أوليائه من المعارف والحكم، أو ما يكتبه الحفظة، انتهى.
قال ابن بطال: (وفي الحديث: جواز دخول الدَّواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج لذلك؛ لأنَّ بولها ليس بنجس، بخلاف غيرها من الدَّواب؛ فلا يجوز، وهو قول مالك).
واعترضه ابن حجر بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز في غيرها عند الحاجة، بل الأمر دائر على التلويث وعدمه، فحيث خيف التلويث؛ امتنع الإدخال، وإلا؛ فلا.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (وفيه نظر؛ لأنَّ قوله ﵇: «طوفي وأنت راكبة» لا يدل على أنَّ الجواز وعدمه دائران مع التلويث، بل ظاهره يدل على الجواز مطلقًا عند الضرورة) انتهى.
واعترضه العجلوني بأنه مصروف عن الظَّاهر؛ لدلائل أخرى؛ منها: الخبر المار: «جنبوا مساجدكم..»؛ فتأمل، انتهى.
قلت: هذا الحديث مقيد بالضرورة، وأمَّا: «جنبوا مساجدكم»؛ فليس مقيدًا بالضرورة، فيحمل المطلق على المقيد على القاعدة المشهورة، وعلى هذا؛ فالحديث ليس مصروفًا عن الظَّاهر كما زعمه هذا القائل، على أنَّه قد جاء عند البخاري: (أنه ﵇ أمر أناسًا (١) من عكل بلقاح وأن يشربوا من أبوالها...)؛ الحديث، وهو ظاهر في أنَّه يدل على الطهارة، لكنه مقيد بالضرورة كما هنا.
والحاصل: أنَّ حديث الباب يدل على الجواز مطلقًا عند الضرورة، وكذا حديث عكل، وكذلك حديث: «جنبوا مساجدكم»، فإنَّه محمول على المنع إلا للضرورة، وهذا توفيق حسن بين الأحاديث، فلا تعارض؛ فافهم ولا تكن من الغافلين.
وزعم ابن حجر أنَّ ناقته ﵇ كانت مدربة معلمة، فيؤمن منها ما يخاف من التلويث وهي سائرة، فيحتمل أنَّ بعير أم سلمة كان كذلك، انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (سلمنا هذا في ناقة النَّبي ﷺ ، ولكن ما يقال في الناقة التي كانت عليها أم سلمة وهي طائفة، ولئن قيل: إنَّها كانت ناقته ﵇؛ قيل له: يحتاج إلى بيان ذلك بالدليل) انتهى.
قلت: واحتمال كون بعير أم سلمة كان معلمًا بعيد عن الظَّاهر؛ لأنَّه ليس جميع الإبل معلمة، ومع هذا يحتاج ذلك إلى دليل وبرهان، وإلا؛ فهو مردود لا يقبله النعسان.
وزعم العجلوني أنَّه غير وارد لمن تأمل.
قلت: بل هو وارد عليه؛ لأنَّه قائل بالاحتمال بلا دليل، فهو قول بالرأي؛ فاجتنبه.
وقال إمام الشَّارحين: (ومن فوائده: أنَّ النساء ينبغي لهنَّ أن يطفن من وراء الرجال؛ لأنَّ للطواف شبهًا للصلاة، ومن سنن النساء فيها أن يكنَّ خلف الرجال، فكذلك في الطواف.
ومنها: أنَّ راكب الدَّابة ينبغي له أن يجتنب ممر الناس ما استطاع، ولا يخالط الرجالة.
ومنها: جواز الطواف راكبًا للمعذور، ولا كراهة فيه، فإن كان غير معذور؛ يعتبر عندنا، وعند الشَّافعي: لا يجوز؛ لقوله ﵇: «الطواف بالبيت صلاة»، ولنا إطلاق قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: ٢٩]، وهو مطلق، والحديث للتشبيه، فلا عموم له، وبقولنا قال ابن المنذر وجماعة، وقال القرطبي: الجمهور على كراهة ذلك، قلنا: نحن أيضًا نقول بالكراهة حتى إنَّه يعيده ما دام بمكة، وسيجيء مزيد لذلك في «الحج») انتهى.
قلت: وهذه العبارة بتمامها لإمامنا الشَّارح، فذكرها شيخ عجلون، ونسبها لنفسه، واعترضه: بأنَّ عند الشَّافعي إن ركب بلا عذر؛ لم يكن، قال: ولعله قول ضعيف لم أقف عليه، انتهى.
قلت: فقد نص الإسنوي وجماعة: على أنَّه مكروه، وبحث الأذرعي واعتمد أنَّه لا يجوز كما ذكره في «التحفة»، فقد حفظ شيئًا وغاب عنه أشياء، وهو وإن كان لم يقف عليه؛ لقصور علمه؛ فقد وقفنا عليه ونص عليه أصحاب الشَّافعي؛ فليحفظ، ولا تكن من الغافلين؛ فافهم.
(٧٩) [بابٌ]
هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة، وبهذا التقدير صار معربًا، ولهذا قال إمام الشَّارحين: (إن لم نقدِّر شيئًا (٢) قبل لفظ: «باب» أو بعده؛ لا يكون معربًا؛ لأنَّ الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب، ثم إنَّ البخاري جرت له عادة، وهي أنَّه إذا ذكر لفظ: «باب» مجردًا عن التَّرجمة؛ يدل ذلك على أنَّ الحديث الذي يذكره بعده يكون له مناسبة بأحاديث الباب الذي قبله، وههنا لا مناسبة بينهما أصلًا بحسب الظَّاهر على ما لا يخفى، لكن تُكُلِّف في ذلكفقيل: تعلقه بأبواب المساجد من جهة أنَّ الرجلين تأخرا مع النَّبي ﷺ في المسجد في تلك الليلة المظلمة؛ لانتظار صلاة العشاء معه، وقال بعضهم: فعلى هذا كان يليق أن يترجم له: فضل المشي إلى المسجد في الليلة المظلمة، قلت: كل واحد من الكلامين غير موجه؛ لأنَّ حديث الباب لا يدل عليهما أصلًا؛ لأنَّ حديث الباب في الرجلين اللذين خرجا من عند النَّبي ﷺ في ليلة مظلمة حتى أتيا أهلهما) انتهى كلام إمام الشَّارحين.
ومراده بقوله: (فقيل) هو قول ابن رشيد، وبقوله: (بعضهم) ابن حجر، واعترضه العجلوني، فزعم أنَّه لا وجه لاعتراضه عليهما، فإنَّهما أبديا مناسبة لذكره في أبواب المساجد أخذًا من كلام ابن بطال، انتهى.
قلت: ليس كل من أبدى (٣) مناسبة يقبل منه، وأي مناسبة ههنا، والحديث الذي ذكره في الباب لا يدل عليها، فإنَّ الباب الذي قبله في إدخال البعير المسجد، وههنا في الرجلين الذين خرجا من عنده ﵇ في ليلة مظلمة حتى أتيا أهلهما، فما المناسبة بينهما؟ كما لا يخفى، على أنَّ كلام ابن بطال فيه بُعد كما ستقف عليه قريبًا.
وزعم ابن حجر أنَّ المؤلف بيَّض لهذا الباب، فاستمر كذلك، وكأنَّه تلجج بحديث أبي داود وغيره عن بريدة من قوله ﵇: «بشر المشائين في الظُّلَم إلى المساجد يوم القيامة بالنور التام» انتهى.
قلت: كون المؤلف بيَّض له فاستمر كذلك يدل على أنَّ المؤلف لم ير مناسبة لحديث الباب مع أحاديث الباب الذي قبله؛ لأنَّه لو كان فيه أدنى مناسبة؛ لذكر ترجمة تناسبه، وكونه تلجج بحديث أبي داود بعيد عن الأفهام؛ لأنَّه لو كان مراده هذا؛ لترجم له وذكره تحت ترجمته، ومن البعيد أن يترجم لشيء من الأحاديث ولم يذكرها؛ لأنَّه معيب عند المؤلفين، كما لا يخفى، ولأنَّ فيه تشتيت الأذهان بلا برهان؛ لأنَّ عادته ذكر الأحاديث حتى يستدل بها، وما لم يذكره يكون غير موافق لشرطه، فلا يعتمد عليه، فكيف يترجم أو يجنح إليه، وهو لا يستدل به؛ فافهم ذلك.
وقال ابن بطال: (إنَّما ذكر البخاري هذا الحديث في باب أحكام المساجد؛ لأنَّ الرجلين كانا مع النَّبي ﷺ في المسجد، وهو موضع جلوسه مع أصحابه، وأكرمهما الله بالنور في الدنيا ببركته ﵇، وفضل مسجده وملازمته، وذلك آية للنبي ﵇ وكرامة له) انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (هذا أيضًا فيه بُعد، والوجه أن يقال: إنَّهما لما كانا في المسجد مع النَّبي ﷺ وهما ينتظران صلاة العشاء معه؛ أُكرما
стр. 667
بهذه الكرامة، وللمسجد في حصول هذه الكرامة دخل، فناسب ذكر حديث الباب ههنا بهذه الحيثية) انتهى.
واعترضه العجلوني بأن ما ذكره هو كلام ابن بطال، وابن رشيد، وابن حجر، ولا وجه لاعتراضه على ابن بطال، انتهى.
قلت: ليس من عادة إمام الشَّارحين أن يأخذ كلام غيره، وينسبه لنفسه، بل هذه عادة ابن حجر، وما ذكره ليس كلام هؤلاء، بل هو كلام من نفسه لم يسبقه إليه أحد، فهو من فيض الوهاب في مناسبة ذكر حديث الباب ههنا.
واعتراضه على ابن بطال وجيه؛ لأنَّه قال: (لأنَّ الرجلين كانا معه ﵇ في المسجد، وهو موضع جلوسه مع أصحابه...) إلخ، فما معنى هذا الكلام؟ وأي مناسبة في موضع جلوسه مع أصحابه بما سبق؟ وما هذا إلا تعصب بارد.
ونقل العجلوني عنهم: أنَّه يستدل له بأنَّ الله يجعل لمن يسبح في تلك المساجد نورًا في قبورهم وفي جميع أعضائهم، وكان الأولى بالبخاري أن يترجم لهذا الحديث بـ (باب قول الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾) [النور: ٤٠] انتهى.
قلت: وهذا كلام غير ظاهر؛ لأنَّه إنْ أراد بقوله: (يستدل له...) إلخ: وجه المناسبة بين حديث الباب وبين الذي قبله؛ فلا شك في منعه، وأنَّه بعيد؛ لأنَّ الحديث السَّابق ليس فيه ما ذكر ولا إشارة إليه، وإنْ أراد به: فضل حضور الجماعة معه ﵇؛ فلا شك في ذلك، ومع هذا فهو غير مناسب لما قبله، كما لا يخفى.
وقوله: (وكان الأولى...) إلخ؛ ممنوع أيضًا؛ لأنَّ هذه الكرامة ليست عامة في جميع الناس، فكم شخص يصلِّي وليس له نور، على أنَّ المراد بالنور: الإيمان، فمن لم يجعل الله له إيمانًا؛ فما له من إيمان وإن صلى وصام، والظَّاهر أن يقال في وجه المناسبة: إنَّ حديث الباب لما كان فيه أنَّ الرجلين كانا في مسجده ﵇؛ ناسب أن يذكر في (أبواب المساجد)، ومناسبته بما قبله من حيث إنَّ الرجلين كانا قد صليا معه صلاة العشاء في المسجد، وفي الحديث السَّابق: أنَّ أم سلمة كانت في المسجد، وصلت معه ﵇ صلاة الصبح في المسجد وسألته، وكان الأولى أن يترجم البخاري له بـ (باب فضل الصلاة مع الجماعة)، أو (باب فضل الصلاة معه ﵇، أو (باب فضل صلاة العشاء)؛ فتأمَّل، والله أعلم.
[حديث: أنَّ رجلين من أصحاب النبي خرجا من عند النبي في ليلة مظلمة]
٤٦٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن المثنى) بلفظ المفعول من التثنية، هو ابن عبيد العنزي البصري (قال: حدثنا معاذ بن هشام) هو ابن أبي عبد الله الدستوائي البصري (قال: حدثني) بالإفراد (أبي) هو هشام المذكور، (عن قتادة) هو ابن دعامة السدوسي البصري (قال: حدثنا أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك) هو الأنصاري، خادم النَّبي الأعظم ﷺ : (أَنَّ رجلين) بفتح الهمزة (من أصحاب النَّبي) الأعظم، وفي نسخة: (رسول الله) ﷺ ؛ أي: الأنصار، وهما: عباد بن بشر وأسيد بن حضير، كما عند المؤلف في (مناقب الأنصار)، وقال حمَّاد: حدثنا ثابت عن أنس: (كان أسيد وعباد بن بشر عند النَّبي ﷺ ، وقال السفاقسي: (هما عباد بن بشر وعويم بن ساعدة) انتهى.
قلت: يرده ما ذكرناه عن المؤلف.
و (عَبَّاد) : بفتح العين المهملة، وتشديد الموحَّدة، و (بِشْر) : بكسر الموحَّدة، وسكون المعجمة، الأنصاري، قُتل يوم اليمامة، و (أُسيد) : بِضَمِّ الهمزة، مُصغَّر أسد، و (حُضَيْر) : بِضَمِّ الحاء المهملة، وفتح الضَّاد المعجمة، وسكون التحتية، آخره راء، و (عُوَيم) : بِضَمِّ العين المهملة، وفتح الواو، مصغر عوم، انتهى.
(خرجا) أي: الرجلان (من عند النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: بعدما صليا صلاة العشاء معه ﵇ في مسجده النَّبوي، كما يدل عليه السياق؛ فافهم، (في ليلة مظلِمة)؛ بكسر اللَّام، اسم فاعل، من أظلم الليل؛ بمعنى: ظهر، وقال الفراء: (ظلِم -بالكسر- وأظلم بمعنًى) انتهى، (ومعهما مثل المصباحين)؛ أي: نور مثل نور المصباحين، والجملة محلها نصب على الحال بالواو والضمير، وجملة: (يضيئان بين أيديهما) : محلها نصب على الحال من (المصباحين)، أو صفة لهما، لكنه بعيد، و (يضيئان) : من أضاء، تقول: ضاءت النَّار، وأضاءت مثله، وأضاءته النَّار، يتعدى ولا يتعدى، قاله الشَّارح، وقال الإمام الزمخشري: (أضاء؛ بمعنى: نور، متعد، وبمعنى: لمع، لازم، و «أظلم» يحتمل التَّعدي، ويحتمل عدمه، وهو الظَّاهر)، فـ (بين أيديهما) -أي: أقدامهما-: مفعول فيه إن كان (أضاء) لازمًا، ومفعول به إن كان متعديًا؛ فليحفظ.
(فلما افترقا) أي: الرجلان؛ أي: كل واحد (صار مع كل واحد منهما) أي: من الرجلين (واحد)؛ أي: نور واحد يضيء له وحده، وارتفاعه على أنَّه فاعل (صار) (حتى أتى أهله)؛ أي: منزلهم؛ أي: وانتهى؛ لانتهاء الحاجة.
قال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: دلالة ظاهرة لكرامة الأولياء، ولا شك فيه، وفيه رد على من ينكر ذلك) انتهى.
قلت: وذلك لأنَّ الإضاءة لهما كرامة ببركة النَّبي الأعظم ﷺ ، ومعجزة له، وخصهما بهذه الكرامة؛ لاحتياجهما إلى النور حيث خرجا من عنده في ليلة مظلمة، ولإظهار سر قوله ﵇ فيما رواه أبو داود وغيره: «بَشِّر المشائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة»، فجعل الله لهما في الدنيا بعض ما ادَّخر لهما في الآخرة.
ثم قال إمام الشَّارحين: (وقد وقع مثل هذا قديمًا وحديثًا، أمَّا قديمًا؛ فمن ذلك ما ذكره ابن عساكر وغيره عن قتادة بن النعمان: «أنَّه خرج من عند رسول الله ﷺ وبيده عرجون، فأضاء له العرجون».
وفي «دلائل البيهقي» من حديث ميمون بن زيد بن أبي عبس: حدثني أبي: «أنَّ أبا عبس كان يصلِّي مع النَّبي ﷺ الصلوات، ثم يرجع إلى بني حارثة يخرج في ليلة مظلمة مطيرة، فنورت له عصاه حتى دخل دار بني حارثة».
ومن حديث كثير بن زيد، عن محمَّد بن حمزة بن عمرة الأسلمي، عن أبيه قال: «كنَّا مع رسول الله ﷺ فنفرنا في ليلة مظلمة، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم، وما هلك منهم، وإن أصابعي لتنير»، وفي لفظ: «نفرت دوابنا ونحن في مشقة...»؛ الحديث.
وأمَّا حديثًا؛ فمن ذلك ما يثبت بالتواتر عن جماعة من طلبة العلم الثقاة: أنَّهم كانوا مع الشيخ الإمام العلامة حسام الدين الرهاوي -مصنف «البحار» وغيره- في وليمة بمدينة عينتاب في ليلة مظلمة شاتية، فلما تفرقوا؛ أراد جماعة أن ينوروا على الشيخ إلى باب داره؛ لشدة الظلمة، فما رضي بذلك فردهم، فرجعوا، وتبع الشيخ جماعة من بُعْد، فقالوا وهم يحلفون: إنَّهم شاهدوا نورين عظيمين مثل الفوانيس؛ أحدهما عن يمين الشيخ، والآخر عن شماله، فلم يزالا معه إلى أن وصل إلى باب داره، فلما فتح الباب ودخل الشيخ؛ ارتفع النوران، ولقد أخبرني عنه جماعة بكرامات أخرى غير ذلك، وهو أحد مشايخي الذين انتفعت بهم، وأخذت عنهم) انتهى كلام إمامنا الشَّارح ﵁.
ووجه مطابقة الحديث ومناسبته قد ذكرناها فيما سبق أول الباب مع مزيد كلام، والله أعلم.
стр. 668
(٨٠) [باب الخوخة والممر في المسجد]
هذا (باب) بيان أمر (الخَوْخَة) بفتح الخاءين المعجمتين، وبينهما واو ساكنة؛ وهي باب صغير في الجدار مثل الطاقة، قال في «القاموس» : (الخَوْخَة: كوة تؤدي الضوء إلى البيت، ومخترق ما بين كل دارين ما عليه باب) انتهى، وقال في «الصِّحاح» : (الخَوْخَة: كوة في الجدار تؤدي الضوء)، وقال في «مختصره» : (الخَوْخَة: كوة (١) في الجدار تؤدي الضوء) انتهى، وقال ابن قرقول: (هي باب صغير قد يكون بمصراع وقد لا يكون، وأصلها فتح في حائط) انتهى.
قلت: وبهذا ظهر فساد ما زعمه العجلوني من أنَّ (الخَوْخَة: باب صغير في باب كبير على المشهور، لكن كلام الكرماني يقتضي أنَّها الباب الصغير مطلقًا سواء كان في كبير أم لا) انتهى.
قلت: والكرماني قال: (هي الباب الصغير) انتهى، وهو قاصر، وليس فيه اقتضاء لما زعمه على أنَّه متى وجد النقل عن أئمة اللُّغة؛ فلا يعدل عنه، وهو الذي يكون مشهورًا، لا ما زعمه من أنَّه مشهور، فإنَّه لا أصل له في اللُّغة فضلًا عن أن يكون مشهورًا، وما هذا إلا قول من لم يمس شيئًا من العلوم؛ فليحفظ.
(والمَمَرِّ)؛ بفتح الميمين، وتشديد الرَّاء؛ أي: موضع المرور، وقوله: (في المسجد) متعلق بـ (الخَوْخَة والمَمَرِّ) على سبيل التنازع، ويحتمل أنَّه حال منهما، أو صفة لهما، والأول أظهر؛ فافهم.
قال إمامنا الشَّارح: (والظَّاهر أنَّ مراد البخاري من وضع هذه التَّرجمة: الإشارة إلى جواز اتخاذ الخَوْخَة والمَمَرِّ في المسجد؛ لأن حديث الباب يدل على ذلك) انتهى.
قلت: وعلى هذا فيكون المعنى: باب جواز اتخاذ الخوخة والممر في المسجد، فكانت التَّرجمة لشيئين، وزعم العجلوني أنَّ التَّرجمة لشيء واحد، وهو اتخاذ الخَوْخَة، وهو بعيد عن النَّظر؛ لأنَّ المؤلف صرح بترجمته للشيئين؛ فافهم.
قال الدماميني في «المصابيح» : (نبَّه المؤلف بذلك على أنَّ المرور في المسجد لما يعرض للإنسان من شؤونه جائز، وهو من قبيل الاتفاق بما لا يضر كبير مضرة، ولا يقال: إنَّ المساجد لم توضع طرقات، فإنَّ التشديد في ذلك تنطع، والمسجد والطرقات كلها لله مرافق للمسلمين، فيستعان ببعضها على بعض؛ كمجامع مصر، وجامع الإسكندرية الوسط، وقد كان ممر أبي بكر إلى داره في المسجد) انتهى.
واعترضه العجلوني: بأنَّ الذي يستفاد من حديث الباب أنَّ جواز الخَوْخَة والمَمَر في المسجد خاص بنحو الخليفة والإمام، وأمَّا جواز المرور فيه لغير من ذكر بكراهة أو بدونها؛ فمعلوم من دليل آخر، انتهى.
قلت: وفيه نظر، فإنَّ صريح حديث الباب يدل على الجواز مطلقًا، وكونه خاص بنحو الخليفة والإمام يحتاج إلى دليل، وبمجرد الدعوى لا يقبل، على أنَّ أبا بكر لم يكن إذ ذاك خليفةً ولا إمامًا، فكيف يدعي ذلك؟ ولو كان كما زعمه؛ لكان ذلك خاصًّا بالنَّبي الأعظم ﷺ ؛ لأنَّه هو الخليفة والإمام دون أبي بكر، والحديث صريح بخلافه.
وقوله: (وأمَّا جواز المرور...) إلخ؛ فيه نظر أيضًا؛ لأنَّ هذا الحديث يدل على الجواز مطلقًا، وهو يفيد عدم الكراهة، فلا احتياج لدليل آخر لما ذكر؛ فافهم.
[حديث: إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند]
٤٦٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن سِنان) بكسر السين المهملة، ثم نونين، بينهما ألف (قال: حدثنا فُلَيْح)؛ بِضَمِّ الفاء، وفتح اللَّام، وسكون التحتية، آخره حاء مهملة، ذكره بلقبه؛ لشهرته به، وإلا؛ فاسمه عبد الملك بن سليمان (قال: حدثنا أبو النَّضْر)؛ بفتح النُّون، وسكون الضَّاد المعجمة، ذكره بكنيته؛ لشهرته به، وإلا؛ فاسمه سالم بن أبي أمية، (عن عُبيد بن حنين) بِضَمِّ العين المهملة، مصغر العبد، ضد الحر، و (حُنَيْن) : بِضَمِّ الحاء المهملة، وفتح النُّون، وسكون التحتية، آخره نون، هو أبو عبد الله المدني، المتوفى بالمدينة سنة مئة وخمس، (عن بُسْر) بِضَمِّ الموحَّدة، وسكون المهملة، آخره راء (ابن سَعِيد) بكسر العين المهملة، المدني الزاهد، المتوفى بالمدينة سنة مئة، (عن أبي سعيد) هو سعد بن مالك (الخدري) الصَّحابي الجليل ﵁، هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية الأصيلي وأبي ذر: (عن عُبيد بن حُنَيْن، عن أبي سعيد)؛ بإسقاط (بُسْر).
وقال الكرماني: (وقع في بعض النُّسخ: «عن عُبيد بن حُنَيْن، عن أبي سعيد»، وفي بعضها: «عن بُسْر بن سعيد، عن أبي سعيد»، وفي بعضها: «عن عُبيد وعن بُسْر، عن أبي سعيد»؛ بالجمع بينهما بواو العطف، وفي بعضها: «عن عُبيد، عن بُسْر، عن أبي سعيد»؛ بدون الواو بينهما) انتهى.
قال إمام الشَّارحين: قال ابن السكن عن الفربري: قال محمَّد بن إسماعيل: هكذا رواه محمَّد بن سِنان، عن فليح، عن أبي النَّضْر، عن عُبيد، عن بُسْر، عن أبي سَعِيد، وهو خطأ، وإنما هو عن عُبيد بن حُنَيْن وعن بُسْر بن سعيد (٢)؛ يعني: بواو العطف، وكذا خرجه مسلم: عن سعيد بن منصور، عن فُلَيح، عن أبي النَّضْر، عن عُبيد وبُسْر، عن أبي سعيد، ورواه عن فُلَيح كرواية سعيد بن يونس بن محمَّد عند ابن أبي شيبة، ورواية أبي زيد المروزي في «صحيح البخاري» : حدثنا محمَّد بن سِنان: حدثنا فُلَيح: حدثنا أبو النَّضْر، عن عُبيد، عن أبي سعيد، ورواه البخاري في (فضل أبي بكر) : عن عبيد الله بن محمَّد، عن ابن عامر: حدثنا فُلَيح: حدثنا سالم، عن بُسْر بن سعيد، عن أبي سعيد، وفي (هجرة النَّبي ﷺ : عن إسماعيل بن عبد الله: حدثني مالك، عن أبي النَّضْر، عن عُبيد بن حُنَيْن، عن أبي سعيد بلفظ: «أن يؤتيه الله من زهرة الدنيا ما شاء»، وفيه: (فبكى أبو بكر، وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا)، وكذا رواه عن مالك عبد الله بن مسلمة، وابن وهب، ومعن، ومطرف، وإبراهيم بن طهمان، ومحمَّد بن الحسن، وعبد العزيز بن يحيى، قال الدارقطني: (لم أره في «الموطأ» إلا في كتاب «الجامع» للقعنبي، ولم يذكره في «الموطأ» غيره، ومن تابعه؛ فإنما رواه في غير «الموطأ»).
قال إمام الشَّارحين: وكأنَّ هذا الاختلاف إنَّما أتى من فُلَيح؛ لأنَّ الحديث حديثه وعليه يدور، وهو عند بعضهم هو لين الرواية، وحاصل الكلام: أنَّ فُلَيحًا كان يروي تارة عن عُبيد وعن بسر كليهما، وتارة يقتصر على أحدهما، والخطأ من محمَّد بن سِنان؛ حيث حذف الواو العاطفة.
وعلى هذا؛ فانتقاد الدارقطني عليه هذا الحديث بقوله: (رواية من رواه عن أبي النَّضْر، عن عُبيد، عن بُسْر غير محفوظة)؛ لا وجه له مع إفصاحه بما ذكره؛ إذ ليست هذه بعلة قادحة؛ فليحفظ.
(قال) أي: أبو سعيد الخدري: (خطب النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: في مرضه الذي توفي فيه، كما يفيده حديث ابن عبَّاس الآتي، (فقال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ في خطبته: (إنَّ الله) (خيَّر) ماضي التخيير (عبدًا)؛ أي: فوض إليه الخيار بين الشيئين، وإنَّما ذكره منكرًا للإبهام على السامعين؛ ليظهر فهم
стр. 669
أهل المعرفة، ونباهة أصحاب الشرف، وإلا؛ فهو ﵇ العبد المخيَّر (بين الدنيا)؛ أي: البقاء فيها إلى وقت يعلمه، وسميت دنيا؛ لدنوها وقربها من الزوال (وبين ما عنده)؛ أي: عند الله؛ وهو الدار الآخرة وما أعد له فيها من النعيم المقيم، وسميت آخرة؛ لتأخرها عن الدنيا، أو لعدم زوالها، فهي آخرة حقيقة.
وقوله: (فاختار) أي: العبد المخيَّر (ما) أي: الذي (عند الله)؛ أي: من النعيم الدائم، ساقط عند الأصيلي وابن عساكر، وضرب عليه أبو الوقت، (فبكى أبو بكر) زاد الأصيلي: (الصديق)؛ أي الأكبر ﵁، والفاء للسببية.
وقوله: (فقلت في نفسي) ... إلى قوله: (أعلمنا) من كلام أبي سعيد الخدري: (ما يبكي) كلمة (ما) استفهامية مبتدأ، وقوله: (هذا الشيخ)؛ يعني: أبا بكر الصديق، منصوب على المفعولية، وما بعده بالتبعية، و (يبكي) : من الإبكاء لا من البكاء؛ لأنَّ بكيته؛ بمعنى: بكيت عليه، وهنا المعنى: أي شيء يجعل هذا الشيخ باكيًا؛ فافهم.
وقوله: (إنْ يكنِ اللهُ خيَّرَ عبدًا؟) قيد للاستفهام؛ أي: إن كان الله خيَّر بعض عباده بين ما ذكر، وهذا رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: (إنْ يكنْ لله عبدٌ خُيِّر).
قال إمام الشَّارحين: (وإعراب الأولى هو أنَّ «إن» بالكسر: شرطية، و «يكن» : فعل الشرط، وهو مجزوم، ولكنه لما اتصل بلفظ «الله»؛ كسر؛ لأنَّ الأصل في الساكن إذا حُرك؛ حُرك بالكسر، قال الكرماني: «والجزاء محذوف، يدل عليه السياق»، قلت: لا حاجة إلى هذا، بل الجزاء قوله: «فاختار ما عند الله») انتهى كلام [إمام] الشَّارحين.
واعترضه العجلوني، فزعم أنَّ فيه نظر؛ لأنَّه ليس المعنى عليه، انتهى.
قلت: واعتراضه ونظره مردودان عليه، بل المعنى عليه صحيح، ويدل عليه دخول الفاء، وهي لا تدخل إلا على الجزاء كما هنا؛ فافهم، ولا تغتر بهذه العصبية الزائدة.
ثم قال إمام الشَّارحين: (و «خَيَّر» على صيغة المعلوم من التخيير، و «عبدًا» : مفعوله، والضمير في «فاختار» يرجع إلى العبد، و «ما عند الله» : في محل النصب، مفعوله، وإعراب الرواية الثانية: هو أنَّ «إنْ» أيضًا: كلمة شرط، و «يكنْ» : مجزوم به، وقوله: «عبد» : مبتدأ، وخبره قوله: «لله» مقدمًا، وقوله: «خُيِّر» على صيغة المجهول في محل رفع؛ لأنَّه صفة لـ «عبد»، والجزاء هو قوله: «فاختار») انتهى.
قال العجلوني: (ولم يتعرض لاسم «يكن» أو فاعلها، ولعله ضمير الشأن، والمناسب جعل «عبد» مرفوع «يكن» تامة أو ناقصة، و «لله» : حال منه على جعلها تامة أو ناقصة، وجملة «خير» صفة لـ «عبد»، أو خبرًا لـ «يكن»؛ مثل قولك: إن يكن في الدار رجل قائمًا؛ فالأمر كذا؛ فتأمَّل) انتهى.
قلت: وهذا فيه تكلف وتعسف لا حاجة إليه.
وقوله: (ولم يتعرض لاسم «يكن» ...) إلخ؛ ممنوع، فإنَّه قد صرح بأنَّ الجزاء قوله: (فاختار)، ولهذا دخلته الفاء، وإذا وجد فعل الشرط وجزاؤه؛ لا حاجة إلى غيره؛ لأنَّه اسمها وفاعلها في الحقيقة.
وقوله: (ولعله ضمير الشأن) : كلام غير موجه؛ لأنَّ كلمة (إن) شرطية، فكيف تجعل للشأن؟! وهو خلاف القواعد.
وقوله: (والمناسب...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّ فيه تكلفًا لا حاجة إليه، مع كونه غير موافق للمعنى المراد منه؛ فافهم.
وقال الدماميني: (ووقع في بعض النُّسخ: «أن يكون اللهُ عبدًا خيَّر»؛ بتقديم المفعول مع فتح «أن» وكسرها).
وقال السفاقسي: (ويصح أن تكون الهمزة -يعني: همزة «إن» - مفتوحة)، قال ابن التين: (على أنَّها تعليلية)، وقال إمام الشَّارحين: بأن (١) يكونمنصوبًا بـ (أن)، ويكون المعنى: ما يبكيه لأجل أن يكون الله خيَّر عبدًا؟
قال ابن حجر: (وفيما قاله ابن التين نظر)، ولم يذكر وجهه.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (في نظره نظر؛ لأنَّ التعليل هنا لأجل فراقه ﵇، لا على كونه خُيِّر بين الدنيا وبين ما عنده).
واعترضه العجلوني، فزعم بل النَّظر في نظره؛ لأنَّه علل بعكس ما قاله، انتهى.
قلت: هذا محاولة وخروج عن الظَّاهر؛ لأنَّه لم يذكر وجه النَّظر بل ذكره رجمًا بالغيب، وعلى فرض كون التعليل بالمعنى المذكور؛ إنَّما هو بحسب ظاهر الأمر، وإنما هو في الحقيقة لأجل الفراق، وهو يستلزم أن يكون خيِّر بين الأمرين، فما زعمه ليس في محله وإنما هو من تحريك عرق العصبية؛ فافهم.
واستشكل جزم (يكن) على فتح (أن)، وأجاب الكرماني قياسًا على توجيه ابن مالك في حديث: (لن ترع) : بأنَّه أجرى الوصل مجرى الوقف، فسكن النُّون له، وحذف الواو؛ لالتقاء الساكنين.
وقال العجلوني: (يحتمل أنَّها جازمة؛ كقوله: تعالوا إلى أن يأتنا العيد) انتهى.
قلت: يحتمل كونها جازمة في الشعر للضرورة، ولا ضرورة ههنا، والذي يفهم من كلام إمام الشَّارحين: أنَّه على الفتح بالنصب لا غير؛ لأنَّه قال: بأن (٢) يكون منصوبًا بـ (أن) كما ذكرنا عبارته، وظاهر اقتصاره على النصب أنَّه لا يجوز غيره وهو الرواية، واقتصار الكرماني على الجزم وتوجيهه قياسًا كما مر؛ غير ظاهر؛ لأنَّه قياس مع الفارق، والرواية لا تساعده، وعلى هذا فلا يلزم توجيه الجزم، ولا التعرض إليه؛ لأنَّه غير محتاج إليه؛ فافهم، ولا تغتر بعصبية العجلوني؛ لأنَّه قد تحرك عرقه؛ فافهم.
(بين الدنيا) متعلق بقوله: (خيِّر) (وبين ما عنده) أي: الله تعالى من النعم الدائمة، (فاختار ما عند الله، فكان رسول الله ﷺ هو العبدَ)؛ أي: المخير بين الأمرين، و (العبدَ) : منصوب؛ لأنَّه تابع لاسم (كان)، وهو الرواية.
وزعم العجلوني أنَّه يحتمل النصب والرفع، كما يحتمل (هو) المحل وعدمه، انتهى.
قلت: احتمال النصب مع احتمال المحل في (هو) هو الصَّواب؛ لأنَّه الرواية والمعنى عليه، وأمَّا الاحتمال الثاني؛ فبعيد؛ لأنَّ الرفع لا وجه له صحيح، وكون (هو) لا محل له بعيد أيضًا؛ لأنَّه يخل في المعنى، والرواية لا تساعد هذا؛ فليحفظ.
وسقط هنا أيضًا: (فاختار ما عند الله) للأصيلي وابن عساكر، وضرب عليه أبو الوقت.
(وكان أبو بكر) أي: الصديق الأكبر ﵁ (أعلمنا) أي: أكثرنا علمًا؛ حيث فهم أنَّه رسول الله ﷺ ، فبكى حزنًا على فراقه وقال: (بل نفديك بآبائنا وأموالنا وأولادنا)، وإنما كان أبو بكر أعلم الصَّحابة؛ لأنَّه لم ينكر عليه أحد
стр. 670
ممن حضر من الصَّحابة حين قال أبو سعيد: (وكان أبو بكر أعلمنا)، اختصه الشَّارع بالخصوصية العظمى، وأظهر أنَّ للصديق من الفضائل والحقوق ما لا يشاركه في ذلك مخلوق، ولهذا (قال) وللأصيلي وأبي ذر: (فقال)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ : (يا أبا بكر؛ لا تَبك)؛ بفتح الفوقية؛ أي: على فراقي، وهذا أمر منه له بالصبر، وأعقبه بتسلية نفسه، وسكون روعه، وعلل ذلك بقوله: (إنَّ أمنَّ الناس)؛ بنصب (أمنَّ) اسم (إنَّ)، هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية كما في «التنقيح» : (إنَّ من أمن الناس) على حذف اسمها والمجرور صفته؛ أي: رجلًا من أمن، وجوز الدماميني أن يكون على حد قوله ﵇: «إنَّ من أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون»، فأمَّا (من) زائدة في الإيجاب والتعريف على رأي الأخفش، وأمَّا اسمها؛ فضمير الشأن محذوف (١)، انتهى، (عليَّ) بتشديد ياء المتكلم (في صحبته وماله أبو بكر)؛ أي: أكثرهم جودًا وسماحة لنا بنفسه وماله، من المن؛ بمعنى: العطاء من غير استثابة، ومنه: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ [ص: ٣٩]، وقوله: ﴿لَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، وليس هو من المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة؛ لأنَّه مبطل للثواب، لأنَّ المنة لله ولرسوله في قبول ذلك، قاله الخطابي، وقال القرطبي: ووزن «أمن» : «أفعل» من المنة؛ أي: الامتنان؛ أي: أكثر منةً؛ ومعناه: أنَّ أبا بكر له من الحقوق ما لو كان لغيره؛ لامتن بها، وذلك لأنَّه بادر بالتصديق، ونفقة الأموال، وبالملازمة، والمصاحبة إلى غير ذلك بانشراح صدر ورسوخ علم بأنَّ الله ورسوله لهما المنة في ذلك والفضل، لكن النَّبي الأعظم ﷺ بجميل أخلاقه وكرم أعرافه، اعترف بذلك عملًا بشكر المنعم، ليسنَّ (٢)؛ كما قال للأنصار، وفي «جامع الترمذي» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما لأحد عندنا يد إلا كافيناه ما خلا أبا بكر، فإنَّ له عندنا يدًا يكافيه الله بها يوم القيامة» انتهى.
(ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي) كذا في رواية الأربعة، وفي رواية غيرهم: (ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا)، قال إمام الشَّارحين: الاتخاذ: (افتعال) من الأخذ، و (اتخذ) يتعدى إلى مفعول واحد، ويتعدى إلى مفعولين؛ أحدهما بحرف الجر، فيكون بمعنى: أختار وأصطفي، وههنا سكت عن أحد مفعولهما، وهو الذي دخل عليه حرف الجر، فكأنَّه قال: لو كنت متخذًا من الناس خليلًا؛ (لاتخذت) منهم (أبا بكر) يعني: خليلًا، كما هو ثابت في رواية الأصيلي دون غيره؛ فافهم، والخليل: المخال؛ وهو الذي يخالك؛ أي: يوافقك في خلالك، أو يسايرك في طريقتك، من الخِل؛ وهو الطريق في الرمل، أو يسد خللك كما تسد خلله، أو يداخلك خلال منازلك (٣)، وقيل: أصل الخلة: الانقطاع، فخليل الله: المنقطع إليه، وقال ابن فورك: (الخلة: صفاء المودة بتخلل الأسرار، وقيل: الخليل: من لا يتسع قلبه لغير خليله)، وقال القاضي عياض: أصل الخلة: الافتقار والانقطاع، فخليل الله؛ أي: المنقطع إليه؛ لِقَصْرِهِ حاجته عليه، وقيل: الخلة: الاختصاص بأصل الاصطفاء، وسمي إبراهيم خليل الله؛ لأنَّه والى فيه وعادى فيه، وقيل: سمي به؛ لأنَّه تخلل بخلالٍ حسنة، وأخلاق كريمة، وخله الله: نصره وجعله إمامًا لمن بعده.
وزَعْمُ السفاقسي أنَّه كان اتخذ خليلًا من الملائكة، ولهذا قال: «لو كنت متخذًا خليلًا من أمتي»؛ يرده قوله ﵇: «ولكن صاحبكم خليل الرحمن»، وفي رواية: «لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي»؛ أي: أنَّ حب الله لم يُبقِ في قلبي موضعًا لغيره تعالى.
ومعنى الحديث: أنَّ أبا بكر متأهل لأن يتخذه ﵇ خليلًا لولا المانع المذكور، وهو أنَّه امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة الله تعالى، ومحبته، ومراقبته، حتى كأنَّها مزجت أجزاء قلبه بذلك، فلم يتسع قلبه لخليل آخر، وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحدًا، ومن لم ينته إلى ذلك ممن يَعْلَق القلب به؛ فهو حبيب، ولذلك أثبت لأبي بكر وعائشةأنهما أحب الناس إليه، ونفى عنهما الخلة التي هي فوق المحبة.
وقد اختلف أرباب القلوب في ذلك؛ فذهب الجمهور إلى أن الخلة أعلا؛ تمسكًا بهذا الحديث، وذهب ابن فورك إلى أنَّ المحبة أعلا؛ لأنَّها صفة النَّبي الأعظم ﷺ وهو أفضل من الخليل، وقيل: هما سواء؛ فلا يكون الخليل إلا حبيبًا ولا الحبيب إلا خليلًا.
وزعم الفراء أنَّ معناه: فلو كنت أخص أحدًا بشيء من العلم دون الناس؛ لخصصت به أبا بكر؛ لأنَّ الخليلك من تفرد بخله من الفضل لا يشركه فيها أحد.
وقيل: معنى الحديث: لو كنت منقطعًا إلى غير الله؛ لانقطعت إلى أبي بكر، لكن هذا ممتنع؛ لامتناع ذلك، وقول بعض الصَّحابة: (سمعت خليلي يقول) لا بأس به؛ لأنَّ انقطاعه إلى النَّبي الأعظم ﷺ انقطاع إلى الله ، والممتنع انقطاعه ﵇ إلى غير الله تعالى لا انقطاع غيره إليه، كذا قرره إمام الشَّارحين، وأخذ عبارته العجلوني ونسبها لنفسه، ولهذا عزوتها إليه؛ فافهم.
وقال الخطابي: (الخليل: الفقير، كأنَّهم غيروا فقره إلى محبته، والاسم منه: الخَلة؛ بالفتح، ومن المحبة: الخُلة؛ مضمومة، وقيل: الخليل: مشتق من خلة المرعى؛ وهو نبات تستحليه الماشية فتستكثر منه) انتهى.
(ولكن أُخُوَّة الإسلام)؛ بِضَمِّ الهمزة والخاء المعجمة، مع تشديد الواو، كذا في رواية الأكثرين، وللأصيلي: (ولكن خُوَّة الإسلام)؛ بحذف الهمزة.
قال الكرماني: (وتوجيهه أن يقال: نقلت حركة الهمزة إلى النُّون في «لكن»، وحذفت الهمزة، فعرض بعد ذلك استثقال ضمة من كسرة وضمة، فسكَّن النُّون تخفيفًا، فصار: «ولكن خوة»، وسكون النُّون بعد هذا العمل غير سكونه الأصلي (٤)، ثم نقل عن ابن مالك أنَّ فيه ثلاثة أوجه؛ سكون النُّون وثبوت الهمزة بعدها مضمومة، وضم النُّون وحذف الهمزة، فالأول أصل، والثاني فرع، والثالث فرع فرع) انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (كل هذا تكلف خارج عن القاعدة، ولكن الوجه أن يقال: إنَّ «لكنْ» على حالها ساكنة النُّون، وحذفت الهمزة من «أخوة» اعتباطًا، ولهذا قال ابن التين: رويناه بغير همزة، ولا أصل لهذا، وكأنَّ الهمزة سقطت هنا، وهي ثابتة في باقي المواضع، وقوله: «أخوة الإسلام» : كلام إضافي مبتدأ، وخبره محذوف؛ تقديره: ولكن أخوة الإسلام أفضل أو نحوه، ويؤيده أنَّ في حديث ابن عبَّاس الذي بعده وقع هكذا) انتهى كلامه.
قال العجلوني: (ليتأمل في دعواه الكلية، وهل القاعدة الحذف الاعتباطي أو القياسي؟ والمقرر الأول) انتهى.
قلت: مراد الكرماني وابن مالك: أنَّ الحذف هنا قياسي مع أنَّ القاعدة أنَّه اعتباطي، على أنَّ ما قالاه تكلف وتعسف بلا فائدة، والحق ما قاله إمام الشَّارحين، وهو الصَّواب، ولا تغتر بما يزعمه أهل التعصب البارد،
стр. 671
فإنَّه من توغلهم الشارد.
(ومودته)؛ أي: مودة الإسلام، وهو معطوف على (أخوة) الواقع مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: أفضل، قال العجلوني: (ويجوز العكس) انتهى.
قلت: هو غير ظاهر، بل الظَّاهر الأول، ويدل عليه تصريح حديث ابن عبَّاس الآتي بذلك؛ فافهم.
قال إمامنا الشَّارح: (والفرق بين الخلة والمودة باعتبار المتعلق مع أنَّهما بمعنى واحد، وهو أنَّه أثبت المودة؛ لأنَّها بحسب الإسلام والدين، ونفى الخلة؛ للمعنى الذي ذكرناه، والدليل على أنَّهما بمعنى واحد: قوله في الحديث الذي بعده: «ولكن خلة الإسلام»، بدل لفظ المودة، وقد قيل: إنَّ الخلة أخص وأعلى مرتبة من المودة، فنفى الخاص وأثبت العام.
فإن قيل: المراد من السياق أفضلية أبي بكر، وكل الصَّحابة داخلون تحت أخوة الإسلام، فمن أين لزم أفضليته؟
قلت: بأنَّها تعلم مما قبله ومما بعده) انتهى.
وقال الكرماني: (ليس المراد تفضيل المودة على الخلة، فـ «أفضل» المقدر -كالآتي- بمعنى: الفاضل)، ثم قال: (والمودة الإسلامية متفاوتة بحسب تفاوتهم في إعلاء كلمة الله، وتحصيل كثرة الثواب، وذلك معنى الأفضلية، ولا شك أنَّ الصديق أفضل الصَّحابة من هذه الحيثية، أو «أفضل» ليس على حقيقته، أو معناه: أنَّ مودة الإسلام معه أفضل من مودته مع غيره) انتهى.
(لا يبقينَّ)؛ بالنُّون المشددة؛ للتأكيد، قال الكرماني: (بلفظ المجهول، ويروى بلفظ المعروف أيضًا) انتهى.
(في المسجد) : متعلق بـ (يبقى)، واللَّام فيه للعهد؛ أي: النَّبوي، والمراد به العام، (باب)؛ بالرفع، قال إمام الشَّارحين: (في صيغة المجهول يكون لفظ «بابُ» مرفوعًا على أنَّه مفعول ناب عن الفاعل؛ والتقدير: لا يبقي أحد في المسجد، وفي صيغة المعلوم يكون «باب» مرفوعًا على أنَّه فاعل، ولا يقال: كيف ينهى الباب عن البقاء وهو غير مُكلَّف؛ لأنَّا نقول: إنَّه كناية؛ لأنَّ عدم البقاء لازم للنَّهي عن الإبقاء، فكأنَّه قال: لا يبقيه أحد حتى لا يبقى، وذلك كما يقال: لا أريتك ههنا؛ أي: لا تقعد عندي حتى لا أراك) انتهى.
وقد أخذ العجلوني عبارته، وتصرف بها، ونسبها لنفسه؛ فافهم.
والباب في الأصل: فرجة في حائط صغيرًا كان أو كبيرًا، والمراد به ههنا: الخَوْخَة؛ لأنَّها كوة (١) في جدار ترى الضوء، كما قاله أهل اللُّغة، وهذا تفسير لما في التَّرجمة من الخَوْخَة، فالمراد بها: الباب في الجدار، وهو المراد به هنا: الخَوْخَة الآتية في لفظ الحديث الثاني، فإنَّها المأمور بسدها، فلا تغاير بين التَّرجمة والحديثين؛ فليحفظ.
(إلا سدَّ)؛ بالنصب، استثناء مفرغ؛ تقديره: لا يبقى باب بوجه من الوجوه إلا بوجه السد، ويحتمل أن يكون إلا بابًا سُدَّ، والجملة صفة لـ (بابًا) المقدر، مستثنًى من كلام تام غير موجب، فيجوز رفعه اتباعًا (إلا بابَ أبي بكر)؛ بالنصب على الاستثناء من (بابًا) المقدر، فيجوز فيه الوجهان؛ فـ (بابًا) المقدر مستثنًى أولًا، ومستثنًى منه ثانيًا، فلا يلزم كون الفعل مستثنًى ومستثنًى منه.
وحاصل المعنى: لا يبقى باب غير مسدود إلا باب أبي بكر ﵁.
قال الخطابي: (إنَّ أمره ﵇ بسد الأبواب غير الباب الشَّارع إلى المسجد إلا باب أبي بكر يدل على اختصاص شديد لأبي بكر وإكرام له؛ لأنَّهما كانا لا يفترقان) انتهى.
وقال إمام الشَّارحين: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّ الخَوْخَة هي الباب الصغير، وقد يكون بمصراع واحد وبمصراعين، وأصلها: فتح في حائط.
فإن قلت: التَّرجمة شيئان؛ أحدهما: الخَوْخَة، والآخر: المَمَر، ومطابقته للخَوْخَة ظاهرة، وليس فيه ذكر المَمَر.
قلت: المَمَر من لوازم الخَوْخَة، فذكرها يغني عن ذكره) انتهى.
ثم قال: (وفي الحديث دلالة على أنَّه قد أفرده في ذلك بأمر لا يشاركه فيه غيره، فأولى ما انصرف إليه التأويل فيه الخلافة، وقد أكثر الدلالة عليها بأمره إياه بالإمامة في الصلاة التي بنى لها المسجد).
قال الخطابي: (ولا أعلم في إثبات القياس أقوى من إجماع الصَّحابة على استخلاف أبي بكر مستدلين في ذلك باستخلافه ﵇ في أعظم أمور الدين؛ وهو الصلاة، فقاسوا عليها سائر الأمور، ولأنه ﵇ كان يخرج من باب بيته وهو في المسجد للصلاة، فلما غلَّق الأبواب إلا باب أبي بكر؛ دلَّ على أنَّه يخرج منه إليه للصلاة، فكأنَّه ﵇ أمر بذلك على أنَّه من بعده يفعل ذلك هكذا.
فإن قلت: روي عن ابن عبَّاس: أنَّه ﵇ قال: «سدوا الأبواب إلا باب علي ﵁».
قلت: قال الترمذي: هو حديث غريب، وقال البخاري: حديث: «إلا باب أبي بكر»؛ أصح، وقال الحاكم: تفرد به مسكين بن بكير الحراني عن شعبة، وقال ابن عساكر: وهو وهم، قال صاحب «التوضيح» : وتابعه إبراهيم بن المختار) انتهى.
قال العجلوني: (قيل: الحديث على طرق يقوي بعضها بعضًا، بل قال ابن حجر: في بعضها إسناده قوي، وفي بعضها رجاله ثقاة) انتهى.
قلت: هذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ قول الترمذي: (غريب)، وقول الحاكم: (تفرد به مسكين)، وقول ابن عساكر: (وهم)؛ يرد هذا، ومن القواعد: أنَّ الجرح مقدم على التَّعديل، ويحتمل أنَّه ﵇ قال لعلي هذا خصوصية له، وتطييبًا لخاطر ابنته فاطمة، وإلا فالقرائن في الأحوال والأقوال تدل على أنَّه خاص بأبي بكر، وأنَّ الخلافة له، يدل عليه أنَّه أمره بالصلاة مقامه، ولم يأمر عليًّا كما ثبت في «البخاري»، فما زعمه العجلوني وابن حجر يوافق قول الشيعة الفرقة الضالة، فلا ينبغي القول بذلك، ولذلك أجمعت الصَّحابة على استخلاف أبي بكر دون علي؛ لعلمهم ذلك منه ﵇ بالقرائن بالقول والفعل، ولم يلتفتوا إلى حديث علي؛ لعلمهم أنَّه خصوصية له؛ لأجل خاطر فاطمة ﵄؛ فافهم ذلك ولا تكن من الغافلين.
وقال ابن بطال: (وفي الحديث التعريض بالعلم للناس، وإن قل فهماؤهم؛ خشية أن يدخل عليهم مساءة أو حزن) انتهى.
وقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: أنَّه لا يستحق أحد العلم حقيقة إلا من فهم، والحافظ لا يبلغ درجة الفهم، وإنما يقال للحافظ: عالم بالنص لا بالمعنى.
وفيه: دليل على أنَّ أبا بكر أعلم الصَّحابة ﵃.
وفيه: الحض على اختيار ما عند الله تعالى، والزهد في الدنيا، والإعلام بمن اختار ذلك من الصالحين.
وفيه: أنَّ على السلطان شكر من أحسن صحبته ومعونته بنفسه وماله، واختصاصه بالفضيلة التي لم يُشارَك فيها كما خصه ﵇ بما لم يشركه غيره، وذلك أنَّه جعل بابه في المسجد؛ ليخلفه في الإمامة فيخرج من بيته إلى المسجد، كما كان ﵇ يخرج، ومنع الناس كلهم من ذلك دليل على خلافته بعده ﵇.
وفيه: إئتلاف النفوس بقوله: «ولكن أخوة الإسلام أفضل».
وفيه: أنَّ المساجد تصان عن تطرق الناس إليها في خوخات ونحوها إلا من أبوابها إلا من حاجة مهمة.
وفيه: أنَّ الخليل
стр. 672
فوق الصديق والأخ) انتهى.
[حديث: إنه ليس من الناس أحد أَمنَّ عليَّ في نفسه وماله من أبي بكر]
٤٦٧ - وبالسند إليه قال: (حدثنا عبد الله بن محمَّد الجُعْفي) بِضَمِّ الجيم، وسكون العين المهملة، هو المسندي (قال: حدثنا وهب بن جَرير) بفتح الجيم (قال: حدثنا أبي) هو جَرير بن حازم -بالحاء المهملة والزاي- العتكي (قال: سمعت يَعْلى) بفتح التحتية أوله، وسكون العين المهملة (بن حَكِيم)؛ بفتح الحاء المهملة، وكسر الكاف، هو الثقفي المكي، سكن البصرة، ومات بالشام، قال البازلي: (أدرك زمن الصَّحابة، ولم يثبت أنَّه أدرك أحدًا منهم) انتهى، (عن عِكرمة) بكسر العين المهملة، مولى ابن عبَّاس ﵄، (عن ابن عبَّاس) هو عبد الله بن عبَّاس بن عبد المطلب القرشي ﵄: أنَّه (قال: خرج رسول الله) وللأصيلي: (النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: من حجرته للصلاة، والظَّاهر أنَّها صلاة الجمعة، كما يدل عليه السياق؛ فافهم، (في مرضه الذي مات فيه) والظَّاهر أنَّه كان وجع رأس من شدة الحرارة، وقوله: (عاصبًا) بالنصب على الحال، وهو الشد، وقوله: (رأسَه) بالنصب أيضًا، مفعوله، وقوله: (بخِرْقة) بكسر الخاء المعجمة، وسكون الرَّاء المهملة: قطعة من القطن المسدود، والمراد بها: المنديل، متعلق بـ (عاصبًا).
قال إمام الشَّارحين: (ويروى: «عاصب رأسه»؛ بالإضافة، وقال ابن التين: «المعروف: عصب رأسه تعصيبًا»، قلت: ذكر صاحب «دستور اللُّغة» «عصب» بالتخفيف أيضًا، فقال: «عصب: شدَّ» ذكره في باب «فعَل يفعِل»؛ بفتح العين في الماضي، وكسرها في المستقبل) انتهى.
قلت: وعلى الرواية الثانية يحتمل قوله: (عاصب) الرفع والنصب؛ فافهم.
قيل: وفي رواية الفرع: (عاصب رأسه)؛ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، والجملة حال، والله أعلم.
(فقعَد)؛ بفتح العين المهملة؛ أي: على المنبر لأجل الخطبة للناس، (فحمد الله)؛ أي: على وجوه الكمال، والمراد: أنَّه ﵇ قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»، كما وَرَد عنه، (وأثنى عليه)؛ أي: على ذاته بعدم النقصان فيه، والمراد: أنَّه ﵇ وصف ذاته بصفات الكمال، ونزهه عن صفات النقص والمستحيلة، (ثم قال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ : (إنَّه) أي: الشأن (ليس من الناس) أي: الصَّحابة، فغيرهم من باب أولى (أحد أمنَّ)؛ بتشديد النُّون خبر (ليس)؛ أي: أكثر عطاء وبذلًا، من منَّ عليه منًّا: أنعم، ومنه: المنان من أسمائه الحسنى (عليَّ) بتشديد ياء المتكلم (في نفسه وماله) : فقد بذلهما في حبه ﵇، ومن بَذلِ نفسه: ما وقع له في الغار، كما نطق بها القرآن، ولم يكن معه ﵇ غير أبي بكر بالإجماع (من أبي بكر بن أبي قُحَافة)؛ بِضَمِّ القاف، وتخفيف الحاء المهملة، وبعد الألف فاء، واسمه عثمان بن عامر التيمي، أسلم يوم الفتح، وعاش إلى خلافة عمر ﵁، ومات بالمدينة، وله سبع وتسعون سنة، وليس في الصَّحابة من في نسله ثلاثة بطون صحابيون إلا هو، قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: (وفي حديث أبي سعيد السَّابق: «إنَّ أمنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر»، والفرق بين العبارتين: أنَّ الأولى أبلغ؛ لأنَّ الثانية تحتمل أن يكون له من يساويه في المنة؛ إذ المنفي هو الأفضلية لا المساواة) انتهى، ومثله في الكرماني.
واعترضه العجلوني بأنَّ المقام مقام المدح وهو يأباها، فصار المقصود منهما واحدًا؛ فافهم، انتهى.
قلت: لا ريب أنَّ المقام في كل منهما للمدح، لكن الأولى أبلغ في المدح بخلاف الثانية، وما المانع من وجود المساواة؟ فإنَّ الصَّحابة كلهم قد أفدوه ﵇ بأنفسهم وأموالهم، فيكون هو مثلهم لكن بزيادة، ويزاد أيضًا على ما في الرواية الأولى فإنَّها قد نطقت بالزيادة التامة، وليس المقام يأباها، ولا المقصود منهما واحد؛ لأنَّه ﵇ أولًا قد ساواه مع بقية الصَّحابة، ثم استثناه منهم، وخصه بالزيادة في الفضل، فليس مراد العبارتين واحدًا كما زعمه؛ فليحفظ.
(ولو كنت متخذًا من الناس) أي: الصَّحابة وغيرهم بالأولى (خليلًا)؛ أي: موافقًا ومسايرًا في الطريق، أو من لا يسع قلبه لغير خليله، أو لو كنت أخص أحدًا بشيء من العلم دون الناس؛ لخصصت به أبا بكر، ولذا قال: (لاتخذت أبا بكر)؛ أي: خليلًا منهم، فمفعوله الثاني محذوف إن أخذ من المتعدي لاثنين، وإلا؛ فلا حذف؛ فافهم، (ولكن خلة الإسلام أفضل)؛ أي: فاضلة؛ لأنَّ المراد: أنَّ الخلة بالمعنى الأول أعلى مرتبة وأفضل من كل خلة من المحبة على ما عليه الجمهور؛ استدلالًا بهذا الحديث وأمثاله، كما قدمناه قريبًا، والخُلَّة -بضم الخاء المعجمة، وتشديد اللَّام- في الأصل: ما خلا عن النبت كما في «الصِّحاح»، وقال في «القاموس» : (الخُلة -بالضم-: الخليلة (١) والصداقة المحضة لا خلل فيها، تكون في عفاف وفي دعارة، والجمع: خلال؛ ككتاب)، وهي بهذا المعنى أنسب ههنا مما ذكرناه عن «الصِّحاح»، وأمَّا قول الكرماني نقلًا عن الجوهري: الخلة: الخليل؛ فلا يناسب هنا، كما لا يخفى إن كان الخليل بمعنى: الشخص المخالل؛ فتدبره، كذا زعمه العجلوني.
قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ ما قاله الجوهري وجهه ظاهر؛ لأنَّ الخليل: الشخص: المخال، وهو الذي يخالك؛ أي: يوافقك (٢) في خلالك، أو يسايرك في طريقتك، من الخل؛ وهو الطريق في الرمل، أو يسد خللك كما تسد خلله، أو يداخلك خلال منازلك (٣)، كما صرح به أهل اللُّغة؛ فليحفظ، فما زعمه العجلوني؛ ليس يشيء؛ فافهم.
وقال إمام الشَّارحين نقلًا عن ابن بطال: (إنَّه وقع في الحديث -أي: الأول-: «ولكن أخوة الإسلام»، ولا أعرف معناه)، قال: (وقد وجدت الحديث بعده «خلة» بدل «أخوة»، وهو الصَّواب؛ لأنَّه ﵇ صرف الكلام على ما تقدمه من ذكر الخلالة، فأتى بلفظ مشتق منها، ولم أجد «خوة» بمعنى «خلة» في كلام العرب) انتهى.
(سُدُّوا) بِضَمِّ السين المهملة، والدَّال المهملة المشددة (عني) أي: عن مسجدي (كل خُوخة)؛ بِضَمِّ الخاء المعجمة؛ أي: باب (في هذا المسجد) أي: النَّبوي (غير خوخة) أي: باب (أبي بكر)؛ أي: الصديق الأكبر ﵁، وفي رواية الكشميهني: (إلا) بدل (غير)، قال الكرماني: (لفظ «هذا المسجد» لا يتناول إلا مسجده الشريف) انتهى.
بناءً على أنَّ اللَّام فيه للعهد، لكن الحكم فيه عام قياسًا عليه، كما لا يخفى، كما سبق أنَّ المساجد تصان عن تطرق الناس إليها في خوخات ونحوها إلا لحاجة مهمة؛ فافهم.
وفي الحديث المطابقة للتَّرجمة؛ لأنَّ فيه الأمر بسد كل خوخة إلا خوخة أبي بكر، وأمَّا المَمَر، فإن جعل اسم موضع والمراد به: الخوخة؛ فهو ظاهر، وإن كان المراد به الأعم منها؛ فبالقياس عليها، وإن
стр. 673
جعل مصدرًا بمعنى: المرور؛ فدلالته عليه باللزوم، ولهذا قال إمامنا الشَّارح: (المَمَر من لوازم الخَوْخَة، فذِكرها يغني عن ذكره) انتهى.
ثم قال: (والظَّاهر من وضع هذه التَّرجمة: الإشارة إلى جواز اتخاذ الخوخة والممر في المسجد؛ لأنَّ حديث الباب يدل على ذلك) انتهى.
واعترضه العجلوني بأنَّه إن أراد بـ (يدل على) جواز اتخاذ الخوخة والممر لنحو الإمام؛ فمُسلَّم، وإن أراد العموم؛ فلا؛ لأنَّ الشَّارع أمر بسد كل خوخة غير خوخة أبي بكر؛ فافهم.
قلت: وهو غير ظاهر، فإنَّ كون جواز اتخاذ الخوخة والممر لنحو الإمام يحتاج لدليل، والحديث لا يدل عليه؛ لأنَّ أبا بكر لم يكن إذ ذاك إمامًا، بل المراد بجواز اتخاذ الخوخة والممر على العموم مطلقًا، سواء كان مدرسًا، أو ناظرًا، أو متوليًّا، أو مؤذنًا، أو غير ذلك؛ لأنَّ حديثي الباب مطلق، فيحمل على العموم.
ولهذا قال الدماميني في «المصابيح» : (نبَّه بذلك على أنَّ المرور في المسجد لما يعرض للإنسان من شؤونه جائز، وهو من قبيل الاتفاق بما لا يضر كبير مضرة، ولا يقال: إنَّ المساجد لم توضع طرقات؛ فإنَّ التشديد في ذلك تنطع، والمسجد والطرقات كلها لله مرافق للمسلمين، فيستعان ببعضها على بعض؛ كمجامع مصر، وقد كان ممر أبي بكر إلى داره في المسجد) انتهى.
وقال صاحب «المنحة» : (أي: جوازهما فيه) انتهى؛ فهو ظاهر في العموم، ويحتمل أنَّ الشَّارع أمر بسد كل خوخة تطل على حجرته؛ لأنَّ قوله في الحديث: (سُدُّوا عني)؛ أي: عن حجرتي، أو عن بابي حتى لا أحد ينظر إليه ﵇؛ لكونه كان في مرضه الذي مات فيه؛ فافهم.
وقال إمام الشَّارحين: (ويستفاد من هذا الحديث: جواز الخطبة قاعدًا، قاله الكرماني، قلت: هذه الخطبة لم تكن واجبة، وباب التطوع واسع) انتهى.
قلت: والظَّاهر أنَّ هذه الخطبة كانت خطبة جمعة، ويحتمل أنَّها لم تكن للجمعة بل للتذكير، وعلى الأول؛ فتجوز الخطبة الواجبة قاعدًا أو مضجعًا، كما في «التاترخانية»؛ لأنَّ القيام حال الخطبة سنة لا واجب، فلو قعد فيهما أو في أحدهما؛ أجزأه وكره من غير عذر، فلو كان مريضًا؛ أجزأه من غير كراهة، هذا مذهب الإمام الأعظم ﵁ والجمهور، والله تعالى أعلم.
(٨١) [باب الأبواب والغلق للكعبة والمساجد]
هذا (باب) حكم اتخاذ (الأبواب) جمع باب؛ وهو الفرجة في الحائط (والغَلَق)؛ بفتح الغين المعجمة واللَّام؛ وهو المغلاق؛ وهو ما يغلق به الباب، قاله إمامنا الشَّارح.
قلت: وبه صرح في «الصِّحاح» و «مختصره» و «القاموس»، والظَّاهر أنَّه الخشبة، أو العصاة، أو القفل، والغال؛ مما يغلق به الباب؛ كالمفتاح للغال ونحوه، ويدل لهذا حديث الباب؛ فافهم.
ويحتمل أنَّ المراد: حكم غلق الأبواب في غير وقت صلاة، فيكون الغلق شاملًا للفتح والغلق في وقت الصلاة وفي غير وقتها، والمقصود منه الصيانة والحفظ؛ فافهم.
وقوله: (للكعبة والمساجد) بيان لاتخاذ الأبواب وغلقها؛ يعني: باب حكم اتخاذ الأبواب وغلقها الكائن للكعبة والمساجد، فهو بيان وتفسير للسابق، فقول العجلوني: (من عطف العام على الخاص)؛ غير ظاهر؛ لأنَّ الكلام الأول لم يتم إلا بلاحقه، وليس فيه عطف، بل هو بيان وتفسير لذلك؛ فافهم، على أنَّ الكعبة تابعة للمسجد الحرام، فذكر المساجد يغني عنها، لكن لما كان لها أحكام مختصة بها؛ نص عليها بانفرادها؛ تفسيرًا لما سبق، وهي ليس لها أبواب بل واحد فقط كما هو المعهود منها.
والمراد بالحكم: الوجوب، ولهذا قال ابن بطال: (اتخاذ الأبواب للمساجد واجب؛ لتصان عن مكان الريب وتنزه عما لا يصلح فيها؛ أي: ولأجل حفظها من أيدي العادية وغيرها، فاتخذت الأبواب؛ لحفظها مما يدانسها).
وتقدير (الحكم) أولى من تقدير العجلوني (الجواز)؛ لأنَّه خاص والحكم أعم، وهو أولى؛ فافهم.
وقوله: (قال أبو عبد الله)؛ أي: محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبه البخاري الجعفي، جامع هذا «الصَّحيح»، ثابت عند الأكثرين، ساقط عند الأصيلي وابن عساكر: (وقال لي عبد الله بن محمَّد) هو الجعفي المسندي مذاكرةً: (قال: حدثنا سفيان) هو ابن عينية، (عن ابن جريج) بجيمين مصغرًا، هو عبد الملك بن عبد العزيز (قال: قال لي ابن أبي مُلكية)؛ بِضَمِّ الميم؛ بالتصغير، هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ملكية، واسمه زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المكي القاضي: (يا عبد الملك) هو اسم ابن جريج؛ (لو رأيتَ) بفتح التَّاء (مساجد ابن عبَّاس وأبوابها)؛ أي: لرأيت عجبًا أو حسنًا؛ لإتقانها، فجزاء (لو) محذوف، كما قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: (ويحتمل أن تكون «لو» للتَّمني، فلا تحتاج إلى الجزاء، وهذا الكلام يدل على أنَّ هذه المساجد كانت لها أبواب وأغلاق بأحسن ما يكون، ولكن كانت في الوقت الذي قال ابن أبي مُليكة لابن جريج: «خربت واندرست»، ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «وأبوابها») انتهى.
قلت: يعني: وإنَّ الغالب أنَّ لأبوابها أغلاقًا.
قال العجلوني: (وهل الجمع مراد فيها؛ لأنَّها كانت متعددة أو هي اسم لمسجد واحد عمَّره في الكوفة أو غيرها؛ فليحرر) انتهى.
قلت: قول ابن أبي مليكة: (لو رأيت مساجد ابن عبَّاس) يدل على أنَّ الجمع الحقيقي مراد فيها؛ لأنَّه الأصل في الكلام، فهي متعددة؛ لأنَّه لا مانع من أنَّه عمَّر مسجدًا في الكوفة، ومسجدًا في الطَّائف، ومسجدًا في غيرهما؛ لأنَّه قد سكن الطَّائف وتوفي فيه، ومسجده هناك مشهور؛ كما هو في الكوفة وغيرهما؛ فليحفظ.
[حديث: أن النبي قدم مكة فدعا عثمان بن طلحة ففتح]
٤٦٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: ([حدثنا] أبو النُّعمان) بِضَمِّ النُّون، هو محمَّد بن الفضل السدوسي البصري (وقتيبة) زاد أبو ذر: (ابن سعيد) : هو المنقري (قالا) بالتثنية: (حدثنا حمَّاد) زاد أبوا ذر والوقت: (ابن زيد) هو ابن درهم الأزدي الحمصي البصري، (عن أيوب) هو السختياني، (عن نافع) هو مولى ابن عمر، (عن ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي ﵄: (أن النَّبي) الأعظم ﷺ قدِم)؛ بكسر الدَّال المهملة (مكة) أي: المكرمة عام الفتح، (فدعا) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (عثمان بن طلحة) هو ابن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى العبدري الحجبي، قتل أبوه وعمه يوم أُحُد كافرين في جماعة من بني عمهما، وهاجر هذا مع خالد بن الوليد وعمرو، ودفع النَّبيُّ ﵇ له وإلى ابن عمه شيبة بن عثمان مفتاح الكعبة، كذا في «عمدة القاري».
وقال الكرماني: (أسلم عثمان يوم هدنة الحديبية، وجاء يوم الفتح بمفتاح الكعبة وفتحها، فقال ﵇: «خذوها -يعني: المفتاح- يا آل أبي طلحة خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم»، ثم نزل المدينة، فأقام بها إلى وفاة النَّبي ﵇، ثم تحول إلى مكة ومات بها سنة اثنتين وأربعين) انتهى.
وقال البيضاوي وغيره: (أسلم عثمان يوم الفتح، وأتى يوم الفتح بمفتاح الكعبة وفتحها، ودفع رسول الله مفتاح الكعبة إليه وإلى ابن عمه شيبة بن عثمان لما نزلت آية: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾) [النساء: ٥٨] انتهى.
وهو مخالف لما زعمه الكرماني من أنَّه أسلم يوم الحديبية؛ فيحرر.
وقال العجلوني: (ورجوع ضمير «خذوها» إلى
стр. 674
المفتاح صرح به الكرماني، والعيني، وغيرهما، وكأنَّه أثبته باعتبار أنَّه آلة الفتح، ولا يمتنع رجوعه إلى السدانة؛ فتأمل) انتهى.
قلت: ويحتمل أنَّه أراد بقوله: «خذوها»؛ أي: الكعبة، وأخذ المفتاح قرينة إلى أنَّها تكون بأيديهم ولا تنزع منهم؛ فتأمل.
وكون الإمام العيني صرح به؛ ممنوع، بل نقل عبارة الكرماني وظاهره التبري منها، حيث لم يتعرض لمرجع الضمير، وانظر ما معنى السدانة التي (١) ذكرها العجلوني.
وفي «مختصر الصِّحاح» : (السادن: خادم الكعبة وبيت الأصنام، والجمع: السدنة) انتهى، وعلى هذا فالضمير يرجع إلى الكعبة؛ لأنَّها كانت بيت الأصنام.
وفي «القاموس» : (السدانة: خدم الكعبة، وسَدَنَ ثوبه: أرسله) انتهى، وعلى هذا فيكون السدانة: ثياب الكعبة، ومرجع الضمير إليها ظاهر؛ فتأمل مع ما سبق.
(ففَتَحَ البابَ)؛ أي: باب الكعبة، وظاهر كلام الشراح أنَّ الرواية بالبناء للفاعل؛ أي: أنَّه ﵇ فتح الباب، وهو منصوب، ويحتمل أن يكون مبنيًا للمفعول؛ لأنَّه ﵇ قد سلَّم المفتاح إلى آل أبي طلحة، فيحتمل أنَّ الفاتح عثمان أو غيره؛ فافهم، (فدخل النَّبي) الأعظم ﷺ أي: في الكعبة (وبلال) عطف على قوله: (النَّبي)؛ أي: ودخل بلال أيضًا مع النَّبي الأعظم ﷺ ، وهو المؤذن، ابن رباح مولى الصديق الأكبر ﵄، واسم أمه: حمامة، أسلم قديمًا، فعذبه قومه، وجعلوا يقولون له: ربك اللات والعزى، وهو يقول: أَحدٌ أَحد، فأتى عليه الصديق فاشتراه بسبع أواق، وأعتقه، فشهد بدرًا، والحديبية، والمشاهد كلها مع رسول الله ﵇، وهو أول من أذَّن لرسول الله، وكان يؤذن له سفرًا وحضرًا، توفي بالشام سنة عشرين، عن بضع وستين سنة، وقبره بمقبرة باب الصغير، عليه قبة عظيمة، يزار ويتبرك به، وغير ذلك فيه نظر؛ فافهم، (وأُسَامة بن زيد)؛ بِضَمِّ الهمزة، وفتح السين المهملة: حِبُّ رسول الله ﵇ الذي ولاه ﵇ وكان صغيرًا، (وعثمان بن طلحة) هو العبدري الحجبي، المار آنفًا، قال إمام الشَّارحين: (وإدخاله ﵇ هؤلاء الثلاثة معه لِمعَانٍ تخص كل واحد منهم، فأمَّا دخول بلال؛ فلكونه مؤذنه وخادم أمر صلاته، وأمَّا أسامة؛ فلأنه كان يتولى خدمة ما يحتاج إليه، وأمَّا عثمان؛ فلئلا يتوهم الناس أنَّه ﵇ عزله عن ولايته، ولأنَّه كان يقوم بفتح الباب وإغلاقه) انتهى.
(ثم أُغلِق البابَ)؛ بِضَمِّ الهمزة، وكسر اللَّام، مبنيًا للمفعول، كذا في رواية الأكثرين، وفي روايةٍ-كما في القسطلاني من غير عَزوٍ-: (ثم أَغلَق) بفتح الهمزة واللَّام، مبنيًا للفاعل، و (البابَ) منصوب على المفعولية، وعليها فيكون الفاعل النَّبيَّ الأعظم ﷺ ، وعلى الأولى يكون واحدًا من هؤلاء الثلاثة؛ فافهم.
والحكمة في غلق الباب ما قاله الخطابي وابن بطال: إنَّ إغلاق باب الكعبة كان لئلا يَكْثُر الناس عليه، فيصلُّون بصلاته ﵇، ويكون ذلك عندهم من المناسك، كما فعل في صلاة الليل حين لم يخرج إليهم؛ خشية أن يكتب عليهم.
وقيل: إنَّما كان ذلك لئلا يزدحموا عليه؛ لتوفر دواعيهم على مراعاة أفعاله ليأخذوها عنه.
وقيل: ليكون ذلك أسكن لقلبه، وأجمع لخشوعه، كذا في «عمدة القاري».
وفي العجلوني: (وقيل: للتمكن من الصلاة في جميع جهاتها؛ لأنَّ الصلاة إلى الباب لا تصح إذا كان مفتوحًا من غير شاخص مرتفع) انتهى.
قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ فتح الباب غير مانع للصلاة، فإن شرط صحة الصلاة: استقبال جزء من بقعة الكعبة أو هوائها، فإن القبلة اسم لبقعة الكعبة المحدودة وهوائها إلى عنان السَّماء، وليس بناؤها قبلة، ولهذا حين أزيل البناء زمن عبد الله بن الزُّبير ﵁؛ صلى الصَّحابة ﵃ إلى البقعة أو هوائها دون البناء وإن كان البناء المرتفع يسمى كعبة؛ لأنَّه مأخوذ من الارتفاع، ومنه: الكاعب، فكان هذا إجماع من الصَّحابة على ذلك، فهذه العلة غير ظاهرة، وما قدمناه آنفًا أولى بالصَّواب؛ فافهم.
(فلبث)؛ بالمثلَّثة، من اللبث؛ وهو المكث؛ أي: مكث (فيه)؛ أي: في البيت العتيق النَّبيُّ الأعظم ﷺ ومن كان معه ممن سبق (ساعة)؛ أي: مقدار ساعة زمانية، وهي خمس عشرة درجة، وهي المعروفة بستين دقيقة؛ لأنَّ هذا المقدار من الزمن هو الذي يسع الصلاة، والدعاء، ونحوهما.
وقول العجلوني: (أي: لغوية)؛ ممنوع؛ لأنَّها حصة من الزمن ولو لحظة، وهي لا تسع الصلاة والدعاء ونحوها؛ فافهم.
(ثم خرجوا)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ ومن دخل معه ممن (٢) سبق، وأتى بـ (ثم) المفيدة للتراخي؛ لأنَّه كان لبثهم ساعة زمانية كما ذكرنا، وهو يؤيد ما قلناه؛ فافهم.
قال العجلوني: (وفي نسخة: «ثم خرج») انتهى.
قلت: الله أعلم بصحتها، وليس المعنى عليها بظاهر؛ لأنَّ الذي خرج ليس فردًا بل جمعًا؛ فليحفظ.
(قال ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: (فبَدَرتُ)؛ بفتح الموحَّدة والدَّال المهملة؛ أي: أسرعت؛ يعني: أنَّ ابن عمر لما رآهم خرجوا من البيت؛ بادر للسؤال عن صلاة النَّبي الأعظم ﷺ ، (فسألت بلالًا)؛ أي: قلت له: هل صلى النَّبي الأعظم ﷺ في البيت أم لا؟ (فقال) أي: بلال: (صلى فيه) أي: صلى النَّبي الأعظم ﷺ في البيت المعظم، (فقلت: في أيٍّ؟) بتنوين (أيٍّ)؛ يعني: في أيِّ نواحيه؟ كما ثبت في بعض النُّسخ، (قال) أي: بلال: (بين الأسطوانتين) تثنية الأُسطوانة؛ بِضَمِّ الهمزة، ووزنها: أفعوانة، وقيل: فعلوانة، قاله إمامنا الشَّارح، زاد الكرماني: (وقيل: أفعلانة).
وفي «عمدة القاري» : (وسيجيء في كتاب «الحج» عن ابن عمر: «أنَّه سأل بلالًا: هل صلى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم؛ بين العمودين -وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة- ثم صلى»، وفي لفظ: «فمكث في البيت نهارًا طويلًا، ثم خرج فابتدر الناس الدخول، فسبقتهم فوجدت بلالًا قائمًا وراء الباب، فقلت له: أين صلى؟ فقال: بين ذينك العمودين المقدمين، قال: ونسيت أن أسأله كم صلى؟ وعند المكان الذي صلى فيه مرمرة حمراء») انتهى.
قلت: وهذان العامودان هما المعبَّر عنهما ههنا بـ (الأسطوانتين)؛ فافهم.
(قال ابن عمر: فذهب عليَّ) بفتح ياء المتكلم؛ أي: أُنْسِيت (أَن أَسأله) بفتح همزة (أَن) المصدرية، وهي في محل رفع فاعل (ذهب)؛ أي: ذهب عليَّ سؤال بلال: (كم صلى) النَّبي الأعظم ﷺ في البيت؟ أي: فاتني أن أسأله عن مقدار ما صلى؛ لأنَّ (كم) الاستفهامية للسؤال عن الكمية.
وفي «عمدة القاري» : (وروى أحمد من حديث عثمان بن طلحة بسند صالح: «أنَّ النَّبي ﷺ دخل البيت فصلى فيه ركعتين بين الساريتين (٣)».
وفي «فوائد سمويه» : «أنَّ عبد الرحمن بن الوضاح قال: قلت لشيبة: زعموا أنَّ النَّبي ﷺ دخل الكعبة فلم يصلِّ فيها، قال: كذبوا،
стр. 675
والله لقد صلى ركعتين بين العمودين، ثم ألصق بهما بطنه وظهره».
ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «ففتح الباب»، وفي قوله: «ثم أغلق».
وفي الحديث: أنَّ اتخاذ الأبواب للمساجد واجب.
وفيه: أنَّ المستحب لمن يدخل الكعبة أن يصلِّي فيها بين الأسطوانتين، كما فعل النَّبي الأعظم ﷺ انتهى.
قلت: وفي الحديث: دليل على جواز الصلاة داخل البيت فرضًا كانت أو نفلًا؛ لأنَّ صلاته ﵇ وإن كانت نفلًا فالفرض في معناه فيما هو من شرائط الجواز دون الأركان، ولأنها صلاة استجمعت شرائطها بوجود استقبال القبلة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]؛ لأنَّ الأمر بالتطهير للصلاة فيه ظاهر في صحتها فيه؛ إذ لا معنى لتطهير المكان لأجل الصلاة وهي لا تجوز في ذلك المكان؛ فليحفظ، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب».
وقال ابن بطال: (الحكمة في غلق الباب لئلا يظن الناس أنَّ الصلاة في البيت سُنَّة).
واعترضه ابن حجر، فقال: (ولا يخفى ما فيه).
قال العجلوني: (ولعله لما قال البرماوي من أنَّ ذلك سنَّة لكن في النفل دون الفرض؛ فقيل بعدم جوازه) انتهى.
قلت: وكلام ابن بطال ظاهر لا غبار عليه؛ لأنَّ صلاته ﵇ في البيت أمر مستغرب؛ لأنَّه لم يكن عادة له ﵇، فلا ريب أنَّ الناس يظنوا أنَّ الصلاة فيه سنة، ويدل عليه أنَّه ﵇ حين خرج لصلاة الليل، فلما رأى الناس كثروا وظنوا أنَّ صلاة الليل سنة؛ لم يخرج إليهم؛ خشية أن تكتب عليهم، فما زعمه ابن حجر؛ باطل غير ظاهر كما لا يخفى.
وقول البرماوي: في الفرق بين النفل والفرض، وأنَّه قيل بعدم جوازه؛ لا وجه لذلك؛ لأنَّه لا فرق بين النفل والفرض؛ لأنَّ الفرض في معنى النفل حيث هو من شرائط الجواز دون الأركان، والآية المطهرة تدل على ذلك، فالآية وكذا الحديث حجة على من منع الصلاة في الكعبة؛ لأنَّ الصلاة أحق بأن تكون في بيت الله؛ لأنَّها عبادة الله تعالى، فلا وجه لهذا الكلام الصَّادر من غير مرام؛ فافهم، والله أعلم.
(٨٢) [باب دخول المشرك المسجد]
هذا (باب) بيان حكم (دخول المشرك المسجد) اللَّام فيه للجنس، فيشمل كل مسجد، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله مع ذكر مفعوله على حد قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وهذه التَّرجمة هنا ترد على الإسماعيلي حيث ترجم بها بدل ترجمة: (باب الاغتسال إذا أسلم) هناك، وعليه ففيه تكرار ظاهر، ويحتمل أنَّه أسقط هذه التَّرجمة هنا مع حديثها؛ لعلمها مما سبق؛ فافهم.
قال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: هذه التَّرجمة مكررة؛ لأنَّه ذكر هناك وربط الأسير أيضًا في المسجد، وربطه فيه يستلزم إدخاله.
قلت: أجيب: بأن هذا أعم؛ لأنَّ المشرك أعم من أن يكون أسيرًا أو غير أسير.
قلت: هذا غير مقنع؛ لأنَّ الأسير أيضًا أعم من أن يكون مشركًا أو غير مشرك) انتهى كلامه.
قلت: ولم يذكر جوابًا مقنعًا.
وأجاب العجلوني: (بأنَّ الدخول عُلِم من الباب السَّابق بطريق اللزوم، وأمَّا هنا؛ فبالقصد) انتهى.
قلت: وهذا أيضًا غير مقنع؛ لأنَّه لما علم الدخول من الباب السَّابق، وإن كان بطريق اللزوم؛ فقد علم حكمه، فإعادته مرة ثانية وإن كان بالقصد؛ يكون تكرارًا لا محالة.
وقد يقال: إنَّه لما ذكر ربط الأسير تبعًا لاغتسال الكافر إذا أسلم وكان في بيان دخول الكافر المسجد خفاء؛ ترجم له بما فيه إيضاح وبيان لحكمه على طريق الاستقلال بدون التبعية؛ فافهم، وعليه فلا تكرار في التراجم كما لا يخفى؛ فاحفظ.
[حديث: بعث رسول الله خيلًا قبل نجد فجاءت]
٤٦٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا قتيبة)؛ تصغير قتبة، وكنيته: أبو رجاء، واسمه علي بن سعيد بن جميل البغلاني، قرية من قرى بلخ، المتوفى سنة أربعين ومئتين (قال: حدثنا اللَّيث) هو ابن سعد الفهمي المصري الحنفي، من أتباع الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، (عن سعِيد بن أبي سعِيد)؛ بكسر العين المهملة فيهما، واسم أبي سعيد: كيسان، هو المقبري المدني، المتوفى بعد اختلاطه بأربع سنين سنة خمس وعشرين ومئة: (أنَّه) أي: سعِيدًا (سمع أبا هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل (يقول) جملة فعلية محلها نصب؛ إمَّا مفعول ثان (١) لـ (سمع)، وإمَّا حال على الخلاف: (بعث رسول الله ﷺ لعشر خلون من محرم سنة ست إلى القرطاء (خيلًا)؛ أي: فرسانًا، وهم ثلاثون، أميرهم: محمَّد بن مسلمة، وكانت غيبته تسع عشرةليلة (قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحَّدة؛ أي: الجهة، يقال: جلس قُبالته -بالضم-؛ أي: تجاهه (نَجْد)؛ بفتح النُّون، وسكون الجيم: وهي الأرض المرتفعة، ضد الغور، وهي تهامة إلى العراق، وهي من جزيرة العرب، (فجاءت) أي: الخيل (برجل من بني حَنيفة)؛ بفتح الحاء المهملة: قبيلة مشهورة (يقال له) أي: للرجل: (ثُمَامَة بن أُثَال)؛ بالمثلَّثة فيهما مع ضم أولهما، وتخفيف ثانيهما ورابعهما، وهو في الأول ميم، وفي الثاني لام، (فربطوه)؛ أي: بإذنه ﵇ وأمره، كما صرح به ابن إسحاق كما تقدم (بسارية) أي: أسطوانة (من سواري) أي: من أساطين (المسجد)؛ أي: النَّبوي، فاللَّام فيه للعهد، وإنما فعل به ذلك؛ لينظر حسن صلاة المسلمين، واجتماعهم عليها، فيرق قلبه ويألف الإسلام، وهذا الحديث قد سبق في باب (الاغتسال إذا أسلم)، واختصره المؤلف هنا مقتصرًا على مطابقة التَّرجمة؛ وهو دخول المشرك المسجد، والمراد به: الذمي؛ لأنَّ ثمامة كان ذميًّا.
فقال الإمام الأعظم أبو حنيفة ﵁: يجوز دخول الكتابي المسجد ولو المسجد الحرام، لا الحربي؛ لحديث الباب وحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم»، رواه أحمد بسند جيد.
وقال مالك وقتادة والمزني وعمر بن عبد العزيز: لا يجوز دخول الكافر المسجد؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ...﴾؛ الآية [التوبة: ٢٨]، ولا حجة لهم فيها؛ لأنَّ معناه: أنجاس في اعتقادهم، وأقوالهم، وأفعالهم؛ لأنَّهم يشركون بالله غيره، ويريدون بأعمالهم سواه، فالآية في دخولهم للحج (٢)، أمَّا نفس الكافر؛ فغير نجس؛ لأنَّ الكفر لا يؤثر في بدنه.
وقال الشَّافعي وأحمد: يجوز دخول الكافر المسجد لحاجة وإِذْنِ مسلم سواء كان كتابيًّا أو غيره إلا المسجد الحرام؛ لحديث الباب، ولا حجة لهما فيه؛ لأنَّ ثمامة كان إمَّا ذميًّا أو خدمًا لأهل العهد كما هو صريح الحديث، واشتراط الإذن شرط زائد على النص؛ لأنَّه غير مذكور؛ لأنَّ ثمامة كان مغلولًا بأيديهم، واستثناء المسجد الحرام يرده قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا...﴾؛ الآية [التوبة: ٢٨]، والخطاب إنَّما كان للمشركين كما هو صدر الآية، فالمعاهد خارج عن الآية؛ فافهم.
وتمامه تقدم في الباب السَّابق بأبسط من هذا، والله تعالى أعلم.
(٨٣) [باب رفع الصوت في المساجد]
هذا (باب) حكم (رفع الصوت في المساجد) ولأبي ذر: (في المسجد)؛ بالإفراد، قال إمام الشَّارحين: (وهو أعم من أن يكون ممنوعًا أو غير ممنوع، فذكر المؤلف الحديثين فيه إشارة إلى بيان تفصيل فيه مع الخلاف، فالحديث الأول يدل على المنع، والحديث
стр. 676
الثاني يدل على عدمه، وقد ذكرنا الخلاف فيه فيما تقدم، وهو «باب التقاضي والملازمة في المسجد») انتهى، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
[قول عمر: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما]
٤٧٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا علي بن عبد الله) هو المديني (قال: حدثنا يحيى بن سعِيد) بكسر العين المهملة، هو القطان (قال: حدثنا الجُعَيْد)؛ بِضَمِّ الجيم، وفتح العين المهملة، وسكون التحتية، آخره دال مهملة، ويقال له: جعيد أيضًا؛ بدون الألف واللَّام، ويقال له: الجعد أيضًا؛ بدون التصغير، وهو اسمه الأصلي، وكذا وقع في رواية الإسماعيلي: (الجعد) (بن عبد الرحمن) بن أوس، وهو ثقة (قال: حدثني) بالإفراد (يَزِيد) بفتح التحتية أوله، وكسر الزاي (ابن خُصَيْفة)؛ بِضَمِّ الخاء المعجمة، وفتح الصَّاد المهملة، وسكون التحتية، وبالفاء: ابن أخي السائب المذكور فيه، وخُصَيْفة جده، وأبوه عبد الله بن خُصَيْفة، وقد نُسب إلى جده، (عن السائب) بالسين المهملة (بن يَزِيد)؛ بفتح التحتية أوله، من الزيادة: هو الكندي الصَّحابي، وهو عم يزيد ابن خُصَيْفة، وروى الجعيد عن السائب بدون واسطة في باب (استعمال فضل وضوء الناس)، وهنا روى عنه بواسطة يزيد، وروى حاتم بن إسماعيل هذا الحديث عن الجعيد عن السائب بلا واسطة، أخرجه الإسماعيلي، وصح سماع الجعيد من السائب كما ذكرنا الآن، فلا يكون هذا الاختلاف قادحًا، وروى عبد الرزاق هذا من طريق أخرى عن نافع قال: كان عمر يقول: لا تكثروا اللغط، فدخل المسجد؛ فإذا هو برجلين قد ارتفعت أصواتهما، فقال: إنَّ مسجدنا هذا لا يرفع فيه الصوت... ؛ الحديث، وهذا فيه انقطاع؛ لأنَّ نافعًا لم يدرك هذا الزمان، كذا قاله إمام الشَّارحين، (قال) أي: السائب بن يَزِيد: (كنت قائمًا)؛ بالقاف للأكثرين، وفي رواية: (نائمًا)؛ بالنُّون، ويؤيد هذه الرواية ما ذكره الإسماعيلي عن أبي يعلى: حدثنا محمَّد بن عباد: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن الجعد، عن السائب قال: (كنت مضطجعًا)، قاله إمام الشَّارحين، وقال في «المنحة» : (وروي: «مضطجعًا»، وظاهره هنا أنَّه مُدْرَج) انتهى.
قلت: هذا الظَّاهر ليس بظاهر؛ لأنَّه رواية هنا أيضًا، وليس فيه دليل على الإدراج؛ فافهم، واعرفه.
(في المسجد)؛ أي: النَّبوي، فاللَّام فيه للعهد، (فحَصَبَني)؛ بفتحات، من حصبت الرجل أحصِبه -بالكسر-؛ أي: رميته بالحصباء، قاله إمام الشَّارحين، ومثله في «الصِّحاح» (رجلٌ) بالتنوين، (فنظرت) أي: إلى الرجل الحاصب؛ (فإذا هو عمر بن الخطاب) أمير المؤمنين القرشي ﵁، قال إمامنا الشَّارح: (كلمة «إذا» للمفاجأة، وهو مبتدأ، و «عمر» خبره، ويروى: «فإذا عمر بن الخطاب»، فعلى هذا «عمر» مبتدأ، وخبره محذوف؛ تقديره: فإذا عمر حاضر أو وقف) انتهى.
(فقال) أي: عمر للسائب: (اذهب فائتني بهذين)؛ يعني: بهذين الشخصين، وكانا ثقفيين (١)، كذا في رواية عبد الرزاق، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: يعني: لم يعلم اسمهما، وهو كذلك؛ فافهم.
(فجئته بهما) أي: فأتيت عمر بالشخصين، (قال) : ولأبوي ذر والوقت: (فقال) أي: عمر ﵁: (مَن) ولأبي الوقت وابن عساكر: (ممن) (أنتما؟ أو من أين أنتما؟) كلمة (أو) فيه للشك من الراوي، والأولى استفهام عن ذات الشخصين، والثانية عن قبيلتهما، والثالثة عن مكانهما، (قالا) أي: الشخصان: (من أهل الطَّائف)، وهذا يصلح جوابًا عن الأخيرين بلا ريب، وعن الأول بتكلف؛ فافهم.
والطَّائف: بلد بالحجاز من أعمال مكة المشرفة على يومين منه، قيل: بينهما ستون ميلًا، نسب إليها كثير من العلماء، وهي مدينة صغيرة منحصرة، مياهها عذبة، وهواؤها معتدل صحيح، وضياعها متصلة البطيح، باردة الماء، كثيرة الفواكه، وبها مآثر نبوية، كذا في «القاموس».
وقال الأمساطي: ومن أرض الحجاز: الطَّائف، وهي مدينة صغيرة على ظهر جبل قريب من مكة، فيها فواكه ومياه جارية، ويحمد فيه الماء، وليس في الحجاز مكان يحمد فيه الماء سواها).
وقد سكنها ثقيف، وهو قسي بن منبه بن معد بن يقدم بن أقصى بن إياد بن نزار (٢) بن معد بن عدنان، ومن فضلهم ما رواه النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد هممت ألَّا أقبل هدية إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي».
وفي «الجامع الصغير» للأسيوطي: «أول من أشفع له من أمتي: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الطَّائف»، وأخرجه الطَّبراني في «الكبير» من حديث عبد الله بن جعفر.
وفي حديث طويل: «الطَّائف قرية يونس بن متى ﵇»، وأشار إليه في قوله تعالى: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، قالوا: هما مكة والطَّائف، ومن فضلها (٣) ما في «البيضاوي» في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] : نزلت حين هم ﵇ بالدعاء على ثقيف.
وروى صاحب «الفائق» : أنَّه ﵇ قال: «لا يحب ثقيفًا إلا مؤمن، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، ولا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من ثقيف أحد»؛ تكرمة لهم، وتمامه في «الطيف الطَّائف بفضل الطَّائف» للشيخ محمَّد بن علان الصديقي؛ فيراجع.
(قال) أي: عمر ﵁: (لو كنتما من أهل البلد) أي: المدينة المنورة؛ (لأوجعتكما)؛ أي: جَلْدًا، كما هو في رواية الإسماعيلي؛ يعني: لعدم عذركما، ففيه -كما قاله إمام الشَّارحين-: ما يدل على جواز قبول اعتذار أهل الجهل بالحكم إذا كان في شيء يخفى مثله، انتهى.
قال العجلوني: (وهو يدل على أنَّه تقدم نهيه عن ذلك) انتهى.
قلت: هذا فاسد الاعتبار، فإنَّه ليس فيه ما يدل على تقدم النَّهي؛ لأنَّه يجوز أن يكون ذلك أول الأمر بالنَّهي، ويدل عليه أنَّهما جهلا الحكم؛ لأنَّه لم يصدر، ولم يتقدم، فلو كان النَّهي معلومًا؛ لما فعلا ذلك؛ فليحفظ.
ثم بيَّن سبب الجلد بقوله: (ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله) وللأصيلي: (النَّبي) الأعظم ﷺ وهذا خطاب لهذين الشخصين، وهي جملة مستأنفة لا محل لها، وهي في الحقيقة جواب عن سؤال مقدر، كأنَّهما قالا: لم توجعنا؟ قال: لأنَّكما ترفعان... إلخ.
فإن قلت: ما وجه الجمع في (أصواتكما) مع أن الموجود صوتان لهما؟
قلت: المضاف المثنى معنًى إذا كان جزء ما أضيف إليه الأفصح أن يذكر بالجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، ويجوز إفراده؛ نحو: أكلت رأس شاتين، والتثنية مع أصالتها قليلة الاستعمال، وإن لم يكن جزؤه؛ فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية؛ نحو: سلَّ الزيدان سيفهما، فإن أمن اللبس؛ جاز جعل المضاف بلفظ الجمع؛ كما في قوله ﵇: «يعذبان في قبورهما».
وفي رواية الإسماعيلي: (برفعكما أصواتكما)؛ أي: بسبب رفعكما أصواتكما، كذا قرره إمام الشَّارحين.
وزعم ابن حجر أنَّ هذا الحديث له حكم الرفع؛ لأنَّ عمر لا يتوعد الرجلين بالجلد إلا على مخالفة أمر توقيفي، انتهى.
وردَّه إمامنا الشَّارح فقال: (لا نسلم ذلك؛ لأنَّه يجوز أن يكون ذلك باجتهاده ورأيه) انتهى.
стр. 677
قلت: وهذا هو الظَّاهر؛ لأنَّه لم يتقدم نهي عن ذلك أصلًا، ولهذا قال العجلوني: وما ذكره ابن حجر؛ فيه وقفة؛ أي: من حيث إنَّ الظَّاهر أنَّ ذلك كان منه بطريق الاجتهاد والرأي، لا من طريق السَّماع من النَّبي الأعظم ﷺ ، ويدل عليه أنَّه لو كان بطريق السَّماع؛ لكان يقول: سمعت النَّبي ﷺ ، أو أَمَرَ، أو نَهَى، فحيث لم يذكر شيئًا من ذلك؛ عُلِم أنَّه بطريق الاجتهاد كما لا يخفى؛ فافهم.
وفي هذا الحديث دلالة على منع رفع الصوت في المساجد، وأنَّه غير جائز؛ لأنَّه بني للصلاة وتلاوة القرآن، وهي تكون بالسَّكينة، والوقار، والتدبر لمعاني القرآن، ورفع الصوت ينافي ذلك، ويشغل المصلين، ويلهيهم؛ فهو لا يجوز.
وقال ابن بطال: (قال بعضهم: أمَّا إنكار عمر ﵁؛ فلأنَّهما رفعا أصواتهما فيما لا يحتاجان إليه من اللغط الذي لا يجوز في المسجد، وإنَّما سألهما من أين أنتما؟ ليعلم أنَّهما إن كانا من أهل البلد، وعلما أنَّ رفع الصوت في المسجد باللغط فيه غير جائز؛ زجرهما وأدبهما، فلما أخبراه أنَّهما من غير البلد؛ عذرهما بالجهل) انتهى.
وقال إمام الشَّارحين: (ومطابقته للتَّرجمة في أحد احتماليها وهو المنع، وفيه: جواز تأديب الإمام من يرفع صوته في المسجد باللغط، ونحو ذلك) انتهى.
[حديث: أن كعب بن مالك أخبره أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا له عليه]
٤٧١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أحمد) هو ابن صالح المصري، كما وقع في رواية ابن شبويه عن الفربري، وجزم به ابن السكن والحاكم في «المدخل»، وقال الكلاباذي: (قال ابن منده الأصفهاني: كل ما قال البخاري في «الجامع» : أحمد عن ابن وهب؛ فهو ابن صالح المصري، وقيل: إنَّه أحمد بن عيسى التستري، ولا يخلو أن يكون واحدًا منهما؛ كذا قرره إمامنا الشَّارح (قال: حدثنا) ولأبي الوقت وابن عساكر: (أخبرنا) (ابن وهب) هو عبد الله بن وهب المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس بن يزيد) هو الأيلي، (عن ابن شهاب) هو محمَّد بن مسلم الزهري المدني التَّابعي (قال: حدثني) بالإفراد (عبد الله بن كعب بن مالك) هوالأنصاري: (أَنَّ) -بفتح الهمزة- أباه (كعب بن مالك) هوالأنصاري السلمي المدني الشاعر، أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، وأنزل فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، مات بالمدينة سنة خمسين، وكان ابنه عبد الله قائده حين عَمِي ﵄ (أخبره) أي: أخبر كعبُ ابنَه عبد الله (أنَّه) أي: أنَّ كعبًا (تقاضى) أي: طالب (كعب بن أبي حدرد) بمهملات: هو عبد الله بن سلامة، كما صرح به المؤلف في إحدى رواياته، وهو صحابي على الأصح، و (تقاضى) على وزن (تفاعل)، وأصله لمشاركة أمرين فصاعدًا؛ نحو: تشاركا، قال الكرماني: (هو متعد إلى مفعول واحد، وهو الابن)، قال إمام الشَّارحين: (إذا كان «تفاعل» من «فاعل» المتعدي إلى مفعول واحد؛ كضارب؛ لم يتعد، وإن كان من المتعدي إلى مفعولين؛ كجاذبته الثوب؛ يتعدى إلى واحد) انتهى، (دينًا) منصوب بنزع الخافض؛ أي: بدين، قاله الكرماني، وإنما وجه بهذا؛ لأنَّا قلنا: إنَّ (تفاعل) إذا كان من المتعدي إلى مفعولين؛ لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، قاله الشَّارح، (له عليه) ولأبوي ذر والوقت: (كان له عليه)؛ أي: كان الدين لكعب بن مالك على كعب بن أبي حدرد، والجملة محلها نصب صفة (دينًا) (في عهد رسول الله ﷺ أي: في زمن حياته (في المسجد)؛ أي: النَّبوي، فاللَّام فيه للعهد، وهو متعلق بـ (تقاضى)، (فارتفعت) أي: علت (أصواتهما) من قبيل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، ويجوز اعتبار الجمع في صوتيهما باعتبار أنواع الصوت، قاله الشَّارح، (حتى سمعها)؛ أي: أصواتهما، وللأصيلي: (حتى سمعهما)؛ أي: كعبًا وابن أبي حدرد باعتبار صوتيهما (رسول الله ﷺ وقوله: (وهو في بيته) جملة اسمية بالواو محلها النصب على الحال من الرسول الأعظم ﵇.
قال القسطلاني: (ولم ينكر عليهما رفع أصواتهما في المسجد؛ لأنَّ ذلك لطلب حق ولا بد فيه من رفع الصوت كما لا يخفى) انتهى.
قلت: إنَّما لم ينكر عليهما ذلك؛ لأنَّهما في حال المخاصمة؛ فخشي أن يقذف الشَّيطان في قلوبهما شيئًا، وطلب الحق لا يلزم أن يكون بعنف ورفع صوت؛ لأنَّه يجوز أن يكون بسهولة وسكينة، لا سيما في المسجد بحضرة النَّبي الأعظم ﷺ ، كما دل عليه أحاديث يأتي بيانها، والمطلق محمول على المقيد، والحاظر مقدم على المبيح؛ فافهم.
(فخرج إليهما رسول الله ﷺ لعل المراد بـ (فخرج) (١) : أراد الخروج إليهما ليظهر جعل قوله: (حتى كشف سجف حجرته) -أي: ستر باب بيته- غاية له، ويحتمل تعلقه بقوله: (فارتفعت أصواتهما)، وقد سبق أنَّه ﵇ مر بهما، فيكون المعنى: أنَّه ﵇ لما سمع صوتهما؛ خرج من البيت لأجلهما، ومر بهما، فلا تنافي بين الروايتين؛ فافهم.
وقال ابن سيده: (السجف؛ بالسين المهملة، والجيم، والفاء: الستر، وقيل: الستران المقرونان بينهما فرجة)، كما قدمناه؛ فافهم.
(ونادى) أي: النَّبي الأعظم ﷺ : (يا كعبُ بنَ مالك)؛ بِضَمِّ (كعب)؛ لأنَّه علم مفرد، ويجوز فتحه إتباعًا، وأمَّا (بنَ)؛ فهو منصوب لا غير؛ لأنَّه مضاف، ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: (ونادى كعب بن مالك) قال: يا كعب؛ (قال) : وللأصيلي (فقال)؛ بالفاء؛ أي: كعب: (لبيك يا رسول الله)؛ تثنية اللب؛ وهو الإقامة، وهو مفعول مطلق يجب حذف عامله، وهو من باب الثنائي الذي للتأكيد والتكرار، ومعناه: لبًّا بعد لبٍّ، أي أنا مقيم على طاعتك وإجابتك بعد إجابة، (فأشار) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (بيده) بالإفراد؛ أي: إليه (أن ضع) : على وزن (فع)؛ أمر من وضع يضع (الشطر)؛ أي: النصف، كما صرح به الأعرج في روايته (من دينك) وفي رواية الطَّبراني من حديث زمعة بن صالح، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه: أنَّ النَّبي ﷺ مرَّ به، وهو ملازم رجلًا (٢) في أوقيتين... ؛ الحديث، فعُلِم منه أنَّ الدَّين كان أوقيتين؛ فافهم.
(قال كعب: قد فعلت يا رسول الله)؛ أي: وضعت عنه الشطر، وهذا مبالغة في الامتثال بالأمر؛ لأنَّه أتى بـ (قد) المفيدة لتحقيق الأمر وتأكيده، (قال رسول الله ﷺ مخاطبًا لابن أبي حدرد على سبيل الأمر: (قم فاقضه)؛ أي: فادفع له الشطر الثاني الذي هو حقه بعد الوضع، وإنَّما أمره بذلك؛ لئلا يجتمع على رب الدَّين الحط والتأجيل.
قال إمام الشَّارحين: (ومطابقته للتَّرجمة في الاحتمال الثاني، وهو عدم المنع) انتهى، أي: يدل على جواز رفع الصوت في المسجد؛ لأنَّهما لما رفعا أصواتهما فيه؛ لم ينكره النَّبي الأعظم ﷺ عليهما؛ لأنَّه كان لحاجة، وأنَّ حديث عمر يدل على عدم الجواز، فيحمل على ما لا يحتاج إليه، ولهذا أنكر عليهما عمر، وأراد ضربهما، لكن عَذَرهما للجهل.
قال إمام الشَّارحين: (وقد وَرَد في حديث واثلة عند ابن ماجه يرفعه:
стр. 678
«جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم»، وحديث مكحول عند أبي نعيم الأصبهاني عن معاذ مثله، وحديث جبير بن مطعم، ولفظه: «ولا ترفع [فيه] الأصوات»، وكذا حديث ابن عمر عند أحمد.
وأجيب: بأن هذه الأحاديث ضعيفة، فبقي الأمر على الإباحة، وفيه نظر؛ لأنَّ الأحاديث الضعيفة تتعاضد وتتقوى إذا اختلفت طرقها ومخرجها، والأولى أن يقال: أحاديث المنع محمولة على ما إذا كان الصوت متفاحشًا، وحديث الإباحة محمول على ما إذا كان غير متفاحش، وقال مالك: لا بأس أن يقضي الرجل في المسجد دينًا، وأمَّا التجارة والصرف؛ فلا أحبه) انتهى.
وقال ابن بطال: (وفيه دلالة على إباحة رفع الصوت في المسجد ما لم يتفاحش؛ لعدم إنكاره ﵇ انتهى.
وزعم العجلوني عنه أنَّ مالكًا كرهه مطلقًا سواء كان في العلم أو غيره، انتهى.
قلت: وهو مخالف لما نقله إمام الشَّارحين وابن بطال عنه، ولعله قول شاذ عنده؛ لأنَّ مالكًا كان يلقي الحديث في مسجد النَّبي الأعظم ﷺ ، ويحضره الجم الغفير، فيحتاج إلى رفع صوته؛ فافهم.
وأباح رفع الصوت في المسجد الإمام الأعظم ﵁، قال ابن عيينة: (مررت بأبي حنيفة وهو مع أصحابه في المسجد، وقد ارتفعت أصواتهم، فقلت: يا أبا حنيفة؛ الصوت لا ينبغي أن يرفع فيه، فقال: دعهم، فإنَّهم لا يفقهون إلا بهذا).
وقال ابن الملقن: (وفي خبر لا يُقوَّى: أنَّه ﵇ نهى عن رفع الصوت في المساجد، وإنشاد الشعر، وطلب الضالة، والصفقة في البيوع) انتهى.
والحاصل: أنَّ أحاديث النَّهي كلها ضعيفة لا يحتج بها، فبقي الأمر على التفصيل الذي ذكره إمام الشَّارحين، والله تعالى أعلم.
(٨٤) [باب الحلق والجلوس في المسجد]
هذا (باب) حكم (الحِلَق) وقوله: (والجلوس) من عطف العام على الخاص (في المسجد) اللَّام فيه للجنس؛ أي: في أي مسجد كان، والمراد بالحكم الجواز؛ يعني: يجوز ذلك خصوصًا إذا كان لعلم، أو ذكر، أو قراءة قرآن؛ لحديث الباب، و (الحِلَق)؛ بكسر الحاء المهملة، وفتح اللَّام، كذا قاله الخطابي، ى وقال ابن التين: (بفتح الحاء واللَّام، جمع حلقة؛ مثل: تمرة وتمر، ونسب العجلوني الأول لرواية الأكثرين، والثاني لرواية ابن عساكر؛ فتأمل، واللَّام مفتوحة على كل حال).
وقال إمام الشَّارحين: (وفي «المحكم» : الحلقة: كل شيء استدار؛ كحلقة الحديد، والفضة، والذهب، وكذا هو في الناس، والجمع: حلاق على الغالب، وحلق على النادر؛ كهضبة وهضب، والحلق عند سيبويه: اسم للجمع، وليس بجمع؛ لأنَّ «فعلة» ليست مما يكسر على «فعل»، ونظير هذا ما حكاه من قولهم: فلكة وفلك، وقد حكى سيبويه في الحلَقة فتح اللَّام، وأنكرها ابن السكيت وغيره، وقال اللحياني: حلْقة الباب وحلَقته؛ بإسكان اللَّام وفتحها، وقال كراع: حلقة القوم وحلقتهم (١)، وحكي: حلقة القوم وحلاق، وحكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء: حلَقة في الواحد بالتحريك، والجمع: حلقات، وفي «الموعب» : الحلق: مؤنثة في القياس، إلا أنَّي رأيته في رَجَزِدُكين مذكرًا، وبلغني: أنَّ بعضهم يقول: الحلَقة؛ بالتحريك، وهو لغة قليلة، فجاء التذكير على هذا، وحكى مكي عن الخليل: حلَقة؛ بالتحريك، قال الفرزدق:
يا أيها الجالس وسط الحلَقة... أفي زنًى جلدت أم في سرقة
وفي «المجرد» : حلقة القوم وحلقة، والجمع: حلق وحلق وحلاق) انتهى.
وفي «القاموس» : (حلَقة الباب والقوم، قد تفتح لامها وتكسر، وليس في الكلام: حلقة -محركة- إلا جمع حالق، أو لغة ضعيفة، والجمع: حلَق- محركة وكبدر- وحلقات؛ محركة وبكسر اللَّام) انتهى.
[حديث: مثنى مثنى فإذا خشي الصبح صلى واحدة]
٤٧٢ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد البصري (قال: حدثنا بِشْر) بكسر الموحَّدة، وسكون المعجمة (ابن المفضل)؛ بِضَمِّ الميم على صيغة المفعول: هو ابن لاحق الرقاشي البصري، المتوفى سنة تسع وثمانين ومئة، (عن عُبيد الله)؛ بِضَمِّ العين المهملة على صيغة التصغير، وللأصيلي: (حدثنا عبيد الله) هو ابن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁، (عن نافع) هو مولى ابن عمر، (عن) عبد الله (ابن عمر) هو ابن الخطاب القرشي العدوي ﵄: أنَّه (قال: سأل رجل) : قال إمام الشَّارحين: لم يعرف اسمه (النَّبيَّ) الأعظم ﷺ ، وقوله: (وهو على المنبر) : جملة حالية من النَّبي ﵇: (ما ترى) : يحتمل أن يكون من الرأي؛ أي: ما رأيك؟ وأن يكون من الرؤية التي هي العلم والمراد لازمه؛ أي: ما حكمك؟ فإنَّ العالم يحكم بعلمه شرعًا؛ فافهم (في صلاة الليل)؛ أي: هل هي تصلى أربعًا أربعًا أو ركعتين ركعتين؟ (قال)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ مجيبًا للسائل، وهو على منبره في مسجده بقوله: (مثنى مثنى) مقول القول، وهو في الحقيقة جملة؛ لأنَّ مقول القول يكون جملة، فالمبتدأ محذوف؛ تقديره: صلاة الليل مثنى مثنى؛ أي: اثنين اثنين، والثاني تأكيد للأول، وهو غير منصرف؛ لأنَّ فيه العدل التحقيقي والصِّفة، قاله إمام الشَّارحين.
وقال الزركشي: (واستشكل بعضهم التكرار، فإنَّ القاعدة فيما عدل من أسماء الأعداد ألَّا يكرر، فلا يقال: جاء القوم مثنى مثنى.
وأجيب: بأنَّه تأكيد لفظي لا لقصد التكرار، فإنَّ ذلك مستفاد من الصيغة)، ثم قال: إنَّ أصل السؤال فاسد، بل لا بد من التكرار إذا كان العدل في لفظ واحد؛ كمثنى مثنى، وثُلاث ثُلاث، قال الشاعر:
هنيئًا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التمر مخمس مخمسا
ومنه الحديث، فإن وقعت بين لفظين أو ألفاظ مختلفة؛ لم يجز التكرار؛ كـ ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، والحكمة في ذلك: أنَّ ألفاظ العدد المعدولة مشروطة بسبق ما يقع فيه التفصيل تحقيقًا؛ نحو: ﴿أُوْلِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر: ١]، أو تقديرًا؛ نحو: «صلاة الليل مثنى مثنى»، فإذا أريد تفصيله من نوع واحد؛ وجب تكراره؛ لأنَّ وقوعه بعده إمَّا على جهة الخبرية، أو الحالية، أو الوصفية، فحمله عليه يقتضي مطابقة له، فلا بد من تكراره لتحصل الموافقة له؛ لأنَّه لا يحسن وصف الجماعة باثنين وإن كان من ألفاظ
стр. 679
مقدرة متعددة، فالمجموع تفصيل للمجموع، فكان وافيًا به، فلأجل ذلك لم يكرر؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، وإنَّما كان العدل في هذه الألفاظ من غير تكرار؛ ليصيب كل ناكح ما شاء من هذه الأعداد؛ إذ لو كان من لفظ واحد؛ لاقتصر الناكحون على ذلك العدد، انتهى.
وردَّه الدماميني فقال: (لا أعرف أحدًا من النحاة ذهب إلى هذا التفصيل الذي ذكره، وفي «الصِّحاح» : إذا قلت: جاءت الخيل مثنى؛ فالمعنى: اثنين اثنين؛ أي: جاؤوا مزدوجين، فهذا مما يقدح في إيجاب التكرير في اللَّفظ الواحد، ثم بناء ما ذكره على الحكمة التي أبداها بناء ضعيف؛ لأنَّ المطابقة حاصلة بدون تكرير اللَّفظ المعدول من جهة المعنى، وذلك لأنَّك إذا قلت: جاء القوم مثنى؛ إنَّما معناه: اثنين اثنين... وهكذا؛ فهو بمعنى: مزدوجين، كما قال الجوهري، ولا شك في صحة حمل مزدوجين على القوم، ثم تكرير اللَّفظ المعدول لا يوجب المطابقة؛ لأنَّ الثاني كالأول سواء، وليس ثم حرف يقتضي الجمع حتى تحسن المطابقة التي قصدها، فلا يظهر وجه صحيح لما قاله وبناه) انتهى.
قلت: وقد سلمه الشَّارحون، فكان أصل السؤال صحيحًا، والتكرار للتأكيد كما سبق؛ فافهم.
قلت: بقي على الدماميني أنَّه لا يلزم من عدم معرفته التفصيل عن أحد من النحاة ألَّا يكون وجهًا صحيحًا مذهبًا لأحد من النحاة؛ لأنَّه لم يُحِط بمذاهب النحو جميعها، والمثبِت مقدَّم على النافي، وما ذكره عن «الصِّحاح» لا يقدح في إيجاب التكرار؛ لأنَّه مبني على اللَّفظ الواحد، وههنا المعنى مبني على تكرار اللَّفظ، والحكمة في الآية مبنية (١) على وجه صحيح، لأنَّ المطابقة حاصلة بالتكرار وعدمه، على أنَّها (٢) ليست حاصلة من جهة اللَّفظ، ولا يلزم وجود حرف يقتضي الجمع، لأنَّ الحرف وإن كان غير موجود؛ فهو مقدر الوجود؛ لأجل صحة المعنى المراد منه على أنَّه قد أيد كلامه بآيات من القرآن الفصيح مع المعنى الصَّحيح، والحروف تعمل موجودة ومقدرة، ويستعار بعضها مكان بعض، كما لا يخفى؛ فافهم.
(فإذا خشي أحدُكم) هكذا رأيناه في النُّسخ الصَّحيحة بذكر (أحدكم) المرفوع على الفاعلية، وعليه شرح إمام الشَّارحين، ووقع في بعض النُّسخ بدونه، وعليها شرح القسطلاني، فجعل مرجع فاعل (خشي) المصلي (الصبح) أي: طلوع الفجر الصَّادق (صلى واحدة) أي: صلى ركعة واحدة مع شفع قبلها متصلًا بها، (فأوترت) على صيغة الماضي؛ أي: تلك الصلاة المذكورة (له) أي: للمصلي (ما صلى) جملة محلها نصب مفعول (أوترت)، والفاعل: الضمير الذي يرجع إلى الصلاة، والعائد إلى (ما) الموصولة أو الموصوفة محذوف؛ أي: صلاه.
واستدل الشَّافعي على أنَّ أقل الوتر ركعة واحدة لهذا الحديث، وعليه فإسناد الإيتار إلى الركعة هنا وفي الآتي إسناد مجازي عقلي؛ لأنَّ الموتر الشخص.
وهذا الاستدلال خلاف الظَّاهر، ويدل على فساده: (أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ رأى سعيدًا يوتر بركعة، فقال: ما هذه البتيراء؟ تشفعها أو لأؤدبنك)، وروي: (أنَّ سعد بن أبي وقاص أوتر بركعة، فقال له عبد الله بن مسعود: ما هذه البتيراء؟ ما أجزأت ركعة قط، وحلف على ذلك أيمانًا)، رواه أصحاب السنن على شرط الشيخين، وسيأتي لذلك مزيد؛ فافهم.
وقوله: (وإِنَّه) بكسر الهمزة؛ أي: ابن عمر، جملة مستأنفة (كان يقول) من كلام نافع، فالضمير يرجع إلى ابن عمر، والقائل نافع؛ فافهم: (اجعلوا آخر صلاتكم) وقوله: (بالليل) ثابت في النُّسخ الصَّحيحة، وعليها شرح إمام الشَّارحين، وعزاها إلى رواية الكشميهني والأصيلي، ساقط في بعض النُّسخ؛ فافهم، (وترًا) : زاد ابن عساكر وأبو الوقت: (فقط)، ثم أكد ذلك بقوله: (فإن النَّبي) الأعظم ﷺ أمر به)؛ أي: بالوتر أو بالجعل الذي دل عليه قوله: (اجعلوا).
قال إمامنا الشَّارح: (ومطابقة هذا الحديث للجزء الثاني من التَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّ كونه ﵇ على المنبر يدل على جماعة جالسين في المسجد، ومنهم الرجل الذي سأله عن صلاة الليل) انتهى.
وقال ابن بطال: (شبَّه البخاري في حديث جلوس الرجال في المسجد حوله ﵇ وهو يخطب بالتحلق والجلوس في المسجد للعلم) انتهى.
قال إمام الشَّارحين: (فعلى هذا طابق الحديث جزأي التَّرجمة كليهما) انتهى.
قلت: أي: فإنَّ الظَّاهر أنَّه ﵇ لا يكون في المسجد وهو على المنبر يخطب إلا وعنده جماعة جلوس محلقين به كالمتحلقين؛ فافهم.
وفي الحديث: جواز الحِلَق في المسجد لسماع العلم وقراءته، وكذا للذكر، وقراءة القرآن، ونحو ذلك.
فإن قلت: روى مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد وهم حلق، فقال: «ما لي أراكم عزين؟»، فهذا يعارض ذاك.
قلت: تحلقهم هذا كان لغير فائدة ولا منفعة، بخلاف تحلقهم في ذاك؛ لأنَّه كان لسماع العلم والتعلم، فلا معارضة.
وفيه: أنَّ الخطيب إذا سئل عن أمر الدِّين؛ أنَّ له أن يجاوب من سأله، ولا يضر ذلك خطبته.
وفيه: أنَّ صلاة الليل ركعتان.
قلت: ولا دلالة فيه؛ لأنَّه ﵇ كان حكيمًا ينظر للسائل، ويجيبه على قدر طاقته على الطاعة، فجوابه ﵇ له بذلك لا يقتضي أنَّ الأفضل في صلاة الليل مثنى؛ لأنَّ هذه واقعة حال مع علمه ﵇ من السائل أنَّه لا يقدر على أزيد من ركعتين، فأجابه على حسب حاله، فلا يصلح الحديث دليلًا لمن استدل به؛ فافهم.
واختلف في النوافل، ومذهب الإمام الأعظم: أنَّ الأفضل الأربع ليلًا أو نهارًا، وقال الإمامان أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن: الأفضل بالليل ركعتان وبالنهار أربع.
وقال مالك والشَّافعي وأحمد: الأفضل أن يكون مثنى مثنى ليلًا ونهارًا؛ لحديث الباب، ولا حجة لهم فيه؛ لأنَّه وارد على سبب، ومع ذلك فهو واقعة حال، وقد طرقه الاحتمال والتأويل، والدليل إذا وجد به ذلك؛ سقط الاستدلال به؛ فافهم.
وأما الإمام الأعظم؛ فاحتج في صلاة الليل بما رواه أبو داود في «سننه» من حديث عائشة ﵂: أنَّها سئلت عن صلاة رسول الله ﷺ في جوف الليل، فقالت: (كان يصلِّي صلاة العشاء في جماعة، ثم يرجع إلى أهله فيركع أربع ركعات، ثم يأوي إلى فراشه...)؛ الحديث بطوله، وفي آخره: (حتى قُبض على ذلك)، واحتج في صلاة النهار بما رواه مسلم من حديث معاذة: أنَّها سألت عائشة ﵂: كم كان رسول الله ﷺ يصلِّي الضُّحى؟ قالت: (أربع ركعات يزيد ما شاء)، ورواه أبو يعلى في «مسنده»، وفيه: (لا يفصل بينهنَّ بسلام).
فإن قلت: روى الأربعة عن ابن عمر: أنَّ النَّبي ﷺ قال: «صلاة الليل مثنى مثنى».
قلت: لمَّا رواه الترمذي؛ سكت عنه، إلا أنَّه قال: اختلف أصحاب شعبة فيه؛ فرفعه بعضهم، ووقفه بعضهم، ورواه الثقات عن ابن عمر عن النَّبي ﷺ ولم يذكر فيه صلاة النهار.
وقال النسائي:
стр. 680
(هذا الحديث عندي خطأ)، وقال في «سننه الكبرى» : (إسناده جيد، إلا أنَّ جماعة من أصحاب ابن عمر خالفوا الأزدي فيه، فلم يذكروا فيه النهار)؛ منهم: سالم، ونافع، وطاووس، والحديث في «الصَّحيحين» من حديث جماعة عن ابن عمر، وليس فيه ذكر النهار، وروى الإمام أبو جعفر الطَّحاوي عن ابن عمر: (أنَّه كان يصلِّي بالليل ركعتين، وبالنهار أربعًا)، ثم قال: فمحال أن يروي ابن عمر عن رسول الله ﷺ شيئًا ثم يخالفه، فعلم بذلك أنَّه كان ما روي عنه عن رسول الله ﷺ ضعيفًا أو كان موقوفًا غير مرفوع.
فإن قلت: روى أبو نعيم في «تاريخ أصفهان»، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى»، وروى إبراهيم الحربي في «غريب الحديث» عنه ﵇ قال: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى».
قلت: الذي رواه البخاري ومسلم أصح منهما، وأقوى، وأثبت، وعلى تقدير التسليم؛ فنقول: معناه: شفعًا لا وترًا من إطلاق الملزوم على اللازم مجازًا؛ جمعًا بين الدليلين، وفيه: فإنَّ قوله: (فإذا خشي الصبح؛ صلى واحدة) احتج به من يقول: إنَّ الوتر ركعة واحدة، وكذا بما رواه مسلم من حديث أبي مجلز قال: سمعت ابن عمر يحدث عن النَّبي ﷺ قال: «الوتر ركعة من آخر الليل»، وإليه ذهب عطاء، وابن المسيب، ومالك، والشَّافعي، وأحمد، وأبو ثور، وإسحاق، وداود، وجعلوا هذا الحديث أصلًا في الإيتار بركعة، إلا أنَّ مالكًا قال: ولا بد أن يكون قبلها شفع؛ ليسلِّم بينهن في الحضر والسفر، وعنه: لا بأس أن يوتر المسافر بواحدة، وكذا فعله سحنون، وقال ابن العربي: (الركعة الواحدة لم تشرع إلا في الوتر)، وفعله أبو بكر، وعمر، وعثمان، وسعد، وابن عبَّاس، ومعاوية، وأبي موسى.
وقال الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وسفيان الثَّوري، وأبو يوسف، ومحمَّد بن الحسن، وأحمد ابن حنبل في رواية، وعمر بن عبد العزيز، والحسن بن حي، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم: الوتر ثلاث ركعات لا يُسلِّم إلا في آخرهن كصلاة المغرب.
وقال ابن عبد البر: يروى ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وأبي أمامة، وحذيفة، والفقهاء السبعة، والعبادلة، وأبي هريرة ﵃.
وأجابوا عما احتجت به أهل المقالة الأولى من الحديث ونحوه: بأنَّ قوله ﷺ : «الوتر ركعة من آخر الليل» أن يكون ركعة مع شفع تقدمها، وذلك كله وتر، فتكون الركعة توتر الشفع المتقدم.
وقد بين ذلك آخر حديث الباب الذي احتج به هؤلاء، وهو قوله: «فأوترت له ما صلى»، وكذلك قوله ﵇ في الحديث الثاني من هذا الباب: «فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت»، وآخر حديثهم حجة عليهم.
وروى الترمذي في «جامعه» عن علي بن أبي طالب ﵁: (أنَّ رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث...)؛ الحديث.
وروى الحاكم في «مستدركه» عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث، لا يقعد إلا في آخرهن).
وروى النسائي والبيهقي من رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ لا يسلم في ركعتي الوتر).
وقال الحاكم: (لا يسلم في الركعتين الأوليين من الوتر)، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه).
وروى الإمام أحمد من حديث عمران بن حصين: (أنَّ النَّبي ﷺ كان يوتر بثلاث...)؛ الحديث.
وروى مسلم وأبو داود من رواية علي بن عبد الله بن عبَّاس عن أبيه: (أنَّه رقد عند رسول الله ﷺ ...)؛ فذكر الحديث، وفيه: (ثم أوتر بثلاث).
وروى النسائي من رواية يحيى بن الجزار عن ابن عبَّاس قال: (كان رسول الله ﷺ يصلِّي من الليل ثمان ركعات، ويوتر بثلاث).
وروى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن أبزى عن أُبي بن كعب ﵁: (أنَّ رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات).
وروى ابن ماجه من رواية الشعبي قال: (سألت ابن عبَّاس وابن عمر ﵃ عن صلاة رسول الله ﷺ ؛ فقالا: ثلاث عشرة؛ منها ثمان بالليل، ويوتر بثلاث، وركعتين بعد الفجر).
وروى الدارقطني في «سننه» من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «وتر الليل ثلاث كوتر النهار؛ صلاة المغرب».
وروى محمَّد بن نصر المروزي من حديث أنس بن مالك ﵁: (أنَّ رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث).
وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن الحسن البصري ﵁ قال: (أجمع المسلمون على أنَّ الوتر ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن).
فإن قلت: روي عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ قال: «لا توتروا بثلاث، وأوتروا بخمس أو بسبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب».
قلت: روي هذا موقوفًا على أبي هريرة كما روي مرفوعًا، ومع هذا هو معارض بحديث علي وعائشة ومن ذكرنا معهما من الصَّحابة.
وأيضًا فإنَّ قوله: (لا توتروا بثلاث) : معناه: كراهة الوتر من غير تطوع قبله من الشفع، فيكون المعنى: لا توتروا بثلاث وحدها من غير أن يتقدمها شيء من التطوع الشفع، بل أوتروا هذه الثلاث مع شفع قبلها؛ ليكون خمسًا، وإليه أشار بقوله: (وأوتروا بخمس)، أو أوتروا هذه الثلاث مع شفعين قبلها؛ ليكون سبعًا، وإليه أشار بقوله: (أو بسبع)؛ أي: أوتروا بسبع ركعات؛ أربع تطوع، وثلاث وتر، ولا تفردوا هذه كصلاة المغرب ليس قبلها شيء من التطوع، وإليه أشار بقوله: (ولا تشبهوا بصلاة المغرب) في كونها ثلاث ركعات ليس قبلها شيء.
والنَّهي ليس بوارد على تشبه الذات بالذات، وإنَّما هو وارد على تشبيه الصِّفة بالصِّفة، ومع هذا فيما ذكره نفي أن تكون الركعة الواحدة وترًا (١)؛ لأنَّه أمر بالإيتار بخمس أو بسبع ليس إلا؛ فافهم.
فإن قلت: قال محمَّد بن نصر المروزي: (لم نجد عن النَّبي ﷺ خبرًا ثابتًا مفسرًا أنَّه أوتر بثلاث لم يسلِّم إلا في آخرهن، كما وجدنا في الخمس والسبع والتسع؛ غير أنَّا وجدنا عنه أخبارًا أنَّه أوتر بثلاث لا ذِكْر للتسليم فيها).
قلت: يرد عليه ما ذكرناه عن «المستدرك» من حديث عائشة: (أنَّه كان يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن)، وفي حديث أُبي بن كعب: (لا يسلم إلا في آخرهن)، وقد قيل: لعل محمَّد بن نصر لا يرى هذا ثابتًا.
قلت: هذا تعصب بارد
стр. 681
لا يجدي، ولا يلزم من عدم رؤيته ثابتًا ألَّا يكون ثابتًا عند غيره؛ أي: ومع هذا فقد أثبته الجم الغفير من الحفاظ، وأجمع عليه المسلمون، وفيه أنَّ قوله: (اجعلوا آخر صلاتكم وترًا) : دليل على أنَّ ذلك يقتضي الوجوب؛ لظاهر الأمر به، ولكنه مستحب في حق من لا يغلبه النَّوم، فإن كان يغلبه ولا يثق بالانتباه؛ أوتر قبله، كذا قرره إمام الشَّارحين صاحب «عمدة القاري» ﵁، اللهم ارحمه وأجزه عنا خيرًا، فإنَّه أودع دقائق وحقائق مما لم يسبق إليه، وحقيق بأن يكون إمامًا للشارحين؛ فافهم.
[حديث: مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر]
٤٧٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو النعمان) هو محمَّد بن الفضل (قال: حدثنا حمَّاد) زاد الأربعة: (ابن زيد) هو ابن درهم أبو إسماعيل البصري، (عن أيوب) هو السختياني، (عن نافع) هو مولى ابن عمر، (عن) عبد الله (ابن عمر) هو ابن الخطاب ﵄: (أَنَّ) بفتح الهمزة (رجلًا) لم يعرف اسمه (جاء إلى النَّبي) الأعظم ﷺ وهو في مسجده النَّبوي يوم الجمعة كما يفهم من السياق (وهو يخطُب)؛ بِضَمِّ الطاء المهملة؛ أي: على منبره الشريف للناس، (فقال) أي: الرجل: (كيف صلاة الليل؟) أي: هل تصلى أربع ركعات أم ركعتين؟ (فقال) ولأبي ذر: (قال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ مجيبًا له: (مثنى مثنى) مقول القول، وهو في الحقيقة جملة؛ لأنَّ مقول القول يكون جملة، فالمبتدأ محذوف؛ تقديره: صلاة الليل مثنى مثنى؛ أي: اثنين اثنين، والثاني تأكيد للأول، وهو غير منصرف؛ لأنَّ فيه العدل التحقيقي والصِّفة، أفاده إمامنا الشَّارح، (فإذا خشيت الصبحَ)؛ أي: طلوع الفجر الصَّادق، و (الصبحَ) : منصوب مفعول (خشِيت)؛ بكسر الشين المعجمة، خطاب للرجل المذكور، ويلحق به غيره ممن يفعل ذلك.
وقول العجلوني: (خطاب لكل من يتأتى منه الخطاب) : فيه نظر؛ لأنَّ وجود التَّاء تمنع ذلك؛ لأنَّها موضوعة للخطاب، والمخاطب هو الرجل المذكور لا غيره، نعم؛ مع عدم وجود التَّاء يحتمل ذلك، ولا رواية فيه، بل جميع الروايات على وجودها؛ فليحفظ.
(فأوتر بواحدة)؛ أي: بركعة واحدة بعد شفع قبلها متصلًا بها، فهو ثلاث ركعات؛ وهو الوتر، وقد بين ذلك أحاديث؛ منها: حديث عائشة، وعمران بن حصين، وغيرهما: (أنَّه ﵇ كان يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن)، رواه أحمد والحاكم، وقال: (على شرط الشيخين)، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا؛ فافهم.
وقوله: (توترْ) مجزوم؛ لأنَّه جواب الأمر، ويروى: بالرفع على الاستئناف، وقوله: (لك) ثابت في رواية الكشميهني والأصيلي، كما قاله إمام الشَّارحين، ساقط عند غيرهم (ما قد صليت)؛ أي: الذي قد صليته، فكلمة (ما) الموصولة محلها نصب على المفعولية لـ (توتر)، وفاعله عائد إلى المخاطب لا إلى الواحدة؛ كما يدل عليه وجود التَّاء المخاطبة، وإن احتمل على بعد جعله للواحدة، وزيادة (لك) لا يدل عليه؛ لأنَّه لا مانع من وجود خطأ بين في الكلام؛ فافهم، وهذا يؤيد ما قلناه آنفًا؛ فافهم.
(فقال) وفي رواية: (وقال) (الوَلِيد بن كَثير)؛ بفتح الواو، وكسر اللَّام، و (كَثير) ضد القليل، فهما بالتكبير، هو أبو محمَّد القرشي المخزومي المدني، سكن الكوفة، وكان ثقة عالمًا بالمغازي، مات بها سنة إحدى وخمسين ومئة: (حدثني) بالإفراد (عُبيد الله)؛ بالتصغير: هو شقيق سالم؛ لقوله: (ابن عَبد الله)؛ بالتكبير: هو ابن عمر بن الخطاب ﵄: (أَنَّ)؛ بفتح الهمزة (ابن عمر) أي: والده المذكور (حدثهم) إنَّما أتى بلفظ: (حدثهم) بالجمع؛ إشارة إلى أنَّه لم يكن منفردًا عند التحديث به، قاله إمام الشَّارحين، وليس هو عبيد الله السَّابق، فإن ذاك يروي عن نافع، ولم يدرك ابن عمر؛ فليحفظ، (أنَّ رجلًا) بفتح الهمزة، ولم يعرف اسمه (نادى النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: فسأله عن صلاة الليل هل تصلى أربعًا أم ركعتين؟ وأجابه بأنها: مثنى مثنى، (وهو) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (في المسجد)؛ أي: النَّبوي، والجملة حالية، والضمير يحتمل أن يعود على الرجل أو على النداء، والأقرب الأول؛ لأنَّ هذا التَّعليق وصله مسلم من طريق أبي أسامة عن الوليد، وهو بمعنى حديث نافع عن ابن عمر، فهو يؤيد أنَّ الضمير يعود عليه ﷺ ، فإنَّه كان يخطب على منبره في مسجده؛ فافهم.
وقال إمام الشَّارحين: (وهذا علقه البخاري وأراد به بيان أنَّ ذلك كان في المسجد؛ لأنَّ صحة مطابقة الحديث للتَّرجمة به) انتهى، أي: فإنَّ الظَّاهر منه ﵇ لا يكون في المسجد إلا وحوله جماعة جلوس محلقين به، وقال إمام الشَّارحين: (وبهذا يرد على الإسماعيلي حيث اعترض على البخاري بأنَّه ليس فيما ذكر دلالة على الجلوس في المسجد) انتهى.
وليس في هذا وسابقه دلالة على أنَّ صلاة الليل مثنى ومثله النهار؛ كما ذهب إليه المالكية، والشَّافعية، والحنابلة؛ لأنَّ هذه واقعة حال وردَّة على سؤال رجل، فأجابه ﵇ على قدر طاقته واستطاعته، وإلا؛ فالأفضل الأربع ليلًا ونهارًا؛ لحديث عائشة ﵂: (أنَّها سئلت عن صلاة رسول الله ﷺ في جوف الليل، فقالت: كان يصلِّي صلاة العشاء في جماعة، ثم يرجع إلى أهله، فيركع أربع ركعات، ثم يأوي إلى فراشه...)؛ الحديث، رواه أبو داود في «سننه»، وفي آخره: (حتى قبض على ذلك)، ولما رواه مسلم من حديث معاذة: (أنَّها سألت عائشة: كم كان رسول الله ﷺ يصلِّي الضُّحى؟ قالت: أربع ركعات يزيد ما شاء)، ورواه أبو يعلى في «مسنده»، وفيه: (لا يفصل بينهنَّ بسلام)، وهذا مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين ﵁ والجمهور، وقال الإمامان أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن: الأفضل في الليل مثنى، وفي النهار أربع، وسيأتي مزيد لذلك في (النوافل) إن شاء الله تعالى.
[حديث: ألا أخبركم عن الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله]
٤٧٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي المنزل الدمشقي الأصل (١) (قال: أخبرنا) ولابن عساكر والأصيلي: (حدثنا) (مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري البخاري، ابن أخي أنس لأمه، التَّابعي، المتوفى سنة اثنتين وثلاثين ومئة: (أنَّ أبا مُرَّة)؛ بضم الميم، وتشديد الرَّاء، واسمه يزيد (مولى عَقيل) بفتح العين المهملة (بن أبي طالب)، وقيل: مولى أخيه علي الصديق الأصغر، وقيل: مولى أختهما أم هانئ (أخبره عن أبي واقِد)؛ بالقاف المكسورة، والدَّال المهملة: هو الحارث بن عوف، وقيل: هو الحارث بن مالك، وقيل: هو عوف بن الحارث، الصَّحابي (اللَّيثي) -بالمثلَّثة- البدري في قول، المتوفى بمكة سنة ثمان وستين، (قال) أي: أبو واقِد: (بينما رسول الله) وللأصيلي: (النَّبي) الأعظم ﷺ وأصل (بينما) : (بين)، زيدت عليها لفظة (ما)، وهي من الظروف التي لزمت إضافتها إلى الجملة، وفي رواية: (بينا)؛ بدون (ما)، وأصلها: (بين)، فاشبعت فتحة النُّون بالألف، والعامل فيه معنى المفاجأة (في المسجد)؛ أي: النَّبوي، والجار والمجرور حال من الرسول؛ كما قاله القسطلاني تبعًا لإمام الشَّارحين.
وزعم العجلوني أنَّه متعلق بخاص خبر المبتدأ؛ كـ (جالس)؛ للقرينة، ولا يخرجه ذلك عن الاستقرار؛ فتدبر.
زاد المؤلف في روايته في كتاب (العلم) : (والناس معه)، وهو أصرح؛ لما ترجم له المؤلف؛ فافهم، والله أعلم.
стр. 682
(فأقبل) جواب (بينما)، وفي رواية كتاب (العلم) : (إذ أقبل)، وما ههنا أفصح؛ لقول الأصمعي: (لا يُستَفصَح مجيء «إذ» و «إذا» في جواب «بين»)، وبهذا ظهر فساد قول العجلوني: إنَّ جواب (بين) بـ (إذا) هو المعروف؛ فافهم، (ثلاثة نَفَر)؛ بالتحريك، ولم يُسَم واحد من الثلاثة؛ أي: ثلاثة رجال من الطريق، فدخلوا المسجد، كما في حديث أنس: (فإذا ثلاثة نفر مارين)، وللأصيلي: (فأقبل نفر ثلاثة)، (فأقبل اثنان) أي: من النفر الثلاثة (إلى رسول الله ﷺ ؛ أي: إلى مجلسه، (وذهب واحد)؛ أي: منهم، وهو الثالث عطف على قوله: (فأقبل)؛ أي: مضى في طريقه منفردًا، (فأَمَّا)؛ بفتح الهمزة، وتشديد الميم: تفصيلية، والفاء تفصيحية؛ لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ يعني: فإذا أردت جزاء كل واحد منهم؛ فأمَّا (أحدهما)؛ أي: أحد اللذين أقبلا إليه ﵇، وهو بالرفع مبتدأ، وخبره قوله: (فرأى فُرجة)؛ بِضَمِّ الفاء وفتحها، لغتان؛ وهي الخلل بين الشيئين، وفرق بينهما، فالضم: اسم للخلل بين الشيئين، والفتح: للتفصي من الهم، وهذا هو المشهور؛ والمعنى: أنَّه رأى خللًا في الحلقة، كما ثبت للأصيلي والكشميهني، (فجلس)؛ أي: في الفُرجة، وهو عطف على (رأى)، وفيه المطابقة للتَّرجمة، وأتى بالفاء في (فرأى)؛ لتَضَمُّن (أَمَّا) معنى الشرط.
(وأمَّا الآخَر)؛ بالمد وفتح الخاء المعجمة؛ أي: المغاير للأول، وهو الثاني من اللذين أقبلا؛ (فجلس خلفهم)؛ أي: خلف القوم، وكأنَّه لم يجد هناك فرجة يجلس فيها، وهو منصوب على الظرفية.
(وأمَّا الآخر)؛ بالمد وفتح الخاء المعجمة أيضًا، وهو الثالث الذي ذهب وحده؛ (فأدبر ذاهبًا)، من الإدبار؛ أي: التولي؛ يعني: ولَّى منصرفًا مستمرًا في ذهابه ولم يرجع، و (ذاهبًا) منصوب على الحال، (فلما فَرَغَ)؛ بفتح الفاء والرَّاء والغين المعجمة؛ أي: تمم وكمل (رسول الله ﷺ حديثه الذي كان مشتغلًا به من قراءة القرآن وتعليمه، أو العلم والأحكام، أو الذكر وفضله، أو الخطبة ونحوها؛ (قال) جواب (لما) : (ألَا)؛ بالتخفيف، حرف تنبيه، والهمزة يحتمل أن تكون للاستفهام، و (لا) للنَّفي، والأظهر الأول (أخبركم عن الثلاثة) وللأصيلي: (عن النفر الثلاثة)؛ أي: ما جزاؤهم عند الله بما فعلوه، (أمَّا أحدهم)؛ بفتح الهمزة، وتشديد الميم، للتفصيل، و (أحدُهم) : مرفوع على الابتداء، خبره قوله: (فأوى)؛ بهمزة مقصورة؛ أي: التجأ (إلى الله) سبحانه؛ حيث دخل مجلس النَّبي الأعظم ﷺ ، (فآواه) بهمزة ممدودة (الله إليه)؛ أي: جازاه بنظير فعله بأن ضمه إلى رحمته ورضوانه، ويؤويه يوم القيامة إلى ظل عرشه، فنسبة الإيواء إلى الله تعالى مجاز؛ لاستحالته في حقه تعالى، فالمراد لازمه؛ وهو إرادة إيصال الخير، ويسمى هذا المجاز مجاز المشاكلة والمقابلة.
(وأمَّا الآخَر)؛ بالمد وفتح المعجمة؛ (فاستحى)؛ أي: ترك المزاحمة حياء من النَّبي الأعظم ﷺ ومن أصحابه؛ حيث جلس خلف القوم، وعند الحاكم: (ومضى الثاني قليلًا، ثم جاء فجلس)، قال إمام الشَّارحين: (والمعنى: أنَّه استحى من الذهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثالث)، (فاستحى الله منه)؛ أي: بأن رحمه ولم يعاقبه، فجازاه بمثل ما فعل، وهذا أيضًا من قبيل المشاكلة؛ لأنَّ الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يُذَم به، وهو محال على الله تعالى، فيكون مجازًا عن ترك العقاب، وحينئذٍ فهو من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم، انتهى.
(وأمَّا الآخر)؛ بالمد، وهو الثالث؛ (فأعرض)؛ أي: ولَّى مدبرًا عن مجلس النَّبي الأعظم ﷺ ، (فأعرض الله عنه)؛ أي: جازاه بأن سخط عليه وغضب ولم يرض منه، وهذا أيضًا من قبيل المشاكلة؛ لأنَّ الإعراض: هو الالتفات إلى جهة أخرى، وهو غير لائق بالله تعالى، فيكون مجازًا عن السخط والغضب، ويحتمل أنَّ هذا الرجل كان منافقًا، فأطلع اللهُ النَّبيَّ الأعظم ﷺ على أمره وحاله، والمراد في مثل هذه الإطلاقات غاياتها ولوازمها، والعلاقة بين الحقيقي والمجازي اللزوم والقرينة الصَّادقة هو العقل، وفي رواية: (وأمَّا الآخر؛ فاستغنى، فاستغنى الله عنه)، كذا في «عمدة القاري».
وهذا الحديث سبق في باب (من قعد حيث ينتهي به المجلس) من كتاب (العلم)، وفيه المطابقة لما ترجم له خصوصًا في قوله: (فرأى فُرجة في الحلقة)؛ ففيه: جواز الحِلَق في المسجد للعلم، والذكر، وقراءة القرآن، ونحوها.
وفيه: أنَّ للخطيب إذا سئل أن يجيب في حال الخطبة، ولا يضر ذلك في خطبته.
وفيه: سد الفرج في حلق العلم؛ كما في الصلاة وصف القتال.
وفيه: ابتداء العالم جلساءه بالعلم قبل أن يُسأل عنه.
وفيه: الثناء على من زاحم في طلب الخير.
وفيه: مدح الحياء والثناء على صاحبه.
وفيه: ذم الزاهد في العلم وسماعه وأهله.
وفيه: جواز التخطي لسد الخلل ما لم يؤذ (١) أحدًا.
وفيه: أنَّ من سبق إلى موضع من المسجد؛ فهو أحق به، فليس لأحد أن يقيمه عنه.
وفيه: ندب الجلوس حيث ينتهي به المجلس.
وفيه: أنَّ الإنسان إذا فعل قبيحًا؛ جاز أن ينسب إليه، وأنَّ من أعرض عن مجالسة العلماء؛ فإنَّ الله يعرض عنه، انتهى، والله أعلم.
(٨٥) [باب الاستلقاء في المسجد ومد الرجل]
هذا (باب) حكم (الاستلقاء) : مصدر (استلقى)، وثلاثيه: لقى يلقى، فنقل إلى باب الاستفعال، فقيل: استلقى على قفاه، ذكره الجوهري في باب (اللقاء)، وذكر فيه: (واستلقى على قفاه)، ومصدره إذن يكون: استلقاء، وذكره ابن الأثير في باب سلنق (٢) يسلنق ومستلق؛ بالنُّون في الأول، وبالتَّاء في الثاني، والصَّحيح ما ذكره الجوهري، كذا قاله إمام الشَّارحين، (في المسجد) اللَّام فيه للجنس؛ أي: في أيِّ مسجد كان، والجار والمجرور متعلق بـ (الاستلقاء)، وبقوله: (ومدِّ الرِّجل) على سبيل التنازع، أو حال منهما، أو صفة لهما؛ فافهم.
وقوله: (ومدِّ) بالجر عطفًا على (الاستلقاء) (الرِّجل)؛ بكسر الرَّاء؛ أي: في المسجد، والمراد بالحكم الجواز؛ لحديث الباب، وهو صادق بجواز جمعهما فيه، فأحدهما أولى سوى أنَّه يكره مد الرِّجل إلى القبلة عند الإمام الأعظم؛ لأنَّ الله تعالى جعلها قبلة للعبادة، فلا يفعل جهتها مما فيه عدم الأدب، ولا نص في ذلك عن الشَّافعي، غير أنَّه صرح بحرمة مد الرِّجل إلى المصحف، فقاس ابن حجر المكي الكعبة عليه، انتهى.
والفرق بينهما ظاهر كما لا يخفى، وسقط المعطوف للأصيلي، وأبي ذر، وابن عساكر، وثبت عند غيرهم، وكذا في نسخة الصاغاني، وكذا في نسخةٍ عند أبي ذر وابن عساكر، كما في (الفرع).
[حديث: رأى رسول الله مستلقيًا في المسجد]
٤٧٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن مَسلَمَة)؛ بفتحات: هو القعنبي المدني، (عن مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن ابن شهاب) :
стр. 683
هو محمَّد بن مسلم الزهري المدني، (عن عَبَّاد) بفتح العين المهملة، وتشديد الموحَّدة (بن تميم) هو ابن يزيد الأنصاري المدني، الصَّحابي في قول الذهبي، والتَّابعي في قول غيره، (عن عمه) هو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني المقتول بالحَرَّة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وعباد وعمه تقدما في باب (لا يتوضأ من الشك) : (أنَّه رأى)؛ أي: أبصر، فلهذا اكتفي لها بمفعول واحد (رسول الله ﷺ ، وقوله: (مستلقيًا) : حال من الرسول الأعظم؛ أي: متكئًا على ظهره (في المسجد)؛ أي: النَّبوي، فاللَّام فيه للعهد، وقوله: (واضعًا [إحدى رجليه على الأخرى] (١)) : حال من النَّبي الأعظم أيضًا، فهما حالان مترادفتان، ويجوز أن يكون قوله: (واضعًا) : حال من الضمير الذي في (مستلقيًا)، فعلى هذا يكون الحالان متداخلتين، كذا قرره إمامنا الشَّارح.
ومطابقته للحديث ظاهرة، وقال الخطابي: (فيه بيان جواز هذا الفعل، والنَّهي الوارد عن ذلك منسوخ بهذا الحديث)، قال إمام الشَّارحين: (قلت: النَّهي ما روى جابر بن عبد الله: «أنَّ رسول الله ﷺ نهى أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلقٍ»، وأجاب الخطابي عن النَّهي بجواب آخر: وهو أنَّ علة النَّهي عنه أن تبدو عورة الفاعل لذلك، فإنَّ الإزار ربما ضاق، فإذا شال لابسه إحدى رجليه فوق الأخرى؛ بقيت هناك فُرجة تظهر منها عورته، وممن جزم بأنه منسوخ ابن بطال) انتهى كلام إمام الشَّارحين.
قال ابن حجر: (الجواب الثاني أولى من ادعاء النَّسخ؛ لأنَّه لا يثبت بالاحتمال، وممن جزم به: البيهقي، والبغوي، وغيرهما) انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (القائل بالنَّسخ ما ادعى أنَّ النَّسخ بالاحتمال، وإنَّما جزم به، فكيف يدعي الأولوية بالاحتمال، ويقوي دعوى النَّسخ ما روي عن عمر وعثمان: أنَّهما كانا يفعلان ذلك على ما سيأتي، ويقال: يحتمل أنَّ الشَّارع فعل ذلك لضرورة أو كان ذلك بغير محضر جماعة، فجلوسه ﵇ في المجامع كان على خلاف ذلك من التربع، والاحتباء، وجلسات الوقار، والتواضع) انتهى.
واعترضه العجلوني بأنَّ الخطابي لما ردد في الجواب بين النَّسخ وبين الحمل على إذا خشي بدوَّ عورته كان بصورة الاحتمال.
وعبارة ابن بطال: (وكأنَّ البخاري ذهب إلى أنَّ حديث جابر منسوخ بهذا الحديث، واستدل على نسخه بحديث الخليفتين بعده، ولا يجوز أن يخفى عليهما الناسخ والمنسوخ) انتهى.
واعترضه العجلوني بأنَّ حديث الخليفتين بعده لا يدل على خصوص النَّسخ؛ لاحتمال أن يكون النَّهي عندهما محمولًا على ما إذا خشي بدوَّ العورة، فلا نسخ، انتهى.
وأجاب ابن حجر في «الانتقاض» : بأنَّه لا حرج في دعوى الأولوية بالاحتمال، وأمَّا النَّسخ؛ فلا يثبت إلا بمعرفة التاريخ أو بتنصيص الشَّارع، انتهى.
قلت: كلام العجلوني وابن حجر كلاهما فاسد الاعتبار.
أمَّا قوله: (بأن الخطابي لما ردد في الجواب...) إلخ؛ فيرده أنَّه ذكرهما بصيغة الجزم، ولم يذكرهما بصيغة الاحتمال، فليس في كلامه ما يدل على أنَّه قائل بالاحتمال ولو صورة، على أنَّ المعتبر للفظ لا للصورة؛ فافهم، وعبارة ابن بطال صحيحة لا يرد عليها ما ذكره، فإنَّ حديث الخليفتين بعده يدل على النَّسخ قطعًا؛ لأنَّهما لا يفعلان شيئًا مخالفًا لسنته ﵇؛ لأنَّهما أعلم بحاله، وعَلِما أنَّ النَّهي كان في ابتداء الأمر، ثم إنَّه نسخ بفعله، كما لا يخفى.
وما ذكره من الحمل على ما إذا خشي عندهما؛ ممنوع؛ لأنَّهما لا يفعلان شيئًا من تلقاء أنفسهما، بل حتى يعلما ويشاهدا ذلك من فعله ﵇، واستلقاؤه ﵇ لم يخف عليهما قطعًا؛ لأنَّهما دائمًا معه ﵇ مترقبين لأفعاله، ومن البعيد كونه ﵇ مستلقيًا في المسجد ولم يره خليفته الفاروق وذو النورينولم يعلما به، فنسبة عدم علم الناسخ والمنسوخ لهما جرأة عظيمة يجب الإعراض عنها، فلا تغتر بما زعمه.
وأمَّا قول ابن حجر: (لا حرج في دعوى الأولوية بالاحتمال)؛ ممنوع؛ لأنَّه قد ذكر الأولوية بغير دليل، فالحرج ظاهر؛ لأنَّ القول بغير مستند غير مقبول، لا سيما في الأحكام، فكيف يقول: لا حرج؟! وما هذا إلا القول بالرأي بعينه يجب الإعراض عنه.
وقوله: (وأمَّا النَّسخ...) إلخ؛ لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم أنَّ عمر وعثمان رضي الله عنهماأعلم الناس بمعرفة التاريخ وبأقوال الشَّارع وأفعاله، ولا ينكر ذلك إلا كل معاند، وفعلهما دليل على كون فعله ﵇ كان ناسخًا للنَّهي، ولا يتصور أن يفعلا شيئًا منهيًّا عنه من الشَّارع؛ لأنَّهما أشد اتباعًا للسنة، فهذا أقوى دليل على النَّسخ، كما لا يخفى، على أنَّ ما فعله الخليفتان كان بمحضر الصَّحابة، ولم ينكر عليهما أحد منهم، فصار ذلك منهم إجماعًا على نسخه، كما لا يخفى؛ فافهم.
فانظر جرأة ابن حجر والعجلوني على خليفتي رسول الله ﷺ وما زعما فيهما؛ فاجتنبه.
وقال المازري: إنَّ النَّهي وقع في غير الكتب الصِّحاح؛ كـ «أبي داود»، لكنه عام؛ لأنَّه قول، والاستلقاء فعل، فهو خاص قد يدعى قصره عليه لولا ما صح عن الخليفتين، فصار تعارضًا (٢) بين الحديثين، ثم أجاب بنحو ما ذكره الخطابي.
واعترضه ابن حجر بأنَّ حديث النَّهي في «البخاري» في (اللباس)، وبأنَّ الخصائص لا تثبت بالاحتمال، والظَّاهر أنَّ فعله ﵇؛ لبيان الجواز، أو كان في وقت الاستراحات لا في مجتمع الناس؛ لِمَا عُرِفَ من عادته في الجلوس بينهم بالوقار التام؛ كالتربع والاحتباء، انتهى.
قلت: واعتراضه مردود عليه، وحفظ شيئًا وغاب عنه أشياء، فإنَّ حديث النَّهي وإن كان ذكره البخاري في (اللباس)، لكنه منسوخ بفعل الخليفتين، فلم يُلتَفت إليه، وبقي الفعل، فليس ثمة تعارض، وإلى هذا أشار المازري بقوله: (ولولا ما صح عن الخليفتين)، ثم أجاب: بأنَّ النَّهي منسوخ بفعلهما.
وقوله: (وبأنَّ الخصائص...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّ المازري بناها على فرض ثبوت عدم فعل الخليفتين ذلك، لا مع ثبوت فعلهما، ومعنى كلامه: أنَّه إذا ثبت فعلهما ذلك؛ فيكون دليلًا على النَّسخ، فليس للنَّهي محل لذلك، على أنَّه لو لم يصح عنهما؛ لكان قوله بالخصوصية مقبولًا؛ فانظر كيف فهم هذا الكلام؟
وقوله: (والظَّاهر...) إلخ؛ هذا ليس بظاهر؛ لأنَّ الشَّارع وخلفاءه الذين أُمرنا باتباعهم قد فعلوا ذلك، فلا يكون فعلهم مبنيًّا على بيان الجواز؛ لأنَّه يقال فيما إذا تعارض دليلان، وليس هنا كذلك؛ فافهم.
وقوله: (أو كان في وقت...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّ فعله ﵇ لا يدل على هذا، فإنَّ الحديث يرده، ومحل الاستراحة المنزل لا المسجد، وليس في الحديث إشارة إلى هذا، وإنَّما كان ﵇ يفعل ذلك في مجتمع الناس؛ بدليل كونه في المسجد وهو لا يخلو عن الناس، وكفى بذلك رؤيته لعمر بن الخطاب وعثمان ﵄ حتى فعلا كفعله؛ لأنَّهما أشد اتباعًا له، كما لا يخفى، وعادته التربع إذا كان في مجمع مذاكرة العلم وحوائج الناس لا مطلقًا، كما زعمه؛ فافهم.
وقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث الاتكاء في المسجد، والاضطجاع فيه، وكذا أنواع الاستراحات غير الانبطاح (٣) -وهو الوقوع على الوجه-، فإن النَّبي الأعظم ﷺ قد نهى عنه، وقال: «إنَّها ضجعة يبغضها الله تعالى») انتهى؛ فليحفظ.
стр. 684
(وعن ابن شهاب) هو محمَّد بن مسلم الزهري المدني، (عن سعيد بن المسيَّب)؛ بفتح التحتية المشددة وبكسرها، وكان يقول: (بكسر الياء، سيَّب الله من يسيب أبي)، توفي بالمدينة سنة إحدى ومئة، وهو ابن حزن القرشي المخزومي، المتفق على أنَّ مرسلاته أصح المراسيل، (قال) أي: سعيد: (كان عمر) هو ابن الخطاب القرشي، أحد الخلفاء الراشدين (وعثمان) هو ابن عفان، ثالث الخلفاء المهديين، الملقب بذي النورين ﵄ (يفعلان ذلك)؛ أي: الاستلقاء المذكور، والوضع في المسجد، وإفادة (كان) الدوام والاستمرار غالبًا، وهو بواو العطف معطوف على الإسناد المذكور، ولهذا قال صاحب «التوضيح» : (ساقه البخاري بالسند الأول، وقد صرح به أبو داود، وزاد أبو مسعود فيما حكاه الحميدي في «جمعه»، فقال: «إنَّ أبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفعلون ذلك»، وقد أخرج البرقاني هذا الفعل من حديث إبراهيم بن سعد عن الزهري متصلًا بالحديث الأولولم يذكر سعيد بن المسيَّب، وسعيد لم يصح سماعه من عمر، وأدرك عثمان، ولا يحفظ له عنه رواية عن رسول الله ﷺ انتهى.
وقال ابن حجر: («وعن ابن شهاب» : معطوف على الإسناد الأول، وقد صرح بذلك أبو داود في روايته عن القعنبي، وهو كذلك في «الموطأ»، وغفل عن ذلك من زعم أنَّه معلق) انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (يريد به الكرماني؛ حيث قال: يحتمل أن يكون هذا معلقًا وأن يكون داخلًا تحت الإسناد السَّابق، فالكرماني ما جزم بأنَّه معلق، بل قال بالاحتمال، وهو صحيح بحسب الظَّاهر، وتصريح أبي داود بذلك في كتابه لا يدل على أنَّ هذا داخلًا في الإسناد المذكور ههنا قطعًا، ورواية أبي داود هكذا: «حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: أنَّ عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك»؛ أي: من الاستلقاء والوضع) انتهى.
وأجاب ابن حجر في «الانتقاض» : (بأنَّ تصريح مثل مَنْ ذَكَرَ بذلك يرجح الوصل، ويُصيِّر احتمال التَّعليق كالعدم) انتهى.
قلت: هو غير ظاهر، فإنَّ تصريح أبي داود يحتمل التَّعليق والوصل، بل الأول أظهر؛ لأنَّ ابن المسيب لم يصح سماعه من عمر، ولا من عثمان، ولا يحفظ له رواية، كما قدمناه عن صاحب «التوضيح»؛ فافهم.
ونقل العجلوني عن النَّووي: (أنَّ ابن المسيب ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، وقيل: لأربع سنين، ورأى عمر وسمع منه، ومن عثمان، وعلي، وغيرهم، ثم نقل عن أحمد: أنَّه رأى عمر وسمع منه)، ثم قال العجلوني: (وبه تعلم أنَّ ما ذكره ابن الملقن وإن تبعه عليه في «العمدة»؛ ليس بعمدة) انتهى.
قلت: أراد بهذا الاعتراض على إمام الشَّارحين وعلى صاحب «التوضيح»، واعتراضه مردود عليه؛ لأنَّ ابن خلكان قال في ترجمته: (سمع سعد بن أبي وقاص، وأبا هريرة، وغيرهما، وأكثر روايته المسند عن أبي هريرة، وكانت ولادته لسنتين مضتا من خلافة عمر) انتهى، ولم يذكر أنَّه سمع من عمر، وعثمان، وعلي، كما رأيت على أنَّ كونه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر يرد كونه سمع منه؛ لأنَّ صحة سماع الصبي مشروط بأن يكون ابن خمس سنين، وليس ابن المسيب سنه وقتئذٍ خمسًا، كما لا يخفى، وفيه خلاف؛ فابن العربي يشترط فيه بلوغ خمس، وابن العجمي بلوغ سبع، وهو قول الجمهور، وقال جماعة: بلوغ خمس مطلقًا، قاله القاضي عياض، وقدمناه في باب (متى يصح سماع الصغير)؛ فاعرفه.
قال إمام الشَّارحين: (اختلف جماعة من الصَّحابة والتَّابعين وغيرهم في هذا الباب؛ فذهب محمَّد بن سيرين ومجاهد وطاووس وإبراهيم النخعي إلى أنَّه لا يكره وضع إحدى الرِّجلين على الأخرى، وروي ذلك عن ابن عبَّاس وكعب بن عجرة.
وخالفهم في ذلك آخرون؛ فقالوا: لا بأس بذلك؛ وهم: الحسن البصري، والشَّعبي، وابن المسيب، وأبو مجلز، ومحمَّد ابن الحنفية، ويروى ذلك عن أسامة بن زيد، وابن عمر، وأبيه عمر بن الخطاب، وعثمان، وابن مسعود، وأنس ﵃.
وقال ابن أبي شيبة في «مصنفه» : «حدثنا وكيع، عن عبد العزيز الماجشون، عن الزهري، عن ابن المسيب: أنَّ عمر وعثمان كانا يفعلانه».
وروي عن عبد الله بن مالك عن أبيه قال: «دخل على عمر ورآه مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى».
وروي عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث: «أنه رأى ابن عمر يضطجع فيضع إحدى رجليه على الأخرى».
وحدثنا وكيع، عن أسامة، عن نافع: «كان ابن عمر يستلقي على قفاه، ويضع إحدى رجليه على الأخرى، ولا يرى بذلك بأسًا، ويفعله وهو جالس لا يرى بذلك بأسًا».
وحدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن عمه قال: «رأيت ابن مسعود ﵁ مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى، وهو يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]».
وحدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن عمران -يعني: ابن مسلم- قال: «رأيت أنسًا ﵁ واضعًا إحدى رجليه على الأخرى») انتهى.
والحاصل: أنَّ الاستلقاء في المسجد ومد الرِّجل فيه؛ غير مكروه، إلا أنَّه يكره مد الرِّجل نحو الكعبة، وهذا مذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وهو قول الجمهور من الصَّحابة والتَّابعين، والله أعلم.
(٨٦) [باب المسجد يكون في الطريق من غير ضرر بالناس]
هذا (باب) بيان حكم بناء (المسجد)؛ أي: الجامع سواء كان كبيرًا أو صغيرًا (يكون) أي: بناؤه (في الطريق) أي: طريق الناس (من غير ضرر بالناس) ولأبي ذر: (للناس)، وفي بعض الأصول زيادة: (فيه)، والمراد بالحكم: الجواز، لكن بشرط ألَّا يكون فيه ضرر لهم.
ولما كان بناء المسجد على أنواع؛ نوع منه يجوز بالإجماع؛ وهو أن يبنيه في ملكه، ونوع يجوز ذلك بشرط ألَّا يضر بأحد؛ وذلك في المباحات، وقد شذ بعضهم في ذلك فمنعه، وأراد البخاري بهذا الباب الرد على هؤلاء، واحتج على ذلك بقصة أبي بكر الصديق ﵁، وعلم بذلك النَّبي الأعظم ﷺ وأقره على ذلك، ولم ينكر عليه، وما رواه عبد الرزاق عن علي وابن عمر من المنع؛ فسنده ضعيف لا يحتج به، أو محمول على وجود الضرر، والصَّحيح ما نقل عن أبي بكر ﵁، أفاده إمام الشَّارحين.
(وبه)؛ أي: بجواز بناء المسجد في الطريق بحيث لا يحصل ضرر للناس (قال الحسن) هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري التَّابعي، (وأيِّوب) هو السختياني البصري، (ومالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، وبه قال الجمهور.
وفائدة التصريح بهؤلاء مع أنَّه جائز عند الجمهور؛ لأنَّه لما وَرَد عنهم هذا الحكم صريحًا؛ صرَّح المؤلف بأسمائهم، قاله الشَّارح.
وقال صاحب «التوضيح» : (وأجاز مالك بناء المسجد بفناء الدار إذا كان لا يضر بالساكنين؛ لأنَّ نفعه كالاستطراق، وإليه ذهب البخاري كما في ترجمته، قال ابن شعبان: وينبغي تجنب الصلاة في المساجد المبنية حيث لا يجوز بناؤها
стр. 685
في الطرقات ونحوها؛ لأنَّها وضعت في غير حقها، فمن صلى فيها متأولًا أنَّه صلى في الطريق؛ أجزاه)، قال: (ولو كان مسجد في متسع وأراد الإمام الزيادة فيه ما لا يضر بالساكنين؛ لم يمنع عند مالك، ومنعه ربيعة، وصححه ابن بطال؛ لأنَّه غير عائد إلى جميعهم، وقد ترتفق به الحائض والنفساءن ومن لا تجب عليه من الأطفال، ومن يسلكه من أهل الذمة) انتهى.
قلت: وما صححه ابن بطال هو الصَّواب، كما لا يخفى على أولي الألباب.
[حديث: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين]
٤٧٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا يحيى ابن بُكير)؛ بِضَمِّ الموحَّدة مصغرًا، نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا؛ فأبوه عبد الله، المخزومي البصري (قال: حدثنا اللَّيث) هو ابن سعد الفهمي المصري الحنفي، (عن عُقَيل)؛ بِضَمِّ العين المهملة: هو ابن خالد الأيلي المصري، (عن ابن شهاب) هو محمَّد بن مسلم الزهري المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (عُروة بن الزُّبير)؛ بِضَمِّ العين المهملة في الأول، وضم الزاي في الثاني: هو ابن العوام القرشي المدني، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: (فأخبرني)؛ بالفاء، ولأبي الوقت والأصيلي: (وأخبرني)؛ بالواو، وعليهما فهو معطوف على مقدر كأن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بكذا وكذا فأخبرني أو وأخبرني عقيب تلك الإخبارات بهذا: (أنَّ عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر (زوج النَّبي) الأعظم ﷺ ورضي عنهما: أنَّها (قالت: لم أعقل) أي: لم أعرف (أبوي)؛ أي: أبا بكر وأم رومان، وهذه التثنية من باب التغليب، وفي بعض النُّسخ: (أبواي)؛ بالألف، وذلك على لغة بني الحارث بن كعب جعلوا الاسم المثنى نحو الأسماء التي آخرها ألف (١)؛ كعصى، فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب، أفاده إمام الشَّارحين.
قلت: والتغليب جَارٍ على الروايتين؛ فافهم.
(إلا وهما يدِينان الدِّينَ)؛ بكسر الدَّال المهملة فيهما؛ أي: يتدينان بدين الإسلام، وانتصاب (الدِّين) بنزع الخافض، يقال: دان بكذا ديانة، وتديَّن به تديُّنًا، ويحتمل أن يكون مفعولًا به، و (يدين) بمعنى: يطيع، ولكنه فيه تجوز من حيث جعل الدِّين كالشخص المطاع، قاله في «عمدة القاري».
قلت: وعلى هذا؛ فهو على سبيل الاستعارة المكنية والتخييلية، وفي الكلام إشارة إلى تقدم إسلام أم رومان أيضًا؛ فليحفظ.
(ولم يمُر)؛ بِضَمِّ الميم؛ أي: لم يمض (علينا)، ففيه تغليب المتكلم، وللأصيلي، وأبي الوقت، وابن عساكر: (عليهما) أي: على أبوي (يوم) وهو شرعًا: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وعند أهل الفلك: من طلوع الشمس إلى غروبها، وقولها: (إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار)؛ بالنصب على الظرفية الزمانية، صادق بالنهار الشرعي والفلكي، بل الأظهر الثاني؛ فافهم (بكرةً وعشيةً) : منصوبتان على الظرفية يدلان على التأكيد، أو هما بدلان؛ فافهم، (ثم بدا)؛ بغير همز؛ أي: ظهر، من بدا الأمر بدوًّا-مثل: قعد قعودًا- أي: ظهر، قال الجوهري: (بدا له في هذا الأمر؛ أي: نشأ له رأي فيه)، كذا في «عمدة القاري».
قلت: وفي التعبير بـ (ثم) إشارة إلى التراخي، وهو على حقيقته؛ لأنَّ ههنا قصة سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
(لأبي بكر) : متعلق بـ (بدا) (فابتنى مسجدًا) أي: أمر ببنائه (بفِناء داره)؛ بكسر الفاء ممدودًا؛ وهو ما امتد من جوانبها، (فكان) أي: أبو بكر (يصلِّي فيه)؛ أي: في المسجد المذكور ليلًا، وبعض صلاة النهار، (ويقرأ القرآن)؛ أي: ما نزل منه وقتئذٍ، (فيقف عليه) أي: على أبي بكر حين يقرأ في المسجد (نساء المشركين وأبناؤهم) في ذهابهم وإيابهم في الطريق، وكان المسجد له شبابيك تطل على الطريق العام فينظرونه منها (يعجبون منه)؛ أي: من أبي بكر في حسن قراءته، أو من القرآن العظيم، (وينظرون إليه) حيث يقرأ بين المشركين جهرًا ولا يبالي بهم.
(وكان أبو بكر رجلًا بكَّاء)؛ بتشديد الكاف على وزن (فعَّال)، مبالغة (باك)؛ أي: كثير البكاء من خشية الله تعالى (لا يملك عينيه)؛ بالتثنية؛ أي: لا يطيق إمساكهما ومنعهما من البكاء؛ (لرقة قلبه)، قال إمام الشَّارحين: (وفي بعض النُّسخ: «لا يملك عينه»؛ بالإفراد، وهو وإن كان مفردًا، لكنه جنس يطلق على الواحد والاثنين) انتهى، (إذا قرأ القرآن)، قال الشَّارح: («إذا» : ظرفية، والعامل فيه: «لا يملك»، أو شرطية، والجزاء مقدر يدل عليه: «لا يملك»؛ فافهم، (فأفزع)، من الإفزاع: وهو الإخافة؛ أي: أخاف (ذلك)؛ أي: وقوف من ذكر عليه، قاله الشَّارح، و (ذلك) فاعل (أخاف)، وزعم العجلوني: (ويحتمل أنَّ الإشارة لفعل أبي بكر المذكور)؛ وهو بعيد، والأول أظهر؛ لأنَّ فعله لا يخوفهم، كما لا يخفى، وقوله: (أشراف)؛ بالنصب مفعول (أفزع)؛ أي: أعاظم (قريش من المشركين)؛ أي: خافوا من ميل الأبناء والنساء إلى دين الإسلام.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، قال إمامنا الشَّارح: (وقد ذكر البخاري في كتاب «الهجرة» هذا الحديث مطولًا بهذا الإسناد، وزاد فيه بعد قوله: «عشية» وقبل قوله: «ثم بدا لأبي بكر» قصة طويلة في خروج أبي بكر من مكة، ورجوعه في جِوَارِ ابن الدغنة، واشتراطه عليه ألَّا يستعلن بعبادته، فعند فراغ القصة قال: «ثم بدا») انتهى.
قلت: وحاصل القصة: أنَّ الصديق لما أوذي؛ خرج من مكة مهاجرًا حتى بلغ برك الغماد (٢)، فرده ابن الدغنة، ورجع معه إلى مكة، وأجاره منهم بشرط ألَّا يصلِّي في بيته، ولا يستعلن بالقراءة، ثم بعد ذلك بدا للصديق، فابتنى مسجدًا بفِناء داره، فسير المشركون إلى ابن الدغنة، فجاء للصديق، فقال له: إمَّا أن تصلي في بيتك، وإلا؛ فرد جواري، فقال الصديق: فإنِّي أرضى بجوار الله، وأرد إليك جوارك، وهذا من قوة يقين الصديق ﵁، انتهى.
وقال إمام الشَّارحين: (ويستفاد من الحديث: جواز بناء المسجد في الطريق إذا لم يكن ضرر للعامة كما ذكرنا، وفيه: بيان فضل أبي بكر ﵁ مما لا يشاركه فيه أحد؛ لأنَّه قصد تبليغ كتاب الله وإظهاره مع الخوف على نفسه، ولم يبلغ شخص هذه المنزلة بعد رسول الله ﷺ ، وفيه: فضائل أخرى لأبي بكر، وهي قدم (٣) إسلامه وإسلام أبويه، وتردد رسول الله ﷺ إليه طرفي النهار، وكثرة بكائه، ورقة قلبه، مما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى) انتهى.
(٧٨) [باب الصلاة في مسجد السوق]
هذا (باب) حكم (الصلاة في مسجد السوق)؛ بالإفراد لأبي ذر، وفي رواية الأكثرين: (مساجد)؛ بالجمع، والمراد به: جواز الصلاة في المساجد التي بنيت في الأسواق والشوارع، وقال الكرماني:
стр. 686
(المراد بـ «المساجد» : مواضع إيقاع الصلاة، لا الأبنية الموضوعة للصلاة من المساجد، فكأنَّه قال: باب الصلاة في مواضع الأسواق).
وقال ابن بطال: (روي: «أنَّ الأسواق شر البقاع»، فخشي البخاري أن يتوهم من رأى ذلك الحديث أنَّه لا يجوز الصلاة في الأسواق استدلالًا به، فجاء بحديث أبي هريرة؛ إذ فيه إجازة الصلاة في السوق، وإذا جازت الصلاة في السوق فُرادى؛ كان أولى أن يتخذ فيه مسجد للجماعة).
وقال ابن حجر: (موضع التَّرجمة الإشارةُ إلى أنَّ الحديث الوارد في أنَّ الأسواق شر البقاع، وأنَّ المساجد خير البقاع، كما أخرجه البزار وغيره؛ لا يصح إسناده، ولو صح؛ لم يمنع وضع المسجد في السوق؛ لأنَّ بقعة المسجد حينئذٍ تكون بقعة خير).
واعترضهم إمام الشَّارحين، فقال: (كل منهم قد تكلف؛ أمَّا الكرماني؛ فإنَّه ارتكب المجاز من غير ضرورة، وأمَّا ابن بطال؛ فإنَّه من أين تحقق خشية البخاري مما ذكره حتى وضع هذا الباب؟ وأمَّا القائل الثالث -يعني: ابن حجر-؛ فإنَّه أبعد جدًّا؛ لأنَّه من أين علم أنَّ البخاري أشار به إلى ما ذكره؟ والأوجه أن يقال: إنَّ البخاري لما أراد أن يورد حديث أبي هريرة الذي فيه الإشارة إلى أنَّ المصلي لا يخلو إمَّا أن يكون في المسجد التي بني لها، أو في بيته الذي هو منزله، أو السوق؛ وضع بابًا فيه جواز الصلاة في المسجد الذي في السوق، وإنَّما خص هذا بالذكر من بين الثلاثة؛ لأنَّه لما كان السوق موضع اللغط، واشتغال الناس بالبيع والشراء، والأيمان الكثيرة فيه بالحق والباطل، وربما كان يُتَوهم عدم جواز الصلاة فيه من هذه الجهات؛ خصه بالذكر) انتهى.
واعترضه العجلوني فزعم: (يقال عليه: من أين مراد البخاري ما ذكره؟ فما كان جوابه فهو جوابهم، وقوله عن الكرماني: أنَّه ارتكب المجاز من غير ضرورة؛ فيه أنَّه الأصل الحقيقي إلا أن يريد بالنسبة للمعنى المتعارف، على أنَّه ليس الكلام للكرماني، بل لصاحب التراجم كما نقله عنه الكرماني)، وقال العجلوني قبله: (وما قاله الكرماني أنسب، والأولى أن يراد ما يشمل الأمرين معًا؛ لأنَّه أعم فائدة) انتهى.
قلت: وكلامه فاسد الاعتبار، فإنَّ قوله: (يقال عليه...) إلى آخره؛ صاحب الفهم الصَّحيح يعلم أنَّ مراد البخاري ما ذكره من وضع حديث أبي هريرة تحت هذه التَّرجمة، وفيه المطابقة لها صريحًا، وفيه بيان أنَّ المصلي إذا صلى في بيته؛ لم يحصل له هذا الثواب، وهو صادق بوجهين، فهو ثلاثة التي (١) ذكرها إمام الشَّارحين، وليس هذا يصلح جوابًا لهؤلاء كما زعمه؛ لأنَّ الكرماني لم يأخذ كلامه من بيان الحديث، بل أخذه من الفهم السقيم، وابن بطال أخذ كلامه من حديث: «شر البقاع الأسواق»، وتبعه ابن حجر، وأخذ من كلامه واستند لهذا الحديث، وكل هذا ليس بمراد للمؤلف، فليس لهؤلاء جواب غير أنَّه كلام غير مفيد للمقام على أنَّ حديث: «شر البقاع الأسواق» لا يصح إسناده، فهو ضعيف، فكيف يحتج به؟ وكيف يتوهم أحد منه عدم الجواز مع وجود حديث أبي هريرة؟ فإنَّ البخاري لو كان مراده الحديث وصح عنده؛ لذكره، وما ذلك إلا قول صادر من غير تأمل.
وقوله: (فيه أنَّه الأصل...) إلخ؛ ممنوع، فإنَّ الأصل في الكلام الحقيقة عند أهل المعارف لا المجاز، ولم يقل أحد غيره بأنه الأصل على أنَّه لا يجوز عند المحققين العدول عن الحقيقة إلى المجاز مع وجود الحقيقة؛ لأنَّها الأصل في الكلام؛ فليحفظ، فهذا كلام صادر من غير تأمل.
وقوله: (إلا أن يريد..) إلى آخره؛ ممنوع أيضًا، فمن المتعارف أنَّ المسجد اسم للأبنية المعروفة، وليس يعرف أنَّ المسجد موضع إيقاع الصلاة، كما لا يخفى.
(وكونه ليس الكلام للكرماني..) إلى آخره: ليس بلازم؛ لأنَّ إمام الشَّارحين ينظر للمقال، ولا ينظر لمن قال، وليس له فيه حظ نفس ولا نحوه، على أنَّه كم وقع الكرماني في خبط أبلغ من هذا، وكم رأينا له هفوات، فليس هذا بأول هفوة، على أنَّه لو كان المراد بالمساجد مواضع إيقاع الصلاة -كما زعمه وادعى العجلوني أنَّه أنسب-؛ لكان حديث أبي هريرة غير مطابق للتَّرجمة، ولكان على المؤلف أن يترجم له بـ (باب مواضع الصلاة)، ولما ترجم بهذا؛ علم أنَّ ما ذكره ليس بمراد له، ولا إشارة إليه، كما لا يخفى.
وقوله: (والأولى أن يراد...) إلى آخره؛ ممنوع؛ لأنَّ البخاري صرح في ترجمته بلفظ: (المساجد)، ولم يرد به مواضع الصلاة، كما هو صريح ترجمته، والحديث يدل عليه، وليس فيما ذكره العجلوني أعمية فائدة؛ لأنَّ الفائدة بما ترجم به موجودة بالعموم على أنَّه ليس فيما ذكره فائدة أصلًا؛ لأنَّه إذا حمل كلامه على ما يلزم عليه العمل بحقيقة الكلام ومجازه وهو غير جائز عند الجمهور، والمؤلف لا يعمل بمثله؛ فعلم منه أنَّه ليس بمراد للمؤلف ولا إشارة إليه.
(وصلى ابن عون)؛ بالنُّون، هو عبد الله بن أرطبان البصري، من السَّادسة، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئة، يروي عن ابن سيرين وغيره، وزعم ابن المُنَيِّر أنَّه ابن عمر، وردَّه إمام الشَّارحين: (بأنَّه تصحيف، والصَّحيح أنَّه ابن عون، وكذا وقع في الأصول) انتهى.
قال العجلوني: (رأيت في «المصابيح» نقلًا عنه: «ابن عون» بلا تصحيف) انتهى.
قلت: هذه النُّسخة التي رآها أيضًا هي تصحيف؛ لأنَّ الثابت في النُّسخ عنه: «ابن عمر» بالتصحيف كما نقله الشراح، فكيف يدعي ذلك؟ فافهم.
(في مسجد في دار يغلق عليهم الباب)؛ أي: على ابن عون ومن معه باب الدار، فضمير (عليهم) يرجع له ولمن معه، قال القسطلاني: (وليس في هذا ذكر السوق، فالله أعلم بوجه المطابقة) انتهى.
قلت: أشار إلى أنَّه لا مطابقة بين هذا والتَّرجمة، والظَّاهر أن يقال: إنَّ دار ابن عون في السوق والمسجد الذي فيها بابه في السوق، وأنَّ أهله يصلُّون فيه؛ بدليل قوله: (عليهم)، فإنَّه راجع إلى ابن عون ومن معه، وهم أهل السوق، فصدق عليه أنَّ صلاته كانت في مسجد السوق، وإغلاق الباب؛ لأجل عدم دخول كلب ونحوه، لا لأجل الناس؛ فافهم، فطابق التَّرجمة من هذا الوجه؛ فافهم.
وزعم صاحب «المنحة» بأنَّ وجه المطابقة قياس اتخاذ المسجد في السوق على اتخاذه في الدار بجامع أنَّ كلًّا منهما محجور بأهل ما حواه، انتهى.
قلت: هذا قياس مع الفارق، ولو كان مراد المؤلف اتخاذ المسجد في الدار؛ لكان ترجم له أو أدخله في ترجمته، وليس لهذا الجامع الذي ذكره وجه، فإنَّ السوق ليس أهله محجورين وكذلك الدار؛ لأنَّ السوق يدخله البائع، والشَّاري، والمتفرج، والغريب، والمقيم، وكذلك الدار يدخلها صاحب الحاجة، والضيف، ونحوهما؛ فافهم.
وقال ابن المُنَيِّر: (وجه المطابقة: أنَّ المصنف أراد أن يبين جواز بناء المسجد داخل السوق؛ لئلا يتخيل متخيل من كونه محجورًا منع الصلاة فيه؛ لأنَّ صلاة ابن عمر كانت في دار تغلق عليهم، فلم يمنع التحجير اتخاذ المسجد فيها، وخص السوق في التَّرجمة؛
стр. 687
لئلا يتخيل أنَّها لما كانت شر البقاع وبها يركز الشَّيطان رايته -كما وَرَد في الحديث- يمنع ذلك من اتخاذ المساجد فيها، وتنافي العبادة كما نافتها الطرقات، ومواضع العذاب والحَمَّام؛ فبيَّن بحديث أبي هريرة أنَّها محل للصلاة؛ كالبيوت، فيجوز أن يبنى فيها المسجد) انتهى.
قلت: كل هذا تكلف، وغير مراد للبخاري؛ لأنَّه من أين علم أنَّ مراد البخاري بيان جواز بناء المسجد داخل السوق؟ فلو كان مراده هذا؛ لكان يقول: باب جواز بناء المسجد في السوق، وإنَّما مراده: جواز الصلاة في مسجد السوق، وليس يتخيل أحد منع الصلاة في السوق؛ لكونه محجورًا بل هو غير محجور، ألا ترى أنَّ المؤمن لا يمنع مؤمنًا من دخول المسجد، فكيف يكون محجورًا؟ ودار ابن عون كانت في السوق وليس في المسجد الذي بها حجر؛ لأنَّ غلق الباب إنَّما كان لأجل ألَّا يدخل عليهم كلب أو نحوه، فيفسد عليهم صلاتهم.
وتخصيص السوق بالتَّرجمة موافقة للأثر والحديث، لا لأنَّها شر البقاع وركوز الشَّيطان، فإنَّ حديث: «شر البقاع»؛ ضعيف لا يحتج به كما قدمناه، والشَّيطان يركز في كل مكان خبيث، ألا ترى أنَّ الشخص إذا باع واشترى على قانون الشرع؛ يذكر عليه الملائكة وأنَّه عبادة، ولا تنافي فيما ذكره من الطرقات ونحوها؛ لأنَّها لم تكن معدة للصلاة، فقالوا بكراهة الصلاة فيها، أمَّا مسجد السوق؛ فلا كراهة فيه؛ لأنَّه مسجد أُعِد للصلاة فيه، فهذا قياس مع الفارق؛ فافهم، وما ذكرناه في وجه المطابقة هو الصَّواب؛ لأنَّه من فيض الوهاب.
زاد في الطنبور نغمة الكرماني، فزعم أنَّ غرض البخاري من هذا الأثر الرد على الحنفية حيث قالوا بامتناع اتخاذ المساجد في الدار المحجوبة عن الناس، انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (جازف الكرماني في هذا؛ لأنَّ الحنفية لم يقولوا هكذا، بل المذهب فيه أنَّ من اتخذ مسجدًا في داره وأفرز طريقه؛ يجوز ذلك، ويصير مسجدًا، فإذا أغلق بابه وصلى فيه؛ يجوز مع الكراهة، وكذا الحكم في سائر المساجد) انتهى.
وشاركه في المجازفة العجلوني، فزعم أنَّه يمكن حمل كلام الكرماني على ما قاله، والمكروه تحريمًا ممتنع في الجملة، فلا مجازفة، انتهى.
قلت: هذا تعصب بارد من ذهن شارد؛ لأنَّه كيف يحمل كلامه على ما قاله، وقد قال الكرماني: (قالوا بامتناع)؛ وهو عدم الجواز، وبين هذا وبين الجواز مع الكراهة فرق ظاهر كما بين السَّماء والأرض، ولم يصرح إمام الشَّارحين بأنَّ الكراهة للتحريم، فمن أين جاء بها؟ وما هذا إلا جرأة على رئيس المجتهدين.
على أنَّ الكرماني قال: (في الدار المحجوبة عن الناس)، وإمام الشَّارحين قال: (فإذا أغلق بابه)، فبين الدار المحجوبة والمسجد المغلق بابه فرق ظاهر (١)، فلا يمكن حمل كلامه على شيء أصلًا، وليس هو بالإمام الأعظم ولا بأمثاله حتى يحمل كلامه على محمل حسن، بل يقال: هو خطأ ظاهر، وجرأة على صاحب المذهب المعظم، وإذا كان لم يعرف مذهب رأس المجتهدين؛ كيف يتعرض لمذهبه بالخطأ الظَّاهر؟
على أنَّ ما ذكره البخاري من الأثر إن لو فرض أنَّه كان مخالفًا للمذهب لا يعارضه، ولا يلتفت إليه؛ لأنَّه ليس من كلام النَّبي الأعظم ﵇، ولا من كلام الصَّحابةرضي الله عنه، ومع هذا؛ فكلام التَّابعين كذلك لا يعارِض؛ لأنَّهم رجال ونحن رجال، كما قاله الإمام الأعظم، فكيف إذا كان كلام أتباع التَّابعين فبالأولى؛ فافهم، والله أعلم.
[حديث: صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته]
٤٧٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد البصري (قال: حدثنا أبو معاوية) هو محمَّد بن حازم الضرير، (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران الكوفي، (عن أبي صالح) هو ذكوان المدني، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، الصَّحابي الجليل ﵁، (عن النَّبي) الأعظم ﷺ أنَّه (قال: صلاة الجمِيع)؛ بتحتية بعد الميم المكسورة؛ أي: صلاة الجماعة كما في رواية، و (الجميع) في اللُّغة: ضد المتفرق، والجيش أيضًا والحي: المجتمع، ويؤكد به يقال: جاؤوا جميعًا؛ أي: كلهم، كذا قاله إمام الشَّارحين.
قال الكرماني: (صلاة الجميع؛ أي: في الجميع؛ يعني: صلاة الجماعة)، واعترضه الشَّارح بأنَّه تصرف غير مرضي، وكذلك اعترضه ابن حجر بأنَّه تكلف لا حاجة إليه، انتهى.
وزعم العجلوني بأنَّ ما ذكره الكرماني تصرف مرضي، ولا تكلف فيه، فإنَّ الإضافة على معنى (في) انتهى.
قلت: هو غير ظاهر؛ لأنَّ كلام الكرماني مبني على التكرار في معاني الألفاظ، كما هو ظاهر، وهو تصرف غير مرضي لأهل المعاني، ولا ريب أنَّه تكلف لا حاجة إليه عند أهل المعارف، وكون الإضافة على معنى (في) لا يدل على ما زعمه، فإنَّ تفسيره أيضًا صلاة الجماعة على معنى (في) لا كلام فيه، بل في التفسير المذكور؛ فافهم.
(تزيد)؛ بمثناة فوقية؛ أي: تفوق صلاة الجماعة (على صلاته)؛ أي: على صلاة الشخص المنفرد المدلول عليه بالجميع الذي بمعنى الجماعة، ونقل الكفيري عن «الكاشف» أنَّه قال: (هو مبتدأ، والمضاف محذوف؛ أي: ثواب صلاة الرجل في الجماعة، والضمير في «تزيد» راجع إليه) انتهى، (في بيته)؛ أي: منزله منفردًا، ومثله ما لو كان في أي مكان منفردًا، (وصلاته) : عطف على (صلاته)؛ أي: وتزيد على صلاته بانفراده (في سوقه)؛ أي: في مسجد سوقه على حذف مضاف، والقرينة الحالية والمقالية تعين أنَّ المراد بقوله: (وصلاته في سوقه)؛ أي: في مسجد سوقه؛ لأنَّ السوق: الطريق، ولا كلام لنا فيه: فتعين أن يكون المراد به مسجد السوق؛ فافهم، والدليل على كونه منفردًا قوله: (في بيته)؛ لأنَّه قرينة ظاهرة عليه؛ لأنَّ الغالب أنَّ الرجل يصلِّي في بيته منفردًا؛ فافهم، ويدل عليه ما عند ابن ماجه: «فضل الصلاة على صلاة أحدكم وحده...»؛ الحديث، (خمسًا وعشرين)؛ بالنصب على أنَّه مفعول لقوله: (تزيد)؛ نحو قولك: زدت عليه عشرة ونحوها (درجةً)؛ بالنصب على التمييز، وعند ابن ماجه: (جزءًا).
وفي لفظ: (بضعًا (٢) وعشرين درجة)، وفي لفظ: (بضعة وعشرين جزءًا).
وعند السراج: (تعدل خمسة وعشرين صلاة من صلاة الفذ).
وفي لفظ: (خير من صلاة الفذ).
وفي لفظ: (صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين يصلِّيهما وحده).
وفي «سنن الكشي» : (صلاة الجميع تفضل على صلاة الفذ).
وعند البخاري من حديث نافع عن ابن عمر: (صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة).
وعند ابن حبان من حديث أُبي بن كعب: (أربعة وعشرين أو خمسة وعشرين درجة، وصلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وصلاته مع الثلاثة أزكى من صلاته مع الرجلين، وما كثر؛ فهو أحب إلى الله .
وعند السراج من حديث أنس موقوفًا بسند صحيح: (تفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل بضعًا وعشرين صلاة).
وفي كتاب ابن حزم: (صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد سبعًا وعشرين درجة).
وعند ابن حبان: (تكتب صلاته بخمسين درجة).
وعند أبي داود: (بلغت خمسين صلاة).
وعند أحمد بسند جيد عن ابن مسعود: (صلاة الجمع تفضل على صلاة الرجل وحده خمسة وعشرين ضعفًا، كلها مثل صلاته).
وفي «تاريخ البخاري» من حديث الإفريقي عن قباث بن أشيم: (صلاة رجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من أربعة تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مئة تترى).
وعند ابن أبي شيبة عن عكرمة عن ابن عبَّاس: (فضل صلاة الجماعة على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، قال: فإن كانوا أكثر؛ فعلى عدد من في المسجد، فقال رجل: وإن كانوا عشرة آلاف؟ قال: نعم).
وفي «فضائل القدس» لأبي بكر الواسطي من حديث أبي الخطاب: (وصلاة في مسجد القبائل بست وعشرين، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته على الساحل بألفي ألف صلاة، وصلاته بسواك بأربع مئة صلاة).
وعند ابن زنجويه من حديث ابن الخطاب: (صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي تجمع فيه بخمس مئة صلاة)، كذا في «عمدة القاري» مختصرًا.
قال العجلوني: (قال الكرماني: وقد عبر عن الانفراد بكونه في البيت أو السوق؛ إذ الغالب أنَّ صلاة الرجل فيها تكون
стр. 688
بالانفراد ويدل لأنَّ هذا هو المراد: ما رواه المصنف في «فضل الجماعة» عن أبي سعيد الخدري: أنَّه سمع النَّبي ﷺ يقول: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة»، وليس فيه -أي لحديث الباب- ذكر المسجد في السوق، ولم أر في بعض طرقه ذكره، ولا من تعرض له من الشراح، فلا تحصل به المطابقة للتَّرجمة إذا أريد فيها المسجد الشرعي إلا ببعض التكلفات يراد به اللغوي، ولعل ذلك هو الحامل لما نقله الكرماني في تفسيره في التَّرجمة: بمواضع إيقاع الصلاة، وهو المناسب دون ما في «الفتح» و «العمدة»؛ فراجعه وتأمله) انتهى كلامهما.
قلت: كل منهما غير مصيب، وأراد بـ «الفتح» ما ذكره ابن حجر، و «العمدة» ما ذكره إمام الشَّارحين؛ لأنَّهما قالا: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «وصلاته في سوقه») انتهى؛ يعني: على حذف مضاف؛ أي: في مسجد سوقه؛ لأنَّ مسجد السوق لا توجد فيه الجماعة في غالب الأوقات، فصلاة الرجل الواحد فيه كصلاته في بيته منفردًا.
وإنَّما جعل البيت ومسجد السوق في حكم واحد؛ لعدم وجود الجماعة غالبًا فيهما، وبهذا تحصل المطابقة للتَّرجمة، وهذا هو مراد المؤلف؛ لأنَّه ترجم بـ (الصلاة في مسجد السوق)، وساق هذا الحديث، وأشار إلى أنَّ قوله: (وصلاته في سوقه)؛ أي: في مسجد سوقه؛ لأنَّ السوق طريق العامة، والصلاة فيه مكروهة، ولا كلام فيها هنا، وإنَّما المراد: مسجد السوق، كما لا يخفى.
وكيف غفل العجلوني والكرماني عن هذا حتى قالا ما لا تقبله الطباع؟ على أنَّ ما ذكراه من قوله: (وقد عبر عن الانفراد...) إلى آخره؛ ليس على ما ينبغي.
ولا حاجة إلى حديث أبي سعيد، فإنَّ في رواية البخاري من حديث نافع عن ابن عمر: (صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة).
وعند ابن ماجه: (فضل الصلاة على صلاة أحدكم وحده خمس وعشرون جزءًا)، وقوله: (وحده) : صادق على ما إذا كان في بيته أو مسجد سوقه، كما لا يخفى، فهذا يوضح ويبين أنَّ المراد به الإنفراد؛ فافهم.
وقوله: (وليس فيه...) إلى آخره؛ ممنوع، فإنَّ ذكر السوق قرينة دالة على أنَّ المراد بقوله: (وصلاته في سوقه)؛ أي: مسجد سوقه؛ لأنَّ السوق ليس بمحل للصلاة، وإنَّما هو طريق العامة، كما لا يخفى.
وقوله: (ولم أر في بعض طرقه..) إلى آخره؛ ممنوع؛ لأنَّه لا يلزم من عدم رؤيته له أن لا يكون موجودًا، على أنَّه لا يلزم التصريح بالمسجد؛ لأنَّه معلوم من المقام، والقرائن تدل عليه.
وقوله: (ولا تعرَّض له من الشراح..) إلى آخره: لا يخفى أنَّ عدم تعرضهم لذلك لكونه واضحًا غير خفي، وإنَّما يخفى على من يدعي الفهم وليس عنده منه شيء، وحصول المطابقة لحديث الباب لما ترجم ظاهرة، وأنَّ المراد بالمسجد: الشرعي، ولا تلكف فيه، وأنَّ المدعي للتكلف غير مصيب، بل في أنَّ المراد به: اللغوي تكلف لا يطاق، كما زعمه الكرماني؛ لأنَّ مواضع الصلاة لا إشارة إليها ههنا ولا تعرض، وهي غير مناسبة للمقام، كما لا يخفى، وقد ذكرنا ذلك فيما سبق بزيادة؛ فافهم، فما في «الفتح» و «العمدة» هو العمدة؛ فليحفظ.
(فإنَّ أحدكم) : خطاب خاص، والمراد به العام، هكذا بالفاء رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: (بأنَّ أحدكم)؛ بالموحَّدة، ووجهها: أن تكون الباء للمصاحبة، فكأنَّه قال: تزيد على صلاته بخمس وعشرين درجة مع فضائل أُخَر؛ وهو رفع الدرجات، وصلاة الملائكة، ونحوها، ويجوز أن تكون للسببية، قاله إمام الشَّارحين، (إذا توضأ فأحسن)؛ أي: فأسبغ، كذا هو بدون مفعوله؛ والتقدير: فأحسن الوضوء، والإحسان إلى الوضوء: إسباغه برعاية السنن والآداب، كذا في «عمدة القاري».
قلت: وهذا تعليل لما سبق، ويدل على حذف المفعول السياق من الكلام؛ لأنَّه يقتضي أنَّ هناك مفعولًا محذوفًا، وقال القسطلاني: (نعم؛ ألحق في «الفرع» لا في «أصله» : «وضوءه» بعد «فأحسن»، ويشبه أن يكون بغير خط كاتب الأصل).
وزعم العجلوني أنَّه يوجد في كثير من النُّسخ المعتمدة: (فأحسن الوضوء)؛ بالألف واللَّام.
قلت: لم نر في النُّسخ هكذا مطلقًا ولو غير معتمدة، فالله أعلم بصحتها مع أنَّ القسطلاني ذكر لفظ: (وضوءه) مع عدم الاعتماد عليه، وما هذا إلا تصحيف من النَّاسخين؛ فافهم.
(وأتى المسجد) أي: الجامع حال كونه (لا يريد) أي: بإتيانه (إلا الصلاة)، فالجملة حالية، والمضارع المنفي إذا وقع حالًا؛ يجوز فيه الواو وتركه، وهو عطف على قوله: (فتوضأ).
وزعم العجلوني أنَّه عطف على (فأحسن).
قلت: ما قلناه هو الصَّواب؛ لأنَّ المراد: الوضوء وإتيان المسجد وهو متوضئ وإحسان الوضوء؛ أي: إسباغه من المكملات؛ فافهم.
قال الكرماني: (ومثل الصلاة الاعتكاف مثلًا؛ إذ المراد من الحصر: أنَّه لا يريد إلا العبادة، واقتصر على الصلاة؛ لأنَّها الأغلب) انتهى.
قلت: هذا غير ظاهر؛ لأنَّ الثواب المذكور إنَّما وَرَد في الصلاة خاصة، ولهذا اقتصر عليها؛ لأنَّها قد اشتملت على قيام، وركوع، وسجود، وذكر، وتسبيح، وقراءة قرآن بالاستقلال، أمَّا الاعتكاف؛ فليس كذلك؛ لأنَّه مكث في المسجد فقط، وهو وإن كان عبادة إلا أنَّها قاصرة، والصلاة أعم، فالمراد من الحصر إنَّما هو حصر الصلاة لا العبادة مطلقًا؛ فليحفظ.
(لم يخط خَطوةً)؛ بفتح الخاء المعجمة وضمها، روايتان، وقال السفاقسي: (رويناه بفتح الخاء)، وقال القرطبي: (الرواية بِضَمِّ الخاء، فالمضمومة: ما بين القدمين، والمفتوحة: المرة الواحدة)، وهي منصوبة على المفعول المطلق لقوله: (يخط)، ويحتمل أنها مفعول به؛ لأنَّ المعنى: لم يفعل خطوة، قلت: وهو بعيد، والأول أظهر؛ فافهم، (إلا رفعه الله بها)؛ أي: بالخطوة الواحدة، وسقط لفظ: الجلالة للأصيلي (درجة) أي: واحدة (أو حطَّ)؛ بتشديد الطاء المهملة؛ أي: أسقط وأزال (عنه خطيئة)؛ أي: واحدة، ونصب (درجة) و (خطيئة) على التمييز، قاله القسطلاني.
واعترضه العجلوني فقال: (والظَّاهر أنَّ نصب «درجة» و «خطيئة» على المفعولية لفعليهما، لا نصب على التمييز كما قاله القسطلاني مع أنَّه سيأتي له في باب «فضل الجماعة» أنَّه أعربهما نائبين عن الفاعل؛ لأنَّ الرواية هناك: «إلا رُفِعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة») انتهى.
قلت: ما قاله القسطلاني أولى وأنسب، وهو الظَّاهر، وما ذكره عن باب (فضل الجماعة) مبني على الرواية، فإنَّ الإعراب على حسب العوامل المقتضية له، فإذا كانت الرواية هكذا؛ فالإعراب هكذا، أمَّا ههنا؛ فالفعل مفعوله موجود وهو الضمير، و (رفع) لا يتعدى إلى مفعولين، كما لا يخفى، فتجويز النصب على المفعولية غير ظاهر، كما لا يخفى.
وهكذا رواية الكشميهني بـ (أو)، وللأصيلي: (وحط عنه بها خطيئة)؛ بالواو، وزيادة: (بها)، قال الشَّارح: (وهذا أشمل، وقد تكون «أو» بمعنى الواو، فلا تنافي)؛ فليحفظ، والله أعلم، اللهم أحسن عاقبتنا في
стр. 689
الأمور كلها.
(حتى يدخل) أي: أحدكم (المسجد)؛ أي: الجامع، وهذا غاية لرفع الله له بالخطوة درجة ولحط الخطيئة عنه، فالمقتضي للرفع والحط المشي إلى المسجد، فإذا دخله؛ زال مقتضيها، فلهذا جعله غاية لهما، ولم يبق على عدم ثواب أصلًا، بل ثواب آخر، وترقي في الدرجات، ونجاة من الهلكات أشار إلى ذلك بقوله: (وإذا دخل) أي: الرجل المذكور (المسجد) أي: الجامع؛ (كان في صلاة)؛ أي: حكمًا من حيث الثواب؛ أي: في ثواب (ما كانت)؛ بالتأنيث؛ أي: الصلاة، ولأبي ذر: (ما كان)؛ بالتذكير؛ أي: المسجد، كذا ذكره إمام الشَّارحين، وهو أعم مما فسره العجلوني بالفعل أو مكثه؛ لأنَّ المسجد مذكور في السياق، فالضمير في (كان) يتعين رجوعه إليه، أمَّا الفعل أو المكث؛ فغير مذكور، على أنَّ المسجد أعم وأشمل؛ فافهم، (تحبسه)؛ بالفوقية على الرواية الأولى، وبالتحتية على الثانية، وكلمة (ما) مصدرية معناها المدة؛ والتقدير: مدة دوام حبس الصلاة أو المسجد إياه، وفاعل (تحبسه)؛ بالفوقية: ضمير الصلاة، وبالتحتية: ضمير المسجد؛ فليحفظ.
وزعم القسطلاني: (وحذف الفاعل؛ للعلم به).
قلت: هو غير ظاهر؛ لأنَّ الفاعل الضمير، فلا حذف للفاعل على أنَّه قيل: وجد في نسخة معتمدة التصريح بالفاعل، وعليها؛ ففيه تنازع، وفي بعض الأصول تقديمها على (تحبسه)؛ فافهم.
وقوله: (وتصلي) أي: تدعو؛ (يعني: عليه الملائكة) : معطوف على جواب (إذا)، وسقط لأبوي ذر والوقت لفظ: (يعني)، وكذا لفظ: (عليه) أيضًا لابن عساكر، وثبت عنه في نسخة: (ما دام)؛ أي: المصلي (في مجلسه الذي يصلِّي فيه)؛ أي: ما دام المصلي في المجلس الذي صلى فيه الفريضة الأولى، أو تحيته المسجد، أو السنة القبلية، وهذا ظاهر الحديث.
وقيل: المراد بالمجلس: المسجد؛ والمعنى: ما دام المصلي في مسجده الذي صلى فيه، وهو مخالف للفظ الحديث، ويدل للأول ما ثبت في بعض الروايات: (ما دام في مصلاه)، وهو مكان الصلاة، فهو المجلس الذي قد صلى فيه، قيل: إنَّ الثاني أرحج.
قلت: ليس في الحديث ما يدل على صحته فضلًا عن أرجحيته؛ فافهم.
وقوله: (اللهم اغفر له، اللهم ارحمه) : جملة حالية، بتقدير: قائلين؛ والمعنى: وتدعو له الملائكة قائلين: اللهم؛ لأنَّه لا يصح المعنى إلا بذلك، وقيل: إنَّه بيان للصلاة، فالجملة مستأنفة، انتهى.
قلت: ليست الجملة مستأنفة، بل هي حالية، ويدل عليه تعلقها بما قبلها، كما لا يخفى، وزاد ابن ماجه: (اللهم تب عليه).
وقوله: (ما لم يؤذ) : متعلق بـ (تصلي عليه)، و (ما) ظرفية مصدرية؛ بمعنى المدة؛ أي: مدة عدم الإيذاء، وقال إمامنا الشَّارح: (يؤذ)؛ بِضَمِّ التحتية أوله، وبالذَّال المعجمة، من الإيذاء، والضمير المرفوع الذي فيه يرجع إلى المصلى، ومفعوله محذوف؛ تقديره: ما لم يؤذ الملائكة، وإيذاؤه إياهم: الحدث في المسجد، ولهذا قال: (يُحدثْ فيه)؛ أي: في مجلسه، وهو بِضَمِّ التحتية أوله، من الإحداث؛ بكسر الهمزة، وهو مجزوم في رواية الأكثرين على أنَّه بدل من (يُؤذ)، وفي رواية الكشميهني: (ما لم يؤذ بحدث فيه)؛ بلفظ الجار والمجرور متعلقًا بـ (يؤذ)، وفي رواية أبوي ذر والوقت: (يحدثُ)؛ بالرفع على الاستئناف.
وقال الكرماني: (وفي بعض النُّسخ: «ما لم يحدث»؛ بطرح لفظ: «يؤذ»؛ أي: ما لم ينقض الوضوء، والذي ينقض الوضوء الحدث).
واعترضه ابن حجر، فقال: (يحتمل أن يكون أعم من ذلك).
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (الحديث رواه أبو داود في «سننه»، ولفظه: «مالم يؤذ فيه»؛ والمعنى: ما لم يؤذ في مجلسه الذي صلى فيه أحدًا بقوله أو فعله، أو «يحدثْ»؛ بالجزم من الإحداث؛ بمعنى الحدث، لا من التحديث؛ فافهم، فإنَّه موضع تأمل) انتهى.
قلت: أشار بهذا إلى ما ذكره الكرماني وابن حجر، وكلاهما غير مصيب؛ لأنَّ الكرماني اقتصر على الحدث الناقض للوضوء، وهو ليس بمراد؛ لأنَّ الملائكة تتأذى (١) بغيره أيضًا، وابن حجر أراد الأعم من ذلك، وهو أنَّ معنى: «يحدث» (٢) من التحديث؛ أي: ما لم يتكلم، وهو غير مراد، بل المراد الأعم؛ وهو ما لم يؤذ في مجلسه أحدًا بقوله أو فعله، وهو شامل للبطش باليد واللسان، والحدث شامل لخروج الدم والريح والبول، فالإيذاء شامل لإيذاء الملائكة، والمسجد، والآدميين؛ لأنَّ الملائكة لا ترضى بذلكولا الخالق ، فلهذا إذا فعل شيئًا مما ذكر؛ تترك الدعاء له وتنصرف، كما لا يخفى؛ فافهم.
قال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: الدلالة على فضيلة الجماعة، وفيه: جواز اتخاذ المساجد في البيوت والأسواق).
وقال ابن بطال: (وفيه: أنَّ الصلاة فيه للمنفرد درجة من خمس وعشرين درجة).
واعترضه الكرماني بأنَّه لم يقل: يساوي صلاته منفردًا خمسًا وعشرين حتى يكون له درجة منها، بل قال: (يزيد)، فليس للمنفرد من الخمس والعشرين شيء.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (إنَّما قال ذلك بالنَّظر إلى الرواية المذكورة في الباب، ولو كان وقف على الروايات التي ذكرناها؛ لما قال ذلك كذلك) انتهى.
واعترضه العجلوني بأنَّه على فرض أن إحدى الروايات التي ذكرها تفيد ذلك، لا يرد على الكرماني؛ لأنَّ اعتراضه على قوله: (فيه)؛ أي: في حديث الباب؛ فافهم وأنصف، انتهى.
قلت: واعتراضه مردود عليه، وأمر بالفهم، ولم يفهم معنى الكلام، وأمر بالإنصاف، ولم ينصف في المرام، فإنَّ إمام الشَّارحين قال: (إنَّما قال ذلك بالنَّظر إلى الرواية المذكورة في الباب، وعذره بأنَّه لم يقف على الروايات التي ذكرها، فهي مسكوت عنها.
والحال أنَّ هذه الروايات توضح وتبين المراد من الحديث المذكور، فإنَّ الأحاديث تفسر بعضها بعضًا، كما لا يخفى، ولا مانع من جعله للمنفرد درجة منها، فإنَّ فضل الله واسع غير محصور، وقد ذكرنا فيما سبق بعض الروايات في ذلك، وأنَّها صريحة فيما قاله، فما زعمه الكرماني والعجلوني غير صحيح)؛ فليحفظ.
على أنَّ حديث الباب مقيد بما في الروايات، فهي صريحة في أنَّ للمنفرد درجة من خمس وعشرين درجة؛ فافهم.
وقال إمام الشَّارحين: (وفيه ما استدل به بعض المالكية على أنَّ صلاة الجماعة لا يفضل بعضها على بعض بكثرة الجماعة، ورُدَّ هذا بما ذكرنا عن ابن حبان: «وما كثر؛ فهو أحب إلى الله تعالى»، وإلى مطلوبيَّةِ الكثرة ذهب الشَّافعي وابن حبيب) انتهى.
واعترضه العجلوني بأن يتأمل اقتصاره عليهما، فإنَّ مطلوبية الكثرة في الجماعة إذا لم يعارضها غيرها؛ يذهب إليه كل أحد على ما لا يخفى، انتهى.
قلت: إنَّما اقتصر عليهما؛ لأنَّه اشتهر عن الشَّافعي أنَّ الكثرة غير مطلوبة، ولا ثواب في الكثرة، ويحتمل اقتصاره عليهما؛ لما يشاهد من الزحام في صف الشَّافعية، فإنَّ الرجل يؤذي جاره بيده وجنبه ورجله، والإيذاء حرام، فأحدهم يظن نفسه أنَّه فعل مندوبًا، والحال أنَّه فعل محرمًا، فذهبا إلى مطلوبية الكثرة وإن كان زحام وضيق مع أنَّ درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ويحتمل غير ذلك، والله أعلم.
تتمة: قال إمام الشَّارحين: (اختلفوا في الجمع بين رواية: «بسبع وعشرين درجة»، وبين رواية: «خمس وعشرين»؛ فقيل: السبع متأخرة عن الخمس، فكأنَّ الله أخبره بخمس ثم زاده، ورُدَّ هذا بتعذر التاريخ، وأجيب: بأنَّ الفضائل لا تنسخ، فتعين أنَّه متأخر.
وقيل: إنَّ صلاة الجماعة في المسجد أفضل من صلاة الفذ في المسجد بسبع وعشرين درجة، ورُدَّ هذا بقوله:
стр. 690
عليه السَّلام: «وصلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين ضعفًا».
وقيل: إنَّ الصلاة التي لم يكن فيها فضيلة الخُطَا إلى الصلاة، ولا فضيلة انتظارها تفضل بخمس، والتي فيها ذلك تفضل بسبع.
وقيل: إنَّ ذلك يختلف باختلاف المصلين والصلاة؛ فمن أكملها وحافظ عليها؛ فوق من أخل بشيء من ذلك.
وقيل: إنَّ الزيادة لصلاتي العشاء والصبح؛ لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما، ويؤيده حديث أبي هريرة: «تفضل صلاة الجماعة صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا، ويجتمع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر»، فذكر اجتماع الملائكة بواو فاصلة، واستئناف الكلام وقطعه من الجملة المتقدمة.
وقيل: لا منافاة بين الحديثين؛ لأنَّ ذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جماعة من الأصوليين.
وقال ابن الأثير: إنَّما قال: «درجة»، ولم يقل: جزءًا، ولا نصيبًا، ولا حظًّا، ولا شيئًا من أمثال ذلك؛ لأنَّه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، وأنَّ تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة؛ لأنَّ الدرجات إلى جهة فوق.
قلت: قد جاء فيه لفظ: الجزء والضعف، كما قدمناه، فكأنَّه لم يَطَّلع عليهما.
وقد قيل: إنَّ الدرجة أصغر من الجزء، فكأنَّ الخمسة والعشرين إذا جزئت درجات؛ كانت سبعًا وعشرين درجة.
قلت: هذا ليس بصحيح؛ لأنَّه جاء في «الصَّحيحين» : «سبعًا وعشرين درجة»، و «خمسًا وعشرين درجة»، فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة.
وقد قيل: يحتمل أن يكون الدرجة في الآخرة، والجزء في الدنيا.
فإن قلت: قد علم وجه الجمع بين هذين العددين، ولكن ما الحكمة من التنصيص عليهما؟
قلت: نقل الطيبي عن التوربشتي: وأمَّا وجه قصر أبواب الفضيلة على خمس وعشرين تارة، وعلى سبع وعشرين أخرى؛ فإنَّ المرجع في حقيقة ذلك إلى علوم النُّبوة التي قصرت عقول الألباب عن إدراك جملها وتفاصيلها، ولعل الفائدة فيما كشف به حضرة النُّبوة هي اجتماع المسلمين مصطفِّين كصفوف الملائكة المقربين، واقتداء بالإمام، وإظهار شعائر الإسلام، وغيرها، انتهى.
قلت: هذا لا يشفي الغليل، ولا يجدي العليل، والذي ظهر لي في هذا المقام من الأنوار الإلهية، والأسرار الربانية، والعنايات المحمَّدية: أنَّ كل حسنة بعشر أمثالها بالنص، وأنَّه لو صلى في بيته؛ كان يحصل له ثواب عشر صلوات، وكذا لو صلى في سوقه؛ كان لكل صلاة عشرًا (١)، ثم إنَّه إذا صلى بالجماعة؛ يضاعف له مثله، فيصير ثواب عشرين صلاة، وأمَّا زيادة الخمسة؛ فلأنَّه أدى فرضًا من الفروض الخمسة، فأنعم الله عليه ثواب خمس صلوات أخرى نظير عدد الفروض الخمسة زيادة على عشرين إنعامًا وفضلًا منه عليه، فتصير الجملة خمسة وعشرين.
وجواب آخر: وهو أنَّ مراتب الأعداد آحاد، وعشرات، ومئات، وألوف، والمئة من الأوساط، وخير الأمور أوساطها، والخمسة والعشرون ربع المئة، وللربع حكم الكل.
وأمَّا زيادة السبعة؛ فقال الكرماني: «يحتمل أن يكون ذلك لمناسبة أعداد الركعات في اليوم والليلة؛ إذ الفرائض سبع عشرة، والرواتب المؤكدة عشرة» انتهى.
قلت: الرواتب المؤكدة اثني عشر؛ لحديث المثابرة، فيصير تسعة وعشرين، فلا يطابق الواقع، فنقول: يمكن أن يقال: إنَّ أيام العمر سبعة، فإذا صلى بالجماعة؛ يزاد له على العشرين ثواب سبع صلوات كل صلاة من صلوات كل يوم وليلة من الأيام السبعة، وأمَّا الوتر؛ فلعله شرع بعد ذلك.
ثم العلماء اختلفوا هل هذا الفضل لأجل الجماعة فقط حيث كانت، أو إنَّما يكون للجماعة التي تكون في المسجد لما يلازم ذلك من أفعال تختص بالمساجد؟ قال القرطبي: «والظَّاهر الأول؛ لأنَّ الجماعة هو الوصف الذي عُلِّق عليه الحكم») انتهى كلام إمام الشَّارحين.
واعترضه العجلوني بأنَّ تعليله بقوله: (فإن أحدكم...) إلى آخره: يقتضي ترجيح الثاني لا سيما على رواية الفاء، انتهى.
قلت: بل الأظهر الأول؛ لأنَّ الجماعة سواء كانت في المسجد، أو في البيت، أو غيرهما لها هذا الفضل؛ لأنَّ الفضل محكوم به للجماعة مطلقًا، وأمَّا الحديث؛ فمبني على الغالب؛ بدليل ما رواه البخاري في «تاريخه» : «صلاة رجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من أربعة تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مئة تترى»، ويدل عليه أيضًا روايات تقدم ذكرها، فهذا كما رأيت غير مقيد بالمسجد، بل الفضل عام مطلقًا؛ فافهم.
واعترض العجلوني على قوله: (الرواتب المؤكدة اثني عشر) بأنَّ هذا لا يرد على الكرماني؛ لأنَّه مبني على مذهبه أنَّ الأربعة قبل الظُّهر مؤكدة.
قلت: هو ممنوع، فهو وإن كان موافقًا لمذهب الأئمة الحنفية إلا أنَّه يرد على الكرماني؛ حيث إنَّه ثابت في الحديث الذي ذكره، ويدل عليه ما في «الصَّحيحين» : «من ترك أربعًا قبل الظُّهر؛ لم تنله شفاعتي»، وهو شامل لما تُرِك بعضها؛ كأن صلى ركعتين، فإنَّه لا يكون مؤديًا بل تاركًا، فهو يدل على تأكيد الأربع، كما لا يخفى، ولم يرجع العجلوني عن تعصبه وعناده، والحق ما قاله إمام الشَّارحين، والعناد بعد ذلك مكابرة، والله أعلم.
(٨٨) [باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره]
هذا (باب) حكم (تشبيك الأصابع)؛ أي: إدخال أصابع إحدى اليدين بين أصابع اليد الأخرى، وهي جمع إصبع، وفيها عشر لغات: تثليث الهمزة والموحَّدة، والعاشرة: أُصبُوع؛ بِضَمِّ الهمزة والموحَّدة أيضًا مع الواو، (في المسجد وغيره)، والألف واللَّام فيه للجنس؛ فيشمل كل مسجد، وأراد بالغير: المنزل، أو الدكان، أو غيرهما.
والمراد بالحكم: الجواز، وهو ظاهر ترجمة المصنف، وأنَّه لا كراهة فيه؛ لأنَّ حديث أبي موسى دال على جواز التشبيك مطلقًا، وحديث أبي هريرة يدل على جوازه في المسجد، ففي غيره من باب أولى، وسيأتي بيان مذاهب الأئمة فيه.
واعترض بأنَّ حديث أبي موسى يدل على الجواز مطلقًا، ولا ذكر للمسجد فيه.
وأجيب: بأنَّ التَّرجمة في بعض النُّسخ: (في المسجد وغيره)، وهي ظاهرة، وأمَّا على باقي النُّسخ -أي: التي سقط منها لفظ: (وغيره) -؛ فإمَّا أنَّ الراوي اختصر الحديث، أو اكتفى البخاري بدلالته على بعض التَّرجمة؛ حيث دل الحديث الذي بعده على تمامها؛ فتأمَّل.
قال إمام الشَّارحين: (والموجود في غالب النُّسخ في هذا الباب حديثان؛ أحدهما: حديث أبي موسى، والآخر: حديث أبي هريرة، وفي بعض النُّسخ حديث آخر عن ابن عمر ﵄، وجد ذلك بخط البرزالي، ولم يستخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم، ولا ذكره ابن بطال أيضًا، وإنما حكى أبو مسعود الدمشقي في كتاب «الأطراف» : أنَّه رآه في كتاب أبي رميح عن الفربري، وحمَّاد بن شاكر عن البخاري، وهو هذا) انتهى.
[حديث: شبك النبي ﷺ أصابعه]
٤٧٨ - ٤٧٩ - ٤٨٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا حامد بن عُمر)؛ بِضَمِّ العين المهملة: هو البكراوي من ذرية أبي بكرة الثقفي، القاضي بكرمان، نزيل نيسابور، المتوفى بها سنة ثلاث وثلاثين ومئتين، (عن بِشْر)؛ بكسر الموحَّدة أوله: هو ابن المفضل الرقاشي، الذي كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، ويصلِّي كل يوم أربع مئة ركعة، المتوفى سنة
стр. 691
سبع وثمانين ومئة، والمُفضَّل؛ بِضَمِّ الميم، وفتح الضَّاد المعجمة المشددة، (قال: حدثنا عاصم) هو ابن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري المدني، وثَّقه أحمد وغيره، (قال: حدثنا واقد)؛ بالقاف: هو ابن محمَّد بن زيد المذكور، فهو أخو عاصم، وثَّقه أبو زرعة وغيره، (عن أبيه) هو محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وثقه غير واحد، (عن ابنِ عُمر)؛ بِضَمِّ المهملة: هو عبد الله المذكور القرشي العدوي (أو ابنِ عَمرو)؛ بفتح العين المهملة، بالجر عطفًا على «ابنِ» المجرور قبله: هو عبد الله -أيضًا-ابن عَمرو بن العاص، وكلمة «أو» فيه للشك، قال إمام الشَّارحين: والظَّاهر أنَّ الشك من واقد، انتهى، فافهم، (قال) أي: ابن عُمر أو ابن عَمرو على الشك: (شبَّك) : ولابن عساكر: «يشبك» (النَّبيُّ) الأعظم ﷺ أصابعه)؛ أي: أدخل أصابع يده اليمنى في اليد اليسرى، وسيأتي سبب تشبيكهما في هذا الحديث مما سيأتي عن الحُميدي.
(قال أبو عبد الله)؛ أي: المؤلف، وفي رواية: (قال البخاري)، والأولى هي الصَّواب؛ لأنَّها على عادة المؤلف في التعبير عن نفسه، والثانية ذكرها العجلوني، ولم يعزُها لأحد من الرواة، فالله أعلم بصحتها؛ فافهم: (وقال عاصم بن علي) هو ابن عاصم بن صهيب الواسطي، شيخ المؤلف والدارمي، كان من الثقات والأعيان، وقال ابن معين: هو ضعيف، وذكر له ابن عدي أحاديث مناكير، مات في نصف رجب سنة إحدى وعشرين ومئتين، كذا في «عمدة القاري»، ثم قال: وهذا تعليق من البخاري، ووصله إبراهيم الحرمي في «غريب الحديث» له قال: حدثنا عاصم بن علي: حدثنا عاصم بن محمَّد عن واقد: سمعت أبي يقول: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ »؛ فذكره، انتهى، وتبعه ابن حجر، والقسطلاني، وغيرهما.
قال العجلوني: إذا كان عاصم بن علي شيخ المؤلف؛ فلم جزموا بتعليق الحديث وعُدُوله عن «حدثنا»؟ وأجاب: بأنَّه كان على سبيل المذاكرة، ولعله ثبت عندهم أنَّه لم يسمعه منه؛ فتأمَّل.
قلت: عادة المؤلف ذكر التعاليق وهذا منها، وعدوله عن «حدثنا»؛ لأنَّ عاصم بن محمَّد قال: «سمعت هذا الحديث من أبي فلم أحفظه، فقوَّمه لي واقد»، ولأجل هذا ذكره المؤلف بصيغة التَّعليق.
وكونه على سبيل المذاكرة ممنوعٌ؛ لأنَّها لا تمنع قول: «حدثنا»، كما لا يخفى، فكم تحصل المذاكرة مع المشايخ ويقول المذاكر: «حدثنا».
وقوله: «ولعله ثبت عندهم أنَّه لم يسمعه منه» : ممنوع؛ لأنَّه شيخه والشيخ يسمع منه عادة، لا سيما وقد قال: «قال أبو عبد الله: وقال عاصم»، فهذا يدل على سماعه منه، ولكن سبب تعليقه هو ما ذكرناه؛ فافهم.
(حدثنا عاصم بن محمَّد) هو ابن زيد بن عبد الله العمري المدني (قال: سمعت هذا الحديث) أي: المذكور آنفًا (من أبي) هو محمَّد بن زيد المذكور، (فلم أحفظه)؛ أي: منه؛ لما أنَّه كان في مكان فيه شيء يشغل البال ويُخلُّ بالحفظ، أو لكونه كان صغيرًا فلم يعِ، ويحتمل غير ذلك، (فَقَوَّمه)؛ بفتحات مع تشديد الواو؛ أي: صححه (لي واقد) هو أخوه ابن محمَّد المذكور، (عن أبيه) هو محمَّد بن زيد المذكور (قال) أي: واقد: (سمعت أبي) هو محمَّد بن زيد المذكور (وهو يقول) جملة حالية: (قال عبد الله) هو ابن عمرو بن العاص من غير شك، كذا جزم به القسطلاني، وتبعه العجلوني، لكن مقتضى كلام إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» أنَّه على الشك أيضًا، ويدل عليه أنَّ الحديث واحد، وقد يقال: إنَّه ابن عمر بن الخطاب من غير شك؛ لأنَّه أطلقه، فينصرف إليه؛ فافهم: (قال رسول الله ﷺ ، وقوله: (يا عبد الله بن عَمرو) بفتح العين المهملة ثابت في أكثر الروايات، ساقط عند الأصيلي؛ فافهم؛ (كيف بك إذا بقِيت) بكسر القاف (في حُثَالة من الناس؟) الجار والمجرور صفة (حُثَالة)، وهي بِضَمِّ الحاء المهملة، وتخفيف الثَّاء المثلَّثة، قال ابن سيده: هي ما يخرج من الطعام من زوان (١) ونحوه مما لاخير فيه، وقال اللحياني: هي أجلُّ من التراب والدقاق قليلًا، وخصه بالحنطة، والحُثَالة والحثل: الرديء من كل شيء، وقيل: هو القشارة من التمر والشعير وما أشبههما، وحُثَالة القرظ: نفايته، كذا في «عمدة القاري».
قلت: والمراد بها: جهال الناس، ويقال لهم: الهمج؛ لما في الحديث: «الناس اثنان؛ عالم ومتعلم»، والباقي همج وهم رعاع الناس؛ أي: أخساؤهم؛ والمعنى: كيف بك إذا بقِيت في همج الناس وجهالهم؟
(بهذا)؛ أي: بالحديث السَّابق، وهو تشبيكه ﵇ لأصابعه، ففي الحديث: جواز تشبيك الأصابع سواء كان في المسجد أو غيره؛ لإطلاق الحديث، ولكن العلماء اختلفوا في تشبيكها في المسجد وفي الصلاة؛ فقال الإمام الأعظم وأصحابه: ويكره تشبيكها -أي: الأصابع- في الصلاة؛ لقول عمر بن الخطاب فيه: «تلك صلاة المغضوب عليهم»، وكذا يكره تشبيكها حال السعي إلى الصلاة؛ لما روى أحمد، وأبو داود، وغيرهما مرفوعًا: «إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد؛ فلا يشبك بين يديه؛ فإنَّه في صلاة»، وإذا كان منتظرًا لها بالأولى، والذي يظهر أنَّ الكراهة تحريمية؛ للنَّهي المذكور، كما في «البحر»، وأمَّا إذا انصرف من الصلاة؛ فلا بأس به، وحكمة النَّهي: أنَّه من الشَّيطان، كما في الحديث، وأنَّه يجلب النَّوم؛ وهو من مظان الحدث، وأنَّ صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف، كما نبَّه عليه في حديث ابن عمر، فكره ذلك لما هو في حكم الصلاة حتى لا يقع في النَّهي عنه، انتهى، وكره تشبيكها في الصلاة إبراهيم النخعي، وهو قول مالك، وهو قول أحمد أيضًا، كما صرح به في «الغاية» و «شرحها»، ورخص فيه ابن عمر وابنه سالم، فكانا يشبكان بين أصابعهما في الصلاة، ذكرهما ابن أبي شيبة، وكان الحسن البصري يشبك بين أصابعه في المسجد، وقال مالك: إنَّهم لينكرون تشبيك الأصابع في المسجد، وما به بأس، وإنَّما يكره في الصلاة، ولم يذكر العجلوني الحكم فيه في مذهبه.
وقد وَرَد النَّهي عن ذلك في أحاديث؛ منها: ما ذكرناه عن أحمد وأبي داود.
ومنها: ما أخرجه ابن حبان في «صحيحه» عن كعب بن عجرة: أن النَّبي ﷺ قال له: «يا كعب؛ إذا توضأت فأحسنت الوضوء، ثم خرجت إلى المسجد؛ فلا تشبك بين أصابعك، فإنك في صلاة».
ومنها: ما أخرجه الحاكم في «مستدركه» من حديث إسماعيل بن أمية، عن سعيد، عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : «إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد؛ كان في صلاة حتى يرجع، فلا تقل هكذا»، وشبك بين أصابعه، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين.
ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة عن مولًى لأبي سعيد وهو مع النَّبي ﷺ ، فدخل ﵇ المسجد فرأى رجلًا جالسًا وسط الناس -وقد شبك بين أصابعه- يحدث نفسه، فأومأ إليه رسول الله ﷺ ، فلم يفطن له، فالتفت إلى أبي سعيد، فقال: «إذا صلى أحدكم؛ فلا يشبكن بين أصابعه، فإنَّ التشبيك من الشَّيطان (٢)».
فإن قلت: هذه الأحاديث معارضة لحديث الباب.
قلت: غير مقاومة لها في الصحة ولا مساوية.
قلت: أحاديث النَّهي صِحاح، وقد بلغت قريبًا من التواتر؛ لكثرة رواتها، وتعدد طرقها، فهي مقاومة لحديث الباب في الصحة، بل تترجح عليه، فيبقى التعارض، فيحمل حديث النَّهي على ما إذا كان في الصلاة وحالة السعي إليها، ويحمل حديث الإباحة على ما إذا كان خارج الصلاة وانصرف منها، وهذا وجه التوفيق بينهما؛ فليحفظ.
وقال
стр. 692
ابن بطال: (وجه إدخال هذه التَّرجمة في الفقه بما روي في النَّهي عن التشبيك في المسجد، وقد وَرَدت فيه مراسيل، ومسند من طريق غير ثابتة).
وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: كأنَّه أراد بالمسند حديث كعب بن عجرة الذي ذكرناه.
فإن قلت: حديث كعب هذا رواه أبو داود، وصححه ابن حبان وابن خزيمة.
قلت: في إسناده اختلاف، فضعَّفه بعضهم بسببه، وقيل: ليس بين هذه الأحاديث معارضة؛ لأنَّ النَّهي إنَّما وَرَد عن فعل ذلك في الصلاة أو في المضي إلى الصلاة، وفعله ﵇ ليس في الصلاة ولا في المضي إليها، فلا معارضة إذًا، وبقي كل حديث على حياله.
فإن قلت: في حديث أبي هريرة الذي في الباب وقع تشبيكه ﵇ وهو في الصلاة.
قلت: إنَّما وقع بعد انقضاء الصلاة في ظنه، فهو في حكم المنصرف من الصلاة، والرواية التي فيها النَّهي عن ذلك ما دام في المسجد ضعيفة؛ لأنَّ فيها ضعيفًا ومجهولًا، وقد رواها ابن أبي شيبة، ولفظه: «إذا صلى أحدكم؛ فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشَّيطان، وإنَّ أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه».
وقال ابن المُنَيِّر: (التحقيق أنَّه ليس بين هذه الأحاديث تعارض؛ إذ المنهي عنه فعله على وجه العبث، والذي في الحديث إنَّما هو لمقصود التمثيل وتصوير المعنى في اللَّفظ) انتهى.
أي: فهو لمعنًى صحيح كإراحة الأصابع ونحوها.
(ولفظه) أي: الحديث المذكور (في «جمع الحميدي»)؛ أي: كتاب «الجمع بين الصَّحيحين» الذي جمعه أبو عبد الله محمَّد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن حميد بن يصل الأزدي الحميدي الأندلسي، الحافظ المشهور، المتوفى ليلة الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربع مئة ببغداد، وليس هذا عبد الله بن الزُّبير الحميدي، فإنَّه شيخ المؤلف، توفي سنة تسع عشرة ومئتين؛ فافهم.
والظَّاهر أنَّ هذا من زيادات بعض الرواة، ورأيتها ثابتة في نسخة إمام الشَّارحين ملحقة بالحديث، فألحقتها تبعًا له حتى تتم الفائدة؛ لأنَّه قد شرحها في شرحه ﵁.
(في مسند ابن عمر)؛ أي: من رواية عبد الله بن عمر بن الخطاب: (شبك النَّبي) الأعظم ﷺ أصابعه)؛ أي: أدخل أصابع يده في أصابع يده الأخرى، (وقال: كيف أنت يا عبد الله إذا بقِيت) بكسر القاف (في حُثالة) بِضَمِّ المهملة، وتخفيف المثلَّثة (من الناس)؛ أي: جهَّالهم وأوساخهم (قد مُرِحَت) بِضَمِّ الميم، وكسر الرَّاء، وفتح الحاء المهملة (عهودهم وأماناتهم)، قال أبو المعالي: (إذا لم تثبت وأمرحوها؛ إذا لم يوفوا بها وخلطوها، ومرحت أماناتهم: فسدت، ومرح الدِّين: اختلط واضطرب)، وفي «المحكم» : (مرح الأمر مرحًا، فهو مارح ومريح: التبس واختلط، ومرح أمره يمرحه: ضيَّعه، ورجل ممراح: يمرح أموره ولا يحكمها، ومرح العهد والدِّين والأمانة: فسد، وأمرح عهده: لم يف به) انتهى، (واختلفوا فصاروا هكذا) وإنَّما كان سبب اختلافهم فساد عهودهم وخيانة أماناتهم، (وشبك) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (بين أصابعه)؛ أي: أدخل بعضها في بعض، فالإشارة إلى التشبيك، ويحتمل هذا من كثرة الفتن التي تحدث بهم، فهو إخبار بما سيقع، (قال) أي: عبد الله: (فكيف أفعل يا رسول الله؟)؛ يعني: إذا رأيت هذا الزمان وأهله هكذا؟ (قال) ﵇ له: (تأخذ ما تعرف)؛ أي: تُقبِلُ على الذي تعرفه صحيحًا في الشريعة، (وتدع) أي: تترك (ما تنكر)؛ أي: الذي ينكره ويرده الشرع المطهر (وتقبل على خاصتك)؛ أي: خواص أهلك، أو خواص الناس، وهم الذين امتثلوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه، (وتدعهم) أي: بقية الناس؛ أي: تتركهم (وعَوَامَّهم)؛ بفتح العين المهملة والواو مع تشديد الميم؛ أي: الذين لا يقرؤون ولا يفهمون الشرع أو هم الخائضون في المعاصي المنهمكون في حب الدنيا على غير ما يرضي الله تعالى ورسوله ﵇، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وفي الحديث: «عليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة».
وقال إمام الشَّارحين: (مطابقة الحديث للتَّرجمة في أحد جزأيها، واكتفى البخاري بدلالته على بعض التَّرجمة حيث دل حديث أبي هريرة على تمامها) انتهى.
قلت: وعلى هذا لا معارضة لأحاديث النَّهي؛ لأنَّ المنهي عنه فعله على وجه الولع والذي في الحديث إنَّما هو لقصد التمثيل وتصوير المعقول بصورة المحسوس، كما فعله ﵇ لابن عمر حيث شبك أصابعه؛ ليمثل له صفة اختلاطهم.
وقال إمامنا الشَّارح: (وحكمة النَّهي عن التشبيك أمور؛ أحدها: لكونه من الشَّيطان كما سبق في الحديث، الثاني: لأنَّه يجلب النَّوم وهو من مظان الحدث، الثالث: أنَّ صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف كما نبَّه عليه في الحديث المذكور، فكره ذلك لمن هو في حكم الصلاة حتى لا يقع في المنهي عنه، وهو قوله ﵇ للمصلين: «ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم») انتهى.
وفي «المنحة» : (ويكره التشبيك في الصلاة وكذا في غيرها بلا حاجة) انتهى.
قلت: وهذا مذهب محمَّد بن إدريس، وقد أغفلناه فيما سبق؛ لأنَّ العجلوني لم يتعرض له؛ فافهم.
[حديث: إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا]
٤٨١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا خَلَّاد) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللَّام (بن يحيى) هو ابن صفوان أبو محمَّد السلمي الكوفي، سكن مكة مات بها قريبًا من سنة ثلاث عشرة ومئتين (قال: حدثنا سفيان) هو الثَّوري الكوفي، (عن أبي بُردة)؛ بِضَمِّ الموحَّدة، واسمه بريد؛ مصغر برد، وفي رواية الكشميهني: (عن بريد) (بن عبد الله بن أبي بُردة)؛ بِضَمِّ الموحَّدة، ابن أبي موسى الأشعري الكوفي، (عن جده) هو أبو بردة بن أبي موسى الكوفي، الثِّقة قاضي الكوفة، واسمه الحارث، وقيل: عامر، وهو جد أبي بردة الأول، (عن أبي موسى) هو عبد الله بن قيس الأشعري ﵁، (عن النَّبي) الأعظم ﷺ أنَّه (قال: إنَّ)؛ بكسر الهمزة، وسقطت لابن عساكر (المؤمن للمؤمن)؛ أي: في الحاجة والمصلحة يلتمسان قضاءها (كالبُنْيان)؛ بِضَمِّ الموحَّدة وسكون النُّون؛ أي: كالحائط، وبمعنى المصدر أيضًا من (بنى يبني) (يشُدُّ)؛ بِضَمِّ المعجمة مضارع، وفي رواية المستملي: (شد) على صيغة الماضي (بعضُه)؛ بالرفع فاعله (بعضًا)؛ بالنصب مفعوله، ويقرب منه قوله ﵇: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (وشبَّك) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (أصابعه)؛ أي: أدخل أصابع إحدى اليدين في أصابع الأخرى، وللأصيلي: (بين أصابعه)، والمقصود من هذا التمثيل: قوة تعاضد بعضهم لبعض، وفي السَّابق: تمثيل هيئة اختلاطهم
стр. 693
تصويرًا للمعقول بالمحسوس، ومطابقته للتَّرجمة في إحدى جزأيها، واكتفى المؤلف به حيث دل حديث أبي هريرة على تمامها، كما ذكرنا.
وهذا الحديث مبني على سبب؛ وهو قصد التمثيل والتصوير في العقل بصورة المحسوس، فليس فيه دلالة على جواز التشبيك مطلقًا من غير كراهة، ولهذا قال الإمام الأعظم: ويكره تشبيك الأصابع في الصلاة، وحال السعي إليها، وحال انتظارها، وبه قال إبراهيم النخعي، ومالك، وأحمد ابن حنبل، والجمهور.
وقال في «المنحة» : (وفيه: جواز التشبيك، وهو كذلك حتى في الصلاة، لكنه فيها مكروه، وكذا في غيرها بلا حاجة) انتهى.
قلت: هو غير صحيح؛ لأنَّ الحديث ليس فيه أنَّه ﵇ شبك أصابعه وهو في الصلاة، وليس في الحديث دليل على جوازه؛ لأنَّه ﵇ شبك أصابعه؛ لأجل التمثيل، وهو غرض صحيح.
وقوله: (حتى في الصلاة...) إلخك تناقض ظاهر وليس هذا بمذهب إمامه الشَّافعي، وقد اختلط عليه الحكم، وقد ذكر الشَّافعية أنَّ التشبيك لا يكره إلا في الصلاة مطلقًا، أو وهو ينتظر في المسجد كما نقله غير واحد، فانظر هذا التهاون في النقل؛ فليحفظ.
[حديث: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة ؟]
٤٨٢ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إسحاق) هو ابن منصور بن بهرام، كما جزم به أبو نعيم، وعليه درج إمام الشَّارحين، وتبعه ابن حجر، والقسطلاني، والعجلوني.
قلت: وحيث وقع هنا غير منسوب؛ يحتمل هو ويحتمل أنَّه إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي المشهور بابن راهويه، المتوفى بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومئتين، ويؤيده ما قاله الجياني عن ابن السكن: إذا وقع في هذا الكتاب: (إسحاق) غير منسوب؛ فهو ابن راهويه، ولا يقدح هذا الاختلاف؛ لأنَّ كلًّا منهما يروي عنه المؤلف؛ فتأمل.
(قال: حدثنا ابن شُميل)؛ بِضَمِّ المعجمة، ولابن عساكر: (النَّضر بن شميل) هو البصري، تقدم في باب (حمل العنزة) (قال: أخبرنا) وللأصيلي: (حدثنا) (ابن عَوْن)؛ بالنُّون، وفتح العين المهملة، وإسكان الواو: هو عبد الله بن عون بن أرطبان البصري، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئة، (عن ابن سيرين) هو محمَّد التَّابعي المشهور، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل ﵁ أنَّه (قال: صلى بنا) أي: معشر الصَّحابة (رسول الله ﷺ أي: في مسجده النَّبوي (إحدى صلاتي)؛ بالتثنية، قال الكرماني: وفي بعضها: بالإفراد فهي للجنس (العشي) هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية الحموي والمستملي: (العشاء)؛ بالمد، والظَّاهر أنَّه وهم؛ لأنَّه صح في رواية أخرى للبخاري: (صلى بنا رسول الله ﷺ الظُّهر أو العصر).
وفي رواية مسلم: (صلى بنا رسول الله ﷺ العصر)، وفي أخرى له: (صلى ركعتين من صلاة الظُّهر ثم سلم).
وفي رواية أبي داود: (صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي؛ الظُّهر أو العصر).
وفي رواية الطَّحاوي: (صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي؛ الظُّهر أو العصر، وأكبر ظني أنَّه ذكر الظُّهر)، وقوله: (أكبر ظني أنَّه ذكر الظُّهر) هو قول ابن سيرين؛ أي: أكبر ظني أنَّ أبا هريرة ذكر صلاة الظُّهر، وكذا ذكره البخاري في «الأدب».
وأطلق على الظُّهر والعصر صلاة العشي؛ لأنَّ العشي يطلق على ما بعد الزوال إلى المغرب، كذا قاله إمام الشَّارحين.
ثم قال: (فإن قلت: قال الجوهري: العشي والعشية: من صلاة المغرب إلى العتمة.
قلت: الذي ذكره هو أصل الوضع، وفي الاستعمال يطلق على ما ذكرنا، وقال الأزهري: العَشِيُّ؛ بفتح العين المهملة، وكسر الشين المعجمة، وتشديد التحتية: ما بين زوال الشمس وغروبها) انتهى.
قلت: وما ذكره إمامنا الشَّارح من أنَّ رواية المستملي والحموي: (العشاء) وهم، قد تبعه عليه ابن حجر، والقسطلاني، وغيرهما.
واعترضهم العجلوني بما في «الصِّحاح» : (العشاء؛ بالمد والكسر: مثل العشي؛ من صلاة المغرب إلى العتمة، والعشاءان: المغرب والعتمة، وزعم قوم أنَّ العشاء: من زوال الشمس إلى طلوع الفجر)، وبما في «القاموس» : (والعشاء: أول الظلام، أو من المغرب إلى العتمة، أو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر)، ثم قال: (وبذلك تعلم صحة معنى هذه الرواية، فلا ينبغي التوهيم، وكلام الكرماني يومئ إلى التصحيح؛ فتأمل) انتهى.
قلت: وكلامه فاسد الاعتبار، فإنَّ عبارة «الصِّحاح» هي كلام الجوهري، وقد أجاب عنه إمام الشَّارحين بأنَّ ما ذكره هو أصل الوضع، وفي الاستعمال يطلق على ما بعد الزوال إلى المغرب، وآخر عبارة الجوهري في «الصِّحاح» الذي هي (وزعم قوم..) إلى آخره: هو الصَّواب في أصل الوضع والاستعمال، ومثله عبارة «القاموس»، على أنَّ أبا بكر الرازي قد اعترض على الجوهري في «مختصره» حيث قال: (قلت: وقال الأزهري: العشي: ما بين الشمس إلى غروبها، وصلاتا العشي: هما الظُّهر والعصر، فإذا غابت الشمس؛ فهو العشاء) انتهى، وكذلك الزبيدي والمنلا علي القاري اعترضا على صاحب «القاموس» واعتمدا على ما ذكره الأزهري؛ فليحفظ.
ولا يخفى عليك أنَّ ما ذكره إمام الشَّارحين من رواية البخاري، وكذا رواية مسلم، وكذلك رواية أبي داود والطَّحاوي؛ يدل صريحًا أنَّ المراد بصلاتي العشاء: هما الظُّهر والعصر، فإنَّ الأحاديث وكذا الروايات تفسر بعضها بعضًا، فثبت بذلك أنَّ رواية المستملي والحموي وَهَمٌ ألبتة غير صحيحة المعنى، والكرماني لم يتعرض لها، بل سكت عنها، وسكوته يدل على عدم رضاه بها، لا أنَّه يومئ إلى التصحيح كما زعمه، ويحتمل سكوته اشتباهه بالمعنى، وكأنَّه لم يقف على كلام الأزهري، ولا على كلام الرازي، والقاري، والزبيدي، ولو وقف على كلامهم؛ لم يتوقف بأنها وهم؛ فافهم، ولا تكن من الغافلين.
(قال ابن سيرين) هو محمَّد التَّابعي المشهور بالتعبير المذكور (قد سماها) أي: إحدى صلاتي العشي (أبو هريرة) أي: لنا، (ولكن نسيت) أي: غفلت عنها (أنا)؛ أي: دون أصحابي، والمراد: أنَّه نسي تعيينها، وقد سماها في رواية «مسلم» : أنَّها العصر، وفي رواية أخرى (١) لمسلم: أنَّها الظُّهر، وفي رواية أبي داود والطَّحاوي: أنَّها الظُّهر أوالعصر على الشك، كما أوضحه إمام الشَّارحين فيما ذكرناه عنه آنفًا؛ فافهم، (قال)؛ أي: أبو هريرة: (فصلى بنا)؛ أي: معشر الصَّحابة؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ في مسجده ركعتين من الظُّهر أو العصر، (ثم سلم)؛ أي: من صلاته ساهيًا أنَّه أتمها، فهو في الصلاة حكمًا ما دام في المسجد ما لم يأت بمناف، (فقام) ﵇ (إلى خشبة معروضة) أي: موضوعة بالعرض أو مطروحة (في المسجد)؛ أي: في ناحية منه، واللَّام فيه للعهد، وهو مسجده ﵇ (فاتكأ)؛ بالهمز في آخره؛ أي: اعتمد (عليها) أي: على تلك الخشبة (كأنَّه غضبان)؛ بمعجمتين، ولعله رأى من بعض أصحابه شيئًا فأنكره فغضب؛ لأنَّه كان يغضب لله، ويرضى لله، لا يفعل ولا يقر إلا على الذي أوحي إليه من ربه .
وفي حديث عمران بن حصين: (أنه ﵇ دخل منزله)، ولا يجوز لأحد أن ينصرف عن القبلة، ويمشي وقد بقي عليه شيء من صلاته.
وأجيب: بأنه فعل ذلك وهو لا يرى أنَّه في الصلاة، لا يقال: إنَّه يلزم عليه أنَّه لو باع أو أكل وهو لا يرى أنَّه في الصلاة أنَّه لا يخرجه ذلك منها؛ لأنَّا نقول: هذا كله منسوخ، فلا يعمل به اليوم، انتهى.
قلت: والمقرر في الفروع: أنَّ السَّلام سهوًا لا يقطع الصلاة، فهو ﵇ سلم ساهيًا أنَّه أتمها، ودخوله منزله لا ينافي ذلك؛ لأنَّ منزله -وهي حجرته- داخل المسجد، والساهي لا تقطع صلاته ما لم يخرج من المسجد، فهو لم يخرج منه فهو في الصلاة حكمًا، والانصراف عن القبلة إنَّما يكون قاطعًا لها إذا كان يصلِّي في الصحراء، أمَّا المسجد؛ فلا يقطعها ذلك بل بالخروج منه، وبهذا يعلم الجواب عما ذكر؛ فليحفظ.
(ووضع يده اليمنى على اليسرى) ولأبي الوقت والأصيلي: (على يده اليسرى) (وشبَّك) بتشديد الموحَّدة (بين أصابعه)؛ أي: أدخل الأصابع بعضها بين بعض
стр. 694
(ووضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى)؛ يعني: أنَّه بعدما شبَّك بين أصابعه؛ وضع بطن يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، وهذا بيان وإيضاح للوضع الأول فلا تكرار كما توهمه العجلوني؛ لأنَّ قوله: (ووضع يده اليمنى على اليسرى) صادق بوضع الأصابع، ثم إنَّه شبك بينها، ثم وضع بطن اليمنى على ظهر اليسرى.
قال إمام الشَّارحين: (يحتمل أن يكون هذا الوضع حال التشبيك، وأن يكون بعد زواله وعند الكشميهني: «وضع خده الأيمن» بدل «يده اليمنى») انتهى، ومثله في الكرماني.
قلت: وعلى هذه الرواية أنَّه لما فرغ من التشبيك؛ وضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، واليمنى ليس لها وضع أو هي موضوعة وحدها، فيكون الوضع الأول حال التشبيك، والوضع الثاني -وهو وضع خده الأيمن- بعد زواله وبهذا تعلم ما في عبارة العجلوني من الخفاء وعدم ظهور المراد؛ فافهم.
(وخرجت السرعانُ من أبواب المسجد)؛ أي: النَّبوي؛ أي: من أبواب الداخل منه وهو الحرم، لا الخارج عنه وهو البراني الذي أبوابه على الطريق؛ فافهم، وسرعان الناس؛ بالتحريك: أوائلهم، ويقال: أخفَّاؤهم والمستعجلون منهم الذين يتسارعون إلى الخروج من المسجد ولا يلبثون فيه للذكر بعد الصلاة، ويلزم الإعراب نونه في كل وجه؛ أي: فهو برفع النُّون فاعل، وهذا هو الصَّواب الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللُّغة وكذا ضبطه المتقنون، وقال ابن الأثير: السَّرَعان؛ بفتح السين والرَّاء المهملتين: أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة، ويجوز تسكين الرَّاء).
قلت: وكذا نقله القاضي عياض عن بعضهم، قال: وضبطه الأصيلي في «البخاري» : بِضَمِّ السين وإسكان الرَّاء، ووجهه: أنَّه جمع سريع؛ كقفيز وقفزان، وكثيب وكثبان، ومن قال: سِرَعان بكسر السين؛ فهو خطأ، ويقال أيضًا: سِرْعان؛ بكسر السين وسكون الرَّاء، وهو جمع سريع؛ كرعيل ورعلان، وأمَّا قولهم: سرْعانَ ما فعلت؛ ففيه ثلاث لغات: الضم والكسر والفتح، مع إسكان الرَّاء، والنُّون مفتوحة أبدًا، كذا قرره إمام الشارحين.
قلت: وما ذكره من أنَّ (سرْعانَ) فيه ثلاث لغات قد تبعه عليه صاحب «التنقيح» وغيره.
واعترضه الدماميني بأنَّ هذا في (سرْعانَ) اسم الفعل، وهي مبنية على الفتح دائمًا، لكنه عبر عنه بالنصب، وأمَّا هنا؛ فهو (سريع) معرب فنقل اللَّفظ في غير محله، انتهى.
قلت: واعتراض الدماميني متوجه على صاحب «التنقيح» ومن حذا حذوه، وأمَّا إمام الشَّارحين؛ فلم يخف عليه ذلك؛ حيث قال: (وأمَّا قولهم..) إلى آخره؛ فهذا كما رأيت يدل على أنَّه خارج عما هنا، ألا ترى إلى قوله في أول عبارته: (ويلزم الإعراب نونه...) إلى آخره؛ أي: فهو معرب، فلله دره من إمام، وحقيق بأن يقال له: إمام الشَّارحين؛ فافهم.
(فقالوا)؛ أي: السرعان؛ تعجبًا من صلاته ﵇ الظُّهر أوالعصر ركعتين، وسلم منها، وكان في مسجده غير مسافر: (قُصِرت الصلاة؟)؛ بِضَمِّ القاف وكسر الصَّاد المهملة على البناء للمفعول، وفي رواية: بفتح القاف وضم الصَّاد المهملة على البناء للفاعل؛ أي: خفَّت وقلَّت ركعاتها؛ لأنَّه من القصر، وهو القلة من الكثرة، والمراد به: التخفيف.
قال المنذري: (الأَولى: البناء للمفعول؛ لقوله: «لم تُقْصَر»؛ للبناء له، ولا خلاف فيه، فكذا الأول).
واعترضه الدماميني، فقال: (وبهذا الترجيح نظر)، ولم يذكر وجهه.
قلت: ولعل وجهه أنَّه لا يلزم من كون قوله: «لم تقصر» بالبناء للمفعول بلا خلاف أن يكون قوله: (قصرت) بالبناء للمفعول أولى من البناء للفاعل مع أنَّهما روايتان؛ الأولى رواية الأكثرين، والثانية رواية البعض، ولم يعزها إمام الشَّارحين ولا غيره لأحد من الرواة، بل قال: (ويروى) وهو كافٍ؛ فافهم.
واللَّام في (الصلاة) للعهد؛ أي: المعهودة للمقيم، وهي الأربع، وكأنَّهم ظنوا نزول الوحي أو حدوث شيء يوجب قصر الصلاة، وسؤالهم إنَّما كان لبعضهم بعضًا أو للقوم الحاضرين في المسجد الذين لم يسرعوا في الخروج.
(وفي القوم أبو بكر) أي: الصديق الأكبر (وعمر) أي: ابن الخطاب ﵄، والجملة حالية (فهاباه)؛ بضمير منصوب، ويروى بدونه لكنه مقدر، وهو عائد إلى النَّبي الأعظم ﷺ ، وضمير التثنية المرفوع يعود لأبي بكر وعمر، وهو من الهيبة؛ وهو الخوف والإجلال، وقد هابه يهابه، والأمر منه: هَبْ؛ بفتح الهاء، انتهى، (أن يكلماه)؛ أي: خاف أبو بكر وعمر أن يسألا النبي الأعظم ﷺ عن صلاته ركعتين في الفرض الرُّباعي؛ لما علما منه الغضب؛ لأنَّه انصرف من الصلاة كأنَّه غضبان أو إجلالًا له؛ لاحتمال نزول أمر عليه، فخافا السآمة، فلم يكلماه بذلك، وكلمة (أن) : مصدرية، والتقدير من التكليم.
وقوله: (وفي القوم رجل) : جملة اسمية وقعت حالًا (في يديه) بالتثنية (طول يُقال) بِضَمِّ التحتية أوله (له) أي: لذلك الرجل: (ذو اليدين)، والجملتان صفتان لرجل، أو الثانية حالية أو مستأنفة.
وفي رواية الإمام الحافظ أبي جعفر الطَّحاوي: (فقام رجل طويل اليدين، كان رسول الله ﷺ سماه: ذا اليدين)، وفي رواية: (رجل من بني سليم)، وفي رواية: (رجل يقال له: الخرباق بن عمرو، وكان في يده طول)، وفي رواية: (كان رجل بسيط اليدين)، وقع ذلك في رواية الطَّحاوي في حديث عمران بن حصين: (أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى بهم الظُّهر ثلاث ركعات ثم سلَّم وانصرف، فقال له الخرباق: يا رسول الله؛ إنَّك صلَّيت ثلاثًا، قال: فجاء فصلَّى ركعة، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين للسهو، ثم سلَّم)، وأخرجه أحمد أيضًا في «مسنده»، والطَّبراني في «الكبير».
وخِرباق -بكسر الخاء المعجمة- ابن عبد عمرو السلمي، وهو الذي يقال له: ذو اليدين، وذو الشمالين أيضًا، وكلاهما لقب عليه.
وقال السمعاني: (ذو اليدين، ويقال له: ذو الشمالين؛ لأنَّه كان يعمل بيديه جميعًا).
وقال ابن حبان في «الثقات» : ذو اليدين -ويقال له: ذو الشمالين أيضًا- ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي.
وقال أبو عبد الله العدني في «مسنده» : قال أبو محمَّد الخزاعي: ذو اليدين أحد أجدادنا، وهو ذو الشمالين، ابن عبد عمرو بن ثور بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر.
وقال ابن أبي شيبة في «مصنفه» : حدَّثنا ابن فضيل، عن حصين، عن عكرمة قال: (صلَّى النَّبي ﵇ بالناس ثلاث ركعات، ثم انصرف، فقال له بعض القوم: حدث في الصلاة شيء؟ قال: «وما ذاك؟»، قالوا: لم تصل إلا ثلاث ركعات، فقال: «أكذلك يا ذا اليدين؟»، وكان يسمى: ذا الشِّمالين، فقال: نعم؛ فصلَّى ركعة وسجد سجدتين).
وقال ابن الأثير: (ذو اليدين: اسمه الخِرباق، من بني سليم، كان ينزل بذي خشب من ناحية المدينة، وليس هو ذا الشمالين، خزاعي حليف لبني زهرة، قتل يوم بدر، وإنَّ قصة ذي الشمالين كانت قبل بدر، ثم أحكمت الأمور بعد ذلك).
وقال القاضي عياض في «شرح مسلم» : وأمَّا حديث ذي اليدين؛ فقد ذكر مسلم في حديث عمران بن الحصين: (أنَّ اسمه الخرباق، وكان في يديه طول)، وفي الرواية الأخرى: (بسيط اليدين)، وفي حديث أبي هريرة: (رجل من بني سليم)، ووقع للعذري: (سلم)، وهو خطأ، وقد جاء في حديث عبيد بن عُمَيْر مفسرًا، فقال فيه: (ذو اليدين أخو بني سليم)، وفي رواية الزهري: (ذو الشمالين رجل من بني زهرة)، وبسبب هذه الكلمة ذهب الحنفيون إلى أنَّ حديث ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود، قال: لأنَّ ذا الشمالين قتل يوم بدر فيما ذكره أهل السير، وهو من بني سليم؛ فهو ذو اليدين المذكور في الحديث، وهذا لا يصح لهم إن كان قتل ذو الشمالين يوم بدر، فليس هو الخِرباق، وهو رجل آخر حليف لبني زهرة، واسمه عُمَيْر بن عبد عمرو
стр. 695
من خزاعة؛ بدليل رواية أبي هريرة حديث ذي اليدين ومشاهدته خبره، ولقوله: (صلى بنا رسول الله ﷺ ...)، وذكر الحديث، وإسلام أبي هريرة بخيبر [بعد] يوم بدر بسنين (١)، فهو غير ذي الشمالين المستشهد ببدر، وقد عدوا قول الزهري فيه هذا من الوهم، وقد عدها بعضهم حديثين في نازلتين، وهو الصَّحيح ولاختلاف صفتهما؛ لأنَّ في حديث الخِرباق ذي الشمالين: أنَّه سلَّم من ثلاث، وفي حديث ذي اليدين: من اثنتين، وفي حديث الخِرباق: أنَّها العصر، وفي حديث ذي اليدين: أنَّها الظُّهر بغير شك عند بعضهم، وقد ذكر مسلم ذلك كله، انتهى، وتبعه أبو عمر (٢) بن عبد البر تعصبًا.
وردَّ ذلك كله إمام الشَّارحين حيث قال: قلت: الجواب عن ذلك كله مع تحرير الكلام في هذا الموضع: أنَّه وقع في كتاب «النسائي» : أنَّ ذا اليدين وذا الشمالين واحد كلاهما لقب على الخِرباق، كما ذكرنا، حيث قال: أخبرنا محمَّد بن رافع: حدَّثنا عبد الرزاق: حدَّثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة، عن أبي هريرة قال: (صلى النَّبي ﷺ الظُّهر أو العصر، فسلم من ركعتين فانصرف، فقال له ذو الشمالين بن عمرو: أنقصت الصلاة أم نسيت؟ قال: «ما يقول ذو اليدين؟!»، قالوا: صدق يا رسول الله، فأتمَّ بهم الركعتين اللتين نقصتا)، وهذا سند صحيح متصل، صرح فيه بأنَّ ذا الشمالين هو ذو اليدين.
وقال النسائي أيضًا: حدثنا هارون بن موسى الفروي: حدثني أبو ضمرة، عن يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: (نسي رسول الله ﷺ فسلَّم في سجدتيه، فقال ذو الشمالين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال: «أصدق ذو اليدين؟»، قالوا: نعم، فقام فأتمَّ الصلاة)، وهذا أيضًا سند صحيح، صرح فيه أيضًا أنَّ ذا الشمالين هو ذو اليدين، وقد تابع الزهري على ذلك عمران بن أبي أنس وغيره.
وقال النسائي أيضًا: حدثنا عيسى بن حماد: حدثنا اللَّيث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: (أنَّ رسول الله ﷺ صلى يومًا فسلَّم في ركعتين ثم انصرف، فأدركه ذو الشمالين فقال: يا رسول الله؛ أنقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال: «لم تنقص الصلاة ولم أنس»، قال: بلى والذي بعثك بالحق، قال رسول الله: «أصدق ذو اليدين؟» قالوا: نعم، وصلى بالناس ركعتين)، وهذا أيضًا سند صحيح على شرط مسلم.
وأخرج نحوه الإمام الطَّحاوي عن ربيع المؤذن، عن شعيب بن اللَّيث، عن اللَّيث، عن يزيد بن أبي حبيب... إلى آخره.
وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في «مصنفه»؛ فثبت بهذا أنَّ الزهري لم ينفرد بذلك، وأنَّ المخاطب للنبي ﷺ ذو الشمالين، وأنَّ من قال ذلك لم يهم، ولا يلزم من عدم تخريج ذلك في «الصَّحيحين» عدم صحته، فثبت أنَّ ذا اليدين وذا الشمالين واحد، كلاهما لقب على الخِرباق، وهذا أولى من جعله رجلين؛ لأنَّه خلاف الأصل في هذا الموضع.
فإن قلت: أخرج البيهقي حديثًا واستدل به على بقاء ذي اليدين بعد النَّبي ﵇، فزعم أنَّ الذي قُتِل ببدر هو ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة حليف بني زهرة من خزاعة، وأمَّا ذو اليدين الذي أخبر بسهوه ﵇؛ فإنَّه بقي بعده ﵇، كذا ذكره شيخنا أبو عبد الله، ثم خرج عنه بسنده إلى معدي بن سليمان، قال: حدثني شعيث (٣) بن مطير عن أبيه ومطير حاضروصدقه، قال شعيث: يا أبتاه؛ أخبرتني أنَّ ذا اليدين لقيك بذي خشب فأخبرك: أنَّ رسول الله ﷺ ... ؛ الحديث، ثم قال البيهقي: (وقال بعض الرواة في حديث أبي هريرة: «فقال ذو الشمالين: يا رسول الله؛ أقصرت الصلاة؟»، وكان شيخنا أبو عبد الله يقول: كل من قال ذلك؛ فقد أخطأ، فإنَّ ذا الشمالين تقدم موته ولم يعقب، وليس له راوٍ).
قلت: هذا سنده ضعيف؛ لأنَّ فيه معدي بن سليمان، وقال أبو زرعة: (هو واهي الحديث)، وقال النسائي: (ضعيف الحديث)، وقال أبو حاتم: (يحدِّث عن ابن عجلان مناكير)، وقال أبو حيان: (يروي المقلوبات عن الثقات، والملزوقات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد).
وفي سنده أيضًا شعيث، وهو لم يعرف حاله، فهو مجهول، ووالده (٤) مطير قال فيه ابن الجارود: لم يكتب حديثه، وذكره الذهبي في «الضعفاء»، وقال: (لم يصح حديثه)، وفي «الكاشف» : مطير بن سليم عن ذي الزوائد، وعنه ابناه شعيث وسليم، لم يصح حديثه، ولضعف هذا السند قال البيهقي في «المعرفة» : (ذو اليدين بقي بعد النَّبي ﷺ فيما يقال)، ولقد أنصف في هذه العبارة.
ثم إنَّ قول شيخه أبي عبد الله: (كل من قال ذلك؛ فقد أخطأ) : خطأ وغير صحيح، روى مالك في «موطئه» عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان، عن أبي خيثمة: بلغني أنَّه ﵇ ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار؛ الظُّهر أو العصر، فسلَّم من اثنتين، فقال له ذو الشمالين -رجل من بني زهرة بن كلاب-: أقصرت الصلاة؟ ... ؛ الحديث، وفي آخره: مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن... ؛ بمثل ذلك، فقد صرح في هذه الرواية: أنَّه ذو الشمالين، لا يقال: إنَّه مرسل؛ لأنَّا نقول: ذكر أبو عمر (٥) في «التَّمهيد» أنَّه متصل من وجوه صحاح، والدليل عليه ما ذكرناه مما روى النسائي آنفًا.
وقول الحاكم عن ذي الشمالين: (لم يعقب) يفهم من ظاهره أنَّ ذا اليدين أعقب، ولا أصل لذلك كما قاله الحفاظ.
فإن قلت: إنَّ ذا اليدين وذا الشمالين إذا كانا لقبًا على شخص واحد على ما جزمتم به؛ فهو يدل على أنَّ أبا هريرة لم يحضر تلك الصلاة؛ لأنَّ ذا اليدين الذي هو ذو الشمالين قتل ببدر وأبو هريرة أسلم عام خيبر وهو متأخر بزمان كثير، ومع هذا فأبو هريرة يقول: (صلى بنا رسول الله...)؛ الحديث، وفيه: (فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله)، أخرجه مسلم وغيره، وفي رواية: (صلى لنا رسول الله...)؛ الحديث.
قلت: أجاب الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي: بأنَّ معناه: صلى بالمسلمين وهو ليس منهم، وهذا جائز في اللُّغة كما روي عن النزال بن سبرة قال: قال لنا رسول الله ﷺ : «إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف...»؛ الحديث، والنزال لم ير (٦) رسول الله ﷺ ، وإنَّما أراد بذلك: قال لقومنا، وروي عن طاووس قال: قدم علينا معاذ بن جبل، فلم يأخذ من الخضراوات شيئًا، وإنَّما أراد: قدم بلدنا؛ لأنَّ معاذًا قدم اليمن من عهده ﵇ قبل أن يولد طاووس، ومثله ما ذكره البيهقي: أنَّ النَّهي مخصوص ببعض الأمكنة عن مجاهد قال: (جاءنا أبو ذر...) إلى آخره، قال البيهقي: مجاهد لم يثبت له سماع من أبي ذر، وقوله: (جاءنا)؛ أي: جاء بلدنا؛ فافهم، انتهى كلام إمام الشَّارحين.
قلت: وعلى هذا فأبو هريرة كان حاضرًا تلك الصلاة، ولم يكن وقتئذٍ مسلمًا، وإطلاق قوله: (صلى لنا) أو (بنا) على قومه وغيرهم دونه شائع في كلام الله تعالى ورسوله ﵇ وهو معروف في اللُّغة، كما لا يخفى.
وقال القرطبي: (لا يجوز أن يقال: «صلى بنا» وهو كافر ليس من أهل الصلاة، ويكون ذلك كذبًا) انتهى.
قلت: ممنوع، فإنَّه إن أراد غير جائز في اللُّغة، فما قدمنا صريح في الرد عليه، وأنَّه جائز، وإن أراد في غيرها؛ فجائز أيضًا، فإنَّ المجاز في الكلام لم ينكره أحد من أولي الألباب، ولا مانع من كونه كان كافرًا؛ لأنَّه لعله قد اهتدى بتلك الصلاة وأسلم بعدها.
وكونه كذبًا لعله كان جائزًا في دينهم؛ لأنَّ الإخبار به صحيح، وأراد به: قومه لا نفسه، فإنَّ الكفار لا يبالون بالكذب؛ لأنَّه غير حرام عندهم، فما زعمه هذا باطل.
فإن قلت: روي في بعض روايات «مسلم» : أنَّ أبا هريرة قال في قصة ذي اليدين: (بينا أنا أصلي مع النَّبي ﷺ ، وهذا صريح في أنَّه حضر تلك الصلاة وكان مسلمًا.
قلت: الروايات المشهورة: (صلى لنا) أو (بنا)، فيحتمل على
стр. 696
هذه الرواية أنَّ بعض الرواة فَهِم من قوله: (صلى بنا) : أنَّه كان حاضرًا وصلى معهم، فروى الحديث بالمعنى على زعمه، وقال: (بينا أنا أصلي)، والرواية بالمعنى جائزة بالشروط، ويحتمل أن يكون المعنى: بينا أنا أريد الصلاة مع النَّبي ﵇ والحال هو لم يدخل في الإسلام بل أراده؛ لما رأى من حسن صلاته ﵇، فأبو هريرة قد شاهد تلك الصلاة ولم يصلِّ معهم؛ لأنَّه كان كافرًا؛ فافهم.
والحاصل بل الصَّواب: أنَّ ذا اليدين المذكور في هذا الحديث هو ذو الشمالين، فهما لقبان لواحد على الصَّحيح، والله تعالى أعلم.
(قال) وفي رواية: (فقال)؛ أي: الرجل: (يا رسول الله؛ أنَسِيت) بفتح النُّون وكسر السين المهملة المخففة (أم قَصُرت الصلاة؟)؛ بفتح القاف وضم الصَّاد المهملة؛ لأنَّه من باب (فَعُل يَفعُل)؛ بالضم فيهما، فما زعمه العجلوني من أنَّه بفتح القاف وكسر الصَّاد غير ظاهر كما لا يخفى؛ أي: هل خفَّت من الأربع إلى الركعتين في الرُّباعي أم نسيت؟
(قال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ له: (لم أَنْسَ) بفتح الهمزة وسكون النُّون مجزوم بحذف الألف (ولم تُقصر)؛ بِضَمِّ الفوقية أوله مبنيًّا للمفعول؛ أي: الصلاة، وفي رواية مسلم: (كل ذلك لم يكن)، وفي رواية أبي داود: (وكل ذلك لم أفعل)، وزعم النَّووي أنَّ معناه: لم يكن المجموع ولا ينفي أحدهما، والصَّواب: أنَّ معناه: لم يكن لا ذاك ولا ذا في ظني، بل ظني أنِّي أكملت الصلاة أربعًا، ويدل عليه قوله: (لم تُقصر ولم أنس).
ويقال: (لم أنس) : يرجع إلى السَّلام؛ أي: لم أنسه فيهإنَّما سلمت قصدًا، أو لم أنسه في نفس السَّلاموإنَّما سهوت عن العدد.
واعترضه القرطبي بأنَّه فاسد؛ لأنَّه حينئذٍ لا يكون جوابًا عما سئل عنه، ويقال: بين السَّهو والنِّسيان فرق (١).
وقيل: كان ﵇ يسهو ولا ينسى، فلذلك نفى عن نفسه النِّسيان؛ لأنَّ فيه غفلة ولم يغفل، قاله القاضي.
وقال القشيري: (الفرق بين السَّهو والنِّسيان في الاستعمال ظاهر في اللُّغة، وكان يلوح من اللَّفظ أنَّ النِّسيان: عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة، والسَّهو: عدم الذكر لأمر يتعلق بها، ويكون النِّسيان: الإعراض عن تفقد أمورها حتى يحصل عدم الذكر، والسَّهو: عدم الذكر لا لأجل الإعراض).
واعترضه القرطبي بأنَّا لا نسلم الفرق، ولئن سلم؛ فقد أضاف ﵇ النِّسيان إلى نفسه في غير ما موضع بقوله: «إنَّما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت؛ فذكروني».
وقال القاضي عياض: إنَّما أنكر ﵇ (نسيتُ) المضافة إلى نفسه، وهو قد نهى عن هذا بقوله: «بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت كذا، ولكنه نُسِّي»، وقال أيضًا: «لا أنسى» على النَّفي «ولكن أُنَسَّى»، وقد شك بعض الرواة، فقال: (أنسى أو أُنسَّى)، وأن (أو) للشك أو للتقسيم، وأنَّ هذا يكون منه مرة من قبل شغله، ومرة يغلب ويجبر عليه، فلما سأله السائل بذلك؛ أنكره وقال: «كل ذلك لم يكن»، وفي الأخرى: «لم أنس ولم تقصر»، أمَّا القصر؛ فبيِّن، وكذلك لم أنس حقيقة من قبل نفسي ولكنَّ الله أنساني.
قال إمام الشَّارحين: (ويمكن أن يجاب عما قاله القاضي: أنَّ النَّهي في الحديث عن إضافة «نسيت» إلى الآية الكريمة؛ لأنَّه يقبح للمؤمن أن يضيف إلى نفسه نسيان كلام الله تعالى، ولا يلزم من هذا النَّهي الخاص النَّهي عن إضافته إلى كل شيء)؛ فافهم.
وقال إمام الشَّارحين: (تحقيق الكلام في هذا المقام أنَّ قوله: «لم أنس ولم تقصر» مثل قوله: «كل ذلك لم يكن»؛ والمعنى: كل من القصر والنِّسيان لم يكن، فيكون في معنى: لا شيء منهما بكائن على شمول النَّفي وعمومه؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّ السؤال عن أحد الأمرين بـ «أم» يكون لطلب التَّعيين بعد ثبوت أحدهما عند التكلم لا على التَّعيين، غير أنَّه إمَّا بالتَّعيين أو بنفيهما جميعًا تخطئة للمستفهم، لا بنفي الجمع بينهما حتى يكون نفي العموم؛ لأنَّه عارف بأنَّ الكائن أحدهما.
والثاني: لما قال ﵇: «كل ذلك لم يكن»؛ قال له ذو اليدين: «قد كان بعض ذلك»، ومعلوم أنَّ الثبوت للبعض إنَّما ينافي النَّفي عن كل فرد لا النَّفي عن المجموع، وقوله: «قد كان بعض ذلك» موجبة جزئية، ونقيضها السالبة الكلية، ولولا أنَّ ذا اليدين فهم السلب الكلي؛ لما ذكر في مقابلته الإيجاب الجزئي.
وههنا قاعدة أخرى: وهي أنَّ لفظة «كل» إذا وقعت في حيز النَّفي؛ كان النَّفي يوجبها خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد؛ كقولك: ما جاء كل القوم ولم آخذ كل الدراهم، وقوله:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه....
وإن وقع النَّفي في حيزها؛ اقتضى السلب عن كل فرد؛ كقوله ﵇: «كل ذلك لم يكن») انتهى كلام إمام الشَّارحين.
وهو الصَّواب الموافق للخطاب؛ فافهم، وكل ما قاله هؤلاء خارج عن المقام، وبعيد عن الأفهام إلا إمامنا الشَّارح، فإنَّه قد فهم موقع الخطاب، وتكلم بالصَّواب، فلله دره من إمام.
وقال الخطابي: («لم أنس ولم تقصر» : يتضمن أمرين: أحدهما: حكم في الدين، وهو لم تقصر -عصمه الله من الغلط فيه-؛ لئلا يعرض في أمر الدين إشكال، والآخر: حكاية عن فعل نفسه وقد جرى الخطأ فيه؛ إذ كان غير معصوم مما يدفع إليه البشر من الخطأ والنِّسيان، والأمر موضوع عن الناسي، وتلافي الأمر في المنسي سهل غير متعذر) انتهى.
قال العجلوني: (ومقتضاه: أنَّه «لم أنس» كذب، لكن محذور فيه، والأنزه أن يقال: لم أنس بحسب ظني فلا كذب؛ لأنَّ الظن هو الواقع والخبر مطابق له، فهو صدق) انتهى.
قلت: وهذا كله خارج عن المقام ولا يليق بهذا النَّبي الأعظم ﷺ ؛ لأنَّه وإن كان يجوز عليه الخطأ والنِّسيان لكن لا يقر عليه، بل يأتيه الوحي على الصَّواب، والأمر موضوع عن الناسي بالنسبة للأمة؛ لأنَّه ﵇ قال: «رفع عن أمتي الخطأ والنِّسيان...»؛ الحديث؛ أي: رفع إثم ذلك، أمَّا هو ﵇؛ فليس كذلك؛ لأنَّه وإن وقع منه، لكن لا يقره الله عليه، بل يوحي إليه بخلافه، ومع هذا فهو ﵇ لم يقع في ظنه الخطأ والنِّسيان؛ لقوله: «كل ذلك لم يكن»، فإخباره ﵇ كان موافقًا للواقع في ظنه، لكن لما كان الأمر على خلافه؛ يوهم أنَّه خطأ ونسيان بحسب الواقع، وهو لا يوصف بأنَّه كذب؛ لأنَّه كان على غير قصد، والكذب: ما أخبر به عن قصد على خلاف الواقع، ومن الواجب الاعتقاد بأنَّه ﵇ معصوم من الكذب ألبتة، فما زعمه الخطابي والعجلوني غير صواب، كما لا يخفى على أولي الألباب؛ فافهم.
ولهذا قال ابن حجر: (إنَّ العصمة ثابتة في الإخبار عن الله تعالى، وأمَّا إخباره عن الأمور الوجودية؛ فيجوز فيها النِّسيان) انتهى.
قلت: يعني: لكنَّه لا يقر عليه لوقوع الغلط في أمور الدين وهو محال؛ فليحفظ.
(فقال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ للقوم الحاضرين: (أكما)؛ بهمزة الاستفهام؛ أي: هل الأمر واقع كما (يقول ذو اليدين)؛ أي: من أنَّي صليت ركعتين في الفرض الرُّباعي؛ وهي صلاة القصر، ولهذا قال: أقصرت؟ (فقالوا) أي: القوم: (نعم)؛ أي: الأمر كما يقول، وفي رواية للبخاري: (فقال الناس: نعم)، وفي رواية أبي داود: (فأومؤوا أي نعم).
قال إمام الشَّارحين: (ويمكن الجمع بينهما بأنَّ بعضهم أومأ وبعضهم تكلم.
فإن قلت: كيف تكلم ذو اليدين والقوم وهم في الصلاة؟
قلت: لأنَّهم لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصلاة؛ لأنَّهم كانوا مجوزين نسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين، وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح: «أنَّ الجماعة أومؤوا -أي: أشاروا- أي نعم»، فعلى هذه الرواية لم يتكلموا) انتهى.
وقال النَّووي: (هذا كان خطابًا للنبي ﷺ وجوابًا، وذلك لا يبطل عندنا ولا عند غيرنا) انتهى.
قلت: هذا بعيد عن النَّظر؛ لأنَّه ولو كان خطابًا فهو مبطل، بل إنَّما المبطل
стр. 697
ما كان عن قصد خطاب، والظَّاهر أنَّ قول الراوي: (فقالوا: نعم)؛ أي: أشاروا برؤوسهم أي نعم، ويدل عليه رواية أبي داود: (فأومؤوا)، فيكون الرواي روى ذلك بالمعنى على أنَّه يحتمل أنَّ الذي تكلم أمره ﵇ بالإعادة بعده، وهو غير بعيد، هذا وسيأتي أنَّ الكلام في الصلاة كان مباحًا ثم مُنِع منها؛ لحديث: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنَّما هي التسبيح وقراءة القرآن»، فهذا كله منسوخ، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، كما سيأتي تحقيقه.
(فتقدم) أي: النَّبي الأعظم ﷺ لمكانه الأول أو غيره على القوم، (فصلى ما ترك)؛ أي: الذي تركه من الركعتين (ثم سلَّم)؛ أي: من صلاته؛ لكونها قد تمت، (ثم كبر)؛ أي: لسجود السَّهو، وقول العجلوني؛ أي: للإحرام؛ غير ظاهر كما لا يخفى، (وسجد مثل سجوده) أي: للصلاة (أو أطول) أي: منه، (ثم رفع رأسه)؛ أي: من السُّجود مكبرًا، (ثم كبر)؛ أي: للسجود ثانيًا، وسقط لابن عساكر: (ثم كبر)، (وسجد مثل سجوده) أي: للصلاة (أو أطول)؛ أي: منه، فالسُّجود وقع منه مرتين؛ لأنَّ سجود السَّهو سجدتان، ففيه دليل على الاجتزاء بسجدتين عن السَّهوات؛ لأنَّه ﵇ سها عن الركعتين وتكلم ناسيًا، واقتصر على السجدتين، وفيه دليل على أنَّ سجود السَّهو (١) سجدتان، وفيه: دليل وحجة للإمام الأعظم ومن قال بقوله: إنَّ سجدتي السَّهو (٢) بعد السَّلام، وهو حجة على الشَّافعي في أنها قبل السَّلام، وكأنَّه لم يبلغه هذا الحديث؛ فافهم.
(ثم رفع رأسه وكبَّر)؛ أي: للرفع من السُّجود؛ أي: وسلم، كما سيأتي، وإنَّما فعل هذا؛ لأنَّه قد رجع إلى قول القوم في أنَّه صلى ركعتين، فأتمها، وهو دليل واضح لمذهب الإمام الأعظم في أنَّ الساهي يرجع إلى كلام القوم ويبني على غالب ظنه، وهو المرجح عن مالك.
وزعم الشَّافعية أنَّ الساهي يعمل بيقينه ولا يرجع إلى قول القوم، وهو رواية عن مالك، والحديث حجة عليهم، وأجاب النَّووي: بأنَّه ﵇ سألهم؛ ليتذكر، فلما ذكَّروه؛ تذكر بعلم السَّهو، فبنى عليه لا أنَّه رجع إلى مجرد قولهم، ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره؛ لرجع ذو (٣) اليدين حين قال ﵇: «لم أنس ولم تقصر».
وردَّه إمام الشَّارحين: (بأنَّ هذا ليس بجواب مخلص؛ لأنَّه لا يخلو من الرجوع إليهم سواء كان رجوعه للتذكير أو لغيره، وعدم رجوع ذي اليدين كان لأجل كلام الرسول ﷺ لا لأجل يقين نفسه) انتهى.
قلت: وعلى كل حال فالرجوع إلى قول القوم موجود يدل عليه أنَّه ﵇ سأل القوم عما يقوله ذو اليدين، فحين قالوا: نعم؛ أخذ بقولهم وتقدم وتمم صلاته، فلو كان ذلك لأجل التذكير؛ لكان اقتصر على سؤال ذي اليدين ولم يسأل القوم؛ فافهم.
قال ابن عون: (فربما سألوه)؛ أي: ابن سيرين: هل في الحديث: (ثم سلم؟)؛ يعني: سألوا ابن سيرين: أنَّ رسول الله ﷺ بعد هذا السُّجود هل سلم مرة أخرى أو اكتفى بالسَّلام الأول؟ وكلمة (رُبَّ) أصلها للتقليل، وكثر استعمالها في التكثير، ويلحقها كلمة (ما) فتدخل على الجمل، قاله إمام الشَّارحين.
ولم يبين أحد من الشراح السائل له عن ذلك، والظَّاهر أنَّه من دونه من الرواة؛ فافهم.
(فيقول)؛ أي: ابن سيرين، وللأصيلي: (يقول) : (نُبئت)؛ بِضَمِّ النُّون مبنيًّا للمفعول؛ أي: أخبرت (أنَّ عمران بن حُصَين) بضم الحاء المهملة وفتح الصاد (٤) (قال) أي: في روايته: (ثم سلم)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ بعد هذا السُّجود مرة أخرى، وهذا يدل على أنَّ ابن سيرين لم يسمع: (ثم سلم) من عمران.
وقد بيَّن أبو داود في روايته عن ابن سيرين الواسطة بينه وبين عمران، فقال: حدثنا محمَّد بن يحيى بن فارس قال: حدثنا محمَّد بن عبد الله بن المثنى قال: حدثني الأشعث بن محمَّد بن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمه أبي المهلب، عن عمران بن حصين: (أنَّ رسول الله ﷺ صلى بهم فسها فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلَّم).
ورواية ابن سيرين عن خالد من رواية الأكابر عن الأصاغر، وكذا رواه النسائي، والترمذي وقال: (حسن غريب)، ورواه الطَّحاوي من حديث شعبة عن خالد الحذاء قال: سمعت أبا قلابة يحدِّث عن عمه أبي المهلب عن عمران بن حصين: (أنَّ رسول الله ﷺ صلى بهم الظُّهر ثلاث ركعات، ثم سلم وانصرف، فقال له الخِرباق: يا رسول الله؛ إنَّك صليت ثلاثًا، قال: فجاء فصلى ركعة، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين للسهو، ثم سلَّم).
وأبو قلابة: اسمه عبد الله بن زيد الحرمي، واسم عمه أبي المهلب عمرو بن معاوية، قاله النسائي، وقيل: عبد الرحمن بن معاوية، وقيل: معاوية بن عمرو، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: النَّضر بن عمرو، قاله إمامنا الشَّارح.
قلت: ولا يقدح هذا الاختلاف؛ لأنَّه قد اشتهر بأبي المهلب؛ فافهم.
وفي الحديث: دليل على جواز تشبيك الأصابع في المسجد على ما ترجم عليه الباب.
وفيه دليل على أنَّ من قال ناسيًا: لم أفعل كذا، وكان قد فعله؛ أنَّه غير كاذب.
وفيه: جواز التلقيب الذي سبيله التعريف دون التهجين.
وفي الحديث: دليل على أنَّ الذي عليه السَّهو إذا ذهب من مقامه ثم عاد، وقضى ما عليه؛ أنَّه يصح ذلك؛ لأنَّه ﵇ تقدم فصلى، وفي رواية: (فرجع إلى مقامه)، وفي رواية عمران: (فجاء فصلى ركعة)، وهذا مجمل، وقد فصله الفقهاء ﵃:
فذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين أنَّه إذا سلم ساهيًا على الركعتين وهو في مكانه لم يصرف وجهه عن القبلة ولم يتكلم؛ عاد إلى القضاء لما عليه، ولو اقتدى به رجل؛ يصح اقتداؤه، أمَّا إذا صرف وجهه عن القبلة، فإن كان في المسجد ولم يتكلم؛ فكذلك؛ لأنَّ المسجد كله في حكم مكان واحد؛ لأنَّه مكان الصلاة، وإن كان خرج من المسجد ثم تذكر؛ لا يعود إليه، وتفسد صلاته، وأمَّا إذا كان في الصحراء، فإن تذكر قبل أن يجاوز الصفوف من خلفه أو من قبل اليمين أو اليسار؛ عاد إلى القضاء لما عليه، وإن جاوزها؛ فلا يعود وتفسد صلاته، وإن مشى أمامه، فإن كان مشى قدر الصفوف التي خلفه؛ تفسد صلاته، وإن كان أقل؛ فلا تفسد، وعليه القضاء لما عليه، وهو مروي عن الإمام أبي يوسف؛ اعتبارًا لأحد الجانبين بالآخر، وقيل: إذا جاوز موضع سجوده؛ تفسد صلاته، وإن لم يجاوزه؛ لا تفسد، وعليه قضاء ما تركه، وهو الأصح.
وعند الشَّافعي وجهان؛ أحدهما: أنَّ الذي عليه السَّهو إذا ذهب من مقامه ثم عاد وقضى ما عليه؛ أنَّه يصح؛ لأنَّه ثبت في رواية مسلم: أنَّه ﵇ مشى إلى الجذع وخرج السرعان، وفي رواية: (دخل منزله)، وفي رواية: (دخل الحجرة، ثم خرج ورجع الناس وبنى على صلاته).
والوجه الثاني وهو المشهور عنده: أنَّ الصلاة تبطل بذلك، وقال النَّووي: (وهذا مشكل، وتأويل الحديث صعب على من أبطلها) انتهى.
قلت: وكأنَّه استشكله هو وإمامه، واستصعبا التأويل؛ لأنَّ ما ذكره مخالف للحديث ومصادم له، كما لا يخفى.
أمَّا على مذهب الإمام الأعظم؛ فالأمر ظاهر بلا إشكال؛ لأنَّه صريح الحديث
стр. 698
وموافق له، كما لا يخفى.
وعن مالك: أنَّه ما لم ينتقض وضوءه؛ يجوز له ذلك وإن طال الزمن، وكذا روي عن ربيعة مستدلين بحديث عمران.
قلت: هو مخالف للحديث؛ لأنَّه ليس فيه عدم نقض الوضوء، ولا تعرض إليه ولا إشارة إليه، بل الذي فيه أنَّه ما لم يخرج من المسجد؛ لأنَّه ﵇ لم يخرج منه، وخروجه إلى منزله أو حجرته ليس بمنافٍ؛ لأنَّ منزله من المسجد وفنائه، بدليل صحة الاعتكاف فيه كما قدمناه؛ فافهم.
واستدل بالحديث قوم على أنَّ الكلام في الصلاة من المأمومين لإمامهم إذا كان على وجه إصلاح الصلاة؛ لا يقطع الصلاة، وأنَّ الكلام من الإمام والمأمومين فيها على السَّهو؛ لا يقطع الصلاة، وهو قول مالك، وربيعة، والشَّافعي، وأحمد، وإسحاق.
قال ابن عبد البر: ذهب الشَّافعي إلى أنَّ الكلام والسَّلام ساهيًا في الصلاة لا يبطلها كقول مالك، وإنَّما الخلاف أنَّ مالكًا كان يقول: لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها وإصلاحها، وهو قول ربيعة وابن القاسم، وأنَّ الشَّافعي يقول: من تعمد الكلام وهو يعلم أنَّه لم يتم صلاته وأنَّه فيها؛ فسدت صلاته، فإن تكلم ناسيًا أو تكلم وهو يظن أنَّه ليس في الصلاة؛ لا يبطلها.
وقال أحمد ابن حنبل: ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها؛ لم تفسد، فإن تكلم لغير ذلك؛ فسدت، ذكره الأشرم، وقال الخرقي عنه: أنَّ من تكلم عامدًا أو ساهيًا؛ بطلت صلاته إلا الإمام خاصة، فإنَّه إذا تكلم لمصلحة صلاته؛ لم تبطل صلاته.
وأجمع المسلمون على أنَّ الكلام عامدًا في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنَّه في الصلاةولم يكن ذلك في إصلاح صلاته؛ أنَّه يفسد الصلاة إلا ما روي عن الأوزاعي أنَّه قال: من تكلم لإحياء نَفْسٍ أو مثله من الأمور الجسام؛ لا تفسد صلاته بذلك، انتهى.
قلت: وهذا الاستدلال فاسد، ولا سلف ولا خلف لهم في ذلك، والصَّواب من القول ما ذهب إليه الإمام الأعظم رأس المجتهدين وأصحابه والجمهور أنَّ الكلام في الصلاة يبطلها سواء كان ناسيًا أو جاهلًا، لإصلاحها أو لا، كيفما كان، وهو قول سفيان الثَّوري، وإبراهيم النخعي، وعطاء، والحسن البصري، وحمَّاد بن سليمان، وقتادة، وغيرهم.
قال الحارث بن مسكين: (أصحاب مالك كلهم على خلاف قول مالك في مسألة ذي اليدين إلا ابن القاسم وحده؛ فإنَّه يقول بقوله، وأمَّا أصحابه؛ فيأبونه ويقولون: إنَّما كان هذا في صدر الإسلام، فأمَّا الآن؛ فقد عرف الناس صلاتهم، فمن تكلم فيها؛ أعادها، وهو قول العراقيين، والثَّوري، والنخعي، وعطاء، والحسن، وحمَّاد، وقتادة، فإنَّهم ذهبوا إلى أنَّ الكلام في الصلاة يفسدها على أيِّ حال كان، وقالوا: إنَّ حديث أبي هريرة هذا في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن الأرقم، قالوا: وإن كان أبو هريرة متأخر الإسلام؛ فإنَّه أرسل حديث ذي اليدين، كما أرسل حديث: «من أدركه الفجر جُنبًا؛ فلا صوم له»، وكان كثير الإرسال) انتهى.
قلت: أمَّا حديث ابن مسعود؛ فرواه المؤلف ومسلم في «صحيحيهما» في (المناقب) في باب (هجرة الحبشة) وغيره: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نُسلِّم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي؛ سلمنا عليه، فلم يرد علينا، قلنا: يا رسول الله؛ كنا نسلم عليك في الصلاة، فترد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي؛ سلمنا، فلم ترد علينا، فقال ﵇: «إنَّ في الصلاة لشغلًا».
وأمَّا حديث زيد؛ فرواه أبو داود في «سننه» وغيره: عن زيد بن أرقم قال: (كنا نتكلم في الصلاة؛ يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام)، وقال جماعة: معنى قوله تعالى: ﴿قَانِتِينَ﴾ : ساكتين، وهو قول السدي؛ لأنَّ الآية نزلت في المنع عن الكلام في الصلاة، وكان مباحًا في صدر الإسلام.
وقال ابن مسعود ﵁ كما رواه أصحاب السنن: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الله أحدث من أمره ألَّا تكلموا في الصلاة».
وقال إمام الشَّارحين: والدليل على أنَّ الحديث منسوخ أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ عمل بعد رسول الله ﷺ بخلاف ما كان ﵇ عمله يوم ذي اليدين، والحال أنَّه كان في من حضر يوم ذي اليدين، فلولا ثبت عنده انتساخ ذلك؛ لما عمل بخلاف ما عمل به النَّبي الأعظم ﷺ .
وأيضًا فإنَّ عمر ﵁ قد فعل ذلك بحضرة الصَّحابةرضي الله عنه، ولم ينكر عليه منهم أحد، فصار ذلك منهم إجماعًا على النَّسخ.
وروى الحافظ الطَّحاوي ذلك عن ابن مرزوق قال: حدثنا أبو عاصم، عن عثمان بن الأسود قال: سمعت عطاء يقول: (صلى عمر بن الخطاب بأصحابه، فسلَّم في ركعتين، ثم انصرف، فقيل له في ذلك، فقال: إنِّي جهزت عِيرًا من العراق بأجمالها وأحقابها حتى وَرَدت المدينة، قال: فصلى بهم أربع ركعات) انتهى.
قلت: وكأنَّ المخالف لنا لم يبلغه نزول الآية، ولا حديث ابن مسعود ولا زيد بن الأرقم، ولا صلاة عمر بن الخطاب ﵃، وهذا ضرب من الإجماع، بل الإجماع كله؛ لأنَّ الذين أجمعوا على منع الكلام في الصلاة من أصحاب النَّبي الأعظم ﷺ ثلاثة أفتوا به؛ عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن الأرقم ﵃.
ولم يُرْوَ عن أحد من الصَّحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل وأعيذوا من التحريف والتبديل خلاف هؤلاء الثلاثة بعد نزول الآية لا بإسناد متصل ولا منقطع، فكأنَّ الصَّحابة أجمعوا على أنَّ الكلام في الصلاة يفسدها على كل حال، وبه قال سليمان بن داود، وأبو خيثمة، وابن أبي شيبة، ومحمَّد بن نصر، ومحمَّد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمَّد بن إسماعيل، وغيرهم من أهل الحديث، والله تعالى أعلم.
وفي «العجلوني» : (وفيه: أنَّ من تكلم ناسيًا؛ لا تفسد صلاته؛ لأنَّه ﵇ تكلم لظنه أنَّه أكمل الصلاة، وسبيله سبيل الناسي، وأمَّا ذو اليدين؛ فأمره متأول؛ لأنَّ الزمان زمان نسخ، فجرى منه مجرى من هو خارج الصلاة، وأمَّا كلام الشيخين؛ فإنَّه كان واجبًا عليهم إجابته؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فلم يقدح في صلاتهم) انتهى.
قلت: وهذا فاسد؛ لأنَّه ﵇ وإن كان ظنه أنَّه أكمل صلاته، فليس سبيله سبيل الناسي، فلا دليل فيه لما ذكر؛ لأنَّ بين الناسي وغيره فرقًا بيِّنًا، ولا عذر للناسي؛ لأنَّ قوله ﵇: «رُفِع عن أمتي الخطأ والنِّسيان»؛ معناه: رفع إثمهما، على أنَّه قال: «عن أمتي»، ولم يقل: عني، والنِّسيان لا يضر عليه من الله تعالى.
وأمَّا ذو اليدين؛ فعلى ما ذكره؛ صلاته فسدت، فهو تناقض في كلامه، كما لا يخفى.
وأمَّا كلام الشيخين... إلخ؛ فيه نظر، بل هو قادح في صلاتهم؛ لأنَّ الآية إنَّما هي (١) في الدعاء خارج الصلاة لا فيها؛ للقرينة الدَّالة على ذلك؛ لأنَّه (٢) فيها ممنوع منه، كما لا يخفى.
وظاهر الحديث يدل على أنَّ العمل الكثير والخطوات في الصلاة لا تبطلها، واختلف في ذلك، ومذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين أنَّ العمل الكثير يبطل الصلاة، وكذا المشي فيها خطوات.
واختلف أيضًا في العمل الكثير؛ فظاهر الرواية عن الإمام الأعظم: أنَّه مفوض لرأي المصلي، فإن رآه كثيرًا؛ فكثير، وإن قليلًا؛ فقليل، وقيل: إنَّه ما استكثره الناظر، والقليل ما استقله، وقيل: إنَّه ما فعل ثلاث مرات متواليات في ركن واحد، وقد صححه غير واحد، وعلى هذا فالنَّبي الأعظم ﷺ رأى أنَّ هذا العمل قليل، وأنَّه غير مفسد، ولذلك بنى على صلاته وأتمها، ونقل النَّووي: أنَّ المشهور عن الشَّافعي أنَّ العمل الكثير يبطل الصلاة، وهو ثلاث حركات.
واعترضه الكرماني بأنَّ الذي رجحه في «التحقيق» أنَّها لا تبطل بذلك، واعترضه العجلوني بأنَّه ضعيف، بل الراجح أنَّها تبطل بالعمل الكثير وإن كان ناسيًا، انتهى.
قلت: قد نص الكرماني كلامه وعزاه إلى «التحقيق»، وأنَّه المرجح، وهو كتاب معتمد عندهم، ولعله قول
стр. 699
الشَّافعي القديم، وهذا قوله في الجديد، وعلى كل حال؛ فهو مخالف للحديث؛ لأنَّ مشيه ﵇ إلى الجذع ودخوله في منزله ومجيئه إلى المكان الأول هو زيادة على عشر حركات، كما لا يخفى.
وهذا الحديث قد تقدم في باب (التوجه نحو القبلة)، وسيأتي أيضًا إن شاء الله تعالى في باب (السَّهو) مع مزيد الكلام فيه، والله تعالى أعلم.
(٨٩) [باب المساجد التي على طرق المدينة]
هذا (باب) بيان حكم الصلاة في (المساجد التي على طُرق)؛ بِضَمِّ الطاء المهملة، جمع طريق، ويجمع أيضًا على طرائق؛ وهو الشَّارع الموصل إلى (المدينة) المنورة، والمراد: الطرق التي يتوصل بها إلى المدينة من أيِّ ناحية كانت.
وزعم العجلوني: (أي: في نواحيها واقعة بينها وبين مكة) انتهى.
قلت: هذا ليس بقيد معتبر، بل هو تقييد من عنده، والمراد به الأعم، وهو ظاهر التَّرجمة؛ فافهم.
و (المدينة) تسمى أيضًا: طَيبة -بفتح الطاء المهملة-، وهو اسم من أسمائها، وقد روي: أنَّ لها في التوراة أحد عشر اسمًا، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، وكانت قبل الإسلام تسمى بـ (يثرب)؛ باسم رجل من العماليق؛ قبيلة منسوبة إلى عملاق كان يسكنها، فلما جاء الإسلام وسكنها النَّبي الأعظم ﷺ ؛ كره لها هذا الاسم؛ لما فيه من لفظ التثريب، فسماها: طَيبة، وقد جاء في القرآن لفظ (يثرب)، ولكن الله لم يسمِّها بذلك، وإنَّما قاله حكاية عن الكفار والمنافقين: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣]، فنبه تعالى بما حكى عنهم أنَّهم قد رغبوا عن اسم سماها به رسول الله ﷺ ، وأبوا إلا ما كانوا عليه من جاهليتهم، وقد سماها تعالى المدينة بقوله: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وقد روي في معنى قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ : أنَّه المدينة، وأنَّ ﴿مخرج صِدْقٍ﴾ : مكة، و ﴿سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] : الأنصار، وقد وَرَد: (من سمى المدينة بـ «يثرب»؛ فليستغفر الله هي طابة هي طابة)، رواه أحمد ابن حنبل في «مسنده» عن البراء ﵁؛ فليحفظ.
قيل: وفي نسخة قبل باب (بسم الله الرحمن الرحيم).
قلت: الله أعلم بصحتها؛ لأنَّه ليس فيه استئناف كلام، بل هو ملحق بسابقه؛ فافهم.
وقوله: (والمواضع)؛ أي: وبيان حكم الصلاة في المواضع؛ أي: الأماكن (التي صلى فيها النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: ولم تجعل مساجد، ثابت في أكثر الروايات، ساقط في بعضها، كما قاله إمامنا الشَّارح.
وتقديرنا: بيان حكم الصلاة؛ أولى وأظهر من تقدير صاحب «المنحة» : أي: باب مشروعية الصلاة فيها، وكذا أولى من تقدير العجلوني: (وذلك من حيث الصلاة فيها وبيانها) انتهى؛ لأنَّ الصلاة في هذه الأماكن والطرقات مشروعيتها معلومة من قوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، كما رواه المؤلف فيما سبق، وإنَّما المجهول حكم الصلاة فيها، فأراد المؤلف بما ترجم به بيان حكمها، فما زعمه في «المنحة» غير ظاهر.
وقول العجلوني: (وذلك...) إلى آخره: مقلق محتاج للبيان ولا معنى له؛ لأنَّ قوله: (من حيث الصلاة)؛ لم يبين ما معنى هذه الحيثية، فإن كان مراده جوازها؛ فهو ظاهر من الحديث السَّابق، وإن كان مراده مشروعيتها؛ فظاهر أيضًا منه.
وقوله: (وبيانها)؛ أي: بيان المواضع والطرقات، ففيه نظر ظاهر؛ لأنَّ المؤلف ليس مراده بيان ذلك، وليس في كلامه تعرض إليه، ولا إشارة عليه، وإنَّما مراده بيان حكم الصلاة في الطرق والأماكن؛ فافهم، ولا تكن من الغافلين.
[حديث: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها]
٤٨٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن أبي بكر المقدَّمي)؛ بتشديد الدَّال المهملة، اسم مفعول، نسبه لجده؛ لشهرته به؛ لأنَّه محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم البصري، المتوفى سنة أربع وثلاثين ومئتين (قال: حدثنا فُضيل بن سُليمان)؛ بِضَمِّ أولهما مصغرين: هو النُميري -بضم النُّون- البصري (قال: حدثنا موسى بن عُقْبَة)؛ بِضَمِّ العين المهملة وسكون القاف وفتح الموحَّدة: هو صاحب المغازي المشهور، ثقة، ولم يثبت أنَّ ابن معين ليَّنه، ذكره في «التقريب» (قال: رأيت سالم بن عبد الله) هو ابن عمر بن الخطاب القرشي المدني ﵃ (يتحرى)؛ أي: يجتهد ويقصد ويختار (أماكن) : جمع مكان؛ وهو الموضع، ويجمع أيضًا على أمكنة، كما في «القاموس» (من الطريق) : وهو مذكر ويؤنث، جمع أطرق، وطرق، وأطرقاء، وأطرقة، وطرائق: وهو الشَّارع الموصل إلى الشيء المقصود، والطرقة؛ بالضم: الظلمة والطمع، والمطاريق: القوم المشاة، وأطرق: سكت ولم يتكلم، وأرخى عينيه ينظر إلى الأرض (فيصلِّي فيها)؛ أي: الصلاة المفروضة أو النافلة، والظَّاهر الأول؛ لأنَّه كان مسافرًا؛ وهو لا يتنفل عادة، ويحتمل أنَّه يقصد الصلاة فيها، وعليه فالظَّاهر أنَّها النافلة، ويحتمل أنَّه يجمع بين الفرض والنفل فيها؛ فافهم، وسيأتي في الحديث الثاني في هذا الباب: أنَّه كان يصلِّي الظُّهر والصبح فيها (ويحدِّث)؛ بتشديد الدَّال المهملة؛ يعني: إذا سأله سائل: لِمَ خصصت هذه الأماكن بالصلاة؟ فيقول: (أنَّ أباه) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ (كان يصلِّي فيها)؛ أي: في تلك الأماكن، وهذا ليس بجواب مخلص؛ لأنَّه مصدَّر بالتبعية للآباء، وإنَّما الجواب الواضح قوله: (وأنَّه)؛ أي: أباه عبد الله المذكور (رأى النَّبي) الأعظم ﷺ يصلِّي في تلك الأمكنة)؛ أي: الصلاة المفروضة، أو النافلة، أو كلاهما، وسيأتي في حديث الباب: أنَّه كان يصلِّي الظُّهر والصبح، فإنَّها أمكنة معظمة، وآثار مُعمَّرة، وتعظيمها إنَّما يكون بالصلاة فيها، فلهذا خصها ﵇ بالصلاة بمحضر من ابن عمر وغيره من أصحابه، وهم أشد اتباعًا لآثاره وأفعاله ﵇.
وزعم العجلوني أنَّ لفظة (يصلِّي) ساقطة لابن عساكر، انتهى.
قلت: وإن كانت كذلك، لكنَّها مقدرة الوجود، ولا يصح المعنى إلا بها، كما لا يخفى؛ فافهم، وجمهور الرواة على وجودها ثابتة.
قال إمام الشَّارحين: (وأنَّه رأى) هذا مرسل من سالم إذ لم يتصل سنده، انتهى، وقال البرماوي: (إن كان الضمير لسالم؛ فمرسل) انتهى.
قلت: (وأنَّه) عطف على (ويحدِّث)؛ يعني: أنَّ سالمًا يحدَّث: أنَّ أباه رأى النَّبي ﵇ يصلِّي، فلا يلزم من كونه مرسلًا أن يكون الضمير لسالم، بل الضمير راجع إلى أبيه عبد الله، ومع هذا فهو مرسل؛ لأنَّ قوله: (وأنَّه) معطوف على قوله: (ويحدِّث) كما ذكرنا؛ فافهم ذلك ولا تكن من الغافلين.
(وحدَّثني) بالإفراد (نافع) هو مولى ابن عمر، القائل ذلك هو موسى بن عقبة، وهو عطف على (رأيت)؛ أي: قال موسى: وحدثني... إلخ، قاله إمام الشَّارحين.
وفي «المنحة» : (وفي نسخة قبل «وحدثني» : «ح»، فهو من كلام البخاري فيكون تعليقًا) انتهى.
قلت: قدَّمنا أنَّ إمام الشَّارحين قال: (القائل ذلك هو موسى)، ومثله في «الكرماني»، و «ابن حجر»، وغيرهما، ولم يتعرض أحد لهذه النُّسخة، فالله أعلم بصحتها.
وزعم ابن حجر أنَّه لم يسق البخاري [لفظ] فُضيل بن سُليمان، بل ساق لفظ أنس بن عياض، وكأنَّه اعتمده؛ لأنَّه أتقن من فُضيل، انتهى.
قلت: لا يلزم من سوقه [لفظ] أنس كونه أتقن من فضيل؛ لأنَّه أيضًا متقن ثبت، بل إنَّما ساق ذلك لأجل التفنن في السند، وذكر أشياخه كما هي عادته في أبوابه؛ فليحفظ.
(عن ابن عمر) هو عبد الله ﵄ (أنَّه) أي: ابن عمر (كان يصلِّي في تلك الأمكنة)؛ أي: لِمَا رآه من صلاته ﵇ فيها، ففيه المطابقة للتَّرجمة.
وقوله: (وسألت سالمًا) أي: ابن عبد الله بن عمر، عطف على قوله: (رأيت)، فهو من كلام موسى بن عقبة (ولا أعلمه إلا وافق نافعًا) أي: مولى ابن عمر (في الأمكنة) أي: المواضع (كلها)؛ أي: التي حول المدينة، التي صلى فيها النَّبي الأعظم ﷺ (إلَّا أنَّهما) أي: سالمًا ونافعًا (اختلفا في مسجد)؛ أي: هل صلى فيه النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم
стр. 700
أم لا؟ وهو الذي (بشرف)؛ بفتح المعجمة والرَّاء، آخره فاء: المكان العالي (الرَّوْحاء)؛ بفتح الرَّاء، وسكون الواو، آخره حاء مهملة، وبالمد: هي قرية جامعة لمزينة على ليلتين من المدينة، بينهما أحد وأربعون ميلًا، قاله البكري، وسميت روحاء؛ لكثرة رواحها، وفيها بناء يزعمون أنَّه قبر مضر بن نزار، قاله كثير، والنسب إليها: روحائي على غير قياس، وقد قيل: روحاوي على القياس، قاله أبو عبيد، والرَّوحاء: أربعة برد إلا ثلاثة أميال، قاله الزمخشري.
وثبت في «صحيح مسلم» في باب (الآذان) : أنَّ بينها وبين المدينة ستة وثلاثون ميلًا.
وعند ابن أبي شيبة: على ثلاثين ميلًا.
وقال ابن قرقول: هي من عمل الفرع على نحو أربعين ميلًا من المدينة.
وقال أبو عبيد: روى نافع عن مولاه: أنَّ بهذا الموضع المسجد الصغير دون الموضع الذي بالشرف، قال: وروى أصحاب الزهري عنه، عن حنظلة بن علي، عن أبي هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده؛ ليهلنَّ ابن مريم بفج الرَّوحاء حاجًّا أو معتمرًا أو ليثنينهما»، وفي رواية الأعرج عن أبي هريرة مثله.
وروى غير واحد: أنَّ رسول الله ﷺ قال -وقد وصل المسجد الذي ببطن الروحاء عند عرق الظبية-: «هذا واد من أودية الجنة، وصلى في هذا الوادي قبلي سبعون نبيًّا ﵈، وقد مر به موسى بن عمران حاجًّا أو معتمرًا في سبعين ألفًا من بني إسرائيل على ناقة له ورقاء عليها عباءتان قطويتان يلبي».
وحاصله: أنَّ ابن عمر كان يتبرك بهذه الأماكن المذكورة، فيصلِّي فيها، وتشديده بالإتباع مشهور، ولا يعارضه ما ثبت عن عمر بن الخطاب أنَّه كان في سفر فصلى الغداة، ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه، ويصلُّون فيه، ويقولون: صلى النَّبي الأعظم ﷺ فيه، فقال: «من عرضت له الصلاة؛ فليصلِّ، وإلا؛ فليمض، فإنَّما أهلك أهل الكتاب أنَّهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعًا»؛ لأنَّ ذلك محمول من عمر ﵁ على أنَّه كره زيارتهم لمثلها بغير صلاة، وخشي أن يشكل على من لا يعرف حقيقة الأمر فيه، فيلتزم الناس الصلاة فيه، فيرى الناس ذلك واجبًا، وكلا الأمرين مأمون على ابن عمر، وكان يتبرك بتلك الأماكن، فالتبرك بآثار الصالحين ثابت، وفي «الصَّحيح» كما سبق صلاته ﵇ في موضع من بيت عتبان؛ ليتخذه مصلى وغير ذلك، انتهى أفاده إمام الشَّارحين بزيادة.
[حديث: أن رسول الله كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر]
٤٨٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إبراهيم بن المنذِر)؛ بكسر الذَّال المعجمة: هو الحزامي المدني -بالزاي المعجمة- نسبة إلى أحد أجداده، فإنَّه إبراهيم بن المنذِر بن عبد الله بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد الصمد بن قصي المديني، المتوفى سنة ست وثلاثين ومئتين (قال: حدثنا أنس بن عِياض)؛ بكسر العين المهملة: هو المدني، المتوفى سنة ثمانين ومئة.
(قال: حدثنا موسى بن عقبة) هو صاحب المغازي، المدني المشهور الثِّقة، (عن نافع) هو أبو عبد الله المدني التَّابعي مولى ابن عمر ﵄، المتوفى سنة عشرين ومئة: (أنَّ عبد الله)؛ بفتح الهمزة؛ زاد الأصيلي: (يعني: ابن عمر)، ولأبوي ذر والوقت: (أنَّ عبد الله بن عمر) هو ابن الخطاب القرشي المدني ﵄ (أخبره) أي: أخبر نافعًا (أنَّ رسول الله ﷺ بفتح الهمزة (كان) أتى بها لإفادة الدوام والاستمرار (ينزل بذي الحُلَيفة)؛ بِضَمِّ الحاء المهملة، وفتح اللَّام؛ وهو الميقات المشهور لأهل المدينة، وهو من المدينة على أربعة أميال، ومن مكة على مئتي ميل غير ميلين، وزعم الكرماني بينها وبين المدينة ميل أو ميلان، والميل: ثلث فرسخ، وهو أربعة آلاف ذراع ومنها إلى مكة عشر مراحل، وزعم ابن التين أنَّها أبعد المواقيت من مكة؛ تعظيمًا لأجر النَّبي الأعظم ﷺ ، كذا في «عمدة القاري»، (حين يعتمر، وفي حجته حين حج)؛ أي: حجة الوداع، قيل: وفي نسخة: (حين يحج)، وعلى الأولى شرح إمام الشَّارحين، وقال: (إنَّما قال في العمرة بلفظ المضارع، وفي الحج بلفظ الماضي؛ لأنَّه ﵇ لم يحج إلا مرة واحدة، وتكررت منه العمرة) انتهى، وتبعه ابن حجر وغيره.
وزعم الكرماني أنَّ المضارع قد يفيد الاستمرار.
وردَّه إمامنا الشَّارح: (بأنَّ الماضي أقوى في إفادة الاستمرار من المضارع؛ لأنَّ الماضي قد مضى واستقر بخلاف المضارع) انتهى.
واعترضه ابن حجر تعصبًا بأنَّ من يستدل على الاستمرار بالاستقرار، فما له ولتعقيب كلام الناس؟ انتهى.
قلت: انظر إلى هذا الكلام الذي لا يصدر من ذوي الأفهام، والحال أنَّه لم يستدل بذلك، وإنَّما ذكر المعنى الذي يفيده اللَّفظ في الكلام على القواعد الموضوعة للنحاة الموافقة للمرام، وإنَّما قال ذلك في تعقيب كلام الناس عدم فهمهم الكلام بالمعاني والأساس.
ويدل على صحة ما قاله إمامنا الشَّارح أنَّ لفظ (كان) يفيد الدوام والاستمرار في الألفاظ المطلقة، ثم عبر بالعمرة بالمضارع المطلق، فأفاد التكرار، وعبر بالحج -في قوله: (وفي حجته)؛ أي: التي حجها، وهي حجة الوادع- بالماضي المقيد، فأفاد عدم التكرار، والوقوع مرة واحدة، وهذا ظاهر اللَّفظ؛ فليحفظ، ولا عليك من لقلقة اللسان بغير حجة وبرهان؛ فافهم.
والنُّسخة الثانية الله أعلم بصحتها، ولم ينقلها أحد من الشراح غير العجلوني ذكرها ولم يَعزُها لأحد من الرواة، وهو نقل أوهى من بيت العنكبوت؛ لأنَّه من غير برهان ولا نعوت؛ فافهم.
(تحت سَمُرة)؛ بفتح السين المهملة، وضم الميم: وهي شجرة الطلح، وهو عظام الأشجار التي لها شوك، وتعرف عند الناس: بأم غيلان، كذا في «عمدة القاري».
قلت: وهي كثيرة في البساتين في ديارنا الشريفة الشامية، وتوضع في الحدود بينها؛ لأنَّها تُعمَّر كثيرًا كما يعهد من حالها.
(في موضع المسجد الذي بذي الحليفة) قيل: وفي نسخة: (الذي كان بذي الحليفة)، وهذا موضع التَّرجمة، ولهذا قال إمامنا الشَّارح: (ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة في الفصلين) انتهى، (وكان إذا رجع من غزوة)؛ بالتأنيث، وفي رواية: بحذف التَّاء؛ (وكان (١) في تلك الطريق)؛ أي: طريق ذي الحليفة، والجملة حالية بالواو، وفي رواية: بحذف الواو، فهي صفة
стр. 701
للغزو، ووجه التذكير في (كان) باعتبار السفر، ويجوز أن يرجع الضمير فيه للنبي الأعظم ﷺ ، قاله إمامنا الشَّارح، وما شرحنا عليه هو رواية الأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي، (غزوة وكان) بالتَّاء والواو، وعليها شرح إمام الشَّارحين، (أو حج أو عمرة هبط من بطن واد) هو وادي العقيق، وسقط كلمة (من) لأبوي ذر والوقت، وعند ابن عساكر: (هبط من ظهر واد)، والهبوط: النزول من الأعلى إلى الأسفل، وإنَّما لم يؤخر لفظ: (كان) في تلك الطريق عن الحج والعمرة؛ لأنَّهما لم يكونا إلا من تلك الطريق، (فإذا ظهر من بطن واد)؛ أي: علا في أعلاه وارتفع في وادي العقيق المذكور؛ (أناخ)؛ أي: أقعد راحلته، وهو جواب (إذا) (بالبطحاء) هو تراب لين السيول، والجمع: بطحاوات وبطاح، فإن اتسع وعرض؛ فهو الأبطح، والجمع: الأباطح، كما في «المحكم»، وقال بعضهم: الأبطح: لا ينبت (١) شيئًا، إنَّما هو بطن الوادي، وفي «الجامع» : (الأبطح والبطحاء والبطاح: الرمل المنبسط على وجه الأرض)، وفي «الواعي» : (البطحاء: حصى ورمل ينقل من مسيل الماء)، وقال النَّضر بن شميل: (بطحاء الوادي وأبطحه: حصاة اللين)، وقال أبو سليمان: (هي حجارة ورمل)، وقال الدَّاودي: (البطحاء: كل أرض منحدرة)، وفي «المنتهى» : (الأبطح: مسيل واسع، فيها دقاق الحصى، والجمع: الأباطح، وكذلك البطحاء)، وفي «الصِّحاح» : البطاح: على غير قياس، والبطيحة؛ مثل: الأبطح، كذا في «عمدة القاري».
(التي على شَفير الوادي)؛ بفتح الشين المعجمة؛ أي: طرفه، وقال ابن سيده: (شفير الوادي وشفره: ناحيته من أعلاه) (الشرقيةِ) بالجر: صفة (البطحاء)، (فعرَّس)؛ بتشديد الرَّاء، قال الأصمعي: (عرَّس المسافرون تعريسًا؛ إذا نزلوا نزلة في وجه السحر، وأناخوا إبلهم فروحوها ساعة حتى يرجع إليها أنفسها)، وعن أبي زيد: (عرَّس القوم تعريسًا في المنزل حيث نزلوا بأيِّ حينٍ كان من ليل أو نهار)، وفي «المحكم» : (المعرس: الذي يسير نهاره، ويعرِّس؛ أي: ينزل أول الليل)، وفي «الصِّحاح» : (أعرسوا لغة فيه قليلة، والموضع: مِعرس ومَعرس)، وفي «الغريبين» (٢) : (التعريس: نومة المسافر بعد إدلاج الليل)، وفي «المغيث» : (عرَّس؛ أي: نزل للنوم والاستراحة، والتعريس: النزول لغير إقامة)، أفاده إمام الشَّارحين.
قلت: وحاصله: أنَّ التعريس: نزول استراحة، وأكثره في آخر الليل، وخصَّه الأصمعي: بآخر الليل، وأطلق فيه أبو زيد؛ فليحفظ.
(ثَمَّ)؛ بفتح المثلَّثة، وتشديد الميم: اسم إشارة للمكان البعيد؛ أي: هنالك (حتى يُصبح)؛ بِضَمِّ المثناة التحتية؛ أي: يدخل في الصباح، وهي تامة لا تحتاج إلى الخبر، واستغنت بمرفوعها (ليس عند المسجد الذي بحجارةٍ، ولا على الأكَمة)؛ بفتح الهمزة والكاف: هي التل من القف من حجارة واحدة، قاله ابن سيده، وقيل: هي دون الجبال، وقيل: هي الموضع الذي قد اشتد ارتفاعًا مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا، والجمع: أَكَم، وأُكُم، وأُكْم، وإكام، وآكام، وآكُم؛ كأَفْلُس، الأخيرة عن ابن جني، وفي «الواعي» : (الآكام: دون الضراب)، وفي «الصِّحاح» : (والجمع: أكمات، وجمع الأكم: آكام؛ مثل: عنق وأعناق) انتهى.
والحاصل: أنَّه يجمع على (أَكَم)؛ بفتحات؛ وهو على (إِكام)؛ بكسر الهمزة -كجبل وجبال (٣) -؛ وهو على (أُكُم)؛ بضمتين -نحو: كِتَاب وكُتُب-؛ وهو على (آكام)؛ كعُنُق وأعناق؛ فافهم.
(التي عليها المسجد، كان ثَمَّ)؛ بفتح المثلَّثة، وتشديد الميم: اسم إشارة للمكان البعيد؛ أي: هنالك (خَلِيج)؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللَّام، آخره جيم: واد عميق ينشق من آخر أعظم منه، قاله ابن التِّين، وفي «المنتهى» : (هو شرم من البحر اختلج منه، والخليج (٤) : النهر العظيم، والجمع: خلجان، وربما قيل للنهر الصغير يخلج من النهر الكبير: خليج)، وفي «المحكم» : الخليج: ما انقطع من معظم الماء؛ لأنَّه يجبذ منه، وقد اختلج، وقيل: الخليج: شعبة تتشعب من الوادي تعير بعض مائه إلى مكان آخر، والجمع: خلج وخلجان، وقال الإمام الزمخشري: (جبل خليج: أحد جبال مكة) انتهى، (يصلِّي)؛ بتحتية أوله، وفي رواية: (فصلى) (عبد الله) أي: ابن عمر بن الخطاب ﵄ (عنده) أي: عند الخليج المذكور (في بطنه) أي: وسطه (كُثُب)؛ بِضَمِّ الكاف وضم الثَّاء المثلَّثة، جمع كثيب؛ هو رمل اجتمع وكل ما اجتمع من شيء وانهار؛ فقد انكثب فيه، ومنه اشتق: الكثيب من الرمل؛ في معنى: مكثوب؛ لأنَّه انصب في مكان واجتمع فيه، والجمع: كثبان؛ وهي تلال من رمل، قاله أبو المعالي، وفي «المحكم» : (الكثيب من الرمل: القطعة تبقى محدودبة، وقيل: هو ما اجتمع واحدودب، والجمع: أكثبة وكثب)، وفي «الجامع» : (إنَّما سمي كثيبًا؛ لأنَّ ترابه دقاق كأنَّه مكثوب؛ أي: منثور بعضه على بعض؛ لرخاوته)، كذا في «عمدة القاري».
(كان رسول الله ﷺ وقوله: (ثَمَّ)؛ بفتح المثلَّثة؛ أي: هنالك، متعلق بقوله: (يصلِّي)، وهذا مرسل من نافع، كما قاله إمام الشَّارحين وغيره، (فدحا) : الفاء للعطف، و (دحا)؛ بالدَّال والحاء المهملتين، مبنيًّا للفاعل، من الدحو؛ وهو البسط، يقال: دحا يدحوويدحى دحوًا، قاله ابن سيده، وفي «الغريبين» : كل شيء بسطته ووسعته؛ فقد دحوته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]؛ أي: بسطها ووسعها؛ للوقوف بها عند فصل القضاء، وبهذا تعلم فساد تفسير العجلوني: الدحي: بالرفع، فإنَّه غير موافق للُّغة ولا للقرآن العظيم؛ فافهم، بل هو تفسير من عنده، وهو غير مقبول، (السيل)؛ أي: المطر النازل من الجبال (فيه)، ولأبي ذر: (فدحا فيه السيل) (بالبطحاء) : متعلق بـ (دحا)، وفي رواية الإسماعيلي: (فدخل)؛ بالخاء المعجمة واللَّام، وفي رواية: (قد جاء)؛ بكلمة (قد) للتحقيق، وكلمة (جاء) من المجيء فهما كلمتان؛ فليحفظ، (حتى دَفن)؛ بالبناء للفاعل؛ أي: السيل، قيل: وفي رواية: بالبناء للمفعول، فنائبه قوله: (ذلك المكان الذي كان عبد الله) أي: ابن عمر (يصلِّي فيه)؛ أي: غيَّبه وغيَّر صفته، فلم يظهر بعد ذلك.
(وأنَّ)؛ بفتح الهمزة، معطوف على قوله: (أنَّ عبد الله أخبره) (عبد الله بن عمر)؛ أي: ابن الخطاب (حدَّثه)؛ أي: حدَّث نافعًا مولاه، وهو من قول موسى بن عقبة، فهو موصول بالإسناد السَّابق، وهذا يجري في نظائره، وقال الكرماني: إنَّما قال في الأول: «أنَّ عبد الله أخبره»، وفي المرات الآتية: «أنَّ عبد الله حدَّثه»؛ للفرق عند بعضهم بأنَّ الإخبار: القراءة على الشيخ، والتحديث: قراءة الشيخ.
واعترضه العجلوني بأنَّ الظَّاهر أنَّهما بمعنًى، انتهى.
قلت: قد سبق ذلك في باب (العلم)، وأنَّ مذهب الجمهور -ومنهم المؤلف- على أنَّه لا فرق بين (حدثنا)، و (أخبرنا)، و (أنبأنا)، وأنَّها بمعنًى، وبه قال ابن عيينة، والأئمة الكوفيون، ومالك، والحسن البصري، ويحيى القطان، وأهل الحجاز، فإذا كان هذا مذهب الجمهور؛ فكيف يدعي أنَّه الظَّاهر، فإنَّ الظَّاهر يقال
стр. 702
في أحد قولين مرجحين، بل في قول قوي وقول ضعيف؛ لأنَّ الفرق قول ضعيف عند أهل النَّظر، وأمَّا المؤلف ههنا؛ فلم ينظر لهذا حتى زعم الكرماني ما زعم، بل إمَّا للتفنن في العبارة، أو ساق اللَّفظ بعينه، وإنَّما مذهبه عدم الفرق، كما ترجم به بباب مستقل؛ فافهم ولا تكن من الغافلين.
(أنَّ النَّبي) الأعظم ﷺ صلى) أي: الفرض والنفل جميعًا (حيث) بالمهملة والمثلَّثة (المسجد الصغير) : نعت لـ (المسجد)، وفي رواية: (صلى جَنْب)؛ بالجيم والنُّون والموحَّدة، وعلى الأولى؛ (المسجدُ) : مرفوع خبر مبتدأ محذوف، و (الصغيرُ) : مرفوع نعت له؛ لأنَّ (حيث) لا تضاف إلا إلى الجملة على الأصح؛ وتقديره: حيث هو بالمسجد ونحوه، وعلى الثانية؛ مجرور بالإضافة، و (الصغير) : نعت له مجرور، أفاده الشَّارح.
(الذي دون المسجد)؛ أي: أنزل من المسجد (الذي بشرف) أي: أعلى (الروحاء)؛ بالمد: قرية جامعة على ليلتين من المدينة، وهي آخر السيالة للمتوجه إلى مكة والمسجد الأوسط في الوادي المعروف الآن بوادي بني سالم، (وقد كان عبد الله) أي: ابن عمر بن الخطاب (يُعلِّم)؛ بِضَمِّ التحتية أوله، من (أعلم) من العلامة في رواية أبوي ذر والوقت، وفي رواية غيرهما: (يَعلم)؛ بفتح التحتية من العِلْم، وفي رواية: (تَعلَّم)؛ بفتح الفوقية، وتشديد اللَّام المفتوحة (المكان الذي كان) وسقطت (كان) لابن عساكر (صلى فيه النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: صلاته الفرض والنفل جميعًا بمحضر من ابن عمر وغيره من الصَّحابة ﵃ أجمعين (يقول) أي: ابن عمر: (ثَمَّ)؛ بفتح المثلَّثة؛ أي: هنالك (عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي، وذلك المسجد على حافَة)؛ بتخفيف الفاء؛ أي: على جانب (الطريق)؛ أي: الشَّارع، وحافتا الوادي: جانباه (اليمنى) : صفة لـ (حافَة)؛ أي: لا اليسرى، وقوله: (وأنت ذاهب إلى مكة) : صفة لقوله: (حافَة) (بينه) أي: بين هذا المسجد (وبين المسجد الأكبر رمية حجر أو نحو ذلك)؛ أي: مقدار مسافة ذلك.
(وأنَّ) بفتح الهمزة معطوف على سابقه (ابن عمر)؛ أي: ابن الخطاب رضي الله عنهمابالإسناد المذكور، فهو من قول موسى بن عقبة (كان يصلِّي إلى العِرْق)؛ بكسر العين المهملة وسكون الرَّاء المهملة، وبالقاف؛ أي: عرق الظبية، وقال أبو منصور: (العِرْق: الجبل الصغير، ويقال أيضًا للأرض الملح التي لا تنبت)، وقال أبو عبيد: (هو واد معروف)، وقال ابن فارس: (ينبت الطرفاء، وقيل: ينبت الشجر)، وقال الخليل: (العِرْق: الجَبْل الرقيق من الرمل المستطيل مع الأرض)، وقال الدَّاودي: (هو المكان المرتفع)، أفاده في «عمدة القاري»، (الذي كان عند منصرَف الرَّوحاء)؛ بفتح الرَّاء المهملة فيهما مع [المد] في الثاني؛ وهي القرية الجامعة على ليلتين من المدينة؛ يعني: عند آخر الرَّوحاء (وذلك العِرْق انتهاء)؛ بالمد (طرفه (١) على حافَة)؛ أي: جانب (الطريق)، ولأبي ذر عن الكشميهني: (انتهى طرفه)؛ بالقصر، فعل وفاعل (دون المسجد الذي بينه وبين المنصرَف)؛ بفتح الرَّاء؛ أي: أنزل منه (وأنت ذاهب إلى مكة وقد ابتُني)؛ بِضَمِّ المثناة فوق على صيغة المجهول من الماضي (ثَمَّ)؛ بالمثلَّثة، متعلق به؛ أي: هنالك (مسجد) يحتمل أنَّ الباني له أحد من قريش من الجاهلية ممن يعبد الأصنام، ويشرك بالله غيره، ويدل على هذا قوله: (فلم يكن عبد الله) زاد الأصيلي: (ابن عمر) (يصلِّي في ذلك المسجد)؛ لعله لما فيه من الصور والأصنام كما ذكرنا، فلا وجه لقول العجلوني: (ولينظر من الباني له؟)؛ لأنَّه لا شك أنَّ الباني غير مسلم، بل مشرك أو منافق، ولهذا قال: (وكان) أي: ابن عمر، وللأصيلي: بإسقاط الواو (يتركه على يساره وورائه)؛ بالجر عطفًا على (يساره)، وبالنصب على الظرفية؛ بتقدير: (في) ظرفًا (يصلِّي) أي: ابن عمر (أمامه) أي: قدام المسجد (إلى العِرْق نفسه) أي: عرق الظبية، (وكان عبد الله) أي: ابن عمر (يروح) أي: يمر (من الرَّوحاء) بالمد (فلا يصلِّي الظُّهر حتى يأتي ذلك المكان فيصلِّي فيه الظُّهر) أي: اتباعًا حيث الوقت متسع، (وإذا أقبَل) بفتح الموحَّدة (من مكة فإن مرَّ) بتشديد الرَّاء (به) أي: بذلك المكان (قبْل) بسكون الموحَّدة (الصبح) أي: طلوع الفجر الصَّادق (بساعة) : يحتمل أنَّها اللحظة والحصة من الزمان، ويحتمل الساعة المعلومة، وهي خمس عشرة درجة، (أو من آخر السحر) : وهو عبارة عما بين الفجر الكاذب والصَّادق، والفرق بين العبارتين-أعني: قوله: (قبل الصبح بساعة)، وقوله: (آخر السحر) - هو أنَّه أراد بـ (آخر السحر) : أقل من ساعة، وأراد الإبهام؛ ليتناول قدر الساعة وأقل وأكثر منها، قاله الشَّارح في «عمدة القاري»، (عرَّس)؛ بتشديد الرَّاء، جواب (أنَّ)؛ أي: نزل للاستراحة في ذلك الوقت (حتى يصلِّي بها الصبح)؛ أي: بمكة؛ لفضل الصلاة فيها.
(وأنَّ) بفتح الهمزة، معطوف على سابقه (عبد الله) أي: ابن عمر (حدَّثه)؛ أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور، فهو موصول: (أنَّ النَّبي) الأعظم، ولابن عساكر: (رسول الله) ﷺ كان ينزل تحت سَرْحَة)؛ بفتح السين المهملة، وسكون الرَّاء، وفتح الحاء المهملة: وهو شجر عظام طوال (ضخمة)؛ أي: عظيمة، وقال أبو زيد: السَّرْح من العضاه، واحدته: سَرْحَة، والسَّرْح: طوال في السَّماء، وقد تكون السَّرْحة دوحة محلالًا (٢) واسعة، يحل تحتها الناس في الصيف، ويبنون تحتها البيوت، وقد تكون منه العشة القليلة الفروع والورق، وللسرح عنب يسمى آءُ، واحدته: آءة، يأكله الناس أبيض، ويرببون منه الرب، ورقته صغيرة عريضة، تأكله الماشية لو تقدر عليه ولكن لا تقدر؛ لطوله، ولا صمغ له، ولا منفعة فيه أكثر من هذا إلَّا أنَّ ظله صالح، ومن ذلك قال الشاعر:
فيا سَرْحَة الركبان ظلك بارد... وماؤك عذب لا يحل لشارب
وليس للسرح شوك، وقال أبو عمرو: السَّرْح يشبه الزيتون، وروى الفراء عن أبي الهيثم: أنَّ كل شجرة لا شوك فيها؛ فهي سَرْحَة، يقال: ذهب إلى السَّرْح؛ وهو السهل من كل شيء، وأخبرني أعرابي: أنَّ في السَّرْحة غبرة، وهي دون الأثل في الطول، وورقها صغار، وهي سبطة الأفنان (٣)، وهي مائلة النبتة أبدًا، وميلها من بين جميع الشجر في شق اليمين، ولم أبل عليه كذبًا، وزعم بعضهم أنَّ السَّرْح من نبات القف، وقيل: من نبات السهل، وهو قول الأصمعي، وفي «المطالع» : (قيل: هي الدِّفلى)، وقال أبو علي: (هو نبت، يقال لها: هدب، وليس لها ورق، وهو يشبه الصوف)، قاله إمام الشَّارحين.
(دون الرُّوَيْثَة)؛ أي: تحتها أو قريب منها، وهي بِضَمِّ الرَّاء، وفتح الواو، مع سكون التحتية، وفتح المثلَّثة
стр. 703
على لفظ التصغير؛ وهي قرية جامعة بينها وبين المدينة سبعة عشر فرسخًا، ومن الرُّوَيْثَة إلى السقيا عشرة فراسخ، وعقبة العرج على أحد عشر ميلًا من الرُّوَيثة، وبينها وبين العرج ثلاثة أميال، وهي غير الرُّويثة؛ ماء لبني عجل بين طريق الكوفة والبصرة، ذكره ياقوت، كما في «عمدة القاري».
وقال الكرماني: (وفي بعض النُّسخ: «الرَّقْشة»؛ بفتح الرَّاء، وسكون القاف، وإعجام الشين)، وزعم الخطابي أنَّه اسم موضع، وردَّه إمام الشَّارحين: (بأنَّ البكري لم يذكر إلا الرقاش، وقال: هو بلد) انتهى.
قلت: وليس هناك بلاد ولا بلد تسمى بالرَّقشة، ولا موضع يسمى بهذا الاسم، فالظَّاهر أنَّه تصحيف.
وقال القاضي عياض: («دون الرُّوَيثة» تصحيف، والصَّواب: بعواسج عن يمينك)، قال العجلوني: (إن ثبتت به الرواية؛ فهو أولى) انتهى.
قلت: الرواة كلهم على الأول، ولم يذكر أحد منهم ذلك أصلًا، ولئن ثبت؛ فهو ليس بأولى؛ لأنَّ المكان جامع لقرًى شتى، ولم يتبين المكان بعينه، بل إنَّما وقعت القصة من نزوله ﵇ عند الشجرة، وهي بين القرى، وأقربها قرية الرويثة، فلا عليك من كلام القاضي والعجلوني؛ فافهم.
(عن يمين الطريق) أي: لا عن شماله (ووُجاه)؛ بِضَمِّ الواو وكسرها؛ بمعنى: تجاه (الطريق)؛ أي: مقابلها، و (وجاه)؛ بالجر عطفًا على (يمين)، أو بالنصب على الظرفية (في مكان بَطِح)؛ بفتح الموحَّدة، وكسر الطاء المهملة وبسكونها؛ أي: واسع (سهل) أي: لا وعر فيه ولا حجارة (حتى)؛ بالمثناة فوق، وللأصيلي وأبي ذر: (حين)؛ بالتحتية والنُّون (يُفضي)؛ بِضَمِّ أوله التحتية وبالفاء، من الإفضاء؛ بمعنى الخروج، يقال: أفضيت؛ إذا خرجت إلى الفضاء، أو بمعنى الدفع؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨]، أو بمعنى الوصول، والضمير في (يفضي) يرجع إلى النَّبي الأعظم ﷺ ، ويجوز أن يرجع إلى المكان، كذا قرره إمام الشَّارحين.
وقال الكرماني: (وفي بعض النُّسخ بلفظ الخطاب) انتهى.
قلت: لم يعزها لأحد من الرواة، فالله أعلم بصحتها.
(من أَكَمة)؛ بفتح الهمزة والكاف؛ وهي التل العالي كما تقدم (دُوين)؛ بِضَمِّ الدَّال المهملة، مصغر الدُّون، وهو نقيض الفوق، ويقال: هو دون ذاك؛ أي: أقرب منه (بريد) هو المرتب واحدًا بعد واحد، والمراد به: موضع البريد، وقيل: المراد به: سكة الطريق (الرُّوَيثة) وسقط (البريد) لابن عساكر (بميلين)؛ يعني: بينه وبين المكان الذي ينزل فيه البريد بالرُّويثة ميلان، (وقد انكسر أعلاها)؛ أي: السَّرْحة، (فانثَنى)؛ بفتح المثلَّثة على صيغة المعلوم من الماضي؛ ومعناه: انعطف (في جوفها) أي: السَّرْحة (وهي قائمة على ساق)؛ أي: كالبنيان ليست متسعة من أسفل، ولا ضيقة من فوق (وفي ساقها كُثُب)؛ بضمتين، جمع كثيب؛ وهو الرمل المجتمع تلال كثيرة.
(وأنَّ عبد الله بن عمر) بفتح الهمزة معطوف على سابقه (حدَّثه) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المتقدم (أنَّ النَّبي) الأعظم ﷺ صلَّى) أي: الصبح أو غيره من فرض ونفل (في طرف تَلْعَة)؛ بفتح المثناة الفوقية، وسكون اللَّام، وفتح العين المهملة: هي أرض مرتفعة عريضة، يتردد فيها السيل، والتَّلْعَة: مجرى (١) الماء من أعلى الوادي، والتَّلعة: ما انهبط من الأرض، وقيل: هي مثل الرحبة، والجمع في كل ذلك: تلع وتلاع، وعن بعضهم: التَّلعة: أرض مرتفعة غليظة، وربما كانت على غلظها عريضة، وفي «الجامع» : (التَّلعة من الوادي: ما اتسع من فوقه، وقيل: هي مسيل من الأرض المرتفعة إلى بطن الوادي، فإن صغر عن ذلك؛ فهي شعبة، فإذا عَظُم فكان نصف الوادي؛ فهي الميثاء، قيل: والأصل في التَّلعة الارتفاع)، كذا في «عمدة القاري»، (من وراء العَرْج)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الرَّاء، ثم جيم: قرية جامعة على طريق مكة من المدينة، بينها وبين الرُّويثة أربعة عشر ميلًا، قال السكوني: (المسجد النَّبوي على خمسة أميال من العَرْج وأنت ذاهب إلى الهضبة، عندها قبران أو ثلاثة، عليها زحم حجارة، قال كثير: إنَّما سمي العَرْج لتعريجه، وبين العرج إلى السقيا سبعة عشر ميلًا)، وقال ياقوت: (العَرْج: قرية جامعة من نواحي الطَّائف، والعَرْج: عقبة بين مكة والمدينة على جادة الطريق، تذكر مع السقيا، وسوق (٢) العَرْج: بلد بين المحالب والمهجم)، وقال الزمخشري: (العرج: واد بالطَّائف، والعرج أيضًا: منزل بين المدينة ومكة، وجاء فيه فتح الرَّاء أيضًا)، كذا قرره إمامنا الشَّارح.
(وأنت ذاهب إلى هَضْبَة)؛ بفتح الهاء، وسكون الضَّاد المعجمة، وفتح الموحَّدة؛ وهي الجبل المنبسط على وجه الأرض، وقال أبو زيد: (الهضبة من الجبال: ما طال واتسع وانفرد، وهي الهضبات والهضاب)، وعن سيبويه: (وقد قالوا: هضبة وهضب)، وقال صاحب «العين» : (الهضبة: كل جبل خلق من صخرة واحدة، وكل ضخرة ضخمة صلبة راسية تسمى هضبة)، وفي «الجامع» : (هي القطعة المرتفعة من أعلى الجبل)، وفي «المجمل» : (هي أكمة ملساء قليلة النبات)، وفي «المطالع» : (هي فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل) انتهى.
(عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة على القبور رَضْم)؛ بفتح الرَّاء وسكون الضَّاد المعجمة، وللأصيلي: (رَضَم)؛ بفتحها (من حجارة)، قال الشَّارح: (الرضم: الحجارة البيض (٣)، والرضمة: الصخرة العظيمة مثل الجزور (٤)، وليست بثابتة، والجمع: رضم ورضام، ورَضَمَ الحجارة: جعل بعضها على بعض، وكل بناء بني بصخر: رضيم، ذكره ابن سيده، وفي «الجامع» : (ومرضوم) انتهى، (عن يمين الطريق)؛ أي: لا عن يساره، ولم يذكر أحد من الشراح أسماء أصحاب هذه القبور، والظَّاهر أنَّهم من قريش من الجاهلية (عند سَلِمات الطريق)؛ بفتح السين المهملة وكسر اللَّام، كذا في رواية أبي ذر والأصيلي، وفي رواية الباقين: بفتح اللَّام، قيل: هي بالكسر: الصخرات، وبالفتح: الشجرات، وقال أبو زياد: (من العضاه السلم: وهو سليب العيدان طولًا، يشبه القضبان، ليس له خشب وإن عظم، وله شوك دقاق طوال، حار إذا أصاب رِجل الإنسان، وكل شيء من السلمة مُرُّ يدبغ)، وقال غيره: السلمة: أطيب العضاه ريحًا، وبرمتها أطيب البرم ريحًا، وهي صفراء تؤكل، وقيل: ليس شجرة أذرى من سلمة، ولم يوجد في ذرى سلمة صرد قط، ويجمع على أسلام، وأرض مسلوماء؛ إذا كانت كثيرة السلم، وفي «الجامع» : (ويجمع أيضًا على سلامى) انتهى.
(بين أولئك السَّلِمات) وفي بعض النُّسخ: (من أولئك)، وهي في النُّسخة الأولى ظاهر التعلق بما قبله، وفي الثانية بما بعده، قاله الشَّارح، ومثله في «الكرماني»، قال العجلوني: (فتأمله) انتهى.
قلت: لا وجه للتأمل فيه، فإنَّ كلامه ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم؛ فافهم.
(كان عبد الله) أي: ابن عمر بن الخطاب ﵄ (يروح) من الرواح؛ وهو الذهاب؛ يعني: يذهب (من العَرْج بعد أن تميل الشمس من الهاجرة) : متعلق بـ (يروح)؛
стр. 704
وهي نصف النهار عند اشتداد الحر، (فيصلي الظُّهر)؛ لأنَّ ميلان الشمس عن كبد السَّماء دخول وقت الظُّهر والجمعة (في ذلك المسجد)؛ أي: للإتباع.
(وأنَّ عبد الله بن عمر) أي: ابن الخطاب، بفتح الهمزة معطوف على سابقه (حدَّثه) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور، فهو موصول (أنَّ رسول الله ﷺ نزل) أي: عن راحلته (عند سَرحات)؛ بفتح الرَّاء، وبالحاء المهملة، جمع: سَرْحة؛ بسكون الرَّاء؛ وهي الشجرة العظيمة الضخمة كما سبق (عن يسار الطريق) أي: لا عن يمينه (في مَسِيل)؛ بفتح الميم، وكسر المهملة: واد منحدر مجوَّف يجري فيه الماء النازل من الجبال (دون هَرْشَى)؛ بفتح الهاء، وسكون الرَّاء، وفتح الشين المعجمة، مقصور، على وزن (فَعلى) : هو جبل من بلاد تهامة، وهو على ملتقى طريق الشام والمدينة في أرض مستوية هضبة ململمة لا تنبت شيئًا، وهي قرية قريبة من الجحفة يرى منها البحر، ويقرب منها طَفِيل؛ بفتح الطاء المهملة، وكسر الفاء، وهو جبل أسود، على الطريق من ثنية هرشى ثلاثة أودية: غزال، وذو ذروان، وكلية، وكلها لخزاعة، وبأعلى كلية ثلاثة أجبل صغار، يقال لها: سنابك، وغدير خم: واد يصب في البحر، وفي «الموعب» : (هرشى: ثنية قرية من الجحفة)، وقال الزمخشري: (هرشى: هضبة دون المدينة)، وقال علي: (هرشى: نقب في حرة (١) بين الأخيمص وبين السقيا على طريق المدينة، ويليه (٢) جبال يقال لها: طوال هرشى)، وفي «المغيث» : (سميت هرشى لمهارشة كانت بينهم، والتهريش: الإفساد بين الناس)، كذا في «عمدة القاري».
(ذلك المسيل لاصق بكُراع هرشى)؛ بِضَمِّ الكاف؛ أي: طرفها، يقال: كراع الأرض وأكارعها: أطرافها، كما في «القاموس»؛ أي: متصل بأطرافها غير فاصل، وكراعها: ما يمتد منها دون سفحها (بينه) (٣)؛ أي: بين كراع هرشى (وبين الطريق قريبٌ من غَلوة سهم)؛ بفتح الغين المعجمة: وهي الغاية مقدار رمية، كما في «الصِّحاح»، وفي «المغيث» : (لا تكون الغَلوة إلا مع تصعيد السهم)، وقال ابن سيده: غلا بالسهم غَلْوًا وغُلُوًّا، وغالى به غلاء: رفع به يده يريد أقصى الغاية، وهو من التجاوز، فرجل غلاء: بعيد الغلو بالسهم، وغَلَا السهم نفسه: ارتفع في ذهابه وجاوز المدى؛ وكذلك الحجر، وكل مرماة: غلوة، والجمع: غلوات وغلًا، وقد تستعمل الغَلوة في سباق الخيل، وقال الفقهاء: الغَلوة: أربع مئة ذراع، كذا في «عمدة القاري».
قلت: الذي في «المغرب»، وكذا في «الذخيرة» و «المستصفى» : أنَّه ثلاث مئة ذراع إلى أربع مئة ذراع، لكن لما كانت الأربع مئة هي الغاية؛ عبَّر بها، والسهم: واحد النبل.
وقد نظم ابن الحاجب مقدار البريد، والفرسخ، والميل، والباع، والذراع فقال:
إنَّ البريد من الفراسخ أربع... ولفرسخ فثلاث أميال ضعوا
والميل ألف أي من الباعات قُلْ... والباع أربع أذرع فتتبع
ثم الذراع من الأصابع أربع... من بعدها العشرون ثم الأصبع
ست شعيرات فظهر شعيرة... منها إلى بطن لأخرى (٤) توضع
ثم الشعيرة ست شعرات فقل... من شعر بغل ليس فيه موضع
وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»، والله أعلم بالصَّواب.
(وكان عبد الله بن عمر) أي: ابن الخطاب ﵄ (يصلي إلى سَرْحة)؛ بفتح السين المهملة، وسكون الرَّاء، وفتح الحاء المهملة؛ أي: شجرة ضخمة عظيمة (هي أقرب السَّرحات) أي: الشجرات (إلى الطريق) أي: الشَّارع، (وهي) أي: تلك السرحة (أطولهن)؛ أي: أطول تلك السَّرحات الموجودات هناك.
(وأنَّ عبد الله بن عمر) بفتح الهمزة معطوف على سابقه (حدَّثه) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور، فهو موصول (أنَّ النَّبي) الأعظم ﷺ كان) أتى بها لإفادة الدوام والاستمرار (ينزل) أي: عن راحلته إذا كان في سفر أو في حضر (في المَسيل)؛ بفتح الميم: المكان المنحدر (الذي في أدنى مَرِّ الظَّهران)؛ أي: في الأقرب منه، و (مَرَّ)؛ بفتح الميم، وتشديد الرَّاء: قرية ذات نخل وثمار، وقال البكري: بفتح أوله وتشديد ثانيه، مضاف إلى (الظَّهران)؛ بظاء معجمة، وبين مَرٍّ والبيت ستة عشر ميلًا، قال إمام الشَّارحين: (هو الوادي الذي تسميه العامة بطن مَرْو؛ بسكون الرَّاء، بعدها واو)، وقال كثير: (سميت مرًّا لمرارة مائها)، وقال أبو غسان: (سميت بذلك؛ لأنَّ في بطن الوادي بين (٥) [مر] ونخلة كتابةٌ بعِرْقٍ (٦) من الأرض أبيضَ هجاء: «مر» إلا أنَّ الميم غير موصولة بالرَّاء، وببطن مَرٍّ تخزعت خزاعة عن أخواتها، فبقيت بمكة، وسارت أخواتها إلى الشام أيام سيل العرم)، وقال الزمخشري: (مر الظَّهران بتهامة قريب من عرفة)، وعن صاحب «العين» : (الظَّهران: من قولك: من ظهرهم)، وقال الفراء: (لم أسمع إلا تثنية الظَّهران، ولم يُجمَع ولم يُوحَّد)، كذا في «عمدة القاري»، (قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحَّدة؛ أي: مقابل (المدينة حين يهبط)، وفي رواية: (حتى (٧) يهبط) أي: ينحدر (من الصَّفْراوات)؛ بفتح الصَّاد المهملة، وسكون الفاء، جمع صفراء؛ ممدود؛ وهي الأودية والجبال التي بعد مر الظَّهران، قاله إمام الشَّارحين، وزعم الكرماني: (وفي بعض النُّسخ: من وادي الصفراوات)؛ بزيادة (وادي)، (ينزل)؛ بالمثناة التحتية كما في (الفرع) وغيره، قاله القسطلاني، وقال إمام الشَّارحين: (تنزل)؛ بلفظ الخطاب؛ ليوافق قوله: (وأنت ذاهب إلى مكة)، وتبعه الكرماني وغيره، وكأنَّها رواية غير (الفرع)؛ فافهم، (ليس بين مَنزل رسول الله ﷺ ؛ بفتح الميم؛ أي: مكان نزوله عن راحلته أو للاستراحة (وبين الطريق إلا رمية حَجر)؛ بفتح الحاء المهملة بعدها جيم، واحد الأحجار؛ أي: مقدار رميته.
(وأنَّ عبد الله بن عمر) بفتح الهمزة معطوف على سابقه (حدَّثه) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور سابقًا (أنَّ رسول الله ﷺ كان ينزل)؛ أي: عن راحلته أو للاستراحة (بذي طُوى)؛ بِضَمِّ الطاء المهملة في رواية الأكثرين، وفي رواية الحموي والمستملي: (بذي الطِّواء)؛ بزيادة الألف واللَّام، وقيده الأصيلي بالكسر، وحكى عياض وغيره الفتح أيضًا، وزعم النَّووي: (ذو طَوَى؛ بالفتح على الأفصح، ويجوز ضمها وكسرها، وبفتح الواو المخففة، وفيه لغتان: الصرف وعدمه، وهي عند باب مكة بأسفلها)، وزعم الجوهري (ذو طُوى)؛ بالضم: موضع بمكة، وأمَّا طِوى؛ فهو اسم موضع بالشام تكسر طاؤه وتضم، كذا قرره إمام الشَّارحين.
قلت: وما رواه الأصيلي بالكسر، قال القسطلاني: (إنَّها رواية أبي ذر عن الكشميهني أيضًا)، وما رواه الحموي وغيره: (بذي الطِّواء)؛ بزيادة (أل) مع كسر الطاء والمد، وفي رواية «الفرع» و «أصله» : (طَوى) بفتح الطاء، وليس فيه ضم الطاء ألبتة، كما قاله القسطلاني، وبهذا ظهر فساد ما زعمه العجلوني من أنَّ الذي في «الفرع»
стр. 705
ضم الطاء؛ فافهم، فإنَّه غلط؛ فاجتنبه.
(ويَبيت)؛ بفتح التحتية، من البيتوتة؛ وهي المبيت ليلًا؛ أي: كان يفعل ذلك بذي طوى (حتى يصبح) أي: يطلع الفجر (يصلِّي الصبح) أي: بها (حين يقدَم) بفتح الدَّال المهملة (مكة) أي: حاجًّا، أو غازيًا، أو غيرهما، (ومصلَّى رسول الله ﷺ ؛ بفتح اللَّام؛ أي: موضع صلاته (ذلك على أَكَمَة)؛ بفتح الهمزة والكاف والميم؛ أي: تلٍّ عالٍ من حجر واحد، أو موضع مرتفع ما حوله كما سبق، (غليظة) وفي نسخة: (عظيمة)؛ أي: ضخمة كبيرة (ليس في المسجد الذي بُني) بِضَمِّ الموحَّدة مبنيًّا للمفعول (ثَمَّ)؛ بفتح المثلَّثة؛ أي: هنالك مما بنوه الجاهلية أو غيرهم، (ولكن أسفل من ذلك)؛ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو أسفل، وبالنصب؛ أي: في أسفل ظرفًا (على أكمة غليظة)، وفي نسخة: (عظيمة)، وهذا بيان وإيضاح للأول لا تأكيد، كما توهمه العجلوني، فإنَّه غير مصيب؛ فافهم.
(وأنَّ عبد الله بن عمر) بفتح الهمزة معطوف على السَّابق (حدَّثه) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور، فهو موصول كما سبق (أن النَّبي) الأعظم ﷺ استقبل فُرْضَتَيِ الجبل)؛ أي: توجه إليها وجعلها مقابل وجهه، وهي بِضَمِّ الفاء، وسكون الرَّاء، وفتح الضَّاد المعجمة، ومثناة فوقية مفتوحة وتحتية مكسورة؛ لالتقاء الساكنين، تثنية: فرضة؛ وهي مدخل الطريق إلى الجبل، وقيل: الشق المرتفع كالشرافة، ويقال أيضًا لمدخل النهر، وفرضة البئر ثلمته (١) التي يستقى منها، وفي «المحكم» : (فرضة النهر: مشرب الماء منه، والجمع: فرض وفراض)، كذا قرره إمام الشَّارحين.
قلت: ومثله في «مختار الصِّحاح» و «القاموس»، وذكر نحوه ابن حجر والقسطلاني، وبه ظهر فساد ما زعمه العجلوني من أنَّ الفرضة: ما انحدر من وسط الجبل، انتهى، لأنَّه ليس له أصل في كلام أهل اللُّغة، ومعناه فاسد أيضًا؛ لأنَّه قد يكون في جوانبه، أو أعلاه، أو غير ذلك؛ فليحفظ.
(الذي بينه) ولابن عساكر وأبي الوقت: (الذي كان بينه) أي الجبل المفروض (وبين الجبل الطويل)؛ أي: الذي ليس فيه فرضة، وقوله: (نحو الكعبة) -أي: ناحيتها- متعلق بـ (الطويل)، أو ظرف للجبل، أو بدل من الفرضة، قاله إمام الشَّارحين.
وقوله: (فجعل) أي: عبد الله بن عمر (المسجد الذي بُني) بِضَمِّ الموحَّدة مبنيًّا للمفعول (ثَمَّ)؛ بالمثلَّثة المفتوحة؛ أي: هنالك (يسار المسجد) : الظَّاهر أنَّه من كلام نافع، وفاعله عبد الله، و (يسار) مفعول ثان، كذا قاله في «عمدة القاري»، وبه جزم القسطلاني وغيره؛ فافهم، (بطرف الأَكَمَة)؛ بفتح الهمزة والكاف والميم: المكان المرتفع؛ أي: جانبها، وهو صفة للمسجد الثاني (ومصلَّى) بفتح اللَّام (النَّبي) الأعظم، وفي نسخة: (رسول الله) ﷺ أي: موضع صلاته (أسفل منه)؛ بالنصب على الظرفية، وبالرفع خبر لقوله: (ومصلَّى)، والجملة حالية، قاله العجلوني، وقال القسطلاني: وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو أسفل منه، وهو مبني على نصب (ومصلى) بجعله معطوفًا على المسجد، ووجهه ظاهر، فلا حاجة لما زعمه العجلوني؛ فافهم، (على الأكمة) أي: التل العالي (السوداء) : خبر بعد خبر أو حال، وقوله: (تدع) أي: تترك (من الأكمة عشرة أذرع)؛ بالذَّال المعجمة، ولأبي ذر: (عشر أذرع)؛ بدون التأنيث (أو نحوَها)؛ بالنصب معطوف على ما قبله؛ أي: دون العشرة؛ بيان لمصلى النَّبي ﵇.
وزعم العجلوني أنَّها جملة مستأنفة.
قلت: ليس فيه استئناف أصلًا، وإنَّما هو متعلق بما قبله على كونه بيانًا وأيضاحًاله؛ فافهم.
(ثم تصلي مستقبل)؛ بالنصب على الحال؛ أي: حال كونك مستقبل (الفُرْضتين)؛ بِضَمِّ الفاء وسكون الرَّاء، تثنية فرضة؛ وهي مدخل الطريق إلى الجبل كما سبق، ويدل عليه قوله: (من الجبل الذي بينك وبين الكعبة)؛ أي: حائلًا بينهما.
ففي الحديث: بيان وجه تتبع ابن عمر المواضع التي صلى فيها النَّبي الأعظم ﷺ ، وهو أنَّه كان يستحب التتبع لآثاره ﵇ والتبرك بها، ولم يزل الناس يتبركون بمواضع الصالحين.
وقد روى شعبة عن سليمان التيمي عن المعرور بن سويد قال: (كان عمر بن الخطاب ﵁ في سفر، فصلى الغداة، ثم أتى على مكان، فجعل الناس يأتونه ويقولون: صلى فيه النَّبي ﷺ ، فقال عمر: إنَّما هلك أهل الكتاب أنَّهم تتبعوا آثار أنبيائهم، فاتَّخذوها كنائس وبيعًا، فمن عرضت له الصلاة؛ فليصلِّ، وإلا؛ فليمض)، قالوا: وإنَّما كره ذلك عمر؛ لأنَّه خشي أن يلتزم الناس الصلاة في تلك المواضع، فيشكل ذلك على من يأتي بعدهم، فيرى ذلك واجبًا، وكذا ينبغي للعالم إذا رأى الناس يلتزمون النوافل التزامًا شديدًا؛ أن يترخص فيها في بعض المرات ويتركها؛ ليعلم بفعله ذلك أنها غير واجبة.
وهذا الباب قد اشتمل على تسعة أحاديث قد أخرجها الحسن بن سفيان في «مسنده» مفرقة سوى الثالث، وأخرج منها الإمام مسلم بن الحجاج الحديثين الأخيرين في (الحج)، وهذه المساجد لا يعرف اليوم منها غير مسجد ذي الحليفة، والمساجد التي بالرَّوحاء يعرفها أهل تلك النَّاحية.
واستفيد من صنيع ابن عمر استحباب تتبع آثار النَّبي الأعظم ﷺ والتبرك بها على الوجه الذي قدمناه.
وروى أشهب عن مالك: أنَّه سئل عن الصلاة في المواضع التي صلى فيها الشَّارع، فقال: ما يعجبني ذلك إلا في مسجد قباء؛ لأنَّه ﵇ كان يأتيه راكبًا وماشيًا، ولم يفعل ذلك في تلك المواضع.
قلت: إنَّما لم يعجبه؛ لاحتمال اعتقاد العوام ذلك واجبًا، أمَّا إذا فعل ذلك لأجل التبرك؛ فمستحب، كما لا يخفى؛ فافهم.
وزعم البغوي من الشَّافعية أنَّ المساجد التي ثبت أنَّ النَّبي الأعظم ﷺ صلى فيها لو نذر أحد الصلاة في شيء منها؛ تعين عليه كالاعتكاف فيها؛ كما تتعين المساجد الثلاثة.
واعترضه العجلوني فقال: (هو ضعيف، فقد قال الرملي وغيره: وإلحاق البغوي بمسجد المدينة سائر مساجده ﵇ مردودٌ، وبه يعلم رد إلحاق بعضهم مسجد قباء بالثلاثة) انتهى.
قلت: لم يبين وجه الرد على هذا لا من آية، ولا حديث، ولا غيرهما، فالظَّاهر عدم ضعفه، ولهذا نقله القسطلاني عنه وسلَّمه؛ لما أنَّه قول معتمد عندهم، والله أعلم.
ومذهب الإمام الأعظم ﵁: أنَّ تعيين الزمان والمكان والدرهم والفقير ملغاة، فيجوز صوم رجب عن صوم شعبان، ويجوز صلاة ركعتين بمصر نَذَر أداءهما بمكة، ويجوز التصدق بدرهم عن درهم عينه له، ويجوز الصرف لزيد الفقير بنذره لعمرو، وقال الإمام زفر: إذا عيَّن ذلك؛ تعيَّن عليه.
ويستحب أن يأتي مسجد قباء فيصلِّي فيه ويدعو، كما صرح به في «إمداد الفتاح».
وقد ذكر المؤلف المساجد التي بطرف المدينة إلى مكة، ولم يذكر المساجد التي بالمدينة؛ لأنَّه لم يقع له إسناد في ذلك على شرطه، وقد ذكر عمر بن شبه النميري في «أخبار المدينة» المساجد والأماكن التي صلى فيها النَّبي الأعظم ﷺ بالمدينة مستوعبًا لها، وقد أوضحها إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» غاية الإيضاح، وذكرها (٢) بأسانيدها؛ فارجع إليه، وقال: روى غير واحد من أهل العلم: أنَّ كل مسجد بالمدينة ونواحيها مبنيٌّ بالحجارة المنقوشة المطابقة؛ فقد صلى فيه النَّبي الأعظم ﷺ ، وذلك أنَّ عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد المدينة سأل الناس وهم متوافرون عن ذلك، ثم بناها