← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر الحُسَين بن سَلَمَة الهَمَذَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الفَأْفَاء، ح. قال ابنُ مَنْدَة: وأخْبَرَنا أحْمد (١) بن عبد الله الأصْبَهَانِيّ إجَازَةً، قالا: أخْبَرَنا ابن أبي حَاتِم (٢)، قال: أحْمَد بن عَاصِم أبو عَبْد الله الأنْطَاكِيّ، سَمِعْتُ أبي وأبا زُرْعَة يقولان ذلك، وسَمِعْتُ أبا زُرْعَة يقول: رأيتُهُ بدِمَشْق يُجَالس مَحْمُود بن خَالِدٍ. وسَمِعْتُ أبي يَقُول: أدْرَكتُه ولم أكْتُب عنهُ، كان صَاحِب مَوَاعِظ وزُهْد. أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة الله بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنا عُمَر بن عليّ بن مُحَمَّد بن حَمُوَيْه بحَلَب، ح. وأنْبَأتنا زَيْنَبُ بنتُ عبد الرَّحْمن في كتابها إلينا من نَيْسَابُور، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح عَبد الوَهَّاب بن شَاه بن أحْمَد الشَّاذْيَاخِيُّ، ح. وأنْبَأنَا أبو النَّجِيْب بن عُثْمان القَارِئ، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد القُشَيْريّ، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الكَريم بن هَوَازِن القُشَيْريّ (٣)، قال: ومنهم أبو عليّ أحْمَد بنُ عَاصِم الأنْطَاكِيّ، من أقْرَان بِشْر بن الحَارِث، والسَّرِيّ، والحَارِث المُحَاسبِيّ، كان أبو سُليْمان الدَّارانِيّ يُسَمّيهِ جَاسُوْس القُلُوب لحدَّة فراسَتِهِ. وقال أحْمَدُ بن عَاصِم: إذا طلبْتَ صَلَاحَ قَلْبِكَ فاسْتَعِنْ عليه بحفْظ لسَانكَ، وقال أحْمَدُ بن عَاصِم: قال اللهُ تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٤) ونحنُ نَسْتَزيْدُ من الفِتْنَة. أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحيم بن أبي سَعْد المَرْوَزيّ كتابةً، قال: أخْبَرَنا أبو الخَيْر جَامعُ بن عبد الرَّحمن بن إبْراهيم السَّقَّاء الصُّوْفيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد مُحَمَّد بن عَبْد العَزِيْز الصَّفَّار، قال: أخْبَرَنا أبو عبد الرَّحمن السُّلَّمِيّ (٥)، قال: أحْمَدُ بن

стр. 1017

عَاصِم، وهو أحْمَد بن عَاصِم الأنْطَاكِيّ أبو عليّ، ويُقال أبو عَبْد اللهِ؛ وهو الأصَحّ، وهو من أقْرَان بِشْرِ بن الحَارِث، والسَّرِيّ، وحَارِث المُحَاسبِيّ، ويُقال إنَّهُ رأى الفُضَيْل بن عِيَاضٍ. سَمِعْتُ أبا العبَّاس مُحَمَّد بن الحَسَن الخَشَّاب، يقول: سَمِعْتُ جَعْفَراً الخُلْدِيّ، يقول: سَمِعْتُ الجُنَيْد، وابن مَسْرُوق، والجُرَيْريّ (a)، يقُولونَ: قال أبو عَبْد الله أحْمَد بن عَاصِم الأنْطَاكِيّ: قُرَّةُ العَيْن، وسَعَةُ الصَّدْر، ورَوْحُ القَلْب، وطِيْبُ النَّفْس في أُمُور أرْبعَةٍ: الاسْتِبانَةِ للحُجَّة، والأُنْس بالأحِبَّة، والثِّقَة بالعِدَةِ، والمفايز للمناية (b). أخْبرَنا عَمّيِ أبو غَانِم، قال: أخْبَرَنا عُمَر بن عليّ الجُوَينِيّ (c)، ح. وأنْبَأتنا زَيْنَبُ الشَّعْرِيَّة، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح الشَّاذْيَاخِيّ، ح. وأنْبَأنَا أبو النَّجِيْب القَارئ، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد القُشَيْريّ، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن هَوَازِن القُشَيْريّ (١)، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخ أبو عَبْد الرَّحمن السُّلمَيّ، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن أحْمَد بن سَعيد الرَّازِيّ، قال: حَدَّثَنَا عبَّاس بن حَمْزَة، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن أبي الحَوَارِيّ، قال: قال أبو عَبْد الله الأنْطَاكِيّ: إنَّ أقلّ اليَقِيْن إذا وَصَلَ إلى القَلْب يَمْلأُ القَلْب نُوراً، ويَنْفي عنه كُلّ رَيْب، ويَمْتلئ القَلْب بهِ شُكْرًا، ومن اللهِ خَوْفاً. وقالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم القُشَيْريّ (٢)، قال: أخْبَرَنا مُحمَّد بن الحُسَين، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر مُحمَّد بن أحْمَد بن سَعيد الرَّازِيّ، قال: حَدَّثنا عبَّاس بن حَمْزَة،

стр. 1018

قال: سَمِعْتُ أحْمَد بن أبي الحَوَارِيّ، قال: سَمِعْتُ أحْمَد بن عَاصِم الأنْطَاكِيّ يقول: مَنْ كانَ باللهِ أعْرف كان له أَخْوَفَ. أنْبَأنَا عبد الرَّحيم بن أبي سَعْد، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد الحُرْضِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر المُزَكِيّ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الرَّحمن السُّلمِيّ، قال: سَمِعْتُ عبْدَ الله بن مُحَمَّد الرَّازِيّ يَحْكي عن أحْمَد بن عَاصم أنَّهُ قال: وافَقْنا الصَّالِحين في أعَمَال الجَوَارِح وخَالفْنَاهم في الهِمَم. وقال أبو عبد الرَّحْمن: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن ظاهر الوَزِيْريّ يقول: سَمِعْتُ الحَسَن بن مُحَمَّد بن إسْحاق، يقول: سَمِعْتُ سَعيد بن عُثْمان الحنَاط، يقول: حَدَّثَنَا أحْمَد ابن أبي الحَوَارِيّ يقول: سَمِعْتُ أحْمَد بن عَاصِم أبو عَبْد الله الأنْطَاكِيّ يقول: الصَّبْر هو أوَّل مقام الرِّضَا. أخْبرَنا عَمِّيِ أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَةِ الله، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح عُمَر بن عليّ بن مُحَمَّد بن حَمُّوْيَه، قال: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح عَبد الوَهَّاب بن شَاه الشَّاذْيَاخِيّ، ح. وأخْبَرَنا أبو النَّجِيْب إسْمَاعِيْل بن عُثْمان بن إسْمَاعِيْل القَارِئ، وزَيْنَبُ بنْتُ عبد الرَّحْمن في كتابيهما، قال أَبو النَّجِيْب: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد القُشَيْريّ، وقالت زَيْنَب: أخْبَرَنا الشَّاذْيَاخِيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الكَريم بن هَوَازِن القُشَيْريّ (١)، قال: وسَمِعْتُه - يعني مُحَمَّد بن الحُسَين السُّلَميِّ - يقول: سَمِعْتُ النَّصْرَابَاذِيّ يقول: سَمِعْتُ ابنَ أبي حَاتِم يقول: سَمِعْتُ عليّ بن شَهْمَردان يقول: قال أحْمَد بن عَاصم الأنْطَاكِيّ، وسُئِلَ ما عَلَامَةُ الرَّجَاءَ في العَبْد؟ قال: أنْ يكون إذا أحاط بهِ الإحْسانُ أُلْهِمَ الشُّكْر رَاجِياً لتمَامِ النّعْمَة من اللهِ عليه في الدُّنْيا، وتَمام عَفْوه في الآخِرة.

стр. 1019

أنبَأنَا أبو بَكْر عبد الله بن عُمَر، وعَبْد الرَّحمن بن عُمَر، قالا: أخْبَرَنا أبو الخَيْر القَزْوِينيّ، قال: أخْبَرَنا زَاهِر بن طَاهِر أنَّ أبَوَي عُثْمان الصَّابُونِيّ والبَحِيْرِيّ، وأبَوَي بكْر البيهَقِيِّ والحِيْرِيّ كَتَبُوا إليه: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ مُحَمَّد بن عبد الله الحافِظ، قال: سَمِعْتُ أبا إسْحاق إبْراهيم بن مُحَمَّد بن يَحْيَى يقول: أنْشَدنا مِسْعَرُ بن عليّ البَرْذَعِيّ (a)، قال: أنشَدنا عبدُ الله بن أحْمَد بن عُقْبَة الأصْبَهَانِىّ، قال: أنْشَدَنا أبو الحَسَن عليّ بن مَتُّوْيَه لأحْمَدَ بن عَاصِم الأنْطَاكِيّ (١): [من الخفيف] دَاعياتُ الهَوَى تخفُّ عَلَيْنا … وخلَافُ الهَوَى علينا ثَقِيْلُ فُقِدُ الصِّدْقُ في الأماكِنِ حتَّى … وصْفُهُ اليَوْم ما عليهِ دَلِيْلُ لا نَرى خَائفاً فَيُلزِمَنا الخَوْ … فَ ولا صَادِقاً كما قَد نَقُولُ فبَقينا مردَّدِين حَيَارَى … نطْلُبُ الصِّدْقَ ما إليهِ سَبِيْلُ أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد القَاسِم بن عليّ بن الحَسَن الحافِظُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم نَصْرُ بن أحْمَدَ بن مُقَاتِل، قال: أخْبَرَنا جَدّي أبو مُحَمَّد مُقَاتِل بن مَطَّكُوْد السُّوْسِيُّ، قال: أنْشَدَنا أبو عليّ الحَسَنُ بنُ عليّ الأهوَازِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو القَاسِم العَطَّارُ، قال: أنْشَدَنا أبو القَاسِم ابن أبي العَقَب، قال: أنْشَدَني أبو زُرْعَة الدِّمَشقيُّ، قال: أنْشَدنا أحْمَدُ بن عَاصِم الأنْطَاكِيُّ (٢): [من البسيط] هوِّنْ عليكَ فكُلُّ الأَمْر مُنْقَطِعُ … وخَلّ عنكَ عِنَانَ الهَمِّ يندَفعُ فكُلُّ هَمٍّ لَهُ من بَعْدِهِ فرجٌ … وكُلُّ هَمّ إذا ما ضَاق يَتَّسعُ إنَّ البلاءَ وإنْ طال الزَّمانُ بِهِ … فالمَوْتُ يقطَعُهُ أو سَوْفَ يَنْقَطعُ

стр. 1020

أخْبَرَنا أبو بَكْر مَنْصور بن عَبْد المنعِم بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الفَضْل الفَرَاوِيّ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا جَدُّ أبي أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن الفَضْل الفرَاوِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعاً، قال: أخْبرَنا الإمَامُ أبو سَعيد مُحَمَّد بن علي الخَشَّاب، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن الحُسَين، قال: سَمِعْتُ أبا جَعْفَر الرَّازِيّ، يقول: سَمعتُ العبَّاسَ بن حمْزَة يقول: سَمِعْتُ أحْمَد بن أبي الحَوَارِيّ، يقول: سَمِعْتُ أحْمَدَ بن عَاصِم الأنْطَاكِيّ، يقول: يَسِيْرُ اليَقِيْن يُخْرِجُ كُلّ الشَّكّ من القَلْب، ويَسِيْرُ الشَّكّ يُخْرِجُ اليَقِيْن كُلّهُ من القَلْب (١). ذِكْرُ مَنْ اسْمُ أبيْهِ العبَّاس من الأحْمَدِين أحمدُ بن العبَّاس بن أحْمَد بن الخَوَاتِمْيِي، بو العبَّاس بن أبي الفَضْل (٢) كان أبوه قاضي طَرَسُوس، وكان ابنُه من الثِّقَات الأُمَنَاء العُدُول المُؤَهَّليْن للرِّئاسَة. حَكَى عنهُ القَاضِي أبو عَمْرو عُثْمان بن عبد الله الطَّرَسُوسِيّ. قَرأتُ بخَطِّ القَاضِي أبي عَمْرو في سِيَر الثُّغُور من تأليفه، قال: وحَدَّثَني أبو العبَّاس أحْمَدُ بن العبَّاسِ بن أحْمَد الخَوَاتْيِمِيّ، وهو ابن القَاضِي، وكان ممَّن يحَتَفَّظ إذا تَكَلَّم، وبُعَدُّ من الصَّادِقين، أنَّهُ أحْصَى على أبي بَكْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن دَاوُد مُدَّة شَهْري كانون الأوَّل والآخر وعشراً من شُبَاط في كُلّ يَوْم كُسْوَة لا تُشْبه الّتي تقدَّمتها. وقَرأتُ بخَطِّ أبي عَمْرو أيْضاً، قال: تُوفِّي أبو العبَّاس أحْمَدُ بن العبَّاس بن

стр. 1021

الخَوَاتِيمْيّ أوَّل يَوْم من شَهْر صَفَر من سَنَة أرْبَعٍ وخَمْسِين وثَلاثمائة، وكان يُرْجَى ويُؤهَّل للرِّئاسَة لفَضْله ونُبْله وستْره وثِقَته وعَدَالَته، وكان أَبوه القَاضِي عَلِيلاً، فلمَّا عزَّوه بهِ، وانْصَرفَ المُعَزُّون من دَاره أُمْسكَ على لسَانِه فلم يتَكَلَّم ثلاثاً ومات.

стр. 1022

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقي (a) أحمَدُ بن العبَّاس بن عُثْمان، أبو العبَّاس الكُشَانِيُّ روَى إنْشَاداً بحَلَب عن الفَقِيهِ عليّ بن عبد الله السَّمَنْقَانِيّ، رَوَى عنهُ جَعْفَر بن الحَسَن بن أحْمَد بن عليّ أبو الفَضْل النَّيْسَابُوريّ. أخْبَرَنا أبو هاشمِ عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميُّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريِم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أنْشَدنا جَعْفَر بن الحَسَن القَارِئُ، بعَيْن أيُّوبَ إمْلاءً، قال: أنْشَدَنا أبو العبَّاس أحْمَدُ بن العبَّاسِ بن عُثْمان الكُشَانِيّ الُمْقرِئُ بحَلَبَ، قال: أنْشَدَني الفَقِيه عليُّ بن عبد الله السَّمَنْقَانِيّ لنفسِه: [من الكامل] الدَّمْعُ ينْطقُ واللِّسَانُ كَتُومُ … والصَّبْرُ ناءٍ والغَرَامُ مُقِيمُ والقَلْبُ مِن أَلِم الفِرَاقِ مُرِوَّعٌ … فيهِ لهجْرَانِ الحبِيْبِ كُلُومُ ولنا على خَلَلَ المَنَازلِ وقْفةٌ … منَّا البُكاَءُ ومنهُمُ التَّسْلِيْمُ فنُفَاوضُ الشَّكْوَى بكَسْرِ جُفُونِنا … خَوْفَ الرَّقِيبِ وسِرُّنا مَكْتُومُ أحْمدُ بن العبَّاس بن عليّ بن نُوْبَخْت كاشبُ أبي بَكْر مُحَمَّد بن رَائِق، كان في صُحْبَة أبي بَكْر بن رَائِق حين وَصَل إلى حَلَب وَاليًا عليها في سَنَة ثمانٍ وعشرين وثَلاثِمائة، ومَدَحَهُ أبو الفَرَج عليّ بن

стр. 1023

أبي بَكْر بن العَلَاف بحَلَب بأبْياتٍ أوَّلها: [من الخفيف] غَادِني يا غُلَامُ بالبابليِّ وكان ابن نُوْبَخْت فَاضِلاً أَدِيباً، وكاتباً أريْباً، وله رَأي ثَاقِب، وتَدْبِير حَسَنٌ صَائبٌ، وقد ذكَرنا دُخُوله حَلَب في تَرجَمَةِ عليّ بن الحَسَن بن العَلَّاف (١). مَنْ اسْمُ أبيْهِ عبْد الله من الأحْمَدِين أحْمَدُ بن عَبْد الله بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن الحُسَين، أبو نَصْر بن أبي مُحَمَّد بن أبي العبَّاسِ المَاسَرْجِسِيُّ المُطَّوّعيُّ (٢) كان كَثِيْر الغَزْو والجِهاد، وخَرَج إلى طَرَسُوس مُجَاهِداً، فتُوفِّي بعد دُخُوله إلى الشَّام وهو مُتَوَجِّه إليها بأعْمَال حَلَب. وذكَرَهُ أبو عَبْد الله الحاكِم في تاريخ نَيْسَابُور (٣)، بما أخْبَرَنا به أبو بَكْر عبد الله بن عُمَر بن عليّ بن الخَضِر القُرَشِي، وعَبْد الرَّحمن بن عُمَر الغَزَّال في كتابيهما، قالا: أخْبَرَنا أبو الخَيْر القَزْوِينيّ، قال: أخْبَرَنا زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّامِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبَوَا بَكْر البَيْهَقِيّ والحِيْرِيّ، وأبَوَا عُثْمان الصَّابُونِيّ والبَحِيْرِيّ، فيما أذنوا لنا فيه، قالوا: أخْبَرَنا الحاكِم أَبو عَبْد الله الحافِظ، قال: أحْمَدُ بنِ عبد الله بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن الحُسَين، أبوِ نصْر بن أبي مُحَمَّد بن أبي العبَّاسِ المَاسرْجِسِيِّ، ابن ابنه الحَسَن بن عِيسَى بن مَاسرْجِس، وكان من المُطَّوِّعَةِ الكَثِيْري الجِهادِ. سَمِعَ جَدَّهُ أبا العبَّاس، وأباهُ، وعَمّه أبا أحمد، وأبا أحْمَد والد الحُسَين، وغيرهم من أهل بَيْتِه، وسَمِعَ أبا بَكْر مُحَمَّد بن إسْحاق، وأبا العبَّاس السَّرَّاج وأقْرَانهما.

стр. 1024

تُوفِّي أبو نَصْر المَاسَرْجِسِيّ في مُتَوَجّهِهِ إلى طَرَسُوس، وخرّجت له الفَوَائِد عند خُرُوجهِ إلى طَرَسُوس سَنَة إحْدَى وخَمْسين وثَلاثِمائة، وفيها تُوفِّي بالشَّام. أحْمدُ بن عَبْد الله بن أحْمَد المَرْعَشِيُّ، أبو الحَسَن حَدَّثَ عن أبي القَاسِم عبد الله بن مُحَمَّد بن عَبْد العَزِيْز البَغَوىِّ، رَوَى عنهُ القَاضِي أبو بَكْر مُحَمَّد بن يُوسُف بن الفَضْل الجُرْجَانِيّ. أخْبَرَنا أبو بَكْر القاسِم بن أبي سَعْد بن أبي حَفْصٍ الصَّفَّار في كِتَابِهِ إليْنَا من نيسَابُور، قال: أخْبَرَنا جَدِّىِ أبو حَفْص عُمَر بن أحْمَد بن مَنْصُور الصَّفَّار، وأُخْتُه عائِشَة، قالا: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ بن عبْد الله بن عُمَيْر بن خَلَف الشِّيْرَازيّ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو بَكْر مُحَمَّد بن يُوسُف بن الفَضْل الجُرْجَانِيّ - قَدِمَ علينا رَسُولاً - قال: حَدَّثني أبو الحَسَن أحْمَدُ بنُ عبد الله بن أحْمَد المَرْعَشِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم عبدُ الله بن مُحَمَّد بن عَبْد العَزِيْز البَغَويّ، قال: حَدَّثَنَا طَالُوتُ بن عبد الله الجَحْدَرِيّ، قال: حَدَّثَنَا حَمَّاد بن سَلَمَة، عن عَاصِم، عن أبي الأحْوَصِ، عن عبد اللهِ، قال: أتَى رَجُل إلى رسُول اللهِ ﷺ ، فقال: أخْبرني عن شَهد الله بماذا شهد رَبُّنا؟ فعَال النَّبِيّ ﷺ : لمَّا خَلَق اللهُ اللَّوْحَ وسمَّاهُ مَحْفُوظاً جَعل دَفَّتَيْه من يَاقُوتَة حَمْرَاء، ثمّ خَلَق اللهُ القَلَمَ من لؤلُؤة رطبةٍ، مَشْقُوق شَفَته، يَسْتَمدُّ من غير أنْ يُسْتَمَدّ، وأقام بإزاءِ عَرْشه، وأراد منهُم الإقْرار، فقال لهم: مَنْ أنَا؟ فقالوا: أنتَ اللهُ، لا إله إلَّا أنْتَ، وحْدَك لا شَرِيك لكَ، فأمَرَ اللهُ القَلَم: اكتُب شَهِدَ، الله أنَّهُ لا إله إلَّا هُوَ، ثمّ خَلَق اللهُ المَلائِكَةَ بعلمِهِ لا يَعْلم عددَهُم إلَّا اللهُ، وأراد منهُم الإقْرار، فقال لهم: مَنْ أنا؟ فقالوا: أنْتَ الله، لا إله إلَّا أنْتَ، وحْدَك لا شَرِيك لكَ، فأمَرَ اللهُ القَلَم: اكتُب والمَلائِكَة، فكتب القَلَم والمَلائِكَة ثمّ وقَفَ، وخَلَق اللهُ آدَم ﵇، وسَمَّاهُ أبا

стр. 1025

البَشَر، وخَلَق ذُرِّيَتَهُ على مثال الذّر، وأقامهُم بإزاءِ عَرْشهِ، وأرادَ منهم الإقْرار، فقال لهم: مَنْ أنا؟ فقالوا: أنتَ الله، الّذي لا إله إلَّا أنْتَ، وحْدَك لا شَرِيك لكَ، فأمرَ اللهُ القَلَم: اكتُب: وأُولوا العِلْم قائماً بالقِسْط لا إله إلَّا هو العزيز الحَكِيم. أحمدُ بن عبْد الله بن إسْحاق، أبو الحَسَن - وقيل: أبو الحُسَين - الخَرْقِيُّ (١) كانَ له اخْتصَاصٌ بالمُتَّقِيّ لله قبل أنْ يَلي الخِلَافَة فلمَّا وليها خلع عليه، ووَلَّاهُ قضَاءَ مِصْر والشَّامات جميعها والحَرَمَيْن، ومرَّ في الشَّارِع والجَيْش مَعَهُ، وكان المُتَّقِيّ يُشَاركه في الرَّأي ويَقْبلِ مَشُورته، وسيَّرهُ في رَسَائِلِ عِدَّة، منها أنَّهُ كان قَدِمَ مع المُتَّقِىّ إلى الرَّقَّة حين قَدِمَها وقد جَرَى ما جرى مع تُوْزون، فسَيَّره المُتَّقِيّ رَسُولاً إلى حَلَب إلى الإخْشِيْذ أبي بَكْر مُحَمَّد بن طُغْجِ، فقَدِمَ عليه حَلَب يَسْأله أنْ يَسِيْر إليهِ ليجتَمعِ معهُ بالرَّقَّةِ ويُجدِّد العَهْد بهِ، ويَسْتَعين به على نُصْرته ويَقْتبس من رأيهِ، ولمَّا وَصَلَ أبو الحَسَن إلى حَلَب، تَلَقَّاهُ الإخْشيْذ، وأكْرمَهُ، وأظْهرَ السُّرُور والمِقَةَ (٢) بقُرْب المُتَّقِيّ، وسارَ الإخْشِيْذ إلى المُتَّقِيَّ إلى الرَّقَّة، فأكْرمَهُ وكَنَّاهُ، وخاطبَهُ بأبي بَكْر، وَسَنَذْكُر ذلك في تَرْجَمَةِ الإخْشِيْذ (٣) إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى. أنْبَأنَا أبو رَوْح عَبْد المُعِزّ الهَرَويّ، عن زَاهِر بن طَاهِر، قال: أنْبَأنَا أبو القَاسِم البُنْدَار، عن أبي أحْمَد المُقْرئ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الصُّوْلِيّ (٤) إجَازَةً،

стр. 1026

قال في حَوَادِث سَنَة ثلاثين وثَلاثِمائة: وصُرِفَ القُضَاةُ عن الجانبَبن ببَغْدَاد، وتقَلَّد القَضَاء بهما أبو الحُسَينِ أحْمَد بن إسْحاق الخَرْقِيّ لأرْبعٍ (a) بَقِينَ من شَهْر رَبِيع الآخر، وخُلعَ عليه في يَوْم خَمِيْسٍ، ونَزَلَ في جامِع الرُّصَافَة، وقرأ عَهْدَهُ. وقال أبو بَكْر الصُّوْلِيّ (١) في حَوَادِث سَنَة ثَلاثٍ وثَلاثين وثَلاثمائة، قال: ووجَّه المتقى لله أحْمَد بن عبد الله في إسْحاق القَاضِي من الرَّقَّة إلى الأَمِير تُوْزُون ليُؤكِّد الأَيْمان عليه ويُجَدِّدَها، ووافَقَهُ على شَرائط اشْتَرَطها عليه المُتَّقِيّ لله، وأشْهد عُدُولَهُ عليه ووُجُوهَ الهاشِميِّيْن أصْحَاب المَرَاتِب الّذين يَصِلونَ إلى السُّلْطان أيَّام المَوْكب، ويقدَّمُونَ القُضَاةَ والعَالمَ في السَّلام، ويَسْمَعُون أيْمانَهُ، وما عملت (b) له منها ممَّا يُطوقون رقَبته، فوصَل القَاضِي إلى بَغْدَاد يَوْم الخَمْيِس لأرْبَعٍ خَلَوْنَ من صَفَر سَنَة ثَلاثٍ وثَلاثين وثَلاثِمائة، ففعَل جميع ما تقدَّم بهِ إليه المتَقِيّ للهِ، وكان قد وجَّه معَهُ بخِلَعٍ وطَوْق من ذَهَبٍ ليخلعَهَا على الأَمِيرِ تُوْزُون إذا فَرغ ممَّا بينَهُ وبينَهُ، ففَعَل هذا كُلّهُ إلَّا أمْر الخِلَعَ فإنَّهُ دَافع عنْهُ. قال (٢): وتحدَّث النَّاسُ بمَجيء الخَلِيفَة إلى هِيْت، وخرَج القَاضِي إليه، وعرَّفَهُ جميعَ ما جَرَى، وطيَّب نَفْسَه، وسكن إلى ذلك، ورَجَعَ القَاضِي إلى الأَمِير تُوْزُون فعرَّفه ما صَنَعَ، فدَخَلَ بَغْدَاد للنِّصْف من صَفَر، ثمّ ذكَر قبضَ تُوْزُون على المُتَّقِّي لله، وأنَّهُ كحلَهُ. قال: وعَبَرَ تُوْزُون مع المُسْتَكْفِي بالله يَوْم الأَحَد لاثْنَتي عَشرة لَيْلَة خَلَتْ من صَفَر، ونزَل بباب الشَّمَّاسِيَّةِ، وقبضَ على أبي الحُسَين عليّ بن مُحَمَّد بن مُقْلَة وَزِير المُتَّقِيّ، وعلى القَاضِي الخَرْقِيّ، وعلى جَمَاعَة معهم.

стр. 1027

قال: وحَمَل القَاضِي الخَرْقِيّ إلى دار ابن شَيْرَزاد ليُؤدِّي ما بقي عليهِ من مالِ مُصَادرته الّتي فُورق عليها (a). أحمَدُ بن عَبْد اللهِ بن الحَسَن القَاضِي، أبو الفَضْل الأنْطَاكِيُّ من الرُّؤَسَاء، وأُولي الهَيْآتِ، والمُمَدَّحين بأنْطَاكِيَة، ومَدْحُ المُتَنَبِّي فيه يَدُلُّ على فَضْله وسَعَة عِلْمهِ. أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد عَبْدُ العَزِيْز بن مَحْمُود بن الأخْضَر، قال: أخْبَرَنا الرَّئِيسُ أبو الحَسَن عليّ بن عليّ بن نَصْر بن سَعيد، قال: أخْبَرَنا أبو البَرَكَات مُحَمَّد بن عبد الله بن يَحْيَى، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أَيُّوب بن الحُسَين، قال: أنْشَدَنا أبو الطَّيِّب أحْمَد بن الحُسَين المُتَنَبِّي لنَفْسِه، يَمْدحُ القَاضِي أبا الفَضْل أحْمَد بن عبد الله بن الحَسَن الأنْطَاكِيّ (١): [من الكامل] لكِ يا مَنازلُ في القُلُوب مَنَازلُ … أَقفَرْتِ أنْتِ وهُنّ منكِ أَوَاهِلُ قال فيها: جَمَحَ الزَّمانُ فلا لَذِيذٌ خالِصٌ … ممَّا يَشُوْبُ ولا سُرُورٌ كَامِلُ حتَّى أبو الفَضْل بنُ عَبْدِ اللهِ رُؤْ … يتُهُ المُنَى وهيَ المَقَامُ الهَائِلُ مَمْطُورَةٌ طُرقي إليهِ ودُوْنَها … من جُوْدِهِ في كُلِّ فَجٍّ وَابِلُ مَحْجُوبةٌ بِسُردَاق من هَيْبَةٍ … يثْنِي (b) الأزمةَ والمطِيُّ ذَوَامِلُ للشَّمْس فيهِ وللرِّياح وللسَّحا … بِ وللبِحَار وللأُسُودِ شَمَائِلُ ولَدَيهِ مِلْعِقْيَان والأدَبِ المُفَا … دِ ومِلْحَيَاةِ ومِلْمَمَاتِ مَنَاهِلُ

стр. 1028

لو لَم تُهَبْ (a) لجَبُ الوُفُود حَوَالَهُ … لسَرَى إليهِ قَطا الفلَاةِ النَّاهِلُ يَدْري بما بِكَ قَبْلَ تُظهرُهُ له … من ذِهْنِهِ ويُجِيبُ قَبْلَ تُسَائِلُ وتَراهُ مُعْترضاً لها ومُوَالِياً (b) … أحْدَاقُنا وتحارُ حين تُقَابِلُ (c) كَلِمَاتهُ قُضُبُ وهُنَّ فَوَاصِلٌ … كُلُّ الضَّرائب تَحْتَهنَّ مَفَاصِلُ هَزَمَتْ مكَارمُهُ المَكَارِمَ كُلَّها … حتَّى كأنَّ المكْرُماتِ قَبائِلُ وقَتلن دفْراً (٤) والدُّهَيْمَ فما تَرَى … أُمُّ الدُّهَيْم وأُمُّ دَفر هَائِلُ (e) عَلَّامَةُ العُلَمَاءَ واللُّجُّ الّذي … لا يَنْتهي ولكُلّ لُجّ سَاحِلُ لو طَابَ مَوْلدُ كُلِّ حَيٍّ مِثْلَهُ … وَلَدَ النِّسَاءُ وما لَهُنَّ قَوَابِلُ لو بانَ بالكَرَم الجنَين بنانَهُ … لدَرَت بهِ ذَكَراً أَم أُنثى الحامِلُ ليزدْ بنو الحَسَن الشِّرَافُ تَواضُعاً … هَيْهات تُكْتَم في الظَّلَام مَشَاعِلُ ستَرُوا النَّدَى سَتْر الغُرَاب سفَادَهُ … فبَدَا، وهَل يخفى الرَّبابُ الهَاطِلُ أحمدُ بنُ عبد اللهِ بن حَمْدُون بن نُصَيْر بن إبْراهيم، أبو الحَسَن الرَّمْليّ المَعْرُوف بالجِبرْيْنيِّ (١) أَظُنُّ أنَّ أصْلهُ من بَيْت جِبْرِين، وسكَنَ الرَّمْلَة. سَمِعَ بحَلَب أبا بَكْر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أبي إِدْرِيس إمَام جَامِعها، وبأنْطَاكِيَة أبا بَكْر مُحَمَّد بن الحَسَن بن فِيْل، وحَدَّثَ عنُهما، وعن أبي مُحَمَّد عبد الله بن أَبَان بن شَدَّاد العَسْقَلانِيّ، وأبي الفَضْل عبَّاس بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن قُتَيْبَة،

стр. 1029

وأبي هاشِم مُحَمَّد بن عَبْد الأعْلَى بن عُلَيْل الإمَام، وأبِي الحَسَن دَاوُد بن أحْمَد بن مُصَحِّح العَسْقَلانِيّ، وأبي الحَسَن مُحَمَّد بن بَكَّار بن يَزِيد السَّكْسَكِيّ الدِّمَشقيّ. رَوَى عنهُ عَبدُ الوَهَّاب بن جَعْفَر الميدانيّ، وتَمَّام بن مُحَمَّد الرَّازِيّ (a). أحْمَدُ بن عبد الله في سَابُور بن مَنْصُور الدَّقَّاقُ، أبو العبَّاس البَغْدَادي السَّابُورِيُّ (١) مَنْسُوبٌ إلى جَدِّه سَابُور، قَدِمَ حَلَب وسَمِعَ بها أبا نُعَيْم عُبيد بن هِشَام، وبَرَكَة بن مُحَمَّد الحَلَبِيَّيْن وحَدَّثَ عنهُما، وسَمِعَ بغيرها أبا بَكْر بن أبي شَيْبَة، وعبد الله بن أحْمَد بن شَبُّوَيْهَ، وسُفْيان بن وَكِيع ووَاصِل بن عَبْد الأعْلَى الكُوْفيّ، ونَصْر بن عليّ الجهضَمِيّ، ومُحَمَّد بن أبي نُوح قُرَاد. رَوَى عنهُ أبو الحُسَين مُحَمَّد بن المُظَفَّر بن مُوسَى الحافِظ، وأبو عُمَر بن حَيَّوْيَه، وأبَوَا بَكْر الأبْهَرِيُّ وابن المُقْرِئ، وعُمَر بن مُحَمَّد بن سَبَنْك (b)، وأبو مُحَمَّد عَبْدُ العَزِيْز بن الحَسَن بن عليّ بن أبي صَابر. أخْبَرَنا أبو إسْحاق إبْراهيم بن عُثْمان الكَاشْغَرِيّ في كتابهِ، وقَرَأتُ عليهِ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن صالح بن شَافِع الجِيْلِيّ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو

стр. 1030

عَبْدِ اللّه مُحَمد بن عبد اللّه بن مُحمد بن البيضَاويّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين المبُارَك بن عَبْدِ الجبَّار بن الطُّيُورِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَد الحَسَنُ بن عليّ الجوهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين مُحَمدُ في المُظَفَّر بنِ مُوسىَ الحافِظُ، قال: حَدَّثَنا أحْمَدُ بنُ عبْد اللّهِ بن سَابُور الدَّقَّاق، قال: حَدَّثنا برَكة بن مُحَمد بحَلَب، قال: حدَّثَنَا يُوسُف بن أسْبَاط بن وَاصِل الشَّيْبَانِيّ، عن سُفْيان بن سَعيد، عن خالِد الحذَّاءِ، عن ابن سِيرين، عن أبي هُريرَة (١): أنَّ النَّبي ﷺ جَعَل الاسْتِنْشَاق والمَضْمَضَة للجنُب ثلاثاً فَرِيْضَة. أخْبَرَنا أبو الحجَّاج يُوسُف بن خليل بنْ عبد اللّهِ الدِّمَشقيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُسْلم المُؤيَّد بن عبد الرَّحيم بن الإخْوَة وصاحِبتُهُ عَيْن الشَّمْس، قالا: أخْبَرَنا أبو الفَرَج سَعيد بن أبي الرَّجَاء الصَّيْرَفِيّ -قالت: إجَازَةً- قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِرْ أحْمَد بن محُمود الثَّقَفِىّ، وأبو الفَتْح مَنْصُور بن الحُسَين، قالا: أخْبَرَنا أبو بَكْر محمد بن إبراهيم بن عليِّ المقرِئ، قال: حَدَّثَنَا أبو العباس أحمَد بن عبد اللّه بن سابُور الدَّقَّاق، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْم الحلبيّ، قال: حدَّثنا المُعْتَمِر بن سُلَيمان، عن ليث بن أبي سُلَيم، عنِ مُجَاهِد أنَّ ابن عبَّاس -قال: سمِعْتُه عن عليٍّ- قال: ألَا أُخْبركمِ بخير النَّاسِ بعد رسُول اللّه ﷺ ؟ قالوا: بَلَى، قال: أبو بَكْر وعمَر ﵄. أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمد بن طَبَرْزَد، قِراءَةً عليهِ وأنا أسمعُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسم عليّ بن طَرَّاد بن مُحَمَّد الزَّيْنَيّ، ح. قال ابنُ طَبرزَد: وأخْبَرَنا أبو القَاسِم بن السَّمَرْقنديّ وابن المُجْلِي، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعاً منهما أو من أحَدِهما، قالوا: أخْبَرَنا أبو القَاسم إسمَاعِيْل بن مَسْعَدَة الإسمَاعِيْليّ، قال: قُرئ على حَمْزَة بن يُوسُف السَّهْمِيّ وأنا حاضِرٌ أسمعُ، قال:

стр. 1031

سَألتُ أبا الحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ عن أبي العبَّاسِ أحْمَد بن عبدِ اللّه بن سَابُور الدَّقَّاق فقال: ثِقَةٌ. أخبَرَنا أبو اليمْن زَيْد بنْ الحَسَن بن زَيد الكِنْدِيّ، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخبَرَنا أبو مَنْصور عبد الرَّحْمن بن مُحَمد بن زُرَيْق، قال: أخبرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ بن ثَابِت (١)، قال: أحْمَد بن عبد اللّه بن سَابُور بن مَنْصُور، أبو العبَّاس الدَّقَّاق، سَمعَ أبا بَكْر بن أبي شَيْبَة، وِأبا نُعَيْمِ عُبَيْد بن هِشَام، وبركَة بن مُحَمد الحلبِيَّين، وعبد اللّه بن أحْمد بن شَبُّويْهَ المَرْوزيّ، وسُفْيان بن وَكِيع بن الجرَاح، ونَصْر بن عليّ الجهضَمِيّ، ووَاصِل بن عَبْد الأعْلَى الكُوْفيّ. رَوَى عنهُ عمر بن مُحَمَّد بن سَبَنْك (a)، وأبو عمر بن حَيَّوْيَه، وأبو بَكْر الأبهَرِيّ الفَقِيهُ، وغيرُه. وقال الخَطِيبُ (٢): أخبَرَني الأزْهَريّ، قال: قال لنا مُحَمد بن العبَّاس الخزَّازُ: ماتَ أبو العبَّاس أحْمَد بن عبد اللّه بن سَابور الدَّقَّاق يَوْم السَّبْت بالعَشيّ، ودفِنَ يَوْم الأَحد ضَحوَة لعَشرٍ بَقِينَ من المحرَّم سَنَة ثلاث عَشرة وثَلاثِمائة. أنبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن المُفَضَّل المَقدِسِيّ، قال: أخبَرَنا الحافِظُ أبوِ طَاهِر أحْمَدُ بن مُحَمد بن أحْمَد السِّلَفِيّ الأصْبَهَانِيّ، قال: أخبَرَنا أبو الحُسَين المُباركُ بن عَبْد الجبَّار الصَّيْرَفِيّ -قرأتُ عليه من أصْل ابن الفُرَات- قال: قَرأتُ على أبي إسْحاق إبراهيم بن عمَر البرمَكيِّ: أخْبَركم أبو الحَسَن مُحَمَّد بن العبَّاس بن الفُرَات في كتابهِ، قال: قُرئ على أبي عَبدِ اللّه مُحَمد بن مخلَد ونحن نَسمعُ فأقَرَّ به وقال: نعم، قال: سَنَة ثلاث عَشرة وثَلاثِمائة، فيها ماتَ أبو العبَّاسِ أحْمَد بن عبد اللَّه بن سَابُور الدَّقَّاق في المحرَّم. وأنبأنَا حَسَن بن أحْمَد الأَوَقيّ، قال: أخبرَنا السِّلَفيّ، قال: أخبرَنا المُبارَك بن

стр. 1032

عَبْد الجبَّار، قال أخبَرَنا أبو الحَسَن الحَرْبِيّ، قال: أخبَرَنا أبو مُحمد الصَّفَّار، قال: أخبَرَنا عَبْد البَاقِي بن قَانع، قال: سَنَة ثلاث عَشرة وثَلاثِمائة، أبو العبَّاس بن سَابُور الدَّقَّاق في المحرَّم، يعني ماتَ. أحمدُ بن عَبْد اللّه بن سُلَيمان بن مُحَمد بن سُلَيمان بن أحْمَد بن سُلَيمان بن دَاوُد بن المُطَهَّر بن زِيَاد بن رَبيْعَة بن الحَارِث بن رَبيْعَة بن أنْوَر بن أرْقَم بن أسحَم -وقيل: أنوَر بن أسحَمِ- ابن النُّعمان، وهو السَّاطع بن عَدِيّ بن عَبْد غَطَفَان بن عمرو بن بَريح بن جَذِيْمَة بن تَيم اللَّات -وهو مجتَمع تَنُوخ- ابن أسَد بن وبرة بن تَغْلِب بن حلْوَان بن عِمْران بن الْحاَف بن قُضاعَة بن مَالِك بن عمْرو بن مُرَّة بن زَيْد بن مَالِك بن حِمْيَر -وهو العَرَنْجج (a) - بن سَبأ بن يشجُب بن يعرب بن قحطَان بن عَابَر، وهو هود ﵇، أبو العَلَاءَ بن أبي مُحَمد التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ (١) قرأ النَّحو واللُّغَةَ على أبيهِ أبي مُحَمد عَبْد اللّه بمَعَرَّة النُّعْمَان، ومُحَمد بن عبد اللّه بن سَعْد النَّحْوِيّ بحَلَب.

стр. 1033

وحَدَّثَ عن أَبيه أبي مُحَمد عبد اللّه بن سُلَيمان بن مُحَمد [بن سُليمان] (a) بن محمد، وجَدّه سليمان بن محمد، وأبي الفتح محمَّد بن الحسن بن روح، ويحيى بن مِسْعَر أبي زكَرِيَّاء وأخوَيْهِ أبي المَجد مُحَّمد وأبي الهَيْثَم عَبْد الوَاحد ابني عَبْد الله، وأبي الفَرَج عبد الصَّمَد بن أحْمَد بن عبد الصَّمَد الفَقيه الضَّرِيْر الحْمِصيّ، وأبي عبد اللّهِ محمد بن يوسف الرَّقِّيّ المعروف بابنِ كَرَاكير، وأبي بكر محمد بن عبد الرَّحْمن بن عمْرو بن عبد الرَّحيم الرَّحبيّ، والقَاضي أبي عمْرو عُثْمان بن عبد اللّه الطَّرَسُوسيِّ قاضي مَعَرَّة النُّعْمَان، وجَدّته أمّ سَلمة بنت الحَسَن بن إسحاق بن بُلْبُل. ورَحلِ إِلى بَغْدَاد سَنَة ثمان وتِسعِين وثَلاثمائة، ودَخلها سَنَةَ تسعٍ وتِسعِين وثَلاثِمائة، وسمع بها أبا الحَسَن عليّ بن عِيسَى الرَّبَعيِّ، وأبا أحْمَد عَبْد السَّلام بن الحُسَين البَصْرِيّ المَعْرُوف بالوَاجْكا. وقرأ عليه ببَغْدَاد أبو القَاسِم التَّنُوخِيّ، وابن فُوْرَجَة، ورَوَى عنهُ أبو زكَرِيَّاء

стр. 1034

يَحْيَى بن عليّ الخَطِيب التبِرْيزيّ، وأقام مُدّة بالمَعَرَّهَ يقرأ عليه، وأبو المكارِم عبد الوارِث بن محمد بن عبد المنعِم الأبْهَرِيّ، وأبو محمد الحسن بن علي بن عُمَرَ المعرُوف بقَحْف العِلْم، وابن أخيهِ القَاضِي أبو مُحَمد عبد اللّه بن مُحَمَّد قاضي مَعَرَّة النُّعْمَان، وابنُهُ أبو المجد مُحَمد بن عبد اللّهِ بن مُحَمد، والشَّيْخ أبو الحُسَين عليِّ بن مُحَمد بن عَبْد اللَّطِيْف بن زُرَيْق المَعَرِّيّ، وابنُهُ أبو الفَضْل أحْمَد بن عليّ، روَى عنهُ سَبْعة أجْزاءٍ من حديث أبي العَلَاءَ عن شُيُوخه، وأبو الحَسَن يَحْيَى بن عليّ بن عَبْد اللَّطِيْف بن زُرَيق، وجَدُّ جَدِّي أبو الفَضْل هِبَةُ اللّه بن أحْمَد بن يَحْيَى بن أبي جَرَادَة، وأبو مُحَمَّد عبدُ اللّه بن مُحَمد بن سَعيد بن سنَان الخفاجِيّ الحَلَبِيَّان، والقَاضِي أبو الفَتْح ابن أحْمَد بن أبي الرُّوْس السَّرُوجِيَّ، والخلَيل بن عَبْد الجبَّار بن عبد اللّه التمِّيْمِيّ القُرَّائيّ، وعُثْمان بن أبي بَكْر السَّفَاقُسِيّ المغرِبيّ، وأبو التّمَّام غَالِبُ بن عِيسَى بن أبي يُوسُف الأنْصَاريُّ الأنْدَلُسِيُّ، وأبو الخَطَّاب العَلَاءُ بن حَزْم الأندَلُسِيّ، وأبو الحَسَن عليّ ابن أخيهِ أبي المجد بن عبد اللّه بن سُلَيمان، وزَيْد ابن أخيهِ أبي الهَيْثَم عَبْد الوَاحد، وأبو غَالبِ هَمَّام بن الفَضْل بن جَعْفَر بن المُهَذَّب، وأبو صالح مُحَمَّد بن المُهَذَّب بن عليّ بن المُهَذَّب، وأبو اليَقْظَان أحْمَد بن مُحَمد بن أبي الحَوَارِيّ، وأبو العبَّاس أحْمَدُ بن خلَف المُمْتع، وابن أُخْته إبْراهيم بن الحَسَن البَليغْ، ومُحَمد بن الخَضِر المَعْرُوف بالسَّابِق بن أبي مهزُول، وأبو الفَضْل بن صالح المَعَرِّيُّون، والقَاضِي أبو القَاسِم المحسِّن بن عَمْرو التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ، وأبو القَاسِم عُبَيْدُ اللّه بن عليّ بن عبد اللّهِ الرَّقِّيّ الأدِيب، وأبو الحَسَن رَشَاء بن نَظِيف بن مَا شَاءَ اللّهُ، وأبو نَصْر مُحَمد بن مُحَمد بن هُمَيْماه السَّالَار، وأبو الحَسَن الدُّلَفيّ الشَّاعرُ المِصِّيْصيُّ، وأبو سَعْد إسْمَاعِيْل بن عليّ السَّمَّانُ، وأبو الوَلِيد الدَّربندِيُّ، وأبو طَاهِر مُحمَّدُ بن أحْمَد بن أبي الصَّقْر الأنْبارِيّ، وأبو عَبْد اللّه مُحَمد بن مُحَمد بن عبد اللّهِ الأصبَهَانيّ، وأبو الفَرَج مُحَمدُ بن أحْمَد بن الحَسَن التَبِرْيزيّ، وأبو المُظَفَّر إبْراهيم بن أحْمَد بن اللَّيْث الأذْرِيّ.

стр. 1035

وكُتَّابه الّذين كانوا يَكْتُبون مُصنَّفاته وما يُمليه: أبو الحَسَن عليّ بن عُبَيْد اللّه بن أبي هاشِم، وابنه أبو الفَتْح مُحَمد بن عليّ، وجَعْفَر بن أحْمَد بن صالح، وأبو إسحاق إبراهيم بن عليّ بن إبراهيم الخَطِيبُ القَارِئ. وكان خَشن العَيْش، قَنُوعاً من الدُّنْيا بمِلْكٍ ورثَهُ من أبيهِ، والنَّاس فيه مُخْتلفُونَ على مَذْهَبين؛ منهِم مَنْ يقُول إنَّهُ كان زِنْدِيقاً مُلْحِداً، ويَحْكُون عنه أشياء تَدُلُّ علِى كُفْره، ومنهم منْ يقُول إنَّهُ كان على غايةٍ من الدِّين والزُّهْد، وأنّه كان يأخذ نفسَه بالرِّيَاضَة والخشُونَة وظَلَف العَيْش، وأنَّهُ كان مُقْتَنِعاً بالقليل، غير رَاغِب في الدُّنْيا، وسأُوْرد من قَوْل كُلّ فَريق ما فيهِ كِفَايَة ومَقْنع. وقد أفْرَدْتُ كتاباً جَامِعًا في ذكْره، وشَرَحْتُ فيه أحْوَاله، وتبيَّنتُ وَجْه الصَّوَاب في أَمره، وَسمْتُه بدَفع الظُّلْم والتَّجَرِّي عن أبي العَلَاء المَعَرِّيّ (١)، فَمن أرادَ مَعْرفَة حَقِيْقَة حالِه فليَنْظر في ذلك الكتاب، فإنَّ فيه غُنْيَة في بيان أمره، وتَحْقيق صحَّة اعْتقاده، وعُلو قَدْره إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى. أخبَرَنا أبو عَبْد اللّهِ مُحَمد بن أبي المَعَالِي بن البنَّاءِ البَغْدَاديّ بدمَشْق، وأبو سَعْد ثَابِتُ بن مُشَرَّف بن أبي سَعْد البنَاءُ البَغْدَاديّ بحَلَب، قالا: أخبَرَنا أبو بَكْر مُحَمدُ بن عُبَيْد اللّه بن نَصْر بن الزَّاغُونِيّ، قال: حدَّثَنَا أبو طَاهِر مُحَمد بن أحْمَد بن أبي الصَّقْر الخطِيبُ الأنْبارِيُّ (٢)، من لفظه، قال: أخبَرَنا أبو العَلَاء أحْمَد بن عبد اللّهِ بن سُلَيمان التَّنُوخِيّ، بقراءتي عليهِ في دَاره بمَعَرَّة النُّعْمَان، قال: حدَّثني أبو زَكَريَّاء يَحْيَى بن مسْعَر التَّنُوخيّ المَعَرِّيّ، قال: حدَّثنَا أبو عَروبَة بن أبي مَعْشر الحرانيّ، قال: حدَّثَنَا هَوْبَر، قال: حَدَّثَنَا مَخْلَد بن عِيسى الخيَّاط، عن أبي الزَّنَادِ،

стр. 1036

عن أنَس بن مالِك، عن النبَّي ﷺ أنّهُ كان يقُول: إنَّ الحَسَد ليأكُل الحَسَنات، كما تَأكُل النَّار الحَطَبَ، وإنَّ الصَّدَقَة تُطْفِئ الخطيئَةَ، كما يُطْفِىُء الماءُ النَّار، فالصَّلاةُ نُور المُؤْمِن، والصِّيَامُ جُنَّة من النَّار. قَرأتُ بخَطِّ أحْمد بن عليّ بن عَبْد اللَّطِيْف المَعَرِّيّ: ووُلد -يعني أبا العَلَاء- يَوْم الجُمُعَة عند غروب الشَّمْس لثلاثة أيَّامٍ مَضَتْ من شهر رَبيع الأوَّل سنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وثَلاثِمائة. وقَرأتُ في تاريخ جَمَعهُ أبو غَالِب هَمَّام بن الفَضْل بن جَعْفَر بن عليّ بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ التَّنُوخيّ (١)، قال: سنَة ثَلاث وستِّين وثَلاثِمائة، فيها وُلد الشَّيْخِ أبو العَلَاء أحْمَد بن عبد اللّه بن سُلَيمان المَعَرِّيّ التَّنُوخيّ، يَوْم الجُمعَة لثلاث بَقِين من شهر رَبيع الأول. وسَيَّرَ إليَّ قاضي مَعَرَّة النُّعْمَان أبو المَعَالِي أحْمَد بن مُدْرِك بن سُلَيمان جُزْءاً بخَطِّه، يتَضَمَّن أخْبَار بني سُليْمان، نقلَهُ من نسخةٍ عندَهُ، فقال في ذكْر أبي العَلَاء (٢): وُلد يَوْم الجُمعَة قبل مَغِيْب الشَّمس لسَبع وعشرين ليلَة خلتْ منِ شهر رَبيع الأوَّل سنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وِثَلاثِمائة، واعْتَلَّ علَّة الجُدَرِيّ الًّتي ذَهَبَ بصرُه فيها في جُماَدَى الأُوْلَى من سَنَة سبعٍ وستِّين وثَلاثِمائة. أنبأنَا أبو اليمنْ الكندِيُّ قال: أخبَرَنا أبو مَنْصور بن زُريْق، قال: أخبَرَنا أبو بكْر الخَطِيبُ (٣)، قال: حدَّثني أبو الخَطَّاب العَلَاءُ بن حزْم الأنْدَلُسِيّ، قال: ذكَرَ لي أبو العَلَاء المَعَرِّىّ أنَّهُ وُلد في يَوم الجُمعَة لثلاثٍ بَقِين من شهَر رَبيع الأوَّل سَنَة ئَلاثٍ وسِتِّين وثَلاثِمائة. أخبَرَنا أبو الحَسَن بن أبي جَعْفَر أحْمَد بن عليّ، وأبو المحامِد إسماعِيْل بن

стр. 1037

حَامِد بن عبد الرَّحْمنِ القُوصِيّ، قالا: أخبَرَنا أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن المُؤيَّد بن أبي اليَقظَان أحْمَد بن مُحَمَّد بن حَوَاري التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ -قال أبو الحَسَن: إجَازَةٌ- قال: أخبَرَني جَدِّي أبو اليقظَان، قال: كانَ مَوْلدُ الشَّيْخ أبي العَلَاء بن سُلَيمان المَعَرّيِّ، ﵀، بمَعَرَّة النُّعْمَان يَوْم الجُمُعَة مَغِيْب الشَّمْس لثَلاثٍ بَقِينَ من شَهر ربيع الأوَّل سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وثَلاثِمائة، وجُدِّرَ في أوَّل سَنَة سَبع وسِتِّين وثَلاثِمائهَ فعَمِيَ من الجُدَرِيّ، وغَشِيَ يُمنَى حدقتَيهِ بياضًا، وأذْهَبَ اليُسْرى جُمْلَةً. ورَحَل إلى بَغْدَاد سَنَة ثمانٍ وتِسعِين، ودخلها سَنَة تِسعٍ وتِسعِين، وأقامِ بها سَنَةً وسَبْعَةَ أشْهُر، ولَزِمَ مَنزِله عند مُنْصَرَفه من بَغْدَاد مُدَّة سَنَة أرْبعمائة، وسَمَّى نفسَهُ رَهِيْنَ المحبَسَيْن للزُومِهِ مَنزِلَهُ ولذَهَابِ عَيْنَيْه. وتُوفِّيَ بين صَلاتي العشَاءين ليلَة الجُمُعَة الثَّالث من شهر رَبيع الأوَّل سَنَة تِسْعٍ وأرْبعين وأرْبَعِمائة، فكانَ عمرُهُ ستًّا وثمانين سَنَةً إلَّا أربَعةً وعشرين يَوْمًا، ولم يَأكُل اللَّحمِ من عُمره خَمْسًا وأرْبعين سَنةً، وقال الشِّعْر وهو ابنُ إحدَى عَشْرة سنَةً أو اثْنَتي عشْرة سنةً، رَحْمَةُ اللّه عليه. أخبَرَنا أبو القَاسم الحُسَين بن عبد اللّه بن رَوَاحة الحَمَوِيّ، عن أبي طَاهِر أحْمَد بن مُحَمد السّلَفِيّ (١)، قال: سمِعْتُه -يعني أبا مُحَمَّد عبد اللّه بن الوَلِيد في غَرِيب الإيَادِيّ المَعَرِّىّ -يقول: دَخَلتُ على أبي العَلَاءِ وأنا صَبيٌّ معِ عَمِّي أبي طَاهِر نَزورُه، فرأيته قَاعِدًا علِى سجَّادَة لِبْدٍ وهو يُسَبّحُ، فدَعا لي، ومسح على رأسي، وكأنِّي أنْظُر إليه السَّاعةَ، وإلى عَيْنَيه إحداهُما بادرَةٌ والأخرى غَائرةٌ جدًّا، وهو مُجَدَّرُ الوَجْه نَحِيْف الجِسْمِ. أخبَرَني والِدي، ﵀، يَأْثرهُ عن شُيُوخ الحلبِيِّيْن أنَّهُ بَلَغَهُم أنَّ أبا العَلَاء بن سُلَيمان قال: أُحقِّقُ من الألْوَان لونَ الحُمرةِ، وذلكَ أنَّني لمَّا جُدِّرْتُ

стр. 1038

ألبسَتْني أُمّيِ قَمِيْصًا أحْمَر، فأنا أذُكُر ذلك اللَّوْن وأحقِّقُه قبل العَمَى. وقَرَأتُ فيما سَيَّره القَاضِي أبو المَعَالِي أحْمَد بن مُدْرِك قاضيِ المَعَرَّة من أخْبَار بنيِ سُليْمان، قال: ولمَّا قَدِمَ من بَغْدَاد -يعنى أبا العَلَاء- عزمَ على العُزْلَةِ والانْقِضَاب (a) من العالَم فكَتَبَ إلى أهْلِ مَعَرَّة النّعْمَان (١): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا كتابٌ إلى السَّكنِ المُقِيمِ بالمَعَرَّة، شَملَهُم اللّهُ بالسَّعَادَهَ، من أحْمَد بن عبد اللهِ بن سُلَيمان، خَصَّ به منْ عَرَفَهُ ودَانَاهُ، سَلَّم اللّهُ الجَمَاعَةَ ولا أَسْلَمَها، وَلَمَّ شعَثَها ولا آلَمَها. أمَّا الآن؛ فهذه مُنَاجَاتي بعدَ مُنْصَرفي (b) عن العِرَاق، مجُتَمعِ أهْلِ الجَدَل، ومَوْطن (c) بَقيَّة السَّلَف، بعد أنْ قضَيْتُ الحَدَاثَة فانْقَضَتْ، وودَّعْتُ الشَّبِيْبَةْ فَضَمتْ، وحَلبْتُ الدَّهْرَ أشْطُرَهُ، وخَبَرْتُ (d) خَيْرهُ وشَرَّهُ، فوَجَدْتُ أقْوَى (e) ما أَصْنَعُه أيَّام الحَيَاة أنْ اخْتَرتُ (f) عُزْلَةً تَجْعَلُني من النَّاس كَبَارِح الأرْوَى من سَانح النّعَامِ، وما أَلَوْتُ نَصِيْحةً لنَفْسي، ولا قَصَّرْتُ في اجْتذاب المَنْفَعَةِ إلى حَيِّزِىِ، فأجْمَعْتُ على ذلك، واسْتَخَرْتُ اللّه فيهِ بعد جَلائه عن (g) نَفَرٍ يُوثَقُ بخَصَائِلهم، فكُلُّهم رآهُ حَزْمًا، وعَدَّهُ -إذا تمَّ- رُشْدًا، وهو أمْرٌ أُسْرِي عليهِ بلَيْلٍ قَضَى سِنه (h)، وخبَتْ به النَّعامَةُ، ليسَ بنَسْج (i) السَّاعَة، ولا رَبِيْب الشَّهْر

стр. 1039

والسَّنَة، ولكنَّهُ غَذِيُّ الحِقَب المُتقادِمَة، وسَلِيْل الفِكْر الطَّويل. وبادَرْتُ إعْلَامَهُم ذلك، مَخافَة أنْ يتفَضَّل منهم مُتَفَضِّلٌ بالنُّهُوض إلى المَنْزل الجَارِيَة عادَتي بسُكْنَاهُ ليلْقَاني فيه، فيَتَعذَّر ذلك عليه، فأكُونُ قد جَمَعْتُ بين سَمْجين: سُوءَ الأدَبِ، وسُوءِ القَطِيْعَة، ورُبَّ مَلُومٍ لا ذَنْبَ له. والمثَل السَّائرُ: خَلّ أمرأً وما اخْتَار، وما أَسْمَحَت القُرُون الإيَابَ (a) حتَّى وعَدْتُها أشياءَ ثلاثةً: نبْذةً كنَبْذة فَتِيْق النُّجُوم، وانْقِضَابًا من العَالَم كانْقِضَاب القَائِبَة (b) من القُوْبِ، وثَبَاتًا في البَلَدِ أنْ جَالَ (c) أهلُه من خَوْف الرُّوم، فإنْ أبَى مَنْ يُشْفِقُ عليَّ أو يُظْهِرُ الشَّفق إلَّا النَّفْرَة مع السَّوَادِ، كانت نَفْرةَ الأعْضَب (d) والأَدْمَاءَ. وأَحْلِفُ: ما سَافَرتُ اسْتَكْثرُ من النَّشَبِ، ولا أتكثَّرُ بلقاء الرِّجَال، ولكن آثرْتُ الإقامةَ بدار العِلْم، فشَاهَدْتُ أنْفَسَ ما كان (e) لم يُسْعف الزَّمَن بإقامِتي فيه، والجاهِلُ مُغالبُ القَدَر، فلَهِيْتُ عمَّا اسْتَأثَر به الزَّمانُ، واللّهُ يَجْعَلُهُم أحْلَاسَ الأوْطَان لا أحْلَاسَ الخَيْل والرِّكَاب، ويُسْبِغُ عليهم النِّعْمَة سُبُوْغَ القَمْراءَ الطَّلْقة على الظَّبْي الغَرير، ويُحْسنُ جزاءَ البَغْدَاديّينَ، فلقَدْ وصَفُوني بما لا أسْتَحقّ، وشهدُوا لي بالفَضيْلَة على غير عِلْم، وعَرَضُوا عليَّ أمْوالَهم عَرْضَ الجِدِّ، فصادفُوني غير جَذِلٍ بالصِّفَاتِ، ولا هَشّ إلى مَعْرُوف الأقْوَام. ورَحَلْتُ وهُمْ لرِحْلَتي كارهُونَ، وحَسْبي اللّهُ وعليه فليَتوكَّل المُتَوَكّلِونَ (١). قال (٢): وإنَّما قيل له رَهْن المَحْبسَين للزُومِهِ مَنْزِله، وكفّ بَصره، وأقام

стр. 1040

مُدَّةً طَوِيلَةً في مَنْزِله مُحْتَجبًا لا يَدْخُل عليه أحَدِّ، ثمّ إنَّ النَّاسَ تَسَبَّبُوا إليه حتَّى دخَلُوا عليه، فكتَبَ الشَّيْخُ أبو صالحِ مُحَمَّد بن المُهَذَّب إلى أخيه أبي الهَيْثَم عَبْد الوَاحِد بن عبد اللّه بن سُلَيمان رحِمهما اللّهُ في ذلك: [من الطويل] بشَمْسِ زَرُودٍ لا ببَدْرِ مَعَانِ … أَلمَّا وإنْ كانَ الجَمِيْعُ شَجَاني يقول فيها: أبا الهَيْثَمِ اسمَعْ ما أقُوْلُ فإنَّما … يُعيْن علىِ ما قُلْتُ خَيْر مُعَانِ قَرِيْضي هجَاءٌ إنْ حرَمْت مَدِيْحَهُ … لأرْوَعَ وضَّاحَ الجَبِيْن هَجَانِ أطَلَّ على بَغْدَادَ كالغَيْثِ جَاءَهَا … بأَسْعدِ نَجْمٍ في أَجَلِّ أوَانِ نَضَاهَا ثيابَ المَحْل وَهْيَ لِباسُها … وبَدَّلَها من شِدَّة بلِيَانِ فيا طيْبَ بَغْدَاد وقد أَرَجَتْ بهِ … على بُعْدِها الأطْرافُ من أرَجَانِ غَدَا بكُمُ المَجْدُ المُضِيءُ وإنَّهُ … ليُقْمَرُ من أضْوَائهِ القَمَرانِ مُسِرِّ المَعَالِي دُوْنَنا هل يُسِرُّها … بُطُونَ وهَاد أو ظُهُورَ رعَانِ نَأَى ما نأى والمَوْتُ دونَ فِرَاقهِ … فما عُذْرُهُ في النَّأي إذ هُوَ دَانِ فكُن حَاملًا منِّي إليه رِسَالةً … تُبَيّنُ ليْنًا في هضَابِ أبَانِ فإنْ قال: أَخْشَى من فُلَانٍ تَشَبُّهًا … فقُل: ما فُلَانٌ عندنا كَفُلَانِ هُوَ الخِلُّ ما فيه اخْتِلالُ مَوَدَّةٍ … فلا تَخْشَ منهُ زلَّةً بضَمَانِ فإنْ خُنْتُ عَهْدًا أو أسَأْتُ خليْقةً … ولم يَكُ شَأني في المَوَدَّةِ شَاني فلَا أَحْسَنَتْ في الحَرْب إمْسَاكَ مَقْبضي … يَميني ولا يُسْراي حفْظَ عنَاني لعَلَّ حَياتي أنْ تَعُودَ نَضِيرَةً … لديهِ كما كانتَ وطيب زَماني قُلتُ: وكان أبو صالح بن المُهَذَّب (a) قائل هذا الشِّعْر (b) ابنَ عَمَّة أبي العَلَاء.

стр. 1041

وكان أبو العَلَاءَ مُفْرِط الذَّكَاء والحِفْظ، وأخْبَرَني والِدي ﵀ فيما يَأْثِرهُ عن أسْلَافه أنَّهُ قيل لأبي العَلَاءِ: بِمَ بلغْتَ هذه الرُّتْبَة في العِلْم؟ فقال: ما سَمِعْتُ شيئًا إلَّا حَفِظتُه، وما حَفظْتُ شيئًا فَنَسِيتُه. وحَكَى لي أيضًا وِالدي فيما يَأْثِرهُ عنِ سَلَفه (١)، قال: سارَ أبو العَلَاء من المَعَرَّة إلى بَغْدَاد، فاتَّفَقَ عند وُصُوله إليها مَوْت الشَّريف أبي أحْمَد الحُسَين والد المُرْتَضَى والرَّضِيّ، فدخَلِ إلى عزيَّته، والنَّاس مُجْتَمعُون، فَتَخطَّى النَّاس في المَجْلِس، فقال له بعضُهُم ولم يَعْرفه: إلى أَينَ يا كَلْب؟ فقال: الكَلْب مَنْ لم يَعْرف للكَلْب كَذَا وكَذَا اسْمًا، ثمّ جلسَ في أُخْرَيَات النَّاس إلى أنْ أنشَدَ الشُّعَراء، فقام وأنْشَد قَصْيدَته الفائيَّة الّتي أوَّلها: [من الكامل] أودَى فليْتَ الحادِثَاتِ كَفَافِ … مَالُ المُسيْفِ وعَنْبَرُ المُسْتَافِ (٢) يَرْثِي بها الشَّريف المُتَوفَّى، فلمَّا سَمِعها الرَّضِيّ والمُرْتَضَى قاما إليه ورفَعا مَجْلسَه إليهما، وقالا له: لعلَّكَ أبو العَلَاء المَعَرِّيّ؟ فقال: نعم، فأكْرَماهُ واحْترَماهُ، وطَلَب أنْ تُعْرضَ عليه الكُتُب الّتي في خَزَائن بَغْدَاد، فأدْخِل إليها وجَعَل لا يُعْرض عليه كتَاب إلَّا وهو على خَاطِره، فعَجبُوا من حِفْظه. وزَادني غير والدي أنَّه لمَّا أنْشَد: [من الكامل] أودَى فليْتَ الحادِثَاتِ كَفَافِ قيل له: كِفَاف، فأعادَها: كَفَاف، فتأمَّلوا ذلك وعرفُوا أنَّ الصَّوَاب ما قال. أخْبَرَنا الشَّريفُ أبو عليّ المُظَفَّرُ بن الفَضْل بن يَحْيَى العَلَويّ الإسْحَاقِيّ، إجَازَةً كَتَبَها لي ببَغْدَاد وأنا بها، وقد اجْتَمَعْتُ به بحَلَب وعَلَّقتُ عنه

стр. 1042

فَوَائِد (١)، قال: حَدَّثَني والدي ﵁ وأرْضَاهُ يَرْفعُه إلى ابن مُنْقِذ، قال: كان بأنْطَاكِيَة خِزَانَهَ كُتُب، وكان الخَازِن بها رَجُلًا عَلَويًّا، فجلَسْتُ يَوْمًا إليه، فقال: قد خَبَّأتُ لك غَريبهً طَرِيفَةً لم يُسْمَع بمثْلها في تاريخ ولا كتاب مَنْسُوخ، قُلتُ: وما هي؟ قال: صَبِيُّ دُونَ البُلُوغ ضَرِيْرٌ يتردَّدُ إليَّ، وقد حَفَّظْتُه في أيَّام قَلائل عدَّة كُتُب، وذاكَ أنَّني أقرأ عليه الكُرَّاسَة والكُرَّاسَتَيْن مرَّةً وَاحدَةً فلا يَسْتَعيْد إلَّا ما يَشُكُّ فيه، ثمّ يَتْلُو عليَّ ما قد سَمِعَهُ كأنَّهُ قد كان مَحْفُوظَهُ، قُلتُ: فلعَلَّهُ يكُون يحفَظُ ذلك، قال: سُبْحَان اللّه كُلّ كتاب في الدُّنْيا يكونُ مَحْفُوظًا له! وإنْ كان ذلكَ كذَلكَ فهو أعْظَمُ. ثمّ حَضَر المُشَار إليه، وهو صَبيٌّ دَمِيْمِ الخِلْقَة، مَجْدُور الوَجْهِ، على عَيْنَيهِ بياضٌ من أثَر الجُدَرِيّ كأنَّهُ ينظرُ بإحْدى عَيْنيه قَليلًا، وهو يتَوَقَّد ذَكَاء، يقُوْدُهُ رَجُلٌ طُوَالٌ من الرِّجَال أحْسِبُهُ يقْربُ من نسَبهِ، فقال له الخَازِنُ: يا ولدي، هذا السَّيِّد رَجُل كبيرُ القَدْر، وقد وَصفْتُكَ عندَهُ، وهو يُحبُّ أنْ تَحْفَظ اليَوْمَ ما يَخْتارهُ لكَ، فقال: سَمْعًا وطاعةً؛ فليَخْتَر ما يُريد. قال ابن مُنْقِذ: فاخْتَرتُ شيئًا وقرأتُه على الصَّبِيّ، وهو يَمُوْج ويَسْتَزيدُ، فإذا مرَّ بهِ شيءٌ يحتاجُ إلى تَقْريره في خَاطِره يقول: أَعِدْ هذا، فأُرَدِّدُهُ عليه مرَّةً وَاحدَةً حتَّى انْتَهَيْتُ إلى ما يَزِيدُ على كُرَّاسَةٍ، ثمّ قلتُ له: يُقْنِع هذا من قِبَل نَفْسي، قال: أَجَلِ حَرَسكَ اللّهُ، قُلتَ: كذَا وكذَا وتلا عليَّ ما أمليْتُه عليه وأنا أعارضُه بالكتاب حَرْفًا حَرْفًا حتَّى انتهَى إلى حيثُ وقَفْتُ عليه، فكادَ عَقْلي يذهَبُ لِمَا رأيتُ منه، وعَلِمْتُ أنْ ليسَ في العالَم مَنْ يَقدر على ذلك إلَّا أنْ

стр. 1043

يَشاءَ اللّه، وسألتُ عنه فقيل لي: هذا أبو العَلَاءِ التَّنُوخِيّ من بَيْت العِلْم والقَضَاءِ والثَّرْوَة والغَنَاء (a). قُلتُ: ذِكْرهُ لهذه الحِكايَة أنَّها كانتْ بأنْطَاكِيَةَ لا يَصِحُّ، فإنَّ أنْطَاكِيَة اسْتَوْلَى عليها الرُّومُ وانْتَزعُوها من أيْدي المُسْلمِيْن في ذِي الحِجَّة سنَة ثمانٍ وخَمْسِين وثَلاثِمائة، ووُلِدَ أبو العَلَاءِ بعدَ ذلك بأرْبَع سِنِين وثلاثة أشْهُر، وبقيَتْ أنْطَاكِيَةُ في أيْدي الرُّوم إلى أنْ ماتَ أبو العَلَاء بن سُلَيمان في سَنَة تِسْعٍ وأرْبَعين وأرْبَعِمائة وبعده إلى أنْ فَتَحها سُليْمانُ بن قُطَلْمش في سَنَة سَبعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، فكيف يُتَصَوَّر أنْ يكونَ بها خِزَانَة كُتُبٍ وخَازِن عَلَويّ وهي في أيْدِي الرُّوم، ويُشْبه أنْ تكون هذه الوَاقِعَةُ بكَفَرْ طَاب أو بغيرها، وقد يتصحَّف كَفَرْ طَاب بأنْطَاكِيَة، وابن مُنْقِذ أبو المُتَوَّج مُقَلَّد بن نَصْر بن مُنْقِذ كان من أقْرَان أبي العَلَاء، وكانت له كَفَرْ طَاب فيُحْتمل أنْ يكون ذلك كان معه، واللّهُ أعْلَمُ. وقَرَأتُ في كتاب جِنَان الجِنَان، ورباض الأذْهَان، لابن الزُّبَيْر المِصْرِيّ ما يُناسب هذه الحِكايَة، قال ابنُ الزُّبَيْر (١): حَدَّثَني القَاضِي أبو الفَتْح مَحْمُود ابن القَاضِي إسْمَاعِيْل بن حُمَيْد الدِّمْياطِيّ، قال: حَدَّثَني أبي، قال: حَدَّثَني هِبَةُ اللّه بن مُوسَى المُؤيَّد في الدِّين، وكانتْ بينَهُ وبينَ أبي العَلَاء صَدَاقَةٌ ومُرَاسلَةٌ، قال: كُنْتُ أسْمَعُ من أخْبَار أبي العَلَاء وما أُوتيَهُ من البَسْطة في عِلْم اللِّسَان ما يَكْثُر تَعَجُّبي منهُ، فلمَّا وصَلْتُ المَعَرَّة قَاصِدًا للدِّيَار المِصْرِيّةِ لم أقَدِّم شيئًا على لقائهِ، فحضَرتُ إليه، واتَّفَق حضُور أخي معي، وكُنتُ بصَدَد أشْغَالٍ يحتاجُ إليها المُسَافِر فلم أسْمَح بمُفَارقته والاشْتغال بها، فتحدَّثَ معي أخي حَدِيثًا باللِّسَان الفَارِسِيِّ، فأرشَدْتُه إلى ما يَعْمله فيها، ثمّ عُدْتُ إلى مُذَاكَرَة أبي العَلَاء، فتجارينا الحَدِيْثَ

стр. 1044

إلى أنْ ذَكَرْتُ ما وُصِفَ به من سُرْعَة الحِفْظ، وسَألتُه أنْ يُريَني من ذلك ما أحْكِيه عنه، فقال: خُذ كِتَابًا من هذه الخِزَانَة -لخِزَانَة قريبةٍ منه- واذْكُر أوَّلَهُ، فإنِّي أُوْردُهُ عليك حِفْظًا، فقُلتُ: كتَابُكَ ليس بغَرِيْب إنْ حَفِظْته، قال: قد دار بَيْنَك وبين أخيْك كلام بالفَارِسِيَّةِ إنْ شئتَ أعدتُه، قُلتُ: أَعِدْهُ، فأعادَهُ ما أخَلَّ والله منهُ بحَرْفٍ! ولم يكُن يَعْرفُ اللُّغَةَ الفَارِسِيَّةَ. أخْبَرَنا أبو هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفضل إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد السَّمْعَانيّ (١)، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال، وذَكَرَ أبا العَلَاء بن سُلَيمان: وحَكى تِلْمِيْذُه أبو زَكَرِيَّاء التَّبْرِيْزِيّ أنَّهُ كان قَاعِدًا في مَسْجِده بمَعَرَّة النُّعْمَان بين يَدَيْهِ يَقْرأُ عليه شَيئًا من تَصَانِيْفه، قال: وكنتُ قد أتْمَمْتُ عندَهُ سَنَتَيْن ولم أرَ أحدًا من بَلَدِي، فدَخَل مُغَافَصَةً (a) المَسْجِدَ بعضُ جِيْرَاننا للصَّلَاة، فرأيتُه وعَرَفْتُه، وتغيَّرتُ من الفَرَح، فقال لي أبو العَلَاء: ما أصابكَ، فحكيتُ له أنِّي رأيتُ جارًا لي بعد أنْ لَم ألْقَ أحدًا من بَلَدِي منذُ سِنِين، فقال لي: قُم وكَلِّمه، فقُلتُ: حتَّى أُتَمِّم السَّبَق، فقال: قُم أنا أنتظرُكَ، فقُمْتُ وكَلَّمْتُهُ بالأذَرْبَيجِيَّةِ (b) شيئًا كَثيرًا، إلى أنْ سألتُ عن كُلِّ ما أردْتُ، فلمَّا عُدْتُ وقَعَدْتُ بينَ يَدَيْهِ، قال لي: أيُّ لِسَان هذا؟ قُلتُ: هذا لسَانُ أهل أَذْرَبِيْجَان. فقال: ما عرفْتُ اللِّسَانَ ولا فهمتُه غير أنِّي حَفِظتُ ما قُلْتُما، ثمّ أعاد لفْظَنا بلفْظِ ما قُلْنا، فجَعَل جاري يتعجَّب غاية العَجَب، ويقول: كيف حَفِظ شيئًا لم يَفْهَمْهُ. وأخْبَرَني عنه بمثل هذه الحِكايَة والدي، ﵀، يَأْثُرهُ عن أسْلَافه، قال (٢): كان لأبي العَلَاء جَارٌ أعْجَميّ، فاتَّفَقَ أنّهُ غابَ عن مَعَرَّة النُّعْمَان، فحضَر

стр. 1045

رَجُلٌ أعْجَميٌّ يطلبُهُ قد قَدِمَ من بلَده فوَجدَهُ غائبًا، ولم يمُكنهُ المقام، فأشَار إليهِ أبو العَلَاء أنْ يَذْكر حاجتَهُ إليه، فجعَل ذلك الرَّجُل يتكلَّم بالفَارِسِيَّة وأبو العَلَاء يُصْغي إليه إلى أنْ فَرغ من كلامهِ، ولم يكُن أبو العَلَاء يَعْرف باللِّسَان الفَارِسِيّ، ومَضَى الرَّجُل، وقَدِمَ جَاره الغائبُ، وحَضَر عند أبي العَلَاء، فذَكَر له حال الرَّجُل، وجَعَلَ يَذْكرُ لهُ بالفَارِسِيَّةِ ما قال، والرَّجُل يَبْكي ويَسْتَغِيث ويَلطم، إلى أنْ فَرِغ من حديثِهِ، وسُئل عن حالهِ، فأخْبرهم أنَّهُ أخْبَر بمَوْتِ أبيهِ وإخْوَته وجَمَاعة من أهله. قال لي والدي (١): وممَّا بلَغَني من ذكائهِ أنَّ جارًا سَمَّانًا كان له، وبينَهُ وبين رَجُل من أهل المَعَرَّة مُعَاملة، فجاءه ذلك الرَّجُل وحَاسَبه برِقَاع كان يَسْتدعي فيها ما يأخُذ منه عند دعْو حَاجته إليهِ، وكان أبو العَلَاء في غُرْفَة له يسمَعُ مُحاسبَتَهما. قال: فسَمِعَ أبو العَلَاءِ السَّمَّان المَذْكُور بعد مُدَّة يتأوَّهُ ويتمَلْمَلُ، فسَأله عن حَالهِ، فقال: كنتُ حاسَبْتُ فُلَانًا برِقَاعٍ كانت لهُ عندي، وقد عَدمتُها ولا يَحْضرُني حِسَابه، فقال له: ما عليكَ من بأسٍ، تعال إليَّ فأنا أُمْلي عليك حِسَابَهُ، وجَعَل يُمْلِي مُعَاملته جميعها رُقْعَةً رُقْعَةً، والسَّمَّان يكتُبُها إلى أنْ فَرغ وقام، فما مَضَت إلَّا أيَّام يَسِيْرةٌ ووَجَد السَّمَّان الرِّقَاع وقد جَذَبَها الفأرُ إلى زَاوِيَة في الدُّكَّان، فقابَلَ بها ما أمْلاهُ عليه أبو العَلَاء، فلم تخرم حَرْفًا واحدًا. أخْبَرَني القَاضِي أبو المَعَالِي أحْمَد بن مُدْرِك بن سَعيد بن مُدْرِك بن عليّ بن سُلَيمان قاضي مَعَرَّة النُّعْمَان (٢)، قال: أخْبَرَني جَمَاعَةٌ من سَلَفنا أنَّ بعضَ أُمَرَاءِ حَلَب قيل له: إنَّ اللُّغَة الّتي ينقلُها أبو العَلَاء إنَّما هي من الجَمْهَرَة، وعندَهُ نُسْخة من الجَمْهَرَة ليسَ في الدُّنْيا مِثْلُها، وحَسَّنوا له طَلَبها منه قَصْدًا لأذاهُ، فسَيَّر أمير

стр. 1046

حَلَب إليه مَنْ يطلبها منهُ، فقال للرَّسُول: سَمْعًا وطاعةً للأمِيْر، تُقِيم عندنا هذه الأيَّام حتَّى نَقْضِي شُغْلك، ثمّ أمرَ مَنْ يَقْرأ عليه كتاب الجَمْهَرَة، فقُرئت عليه حتَّى فرغت، ثمّ دَفَعَها إلى الرَّسُول، وقال: ما قصَدْتُ بذلك إلَّا بأنْ أُمرهَا على خَاطِري خَوْفًا من أنْ يكُون قد شَذَّ منها شيء عن خاطِري، فعادَ الرَّسُول بها وأخْبَر أمير حَلَب بذلك، فقال: مَنْ يكون هذا حاله لا يجوز أنْ يُؤْخَذَ منه هذا الكتاب، وأمَرَ برَدِّهِ إليه. قُلْتُ: وكان أبو العَلَاء قد سَمِعَ الجَمْهَرَة من أبيهِ أبي مُحَمَّد عبد اللهِ، وسَمِعَها أبوه من أبي عبد الله الحُسَين بن خَالَوَيْه ورَوَاها أبو عَبْد الله عن ابن دُرَيْد الأزْدِيّ. وسَمِعْتُ أبا المَعَالِي قاضي المَعَرَّة يقول (١): سَمِعْتُ جَمَاعَةً من أهلنا يقُولونَ: كان الشَّيْخ أبو العَلَاء مُتَوَقِّد الخَاطِر على غايةٍ من الذَّكَاء من صِغَره، وتحدَّث النَّاسُ عنه بذلك، وهو إذ ذاكَ صَبيٌّ صغيرٌ، فكان النَّاس يأتُونَ إليه ليُشَاهدوا منه ذلك، فخرَجَ جَمَاعَة من أهل حَلَب إلى نَاحِيَةِ مَعَرَّة النُّعْمَان وقصَدُوا أنْ يُشَاهدُوا أبا العَلَاء، فدخلُوا إلى مَعَرَّة النُّعْمَان وسألُوا عنه، فقيل لهم: هو يلعَبُ مع الصِّبْيَان، فجاءوا إليه وسَلَّمُوا عليه، فرَدَّ ﵈، فقيل له: إنَّ هؤلاء جَمَاعَةٌ من أكَابِر حَلَب جاءُوا ليَنْظرُوك ويَمْتحنُوك، فقال لهم: هل لكم في المُقَافَاة؟ فقالوا: نعم، فجَعَل كُلّ واحدٍ منهم يُنْشد بَيْتًا وهو يُقافيهِ حتَّى فرغ مَحْفُوظهُم بأجْمَعهم وقَهَرَهُم، فقال لهم: أعَجِزْتُم أنْ يَعْمَل كُلّ واحدٍ منكم بَيْتًا يُقَافي به عند الحاجَة؟ فقالوا له: فافْعَل أنتَ ذلك، فجَعَل يُجِيبُ كُلّ واحدٍ منهم من نَظْمه في مُقَابلة ما أنْشَده حتَّى قهَرَهُم، فعجبُوا منه وانْصَرَفُوا.

стр. 1047

ومن أعْجَب ما بلغَني من ذَكَائهِ، ما حَدَّثَني به والدي، ﵀، قال: بَلَغَني أنَّهُ لمَّا سافَرَ أبو العَلَاء إلى بَغْدَاد، وأقام بها المُدَّةَ الّتي أقامهَا، اجْتازَ في طَريقه وهو مُتَوَجِّهٌ بشَجَرَة، وهو رَاكِبٌ على جَمَلٍ، فقيل له: طَأْطِئ رَأْسَك لئلا تَلْحقك الشَّجَرة، ففَعَلَ ذلك، فلمَّا عاد من بَغْدَاد ووصَلَ إلى ذلك المَوضِع، وكانت الشَّجَرة قد قُطِعَتْ، طَأْطَأ رأسَهُ، فقيل له في ذلك، فقال: ها هنا شَجَرَة، فقال له: ما ها هنا شَجَرَة، فقال: بَلَى، فحَفَرُوا في ذلك المَوضِع، فوجَدُوا أصْلَها، واللهُ أعْلَمُ. أخْبَرَني بعضُ أهل المَعَرَّة بها، قال (١): كان أبو العَلَاء المَعَرِّيّ يَشْربُ الماء من بئر بالمَعَرَّة يقال له بئر القَرَامِيْد، وكان يَسْتَطيب ماءَهُ، فلمَّا رَحَل إلى بَغْدَاد، سيَّرتْ له والدتُه من مَاءِ بئر القَرَامِيْد شيئًا، فلمَّا وَصَل الماء لم يُعْلِمُوه به، وسَقوه منه، فلمَّا شَرِبه قال: لا إله إلَّا الله! ما أشْبَهَ هذا الماءَ بماءِ بئر القَرَامِيْدِ!. وأخْبَرَني الوَزِيرُ الفَاضِل مُؤيَّد الدِّين أبو طَالِب مُحَمَّد بن أحْمَد بن العَلْقَمِيّ ببَغْدَاد، قال: سَمِعْتُ شَيْخي في النَّحو ابن أَيُّوب يقولُ: كان ببَغْدَاد رَجُل من أهْل العِلْم يقال له: أبو القَاسِم، وكان أَدِيْبًا، وبينه وبين أبي العَلَاء بن سُلَيمان مُكَاتَبات قد تكرَّرت، ولم يكونا اجْتَمَعا، فاتَّفَقَ أنَّ أبا القَاسِم المَذْكُور قَدِمَ الشَّامَ، ودخَل على أبي العَلَاء، ولم يكن رآهُ قبل ذلك، فسلَّم عليه فقال له: أبو القَاسِم؟ فقال: نعم، فقيل له: كيف عرفتَ أنَّهُ أبو القَاسِم؟ فقال: أخذْتُ اسْمَهُ من كَلَامهِ. قَرأتُ بخَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ: سَمِعْتُه - يعني أبا الزَّاكِي حَامِد بن بَخْتِيار خَطِيب الشَّمْسَانيَّة - يقول: سَمِعْتُ عَبْد المُنْعِم - يعني أبا المُهَذَّب بن أحْمَد بن أبي الرُّوْس - يقول: سَمعْتُ أخي - يعني أبا الفَتْح - يقول: دَخَل أبو العَلَاء المَعَرِّيّ يَوْمًا على عَمِّه القَاضِي أَبي مُحَمَّد التَّنُوخِيّ، فلمَّا رآه من بعيدٍ يَقْصدُهُ، قال

стр. 1048

لجَارِيَةِ لهم: قُومي إلى سَيِّدك وخُذِي بيده، فقامَت وأخَذَت بيَده، فلمَّا قام أشار إليها أيْضًا، فأخَذَت بيده لتوصلَهُ إلى حُجْرته، فلمَّا أخَذَ يدها الْتَفَتَ إلى عَمِّه وقال: دَخَلْتُ وهذه الجَارِيَة بِكْر، والآن فهي ثَيِّب، فقال: ومن أين تَعْلم، أَيُوحُى إليك؟ فقال: حاشَى وكَلَّا، قد انْقَطع الوَحْي بعد المُصْطَفَى مُحَمَّد ﵇، ولكنِّي لمَّا دَخَلتُ مَسَسْتُ يدها وعَصَب الزَّند كالأوْتَار المَشْدُودة، فعلمتُ أنَّها بِكْر، والآن فقد ارْتَخت، فعلمتُ أنَّ البكوريَّة زالَتْ، فبحث القَاضِي أبو مُحَمَّد وإذا ابن له قد دَخَلَ بها في تلك السَّاعَة. وهذا القَاضِي أبو مُحَمَّد هو ابن أخي أبي العَلَاء، وأبو العَلَاء عَمّه، ولعلَّ بعض رُواة هذا الخَبَر نَقَلهُ من حِفْظه، فاشْتَبه عليه أي الرَّجُلين عَمّ صَاحبه، فوَهِمَ، واللهُ أعْلَمُ. أخْبَرَنا أبو يَعْقُوب يُوسُف (a) بن مَحْمُود بن الحُسَين السَّاوِيّ بالقَاهِرَة، عن الحافِظ أبي طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا الحَسَن عليّ بن بَرَكات بن مَنْصُور التَّاجر الرَّحبِيّ بالذَّنَبَةِ من مُضَافَاتِ دِمَشْق يقول: سَمِعْتُ أبا عِمْرَان المَعَرِّيّ يقول: عُرِضَ على أبي العَلَاء التَّنُوخِيّ الكَفِيْف كَفٌّ من اللُّوْبيَاء، فأخَذَ منها واحدةً ولَمَسَها بيده، ثمّ قال: ما أدْري ما هي إلَّا أنِّي أُشَبِّهُه بالكلُيَةِ، فتَعَجَّبُوا من فِطْنَتِهِ وإصَابَةِ حَدْسِهِ. أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبد الله بن الحُسَين بن عبد الله بن رَوَاحَة، عن الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، ح. وكَتَبَ إلينا أبو القَاسِم عِيسَى بن عَبْد العَزِيْز بن عِيسَى اللَّخْمِيّ، قال: سَمِعْتُ

стр. 1049

أحْمَد بن مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ يقول: سَألتُ أبا زَكَرِيَّاء التَّبْرِيْزِيّ، إمام عَصْره في اللُّغَة ببَغْدَاد، وقُلتُ له: قد رأيتَ أبا العَلَاء بالمَعَرَّة، وعَالِي بن عُثْمان بن جِنِّي المَوْصِلِيّ بِصُوْر، والقَصَبَانِيّ بالبَصْرَة، وابن بَرْهَان ببَغْدَاد، وغيرهم من الأُدَبَاءِ، فَمن المُفَضَّلُ من بينهم؟ فقال: هؤلاء أئمَّة لا يُقال لهم أُدَبَاء، وأفْضَل مَنْ رأيتُه ممَّن قرأتُ عليه أبو العَلَاء. أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي عليّ الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد، قال: سَمِعْتُ أبا الطَّيِّب سَعيد بن إبْراهيم بن سَعيد الطَّلَبِيْريَّ الطَّبِيْبَ بالثَّغْرِ، يقول: سَمِعْتُ عبدَ الحَلِيم بن عَبْد الوَاحِد السُّوْسِيّ بسَفَاقُس، يقول: سُئلَ الحَسَن بن رَشِيْق عن أبي العَلَاء المَعَرِّيّ: هل هو أشْعَر أم أنْتَ؟ فقال: قد أَلَّفْتُ أنا كِتَابًا وهو كِتَابًا في مَعْناهُ، فالفَرقُ ما بيننا كالفَرْق ما بين التَّرْجَمتين، سمَّى هو كتابَهُ زَجْرَ النَّابِح (١)، وسَمَّيْتُ أنا كتابي سَاجُور الكَلْب؛ يُشِيرُ إلى أنَّ أبا العَلَاء أفْضَل وألْطَف، وأهْدَى إلى المَعَاني وأعْرَف. أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن أبي عليّ الحَمَوِيّ، عن أبي طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد، وكَتَبَ إليَّ أبو القَاسِم عِيسَى بن عبد الله بن عِيسَى اللَّخْمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفِيِّ (٢)، قال: سَمِعْتُ أبا عبد الله مُحَمَّد بن الحَسَن بن زُرَارَة (a) اللُّغَويّ، يقُول: كان بالمَشْرِق لُغَويّ، وبالمَغْرب لُغَويّ في عَصْرٍ واحدٍ، لم يكُن لهما ثالثٌ، وهُما ضَرِيْرَان، فالمَشْرِقيّ أبو العَلَاء التَّنُوخِيّ بالمَعَرَّة، والمَغْرِبيّ ابن سِيْدَه الأنْدَلُسِيّ. وابن سِيْدَه أعْلَم من المَعَرِّيّ، أمْلَى من صَدْره كتاب المُحْكَم ثلاثين مُجَلَّدًا، وما في كُتُب اللُّغَة أحْسَن منْهُ.

стр. 1050

قُلتُ: وهذا غير مُسَلّم لابن زُرَارَة؛ فإنّ ابن سِيْدَه إنْ كان أمْلَى المُحْكَم في اللُّغَة، فأبو العَلَاء قد أمْلَى من خَاطِره نَثْرًا: كالأَيْك والغُصُون، والفُصُول والغَايَات، والسَّجْع السُّلْطانيّ، وغير ذلك مما يَتَضَمَّن اللُّغَة وغيرها من الألْفَاظ البَلِيْغة، والكَلِمَات الوَجِيزَة، ونَظْمًا مثل: اسْتَغفِر واسْتَغْفري، ولُزوم ما لا يَلْزم، وجَامِع الأوْزَان، يَزِيدُ على المُحْكَم في المِقْدَار أضْعَافًا مُضَاعفة، وكُتُبه مَحْصُورة ولولا خوْف الإطاله بذِكْرها لذَكَرتُ أسْماءها، وبَيان حَجْم كُلّ مُصَنَّف منها، وقد اسْتَوْعَبْتُ ذلك في كتاب دَفْع الظُّلْم والتَّجَرِّي عن أبي العَلَاء المَعَرِّيّ (١). أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُرَيْق، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٢)، قال: أحْمَدُ بن عبد الله بن سُليْمان أبو العَلَاءِ التَّنُوخِيُّ الشَّاعر، من أهل مَعَرَّة النُّعْمَان، كان حَسَنَ الشِّعْر، جَزْلَ الكَلَام، فَصِيح اللِّسَان، غَزِيرَ الأدَب، عَالِمًا باللُّغَة، حَافِظًا لها. وذَكَرَ لي القَاضِي أبو القَاسِم التَّنُوخِيّ أنَّهُ ورَدَ بَغْدَاد في سَنَة تِسْعٍ وتِسْعِين وثَلاثِمائة، وأنَّهُ قرأ عليه دِيْوان شِعْره ببَغْدَاد. قال الخَطِيبُ (٣): وكان أبو العَلَاء ضَرِيْرًا، عَمِيَ في صِبَاه، وعَاد من بَغْدَاد إلى بَلَده مَعَرَّة النُّعْمَان، فأقامَ به إلى حين وفاتهِ، وكان يتزهَّدُ ولا يَأكُل اللَّحْمَ، ويَلْبس خَشن الثِّيَاب، وصَنَّفَ كُتُبًا في اللُّغَة، وعارَض سُورًا من القُرْآن، وحُكي عنه حكايات مُخْتَلفَة في اعْتقادِه، حتَّى رَمَاهُ بعضُ النَّاسِ بالإلْحَادِ. أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي عليّ الرُّمَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد

стр. 1051

السِّلَفِيّ، إذْنًا إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، وكَتَبَ إلينا أبو القَاسِم عِيسَى بن عَبْد العَزِيْز الأنْدَلُسِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد، قال: يُحْكى عن أبي العَلَاء المَعَرِّيّ في الكتاب الّذي أمْلَاهُ وتَرْجَمهُ بالفُصُول والغَايَات وكأنَّهُ مُعَارضَةٌ منه للسُّوَر والآياتِ، فقيل له: أين هذا من القُرْآن؟ فقال: لم تصْقُله المحاريبُ أرْبعمائة سَنَة. وسَمِعْتُ والدي يقول: قيل إنَّ أبا العَلَاء عارَضَ القُرْآن العَزِيز، فقيل له: ما هذا إلَّا مَلِيح إلَّا أنَّه ليسَ عليه طلاوة القُرْآن، فقال: حتَّى تَصْقُله الألْسُن أربَعمائة سَنَة وعند ذلك انْظروا كيف يكون. وقَرأتُ بخَطِّ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن سَعيد بن سِنَان الخَفَاجِيّ الحَلَبِيّ، في كتابٍ له تتبَّع الكَلَام فيه على الصّرْفَةِ، ونَصَر فيهِ مَذْهَب المُعْتَزِلة في أنَّ القُرْآن ليسَ بمُعْجزٍ في نَفْسه، لكنَّ العَرَب صُرفوا عن مُعَارضَته، فقال فيه: وقد حَمَلَ جَمَاعَةً من الأُدَبَاء قول أرْبَاب الفَصَاحَة أنَّهُ لا يتمكَّن أحدٌ من المُعارضَةِ بعد زَمان التَّحَدِّي على أنْ نظَمُوا على أُسْلُوب القُرْآن، وأظْهَر ذلك قَوْمٌ وأخْفاهُ آخرُون. وممَّا ظَهَر منه قَوْل أبي العَلَاء في بعض كَلامِهِ (١): أُقْسِمُ بخَالق الخَيْل، والرِّيح الهابَّةِ بلَيْل، بين الشَّرَطِ ومطَالِعِ سُهَيْل، إنَّ الكَافِر لطَويلُ الوَيْل، وإنَّ العُمُرَ لمَكْفُوفُ الذَّيل، اتَّق (a) مَدَارِجَ السَّيْل، وطالِع (b) التَّوْبَةَ من قُبَيْل تَنْجُ وما أخالُكَ بنَاجٍ. وقَوْله (٢): أذلَّت العائدَةُ (c) أباهَا، وأضَاءَت الوَهْدَةُ ورُبَاها (d)، واللهُ بكَرَمهِ احْتَبَاها (e)، أوْلَاهَا الشَّرَفَ بما حَبَاهَا، أرْسَل الشَّمَالَ وصَبَاهَا، ولا يَخافُ عُقْباهَا. وهذا الكَلَام الّذي أوْرَدهُ ابن سِنَان هو في كتاب الفُصُول والغَايَات في

стр. 1052

تَمْجِيد الله تعالى والعِظَات، وهو كتاب إذا تأمَّلَهُ العَاقِل المُنْصِف عَلِم أنَّهُ بعيدٌ عن المُعَارَضَة، وهو بمَعْزِل عن التَّشَبُّه بنَظْم القُرْآن العَزيز والمُنَاقَضَة، فإنَّهُ كتابٌ وَضَعَهُ على حُرُوف المُعْجَم، ففي كُلِّ حَرْفٍ فُصُول وغَايَات، فالغاية مثل قَوْله: بنَاج، والفَصْل ما يُقَدِّم الغاية، فيَذْكر فَصْلًا يَتَضَمَّن التَّمْجِيد أو المَوْعِظَة ويَخْتمه بالغايةِ على الحَرْف من حُرُوف المُعْجَم، مثل تاج، ورَاج، وحَاج، كالمُخمَّسات والمُوشَّحات في الشِّعْر. ولهُ كتابٌ آخر كبير نحو ستِّين مُجَلَّدًا على هذا الوَضْع أيضًا، سمَّاهُ: الأيْكَ والغُصُون، وسمَّاهُ: الهَمْزَة والرّدْف، يَتَضَمَّن أيضًا تَمْجيد الله تعالَى والثَّنَاء عليه والمَوَاعِظ، ولم ينسبُوه فيه إلى مُعارضَة القُرْآن العزيز، وإنَّما نَسَبُوه في الفُصُول والغَايَات لا غير. وقد كان له جَمَاعَة يَحْسدونه على فَضْله ومكانَته من أبناء زَمانه، تصدُّوا لأذَاهُ، وتتبَّعُوا كَلامهُ، وحَملوه على غير المقصَد الّذي قصَدَهُ، كما هو عَادَة أبْناء كُلّ زَمان في افْتِرَاء الكَذِب واخْتلَاق البُهْتَان، ووَقَفْتُ على كتاب وضعَهُ في الرَّدِّ على مَنْ نَسَبَهُ إلى مُعَارَضَة القُرْآن، والجَوَاب عن أبيات اسْتَخرجُوها من نَظْمه، رَمُوه بسَبَبها بالكُفْر والطُّغْيَان، سَمَّى الكتاب بزَجْر النَّابح، وردَّ فيه على الطَّاعن في دِيْنه والقَادِح. قَرأتُ بخَطِّ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ في رِسَالَةٍ كَتَبَها أبو المُظَفَّر إبْراهيم بن أحْمَد بن اللَّيْث الأذرِيّ إلى الكِيَا أبي الفَتْح الأصْبَهَانِيّ قال: ومنها - يعني من قِنَّسْرِيْن - أدْلَجتُ مُتَوجِّهًا إلى مَعَرَّة النُّعْمَان، والسَّوْق إلى أبي العَلَاء أحْمَد بن عَبْد الله بن سُليمان التَّنُوخِيّ، أَسْعَده الله، يَحْدُو رِكَابي، والحَنِيْن إلى لقائهِ يَحُثُّ أصْحَابي، وبلغْتُ المَعَرَّة ضُحيَّة فلَم أُطِق صَبْرًا حتَّى دَخَلتُ إلى الشَّيْخ أبي العَلَاء أَسْعَدَهُ الله، فشَاهَدْتُ منه بَحْرًا لا يُدْرك غَوره، وقَلِيبَ ماءٍ لا يُدْركُ قَعْره، فأمَّا اللُّغَةُ

стр. 1053

ضِمْن قَلْبهِ، والنَّحو حَشْو ثَوْبهِ، والتَّصْرِيْف نشر بيْتهِ، والعَرُوض مِلْك يَده، والشِّعْر طَوْع طَبْعِهِ، والتَّرَسُّل بين أمْره ونَهْيهِ، ورأيتُ أسْبَابَهُ كُلّها أسْبَابَ مَنْ عَلِمَ أَنَّ العَيْشَ تَعْليل، وأنَّ المقام فيها قليل. قال فيها: ورأيتُ من كُتُبه كتاب الفُصُول والغَايَات، وكتاب لُزُوم ما لا يَلْزَم، وكتاب زَجْر النَّابِح؛ وسبَبَ تَصْنِيفه هذا الكتاب أنَّ قَوْمًا من حُسَّادِهِ فَكُّوا من مَقَاطيْع له في كتاب لُزُوم ما لا يَلْزَم أبْيَاتًا كفَّروه فيها، وشَهِدُوا عليه باسْتحالة مَعَانيها، ومقاصد الشَّيْخ أبي العَلَاء فيها غير مقاصدِهم، ومَغَايصُهُ في مَعَانيها غير مَغَايصهم، فمن ذلك قولهُ (١): [من الخفيف] إنَّما هذه المَذَاهِبُ أسْبَا … بٌ لجَذْبِ الدُّنْيا إلى الرُّؤَسَاءِ غَرَضُ القَوْم [مُتْعةٌ] (a) لا يَرِقُّو … نَ لدَمْعِ الشَّمَّاءِ والخَنْسَاءِ كالّذي قامَ يجمَعُ الزَّنْجَ بالبَصْـ … ـرَة والقِرْمِطِيَّ بالأَحْسَاءِ وأوَّلُ الأبْيَات: يا مُلُوكَ البِلَادِ فُزْتُم بنَسْءِ الـ … ـعُمْر والجَوْرُ شَأنَكُمُ في النِّسَاءِ ما لكم لا تَرَونَ طرقَ المَعَالِي … قَدْ يَزُورُ الهَيْجَاءَ زيُّ (b) النِّسَاءِ يَرْتَجي النَّاسُ أنْ يَقُومِ إمامٌ … نَاطِقٌ في الكَتِيْبَة الخَرْسَاءِ كَذَبَ الظَّنُّ لا إمَام سِوَى الـ … ـعَقْل مُشِيْرًا في صُبْحِهِ والمَسَاء فإذا ما أطَعْتَهُ جَلَبَ الـ … ـرَّحْمَة عندَ المَسِير والإرْسَاءِ ثُمَّ يقُول: إنَّما هذه المَذَاهِبُ الأبْيَات الثَّلاثة، فأيُّ بأسٍ بهذا الشِّعْر، وهَلْ أتي القَوْمُ إلَّا من ضَعْفِ النَّحِيْزَ [ة] (٢) وسُوءِ الفِكْر.

стр. 1054

قَرأتُ بخَطِّ الإمَام أبي طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ: سَمِعْتُ الشَّيْخ أبا الطَّيِّب سَعيدَ بن إبْراهيم بن سَعيد الأنْدَلُسِيّ يَقُول: سَمِعْتُ عبد الحَلِيم بن عَبْد الوَاحِد بسَفَاقُس يقول: قَدِمَ بعضُ أهْلِ الأدَب من المَشْرِق إلى إفْرِيقِيَّة، فسَألهُ الحَسَنُ بن رَشِيْق عن أبي العَلَاء المَعَرِّيّ، وقال: أنْشِدني شَيئًا من شِعْره، فأنْشَدَهُ القَصِيدَةَ الّتي أوَّلُها (١): [من البسيط] منْكَ الصُّدُودُ ومنِّي بالصُّدُودِ رِضَى … مَنْ ذا عليَّ بهذا في هَوَاكِ قَضَى فلَمْ يَرتَضِ هذا المَذْهَب من الشِّعْر، واسْتَلَانَهُ، وعَزَم على هجائِه، فهَجَاهُ، ثُمَّ أنْشَدهُ بعْدُ بعضُ أحد الأُدَبَاء ممَّن جاء من المَشْرِق أيضًا (٢): [من البسيط] هَاتِ الحَدِيْثَ عن الزَّوْرَاء أو هِيْتَا … ومُوْقدِ النَّارِ لا تَكْرَى بتَكْرِيْتَا فقَطَّع ما عَمِلَ فيه من الهَجْو، وقال: لو أخْرج أبو العَلَاء يَدَهُ من المَعَرَّة وصَكَّ ابن رَشِيْقٍ صَكَّةً لردَّهُ إلى الزَّابِ من حيثُ جاءَ، وكان رَشِيْق أبوهُ مَمْلُوكًا رَبِيَ بالزَّابِ. أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الله بن عَبْد الجَبَّار بن عبدِ الله العُثْمانيّ في كتابهِ، قال: سَمِعْتُ الشَّيْخ الإمَام الحافِظ السِّلَفِيّ، ﵀، إمْلاءً من لَفْظه ومن كتابهِ، قال: سَمِعْتُ أبا المَكَارِم عَبْد الوَارِث بن مُحَمَّد بن عَبْد المُنْعِم الأسَدِيّ رئيس أَبْهَر بأَبْهَر، وكان من أفْراد الزَّمان، يقُول: سَمِعْتُ رَشَاء بن نَظِيف بن مَا شَاءَ اللهُ المُقْرِئ الفَاضِل الكَبير بدِمَشْق يقُول: ما حَمَلَت الأرْضُ مثْل أبي العَلَاءِ المَعَرِّيّ في فَنِّه؛ وكان يَتَغالَى فيه، وكان قَدْ رَآهُ وقرأ عليهِ.

стр. 1055

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ تَوْفِيْقِي أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبد الله بن الحُسَين بن عبد الله، وعِيسَى بن عَبْد العَزِيْز الأنْدَلُسِيّ، قراءةً على الأوَّل، وكتابةً من الثَّاني، قالا: أخْبَرَنا الحافِظ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ - قال عَبْدُ الله: إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا - قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن حَمْزَة بن أحْمَد التَّنُوخِيّ يقُول: سَمِعْتُ عَبْد البَاقِي بن عليّ المَعَرَّيّ يقول: كان أبو نَصْر المَنَازِيّ أحَدُ وُزَرَاءِ نَصْر الدَّولَة ابن مَرْوَان بديَار بَكْر، فأرْسَلَهُ إلى مصْر رَسُولًا، فوصَل إلى المَعَرَّة، ودخَل إلى أبي العَلَاء مُسَلِّمًا، فتَناشَدُوا وانْبسَط أَحدُهما إلى الآخر، فذَكَرَ أبو العَلَاء ما يُقاسِي من النَّاسِ وكَلَامهم فيه، فقال له أبو نَصْر: ماذا يُريدُون منك وقد تَرَكْتَ لهم الدُّنْيا والآخرة. فقال: والآخرة أيضًا، والآخرة أيضًا! وأطْرَقَ ولم يُكلِّمه إلى أنْ قام. وهذا عَبْد البَاقِي هو أبو المَنَاقِب عَبْد البَاقِي بن عليّ من أهل مَعَرَّة النُّعْمَان، وكان قد أقام بمِصْر وتلقَّب خَرِيطَة النَّايات، وشِعْره شِعْر بَارِدٌ مُتهلهل النَّسْج، والّذي شكَره عن المَنَازِيّ وجدَهُ في تاريخ غَرْس النِّعْمَة أبي الحَسَن مُحَمَّد بن هِلِّل بن المُحَسِّن بن إبْراهيم بن هِلِّل الصَّابِئ (١) - وقَرأتُه فيه - قال: وحَدَّثَني الوَزِير فَخْر الدَّوْلَة أبو نَصر بن جَهِيْر، قال: حَدَّثَني المَنَازِيّ الشَّاعر، قال: اجْتَمَعْتُ بأبي العَلَاء المَعَرِّيّ بمَعَرَّة النُّعْمَان وقُلتُ له: ما هذا الّذي يُرْوَى عنك ويُحْكى؟
следующие страницы →