Полный текст (1 969 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
باب من قال: لا ينام الجنب حتى يتوضأ وضوءه للصلاة
٨٦ - حدثنا محمد بن رمح المصري، أنبأنا الليث بن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة.
هذا حديث خرجه البخاري بلفظ: غسل فرجه وتوضأ.
ولمسلم: إذا كان جنبا، فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه.
ولم يذكر المنذري أن البخاري رواه، ويشبه أن يكون وهما، ولفظ الحاكم في تاريخ بلده، ورواه من جهة يحيى بن أبي كثير، عن الزهري، عن أبي سلمة عنها أن النبي ﷺ كان يرقد وهو جنب ويتوضأ وضوءه للصلاة، وفي سنن الكجي: يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يرقد.
وفي الأوسط من حديث بقية عن إسماعيل بن عياش عن هشام عن أبيه عنها: كان النبي ﷺ إذا واقع بعض أهله، فكسل أن يقوم ضرب يده على الحائط، فتيمم.
وقال: لم يروه عن هشام إلا إسماعيل.
وفي كتاب البيهقي من حديث أبي أسامة الكلبي، ثنا الحسن بن الربيع، ثنا عثام بن علي، عن هشام بلفظ: فأراد أن ينام توضأ أو تيمم.
ورواه أبو القاسم أيضا في الأوسط من حديث أبي حمزة، عن إبراهيم، عن الأسود، وقال: لم يروه عن أبي حمزة إلا ابن علية.
تفرّد به إبراهيم بن زياد سبلان.
٨٧ - حدثنا نصر بن علي الجهضمي، ثنا عبد الأعلى، ثنا عبيد الله بن عمر، عن
стр. 842
نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ.
هذا حديث خرجاه في صحيحيهما، ولما ذكره أبو محمد الإشبيلي أردفه برواية الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قوله ﷺ : إنه يغسل ذكره، ويتوضأ وضوءه للصلاة.
ذكره أبو عمر، وعاب ابن القطان ذلك عليه بقوله: هو في كتاب البزار من حديث ابن عمر من ثلاثة طرق:
أحدها: من رواية معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر أنّه سأل النبي ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ فقال: نعم، إذا توضأ وضوءه للصلاة.
قال: وهو من أحسن ما يروى عن عمر من الطرق.
والثاني، والثالث من رواية وهيب، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، وفي مسند الحميدي بسند صحيح عن سفيان، ثنا عبد الله بن دينار سمع ابن عمر: سأل عمر النبي ﷺ أينام أحدنا، وهو جنب؟ فقال: نعم، إذا توضأ، ويطعم إن شاء.
وهو في صحيح ابن حبان بمعناه.
وفي صحيح ابن خزيمة: ويتوضأ إن شاء.
وفي كتاب رواة الموطأ للدارقطني: رواه أبو مصعب، ومعن، وخالد بن مخلد، وعبد الله بن يوسف، والقعنبي، وروح، ويحيى بن يحيى، وابن بكير، وأيوب بن صالح، وابن القاسم، وصفوان بن سليم، وعبد الله بن حسين بن عطاء بن يسار، عن مالك بلفظ: توضأ، ثم اغسل ذكرك، ونم.
وقال خالد بن مخلد: قصة الجنابة،
стр. 843
فقال: توضأ، ثم اغسل ذكرك، ثم نم.
وفي التمهيد: وكذا رواه الثوري وشعبة عن ابن دينار.
وقال ابن أبي داود في كتاب السنن: وأما كيفية الوضوء فهو ما ذكره مالك في الموطأ عن نافع: أن ابن عمر كان إذا أراد أن ينام أو يطعم وهو جنب غسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه، ثم طعم أو نام.
ورواه من حديث مروان، أنبأنا مالك، حدثني عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر: لم يرو هذا عن مالك إلا مروان، ثنا عمرو بن علي، ثنا عبد الرحمن بن عثمان أبو بحر، ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر، فذكره.
وقال: لم يقل في هذا الحديث: عن عمر، إلا أبو بحر.
٨٨ - حدثنا أبو مروان العثماني محمد بن عثمان، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري: أنه كان تصيبه الجنابة بالليل، فيريد أن ينام، فأمره رسول الله ﷺ أن يتوضأ، ثم ينام.
هذا حديث رواه الإمام أحمد في مسنده بلفظ: أنه ذكر للنبي ﷺ أنّه تصيبه الجنابة، فيريد أن ينام، فأمره أن يتوضأ، ثم ينام.
ولفظ الطحاوي: توضأ، وارقد.
وإسناده صحيح وأبو مروان محمد بن عثمان بن خالد بن عمر بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان الأموي، وروى عنه أبو حاتم الرازي، وقال: ثقة، وسئل عنه صالح بن محمد، فقال: هو ثقة، صدوق، إلا أنه يروي عن أبيه المناكير، ورجاله الباقون حديثهم في الصحيح، ولما ذكره البزار في مسنده لم يرد على قوله: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، وقد وردت في هذا الباب أحاديث منها: حديث ابن عباس المذكور عند ابن حبان، وقد تقدّم طرف منه، قال: جئت عند ميمونة، فرأيت النبي ﷺ بال، ثم غسل وجهه وكفّيه، ثم
стр. 844
نام، ولفظ أبي القاسم في الأوسط: ثلاثة لا تقربهم الملائكة: الجنب، والكافر، والمتضمخ بالزعفران.
وحديث أبي هريرة قال ﷺ : لا أحب أن يبيت المسلم وهو جنب، أخاف أن يموت، ولا تحضره الملائكة.
ذكره ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ عن البغوي، ثنا شيبان بن فروخ، ثنا يزيد بن عياض بن جعدبة، عن الأعرج عنه.
وحديث عمار بن ياسر قال: قدمت من سفر، فضمخني أهلي بصفرة، قال: ثم جئت فسلّمت على النبي ﷺ ، فقال: وعليك السلام، اذهب، فاغتسل، قال: فذهبت، فاغتسلت، ثم رجعت، وبي صفرة، فقلت: السلام عليكم، فقال: وعليك السلام، اذهب فاغتسل، فذهبت، فأخذت نشفة، فدلّكت بها جلدي، حتى ظننت أني قد أنقيت، ثم أتيته، فقلت: السلام عليكم، قال: وعليك السلام، اجلس، ثم قال: إن الملائكة لا تحضر جنازة كافر نجس، ولا جنبا حتى يغتسل، أو يتوضأ وضوءه للصلاة، ولا مُتضمخا بصفرة.
رواه الطحاوي في شرحه من جهة حماد بن سلمة عن عطاء.
ورواه الكجي في سننه من طريق حماد بزيادة: قدمت على أهلي من سفر، وقد تشققت يدي، فخلقوني بزعفران، وذكره قاسم بن أصبغ، فلم يقل: للصلاة، وذكره عبد الرزاق كذلك منقطعا من غير قوله: رخص فما بعده، ورواه أبو عيسى الترمذي في جامعه مختصرا، وقال فيه: حسن صحيح، وفيما قاله نظر؛ وذلك
стр. 845
أنّ الصحة ملازمة للاتصال، وهذا الحديث عدمها، ذكر ذلك أبو داود إثر تخريجه، فقال: بين يحيى وعمار في هذا الحديث رجل، وتبعه على ذلك الإشبيلي.
ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث شعبة، عن إسحاق بن سويد، عن رجل يقال له: حبيب عن رجل أحسبه عمارا، وقال: لم يروه عن شعبة إلا مؤمل.
تفرّد به أحمد بن عمر، والله أعلم بالصواب.
٨٩ - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم الأحول، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد قال رسول الله ﷺ : إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود فليتوضأ.
هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه فمن بعده، ورواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان، عن عاصم بزيادة: إذا أراد أن يعود فليتوضأ وضوءه للصلاة.
ومن جهة شعبة، عن عاصم: إذا أراد أحدكم العود فليتوضأ، فإنه أنشط له في العود.
وبنحوه أخرجه أبو حاتم في صحيحه، وأبو عوانة، وخرج الحاكم هذه الزيادة، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا
стр. 846
اللفظ، وهذه لفظة تفرد بها شعبة عن عاصم، والتفرد من مثله مقبول عندهما، ولما ذكره أبو محمد الفارسي مصحّحا له من جهة حفص بن غياث: إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعاود.
هذا لفظ حفص ولفظ ابن عيينة: إذا أراد أن يعود فلا يعود حتى يتوضأ، ثم قال: لم نجد هذا الخبر ما يخصصه ولا ما يخرجه إلى الندب إلا خبرا ضعيفا من رواية يحيى بن أيوب - يعني: المخرج عند ابن شاهين - عن موسى بن عقبة، وأبي حنيفة، عن أبي إسحاق، عن الأسود عنها: كان النبي ﷺ يجامع، ثم يعود، ولا يتوضأ، وينام، ولا يغتسل.
قال: وبإيجاب الوضوء يقول عطاء وعكرمة وإبراهيم والحسن وابن سيرين. انتهى كلامه.
وفي قوله: هذا لفظ حفص نظر؛ فإنّ أبا داود رواه عن عمرو بن عون، أنبأنا حفص بن غياث، ولفظه: إذا أتى أحدكم أهله، ثم بدا له أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا.
وعند الترمذي عنه: ثم أراد أن يعود فليتوضأ، وعند مسلم: ثم أراد أن يعود.
وما حكاه من الوجوب فمردود بقول أبي عمر: وما أعلم أحدا من أهل العلم أوجبه إلا طائفة من أهل الظاهر، وأما سائر الفقهاء بالأمصار فلا يوجبونه، وأكثرهم يأمرون به، ويِستحبونه بخلاف الحائض، والذي يشبه أن يكون أبو محمد اختلط عليه الوضوء المطلق الجنب بهذا، والله أعلم.
وقال أبو عوانة في صحيحه: يعارض هذه الأخبار في إيجاب الوضوء حديث أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ خرج من الخلاء، فأتي بطعام، فقيل
стр. 847
له: ألا تتوضأ؟ قال: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة.
إن كان صحيحا عند أهل التمييز، وقال ابن المنذر: إن توضأ فحسن، وليس ذلك بواجب. انتهى.
وفي الباب حديث ذكره في كتاب العلل عن عبد الرحمن: سألت أبي عن حديث رواه ليث بن أبي سليم، عن عاصم، عن أبي المستهل، عن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: إذا أتى أحدكم امرأته، فأراد أن يعود فليغسل فرجه.
قال أبي: هذا يرون أنّه عاصم عن أبي المتوكل عن أبي سعيد، وهو أشبه.
وفي كتاب العلل لأبي عيسى، ثنا عبد الله بن الصباح الهاشمي البصري، ثنا معتمر بن سليمان سمعت أبي عن عاصم عن أبي المستهل عن عمر عن النبي ﷺ قال: إذا أتى أحدكم أهله. . . الحديث.
سألت محمدا عن هذا الحديث؟ فقال: هو خطأ ولا أدرى من أبو المستهل، وإنما روى عاصم عن أبي عثمان عن سليمان بن ربيعة عن عمر قوله، وهو الصحيح، قال البيهقي: هذا كله جائز مشروع، من شاء أخذ بالأول، ومن شاء أخذ بهذا، وكان النبي ﷺ يفعل هذا مرة ليدلّ على الفضيلة، وهذا مرة ليدلّ على الرخصة.
стр. 848
باب ما جاء فيمن يغتسل من جميع نسائه غسلا واحدا
٩٠ - حدثنا محمد بن مثنى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، وأبو أحمد، عن سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه في غسل واحد.
هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه، وفي صحيح ابن إسماعيل: كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة.
قال: قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدّث أنّه أعطي قوة ثلاثين، وفي لفظ: تسع نسوة.
وفي صحيح ابن حبان: حكى أنس هذا الفعل منه ﵇ في أوّل قدومه المدينة حيث كان تحته تسع نسوة؛ لأنّ هذا الفعل منه ﵇ كان مرارا، إلا مرة واحدة، ولا نعلم أنه تزوج نساءه كلهن في وقت واحد، ولا يستقيم هذا إلا في آخر أمره، حيث اجتمع عنده تسع نسوة، وجاريتان: ريحانة، ومارية، فإنا لا نعلم أن النبي ﷺ اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة بالتزويج، فإنّه دخل بإحدى عشرة، أولهن خديجة، ولم يتزوج بغيرها حتى ماتت.
وفي سنن السجستاني: هكذا رواه هشام بن زيد عن أنس، ومعمر عن قتادة عن أنس، وصالح بن أبي الأخضر: عن الزهري كلّهم عن أنس، ورواه أيضا ثابت عن أنس، قال أبو القاسم في الأوسط: لم يروه عن معمر عن ثابت إلا ابن عينية، ورواه الثوري والناس عن معمر عن قتادة.
ورواه أيضا من جهة مصعب بن المقدام، وقال: لم يروه عن الثوري عن معمر
стр. 849
عن الزهري إلا مصعب، زاد في الأصغر: تفرد به عبد الله بن أبي غسان، وكان ثقة، وقال ابن خزيمة: لم يقل أحد من أصحاب قتادة: إحدى عشرة، إلا معاذ بن هشام عن أبيه، ثم رواه من جهة سفيان، عن معمر، عن ثابت، عن أنس أن النبي ﷺ كان يطوف، وفي لفظ: يطيف على نسائه في غسل واحد، وقال: هذا حديث غريب، والمشهور: معمر عن قتادة، ورواه الإسماعيلي في صحيحه من جهة معاذ بن هشام، وفيه: قوة أربعين، ولما رواه ابن أبي داود في سننه من حديث بقية، عن شعبة، حدثني عاصم بن زيد بن أنس قال: سمعت أنسا فذكره، قال: لم يرو هذا الحديث، عن شعبة إلا بقية، ومسكين بن بكير، ورواه أيضا من جهة ابن جحادة، عن قتادة، عن أنس بلفظ: يطوف على نسائه بغسل واحد، هذه، ثم هذه، ثم هذه، وقال: هذه سنة تفرد بها أهل البصرة، ولم يروه عن سفيان إلا يوسف بن أسباط، وكذا قاله أبو نعيم في الحلية، قال ابن أبي داود: والناس يخالفونه عن سفيان، يقولون: عن معمر، عن قتادة، ومن جهة حبان: عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، وقال: لم يروه عن الزهري إلا صالح.
وقال الترمذي: وقد روى محمد بن يوسف هذا عن سفيان، فقال: عن أبي عروة، عن أبي الخطاب، عن أنس. وأبو عروة معمر، وأبو الخطاب قتادة، ورواه بعضهم عن محمد بن يوسف، عن أبي عزرة عن أبي الخطاب، وهو خطأ، والصحيح أبي عروة، وفي الباب عن أبي رافع. انتهى.
وفيه نظر؛ لأن حديث أبي رافع لفظه: يغتسل عند هذه، وعند هذه، وسيأتي، وهو مخالف لما رواه قبل عن أنس، والله أعلم.
стр. 850
باب فيمن يغتسل عند كل واحدة غسلا
٩١ - حدثنا إسحاق بن منصور، أنبأنا عبد الصمد، ثنا حماد، ثنا عبد الرحمن بن أبي رافع، عن عمته سلمى، عن أبي رافع: أنّ النبيِ ﷺ طاف على نسائه في ليلة، وكان يغتسل عند كل واحدة منهن، فقيل له: يا رسول الله، ألا تجعله غسلها واحدا؟ فقال: هو أزكى، وأطيب، وأطهر.
هذا حديث لما خرجه أبو داود قال: حديث أنس أصح من هذا، ولما ذكره أبو محمد الإشبيلي من عند النسائي سكت عنه، وتتبع ذلك أبو الحسن عليه بقوله: لا يصح، فإنّه من رواية حماد أنبأنا عبد الرحمن بن فلان بن أبي رافع عن عمته سلمى، ويختلف في عبد الرحمن هذا، فمنهم من يقول ما ذكرناه، ومنهم من يقول: عبد الرحمن بن أبي رافع، كذلك ذكره أبو داود من رواية موسى بن إسماعيل، عن حماد، وموسى أصحب الناس لحماد، وأعرفهم بحديثه، وهكذا ذكره البخاري في تاريخه قال: عبد الرحمن بن أبي رافع، عن عمته، عن أبي رافع: طاف النبي ﷺ على نسائه في ليلة.
قاله شهاب عن حماد بن سلمة، وقال عبد الله بن محمد، عن عارم، عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن أبى رافع، عن عمته سلمى، عن أبي رافع قال النبي ﷺ : ناوليني الذراع.
وقاّل عفان، ويزيد بن هارون، عن حماد، ثنا ابن أبي رافع مولى النبي ﷺ قال: كان عبد الله بن جعفر يتختم في يمينه، وزعم أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه، حديثه في البصريين، وقال ابن أبي حاتم: عبد الرحمن بن أبي رافع روى عن عبد الله بن جعفر، وعن عمته سلمى، روى عنه حماد بن سلمة، ذكره أبي، عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين قال: عبد
стр. 851
الرحمن بن أبي رافع الذي يروي عنه حماد صالح، فإن كان الأمر هكذا، أعني أنّه عبد الرحمن بن أبي رافع مولى النبي ﷺ ، كما قال عفان ويزيد فإن عمته سلمى أخت لأبي رافع، وهي لا تعرف له، وإن كانت غيرها فحالها لا يعرف، وإن كان الأمر على ما وقع في السند عند النسائي من أنّه حفيد لأبي رافع فسلمى بنت لأبي رافع، ويكون حالها حينئذ أخفى، وما من ذلك شيء يعرف، فإنّ أبا رافع مولى النبي ﷺ احتوشته امرأتان كلّ واحدة منهما اسمها: سلمى، إحداهما أمه، والأخرى زوجه، فأُمّه سلمى مولاة صفية بنت عبد المطلب، روت عن النبي ﷺ : بيت لا تمر فيه، يرويه حارثة بن محمد، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن جدّته، وكانت خادما للنبي ﷺ ، ذكرها بهذا ابن السكن، وأمّا زوجه فسلمى مولاة النبي ﷺ ، قال ابن أبي خيثمة: زوّجه النبي ﷺ مولاته، وشهدت سلمى هذه خيبر، وولدت له عبيد الله بن أبي رافع كاتب علي، فما من هاتين من تكون عمّة لعبد الرحمن بن أبي رافع، ولا لحفيد أبي رافع، إذ إحداهما أم لأبي رافع، والأخرى زوجه، وقد كنت أظنّ أن أبا محمد عثر في هذا على مزيد، حتى رأيته كتب في كتابه الكبير بخطّه أثر هذا الحديث بعد أن أورده من عند النسائي: سلمى مولاة النبي ﷺ ، فتبين بذلك أنه ظن خطأ، ولا يصح أن تكون عمة لأحد من ولد أبي رافع؛ بل إما أما، وأما جدّة، انتهى كلامه، وفيه نظر من وجوه:
الأوّل: قوله في أبي رافع: احتوشته امرأتان، وأغفل ثالثة، ذكرها أبو حاتم البستي في كتاب الثقات من التابعين، روى عنها القعقاع بن حكيم، وقال: هي امرأة أبي رافع، روت عن أبي رافع.
стр. 852
الثاني: قوله: لا يصح مردود بتصحيح ابن حزم له من الطريق التي خرجها أبو داود.
الثالث: ما ذكره عن أبي محمد أنه اتبعه بخطّه في الكبير لم أره، ولا شيئا منه في الكتاب المشار إليه، والله تعالى أعلم.
وفي كتاب البيهقي طاف على نسائه أجمع في ليلة يغتسل لكل واحدة منهن غسلا.
وقال الحافظ ضياء الدين المقدسي: ليس بين هذا الحديث وحديث أنس اختلاف؛ بل كان يفعل هذا مرّة، وذلك أخرى، والله أعلم.
стр. 853
باب الجنب يأكل ويشرب
٩٢ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن علية، وغندر، ووكيع، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يأكل وهو جنب توضأ.
هذا حديث خرجه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه من حديث يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة بلفظ: إذا رأى أن يطعم وهو جنب غسل يديه.
وصححه أيضا أبو محمد الفارسي، ولفظ ابن حبان في صحيحه: إذا أراد أن ينام وهو جنب لم ينم حتى يتوضأ، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه وأكل.
ولما ذكر البيهقي أن الليث رواه كرواية ابن وهب، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، قالت عائشة: وإذا أراد أن يأكل ويشرب غسل يديه، يعني: من قولها، قال: وقد قيل في هذا الإسناد عن هذا.
وحديث الأسود عن عائشة أصح، وقال أبو داود: رواه ابن وهب، عن يونس، فجعل قصة الأكل قول عائشة مقصورا، ورواه صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، كما قال ابن المبارك، يعني: عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة إلا أنه قال: عن عروة، أو عن أبي سلمة، ورواه الأوزاعي، عن يونس، عن الزهري، عن النبي ﷺ ، كما قال ابن المبارك، وفي كتاب العلل للخلال عن أحمد: قال يحيى بن سعيد: رجع شعبة عن هذا الحديث عن قوله: أن يأكل، قال أحمد بن القاسم: وسمعت أبا عبد الله يقول: إذا أراد أن ينام فليتوضأ وضوءه للصلاة، على الحديث، ثم ينام، فأمّا إذا أراد أن يطعم فليغسل يديه، ويمضمض، وليطعم؛ لأنّ الأحاديث في الوضوء لمن أراد النوم، قال: وبلغني أنّ شعبة ترك حديث الحكم
стр. 854
بأخرة، فلم يحدّث به فيمن أراد أن يطعم؛ وذلك لأنه ليس بقوله غيره، إنّما هو في النوم، ولفظ الدارقطني: وإذا أراد أن يأكل غسل كفيه، ثم أكل، وفي لفظ: غسل كفّيه، ومضمض فاه، وفي لفظ للنسائي: وإذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه، ثم يأكل أو يشرب.
٩٣ - حدثنا محمد بن عمر بن هياج، ثنا إسماعيل بن صبيح، أنبأنا أبو أويس، عن شرحبيل بن سعد، عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله ﷺ عن الجنب: هل ينام أو يأكل أو يشرب؟ قال: نعم، إذا توضأ وضوءه للصلاة.
هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه، وفي الباب أحاديث منها: حديث عبد الله بن مالك الغافقي قال: أكل النبي ﷺ يوما طعاما، ثم قال: استر علي حتى أغتسل، فقلت له: أنت جنب؟ قال: نعم، فأخبرت بذلك عمر بن الخطاب، فخرج إلى النبي ﷺ ، فقال: إنّ هذا يزعم أنك أكلت وأنت جنب، قال: نعم، إذا توضأت أكلت وشربت، ولا أقرأ حتى أغتسل.
وفي لفظ: ولا أصلي حتى أغتسل.
رواه الدارقطني عن ابن مخلد، ثنا الصاغاني، ثنا أبو الأسود، ثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان عنه.
وحديث بشير بن نهيك، عن أبي هريرة: كان النبي ﷺ إذا كان جنبا، وأراد أن
стр. 855
يأكل أو ينام توضأ.
ذكره أبو القاسم في الأوسط، وقال: لم يروه عن قتادة عن بشير إلا شعبة، ولا عن شعبة إلا حجاج.
تفرد به إسحاق بن إبراهيم القرقساني.
وحديث عمار بن ياسر مرفوعا: رخص النبي ﷺ للجنب إذا أراد أن ينام، أو يأكل، أو يشرب أن يتوضأ وضوءه للصلاة، ذكره ابن أبي شيبة، وقد تقدّم ذكره، قال أبو بكر بن المنذر: وممن قال هذا الحديث: علي، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وروينا عن ابن عمر قولا ثانيا، وهو أنه يتوضأ وضوءه للصلاة إلا غسل القدمين.
وقال مجاهد والزهري: يغسل كفيه ويمضمض، ثم يأكل.
وقال مالك: يغسل يديه إذا كان الأذى قد أصابهما.
وقال أحمد وإسحاق: يغسل يديه وفاه.
وقال أصحاب الرأي: يغسل يديه ويمضمض، ثم يأكل، ولا يضره.
قال أبو بكر: إذا أراد أن يطعم توضأ، فإن اقتصر على غسل فرجه، ومضمض كفاهُ، زاد ابن أبي شيبة، وعائشة، وأبو الضحى، وشداد بن أوس، وقال: إنه نصف الجنابة، وابن سيرين، ومحمد بن علي، والنخعي، وأما قول ابن المنذر، عن مجاهد، والزهري: يغسل كفيّه، ويمضمض، فلعله في رواية عنهما، وإلا ففي المصنف بسند صحيح: ثنا وكيع، عن سفيان، عن زبيد، عن مجاهد في الجنب يأكل؟ قال: يغسل يديه، ويأكل، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن الزهري قال: الجنب إذا أراد أن يأكل غسل يديه.
وأما سعيد بن المسيب فإنه قال: إن شاء الجنب نام قبل أن يتوضأ.
وقال إبراهيم في رواية مغيرة عنه: يشرب الجنب قبل أن يتوضأ.
стр. 856
باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة
٩٤ - حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلمة قال: دخلت على علي بن أبي طالب ﵁ فقال: كان رسول الله ﷺ يأتي الخلاء، فيقضي الحاجة، ثم يخرج، فيأكل معنا الخبز واللحم، ويقرأ القرآن، ولا يحجبه - وربما قال: لا يحجزه - عن القرآن شيء إلا الجنابة.
هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه، فأما أبو داود فإنه سكت عنه، لما رواه مطولا بلفظ: دخلت على علي، أنا ورجلان، رجل منّا، ورجل من بني أسد أحسب، فبعثهما علي وجها، وقال: إنكما علجان، فعالجا عن دينكما، ثم قام، فدخل المخرج، ثم خرج، فدعا بماء، فأخذ منه حفنة، فتمسح بها، ثم جعل يقرأ القرآن، فأنكروا ذلك، فقال الحديث، ولما خرجه أبو عيسى قال فيه: حسن صحيح، وخرجه في الصحيح أبو بكر بن خزيمة، وابن الجارود في منتقاه، وأبو حاتم البستي، وقال أبو عبد الله بن البيع: هذا الحديث صحيح الإسناد، والشيخان لم يحتجا بعبد الله بن سلمة، ومدار الحديث عليه، وهو غير مطعون فيه، وقال البغوي في شرح السنة: هذا حديث صحيح، وفي الكامل: قال سفيان: قال شعبة: لم يرو عمرو أحسن من هذا الحديث، وقال شعبة: لا أروي أحسن منه عن عمرو، وكان شعبة يقول: هذا ثلث رأس مالي، وقد روى ابن سلمة عن علي
стр. 857
وحذيفة وغيرهما غير هذا الحديث، وأرجو أنه لا بأس به، وفي سؤالات الميموني لأحمد: قال شعبة: لست أحدث بحديث أجود من ذا، وفي فوائد ابن صخر: ورواه عن طريق يحيى بن أبي بكير، عن أبي جعفر الرازي، عن الأعمش، عن عمرو، عن أبي البختري، عن علي قال ﷺ : اقرأ القرآن على كل حال، ما لم تكن جنبا.
هذا حديث غريب جدا، إن كان محفوظا، لم يروه غير يحيى عن أبي جعفر، والمشهور عن الأعمش وغيره عن عمرو عن ابن سلمة، وصححه أبو محمد الإشبيلي، وقال أبو علي الطوسي: يقال: حديث علي حديث حسن صحيح.
وقال أبو الحسن: رواه أبو جعفر الرازي، وجنادة، ومحمد بن فضيل، عن الأعمش، عن عمرو، عن أبي البختري، عن علي، إلا أن ابن فضيل وقفه، والآخران رفعاه، وخالفهم أبو الأحوص، فقال: عن الأعمش، عن عمرو بن علي مرسلا موقوفا، ورواه ابن أبي ليلى، عن عمرو على الصواب عن ابن سلمة، ورواه جماعة من الثقات عن ابن أبي ليلى كذلك، وخالفهم يحيى بن عيسى الرملي، فرواه عنه، عن سلمة بن كهيل، عن ابن سلمة، ووهم، والصواب عن عمرو بن مرّة، والقول قول من قال: عمرو عن ابن سلمة عن علي. انتهى كلامه.
وفيه رد لما ذكره الحاكم فيما أسلفناه، ولما في الكامل: ثنا ابن أبي عصمة، ثنا أبو طالب، قال أحمد لم يرو أحد: لا يقرأ الجنب.
غير شعبة، عن عمرو، عن ابن سلمة، عن علي، ولما ذكره أيضا البزار إثر حديث ابن سلمة: لا يروى عن علي إلا من حديث عمرو عن ابن سلمة، وكذا ما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث النعمان بن راشد، عن أبي إسحاق
стр. 858
عن الحارث، عن علي: نهاني النبي ﷺ عن القراءة وأنا جنب، ولا أقول: نهاكم، وقال: لم يروه عن النعمان إلا أبو الجراح.
تفرد به رباح بن زيد، وقال ابن أبي داود في سننه: هذه سنة تفرد بها أهل الكوفة.
وأما المضعّفون: فالإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵁، فإنه كان يوهن حديث علي هذا، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة، ذكره عنه الخطابي، وقال الشّافعي: وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه.
قال البيهقي: وإنما توقف الشافعي في ثبوته؛ لأنّ مداره على ابن سلمة، وكان قد كبر، وأنكر من حديثه، وعقله بعض النكرة، وإنّما روى هذا الحديث بعد ما كبر، قاله شعبة، وفي تاريخ الجعفي الكبير عن عمرو بن مرة قال: كان عبد الله - يعني: ابن سلمة - يحدثنا، فنعرف، وننكر، وكان قد كبر، لا يتابع في حديثه، وفي الأوسط: سألت أحمد: ابن سلمة من روى عنه غير عمرو؟ فقال: روى عنه أبو إسحاق الهمداني.
قوله: وفي لفظ: لا أعرف روى عنه غيرهما، وقال ابن نمير: هذا ليس هو ذاك صاحب عمرو بن مرة، لم يرو عنه إلا عمرو، والذي قال ابن معين أصح من الذي قال: أبو إسحاق هو الهمداني، والذي روى عنه عمرو بن مرّة هو من رهط عمرو بن مرة الجملي المرادي، ويقال: الجهني، وقد روى أبو إسحاق، عن عبد الله بن سلمة أبي العالية الهمداني، وقال بعض الكوفيين: هذا غير الذي روى عنه عمرو بن
стр. 859
مرة، وبمثله قاله يحيى بن معين، وأبو نصر ابن ماكولا، وأبو الحسن في كتاب المختلف والمؤتلف، قرأت على المسند المعمر محمد بن عبد الحميد أخبركم أبو الحسن بن عبد الواحد، أنبأنا ابن طبرزد، أنبأنا أبو البركات، أنبأنا أبو القاسم بن حبابة، أنبأنا أبو القاسم بن بنت منيع، أنبأنا علي، ثنا أبو داود قال: كان شعبة يقول: هو ذا أنزعه من عنقي، وأضعه في أعناقكم، قد سمعت عمرا يقول: كان ابن سلمة قد كبر، فكان يحدثنا، فنعرف، وننكر، وأشار أبو محمد الفارسي إلى ضعف هذا الحديث.
وقال أبو حاتم: في كتاب الثقات - وذكر ابن سلمة -: كان يخطئ، وقال أبو عبد الرحمن: نعرف وننكر.
وقال الساجي: كان يهم، ولقائل أن يقول في هذا الكلام ردّ على الحاكم لزعمه ألا طعن فيه، ويجاب بأن الحاكم أراد طعنا موجبا لردّ حديثه، وأمّا الخرف فذا لا طعن، والله أعلم.
ولولا قول من قال: أنّ عمرا أخذ عنه هذا الحديث بعد الكبر لكان قول من صحح على قول المضعف أرجح، ويؤيده ما رواه الدارقطني موقوفا من حديث أبي الغريف قال: كنّا مع عليّ في الرحبة، فخرج إلى أقصى الرحبة، فوالله ما أدري أبولا أحدث أم غائطا، ثم جاء، فدعا بكوز من ماء، فغسل كفيه، ثم قبضهما إليه، ثم قرأ صدرا من القرآن، ثم قال: اقرءوا القرآن ما لم يصب أحدكم جنابة، فإن
стр. 860
أصابته جنابة فلا ولا حرفا.
رواه عن أبي بكر النيسابوري، وأبي علي الصفّار، ثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي، ثنا يزيد بن هارون، ثنا عامر بن السمط، ثنا أبو الغريف به.
وفي سنن البيهقي من حديث عاصم البجلي عن أبي داود الطهوي عن عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، عن أبي عبد الرحمن: سئل علي عن الجنب يقرأ؟ قال: لا، ولا حرف.
فهذا مما يؤكد قول من صحح الحديث، ويدلّ أن له أصلا عن عليّ، والله تعالى أعلم.
قال البستي: وقد توهم غير المتبحِّر في الحديث أنّ حديث عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه يعارض هذا، وليس كذلك؛ لأنها أرادت الذكر الذي هو غير القرآن، إذ القرآن يجوز أن يُسمى ذكرا، وكان لا يقرؤه وهو جنب، ويقرأه في سائر الأحوال، انتهى الذي قاله تفقها.
وقع لنا في حديث عائشة ما رواه وكيع عن سفيان عن هشام عن أبيه عنها أن النبي ﷺ قال: لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن.
رواه أبو عبد الله في تاريخه عن أحمد بن هارون الفقيه، ثنا جعفر بن سهل، ثنا الحسين بن يونس، ثنا وكيع به، وقال ابن حزم: وحديث علي لها حجة فيه لمن منع الجنب من القراءة؛ لأنه ليس فيه نهي عن القراءة، وإنما هو فعل منه، لا يلزم، ولا بيّن ﷺ أنه إنما يمتنع من ذلك لأجل الجنابة، وقال: جاءت آثار في نهي الجنب ومن ليس على طهر عن أن يقرأ شيئا من القرآن، ولا يصح منها شيء، ولو صحت
стр. 861
كانت حجة على من يبيح له قراءة الآية التامة - يعني: مالكا - أو بعض الآية - يعني: أبا حنيفة - لأنها كلها نهي عن القراءة للجنب جملة.
٩٥ - حدثنا هشام بن عمار، ثنا إسماعيل بن عياش، ثنا موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : لا يقرأ القرآن الجنب والحائض.
هذا حديث إسناده ضعيف لما أسلفناه في إسماعيل، لا سيّما وروايته هنا عن المدنيين.
٩٦ - ورواه أبو الحسن القطان عن أبيِ حاتم، ثنا هشام به، زاد: لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن.
وقال أبو عيسى: لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، وسمعت محمدا يقول: أن إسماعيل يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير، كأنه ضعف روايته عنهم، فيما ينفرد به، وقال في العلل: قال محمد: لا أعرفه من حديث ابن عقبة، وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن موسى بن عقبة إلا ابن عياش، ولا نعلم يروى عن ابن عمر من وجه إلا من هذا الوجه، ولا يروى عن النبي ﷺ في الحائض إلا من هذا الوجه، وفي علل الرازي: سمعت أبي وذكره يعني هذا الحديث، فقال: هذا خطأ، إنما هو عن ابن عمر قوله، وفي كتاب المعرفة: وهذا حديث تفرد به إسماعيل، وروايته عن أهل الحجاز ضعيفة، لا يحتج بها أهل العلم بالحديث.
وفي السنن الكبير: رواه غيره عن موسى بن عقبة ولا يصح، وفيه ردّ لما قاله
стр. 862
في المعرفة قبل، وفي موضع آخر: ليس هذا بالقوي، وفي كتاب الخلال عن عبد الله، وذكر هذا الحديث، قال أبي: هذا باطل أنكر على إسماعيل - يعني: أنه وهم من إسماعيل -، ولما رواه أبو أحمد من حديث أبي إسحاق إبراهيم بن العلاء الزبيدي الحمصي عرف بابن زبريق، عن ابن عياش، عن عبيد الله - يعني: العمري - وموسى بن عقبة قال: ليس لهذا الحديث أصل من حديث عبيد الله. انتهى كلامه.
وفيه نظر من حيث إن سعيد بن يعقوب الطالقاني يعني الموثق عند أبي حاتم وغيره رواه عن ابن عياش كرواية إبراهيم ابن العلاء فيما ذكره أبو بكر في الخلافيات، ورواه أبو الحسن في سننه عن إبراهيم بن محمد، ثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم الثقفي، ثنا سعيد به، ثم قال: تابعه إبراهيم بن العلاء عن إسماعيل، وأمّا قول من قال: لا يروى عن موسى إلا من حديث إسماعيل، ولا يروى عن ابن عمر إلا من هذا الوجه، ففيه نظر؛ لما ذكره الدارقطني في كتاب السنن: ثنا محمد بن حمدويه المروزي، ثنا عبد الله بن حماد الآملي، ثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثني المغيرة بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال ﷺ : لا يقرأ الجنب شيئا من القرآن.
، ثنا محمد بن مخلد، ثنا محمد بن إسماعيل الحساني، عن رجل عن أبي معشر، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : إن الحائض والجنب لا يقرآن من القرآن شيئا.
وقال ابن عبد الواحد: روى بعض الحفاظ هذا الحديث من غير طريق إسماعيل بإسناد لا بأس به، وكأنه - والله أعلم - يريد طريق المغيرة المذكورة آنفا، وأبى ذلك عبد الحق والبيهقي بقولهما: روي عن غيره، ولا يصح، وأمّا
стр. 863
قول البزار: ولا يروى عن النبي ﷺ في الحائض إلا من هذا الوجه، ففيه نظر؛ لما أسلفناه من حديث عائشة قبل، والله أعلم، ولم نذكره من حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: لا يقرأ الحيض ولا الجنب ولا النفساء من القرآن شيئا.
رواه الدارقطني عن أحمد بن محمد أبي سهل، أنبأنا أحمد بن علي الأبار، ثنا أبو الشعثاء علي بن الحسن الواسطي، ثنا سليمان أبو خالد، عن يحيى، عن أبي الزبير عنه، وفيه ردّ لما ذكره أبو أحمد: هذا تفرد به محمد بن الفضل بن عطية، وهو متروك عند الجميع، والله أعلم.
وفي هذا الباب، والذي قبله أحاديث منها: حديث عبد الله بن رواحة، وكان مضطجعا إلى جنب امرأته، فقام إلى جارية في ناحية الحجرة، فوقع عليها، وفرغت امرأته، فلم تجده في مضجعه، فقامت فخرجت، فرأته على جاريته، فرجعت إلى البيت، فأخذت الشفرة، ثم خرجت، وفزع فقام فلقيها تحمل الشفرة، قال: وأين رأيتني؟ قالت: رأيتك على الجارية، فقال: ما رأيتني، وقال: قد نهانا رسول الله ﷺ أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب، قالت: فاقرأ، فقال:
أتانا رسول الله يتلو كتابه … كما لاح مشهور من الفجر ساطع
أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا … به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه … إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
فقالت: آمنت بالله، وكذبت البصر، ثم غدا على رسول الله ﷺ فأخبره، فضحك حتى بدت نواجذه.
رواه الدارقطني عن ابن مخلد، ثنا العباس بن محمد الدوري، ثنا إبراهيم بن دبيس بن أحمد الحداد، ثنا محمد بن سليمان الواسطي، ثنا أبو نعيم، نا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة قال: كان ابن رواحة فذكره، وثنا ابن مخلد، ثنا الهيثم بن
стр. 864
خلف، ثنا ابن عمار الموصلي، ثنا عمرو بن رزيق، عن زمعة، عن سلمة، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر نحوه، هذا متصل، لولا ضعف زمعة لكان إسناده لا بأس به، على أنّ ابن معين قال فيه: صويلح، ومن هذه الطريق ذكره ابن زكريا في طبقات الموصل، وقال البيهقي: وروي عن ابن عياش، عن زمعة كذلك موصولا، وليس بالقوي.
قال: وعن عكرمة، عن ابن رواحة، وليس بالقوي، وقال عبد الحق: ولا يروى من وجه صحيح يحتج به؛ لأنه منقطع وضعيف، وفي الاستيعاب: أنشدها حين قالت له: إن الجنب لا يقرأ القرآن، فاقرأ:
شهدت بأن وعد الله حق … وأنّ النّار مثوى الكافرينا
وأنّ العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش رب العالمينا
فقالت له: صدق الله، وكذبت عيني، وكانت لا تحفظ القرآن، قال أبو عمر: روينا هذه القصة من وجوه صحاح، زاد غيره:
وتحمله ملائكة غلاظ … ملائكة الإله مسومينا
وحديث عبد الله بن مالك الغافقي المذكور قبل قال: أكل النبي ﷺ يوما طعاما، ثم قال لي: استر علي، فاغتسل، فقلت له: أكنت جنبا يا رسول الله؟ قال: نعم، فأخبرت بذلك عمر، فجاء، فقال للنبي ﷺ : إن هذا زعم أنك أكلت وأنت جنب؟ قال: نعم، إذا توضأت أكلت وشربت، ولا أصلي ولا أقرأ القرآن حتى أغتسل.
رواه البيهقي من حديث محمد بن عمر، عن عبد الله بن سليمان بن أبي سلمة
стр. 865
عن ثعلبة بن أبي الكنود، عن عبد الله بن مالك به، ثم قال: تابعه ابن لهيعة عن عبد الله بن سليمان.
وحديث ابن لهيعة المشار إليه خرجه الطبراني في الكبير، وابن قانع في معجمه، وعبد الله بن وهب في مسنده.
وفي كتاب البيهقي من حديث الأعمش، عن شقيق، عن عبيدة قال: كان عمر يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب قال: وهو إسناد صحيح في الخلافيات، ومن حديث شعبة عن الحكم عن إبراهيم: أن عمر كان يكره أن يقرأ الجنب.
قال شعبة: وحديث في صحيفتي: والحائض.
وحديث أبي موسى الأشعري قال رسول الله ﷺ : يا علي إني أرضى لك ما أرضاه لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقرأ القرآن وأنت جنب، ولا أنت راكع، ولا أنت ساجد، ولا تصل وأنت عاقص شعرك، ولا تذبح تذبيح الحمار.
رواه الدارقطني من حديث أبي مالك النخعي عبد الملك بن حسين أخبرني عاصم بن كليب الجرمي عن أبي بردة عن أبي موسى.
وحديث علقمة قال: كنا مع سلمان الخير ﵁ في سفر، فقضى حاجته، فقلنا له: توضأ حتى نسألك عن آية من القرآن، فقال: سلوني، إني لست أمسه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ فقرأ علينا ما أردنا.
خرجه أبو عبد الله في
стр. 866
مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه لتوقيفه، وقد رواه أيضا جماعة من الثقات، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، وذكر ابن الجوزي أن بعضهم رفعه، ولا يصح.
وحديث أنس قال: خرج عمر متقلدا السيف، فقيل له: إن ختنك أو أختك قد صبوا، فأتاهما عمر، وعندهما رجل من المهاجرين، يقال له: خباب، وكانوا يقرءون سورة طه، فقال: أعطوني الكتاب الذي عندكم، فأقرأه، وكان عمر يقرأ الكتب، فقالت له أخته: إنك نجس ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ، فقام عمر وتوضأ، ثم أخذ الكتاب، فقرأ طه.
ذكره ابن سعد في الطبقات عن إسحاق الأزرق، ورواه الدارقطني عن محمد بن عبد الله بن غيلان، ثنا الحسن بن الجنيد، وثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمي، ثنا ابن المنادي قالا: ثنا إسحاق الأزرق، ثنا القاسم بن عثمان البصري، عن أنس به.
ولما ذكره أبو زيد السهيلي في روضه أشار إلى أنه من أحاديث السير.
وقال القشيري: وذكر ابن إسحاق في قصة إسلام عمر بن الخطاب أن أخته قالت له: إنك جنب ولا يمسه إلا المطهرون، وهو هكذا معضل، وأظنّه في ذلك تبع ابن عبد البر، كأنما لم ينظرا كتاب أبي الحسن، وابن سعد بقصة اغتساله، وكونه بسند صحيح؛ لأنّ ابن عثمان وثّقه أبو حاتم، وباقي من فيه لا يسأل عنه، وفي كتاب المعانقة لمرتضى بن حاتم: ثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن
стр. 867
حصين مشافهة قال: أذن لي أبو الفتح محمد بن عبد الله عرف بابن النحاس أنبأنا أبو الفرج أحمد بن محمد بن أبي ذهبة، ثنا أبو الحسين محمد بن الحسين ابن الترجمان، ثنا أبو بكر محمد بن بكران، ثنا يحيى بن عبيد الله، ثنا الفضل بن عبيد الله الهاشمي، ثنا يوسف بن محمد البغدادي، ثنا أبو عبد الله محمد بن عبيدة بن حزور، حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الملك الأسدي، ثنا هص بن سلام، ثنا محمد بن سيرين، ومحمد بن كعب القرظي، ثنا أبو العباس عبد الله بن العباس، وذكر إسلام عمر مطولا، وفي كتاب الدلائل للبيهقي من حديث أسامة بن زيد عن أبيه عن جدّه أسلم قال: قال لنا عمر: أتحبون أن أعلمكم كيف كان بدو إسلامي؟ الحديث، رواه عن الحمامي، ثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، ثنا محمد بن أحمد بن برد، ثنا إسحاق الحنيني قال: ذكره أسامة أنّ الصحيفة كان فيها: سبح لله ما في السموات وما في الأرض، وقد استوفينا ذلك في كتابنا المسمى بالزهر الباسم في سير أبي القاسم ﷺ .
وحديث حكيم بن حزام قال: لما بعثني النبي ﷺ إلى اليمن قال: لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر.
رواه أبو القاسم في الكبير عن بكر بن مقبل، ثنا إسماعيل بن إبراهيم صاحب القوهي، سمعت أبي، ثنا سويد أبو حاتم، ثنا مطر الوراق، عن حسان بن بلال عنه.
ولما خرجه أبو الحسن قال: قال لنا ابن مخلد: سمعت جعفرا يقول: سمع
стр. 868
حسان من عائشة، وعمار، قيل له: سمع مطر من حسان؟ فقال: نعم.
وحديث ثوبان قال رسول الله ﷺ : لا يمس القرآن إلا طاهر، والعمرة الحج الأصغر، وعمرة خير من الدنيا وما فيها.
ذكره ابن القطان من رواية علي بن عبد العزيز، ثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا مسعدة البصري، عن خصيب بن جحدر، عن النضر بن شفي، عن أبي أسماء الرحبي عنه قال: وهو إسناد في غاية الضعف.
وحديث ابن عمر قال رسول الله ﷺ : لا يمس القرآن إلا طاهر.
رواه أبو الحسن عن الحسين بن إسماعيل، ثنا سعيد بن محمد بن ثواب، ثنا أبو عاصم، ثنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى قال: سمعت سالما يحدث عن أبيه فذكره، وهو سند صحيح، وذلك أن أبا الحسن ذكر حديثا من رواية سعيد هذا في كتاب الصيام، وقال: إسناده صحيح، وذكر الخطيب أنه روى عنه إسماعيل بن الفضل البلخي، ابن ياسين، وابن صاعد، ومحمد بن أحمد البوراني، ولما ذكره الجوزقاني في كتابه قال: هذا حديث مشهور حسن، وقال الطبراني في الصغير: لم يروه عن سليمان بن موسى إلا ابن جريج، ولا عنه إلا أبو عاصم.
تفرد به سعيد، والله أعلم.
وحديث أبي بكر إسحاق الحنيني، قال: ذكره أسامة عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا، فكان فيه: لا يمس القرآن إلا طاهرا.
رواه
стр. 869
الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري، ثنا محمد بن يحيى، وثنا الحسن بن إسماعيل، ثنا إبراهيم بن هانئ، ثنا الحكم بن موسى، ثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، حدثني الزهري عن أبي بكر، ومن هذه الطريق خرّجه الطبراني، وابن عبد البر، والبيهقي في شعب الإيمان، وفي الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر أن في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ لعمرو بن حزم: ألا يمس القرآن إلا طاهر.
ورواه أبو الحسن في الغرائب من جهة إسحاق الطباع، ومبشر بن إسماعيل، عن مالك مسندا، ورواه في الخلافيات عن أبي بكر بن الحارث، عن ابن حيان، عن محمد بن سهل، عن أبي مسعود، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن جده قال: كذا في كتابي: عن جده، ولم يذكره غيره عن عبد الرزاق، ومن حديث إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أبي عبد الله ومحمد ابني أبي بكر يخبرانه عن أبيهما عن جدهما عن النبي ﷺ ، فذكره.
وهو حديث لو صحح إسناده لكان بذلك جديرا؛ فإن سليمان بن داود هو أبو داود الخولاني الدمشقي حاجب عمر بن عبد العزيز، وكان متقدما عنده، قال ابن حبان: كان ثقة مأمونا، وقال الدارقطني: لا بأس به، وقال البيهقي: أثنى عليه أبو زرعة، وأبو حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ، وأبو بكر معروف بالسماع من أبيه، وأبوه محمد معروف بالسماع من عمرو، وذكره بعضهم في الصحابة لمولده سنة عشر، ويفهم من حمل قوله: عن جده أنه هو، فإن كان صحيحا فيكون فيه شائبة الاتصالِ، ومنهم من حمله على جده الأعلى، وهو الصحيح؛ لأنّ في الحديث كان فما أخذ عليه رسول الله ﷺ . . . الحديث، والله أعلم.
стр. 870
وحديث إسحاق بن عيسى الطباع يعضده، وإسناده أيضا صحيح، لتخريج مسلم حديثه، ولمتابعة مبشر له، ويزيد ذلك وضوحا قول عبد الله بن محمد بن عبد العزيز: سمعت أبا عبد الله، وسئل عن حديث الصدقات أصحيح هو؟ قال: أرجو أن يكون صحيحا، وقال أبو عمر بن عبد البر: كتاب عمرو بن حزم كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغني بشهرتها عن الإسناد فيه؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة، وما فيه متفق عليه إلا قليلا.
ومما يدل على شهرة كتاب عمرو وصحته ما ذكره ابن وهب عن مالك، والليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: وجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه من رسول الله ﷺ فيه: وفيما هنالك من الأصابع عشر عشر، فصار القضاء في الأصابع إلى عشر عشر.
وقال أبو أحمد: وأما حديث الصدقات فله أصل في بعض ما رواه معمر عن الزهري عن أبي بكر، وأفسد إسناده، وحديث سليمان بن داود مجود الإسناد.
وقال البيهقي: والحديث الذي رواه - يعني: سليمان - في الصدقات موصول الإسناد حسن، وقال السهيلي: قد أسند من طرق حسان، أقواها رواية أبي داود عن الزهري، وأبي ذلك جماعة من الحفاظ، قال الدارقطني: فإنه لما ذكر حديث سليمان، عن الزهري قال: لا يثبت عنه، وقال غير الحكم بن موسى: إنه سليمان بن أرقم، ولما روى النسائي هذا الحديث من طريق يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، ثم رواه من حديث يحيى، عن سليمان بن أرقم قال: هذا أشبه بالصواب.
وإن كان ما قالوه عن سليمان صحيح فطريق إسحاق يقضي على قولهم، ويوهنه، والله أعلم.
وحديث معاذ بن جبل قال: قلنا: يا رسول الله، أيمس القرآن من غير وضوء؟ قال: نعم، إلا أن يكون على الجنابة. قال: قلت يا رسول الله، فقوله: لا يمسه إلا المطهرون.
قال: يعني: لا يمس ثوابه إلا المؤمنون، قال: قلنا: فقوله: كتاب مكنون؟ قال: مكنون من الشرك، ومن الشياطين.
ذكره أبو أحمد بن عدي من حديث إسماعيل بن زياد الموصلي، ويقال: ابن أبي زياد، قال: وهو منكر الحديث، وعامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد.
وقال الجوزقاني: هذا حديث باطل، لا أصل له.
وذكره ابن الجوزي في كتاب الموضوعات وقال: لا بارك الله فيمن وضعها، ما
стр. 871
أقبح هذا الوضع.
وحديث عثمان بن أبي العاص قال: كان فيما عهد إلي رسول الله ﷺ : ألا تمس المصحف وأنت غير طاهر.
ذكره ابن أبي داود في كتابه عن أحمد بن الحباب الحميري، ثنا أبو صالح الحكم بن المبارك الخاشتي، ثنا محمد بن راشد، عن إسماعيل المكي، عن القاسم بن أبي بزة عنه، ومحمد بن راشد وشيخه هو: إسماعيل المكي متكلم فيهما.
قال أبو محمد الفارسي: وقراءة القرآن والسجود فيه، ومس المصحف، وذكر الله جائز كل ذلك بوضوء، وبلا وضوء، وللجنب والحائض، برهان ذلك أن هذه أفعال خير مندوب إليها، مأجور فاعلها، فمن ادعى المنع منها في بعض الأحوال كلف أن يأتي بالبرهان، وهو قول ربيعة، وابن المسيب، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وقول داود وجمع أصحابنا.
وأما مس المصحف فإن الآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه، فإنه لا يصح منها شيء؛ لأنها إما مرسلة وإما صحيفة لا تسند، وإما عن مجهول، وإما عن ضعيف، والصحيح حديث ابن عباس، عن أبي سفيان أنه كان عند هرقل، فجيء بكتاب النبي ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل، فقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فإن عليكم إثم الأريثيين، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
فهذا النبي ﷺ قد بعث كتاب فيه قرآن إلى النصارى، وقد أيقن أنهم يمسون ذلك الكتاب، فإن ذكروا حديث ابن عمر: كان نبي الله ﷺ ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو، فهذا حق يلزم اتباعه وليس فيه أن لا يمس
стр. 872
المصحف جنب ولا كافر، وإنما فيه أن لا ينال أهل الحرب القرآن فقط، فإن قالوا: إنما بعث النبي ﷺ إلى هرقل بآية واحدة، قيل لهم: ولم يمنع ﵇ من غيرها، وأنتم أهل قياس، فإن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها، فإن ذكروا قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، فلا حجة فيه؛ لأنه ليس أمرا، وإنما هو خبر، والرب تعالى لا يقول إلا حقا، ولا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلا بنص جلي، أو إجماع متيقن، فلما رأينا المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر علمنا أنه لم يعِنِ المصحف، وإنما عنى كتابا آخر، وكما جاء عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال: الملائكة الذين في السماء، وكان علقمة إذا أراد أن يتخذ مصحفا أمر نصرانيا، فنسخه له، وقال أبو حنيفة: لا بأس أن يحمل الجنب المصحف بعلاقته، وغير المتوضئ عندهم كذلك، وأبى ذلك مالك إلا إن كان في خرج أو تابوت، قال: فلا بأس أن يحمله اليهودي، والنصراني، والجنب، وغير الطاهر.
قال أبو محمد: وهذه تفاريق لا دليل على صحتها، والله أعلم.
وقد أسلفنا ما يرد هذا القول، وأن المرسل أسند، والضعيف قوي، والحمد لله وحده.
وفي المحيط: يكره للجنب مس كتب التفسير، والسنن، والفقه، لعدم خلوها عن آيات من القرآن، وفي فتاوى السمرقندي: يكره للجنب والحائض أن يكتبا كتابا فيه آية، لأنه مس القرآن.
وفي مسند الدارمي: أنبأنا عبيد الله بن موسى، وأبو نعيم قالا: حدثنا ابن عمر، عن ابن أبي مليكة أن عائشة ﵂: كانت ترقي أسماء، وهي عارك، وفي تفسير عبد بن حميد، ثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، قال: الملائكة هم
стр. 873
المطهرون من الذنوب، ثنا يونس، عن شيبان، عن قتادة: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، قال: ذاكم عند رب العالمين، لا يمسه إلا المطهرون الملائكة، فأما عندكم فيمسه المشرك والنجس، والمنافق الرجس، وفي الروض: المطهرون في هذه الآية هم الملائكة، وهو قول مالك في الموطأ، واحتج بالآية الأخرى التي في سورة عبس، ولكنهم وإن كانوا الملائكة ففي وصفهم بالطهارة مقرونا بذكر المس يقتضي ألا يمسه إلا طاهر، اقتداء بالملائكة المطهرين، فقد تعلق الحكم بصفة التطهر، ولكنّه حكم مندوب إليه، وليس محمولا على الفرض، وكذلك ما كتب به النبي ﷺ لعمرو بن حزم ليس على الفرض أيضا، وإن كان الفرض فيه أولى منه في الآية؛ لأنه جاء بلفظ النهي، عن مسه على غير طهارة، ولكنه في كتابه إلى هرقل دليل على ما قلناه، وقد خالف أبو ثور وطائفة ممن سلف منهم ابن عيينة وابن أبي سليمان إلى إباحة مسه على غير طهارة، ومما يقوي أن المطهرين في الآية هم الملائكة أنه لم يقل: المتطهرون، إنما قال: المطهرون، وفرق ما بين المتطهر والمطهر، وذلك أن المتطهر: من فعل الطهور، وأدخل نفسه فيه، كالمتفقه الذي يدخل نفسه في الفقه، وكذلك المتفعل في أكثر الكلام، أنشد سيبويه:
وقيس بن عيلان ومن تقيسا
.
فالآدميون متطهرون إذا تطهروا، والملائكة مطهرون خلقة، والآدميات إذا طهرن متطهرات، قال تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، والحور العين مطهرات قال تعالى: ﴿فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ وهذا فرق بيّن، والمصطفي ﷺ متطهر ومطهر، ولله الحمد والمنة.
قال ابن المنذر: ورخص بعض من كان في عصرنا للجنب والحائض في مسّ المصحف، والدنانير، والدراهم التي فيها ذكر الله تعالى، قال: ثبت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 874
قال: المؤمن لا ينجس.
وفي كتاب المعرفة: قال مجاهد وأنس بن مالك: المطهرون: الملائكة.
وقال أبو عبد الله الحليمي: إنما وصلت الملائكة إلى مسّ ذلك الكتاب؛ لأنهم مطهرون، والمطهر: هو الميسّر للعبادة والمرضي لها، فثبت أن المطهر من الناس هو الذي ينبغي له أن يمس المصحف، والمحدث ليس كذلك؛ لأنه ممنوع من الصلاة والطواف، والجنب والحائض ممنوعان منهما، ومن قراءة القرآن؛ فلم يكن لهم حمْل المصحف ولا مسّه، وفي شرح السنة قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم: لا يجوز للجنب ولا للحائض قراءة القرآن، وهو قول الحسن، وبه قال سفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وجوّز عكرمة للجنب قراءة القرآن، وجوّز مالك للحائض قراءة القرآن، لأنّ زمن حيضها قد يطول، فتنسى القرآن.
وقال مالك: لا يحمل المحدث المصحف بعلاقته، ولا على وسادة إلا وهو طاهر، وجوز الحكم، وحماد، وأبو حنيفة حمله ومسه، وقال أبو حنيفة: لا يمس الموضع المكتوب.
وكان أبو وائل يرسل جاريته وهي حائض إلى بيت أبي رزين لتأتيه بالمصحف، فتمسكه بعلاقته، وكذلك رأى الشعبي.
والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
стр. 875
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب تحت كل شعرة جنابة
١ - حدثنا نصر بن علي الجهضمي، ثنا الحارث بن وجيه، ثنا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : إنّ تحت كل شعرة جنابة، واغسلوا الشعر، وأنقوا البشر.
هذا حديث لما رواه أبو داود أتبعه: الحارث حديثه منكر، وهو ضعيف، كذا في كتاب اللؤلؤي، وابن العبد، وعند ابن داسة: هذا الحديث ضعيف، وقال أبو عيسى: حديث الحارث بن وجيه غريب، لا نعرفه إلا من حديثه.
وهو شيخ ليس بذاك، وقد روى عنه غير واحد من الأئمة، وقد تفرّد بهذا الحارث عن مالك بن دينار، وقال الدارقطني: غريب من حديث ابن سيرين عن أبي هريرة، تفرد به مالك بن دينار، وقال في كتاب العلل: وغير الحارث يرويه عن مالك عن الحسن مُرسلا.
ورواه أبان العطار، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة قوله، ولا يصح مسندًا والحارث ضعيف.
وقال البغوي في شرح السنة: هذا حديث غريب الإسناد.
стр. 876
وقال ابن حزم: هذا خبر لا يصح.
ولما ذكره أبو الفرج في كتاب العلل قال: إنّما يروى عن أبي هريرة موقوفا.
وفي كتاب المعرفة لأبي بكر: وأما ما روي تحت كل شعرة جنابة، فقد حمله الشافعي في القديم على ما ظهر دون ما بطن من داخل الأنف والفم، وضعّف الحديث في حكاية بعض أصحابنا عنه، وزعم أنه ليس بثابت، وهو كما قال: وقد أنكره البخاري.
قال البيهقي: وإنما يروى هذا المتن عن الحسن مرسلا.
وعنه عن أبي هريرة موقوفا، وسماعه من أبي هريرة لا يثبت.
وقال في الكبير: تفرد به الحارث، وقد تكلموا فيه، وقال في الخلافيات: وهذا المتن إنما يروى عن إبراهيم، قال: كان يقال: وقد كتبناه من حديث عائشة، وأنس مرفوعا بإسنادين لا يساويان ذكرهما، ضعيفان.
وحديث أبي هريرة ليس بثابت، وفي علل الخلال قال أبو عبد الله: الحارث بن وجيه لا أعرفه، وهذا حديث منكر، إنّما يروى عن الحسن مرسلا، وأما من حديث ابن سيرين، فلا أعلمه، ولماّ سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث قال: هذا حديث منكر، والحارث ضعيف.
وفي كتاب الساجي: إنما روي هذا عن الحسن عن أبي هريرة من قوله، وروينا
стр. 877
عن أبي علي الطوسي أنه قال: يقال: هذا حديث غريب لا يعرف إلا من حديث ابن وجيه، ويقال: ابن وجبة، وهو شيخ ليس بذاك.
وفي كتاب العقيلي، وذكر هذا الحديث: لا يتابع عليه، وله غير حديث منكر، ولهذا الحديث إسناد غير هذا فيه لين أيضا.
وقال البزار: لا نعلم أسند مالك عن ابن سيرين إلا هذا الحديث، ولا نعلم رواه عن مالك إلا ابن وجيه.
وقال الخطابي: هذا حديث ضعيف، والحارث مجهول، وقد يحتج به من يوجب الاستنشاق في الجنابة. . انتهى كلامه.
وفيه نظر في قوله: مجهول إن أراد العين، فمردود بما أسلفناه من قول الترمذي؛ روى عنه غير واحد من الأئمة، وإن أراد الحال، فكذلك أيضا لما أسلفناه قبل.
وفي كتاب البيهقي: والحسن لم يثبت سماعه من أبي هريرة نظر لما أسلفناه من ثبوت سماعه منه من قبل، والله تعالى أعلم.
٢ - حدثنا هشام بن عمار، ثنا يحيى بن حمزة، حدثني عتبة بن أبي حكيم، حدثني طلحة بن نافع، حدثني أبو أيوب الأنصاري أنّ النبي ﷺ قال: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، وأداء الأمانة كفّارة لما بينها، قلت: وما أداء الأمانة؟ قال: غسل الجنابة؛ فإن تحت كلّ شعرة جنابة.
هذا حديث إسناده صحيح، عتبة شامي طبراني أردني. روى عنه جماعة منهم: عبد الله بن المبارك، وبقية بن الوليد، وصدقة بن خالد، ومحمد بن شعيب بن شابور، ومسلمة بن علي، وسعيد بن يزيد، وأيوب بن حسان، ومحمد بن
стр. 878
حرب الأبرش، وإسماعيل بن عياش، وأيوب بن سويد الرملي، وابن لهيعة، وإن كان قد ضعّفه محمد بن عوف الحمصي، وقال ابن حبان: يعتبر بحديثه من غير رواية بقية عنه، وقال السعدي: غير محمود في الحديث، وقال ابن معين: هو ثقة، وقال أبو حاتم الرازي: صالح لا بأس به، وقال مروان الطاطري، وأبو زرعة الدمشقي: كان ثقة، وقال أبو القاسم الطبراني: هو من ثقات المسلمين، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وأبو سفيان: طلحة بن نافع، وإن كان قد تكلّم فيه بكلام مؤول، وهو قول الحربيِ، وذكره: غيره أوثق منه، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: روى عنه الناس، قيل له: أبو الزبير أحب إليك، أو هو؟ قال: أبو الزبير أشهر، فعاوده بعض من حضر فيه فقال: أتريد أن أقول: هو ثقة؟ الثقة شعبة، وسفيان، فقد خرج مسلم - رحمه الله تعالى - حديثه في صحيحه محتجّا به، والبخاري مقرونا، وفي كتاب التهذيب روى له.
وقال الإمام أحمد: لا بأس به، وقال - ابن معين في رواية: صالح.
وقال البزار: هو في نفسه ثقة، وباقي من في الإسناد لا يسأل عنه، وأما قول أبي حاتم: لم يسمع من أبي أيوب الأنصاري شيئا فمردود بحديث ابن ماجه المصرّح فيه بسماعه منه على لسان ثقة، والقاعدة أنّ المحدّث إذا صرح بالتحديث، أو بما يشبهه قبل، والله تعالى أعلم.
ومن شرط أبي داود أن يذكر في الباب أصح ما يجد، ولم يذكر في متن حديث أبي هريرة المتقدم غيره، وهذا بغير شك، ولا ارتياب خير ممّا ذكره في الباب، اللهمّ، إلا أن يكون ما أسنده، فلهذا ما أورده.
وروى البيهقي عن قريش بن حيان، ثنا سليمان بن فروخ أتيت أبا أيوب
стр. 879
الأنصاري، فصافحته فرأى في أظفاري طولا، فقال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن خبر السماء فقال: يسأل أحدكم عن خبر السماء، وهو يدع أظفاره كأظفار الطير، يجمع فيها الجنابة والتفث.
قال: هكذا رواه جماعة عن قريش، ورواه أبو داود الطيالسي، عن وائل بن سليم قال: أتيت أبا أيوب الأزدي، فذكره، ثم قال: هذا مرسل، أبو أيوب الأزدي غير أبي أيوب الأنصاري.
٣ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا الأسود بن عامر، ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - عن النبي ﷺ قال: من ترك شعرة من جسده لم يغسلها فعل به كذا وكذا من النار.
قال علي: فمن ثم عاديت شعري، وكان يجزّه.
هذا حديث رواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل، ثنا حماد بلفظ: فمن ثم عاديت رأسي ثلاثا، وقال البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، ورواه عن محمد بن معمر، ثنا أبو الوليد، ثنا حماد بن سلمة، وفيه نظر؛ لما نذكره من أنّ له إسنادا غير إسناده المذكور عنده، وقال عبد الحق: يروى موقوفا على علي، وهو الأكثر، وفيه نظر؛ لما نذكره بعد.
قال أبو الحسن: أعرض أبو محمد فيه عمَّا هو في الحقيقة علته، وهي أنه من
стр. 880
رواية حماد بن سلمة، عن عطاء، وحمّاد إنما سمع منه بعد اختلاطه، وإنما يقبل من حديث عطاء ما كان قبل أن يختلط، وأبو محمد يعتبر هذا من حاله، وإنما ينبغي أن يقبل من حديثه ما روى عنه مثل: شعبة، وسفيان.
فأمّا جرير، وخالد بن عبد الله، وابن عليّة، وعلي بن عاصم، وحمّاد بن سلمة، وبالجملة أهل البصرة، فأحاديثهم عنه ممّا سمع منه بعد الاختلاط؛ لأنه قدم عليهم في آخر عمره، وقد نصّ العقيلي عن حمّاد بن سلمة أنّه ممن سمع منه بعد اختلاطه، وأما أبو عوانة فسمع منه الحالين، ولماّ أورد أبو أحمد في كتابه ما أنكر عليه من الحديث، أو ما خلط فيه، أو ما روي عنه بعد اختلاطه، أورد في جملة ذلك هذا الحديث. . انتهى كلامه.
وفيه نظر في موضعين:
الأوّل: في قوله: إنّ حماد بن سلمة سمع منه بعد اختلاطه لما رويناه عن البغوي: أن ابن معين قال: كلّ شيء من حديث عطاء ضعيف إلا ما كان من حديث شعبة، وسفيان، وحماد بن سلمة.
فهذا ابن معين نصّ على ابن سلمة أنه سمع منه قديما، فهو صحيح.
الثاني: إن سلمنا له قوله؛ فقد وقع لنا هذا الحديث من غير رواية حماد، من طريق شعبة الذي نص على أنّه سمع منه قبل اختلاطه مطلقا، وفيه نظر؛ لأن يحيى بن سعيد قال: إنه سمع منه حديثين بعد اختلاطه عن زاذان، وإن كان شعبة بينهما، والطريق المشار إليها ذكرها أبو الحسن الدارقطني في علله إذ سئل عنها فقال: رواه عطاء عن زاذان حدّث به عنه ابن سلمة، وشعبة، وحفص بن عمر، ورواه عبد الله بن رشيد عن حفص بن غياث، عن الأعمش، وليث، عن زاذان، عن علي.
следующие страницы →