكر الحديث، وفي علل أبي عيسى عنه: ضعيف ذاهب الحديث، لا أروي عنه شيئا، وقال أبو عبد الرحمن: متروك الحديث، وقال ابن معين والدارقطني: ضعيف الحديث، وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد فاستحق الترك، وقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث ضعيف الحديث، وفي الكامل لابن عدي عن ابن مثنى، أنه قال: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدّثان عنه بشيء قط، قال أبو أحمد: وعامة روايته عن أبي المليح، وقال أبو زكريا الساجي: هو ضعيف، وذكره العقيلي في كتاب الضعفاء وكذلك البلخي، وفي الإشراف: اختلفوا في موضع البول تصبه الشمس أو يجف، فكان الشافعي وأحمد وأبو ثور يقولون: لا يطهره إلا الماء، وفيه قول ثان، وهو أن يصلي عليه إذا جفّ وذهب أثره، ولا يصلي عليه إن لم يذهب أثره، ولا يجزئه أن يصلي على بساط أصابه بول وإن ذهب أثره، هذا قول النعمان ومحمد، وقالا: الشمس تزيل

стр. 645

النجاسة إذا ذهب الأثر عن الأرض، وروينا عن أبي قلابة، أنه قال: جفوف الأرض طهورها، وبالقول الأول أقول، وفي الأسرار: إذا أصابتها نجاسة فيبست وذهب أثرها جازت الصلاة عليها، وقال أبو سليمان رحمه الله تعالى: فيه دليل على أنّ الماء إذا ورد على النجاسة على سبيل المكاثرة والغلبة طهرها، وأن غُسالات النجاسة طاهرة ما لم يبن للنجاسة فيها لون أو ريح، ولو لم يكن ذلك الماء طاهرا لكان المصبوب منه على البول أكثر تنجيسا للمسجد من البول نفسه، فدلّ على طهارته، قال: وإذا أصابت الأرض نجاسة ومطرت مطرا عاما كان ذلك مطهرا لها، وكانت في معنى صبّ الذنوب وأكثر، والله أعلم. وفي قوله: (إنّما بعثتم مبشرين) دليل على أن أمر الماء التيسير والسعة في إزالة النجاسات منه، والله أعلم. وأما قوله: لا تزرموه أي: لا تقطعوا عليه، قال ابن دريد: الزرم: القطع، قال الشاعر: فقلت لها تسعى من تحت لبتها … لا تحطمنك إن البيع قد زرما وقال الجوهري: زرم البول بالكسر إذا انقطع، وكذلك كل شيء ولى، وأزرمه غيره، وفي الجامع: يقال: زرمه يزرمه زرما إذا قطعه، وكذا أزرمه إزراما: إذا فعل به ذلك، وزرم الشيء في نفسه إذا انقطع، وإذا انقطع بول الرجل قلت: زرم بوله، وأزرمه هو إذا قطعه، وقد ازرأم الرجل: إذا غضب، وازرأم الشيء إذا انقطع، وازرأم الشاعر ازرئماما إذا انقطع شعره، وازرأم إذا سكت، وازرأم إذا انقبض، ومنه قول الشاعر: تمذي إذا امتحنت من قبل أدرعها … وتزرئم إذا ما مسه المطر ومن السكوت قول الراجز:

стр. 646

ألفيته غضبان مزرئما … لا سبط الكف ولا خضما وبقوله: لعن الله أما زرمت به: أي ولدته، وكذلك قال الشاعر: ألا لعن الله التي زرمت به … فقد ولدت ذا نملة وغوائل ويقال: زرم السنور وغيره: إذا بقي جعره في دبره، وبه سمي السنور أزرم، ويقال: أزرمت السوق: إذا انقطعت، وزرم كلامه: إذا قطعه، فهو زرم الكلام أي: قليله، وكذلك قال الأخطل: والشافعون مغيبون وجوههم … زرموا المقالة بالسوا الأبصار . أي: قد قطعوا الكلام، والمزرم: المضيق عليه، ويقال: زرم فلان بأمره إذا ضاق به، فلم يدر ما يصنع. وأما قوله ﷺ : لقد احتظرت واسعا على الحظر: الحجر، قاله الجوهري؛ قال: وهو ضد الإباحة، والمحظور المحرم، وفي أساس الزمخشري: حظر عليه كذا حيل بينه وبينه، ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾، وهذا محظور غير مباح، وقال ابن دريد: حظرت الشيء أحظره حظرا فهو محظور: إذا حزته، والحظار: ما حظرته على غنم أو غيرها بأغصان الشجر أو بما كان، وهو الحظر أيضا، قال الشاعر: ترى حظرا أذوي به الحي عاضد . وقال في كتاب الاشتقاق: لما أغار امرؤ القيس بن المنذر عم النعمان بن المنذر على النمير بن واسط فسبى سبيا، فأتى بهم الحيرة، فحظر لهم حظائر وهم بإحراقهم، فكلمه فيهم أبو حوط أخو المنذر بن امرئ القيس لأمه، واسمه مالك بن ربيعة، فوهبهم له، فسمي ذا الحظائر. وزعم ابن ماكولا في كتاب الإكمال: أنه بخاء معجمة مضمومة، قال: ذكره ابن دريد، ويشبه أن يكون وهما منه على ابن دريد؛ اللهم إلا أن يريد بذكر ابن دريد شيئا من الحروف لا الضبط، وذلك أنّ الذي

стр. 647

ذكره به وعزاه له هو في كتاب الوشاح من تأليفه في باب الراء، ولم يضبطه كعادته في ذلك الكتاب، وذكره في كتاب الجمهرة في باب الحاء المهملة والظاء والراء، وبنحوه قاله في كتاب الاشتقاق، وابن سيده في كتاب المحكم، والوزير أبو القاسم في كتاب أدب الخواص، وسمّاه كعب بن الحارث بن جشم بن هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر الصحبان بن سعد بن الخزرج ونصر بن مزروع في كتاب العقماء من الأشراف، وسمّاه الحارث بن زيد مناة، وقد استوفينا ذلك بشواهده في كتاب الإيصال، وفي رواية: لقد تحجرت واسعا، قال الخطابي: أصل الحجر المنع، ومنه الحجر على السفيه، وهو منعه من التصرف في ماله، وقبض يده عنه: يقول له: قد ضيقت من رحمة الله ما وسعه، ومنعت منها ما أباحه. والسجل: مذكر وهي الدلو إذا كان فيه ماء قلّ أو كثر، ولا يقال لها وهي فارغة: سجل ولا ذنوب، والجمع: سجال، والسجيلة: الدلو الضخمة، قال الراجز: خذها وأعط عمك السجيلة … إن لم يكن عمك ذا حليلة . وسجلت الماء فانسجل أي: صببته فانصب، وأسجلت الحوض ثلاثة، قال: وغادر الأخذ والأوجاذ مترعة … وأسجل الماء أنهاء وغدرانا . وفي الجمهرة: والجمع: سجول، وفي الكناية: وقيل: لا تسمى سجلا حتى تكون مملوءة ماء. وقال أبو منصور النيسابوري: حتى يكون فيها ماء قلّ أو كثر، ولا يقال لها: ذنوب إلا ما دامت ملأى، كما أنه لا يقال: كأس إلا إذا كان فيها شراب، وإلا فهي زجاجة، وفي الألفاظ ليعقوب: الكأس الإناء، والكأس: ما فيه من الشراب، ولا يقال:

стр. 648

مائدة إلا إذا كان عليها طعام، وإلا فهو خوان، ولا يقال: كوز إلا كان له عروة، وإلا فهو كوب، ولا يقال: قلم إلا إذا كان مبريا وإلا فهو أنبوبة، ولا يقال: خاتم إلا إذا كان فيه فص وإلا فهو فتخة، ولا يقال: فرو إلا إذا كان عليه صوف وإلا فهو جلد، ولا يقال: ريطة إلا إذا لم يكن لفقين وإلا فهي ملاءة، ولا يقال: أريكة إلا إذا كانت عليها حجلة وإلا فهي سرير، ولا يقال: لطيمة إلا إذا كان عليها طيب وإلا فهي عنبر، ولا يقال: نفق إلا إذا كان له منفذ وإلا فهو سرب، ولا يقال: عهن إلا إذا كان مصبوغا وإلا فهو صوف، ولا يقال: لحم قديد إلا إذا كان معالجا بتوابل وإلا فهو طبيخ، ولا يقال: خدر إلا إذا كان مشتملا على جارية وإلا فهو ستر، ولا يقال: ركية إلا إذا كان فيها ماء قلّ أو كثر وإلا فهي بئر، وإلا يقال: محجن إلا إذا كان في طرفه عقافة وإلا فهو عصا، ولا يقال: وقود إلا إذا أوقدت فيه النار وإلا فهو حطب، ولا يقال: عويل إلا إذا كان قد رفع صوت وإلا فهو بكاء، ولا يقال: مور للغبار إلا إذا كان بالريح وإلا فهو وهج، ولا مغول إلا إذا كان في جوف سوط وإلا فهو مشمل، ولا يقال للطين: سياع إلا إذا كان فيه تبن وإلا فهو طين، ولا يقال: ثرى إلا إذا كان نديا وإلا فهو تراب، ولا يقال: مأزق ومأقط إلا في الحرب وإلا فهو مضيق، ولا يقال: مغلغلة إلا إذا كانت محمولة من بلد إلى بلد وإلا فهي رسالة، ولا يقال: قراح إلا إذا كانت مهيأة للزرع وإلا فهي براح، ولا يقال للعبد: آبق إلا إذا كان ذهابه من غير خوف ولا كد عمل وإلا فهو هارب، ولا يقال لما في الفم: رضاب إلا ما دام في الفم، فإذا فارقه فهو بزاق، ولا يقال للشجاع: كمي إلا إذا كان شاك السلاح وإلا فهو بطل، ولا يقال للطبق: مهدى إلا ما دامت على الهدية، ولا يقال للبعير: راوية إلا ما دام عليه الماء، ولا يقال للمرأة: ظعينة إلا ما دامت راكبة في هودجها، ولا يقال للسرجين: فرث إلا ما

стр. 649

دام في الكرش، ولا يقال للسرير: نعش إلا ما دام عليه الميت، ولا يقال للعظم: عرق إلا ما دام عليه لحم، ولا يقال للخيط: سمط إلا ما دام فيه خرز، ولا يقال للثوب: حلة إلا أن يكون ثوبين اثنين من جنس واحد، ولا يقال للحبل: قرن إلا إذا قرن فيه بعيران، ولا يقال للقوم: رفقة إلا ما داموا منضمين في مجلس واحد ومسير واحد، فإذا تفرقوا ذهب عنهم اسم الرفقة، ولم يذهب عنهم اسم الرفيق، ولا يقال للبطيخ: حدج إلا ما كانوا صغارا خضرا، ولا يقال للذهب: تبر إلا إذا ما دام غير مصوغ. ولا يقال للحجارة: رضف إلا إذا كانت محماة بالشمس أو بالنّار، ولا يقال للشمس: الغزالة إلا عند ارتفاع درجة النهار. ولا يقال للثوب: مطرف إلا إذا كان في طرفيه علمان، ولا يقال للمجلس: النادي إلا ما دام فيه أهله، ولا يقال للريح: بليل إلا إذا كانت باردة ومعها ندى، ولا يقال للمرأة: عاتق إلا ما دامت في بيت أبويها، ولا يقال للبخيل: شحيح إلا إذا كان مع بخله حريصا، ولا يقال للذي يجد البرد: خرص إلا إذا كان مع ذلك جائعا، ولا يقال للماء الملح: أجاج إلا إذا كان مع ملوحته مرا، ولا يقال للإسراع في السير: إهطاع إلا إذا كان معه خوف، ولا إهراع إلا إذا كان معه رعدة، وقد نطق القرآن بهما، ولا يقال للجبان: كع إلا إذا كان مع جبنه ضعيفا، ولا يقال للمقيم: متلوم إلا إذا كان على انتظار، ولا يقال للفرس: محجل إلا إذا كان البياض في قوائمه الأربع أو ثلاث، ولا يقال: ذود إلا للقليل من إناث الإبل، ذكره ابن الجوزي في تقويم اللسان، والله تعالى أعلم.

стр. 650

باب الأرض تطهر بعضها بعضا ٤٩ - حدثنا هشام بن عمار، ثنا مالك بن أنس، ثنا محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أنها سألت أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، فقالت: قال رسول الله ﷺ : يطهره ما بعده. هذا حديث لما خرجه أبو عيسى قال آخره: وروى عبد الله بن المبارك هذا الحديث عن مالك عن محمد بن عمارة عن محمد بن إبراهيم عن أم ولد لهود بن عبد الرحمن بن عوف عن أم سلمة، وهو وهم، وليس لعبد الرحمن بن عوف ولد يقال له: هود، وإنّما هو عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أم سلمة، وهو الصحيح. ورواه أبو قرة في سننه، ثنا أبو خيثمة، ثنا أبو قرة ذكر مالك، ورواه أبو داود والكجي في سننه وابن وهب في مسنده عن القعنبي عن مالك، فقال: عن أم ولد لإبراهيم، وذكره ابن الجارود في منتقاه، ثنا يعقوب الدورقي، ثنا عبد الله بن إدريس، ثنا محمد بن عمارة كرواية سليمان بن الأشعث. فتبّين بما ذكرناه صحة قول أبي عيسى وضعف قول من خالفه، ولما ذكره أبو محمد في مسنده، قيل له: أبا محمد، أتأخذ بهذا الحديث؟ قال: لا أدري،

стр. 651

وقال أبو سليمان الخطابي: في إسناد هذا الحديث مقال؛ أم ولد إبراهيم مجهولة، لا يعرف حالها في الثقة والعدالة، وبنحوه قال الخزرجي في تقريبه. ٥٠ - حدثنا أبو كريب، ثنا إبراهيم بن إسماعيل اليشكري، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله، إنا نريد المسجد فنطأ الطريق النجسة، فقال رسول الله ﷺ : يطهر بعضها بعضا. هذا حديث معلل بأمور: الأول: الاختلاف في حال ابن أبي حبيبة، فإن ابن عدي ذكر هذا الحديث في ترجمة إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة في جملة أحاديث أنكرت عليه، ثم قال: وابن أبي حبيبة صالح في باب الرواية، يكتب حديثه مع ضعفه، كما حكي عن ابن معين، ولفظه: الطرق تطهر بعضها بعضا. وقال الإمام أحمد: كان ثقة، وقال ابن سعد: كان مصليا عابدا، صام ستين سنة، وكان قليل الحديث، وقال العجلي: حجازي ثقة، وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو عبد الرحمن: مدني ضعيف، وقال أبو الحسن: متروك، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال عثمان بن سعيد عنه: صالح، ولا يحتج به. وقال أبو إسحاق الحربي: كان شيخا صالحا، وله فضل، ولا أحسبه حافظا، وقال أبو داود فيما حكاه الآجري عنه - يعني عن ابن معين -: ضعيف، وفي رواية معاوية بن صالح عنه: عن عبد الله بن عامر الأسلمي، وخالد بن إلياس، وابن أبي حبيبة: كلّ هؤلاء ليسوا بشيء. قلت: ابن أبي حبيبة مثلهم؟ قال: هو أصلح منهم، وقال الساجي: في حديثه لين. وقال أبو جعفر العقيلي: له غير حديث، لا يتابع على شيء منه، وذكره الحافظ أبو العرب في كتاب الضعفاء.

стр. 652

الثاني: أبو سليمان داود بن الحصين الأموي، وإن كان قد خرجا حديثه في صحيحيهما، فقد قال أبو حاتم: ليس بالقوي، ولولا أنّ مالكا روى حديثه لترك حديثه. وقال أبو أحمد الجرجاني: صالح الحديث إذا روى عنه ثقة؛ إلا أن يروي عنه ضعيف، فيكون البلاء منه؛ مثل ابن أبي حبيبة وابن أبي يحيى. وقال ابن حبان: حدث عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات، يجب مجانبة روايته، وقال أبو زرعة الرازي: لين. وقال الآجري: سألت أبا داود عنه، فقال: أحاديثه عن عكرمة مناكير، وأحاديثه عن شيوخه مستوفية. وفي كتاب العقيلي: ثنا محمد بن زكريا البلخي، ثنا الحسن بن شجاع، قال: سمعت علي ابن المديني يقول: مرسل الشعبي وسعيد بن المسيب أحب إلي من داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس. وقال الحافظ أبو زكريا الساجي: كان متهما برأي الخوارج، منكر الحديث، وأبوه حصين روى عن جابر وأبي رافع، وحديثه ليس بالقائم. حدثني أحمد بن محمد، قال: سمعت المعيطي يقول لخلف المخرمي ويحيى بن معين وابن أبي شيبة وهم قعود: كان مالك بن أنس يتكلم في سعد بن إبراهيم سيّد من سادات قريش، ويروي عن داود بن حصين وثور الديلي، وكانا صاحبي

стр. 653

حصين، فما تكلم أحد منهم بشيء، وقال أبو عمر بن عبد البر: كان متهما بالقدر وقد احتمل، وقال البرقي في كتاب الطبقات، باب من تكلم فيه من الثقات لمذهبه من أهل المدينة ممن كان يرمى منهم بالقدر: داود بن حصين. الثالث: إبراهيم اليشكري، لم أر أحدا عرف حاله، ولا ذكره بأكثر مما في هذا السند، ولا ذكر عنه راويا غير محمد بن العلاء، والله أعلم. ٥١ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن امرأة من بني عبد الأشهل، قالت: سألت النبي ﷺ ، فقلت: إن بيني وبين المسجد طريقا قذرا، قال: فبعدها طريق أنظف منها؟ قلت: نعم، قال: هذه بهذه. هذا حديث رواه أبو داود عن النفيلي، وأحمد بن يونس، قالا: ثنا زهير، حدثنا عبد الله بن عيسى، ولفظه: إن لنا طريقا إلى المسجد منتنا، كيف نفعل إذا مطرنا؟ قال: أليس بعدها طريق أطيب منها؟ قالت: قلت: بلى. قال: فهذه بهذه. وإسناده صحيح، وخرجه الحافظ أبو محمد في منتقاه عن محمد بن يحيى، ثنا أبو داود، ثنا زهير وشريك عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، بلفظ: إن لنا طريقا منتنا. ولما ذكره الإشبيلي لم يزد على أن أبرز من سنده موسى والأشهلية، كذا هو في الأحكام، وحكى أبو الحسن بن الحصار تلميذه أنّه صحّحه، وتتبع الحافظ ابن القطان عليه سكوته عن عبد الله بن عيسى راويه، بأنه لا يعرف، قال: وليس بابن أبي ليلى فاعلمه، انتهى كلامه. وفيه نظر؛ من حيث زعمُه بغير دليل أنّ

стр. 654

ابن عيسى هذا ليس معروفا، قال: وليس بابن أبي ليلى، وليس كما زعم لما أسلفناه قبل، ولأنا لم نر من روى عنه شريك، وروى عن موسى بن عبد الله غير ابن أبي ليلى المخرج حديثه في الصحيح، ولا في هذه الطبقة شريكا له فيما ذكره البخاري، وأبو محمد بن أبي حاتم، وأبو حاتم البستي؛ وأما الجماعيلي فإنّه نص عليه، وعينه في بابه وباب شيخه، وهو الصواب، وأمّا قول أبي سليمان الخطابي: في إسناده مقال، لكونه عن امرأة من بني عبد الأشهل مجهولة، والمجهول لا تقوم به حجة في الحديث، فمردود لما عليه جماعة المحدثين من أنّ جهالة اسم الصحابي غير مؤثرة في صحة الحديث، قال أبو سليمان: قوله: يطهره ما بعده كان الشّافعي يقول: إنّما هذا فيما جر على ما كان يابسا، لا يعلّق بالثّوب منه شيء، فأمّا إذا جر على رطب فلا يطهره إلا الغسل. وقال الإمام أحمد: ليس معناه: إذا أصابه بول مر بعده على الأرض أنها تطهره، ولكنه يمر بالمكان فيقذره، ثم يمرّ بمكان أطيب منه فيكون هذا بذاك، ليس على أنّه يصيبه منه شيء. وقال مالك: إنّما هو أن يطأ الأرض القذرة، ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة، فإنّ بعضها يطهر بعضا، فأماّ النجاسة مثل البول ونحوه يصيب الثوب أو بعض الجسد، فإنّ ذلك لا يطهره إلا الغسل. قال: وهذا إجماع الأمة، والله تعالى أعلم.

стр. 655

بابُ مُصافحة الجُنب ٥٢ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل بن علية، عن حميد، عن بكر بن عبد الله، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: أنه لقيه النبي ﷺ في طريق من طرق المدينة وهو جنب، فانسل، ففقده النبي ﷺ ، فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله، لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل، فقال رسول الله ﷺ : المؤمن لا ينجس. هذا حديث أجمع على تخريج أصله الأئمة الستة - رحمهم الله تعالى - إلا أن مسلما رواه مقطوعا. قرأت على الإِمام بدر الدين يوسف بن عمر، أخبركم الحافظ رشيد الدين، قراءة عليه، قال: وقع في مسلم إسناد هذا الحديث فيما رأيته من النسخ مقطوعا؛ حميد عن أبي رافع، قال: وكذلك هو في روايتنا من طريق الجلودي، وقد سقط من إسناده رجل بين حميد وأبي رافع؛ هو بكر بن عبد الله المزني، فإن حميدا إنّما يروي هذا الحديث عن بكر عن أبي رافع، كذلك أخرجه البخاري وأبو داود فمن بعده في سننهم بلا خلاف أعلمه بينهم في ذلك، وكذلك رويناه في مسند ابن أبي شيبة، وكذلك هو في مسند الإِمام أحمد، وقد ذكر أبو مسعود وخلف الواسطي أنّ مسلما أخرجه أيضا كذلك، إلا أني لم أره في جميع النسخ التي رأيتها من كتاب مسلم إلا مقطوعا، وكذلك قال الحافظ أبو علي

стр. 656

الجياني أنه وقع إسناد هذا الحديث في النسخ كلها: حميد عن أبي رافع، قال: وفي هذه الرواية انقطاع، إنما يرويه حميد عن بكر عنه، وقال أبو الحسن في كتاب الوهم والإِيهام: وكذلك رواه ابن السكن من رواية عبد الرحمن بن بشر بن الحكم عن يحيى بن سعيد عن حميد عن بكر، قال: فإذن إنما قصر به عن يحيى بن سعيد، زهير بن حرب أسقط منه بكرا من بينهما، انتهى كلامه. وفيه نظر؛ من حيث زعم أنّ المقصر به هو ابن حرب - يعني وحده -، وليس كذلك؛ بل المقصر به مسلم أيضا عن شيخه الذي رواه عنه أبو بكر بن أبي شيبة، فإن أبا بكر رواه متصلا كرواية الجماعة، كما تقدم من عند ابن ماجه، ومسلم قصر به عنه على هذا، والله أعلم. وأمّا إنكار العطار قول أبي مسعود وخلف، فكذلك هو فيما رأيت من النسخ، ولكن يشبه أن يكون قولهما صحيحا لما ذكره الحافظ أبو نعيم في كتاب المستخرج: حدثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف بن يعقوب القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا يحيى بن سعيد ح، وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أحمد بن الحسين الحذاء، ثنا علي ابن المديني، ثنا يحيى بن سعيد ح، وثنا محمد بن إبراهيم بن علي وعبد الله بن محمد بن جعفر، قالا: ثنا أحمد بن علي، ثنا أبو خيثمة، ثنا يحيى بن سعيد ح، وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أبو بكر بن أبي عاصم، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن علية، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أنه لقيه ﷺ في طريق، الحديث.

стр. 657

قال: رواه مسلم عن زهير بن حرب عن يحيى بن سعيد، وعن أبي بكر عن إسماعيل بن علية جميعا عن حميد، فلعل من ذكرناه رأى ذلك في نسخة لم تقع لغيره - والله أعلم -، وكذا فعله البغوي في شرح السنة لما رواه عن عياش، ثنا عبد الأعلى، ثنا حميد، عن بكر - هو ابن عبد الله المزني -، عن أبي رافع، فقال: رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن علية، عن حميد، والله أعلم. أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد، ثنا أبو الحارث الطاهري، أنبأنا الحسن بن محمد بن حكيم، ثنا أبو الموجه، ثنا ابن أبي شيبة، ثنا ابن علية، ثنا حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: أنه لقي النبي ﷺ ، الحديث. قال: هذا حديث متفق على صحته، أخرجه مسلم عن أبي بكر عن إسماعيل عن حميد. ٥٣ - حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع ح، وثنا إسحاق بن منصور، أنبأنا يحيى بن سعيد جميعا، عن مسعر، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: خرج النبي ﷺ فلقيني وأنا جنب، فحدت عنه فاغتسلت، ثم جئت، قال: ما لك؟ قال: كنت جنبا، قال رسول الله ﷺ : إن المسلم لا ينجس. هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه، ولفظ ابن حبان في صحيحه: كان النبي ﷺ إذا لقي الرجل من أصحابه ماسحه ودعا له، قال: فرأيته يوما بكرة فحدت عنه، ثم أتيته حين ارتفع النهار، فقال: إني رأيتك فحدت عني .... الحديث. وفي الباب حديث ابن مسعود رواه أبو عبد الرحمن بإسناد صحيح عن إسحاق بن منصور،

стр. 658

أنبأنا يحيى، ثنا مسعر، حدثني واصل، عن أبي وا ل، عن عبد الله: أن النبي ﷺ لقيه وهو جنب فأهوى إلي، فقلت: إني جنب، فقال: إن المسلم لا ينجس. وهو حديث ثابت في سائر نسخ النسائي، ولم يذكره صاحبا الأطراف ابن عساكر والمزي. وقال أبو عيسى: وفي الباب عن ابن عباس، فلعل ظانا أن عبد الله هذا هو ابن عباس، وليس بابن مسعود، فليعلم أن شقيقا لم يرو عن ابن عباس شيئا في كتب الأئمة، والله أعلم. ولم نر لابن عباس حديثا - فيما نعلم - إلا ما ذكره البخاري معلّقا عنه: المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا. ولما ذكره أبو عبد الله في مستدركه، قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وروى الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه، ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، قال: سألت عائشة: عن الرجل يأتي أهله، ثم يلبس الثوب فيعرق فيه، أنجس ذلك؟ فقالت: قد كانت المرأة تعدّ خرقة أو خرقا، فإذا كان ذلك مسح بها الرّجل الأذى عنه، ولم نر أن ذلك لا ينجسه، وفي حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، قالت: ثم صليا في ثوبيهما. وسيأتي حديث معاوية عن أخته، عن أم حبيبة: أنّ النبي ﷺ كان يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه. قرأت على شيخنا العلامة أبي الحسن المكي - رحمه الله تعالى - أخبركم علامة دهره وفريد عصره شمس بن الخرقي، بقراءتكم عليه، في رجب سنة تسع وستين وست مائة، أنبأنا الفقيه رشيد الدين زاهد بن محمد بن

стр. 659

أحمد بن وكيع المروروذي، أنبأنا الإمام شيخ الإسلام أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله المروروذي، أنبأنا محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود، قال: معنى قول ابن عباس: أربع لا يجنبن؛ الإنسان، والثوب، والماء، والأرض: يريد الإنسان لا يجنب بمماسة الجنب، ولا الثوب إذا لبسه الجنب، ولا الأرض إذا أفضى إليها الجنب، ولا الماء إذا غمس الجنب يده فيه. وفي كتاب الدارقطني من حديث المتوكل بن فضيل عن أم القلوص الغاضرية، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ لا يرى على الثوب جنابة، ولا على الأرض جنابة، ولا يجنب الرجل الرجل. وقال عطاء: يحتجم الجنب، ويقلِّم أظفاره، ويحلق رأسه، وإن لم يتوضأ. وقال الحافظ رشيد الدين: قول أبي هريرة: فانخنست منه، فيه أربع روايات: فانبجست بنون ثم باء معجمة بواحدة بعدها جيم، ومعناه اندفعت منه، وقال الترمذي: معناه تنحيت عنه. الثانية: فانخنست منه بنون بعدها خاء معجمة ثم نون، ومعناها انقبضت وتأخرت عنه. الثالثة: فاختنست بتقّدم الخاء المعجمة وبعدها تاء معجمة باثنتين من فوقها ثم نون، ومعناها معنى التي قبلها. الرابعة: فانتجست بنون ثم تاء معجمة باثنتين من فوقها ثم جيم، ومعناها: اعتقدت نفسي نجسا، لا أصلح لمجالسة رسول الله ﷺ وأنا على تلك الحالة، وقد ذكر في هذه الكلمة قول خامس؛ وهو فانبخست بنون ثم باء معجمة بواحدة

стр. 660

بعدها خاء من النخس، وهو النقص، فإن صحت هذه الرواية فقد ذكر بعض العلماء أنّ معناها أنّه ظهر له نقصانه عن مماشاة رسول الله ﷺ ؛ لما اعتقده في نفسه من النجاسة، فرأى أنّه لا يقارنه ما دام في تلك الحال. وقال الحافظ: ومعنى هذه الأقوال يرجع إلى شيء واحد، وهو الانفصال والمزايلة على وجه التوقير والتعظيم له ﷺ ، وذكر الحافظ أبو محمد المنذري فيه قولا سادسا؛ وهو فانتجشت بنون وتاء ثالث الحروف وشين معجمة، من النجش، وهو الإسراع. قال الزمخشري: والأصل فيه تنفير الوحش من مكان إلى مكان، وفي الحديث: نهى عن النجش: وهو تنفير النّاس من شيء إلى غيره، وذكر بعضهم قولا سابعا؛ وهو: فاحتبست بحاء مهملة وبعد التاء ثالث الحروف باء وسين مهملة من الاحتباس، والله أعلم. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر، وثبت عن ابن عمرو وابن عباس وعائشة أنهم قالوا ذلك، وهو مذهب الشافعي والنعمان، ولا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهما. قال أبو بكر: وعرق اليهودي والنصراني والمجوسي عندي طاهر، وخالف قوله هذا أبو محمد بن حزم، فزعم أنّه منهم نجس تمسكا بقوله ﷺ : إن المؤمن لا ينجس، وبقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، والله أعلم. واستنبط أبو حاتم البستي من حديث أبي هريرة أنّ الجنب إذا وقع في البئر، وهو ينوي الاغتسال، لا ينجس ماء البئر، خلافا لمن قال ذلك. وقوله: سبحان الله، قال أبو بكر بن الأنباري في الكتاب الزاهر: معنى سبحانك: تنزيها لك يا ربنا من الأولاد والصاحبة والشركاء؛ أي نزهناك من ذلك، قال الأعشى: أقول لما جاءني فخره … سبحان من علقمة الفاخر .

стр. 661

أراد: تنزيها لله من فخر علقمة، وفي كتاب الاشتقاق للنحاس يعجب الأعشى بالتسبيح من فخره، كما يقول القائل إذا تعجب: سبحان الله، وقال القزاز: معناه: براءة الله من السوء، قال الجوهري: إنّما لم ينون؛ لأنه معرفة عندهم، وفيه شبه التأنيث. قال ابن الأنباري: ويكون التسبيح الاستثناء، من ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾، معناه: قال: أعدلهم قولا: هلا تستثنون، ويكون التسبيح الصلاة، من ذلك ما روي عن الحسن أنه كان إذا فرغ من سبحته، قال: معناه: إذا فرغ من صلاته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. قال أبو عبيدة: معنى نسبح لك: نحمدك ونصلي لك. ويكون التسبيح النور، من ذلك الحديث: لولا ذلك لأحرقت سبحات وجهه ما أدركت من شيء. ويكون من التنزيه؛ قال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا﴾. وقال الفراء: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ منصوب على المصدر، كأنك قلت: سبحت الله تسبيحا، فجعل السبحان في موضع التسبيح، كما تقول: كفّرت عن يميني تكفيرا، ثم تجعل الكفران في موضع التكفير، فتقول: كفرت عن يميني كفرانا، قال زيد بن عمرو بن نفيل، أو ورقة بن نوفل: سبحان ذي العرش سبحانا يدوم له … رب البرية فرد واحد صمد سبحانه ثم سبحانا يعود له … وقبلنا سبح الجودي والجمد . وفي الأساس: سبّحت الله وسبّحت له وكثرت تسبيحاته وتسابيحه، ومن المجاز: وسبحى في ثلاث تعجب … واسلك بسبحات وجهك . وقال أبو موسى الحافظ في كتابه المغيث: سبحان الله قائم مقام الفعل؛ أي: أسبحه، وسبحت أي: لفظت بسبحان الله، وقيل: معنى سبحان الله: التسرع إليه،

стр. 662

والخفة في طاعته، من قولهم: فرس سابح، وذكر النضر بن شميل أنّ معناه: السرعة إلى هذه اللفظة؛ لأن الإنسان يبدأ فيقول: سبحان الله، وذكر أنه سأل في المنام عن هذا ففسّر له هكذا. وقوله: إنّ المؤمن لا ينجس، قال أبو نصر: يقال: نجس الشيء ينجس نجسا، فهو نجس ونجس أيضا. وقال الفراء: إذا قالوه مع الرجس أتبعوه إيّاه، قالوا: رجس نجس بالكسر، وأنجسه غيره ونجسه بمعنى. وقال القزاز: النجس فيه ثلاث لغات: النجس بكسر النون وبفتحها، وبفتحها وفتح الجيم، وكل شيء قذر فهو نجس، والجمع أنجاس، تقول: هو نجس، وهم أنجاس، وفي بعض اللغات يقال للواحد: نجس، وللجمع نجس، وذلك إذا لم يكن على طهارة من الجنابة، وفي كتاب ابن القوطية: وعلى فعِل وفَعُل: نجس الشيء ونجُس نجسا، ونجاسة ضد طهر، وفي كتاب المطالع: نجُس بضم الجيم وفتحها، يقال: ثوب نجَس ونجِس، وكذلك في التثنية والجمع، والذكر والأنثي، قاله الكسائي، وقال غيره: إنما يقال بفتحهما، فإذا أتبعه الرجس كسرت النون.

стр. 663

باب المني يُصيب الثوب ٥٤ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبدة بن سليمان، عن عمرو بن ميمون، سألت سليمان بن يسار عن الثوب يصيبه المني أنغسله، أو نغسل الثوب كله؟ قال سليمان: قالت عائشة: كان النبي ﷺ يصيب ثوبه، فيغسله من ثوبه، ثم يخرج في ثوبه إلى الصلاة، وأنا أرى أثر الغسل فيه. هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم، وفي لفظ للبخاري: كنت أغسل الجنابة، وفي لفظ لمسلم: أن النبي ﷺ كان يغسل موضع المني، وفي لفظ: إن كنت لأغسله من ثوب النبي ﷺ . وفي صحيح الإسماعيلي: أن النبي ﷺ كان إذا أصابه مني غسله، ثم يخرج إلى الصلاة، وأنا أنظر إلى بقعة من أثر الغسل في ثوبه. وفي صحيح الجوقاني: أن النبي ﷺ كان إذا أصاب ثوبه المني غسل ما أصاب منه ثوبه، ثم خرج إلى الصلاة، وأنا أنظر إلى البقع في ثوبه ذلك في موضع الغسل، وفي سنن أبي الحسن: إن كنت لأتبعه من ثوب النبي ﷺ فأغسله، وفي لفظ أبي داود: ثم أراه فيه بقعة أو بُقعا، وفي البزار: إنما يروى الغسل عن عائشة من وجه واحد، وبنحوه قاله الإمام أحمد، قال البزار: رواه عمرو بن

стр. 664

ميمون عن سليمان بن يسار عنها، ولم يسمع سليمان من عائشة، انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لما ثبت في صحيح البخاري من حديث عبد الواحد عن عمرو عن سليمان، قال: سألت عائشة عن المني يصيب الثوب، وفي رواية محمد بن بشر عن مسلم عن عمرو بن ميمون، قال: سألت سليمان بن يسار عن المني يصيب الثوب، فقال: حدثتني عائشة .... الحديث. وأما إنكارهما الغسل إلا من وجه واحد ففيه نظر أيضا؛ لما ذكره الدارقطني بإسناد صحيح، فقال: ثنا محمد بن مخلد، ثنا أبو إسماعيل الترمذي، ثنا الحميدي، ثنا بشر بن بكر، ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة عنها، قالت: كنت أفرك المني من ثوب النبي ﷺ إن كان يابسا، وأغسله إن كان رطبا. وخرجه أبو عوانة في صحيحه عن محمد بن إدريس وراق الحميدي والصائغ وأيوب بن إسحاق عن الحميدي، وفيه: فأمسحه أو أغسله - شك الحميدي - إذا كان رطبا، وفي صحيح ابن خزيمة: وفي حديث ابن هارون، أنبأنا عمرو عن سليمان، قال: أخبرتني عائشة، فذكره. وذكر البزار من حديث عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عمار عن النبي ﷺ ، أنه قال: إنّما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني من الماء الأعظم والدم والقيء، قال: لا نعلم روى ثابت إلا هذا الحديث، وقال أبو القاسم في الأوسط: لا يروي هذا الحديث عن ابن المسيب إلا علي بن زيد. تفرّد به ثابت بن حمّاد، ولا يروى عن عمار إلا

стр. 665

بهذا الإسناد. وليس معارضا لهذه الأحاديث؛ يعني: حديث الفرك حديث سليمان عنها. باب فرك المني من الثوب ٥٥ - حدثنا محمد بن طريف، ثنا عبدة بن سليمان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عائشة ﵂ قالت: ربما فركته من ثوب النبي ﷺ بيدي. ٥٦ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: نزل بعائشة ضيف، فأمرت له بملحفة لها صفراء، فاحتلم فيها، فاستحيى أن يرسل بها وفيها أثر الاحتلام، فغمسها في الماء، ثم أرسل بها، فقالت عائشة: لِم أفْسد علينا ثوبنا؟ إنما كان يكفيه أن يفركه بإصبعه، ربما فركته من ثوب رسول الله ﷺ بإصبعي. هذا حديث خرّج مسلم - رحمه الله تعالى - في صحيحه أصله، وفي لفظ له من حديث شبيب بن غرقدة عن عبد الله بن شهاب الخولاني، قال: كنت نازلا على عائشة فاحتلمت في ثوبي، فغمستها فرأتني جارية لعائشة، فأخبرتها فبعثت إلي عائشة، فقالت: ما حملك على ما صنعت بثوبك؟ … الحديث. وفي لفظ: لقد رأيتني وإنّي لأحكّه من الثوب للنبي ﷺ بظفري. ٥٧ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله ﷺ فأحته عنه.

стр. 666

هذا حديث خرجه مسلم أيضا، وقال البزار: وحديث إبراهيم عن الأسود عن عائشة قد روي من وجوه: فرواه مغيرة والأعمش وأبو معشر عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، ورواه منصور والحكم عن إبراهيم عن همام عنها، ورواه ابن أبي نجيح وحميد الأعرج عن مجاهد عنها، ورواه الزهري عن عروة عنها، ورواه يحيى بن سعيد عن عمرة والقاسم عنها، ورواه عنها غير من ذكرنا، وفي الكامل من رواية أحمد بن أبي أوفى عن عباد بن منصور عن عطاء عنها: لقد رأيتني أفرك الجنابة من ثوبه ﷺ ، ثم لا أغسل مكانه، وقال: هذا حديث مستقيم، وإنما أنكر - يعني على أحمد بن أبي أوفى - مخالفته أصحاب شعبة، وقد وجدناه من غير طريق أحمد، فسلم من المخالفة كما زعم، قال أحمد بن منيع في مسنده: ثنا أبو قطن، ثنا عباد بن منصور، فذكره، وذكره أبو جعفر الطحاوي في شرح الآثار من حديث الأوزاعي عن عطاء عنها. وذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث ابن جبير عنها، وقال: لم يروه عن سعيد إلا جعفر بن أبي المغيرة، ولا عن جعفر إلا مندل، تفرد به عون بن سلام، ورواه أيضا عن أبي سفانة النخعي عنها، وقال: لم يروه عن أبي سفانة إلا برد بن أبي زياد، تفرد به عبثر بن القاسم، ورواه أيضا من حديث أبي العنبس سعيد بن كثير، قال: حدثني أبي عنها، ومن حديث عائشة بنت طلحة، بلفظ: ربما حككت المني.

стр. 667

وقال: لم يروه عن طلحة إلا كامل أبو العلاء ولا عنه إلا خالد بن يزيد، تفرد به العباس بن محمد، ولفظه: أفركه من ثوبه ﷺ تعني: المني -. ومن حديث أبي مجلز عن الحارث بن نوفل عنها بمثله، وفي لفظ عنده: كنت أفركه من مرط رسول الله ﷺ ، وكانت مروطنا يومئذ الصوف. وقال البيهقي في المعرفة: بين عائشة ومحارب منقطع، ولفظه عنده: من ثياب النبي ﷺ وهو في الصلاة، وقال الخلال: سئل أحمد عن حديث جعفر عن الزهري عن عروة عن عائشة: كنا نراه في مرط إحدانا ثم نفركه، فقال أبو عبد الله: ما أنكره، وفي لفظ لابن خزيمة في صحيحه من حديث الأسود عنها: كنت أحك الجنابة من ثوبه كالنخامة، وفي حديث محارب بن دثار عنها: أنها كانت تحتّ المني من ثوبه ﷺ ، وهو يصلي، وذكر الكلام في كتاب الخلال عن أحمد، زاد حماد بن سلمة فيه زيادة حسنة: فكان يُصلِّي فيه، وقال مهنأ: قلت لأحمد: أي شيء تنكر من حديث عباد بن منصور؟ قال: كان يحدث عن القاسم عن عائشة: كنت أفرك المني من ثوبه ﷺ . قلت: وهذا منكر؟ قال: نعم، من وجه القاسم. وفي كتاب ابن حزم: روينا من طريق أبي حذيفة عن سفيان، فمرة قال: عن الأعمش، ومرة قال: عن منصور، ثم استمر عن إبراهيم عن همام بن الحارث عن عائشة في المني: أنّ رسول الله ﷺ كان يأمر بحتّه، قال: تفرّد به أبو حذيفة موسى بن مسعود البصري، وهو ضعيف مصحف، كثير الخطأ، يروي عن سفيان البواطيل، قال الإمام أحمد: هو شبه لا شيء، كأن سفيان الثوري الذي يحدّث عنه أبو

стр. 668

حذيفة ليس بسفيان الذي يحدّث عنه الناس. قال ابن المنذر: اختلفوا في طهارة المني، فممن غسله من ثوبه عمر بن الخطاب، وأمر بغسله جابر بن سمرة وابن عمر وعائشة وابن المسيب، وقال مالك: غسل الاحتلام من الثوب أمر واجب مجمع عليه عندنا، وعلى هذا مذهب الأوزاعي والثوري، غير أنّ الثوري يقدره بالدرهم، وفيه قول ثان: وهو أنّه طاهر يفرك من الثوب. وممن رأى أنه يفرك من الثوب: سعد بن أبي وقاص وابن عمر، وقال ابن عباس: امسحه بأذخرة أو خرقة، ولا تغسله إن شئت. وقال ابن المسيب: إذا صلى فيه لم يعد، والمني عند الشّافعي وأبي ثور ليس بنجس. وقال أحمد: يفركه. وقال أصحاب الرأي: إذا جف يحته بخرقة. قال أبو بكر: والمني طاهر، واختلفوا في المني يصيب الثوب يخفى مكانه، فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: يغسل ما رأى، وينضح ما لم ير، وقال ابن عباس: ينضح الثوب. وبه قال النخعي وحماد. وقال عطاء: ارششه. وقالت عائشة: إن رأيته فاغسله، وإن لم تره فانضحه. وفي مسند ابن منيع الكبير: ثنا إسحاق بن يوسف، ثنا محمد بن قيس، عن محارب عنها، أنّها كانت تحت المني من ثوب النبي ﷺ وهو في الصلاة. وكان ابن عمر وأبو هريرة والحسن يقولون: إذا خفي مكانه غسل الثوب كله. وفيه قول ثالث: وهو أنّ الفرك يجزئه، فإن كان لا يدري مكانه فرك الثوب كلّه، هذا قول إسحاق. وفيه قول رابع: وهو أنه طاهر؛ هذا قول الشّافعي وأبي ثور، فعلى هذا القول يجزئه إن لم يفركه، وقال أبو محمد بن حزم: والمني طاهر في الماء كان أو في الجسد أو في الثوب، ولا تجب إزالته والبصاق بمثله ولا فرق، وقد كذب من تخرص بلا علم، فإن قال: كانت عائشة تفركه بالماء لقولها: كنت أفركه يابسا بظفري، قال أبو سليمان الخطابي: في قول عائشة: كنت أفرك المني، دليل على طهارته، ولو كانت عينه نجسة لما طهر يابسه بالفرك كالعذرة، والله تعالى أعلم.

стр. 669

باب الصلاة في الثوب الذي يجامع فيه ٥٨ - حدثنا محمد بن رمح، أنبأنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن أبي سفيان، أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ : هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم، إذا لم يكن فيه أذى. هذا حديث إسناده صحيح؛ سويد بن قيس التجيبي المصري الأبذوي، وإن كان لم يرو عنه غير يزيد بن أبي حبيب، فقد قال أبو سعيد بن يونس: كانت له من عبد العزيز بن مروان منزلة، وكان يرسله في أموره، وذكر من ذلك أنه أرسله إلى ابن عمر بجائزة وكتاب، وذكره أبو حاتم البستي في كتاب الثقات؛ فلذلك ساغ لابن الجارود ذكره في منتقاه، وسكت عنه أبو داود عندما رواه، ولفظ أبي جعفر بن منيع، فقالت: نعم، إذا علم أنه لم يصبه أذى، وفي لفظ للطبراني: إذا لم ير فيه أذى. وفي لفظ له: أنه دخل على أم حبيبة، قال: فوجدت النبي ﷺ يصلي في ثوب واحد، عاقده على قفاه، فقلت لأم حبيبة: أيصلي النبي ﷺ في ثوب واحد؟ قالت: نعم، وهو الذي كان فيه ما كان. وقال: لم يروه عن سعيد بن مسلم بن بانك - يعني: عن أبيه - عن معاوية بن أبي سفيان إلا خالد بن يزيد العمري، وذكره أيضا في موضع آخر من رواية عنبسة عن أم حبيبة، وقال: لم يروه عن عنبسة إلا ضمرة بن حبيب، تفرد به معاوية بن صالح، والله أعلم.

стр. 670

٥٩ - حدثنا هشام بن خالد الأزرق، ثنا الحسن بن يحيى الخشني، ثنا زيد بن واقد، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ورأسه يقطر ماء، فصلى بنا في ثوب واحد متوشحا به، قد خالف بين طرفيه، فلما انصرف قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، تصلي بنا في ثوب واحد؟ قال: نعم، أصلي فيه، وفيه؛ أي قد جامعت فيه. هذا حديث إسناده لا بأس به، ولو صحح لكان بذلك جديرا لما عضده من الشواهد، وأما ما ذكره أبو محمد الإشبيلي إثر تخريجه: خرجه البزار، وفي إسناده الحسن بن يحيى الخشني، وهو ضعيف جدا، ففيه نظر في موضعين: الأول: ما عزاه لمسند البزار لم أره فيه، فلعله يكون مخرجا في كتاب السنن أو الأمالي، وليس اصطلاح أبي محمد، والله أعلم. ولم ينبه أبو الحسن بن القطان على ذلك، فعلى هذا يكون لازما لهما. الثاني: رده الحديث بالحسن أبي عبد الملك، ويقال: أبو خالد الدمشقي البلاطي، والبلاط: قرية على نحو فرسخ من دمشق، أصله خراساني، ذكره الإمام أحمد بن حنبل، فقال: ليس بحديثه بأس، حكاه عنه أبو داود في كتاب الآجري، وسئل عنه دحيم، فقال: لا بأس به، وقال أبو حاتم الرازي: صدوق، سيئ الحفظ، وقال أبو أحمد بن عدي: هو ممن تحتمل رواياته، وقال ابن معين في رواية: ثقة، وقال أبو داود: ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا الحسن بن يحيى الخشني، وكان ثقة، وتكلم فيه غير هؤلاء بكلام مؤول، قال أبو عبد الرحمن النسائي: ليس
следующие страницы →