← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1159

المنح العلية في بيان السنن اليومية

عبد الله الفريح

Полный текст (207 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الآخر، إلا ما ورد تخصيصه بالليل، مثل: آية الكرسي من قرأها في ليله، فالذي يكون مقيَّداً بالليل يقال بالليل، والذي يكون مقيَّداً بالنهار يقال بالنهار، وأمَّا قضاؤها إذا نسيت فأرجو أن يكون مأجورا عليه (١). * * *

стр. 107

سادساً: وقت المغرب فيه عِدَّة أمور: الأمر الأول: من السُّنَّة كَفّ الصِّبيان أول المغرب. الأمر الثاني: من السُّنَّة إغلاق الأبواب أول المغرب، وذكر اسم الله تعالى. وفي فعل هذين الأدبين حفظ من الشياطين والجِنّ، ففي كفِّ الصبيان أول ساعة من المغرب حفظ لهم من الشياطين التي تنتشر ذلك الوقت، وكذا في إغلاق الباب هذه الساعة وذكر اسم الله تعالى عند إغلاقه، وكم من صبي وبيت تمكَّنت الشياطين منه في هذا الوقت وأهله لا يشعرون، فما أعظم رعاية الإسلام لصبياننا، ولبيوتنا! ويدلّ عليه: حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ -أَوْ أَمْسيتُمْ- فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإنَّ الشيطَانَ يَنْتَشر حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ، فَإنَّ الشيطَانَ لَا يَفْتَحُ بَاباً مُغْلَقاً» (١)، وجنح الليل هو: إقباله بعد غروب الشمس. وفي رواية لمسلم: «لَا تُرْسِلُوا فَوَاشيكُمْ، وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، حَتَّى تَذهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ الشياطِينَ تَنْبَعِثُ إِذَا غَابَتِ

стр. 108

الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ» (١). قال النَّووي ﵀: «فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ» أي امنعوهم من الخروج ذلك الوقت. قوله ﷺ : «فَإنَّ الشيطَانَ يَنْتَشر» أي جنس الشيطان، ومعناه: أنه يُخاف على الصبيان ذلك الوقت من إيذاء الشياطين؛ لكثرتهم حينئذٍ -والله أعلم-. قوله ﷺ : «لَا تُرْسِلُوا فَوَاشيكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ الشياطِينَ تَنْبَعِثُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ». قال أهل اللغة: (الفواشي): كل منتشر من المال، كـ: الإبل، والغنم، وسائر البهائم، وغيرها وهي جمع (فاشية)؛ لأنها تفشوا -أي تنتشر في الأرض-. و (فحمة العشاء): ظلمتها، وسوادها، وفسرها بعضهم هنا: بإقباله، وأول ظلامه، وكذا ذكره صاحب نهاية الغريب، قال: ويقال: للظلمة التي بين صلاتي المغرب والعشاء (الفحمة)، وللتي بين العشاء والفجر (العسعسة)» (٢). وبعدما تذهب مُدَّة من دخول الليل لا بأس بإطلاق الصبيان؛ لأنَّ الوقت الذي تنتشر فيه الشياطين قد ذهب، وقد يُفهم من هذا -والله أعلم- أنَّ الشياطين بعد هذه المُدَّة وجدت مأوى لها.

стр. 109

والحكمة من انتشار الشياطين في هذا الوقت دون النهار، كما ذكر ابن حجر ﵀: «لأنَّ حركتهم في الليل أمكن منها لهم في النهار؛ لأن الظلام أجمع للقوى الشيطانية من غيره، وكذلك كل سواد» (١). قال الإمام ابن عبد البر ﵀: وفي هذا الحديث الأمر بغلق الأبواب من البيوت في الليل، وتلك سُنَّة مأمور بها، رفقا بالناس؛ لشياطين الإنس والجن، وأمَّا قوله: «فَإِنَّ الشيطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا غَلَقًا، وَلَا يَحُلُّ وِكَاءً» فذلك إعلام منه، وإخبار عن نِعَم الله على عباده من الإنس، إذ لم يُعْطَ قوة على فتح باب، ولا حل وِكَاء، ولا كشف إناء، وأنه قد حُرِم هذه الأشياء، وإن كان قد أعطي ما هو أكثر منها من التخلل، والولوج حيث لا يلج الإنس» (٢). وقال الخطيب الشربيني الشافعي ﵀: «ويُسَنّ إذا جنّ الليل تغطية الإناء ولو بعرض عود، وإيكاء السقاء، وإغلاق الأبواب مسمياً الله تعالى في الثلاثة، وكفّ الصبيان، والماشية أول ساعة من الليل، وإطفاء المصباح للنوم» (٣). - وكفِّ الصبيان، وإغلاق الأبواب أول المغرب إنما هو من باب الاستحباب (٤). الأمر الثالث: صلاة ركعتين قبل المغرب. لحديث عبد اللّه بن مُغَفَّل المُزني ﵁ عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: «صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ»، -قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ»، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا

стр. 110

النَّاسُ سُنَّةً (١). - وأيضاً حديث أنسٍ ﵁ قال: «لَقَدْ رَأَيْتُ كِبَارَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ» (٢)، عن أنس بن مالِك ﵁ قال: «كُنَّا بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فَيَرْكَعُونَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَحْسِبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ، مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا» (٣). ويبتدرون: أي يسارعون، إلى السواري ليجعلوها سترة، وفي هذا بيان محافظتهم على اتخاذ السترة. قال ابن القيِّم ﵀: «وفي الصحيحين عن عبد الله المزني ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب»، قال في الثالثة: «لمن شاء»، كراهة أن يتخذها الناس سنة، وهذا هو الصواب أنهما سنتان مندوب إليهما، وليستا بسُّنَّة راتبة كسائر السُّنَن الرواتب» (٤). - وأيضاً يُسَنُّ صلاة ركعتين بين كل أذان، وإقامة. وسواء كانت هاتان الركعتان راتبة كالفجر، والظهر، فإنه يكفي بصلاته الراتبة عن هاتين الركعتين، أو كأن يكون جالساً في المسجد، ثم أذَّن المؤذِّن لصلاة العصر، أو العشاء فإن من السُّنَّة أن يقوم، ويصلي ركعتين. ويدلّ عليه: حديث عبد اللّه بن مُغَفَّل الْمُزَنِي ﵁، قال: قال رسولُ اللّه ﷺ : «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» قالها ثلاثاً، قال في الثالثة: «لِمَنْ شَاءَ» (٥).

стр. 111

قال الشيخ ابن باز ﵀: «المشروع لكل مسلم أنَّ يصلِّي ركعتين بين الأذانين، سواء كانت الركعتان راتبة، أو غير راتبة؛ لقول النبي ﷺ : «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ». متفق على صحته، وهذا يعم جميع الصَّلوات، والمراد بالأذانين: الأذان والإقامة، فدلّ هذا الحديث وما جاء في معناه على شرعيَّة صلاة الركعتين بين الأذانين، وإذا كانت راتبة كسُنَّة الفجر، والظهر كَفت» (١). ولاشك أنَّ الركعتين قبل المغرب، أو بين كل أذانين ليست مؤكَّدة كتأكيد السُّنَن الرواتب، وإنما تترك أحياناً، ولذا قال النَّبيُّ ﷺ في الثالثة: «لِمَنْ شَاءَ»؛ كراهية أنْ يَتَّخذها الناس سُنَّة. الأمر الرابع: يُكرَه النوم قبل العشاء. لحديث أبي بَرْزَة الأسْلَميِّ ﵁: «أنَّ النَّبيّ ﷺ كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ، قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا» (٢). والعِّلَّة من كراهة النوم وقت المغرب -أي قبل العِشاء-: لأنَّ في نومه سبب في تفويت صلاة العِشاء.

стр. 112

سابعاً: وقت العشاء فيه عِدَّة أمور: الأمر الأول: يُكره الحديث، والمجالسة بعدها. لحديث أبي بَرْزَةَ الأسْلَميِّ ﵁ السَّابق، وفيه: «وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا». ولا يُكره أن يتحدَّث الإنسان بعد العِشاء إن كان في طلب علم، أو عمل في مصالح المسلمين، أو الشغل، أو مسامرة أهل، وضيف، ونحوه. ويدلّ عليه: أ) حديث عمر بن الخطَّاب ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْمُرُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْأَمْرِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَا مَعَهُمَا» (١). ب) حديث ابن عباسٍ ﵄ قال: «بِتُّ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ لَيْلَةً وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا؛ لِأَنْظُرَ كَيْفَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ» (٢). وسبب الكراهة -والله أعلم-: أنَّ نومه يتأخر، فيُخَافُ منه تفويت الصبح عن وقتها، أو عن أولها، أو يفوته قيام الليل ممَّن يعتاده، ولذا ذمَّ النَّبيُّ ﷺ الرجلُ الذي ينام الليل كله حتى يُصْبِح، ولا يقوم لصلاة

стр. 113

الليل، جاء ذلك في الصحيحين، من حديث ابن مسعود ﵁ قال: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ قَالَ: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشيطَانُ فِي أُذُنِيْهِ». أَوْ قال: «فِي أُذُنِهِ» (١). والمقصود أنَّ سبب كراهة الحديث بعد العشاء لغير حاجة؛ لأنه سبب في تفويت قيام الليل، وربما صلاة الفجر، وكان عمر بن الخطاب ﵁ ينهى عن السهر، ويضرب الناس على ذلك، ويقول: «أسَمَراً أول الليل ونوماً آخره» (٢). الأمر الثاني: الأفضل في صلاة العِشاء أن تؤخَّر، ما لم يكن في ذلك مشقة على المأمومين. فالأفضل تأخيرها إلى آخر وقت العشاء، وهذا التأخير يشترط فيه مراعاة المأمومين، وأحوالهم. ويدلّ عليه: أ- حديث عائشة ﵂ قالت: أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَوَقْتُهَا، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي» (٣). ب- حديث جابر ﵁ وفيه: «وَالْعِشَاءَ، أَحْيَاناً يُؤَخِّرُهَا وَأَحْيَاناً يُعَجِّلُ، كَانَ إِذَا رَآهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَأُوا أَخَّرَ» (٤). ج- حديث أَبي هريرة ﵁ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ الَّليْلِ، أَوْ نِصْفِه» (٥).

стр. 114

وعليه فالسُّنَّة في حق المرأة حيث إنها لا ترتبط بجماعة أن تؤخَّر العِشَاء إذا لم يكن في ذلك مشقة عليها، وكذا الرجل إن لم يكن مرتبطاً بجماعة كأن يكون في طريق سفر، ونحوه. الأمر الثالث من السنة قراءة سورة الإخلاص كل ليلة ؛ لحديث أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيَعْجِرُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأَ تُلتَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ تلتَ الْقُرْآنِ" (١). * * *

стр. 115

سنن النَّوم وفي النوم عدة سنن: ١) إغلاق الأبواب عند النوم. لحديث جابر ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «أَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ إِذَا رَقَدْتُمْ، وَغَلِّقُوا الْأَبْوَابَ وَأَوْكُوا الْأَسْقِيَةَ، وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشرابَ» (١). والعِلَّة من الأمر بإغلاق الأبواب: منع الشياطين من الدخول، كما تقدَّم في حديث جابر ﵁ الآخر: «وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ، فَإنَّ الشيطَانَ لَا يَفْتَحُ بَاباً مُغْلَقاً» (٢). ٢) إطفاء النار قبل النوم. لحديث جابر ﵁ السَّابق، وفيه: «أَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ إِذَا رَقَدْتُمْ». وأيضاً حديث ابن عمر ﵄، قال النَّبيُّ ﷺ : «لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ» (٣). وفي الصحيحين من حديث أبي موسى ﵁ قال: احْتَرَقَ بَيْتٌ عَلَى أَهْلِهِ بِالْمَدِينَةِ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ بِشَأْنِهِمْ قَالَ: «إِنَّ

стр. 116

هذِهِ النَّارُ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ» (١). والعِلَّة من الأمر بإطفاء النار قبل النوم: جاءت في حديث جابر ﵁ في رواية البخاري قال النَّبيُّ ﷺ : «وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتْ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ» (٢). و (الفويسقة): هي الفأرة، وهي من الفواسق الخمس، اللاتي يُقْتَلن في الحِلْ والحَرَم، فربما تَجُر فتيل المصباح، ثم تحرق على أهل البيت بيتهم، وعليه يُقاس أي شيء يكون سبباً في جرِّ الحريق لأهل البيت، فيُحترز مثلاً من الأشياء التي ربما تؤثر على وسائل التدفئة؛ لقربها منها، فتكون سبباً في اشتعال الحريق ونحو ذلك؛ لأنَّ العِّلَّة واحدة، والنار عدوٌّ كما أخبر النَّبيُّ ﷺ . وبناءً عليه: لو أَمِن النائم هذه النار، وأنها لن تؤثر، وليس حولها ما يسبب انتشارها، فلا بأس حينئذ من إبقائها؛ لأنَّ الحكم يدور مع عِلَّته وجوداً، وعدماً. قال النَّووي ﵀: «قوله ﷺ : «لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ»، هذا عام تدخل فيه نار السراج وغيرها، وأمَّا القناديل المعلَّقة في المساجد، وغيرها فإن خِيف حريق بسببها دخلت في الأمر بالإطفاء، وإن أُمِن ذلك كما هو الغالب، فالظاهر أنه لا بأس بها؛ لانتفاء العِلَّة؛ لأنَّ النَّبيّ ﷺ علَّل الأمر بالإطفاء في الحديث السابق بأن (الفويسقة) تضرم على أهل البيت بيتهم، فإذا انتفت العِلَّة زال المنع» (٣).

стр. 117

وكذا قال ابن دقيق العيد ﵀، وبيَّن أن قول الأكثر بأن الأمر للاستحباب لا للوجوب، كما نقله ابن حجر -رحمهما الله- (١). ٣) الوضوء قبل النوم. لحديث البَرَاء بن عازب ﵁ أَنَّ رسول اللّه ﷺ قال: «إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاة، ثُمَّ اضْطَجِعُ علَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ … » (٢). قال النَّووي ﵀: «فإن كان متوضئاً كفاه ذلك الوضوء؛ لأن المقصود النوم على طهارة مخافة أن يموت في ليلته، وليكون أصدق لرؤياه، وأبعد من تلعب الشيطان به في منامه، وترويعه إياه» (٣). ٤) نفض الفراش قبل الاضطجاع عليه. فمِن السُّنَّة قبل النوم أن ينفض من أراد النوم فراشه بداخلة إزاره ثلاث مرات، ويسمِّ الله تعالى؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي … » (٤). وفي رواية: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ فِرَاشَهُ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ … » (٥).

стр. 118

وعند مسلم: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ، فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ، فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ، وَلْيُسَمِّ اللّهَ … » (١)، وداخلة الإزار، وكذلك صنفة الثوب، هي: طرفه الداخل الذي يلي الجسد. فمِمَّا تقدَّم، يتبيَّن أنَّ السنَّة نفض الفراش بداخلة الإزار ثلاثاً، والتسمية عند النَّفض. وفي الحديث بيان الحكمة من النَّفض، وهي: قول النَّبيّ ﷺ : «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ»، فربما خلفه على فراشه ما يؤذيه. والأفضل أن يكون نفضه بداخلة الثوب، ومن أهل العلم من قال بأي شيء، وأهم شيء أن ينفض الفراش، ومنهم الشيخ ابن جبرين ﵀، حيث قال: «وليس شرطًا استعمال داخلة الإزار، بل لو نفض الفراش كله، أو نفضه بعمامة أو نحوها، حصل المقصود» (٢). ٥) النوم على الشِّقِّ الأيمن. ٦) وضع يده اليمنى تحت الخَّد الأيمن. ويدلَّ على هاتين السُّنَّتين: حديث البَراء بن عَازِبٍ ﵁، أَنَّ رسول اللّه ﷺ قال: «إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاة، ثُمَّ اضْطَجِعُ علَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ … » (٣). وحديث حذيفة ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ … » (٤). وعن البَراء ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ» (٥).

стр. 119

٧) قراءة أذكار النوم. وللنوم أذكار من الكتاب، والسُّنَّة: ١) فمِن الكتاب: أ- قراءة آية الكرسي. يُسَنُّ قراءة آية الكرسي عند النوم؛ ففيها حفظ له من الشيطان حتى يصبح. ويدلّ عليه: قصة أبي هريرة ﵁ مع الذي يسرق من الزكاة، وهو في كل مرَّة يشكو الحاجة والعيال، فلما كررها الثالثة عزم أبو هريرة ﵁ على رفع أمره للنَّبيِّ ﷺ قال: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شيطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا فَعَلَ أَسيرُكَ الْبَارِحَةَ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ: «مَا هِيَ؟» قُلْتُ: قَالَ لِي إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسي مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَكَ شيطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شيءٍ عَلَى الْخَيْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ذَاكَ شيطَانٌ» (١).

стр. 120

ب- قراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة. لحديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «مَنْ قَرَأَ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فِي لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ» (١)، والآيتان من آخر سورة البقرة ليستا من أذكار النَّوم على وجه الخصوص، وإنما ذِكرٌ يُقال في الليل، فمن لم يقرأهما بالليل، وتذكَّر ذلك عند نومه، فليقرأهما حينئذ. واختُلف في معنى (كَفَتَاهُ): فقيل: كفتاه من قيام الليل. وقيل: كفتاه من الشيطان. وقيل: كفتاه من الآفات. ويحتمل الجميع كما قال النَّووي ﵀ (٢). ج- قراءة سورة الإخلاص، والمعوذتين، والنفث بها في الكَفَّين، ثم مسح الجسد بهما ثلاث مرَّات. ويدلّ عليه: حديث عائشة ﵂: «كَانَ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» (٣). ويُستفاد من الحديث السَّابق: أنَّ النَّبيّ ﷺ كان يُطَبِّق هذه السُّنَّة كل ليلة؛ لقول عائشة ﵂: «كُلَّ لَيْلَةٍ»، وأنَّ مَنْ أراد تطبيق هذه السُّنَّة فإنه

стр. 121

يجمع كفيه، ثم ينفث فيهما بالإخلاص والمعوذتين، ثم يمسح ما استطاع من جسده، مبتدئاً برأسه ووجهه، ويفعل ذلك ثلاث مرَّات. و (النَّفث) شبيه بـ (النَّفخ)، وهو أخف من (التفل)؛ لأنَّ (التفل) لا يكون إلا معه شيء من الريق، وقيل: إن النفث هو التفل (١). في الحديث إشكال، وهو: أنَّ ظاهر الحديث يدلّ على أنَّ النَّفث يكون قبل القراءة، فما فائدة (النفث) حينئذٍ؟ من أهل العلم من يرى تقديم (النفث) على القراءة؛ لظاهر الحديث، فإنه بدأ بالنفث، ثم القراءة وهو اختيار الشيخ الألباني ﵀، ومنهم من يرى أنَّ النفث يكون بعد القراءة؛ لأنَّ البركة إنما تكون في هذا المنفوث، أو الريق بعدما اختلط بالقرآن. وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين ﵀، وذكر أنَّ (ثُمّ) لا تقتضي الترتيب أحياناً، فقال ﵀: «وظاهره: أنه يقرأ مرَّة، ثم يمسح، ثم يقرأ، ثم يمسح، كل واحدة لحالها: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ جميعاً، ثم يمسح، ثم يعيدها جميعاً ثم يمسح، هذا نص

стр. 122

الحديث، والذي يظهر -والله أعلم- أن النفث بعد القراءة، و (ثم) أحياناً لا تقتضي الترتيب. وقد مرَّ علينا قول الشاعر: إنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أبُوه … ثم سَادَ مِنْ بعد ذلك جدُّه والحكمة من ذلك: أنَّ هذا الريق الذي اختلط بالقراءة هو الذي تكون فيه البركة، والظاهر أنَّ المسح يكون من فوق الثياب (١). وربما يشهد لذلك رواية البخاري الأخرى: قالت عائشة ﵂: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا اشْتَكَى كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ» (٢). فظاهر الحديث يدلّ على أنَّ النفث بالسور نفسها لا قبلها، وأفاد هذا الحديث حرص النَّبيّ ﷺ على هذه السُّنَّة، حيث إنه ﷺ حتى إذا مرض يفعل ذلك بأمره لعائشة ﵂، وجاء في الصحيحين ما يدلّ على أنَّ النفث بها ليس فقط عند النَّوم، وإنما أيضاً إذا اشتكى وجعاً، فعن عائشة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ فَلَمَّا اشْتَكَى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ طَفِقْتُ أَنْفِثُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ يَنْفِثُ وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ» (٣)، وفي رواية: «وأَمسَحُ بِيَدِهِ رجاء بركَتها» (٤).

стр. 123

د- قراءة سورة الكافرون. لحديث عرْوَة بن نوْفَل عن أَبِيه ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لنوفل: «اقْرَأْ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثُمَّ نَمْ عَلَى خاتِمَتِهَا، فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشركِ» (١). قال ابن حجر ﵀: في القراءة عند النوم عِدَّة أحاديث صحيحة: منها حديث أبي هريرة ﵁ في قراءة آية الكرسي، وقد تقدَّم في الوَكَالة وغيرها، وحديث ابن مسعود ﵁ الآيتان من آخر سورة البقرة، وقد تقدَّم في فضائل القرآن، وحديث عروة بن نوفل عن أبيه ﵁: «اقْرَأْ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثُمَّ نَمْ عَلَى خاتِمَتِهَا، فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشركِ … » (٢). ٢) ومن السُّنَّة أدعية كثيرة، منها: أ- «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا» (٣). ب- «اللَّهُمَّ خَلَقْتَ نَفْسي وَأَنْتَ تَوَفَّاهَا، لَكَ مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا، إِنْ أَحْيَيْتَهَا فَاحْفَظْهَا، وَإِنْ أَمَتَّهَا فَاغْفِرْ لَهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ» (٤). ج- «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شيءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شر كُلِّ شيءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصيتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شيءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ

стр. 124

وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ» (١). د- «بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ» (٢). هـ- «الْحَمْدُ للّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِي». رواه مسلم من حديث أنس ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: «الْحَمْدُ للّهِ … » (٣). قال المباركفوري ﵀ في تحفة الأحوذي: «(وَكَفَانَا) -أي دفع عنا شر المؤذيات-، أو كفى مهماتنا، وقضى حاجاتنا، (وَآوَانَا) -أي رزقنا مساكن-، وهيَّأ لنا المآوي» (٤). و- «اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» (٥). رواه أحمد من حديث البراء ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا نَامَ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ وَقَالَ: … »، وصححه الألباني، ورواه أحمد، والترمذي من حديث حذيفة ﵁ (٦). ز- التسبيح ثلاثاً وثلاثين، والتحميد ثلاثاً وثلاثين، والتكبير أربعاً وثلاثين. ولهذا أثر عظيم على قائله فهو يعطيه قوة في يومه. ويدلّ عليه: حديث عَلِي ﵁: أَنَّ فاطمة اشْتَكَتْ مَا تَلْقَى مِنَ أثر

стр. 125

الرَّحَى فِي يَدِهَا، وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ، وَلَقِيَتْ عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا، وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : «عَلَى مَكَانِكُمَا» فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ عَلَى صَدْرِي، ثمَّ قَالَ: «أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْراً مِمَّا سَأَلْتُمَا؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا، أَنْ تُكَبِّرَا اللّهَ أَرْبَعاً وَثَلَاثِينَ، وتُسَبِّحَاهُ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَاهُ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ» (١). وفي رواية: قال عليٌّ ﵁: «مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُهُ مِنَ النّبيِّ ﷺ قِيلَ لَهُ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ» (٢). وفي هذا دلالة على شِدَّة حرصهم على السُّنَّة، ففي تلك الليلة التي كان فيها علي ﵁ مشغولاً بالمعركة، وبصفته قائد جيشه ﵁، وفي هذا أشدُّ انشغالاً؛ لكونه مرجعاً لمن معه، إلا أنَّ ذلك لم يشغله عن هذه السُّنَّة العظيمة، فماذا يقول من فرَّط بكثير من السُّنَن مُحتَجّاً بما دون ذلك بكثير، وأعظم منه حرماناً من حُرِم تطبيق السُّنَّة من غير شاغل يشغله، ولكن داؤه قلبه الذي غفل، فحُرم إدراك كثير من الفضائل-رحم الله حالنا-. ح- «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» (٣).

стр. 126

من حديث البراء بن عَازِب ﵁ أَنَّ رسولَ اللّه ﷺ قَالَ: «إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاة، ثُمَّ اضْطَجِعُ علَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ … »، وفي آخر الحديث قال النَّبيُّ ﷺ : «وَاجْعَلْهُنَّ مِنْ آخِرِ كَلَامِكَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، مُتَّ وَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ». وفي رواية لمسلم: «وَإِنْ أَصْبَحْتَ، أَصْبَحْتَ عَلَى خَيْرِ». وفي هذا الحديث بيان سُنَّة أخرى، وهي: أن يجعل هذا الذِّكر آخر شيء يتكلَّم فيه قبل نومه، وفيه جائزة عظيمة فيما لو قُدِّر عليه أنْ مات من ليلته، فإنه يكون ممن مات على الفطرة -أي أنه مات على السُّنَّة على مِلَّة إبراهيم ﵇ حنيفا-، وإن أصبح فإنه أصبح على خير في رزقه، وعمله، وهي كلمة شاملة تشمل ما سبق وغيره -والله أعلم-. ومما يجدر التنبيه إليه: ذكرٌ هو سببٌ في فضلٍ عظيم، امتن به العلي العظيم ﷻ ، وهو ما جاء في صحيح البخاري، من حديث شدادِ بن أوْس ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ : «سيدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شر مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، قَالَ: وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسي فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (١). وعليه فليحرص العبد على إدراك هذا الفضل العظيم بالمحافظة

стр. 127

على هذا الدعاء الفضيل في يومه وليلته، مع مراعاة شرطه، وهو الإيقان بما يقوله من كلمات؛ ليفوز بجنَّة عرضها الأرض والسموات، فهذا الدعاء من أسباب دخول الجنَّة -نسأل الله تعالى من فضله-.

стр. 128

سُنَن فيما يراه النائم. ما يراه النائم لا يخلو من ثلاث أحوال جاءت في حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم: ١ - رؤيا صالحة، وهي بشرى من الله -عزوجل-، ولها آداب ستأتي. ٢ - رؤيا تَحزين، وهي من الشيطان، ولن تضر العبد إذا امتثل آدابها وستأتي. ٣ - أن يرى ما حدَّث به نفسه قبل نومه، فليست بشيء. وكثيراً ما يرى النائم في منامه أشياء تجعله يقوم إمَّا أن يظل يومه مسروراً، أو يظل مهموماً قلقاً، وفي سُنَّة النَّبيُّ ﷺ ما يجعل العبد دائماً مطمئناً على أيَّة حال، وأي مرأى رآه، ولكنها الغفلة عن سُنَّة النَّبيّ ﷺ ، فتجد كثيراً ممّن يرى ما يكره يقلق، ويبذل قصارى جهده للوصول إلى معبِّرٍ يُعَبِّر له ما رآه -في زمن كثر فيه المعبِّرون على خلاف عصور السلف الفاضلة-، وربما وجدت ذلك الرائي يصل به الحد؛ لأن يسأل عن تفاصيل، وربما ترجَّى من يعبِّر له بأن يطمئنه، مع جزمه بصواب ما قد يُعبَّر له إلى غير ذلك من المحاذير في هذا الأمر -وليس هذا موطن ذكرها، وقد ذكرت شيئاً منها في رسالةٍ أسميتها (يا صاحب الرؤيا تمهل) -، ومن عرف سُنَّة النَّبيّ ﷺ في ذلك لم يصبه ذلك الهلع، والخوف؛ لإيقانه بفضائل هدي خير المرسلين ﷺ . فمن السُّنَن في هذا الباب، ما جاء في هذه الأحاديث: عن أبي سلمة ﵁ قال: إِنْ كُنْتُ لأَرَى الرؤْيَا تُمْرِضُنِي، قَالَ

стр. 129

فَلَقِيتُ أَبَا قَتَادَةَ، فَقَالَ: وَأَنَا كُنْتُ لأَرَى الرُّؤيَا فَتُمْرِضُنِي، حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ يَقُولُ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللّهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلاَّ مَنْ يُحِبُّ، وَإِنْ رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفِلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثاً، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللّهِ مِنْ شر الشيطَانِ وَشرهَا، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَداً فَإِنَّهَا لَنْ تَضرهُ». وقال أبو سَلَمة: «وَإِنْ كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ الْجَبَلِ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فَمَا أُبَالِيهَا» (١). وفي رواية: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ، وَالْحُلُمُ مِنْ الشيطَانِ، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شرهَا فَإِنَّهَا لَا تَضرهُ» (٢). وعن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثاً، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ. وَالرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشرى مِنَ اللّهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشيطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ، فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ، فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ» (٣). وفي حديث جَابِرٍ ﵁ عند مسلم، قال رسول اللّه ﷺ : «وَلْيَسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشيطَانِ ثَلَاثاً، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ» (٤). وفي حديث أَبي سعيد الخُدريِّ ﵁ عند البخاري: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّهَا مِنْ اللَّهِ فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ عَلَيْهَا» (٥).

стр. 130

- وتحصَّل من الأحاديث السابقة: ١) أنَّ من رأى رؤيا حسنة، فإنه يُسَنُّ له أن يفعل ما يلي: أولاً: أن يحمد الله عليها؛ لأنها منه -سبحانه-. ثانياً: أن يخبر بها، ولا يخبر بها إلا من يحب. ٢) وأنَّ من رأى رؤيا يكرهها، فإنه يُسَنُّ له أن يفعل ما يلي: أولاً: يتفل، أو ينفث عن يساره ثلاثاً. ثانياً: أن يستعيذ بالله تعالى من الشيطان، ومن شر ما رأى ثلاثاً، بأن يقول: «أعوذ بالله من الشيطان ومن شرها» (ثلاث مرات). ثالثاً: ألا يخبر بها أحداً، فإن فعل ذلك، فإنها لا تضره كما أخبر النَّبيُّ ﷺ ، وإن زاد على ذلك بأن: رابعاً: يتحوَّل عن جنبه الذي نام عليه، فإن كان مستلقياً على ظهره فلينم على جنبه، وهكذا. خامساً: أن يقوم فيصلِّي ركعتين. وتأمَّل قول أبي قتادة، ومثله أبو سلمة ﵄ وكيف أنهما يريان الرؤيا تحزنهما بل تمرضهما، ولمَّا طبَّقا هدي النَّبيّ ﷺ في ذلك، قال أبو سلمة ﵁: «وَإِنْ كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ الْجَبَلِ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فَمَا أُبَالِيهَا»، فحرِّي بمن يهتم، ويصيبه القلق حينما يرى ما يَكْرَه، أن يُطبِّق هذا الهدي النَّبوي الذي فيه بشارة: «فَإِنَّهَا لَا تَضره». قال النَّووي ﵀: «وإن اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها -بإذن الله تعالى- كما صرحت به الأحاديث، قال القاضي: وأمر بالنفث ثلاثاً؛ طرداً للشيطان الذي حضر رؤياه المكروهة تحقيراً له واستقذاراً،

стр. 131

وخُصَّت به اليسار؛ لأنها محل الأقذار، والمكروهات، ونحوها، واليمين ضدها» (١). ويُستفاد من الأحاديث السابقة: أنَّ رؤيا المسلم جزء من النبوة، وأنَّ أصدق الناس رؤيا، أصدقهم حديثاً في اليقظة، وهذا من تأثير الصدق، وبركته على المسلم حتى حال النَّوم. قال ابن حجر ﵀: «قال القرطبي: "وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً"، وإنما كان كذلك؛ لأن من كثر صدقه تنور قلبه، وقوي إدراكه، فانتقشت فيه المعاني على وجه الصِّحة، وكذلك من كان غالب حاله الصدق في يقظته استصحب ذلك في نومه فلا يرى إلا صدقاً، وهذا بخلاف الكاذب والمخلِّط، فإنه يفسد قلبه، ويظلم فلا يرى إلا تخليطاً وأضغاثاً، وقد يندر المنام أحياناً فيرى الصادق ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب والأكثر ما تقدم - والله أعلم-، قال ابن حجر ﵀: وهذا يؤيِّد ما تقدَّم أنَّ الرؤيا لا تكون إلا من أجزاء النبوة إن صدرت من مسلم صادق صالح» (٢). من استيقظ بالليل، فإنه يُسنُّ له قول هذا الذكر: وهو ما جاء في حديث عُبادَة بن الصامت ﵁ عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: «مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» (٣).

стр. 132

قال ابن الأثير ﵀: «مَنْ تَعارَّ منَ الليلِ». أي هبَّ من نومه، واستيقظ (١). وفي هذا الحديث بشارتان عظيمتان، لمن قال إذا هبَّ من نومه: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ». الأولى: إن قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»، أو دعا فإنَّ دعوته مستجابة. الثانية: إن قام فتوضأ، وصلَّى فصلاته مقبولة. فالحمد لله الذي منَّ علينا بهذه الفضائل والمنح، ونسأله التوفيق للعمل والإخلاص فيه. فائدة: اختُلف في معنى (تعارَّ) في الحديث السابق: فقيل: انتبه. وقيل: أنَّ وفزع. وقيل: اليقظة مع صوت. وقيل: استيقظ. وقيل: غير ذلك. وتقدَّم قول ابن الأثير، وكذا نقله عنه ابن منظور في لسان العرب -رحمهما الله-، أنَّها بمعنى: استيقظ، وهبَّ من نومه، وكذا فسرها شيخ الإسلام: ابن تيمية ﵀ حيث قال بعد ذكره لحديث عبادة ﵁ السَّابق: «فقد أخبر أن هذه الكلمات الخمس، إذا افتتح بها المستيقظ من الليل كلامه، كان ذلك سببًا لإجابة دعائه، ولقبول صلاته، إذا توضأ بعد ذلك» (٢). وكذا فسرها الشيخ ابن باز ﵀ قال بعدما أورد حديث عبادة ﵁:

стр. 133

«ومعنى قوله: (من تعار) -أي استيقظ-» (١). وهذا من فضل الله تعالى الواسع، فينبغي لمن بلغه هذا الفضل ألّا يفرط فيه. قال ابن حجر ﵀: «قال ابن بطَّال: وعد الله على لسان نبيه أنَّ من استيقظ من نومه لهجاً لسانه بتوحيد ربه، والإذعان له بالمُلْك، والاعتراف بنعمة يحمده عليها، وينزهه عما لا يليق به تسبيحه، والخضوع له بالتكبير، والتسليم له بالعجز عن القدرة إلا بعونه، أنه إذا دعاه أجابه، وإذا صلَّى قُبِلَت صلاته، فينبغي لمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به، ويخلص نيته لربه » (٢). وبهذه السُّنَّة ننتهي من عرض السُّنَن الموقوتة؛ لأنَّ ما بعدها هي سُنَن: الاستيقاظ من النوم، التي بدأنا بها وأولها السِّواك، وقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ». * * *

стр. 134

السُّنَن غَيْر المَوْقُوتَة هي القسم الثاني من السنن اليومية، وهذا النوع من السنن بابه واسع، وهو كثير، ومنه ما يختلف باختلاف الأحوال، والأشخاص، والأماكن، والأوقات. وسأعرض جاهداً السنن التي تتكرر في اليوم والليلة سائلاً الله تعالى التوفيق والسداد. ? وأول شيء في هذا القسم: سنن الطعام

стр. 135

سُنَن الطعام ولم أضع سُنَن الطعام ضمن السُّنَن الموقوتة؛ لأن الأكل، والشرب قد يكون عارضاً للإنسان في أي وقت، فيحتاج معه تطبيق السُّنن، ولأن أوقات الأكل وإن كانت في غالب واقعنا اليوم موقوتة، إلا أنها في عصر أولئك الأفذاذ عصر الصحابة، وكذا التابعين من بعدهم، وسلف هذه الأمَّة ليست في غالبها موقوتة، فهم لا يجدون كثيراً مما نجد، والقصد أن كثيراً منهم قد لا يجد في يومه ما يأكله فضلاً على أن يكون لديه طعام يأكله بوقت محدد! فهذا نبي الأمَّة ﷺ ونبراسها، وخير البشرية، يدخل على عائشة ﵂ ذَاتَ يَوْمٍ ويقول: «يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شيءٌ؟» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ مَا عِنْدَنَا شيءٌ، قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ» (١). وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إلاَّ مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذلِكَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلاَّ مَاءٌ، فَقَالَ: «مَنْ يُضيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ، ﵀»، حتى ضيفه رجلٌ من الأنصار (٢). وهكذا الصحابة وعلى رأسهم العمران أبو بكر، وعمر-﵃ أجمعين-، فعند

стр. 136

مسلمٍ من حديث أبي هريرة ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: «مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟» قَالَا: الْجُوعُ، يَا رَسُولَ اللّهِ، قَالَ: «وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لأَخْرَجَنِي الَّذَي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا» فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ … ، (وفيه): فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسر، وَتَمْرٌ، وَرُطَبٌ، وذَبَحَ لَهُمْ شاة .... ، (وفي آخر الحديث) قاَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَر ﵄: «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ» (١). وها هو ناقل السُّنَّة أبو هريرة ﵁ كما روى البخاري قال محمد: «كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانِ مِنْ كَتَّانٍ فَتَمَخَّطَ، فَقَالَ: بَخْ، بَخْ أَبُو هُرَيْرَةَ يَتَمَخَّطُ فِي الْكَتَّانِ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَأَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ مَغْشيا عَلَيَّ، فَيَجِيءُ الْجَائِي فَيَضَعْ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي، وَيُرَى أَنِّي مَجْنُونٌ، وَمَا بِي مِنْ جُنُونٍ، مَا بِي إِلَّا الْجُوعُ» (٢). وليس فقط أبو هريرة ﵁، بل تأمل حال هؤلاء الذين يسقطون من الجوع في صلاتهم، كما روى الترمذي من حديث فضالة بنِ عُبَيْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى بالنَّاسِ يَخِرُّ رِجَالٌ مِنْ قَامَتِهِمْ في الصَّلَاةِ مِنَ الْخَصَاصَةِ، وَهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ، حَتَّى تَقُولَ الأعْرَابُ هَؤُلَاءِ مَجَانِينُ، أَوْ مَجَانُونُ فَإِذَا صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ انْصرفَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَالَكُمْ عِنْدَ الله لأَحْبَبْتُمْ أَنْ تَزْدَادُوا فاقَةً وَحَاجَةً»، قالَ فَضَالَةُ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ (٣).

стр. 137

وهذا في زمن خير القرون، وما بعده من قرون التابعين، والسَّلف، مما يدل على أنهم لا يأكلون إلّا إذا وجدوا، وليس لهم أوقات محدَّدة في الأكل؛ لأنهم وإن حددوا ربما لا يجدون، وليس هذا موطن بسط تلك القصص، والأخبار -فلله درهم-، ونسأله أن يمنَّ علينا بشكره، كما منَّ علينا بنعمته. سُنَن في الطعام: ١ - التسمية أول الطعام. عن عمرَ بن أبي سلمةَ ﵁ يقولَ: «كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ»، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ (١). والأفضل أن يقتصر على (بسم الله)، كما ورد في النصوص. قال ابن حجر ﵀: «المراد بالتسمية على الطعام قول: «بسم الله»، في ابتداء الأكل، وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما أخرجه أبو داود، والترمذي من طريق أم كلثوم عن عائشة ﵂ مرفوعاً: «إذَا أكَلَ أحَدُكُم فَلْيَذْكُرِ اسْمَ الله، فإنْ نَسي أنْ يَذْكُرَ اسْمَ الله في أوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ الله أوَّلَهُ وَآخِرَهُ» (٢)، وله شاهد من حديث أمية بن مخشي عند أبي داود، والنَّسَائي،

стр. 138

وأمَّا قول النَّووي ﵀ في أدب الأكل من [الأذكار]: صِفَة التسمية من أهم ما ينبغي معرفته، والأفضل أن يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم»، فإِن قال: «بسم الله» كفاه، وحصلت السُّنَّة، فلم أر لما ادَّعاه من الأفضلية دليلاً خاصاً» (١). واختُلف في حكم التسمية: فقيل: سُنَّة. وقيل: واجبة؛ لأمر النَّبيِّ ﷺ بها. والأحوط للمسلم: ألَّا يتركها، وإذا نسي التسمية: فإنه يُسنُّ أن يقول إذا تذكَّرها: «بسم الله أوله وآخره». لحديث عائشة ﵂، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذَا أكَلَ أحَدُكُم فَلْيَذْكُرِ اسْمَ الله، فإنْ نَسي أنْ يَذْكُرَ اسْمَ الله في أوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ الله أوَّلَهُ وَآخِرَهُ» (٢). وكذلك دلّ الحديث: على أن الإنسان يأكل بيمينه حتى لا يشابه الشيطان، فالمسلم إذا لم يُسمِّ شاركه الشيطان في طعامه، وإذا أكل أو شرب بشماله شابه الشيطان بذلك؛ لأن الشيطان يأكل، ويشرب بشماله. ويدلّ عليه: ١. حديث حذيفة ﵁ قال: «كُنَّا إِذَا حَضرنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ طَعَاماً لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا، حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ ، فَيَضَعَ يَدَهُ، وَإنَّا حَضرنَا مَعَهُ، مَرَّةً طَعَاماً، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «إِنَّ الشيطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لَا

стр. 139

يُذْكَرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ، وَإنَّهُ جَاءَ بِهذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهذَا الأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا» (١). ٢. وحديث عبد اللّه بن عُمَرَ ﵄: أَنْ رسول اللّه ﷺ قَالَ: «لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَشربَنَّ بِهَا، فإِنَّ الشيطَانَ يَأْكُلُ بِشِمالِهِ وَيَشربُ بِهَا». قَالَ: وَكَانَ نَافِعٌ يَزِيدُ فِيهَا: «وَلَا يَأْخُذُ بِهَا وَلَا يَعْطِي بِهَا» (٢). والصحيح: أنَّ الشيطان يأكل حقيقة؛ لظاهر النَّص السَّابق. قال ابن حجر ﵀: «قال الطيبي: وتحريره لا تأكلوا بالشمال، فإن فعلتم كنتم من أولياء الشيطان، فإِنَّ الشيطان حمل أولياءه على ذلك. انتهى، وفيه عدول عن الظاهر، والأولى حمل الخبر على ظاهره، وأن الشيطان يأكل حقيقة؛ لأن العقل لا يحيل ذلك، وقد ثبت الخبر به فلا يحتاج إلى تأويله» (٣). والشيطان حريص على دخول البيوت؛ ليبيت فيها، ويشارك أهلها الطعام والشراب، عن جابر بن عبد اللّه ﵄ أنَّه سمع النَّبِيَّ ﷺ يقول: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشيطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشيطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ» (٤).

стр. 140

٢ - الأكل مما يلي لما سبق من حديث عمر بن أبي سلمة ﵁ وفيه قول النبي ﷺ : «وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». قال النَّووي ﵀: «والثالثة: الأكل مما يليه؛ لأنَّ أكله من موضع يد صاحبه سوء عشرة، وترك مروءة، فقد يتقذره صاحبه، لاسيما في الأمراق وشبهها» (١). وقال ابن حجر ﵀: «قلت: ويدلّ على وجوب الأكل باليمين، ورود الوعيد في الأكل بالشمال ففي صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع ﵄: «أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشِمَالِهِ فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ» قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ» مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ (٢)» (٣). ٣ - أخذ اللقمة الساقطة، وإماطة ما بها من أذى، وأكلها. فمن السُّنَّة أنه إذا وقعت اللقمة على سفرة الطعام، أو غيرها أن يأخذها، ويميط ما يعلق بها من أذى، ثم ليأكلها فإن في هذا تطبيق للسُّنَّة، ودحر للشيطان الذي يحرص على مشاركة منْ يأكل، ولو بلقمة ساقطة منه. ويدلّ عليه: حديث جَابِرٍ ﵁ قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «إِنَّ الشيطَانَ يَحْضر أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شيءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتَّى يَحْضرهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذَىً، ثُمَّ لْيَأْكُلْهَا، وَلَا

стр. 141

يَدَعْهَا لِلشيطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ» (١). والمتأمل للحديث يجد الشيطان حريصاً على مشاركة الإنسان في كل أموره؛ لينزع البركة من حياته، ويفسد عليه كثيراً من شأنه، ومما يدلّ على حرصه على ملازمة العبد في كل أموره قوله ﷺ : «إِنَّ الشيطَانَ يَحْضر أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شيءٍ مِنْ شَأْنِهِ»، وجاءت الأدلة مبينة بعضا من هذه الأمور على وجه الخصوص، منها ما تقدَّم ذكره في الطعام، والمبيت، وسيأتي غير ذلك في السُّنَن القادمة -بإذن الله تعالى-. ٤ - لعق الأصابع. ولعقها -أي لحسها بطرف اللسان-، فالسُّنَّة أن يلعقها، أو يُلعِقْها غيره كزوجته مثلاً، بل السُّنَّة ألَّا يمسح ما يعلق بيده بمنديل، ونحوه حتى يلعقها. ويدلّ عليه: حديث جابر ﵁ السابق. وفي الصحيحين من حديث ابن عبّاس ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا» (٢). وفي حديث جابر ﵁ عند مسلم: «وَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ» (٣). ٥ - سَلْتُ القَصْعَة. والمقصود مِنْ سَلْتِ القَصْعَة: تنظيف الآكل حافته من الطعام،

стр. 142

فمثلاً: من يأكل أرزاً، فإن السُّنَّة ألّا يُبْقِي شيئاً في حافته التي يأكل منها، فيمسح ما بقي في حافته، ويأكله، فقد تكون البركة في هذا المتبقي. ويدلّ عليه: حديث أنس ﵁ قال: «وَأَمَرَنَا -أيّ النَّبيّ ﷺ أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ» (١) رواه مسلم، وفي رواية له من حديث أبي هريرة ﵁: «وَلْيَسْلُتْ أَحَدُكُمُ الصَّحْفَةَ» (٢). قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «أمره بإسلات الصحن أو القصعة، وهو: الإناء الذي فيه الطعام، فإذا انتهيتَ فأسلِتْه، بمعنى: أن تتبع ما علق فيه من طعام بأصابعك، وتلعقها، فهذا أيضاً من السُّنَّة التي غفل عنها كثير من الناس مع الأسف حتى من طلبة العلم أيضاً، إذا فرغوا من الأكل وجدت الجهة التي تليهم ما زال الأكل باقياً فيها، لا يلعقون ما في الصحفة، وهذا خلاف ما أمر به النَّبي ﷺ » (٣). ٦ - الأكل بثلاث أصابع. والسُّنَّة أن يأكل بثلاث أصابع، وهذا فيما يُحمل بثلاث أصابع كالتمر مثلاً. ويدلّ عليه: حديث كَعْبِ بْنِ مالك ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا» (٤). قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «ينبغي للإنسان أن يأكل بثلاث أصابع: الوسطى، والسبابة، والإبهام؛ لأن ذلك أدلُّ على عدم الشره،

стр. 143

وأدلّ على التواضع، ولكن هذا في الطعام الذي يكفي فيه ثلاث أصابع، أمَّا الطعام الذي لا يكفي فيه ثلاث أصابع مثل: الأرز، فلا بأس بأن تأكل بأكثر، لكن الشيء الذي تكفي فيه الأصابع الثلاثة يقتصر عليها، فإن هذا سُنَّة النَّبي ﷺ » (١). قال النَّووي ﵀: وقوله ﷺ : «لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ» معناه -والله أعلم: أنَّ الطعام الذي يحضره الإنسان فيه بركة، ولا يدري أن تلك البركة فيما أكله، أو فيما بقي على أصابعه، أو فيما بقي في أسفل القصعة، أو في اللقمة الساقطة، فينبغي أن يحافظ على هذا كله؛ لتحصل البركة، وأصل البركة: الزيادة، وثبوت الخير، والإمتاع به، والمراد هنا -والله أعلم-: ما يحصل به التغذية، وتسلم عاقبته من أذى، ويقوى على طاعة الله تعالى وغير ذلك» (٢). ٧ - التنفس خارج الإناء ثلاثاً. مِنْ السُّنَّةِ شرب الإناءِ على ثلاث دفعات، والتّنفس بعد كل واحدة. ويدلّ عليه: حديث أَنَسٍ ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِي الشرابِ ثَلَاثاً، وَيَقُولُ: «إِنَّهُ أَرْوَى، وَأَبْرَأُ، وَأَمْرَأُ»، قَالَ أَنَسٌ ﵁: «فَأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشرابِ ثَلَاثاً» (٣)، وفي رواية أبي داود: «أهنأ» (٤)، بدل قوله: «أَرْوَى».

стр. 144

والمقصود من التنفس في الإناء: التنفس أثناء شربه للإناء، بمعنى: أنه يتنفس خارج الإناء؛ لأنَّ التنفس في الإناء مكروه؛ لحديث أبي قَتادة ﵁ في الصحيحين، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا شربَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ» (١). قال النَّووي ﵀: «وقوله ﷺ : «أروى» من الرِّيّ، أي: أكثر ريّاً، وأمرأ، وأبرأ مهموزان، ومعنى: «أبرأ»، أي: أبرأ من ألم العطش، وقيل: «أبرأ»، أي: أسلم من مرض، أو أذى، يحصل بسبب الشرب في نفس واحد، ومعنى: «أمرأ»، أي: أجمل انسياغاً -والله أعلم-» (٢). ٨ - حمد الله تعالى بعد الطعام. ويدلّ على هذه السنة: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «إِنَّ اللّه لَيَرْضى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشربَ الشربَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» (٣). وتأمل أن حمدك الله بعد الشرب أو الأكل يرضي الله تعالى من فوق سبع سماوات، فأدم شكره على نعمه، وحمده على فضله؛ لتكون ممن اصطفاهم الله بقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. وللحمد صيغ متنوعة، منها: أ. «الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلَا مُوَدَّعٍ، وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا» (٤).

стр. 145

ب. «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَرْوَانَا غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلَا مَكْفُورٍ» (١). (غيرَ مَكفِيٍّ): أي: غير محتاج إلى أحد، فهو الذي يطعم عباده ويكفيهم، (ولا مُودَّع): بفتح الدال، وتشديدها، أي: غير متروك، (كَفَانَا): من الكفاية، و (أرْوَانَا): من الرِيّ، (وَلَا مَكْفُورٍ): أي: مجحود فضله ونعمته. ٩ - الاجتماع على الطعام. من السُّنَّة الاجتماع على الطعام، وعدم التفرُّق فيه. ويدلّ عليه: حديث جابر بن عبد اللّه ﵄ يقول: سِمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ يَقُولُ: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» (٢). قال ابن حجر ﵀: «وعند الطبراني من حديث ابن عمر ﵄ ما يرشد إلى العِلَّة في ذلك، وأوله: «كُلُوا جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، فَإِنَّ طَعَامَ الْوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ» (٣) الحديث، فيؤخذ منه أنَّ الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما كثر ازدادت البركة» (٤). قال ابن القيم ﵀: «وللتسمية في أول الطعام والشراب، وحمد الله في آخره، تأثيرٌ عجيب في نفعه واستمرائه، ودفع مضرته، قال الإمام أحمد: إذا جمع الطعام أربعاً فقد كمل: إذا ذُكر اسم الله في أوله، وحُمد الله في آخره، وكثرت عليه الأيدي، وكان من حِل» (٥).
следующие страницы →