هنيئاً بني العبَّاس إنَّ إمامَكُم … إمَامُ الهُدَى والباس والجُوْدِ أحْمَدُ
كما بأبي العبَّاس أُنْشِئَ مُلْكُكم … كذا بأبي العبَّاس أيضاً (a) يُجَدَّدُ
إمَامٌ يظَلّ الأمْسُ يُعْمِلُ نَحْوَه … تلَهُّفَ مَلْهُوفٍ ويشتاقُهُ الغَدُ
قرأتُ في كتاب أخْبَار المُعْتَضِد من أخْبَار بَغْدَاد، لعُبيد الله بن أحْمَد بن أبي طَاهِر، الّذي ذَيَّلَ به على تاريخ أبيهِ (١)، قال: وكان المُعْتَضِد باللهِ خَلِيفَة لم يقُم من خُلَفاء بني العبَّاس بعْدَ المْنَصُور خَلِيفَة كان أكْمَلَ منه شجاعةً، ورجلةً، وجزَالَةً، ورَأياً، وحذْقاً بكُلِّ صِنَاعَة، وعَدْلاً وانْصافاً، وحُسْن سِيْرَةٍ، مُؤيَّداً بالنَّصْر، مَقْروناً بالظَّفَر.
تولَّى الخِلَافَة وهي عَلَقَة مُتَمَزِّقة مُتَفرِّقة، فجمعَ أطْرافَهَا، وضَمَّ مُنْتَشرها، وشَدَّد أرْكَانها، وقوَّى عِمَادَها، ووَكَّدَ أسْبابَها، وسَنَّ السُّنَن العَادِلَةِ، وأبقَى في رَعيَّته الآثار الفَاضِلةَ، ودوَّخَ البِلادَ، وقَوَّم العِبَادَ، حتَّى ردَّ المَمْلكة إلى حالِ جِدَّتها بعد درُوسها، ودَانَتْ له الأطْرافُ، وخضَعَت له الأشْرَاف، وأمنَت خارجيٌّ إلَّا قَصَمه، ولا مُسْتَصْعَبٌ إلَّا وَقَمَه ولا عَاصٍ إلَّا اصطَلَمَه، وأمنَت السُّبُل بعد أنْ كانت مَخُوفَة، واطْمأنَّتِ النُّفُوسُ بعد أنْ كانت مرعوبة، ودرَّت الأمْوَال بعد أنْ كانتْ مُنْقَطعَة، واسْتَوَت بالعَدْل والإنْصَاف أحْوَالُ الرَّعِيَّة.
قال عُبَيْد الله بن أحْمَد بن أبي طَاهِر: ومن سِيْرة المُعْتَضِد الجَمِيلة، وسُنَنه الحَسَنة، رَفْعُهُ المَوَارِيْث في أوَّل خِلَافَتهِ، وما كان من الظُّلْم فيها، وزيادته في مَسْجِد الجامع بالجانب الغَرْبيّ من قَصْرِ المَنْصُور بمَدِيْنَة السّلام حتَّى اتَّسَع، وتأخيره الخَرَاج، وتَسْهيل العِقَابِ والطُّرُقات، وقَطْعُه الحِجَارَة المانعَة للمُجْتازين
стр. 982
بها، ورَفْعُهُ المَكْسَ الّذي كان يُجْتَبَى بمَكّة والمَدِيْنَة، والخِفَارات بطَرلِق المَوْصِل، ورَفْعُهُ البَقَايا الّتي كانت على العُمَّال والرَّعِيَّة في جميع البُلْدان.
قال أبو بَكْر الصُّوْلِيّ في كتَاب الأوْرَاق: وفي تأخير الخَرَاج والنَّوْرُوز يقُول يَحْيَى بن عليّ: [من الخفيف]
إنَّ يَوْم النَّوْرُوز عادَ إلى العَهْـ … ــدِ الّذي كان سَنَّهُ أَرْدَشِيْرُ
أنت حَوَّلْتَهُ إلى الحالهِ الأوْ … لى وقد كان حَائراً يَسْتَديرُ
وافتتَحت الخَرَاجَ فيه فللأُمَّـ … ــة في ذاك مَرْفقٌ مَذْكُورُ
منهم الحَمْدُ والثَّنَاءُ ومنكَ الـ … ـــرَّفْدُ فيهم والنَّائلُ المَشْكُور
قال الصُّوْلِيّ: وكان الحُسَين بن عبد الله الجوهَرِىِّ جاءَ بهَدَايا من عند خُمَارَوَيْه بن أحْمَد، وسَعَى في تَزْوِيج ابنهَ خُمَارَوَيْه من عليّ ابن المُعْتَضِد، فقال المُعْتَضِدُ: قد علمت إنَّما أراد خُمَارَوَيْه أنْ يتَشرَّف بنا، فأنا أتزوَّجها، فتزوَّجها بحَضْرَهَ القُضَاةِ، وزوَّجَهُ إيَّاها ابن الجَصَّاص.
قُلتُ: ويقال إنَّهُ لم يِكن عُرْس مثل عُرْس قَطْر النَّدَى والمُعْتَضِد، وبُوْرَان بنْت الحَسَن بن سَهْل وعبد الله المَأْمُون.
وقال الصُّوْلِيِّ: ولمَّا وَلِيَ المُعْتَضِد الخِلَافَة، أمرَ بالِزِّيادَة في المَسْجِد الجامع بالمَدِيْنَة، وأمَرَ بتَسهيل عَقَبة حُلْوان، وقال: هذا طَريق المْلْك، فسُهِّلت إلى المَوضِع المَعْرُوف بدَهْلِيْزَان، وكان النَّاس يلقونَ منه تَعَباً شَديْداً، فبَلَغَت النَّفَقَة عشرين ألف دِيْنار عليهما، وأمرَ بردِّ المَوَارِث على ذَوِىِ الأَرْحَام في آخر سَنة ستٍّ وثمانين بكتاب ابن أبي خَازِم القَاضِي إلى أبي النَّجْمِ بعد أنْ سَأله بَدْر عمَّا عنده فيهِ، وأُنْشْئت الكُتُب بذلك، وما فَعَلهُ في أمر النّوْرُوز وتأخيره لتأخير الخَرَاج، وإنَّما احْتَذَى ما كان المُتَوَكِّل فَعله، وكَتَبَ فيهِ إبْراهيم بن العبَّاس
стр. 983
الصُّوْلِيِّ كِتَاباً بتأخيره إلى سَبْعة عَشرِ يَوْماً من حَزيْرَان، فاحْتذَى المُعْتَضِد ذلك إلَّا أنَّه جَعَلهُ لأحد عشر يَوْماً من حَزِيْرَان.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عليّ (١)، قال: أخْبَرَنا عليُّ بن المُحَسِّن بن عليّ التَّنُوخِيّ (٢)، قال: أخْبَرَنا أبي، قال: حَدَّثَني أبي، قال: لمَّا خَرَجَ المُعْتَضِد إلى قتالِ وَصِيْف الخَادِم إلى طَرَسوس، وأخَذَهُ، عادَ إلى أنْطَاكِيَة، فنَزلَ خرجَها، وطافَ البَلَد بجَيْشِه، وكُنْتُ صَبِيًّا إذ ذاك في المَكْتَب، قال: فخَرَجْتُ في جُمْلَةِ النَّاس، فرَأيتُهُ وعليه قَبَاءٌ أصْفَر (a)، فسَمعْتُ رَجُلًا يقُول: يا قَوْم، الخَلَيفَةُ بقَبَاءً أصْفَر بلا سَوَاد! قال: فقال أحَدُ الجَيْش: هذا كان عليه وهو جَالسٌ في داره ببَغْدَاد، فجاءَهُ الخَبَرُ بعِصْيان وَصِيْف، فخرَجَ في الحال عن (b) داره إلى باب الشَّمَّاسِيَّةِ، فعَسْكَر به، وحَلَفَ أنْ لا يُغَيِّر هذا القَبَاءَ أوِ يَفْرغ من أمر وَصِيْف، وأِقامَ بباب الشَّمَّاسِيَّة أيَّاماً حتَّى لحقَهُ الجَيْشُ، ثمّ خرج، فهو عليه إلى الآن ما غَيَّرَهُ.
أخْبَرَنا أحْمَد بن أزْهَر بن عَبد الوَهَّاب في كتابهِ، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، قال: أنْبَأنَا أبو القَاسِم عليّ بن أحْمَد البُنْدَار، عن أبي أحْمَد المُقْرِئ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن يَحْيَى إجَازةً، قال: وشَخَصَ المُعْتَضِدُ من بَغْدَاد فِيِ النِّصْف من شَوَّال سَنَة سَبْعٍ وثمانين لطَلَب وَصِيْف الخَادِم، وكان خَبَره وردَ عليه وهو عَلِيْل، فكَتمِ علَّتَهُ وأغَذَّ السَّير إلى أنْ ظَفر بهِ لسَبْعٍ بَقِينَ من ذي القَعْدَة، ودَخَل به إلى بَغْداد في أوَّل المُحَرَّم سَنَة ثمانٍ وثَمانِيْن ومَائتَيْن، وأرْكب الخَادِم الفَالِج، وألبس بُرْنُساً طَويلاً.
قال مُحَمَّد بن يَحْيَى: حَدَّثَني أبو أحْمَد يَحْيَى بن عليّ، قال: قال لنا المُعْتَضِد:
стр. 984
والله ما أدْري كيف ظَفِرت بالخَادِم! وما هو إلَّا من أمْر اللهِ الّذي لا يُدْرَى كيف هُوَ.
قال: فقُلتُ: كيف يُحِبّ سَيِّدنا أنْ يَصف هذا الفَتْح، قال: بسُرعةِ سَيْرنا، وسَبْقنا خَبَرنا، حتَّى وافَيْناهُ قبْلَ أنْ يَعْلَم بنا.
قال: فقلتُ: [من الوافر]
ألَمَّ بعَيْنِ زُرْبَةَ والمطايا … جُنُوحٌ طيفُ أخْتِ بني عَدِيِّ
فقال فيها:
أَمِيرَ المُؤمِنِين هناكَ فَتْحٌ … حَظِيْتَ بهِ منَ اللهِ العَلِيّ
لقد خَسِئ الأعَادِي في النَّواحِىِ … بما أَنْزلتَ بالخَاسِي الخَصي
أتَتْكَ بحَائنٍ رِجْلَاهُ منهُ … ألَا يا رُبَّ حَتْفٍ في مَجِيِ
خفَفْتَ إليه حين أتاكَ عنهُ … بَرِيْدُ الصِّدْق بالخَبَر الجَلِّي
طَوَيْتَ الأرْض طيًّا فُتَّ فيهِ … إليهِ تغَلْغُل المَوْت الوَحِيِّ
قال: وهي قَصِيدَةٌ (a).
نَقَلْتُ من خَطِّ أبي الحُسَين عليِّ بن المُهَذَّب التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ، في تَعْلِيقٍ له في التَّاريخ، حَمَلهُ إليَّ بعضُ عَقِبه، قال: سنَة ثَمان وثَمانين - يعني ومَائتَيْن - وفيها: هربَ وَصِيْف الخَادِم من مَدِيْنَة بَرْذَعَة من مَوْلاه الأَفْشِين، وسارَ إلى الثُّغُور الشَّاميَّة، وتَبِعَهُ المُعْتَضِدُ، وظَفرَ به بناحيةِ الكَنِيْسَة السَّوْدَاء وهو يُريد دُخُول بَلَد الرُّوم، فأخذَهُ وانْصَرفِ بهِ إلى بَغْدَاد، فقتلَهُ، واعْتَلَّ المُعْتَضِد لإتْعابهِ نفسَهُ في طَلَبه إيَّاهُ عِلةً كانت فيها وَفاته، وقيلِ إنّه - وهو في طَلبهِ، وقد عاينَهُ - حصَرَهُ بَوْلٌ فاسْتَبْطَأَ نفْسَهُ أَنْ يَنْزل وعظم عليه أنْ يَبُول في ثيابِه وسَرْجِه، فانفَتَقَتْ مَثانَتُه، وكان سببَ مَوْته.
стр. 985
أخْبَرَنا أبو هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا يُوسُف بن أَيُّوب الإمَام بَرْو، وعبدُ الله بن يُوسُف الحَرْبِيّ ببَغْدَاد، قالا: حَدَّثَنَا أبو الحُسَنِ مُحَمَّد بن عليّ بن الهاشِميّ لَفْظًا، قال: أنشدنا الأَمِير أبو الحَسَن أحْمَد بن مُحَمَّد ابن المُكْتَفِي بالله، قال: أنْشَدَني الصُّوْليِّ للمُعْتَضِد باللهِ (١): [من المنسرح]
يا لَاحِظي بالفُتُورِ والدَّعَجَ … وقَاتِلي بالدَّلَالِ والغُنُجِ
أشْكُو إليكَ الّذي لَقِيْتُ من الـ … ــوَجْد فهَل لي لديكَ من فَرَج
حَلَلْتُ بالطَّرْفِ والجَمَال من النَّا … سِ مَحَلَّ العُيُونِ والمُهَج
أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن الحُسَين بن رَوَاحَة الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ الحافِظ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعاً، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن عَبْد الجبَّار، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن عِليّ بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو حَاتِم مُحَمَّد بن عَبْد الوَاصِحِ، قال: أنْشَدَني أبو الحَسَن وَصِيْف بن عبد الله الدِّينورِيّ للمُعْتَضِد (٢): [من مجزوء الرمل]
غَلَبَ الشَّوْقُ رُقادِي … مثْل غَلْبي للأعَادِي
هاهُنا جِسْمي مُقيمٌ … وببَغْدَادَ فُؤادِي
أمْلُك الأرْضَ ولكن … تَمْلكُ الخُوْدُ قِيَادِي
هكذا كُلُّ مُحِبٍّ … باعَ قُرْباً ببَعادِ
قُلتُ: وقد رُويَت هذه الأبْيَات ليَحْيَىِ بن عليّ بن المُنَجِّم، قالها عن لِسَان المُعْتَضِد، أنْبَأنَا بها أبو رَوْح عَبْد المُعِزّ بن مُحَمَّد، عن أبي القَاسِم زَاهِر بن طَاهِر،
стр. 986
قال: أنْبَأنَا أبو القَاسِم بن أحْمَد، عن أبي أحْمَد المُقْرِئ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن يَحْيَى الصُّوْلِيّ إجَازَةً، قال: حَدَّثني يَحْيَى بن عليّ، قال: كُنَّا مع المُعْتَضِد في بعض أسْفَاره فدَعاني، فقال لي: قَلْبِي ببَغْدَاد وإنْ كان جِسْمى هاهُنا، فقُل عنِّي شِعْراً في هذا المَعْنَى أكْتُب به إلى مَنْ أُريدُ ببَغْدَادَ، فإنِّي قد رُمت ذلك فلم يتَّسِق لي. فقُلتُ عن لِسَانهِ: [من مجزوء الرمل]
ها هُنا جِسْمىِ مُقيمٌ … وببَغْدَادَ فُؤادِي
وكَذَا كُلُّ مُحِبٍّ … باعَ قُرْباً بِبَعادِ
أمْلكُ الأرْضَ ولكن … تملكُ الخُوْدُ قِيَادِي
غَلَبَ الشَّوْقُ اصْطِبَارِي … مثْلَ غَلْبي للأعَادِي
فأنا أحْتَالُ أنْ يخفَى … بجُهْدِي وهوَ بَادِ
ليسَ وادٍ لا أرى فيـ … ــه حَبِيْبي لي بوَادِ
فاسْتَحْسَنَ الأبْيَاتَ وكتبَ بها.
قال الصُّوْلِيّ: والنَّاسُ يَرْوونها للمُعْتَضد، وقد حَدَّثني بهذا يَحْيَى بن عليَّ، وكان ما عَلِمْتُ صَدُوقًا فيما يَحْكيه، فأمَّا الّذَي للمُعْتَضِد في هذا المَعْنَى ممَّا أنْشدنيهِ له مُحَمَّد بن يَحْيَى بن أبي عَبَّادٍ: [من مجزوء الرمل]
إنَّ جِسْمِي بسُمَيْسمَا … طَ وقَلْبي بالعِرَاقِ
غَلَبَ الشَّوْقُ اصطباري … من تَبارِيْح الفِرَاقِ
أَمْلكُ الأرْضَ ولا أمْـ … ـــلكُ دَفْعاً لاشْتِيَاقي
قال الصُّوْلِيّ: ومن شِعْر المُعْتَضِد (١): [من الكامل المجزوء]
لَمْ يلْقَ من حَرِّ الفِرَاقِ … أحَدٌ كما أنا منهُ لاقِ
стр. 987
يا سَائلي عن طَعْمِهِ … ألفَيْتُهُ مُرَّ المَذَاق
جِسْمِي يذوبُ ومُقْلَتي … عَبْرَى وقَلْي ذُو احْتراق
مالي أَليفٌ بعدَكُم … إلَّا اكْتِئابي واشْتِيَاقي
فاللهُ يحفَظُكم جَمِيْـ … ـــعاً في مُقَامي وانْطلاقي
قال الصُّوْلِيّ: وكانت دُرَيْرَة جَارِيَة المُعْتَضِد مَكِيْنَة عندَهُ؛ لها مَوضع من قَلْبه، فتُوفِّيَت، فجَزِعَ عليها جزَعًا شَدِيْداً، ومن شِعْر المُعْتَضِد فيها لمَا ماتتْ، أنْشَدنيهِ مُحَمَّد بن يَحْيَى بن أبي عَبَّادٍ، وكان إبْراهيم بن القَاسِمِ بن زُرْزُر المُغَنِّي يُغَنِّي منه بَيْتَيْن، ويقُول: الشِّعْر واللَّحْن للمُعْتَضِد طرحَهُ عليَّ (١): [من مجزوء الرمل]
يا حَبيباً لم يَكُنْ يَعْـ … ـــدِلُهُ عندِي حَبِيْبُ
أنْتَ عن عَيْني بَعِيْدٌ … ومن القَلْب قَرِيْبُ
ليسَ لي بَعْدَكَ في شـ … ــيء من اللَّهْو نَصِيْبُ
لكَ من قَلْبي على قَلْـ … ــبي وإنْ بِنْتَ رَقِيْبُ
وحِيَالي منكَ مُذ غِبْـ … ـــتَ خَيَال ما يَغِيْبُ
لو تَرَاني كيفَ لِى بَعْـ … ــدَكَ عَوْلٌ، ونَحِيْبُ
وفُؤادي حَشْوُهُ من … حُرَقِ الحُزْنِ لَهِيْبُ
لتيَقَّنْتَ بأنِّي … فيكَ مَحْزُون كَئِيْبُ
ما أرَى نَفْسِي وإنْ سَلَّيْتُـ … ـــها عنكَ تَطِيْبُ
لي دَمْعٌ ليسَ يَعْصِيْنـ … ـــي وصَبْرٌ ما يَجِيْبُ
стр. 988
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه ثقتي
قال الصُّوْلِيّ: ومن شِعْر المُعْتَضِد: [من مجزوء الكامل]
ضَاعَ الفِرَاقُ فلا وَجَدْتُهْ … وأتَي الحَبِيْبُ فلا فَقَدْتُهْ
واهْتَاجني لمَّا أتَى … شَوْقٌ إليهِ فاعْتَنَقْتُهْ
أنْشَدنيهِ يَحْيَى بنُ عليّ، قال: أنْشَدَنيهِ المعتَضِد لنَفْسِه، وقال: اصدُقْني عنهُ، فحلَفْتُ له أنَّهُ من حَسَنِ الشِّعْر ومَلِيْحه.
قال الصُّوْلِيّ: واعْتَلَّ المُعْتَضِد في سَنَة تِسْعٍ وثمانين، ولم يزَل عليْلًا مُذ وَقْت خُرُوجهِ إلى الخَادِم، وتزايدَت علَّتُهُ.
قال: حَدَّثَني جَابِرُ وسَعْدُ بن غَالِب المُتَطَبِّبان أنَّ عِلَّته كانتْ فسَاد مزَاجِ وجَفَافًا من كَثْرة الجِمَاع، وكان دَواؤُه أنْ يُقِلَّ الغذَاءَ ويُرطب بَدَنَهُ قَليلًا قَليلًا ولا يَتْعَب، فكان يَسَتْعْمل ضدَّ هذا وِيُرِيْهم أنَّهُ يَحْتَمِي، فإذا خَرَجُوا، دَعا بالجُبْن والزَّيتون والسُّمُوك والصَّحَانَي، فلم يَزَل كذلكَ إلى أنْ سَقَطَتْ قوَّتُه، واشْتَدَّتْ علَّتُه، في يَوْم الجُمُعَة لإحْدَى عَشرة ليْلَةٍ بَقِيَتْ من شهر رَبيع الآخر سَنَة تِسْعٍ وثمانين. فوَافَى دار العامَّة مُؤْنسِ الخَادِم، ومُؤْنسِ الخَازِن، ووَصِيْف موشْجِيْر، ودِيْودَاد بن مُحَمَّد بن أبي السَّاج وأخُوه، والفَضْل بن رَاشد، فيِ السِّلاح، في جميِعِ أصْحَابهم، وأحْضَر خَفِيْف السَّمَرْقَنْديّ أصْحَابَهُ، وكذَلك رشِيْق القَاري، وجعْفر بن بغلاقر، وحضَر القَاسِم بن عُبَيْدِ اللّهِ، والنُّوْشجانيّ، ويَانسِ، وثَابِت الرَّصاصِيّ، وبِشْر، وغِلْمَان الحُجَر، فسَأَلُوا القَاسِم أخْذَ البَيْعَة لأبيِ مُحَمَّد عليّ بن المُعْتَضِد، فقال القَاسِم: لستُ أجْسُر أطلب مَالًا لهذا وأخَاف أنْ أنْفِق بلا إذن، فيُفيق أَمِير المُؤمِنِين ويَبُلَّ فأُطالَب بالمَال، فقالوا له بأجْمَعِهم: نحنُ نَضْمَن المال
стр. 989
لك وهو علينا، فقال: رأيكم، فإنَّ أَمِير المُؤمِنِين المُعْتَضِد أمَرَني أنْ أُسَلّم المَمْلكَة إلى ابْنِهِ أبي مُحَمَّد والخِلَافَهَ، فبايعَ الجميع يَوْم الجُمُعَة بعد العَصْر وسُمِّي المُكْتَفِي، وأفاقَ المُعْتَضِد يَوْم السَّبْت فلمِ يُخبر بشيءٍ، ثمّ تُوفِّي ليلَة الاثْنَين لخمسِ ساعَات مَضَتْ من اللَّيْل، فبَعَث غَداة الاثْنَين لثمان ليالٍ بَقِينَ من شهر رَبيع الآخر إلى مُحَمَّد بن يَزِيد المُهَنْدِس فأعلَمه صَاف أنَّ المُعْتَضِد أوْصَى أنْ يُدْفَنَ في دار مُحَمَّد بن عبد اللهِ بن طَاهِر، وينقل إليها أُمَّهاتُ أولادِهِ ووَلدُهُ ليكُونوا بالقُرْبِ من قَبْره، فَمضَىِ مُحَمَّد بن يَزِيد وحَفَر قَبْرًا عَشْرُ أذْرُع في خَمْسٍ، وكُفِّن فِي ثلاثةِ أثْوَاب أُدْرِج فيها، وحضَر القُضَاة والفُقَهَاء، وغَسَّلَهُ أحْمَدُ بن شَيْبَة عند زوال الشَّمْس، وصَلَّى عليه يُوسُفُ القَاضِي، وأُدْخل حُفْرته بعد ثلاث ساعاتٍ من لَيْلَة الثّلاثَاءِ.
وكتَبَ القَاسِم إلي المُكْتَفِي بالخَبَر، وقد كان كاتبَهُ قبل ذلك بحَقِيْقَةِ حال المُعْتَضِد وهو أخذ البَيْعَة، فكانت مُدَّة خِلَافَته تسْع سنين وتسعَةَ أشْهُرٍ وثلاثة أيَّام، ومات وهو ابن خَمْس وأرْبَعينَ سَنةً.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُرَيْق، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ (١)، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن أبي بَكْر، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عبد الله بن إبْراهيم الشَّافِعيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر عُمَر بن حَفْصٍ السَّدُوسِيّ، قال: المُعْتَضِد، أرْجَفَ النَّاس بمَوْتِه يَوْم الاثْنَين للنّصْف (a) من شَهْر رَبيع الآخر سَنَة تِسْعٍ وثَمانِيْن ومَائتَيْن، وذكر خاصَّتُه وقُوَّادُه أَنَّهُ لم يَمُتْ، وخُطِبَ له يَوْم الجُمعَة لعَشْرٍ بَقِينَ من هذا الشَّهْر، وأُخِذَتِ البَيْعَةُ بولَايَة العَهْد لعليّ بن المعتَضِد بالله ليلَة الثّلاثَاء، ودُفِنَ في دار مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر، وذكَروا أنَّهُ أوْصَى أنْ يُدْفنَ فيها، فكانَتْ ولَايتُهُ تِسْعَ سنين وتسْعَةَ أشْهُر وخَمْسة أيَّام.
стр. 990
وأنْبَأنَا الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر (١)، قال: أخْبرَني أبوِ القَاسِم الأزْهَرىّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن إيْاهِيم، قال: حَدَّثَنَا إيْراهيم بن مُحَمَّد بن عَرَفَة، قال: تُوفِّي المُعْتَضِد يَوْم الاثْنَين لثمانٍ بقِينَ منِ شَهْر رَبيع الآخر سَنَة تِسْعٍ وثَمانِيْن ومَائتَيْن، ودُفِنَ في حُجْرة الرُّخَام فَي دار مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر، وصَلَّى عليه يُوسُفُ بن يَعْقُوبَ القَاضِي، وتولَّى أمْرهُ، فكانتَ خِلَافَتُه تِسْع سنين وتسْعَهَ أشْهُر وخَمْسة أيَّام.
أنَبَأنَا أبو اليُمْن، قال: أخْبَرَنا القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر (٢)، قال: أنْبَأنَا إبْراهيم بن مَخْلَد، قال: أخْبَرَنا إسْمَاعِيْلِ بن عليّ، قال: تُوفِّي أَمِير المُؤمِنِين المُعْتَضِد بالله، وله من السِّنِّ خَمْس وأرْبَعُون سنَة وعَشَرة أشْهُر وأيَّام. وكان رَجُلًا أسْمَر، نَحِيْفَ الجِسْم، مُعْتَدلَ الخلَق، وقد وَخَطَهُ الشَّيْبُ، في مُقَدِّم لحيَتهِ طُولٌ، وفي مُقَدّم رَأسِه [شَامةٌ] (a) بيضاءُ، هكذا رَأيتهُ في خِلَافَته إلَّا الشَّامة.
أخْبَرَنا أبو هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميُّ الحَلَبيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو شُجاعٍ عُمَر بن أبي الحَسَن البِسْطَامِيّ، قال: قرأتُ على أبي القَاسِم بن السَّمَرْقنديّ: أخْبرَكمُ أبو الحُسين بن النَّقُّور، وأبو مَنْصُور بن عَبْد البَاقِي بن مُحَمَّد بن غالب العَطَّار، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن المُخَلِّصُ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد عُبَيْدُ الله بن عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن عِيسَى السُّكَّرِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو يَعْلَى، قال: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بن يَحْيَى بن خَلَّاد المنْقَريّ، قال: حَدَّثَنَا الأصْمَعِيّ، ح.
قال أبو شُجاع البِسْطَامِيّ: ورأيتُ بخَطِّي أنَّ ابن السَّمَرْقنديّ رَوَاهُ عن عَبْد العَزِيْز بن عليّ ابن بنت الحَرْبِيّ، عن المخُلِّصِ، عن أبي أحْمَد بن المُهْتَدِي بالله، فاللهُ أعْلَمُ، قال: أخْبرَني أبو أحْمَد بن المُهْتَدي بالله قال: وقال المُعْتَضِدُ عند نُزُول المَوْت
стр. 991
به: اللَّهُمَّ إنَّك تَعْلَم أنّي أعْلَم أنَّ لك السَّمَوَات والأرْض وما بينهما فأسألُكَ أنْ تَغْفر لي. أخْبَرَنا أبو اليُمْن إذْنًا، قال: أخْبَرَنا القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بنُ عليّ (١)، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عُمَر بن رَوْحٍ النَّهْرَوَانيّ، قال: أخْبَرَنا المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء (٢)، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن (a) أحْمَدُ بن جَعْفَر بن مُوسَى البرمَكيِّ المَعْرُوف بجَحْظَة، قال: قال: لي صافِي الحُرَمِيّ (b): لمَّا ماتَ المُعْتَضِد باللّهِ كَفَّنْتُه واللهِ في ثَوْبين قُوْهِيّ قيمتُهما ستَّة عَشر قِيْرَاطًا.
أحمدُ بن طُوْلُون، أبو العبَّاس (٣)
قيل إنَّهُ وَلِيَ حَلَب في سَنَة ستٍّ وخَمْسِين ومَائتَيْن، والّذي صَحَّ أنَّهُ وَلي
стр. 992
الثُّغُور الشَّامِيَّة في سَنَة اثْنَتَيْن وسِتِّين ومَائتَيْن، ثُمَّ وَلي حَلَب وقِنَّسْرِيْن والعَوَاصِم من جهة المُعْتَمد.
وكان أبو أحْمَد المُوَفَّق مُنْحَرفًا عنه، فلم يكُن له حِيْلةَ في دَفْعه عن ذلك، ولمَّا تمكَّن أبو أحْمَد المُوَفَّق اسْتَوْحَش أحْمَد بن طُوْلُون من جِهَته، وعَقَد مُوسَى بن بُغَا لسِيْما الطَّويل على أنْطَاكِيَة، فوصَل إليها، واسْتَولَى عليها وعلى حَلَب.
وعَصَى أحْمَد بن طُوْلُون على أبي أحْمَد المُوَفَّق، وأظْهَرَ خَلْعَهُ عن ولاية العَهْد، وأخَذَ خَطّ قُضَاهَ بلاده باسْتِحقاقه لذلك، ونَزل أحْمَد بن طُوْلُون إلى حَلَب، فانْحاز سِيْمَا إلى أنْطَاكِيَة، فكاتَبهُ أحْمَد بن طُوْلُون يَدْعُوه إلى الطَّاعَة، فامْتَنع، وكان أَحْمَد إذا لاينه الإنْسَان لم يرَ منه إلَّا خيرًا، ومَنْ خاشَنَهُ قاتَله، فحينئذ حَصَرهُ في أنْطَاكِيَهَ، ونصَب عليه المنجَنِيْقات، وكان سِيْما سَيء السِّيْرَة، فراسَل أهل أنْطَاكِيَة أحْمَد بن طُوْلُون، ودَلُّوه على مَوضع فتح منه الحِصْن، فرَكِبَ سِيْمَا وقاتل حتَّى قُتِلَ وأُتي برأسه إلى أحمد، فقال أحْمَد: أمَا إنِّي كُنتُ أُحِبُّ لك غير هذا فأبيتَ، فأنا بريء من دَمك، وقد كان بينهما قبل ذلك مُرَافَقة ومُصَادقة، وكان ابن طُوْلُون راضيًا منهُ بإقامة الدَّعْوَة له فأبَى، وكان آخر قوله له: لأنْ يَلْعبَ الصِّبْيَانُ برأسي يا أحْمَدُ آثر عندي من أنْ تَلْعَب أنتَ به.
واسْتَولَى أحْمَد بن طُوْلُونَ على الشَّام جَميْعه، وجَبَى أمْواله، ولم يَحْمل شيئًا إلى المُعْتَمد، وقَطَعَ السَّبِيْل عن بَغْدَاد، وحالَ بين التُّجَّار وبين النُّفُوذ من مِصْر والشَّام إلى بَغْدَاد، ووَكَّلَ بالطُّرُق، ومنع مَنْ في ناحيته أنْ يكاتُبِوا أحدًا من أهل الأمْصَار، ومَنعَ حَمْل مال الخَرَاج بمِصْر والشَّام وقِنَّسْرِيْن والعَوَاصِم، ولُعِنَ ابن طُوْلُون على مَنَابرِ بَغْدَاد ومَكَّة.
ووَلَّى أحْمَد بن طُوْلُون حَلَب غُلَامَهُ لؤلُؤ، وكاتَبهُ أبو أحْمَد المُوَفَّق حتَّى
стр. 993
عاثَ على مَوْلاهُ، وجَبَى الخَرَاج لنفسِه، ومَضَى إلى أبي أحْمَد المُوَفَّق على ما نَذْكره في تَرْجَمَةِ لؤلُؤ (١) إنْ شَاءَ اللهُ.
وكان أحْمَد بن طُولُون من مَوَالِي بني العبَّاس وقُوَّادهِم، وأُولي النَّجْدَة والبَأْس والشَّجَاعَة، وله معْرُوف كَثِيْر، وبن بمِصْر الجامع المَعْرُوف به، وبَنَي مَصَانِع كَثِيْرة ومَرَافِق للمُسْلمِين.
ونَقَلْتُ من خَطِّ صالح بن إبْراهيمِ بن رِشْدِين المِصْرِيّ في مجمُوعهِ: وُلد أبو العبَّاسِ أحْمَد بن طُوْلُون في سَنَة اثْنَتي عَشرة ومَائتَيْن، ومات في ذي القَعْدَة سَنَة سبْعين ومَائتَيْن.
وقَرَأتُ في كتاب أبي القَاسِم يَحْيَى بن عليّ الحَضْرَميّ (٢)، الّذي ذَيَّلَ به تاريخ أبي سَعيد بن يُونُس، قال في ذِكْر الغُرَبَاء ممَّن دَخَل مِصْر: أحْمَد بن طُوْلُون، يُكْنَى أبا العبَّاس، قَدمَ وَاليًا على مِصْر، حُكيِ عنه حكايات، قال لي ابنِ رشِيْق: قال لي عَدْنَان بن أَحْمَد بن طُوْلُون: دَخَلَ والدُنا أحْمَد بن طُوْلُون ﵀ مصِر، ويُكْنَى أبا العبَّاس، في شَهْر رَمَضَان لأرْبَع عَشرِة لَيْلَة خَلَتْ منه، سَنَة أَرْبَعٍ وخَمْسِين ومَائتَيْن، دَخَل مِصْر وله اثْنان وثلاثون سَنةً، وأقام بها ستّ عَشْرة سَنةً، وتُوفِّيَ سَنَةَ سَبْعين ومَائتَيْن، ومَبْلغ سِنِّه ثمان وأرْبَعُون سنةً.
قُلتُ: فُمقْتَضَى قول عَدْنَان يكون مَوْلد أحْمَد أبيه في سَنة اثْنَتَيْن وعشرين ومَائتَيْن، واللهُ أعْلَمُ.
أنْبَأنَا المُؤيَّد بن مُحَمَّد بن عليّ، قال: كَتَبَ إلينا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ (٣) وذكَر أنَّ أحْمَد بن طُوْلُون مَلَكَ حَلَب في سَنَة ستٍّ وخَمْسِين ومَائتَيْن.
أخْبَرَنا عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبرزَد كتابةً، عن أبي غَالِب بن البنَاء، قال: أخْبَرَنا
стр. 994
أبو غَالِب بن بِشْرَان إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين المَرَاعِيشِيّ، وأبو العَلَاءَ الوَاسِطِيِّ، قالا: أخْبَرَنا إبْراهيم بن مُحَمَّد بن عَرَفَة، قال: وفي هذه السَّنَة -يعني سَنَة أرْبَعٍ وخَمْسِين ومَائتَيْن- وُلي أحْمَد بن طُوْلُون مِصْرَ خلَيفَةً لِبَابِيَاكَ (a) مكان مُزَاحِم بن خَاقَان، فأخْبَرَني مَنْ رأى أحْمَد بن إِسْرائيل خارجًا من دار السُّلْطان وهوِ يَقول: إنَّ أَمِير المُؤمِنِين قد أمَرَ بتوليةِ ابن طُوْلُون مِصْر، وعليها وعليه السَّلام، فلم يَزَل عليها هو ووَلده إلى أنْ افْتَتَحها مُحَمَّد بن سُلَيمان.
وقال: ثمّ دَخَلَت سَنَة اثْنَتَيْن وسِتِّين ومَائتَيْن، فذَكَرَ فيها حَوَادث، ثمّ قال: ووُلي أحْمَد بن طُوْلُونَ الثُّغُور الشَّامِيَّة على أنْ يَحْمل في كُلِّ سَنَة أربعمائة ألف دِيْنار.
وقال في سَنَة أرْبَعٍ وسِتِّين ومَائتَيْن: وولي ابن طُوْلُون أجناد الشَّام وقِنَّسْرِيْن والعَوَاصم والثُّغُور.
وقال في سَنَة خَمْسٍ وسِتِّين ومَائتَيْن: وقَتَلَ ابنُ طُوْلُون سيِمْا الطَّويل. وقال فيها: ويُقالُ إنَّهُ ماتَ في مَحَابسِ ابن طُوْلُون ثمانية عَشر ألْفًا.
وقال في سَنَة تِسْعٍ وسِتِّين: لَعَنَ المُعْتَمدُ ابنَ طُوْلُونَ في دار العامِّة، وأمرَ بلَعْنه، وعَقَد لإسْحاق بن كُنْدَاج (b) على أعْمَال ابن طُوْلُون. قال: ولُعِنَ بمَكَّة.
وقال: وفي هذه السَّنَة بَنَي أحْمَدُ بن طُوْلُون أرْبَعَة أرْوقَةٍ على قَبر مُعاوِيَة بن
стр. 995
أبي سُفْيان وأمَرَ أنْ يُسْرج هُنالكَ، وأجْلَسَ أقْوَامًا معهُم المَصَاحِف يَقُرأون القُرْآن.
أنْبَأنَا أبو رَوْح الهَرَويّ، عن زَاهِر بن طَاهِر، عن أبي القَاسِم البُنْدَار، عن أبي أحْمَد المُقرِئ، عن أبي بَكْر الصُّوْلِيّ، قال في سَنَة اثْنتَيْن وسِتِّين ومَائتَيْن: وولي أحْمَد بن طُوْلُونَ الثُّغُور الشَّامِيَّة إلى ما كان يلى من مِصْر، وفُوْرق على أنْ يُوجِّه في كُلِّ سَنَة بأرْبَعمائة ألف دِيْنارٍ.
وقال الصُّوْلِيّ في سَنَة خَمْسٍ وسِتِّين ومَائتَيْن: وجاء أحْمَد بن طُوْلُون إلى أنْطَاكِيَة فافْتَتَحها وقَتَلَ سِيْما الطَّويل، وكان بها.
وقال في سَنَة تِسْعٍ وسِتِّين: ورَكِبَ المُعْتَمدُ يَوْم الجُمُعَة فصَار إلى دار العامَّة، وأحْضَر النَّاس، فلَعَن ابن طُوْلُون، وصَلَّى بالنَّاس المُفَوَّض ولَعَنَهُ، وعَقَد لإسْحاق على أعْمَالهِ.
وقال في سَنَة سَبْعين: ووَرَدَ الخَبَرُ أنَّ ابنَ طُوْلُونَ أمرَ فبُنيَتْ أرْوقَة عند قَبْر مُعاوِيَة، وأجْلَسَ رجالًا يقرأونَ في المَصَاحِف عنده.
قُلتُ: إنَّما فَعَل ابن طُوْلُون هذا مُعَاندةً لبني العبَّاس وأبي أحْمَد المُوَفَّق، حين لُعِنَ على المَنَابِر وبمَكَّة وامْتَنع من حَمْل الخَرَاج.
قَرَأتُ في كتاب أبي القَاسِم يَحْيَى بن عليّ الحَضْرَميّ، الّذي ذَيَّلَ به تاريخ ابن يُونُس: حَدَّثَنَا ابن رَشِيْق، قال: حَدَّثَنَا سَعيدُ بن هاشِم الطَّبَرَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد الطَّبَرَانِيّ، قال: حَدَّثَني أبي، قال: كنتُ جالِسًا عند أحْمَد بن طُوْلُونَ ذات يَوْم فدَعَا برَجُل، فأُدْخل إليهِ فناظرَهُ، ثمّ قال لحَاجِبٍ من حُجَّابِه: خُذْ هذا فاضْرب عُنُقَه وأتِني برأسهِ، فأخذَهُ ومَضَى بهِ، فأقام طَويلًا ثمّ أتى وليسَ معَهُ شيء، فقال له أحْمَد بن طُوْلُون: ما قصَّتُكَ؟ وماذا فعلتَ؟ فقال:
стр. 996
أيُّها الأمِيرُ، الأمان، قال: لك الأمان، قال: مضيْتُ بالرَّجُل لأضْربَ عنُقَه فجُزْتُ ببَيْتٍ خَالٍ، فقال لي: ائذن لي أدخُل هذا البَيْت فأُصَلِّى فيه رَكْعَتين، فاسْتَحْيَيتُ من الله أنْ أمْنَعَهُ من ذلك فأذنْتُ له، فدَخَل فأطال، فدخَلْتُ إلى البَيْت فلم أجِد فيهِ أحدًا وليس في البَيْت طاق نافذٌ، فجئْتُ لأُخْبركَ بذلك. قال: فقال له: فهل سمعتهُ يقُول شيئًا؟ قال: نعم، قال: ماذا سَمِعته يقول؟ قال: سمعتُهُ قد رفَع يدَيهِ وهو يُشِيرُ بإصْبَعَيْهِ وهو يَقُول: يا لَطِيْف لِمَا يَشاء، يا فَعَّال لِمَا يُريد، صَلِّ على مُحَمَّدٍ وآلهِ، والْطُف لىِ في هذه السَّاعَة، وخَلِّصني من يَدِيه، فدخلْتُ البَيْت بعدَ هذا أطلُبُه فلم أجد فيهِ أحدًا، فقال له أحْمَد بن طُوْلُون: صَدَقْتَ هذه دَعْوَةٌ مُسْتَجابة.
وقال الحَضْرَميُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن الحَسَن بن مُحَمَّد بن يَحْيَى يقُولُ: سَمِعْتُ أبا يَعْقُوب بن صَيْغُون؛ الرَّجُل الصَّالح، يقُول: كان لي صَدِيقٌ بالمَعَافِر من خِيَارِ المُسْلمِيْنَ، فَقِيْر كان له أرْبع بناتٍ، فجَمَعْن من غَزْلهنَّ أحد عَشر دِيْنارًا اشْتَرين جَارِيَةً أعْجَميَّة تَسْتَقي لهم من العُيُون والمَصَانِع بالمَعَافِر، وتخبز الخُبْز وتَخْدمهم، فهَرَبت منهنَّ في بعض الأيَّام، فأخذَها أصْحَابُ المصالح في بني وَائِل، فجئتُ فأخْبرنني بذلك، فجئتُ إلى أصْحَاب المصَالح فكلَّمتُهم، فقالوا: لا نَدْفعُها إلَّا بأرْبعة دَنَانِيْر، فخاطبتُ البَنات، فأخْرَجنَ إليَّ أربعة أزْواج حَلَق في كُلِّ زَوْج نصف دِيْنارٍ، فجئتُ إلى أصْحَاب المصَالح، فقالوا: لا نأخُذُ إلَّا أربعة دَنَانِيْر، فانصرفْتُ آخرَ النَّهَار إلى بِرْكَةِ المَعَافِر وقد دَخَلها الماء، فجلسْتُ على حَجَر على الماءَ، وقلعْتُ نَعْلي وجَعَلتُ الحَلَق عليها، فبينا أنا مَهمُومٌ إذ برَجُلٍ على بَغْل قد وقفَ بي، ونَزل فجلَسَ إلى جانبي وقلَبَ العنان وأمْسَكه بيَده وحَادَثني، واستَخْبرنى عن مَسْكني ومَوضِعي واسْتَوْصَف مَنْرِلي، إلى أنْ سَألَني عن سِيْرَة الوالي، فأخْبرتُه أنَّ له مَعْرُوفًا، وقد عَمِل هذه المَصَانِع للماء والمَارَسْتَان، وبَنَى الجامعَ، وحبَّسَ عليها الأحْبَاس، إلى أن سألني عن تلك الحَلَق الّتي رآها على النَّعْل، فأخْبرتُهُ الخَبَرَ،
стр. 997
فقال لي: أنْتَ تَصِفُ الرَّجُل بالعَدْل ويَسْتَعمل من هؤلاء القَوْم مَنْ يَفْعَلُ هذا الفعْلَ؟ فقُلتُ: لا عِلْم له (a) بفعلِهم، وحَضَرت صَلاةُ المَغْرب، فقال لي: تقدَّم وصَلِّ بي، ووقفَ على يَمِيْني فصلَّيْتُ به المَغْرب، ثمّ فَرغ ورَكعَ، ورَكِبَ بَغْلةً وأخَذَ على المَقَابِر على الصَّحْرَاءَ، وانْصَرفت إلى مَنْزلي، فإنِّي لجالِسٌ على إفْطاري إذ سَمِعْنا على الباب جَلَبَةً، فاطَّلَعت إحْدى البنات فقالت لي: يا أبَت، على البابِ قَوْمٌ من أصْحَاب السُّلْطان فنَزَلْتُ فإذا صَاحِبُ الشُّرْطَةِ سَرِيٌّ، فحملَني على بَغْلٍ، وأخَذَ بي على الصَّحْرَاء إلى جَبَل، فإذا جَمِعٌ وإذا بصَاحبي جالسٌ وبينَ يَدَيْهِ شَمْعٌ، فقال لي: عندي يا إمَامي، السَّاعَة صلَّيت المَغْرب، ثمّ قال: يا سَرِيّ ما يقْدِر لي أبو أحْمَد المُوَفَّق على مثل ما كدتني به أنتَ، أبو أحْمَد يَلْقَاني برجالٍ، وألْقاهُ برجالٍ، وبكُرَاع وسلاحٍ وعُدَّة، وألقاهُ بمثلها، أبو أحْمَد لا يَقْدر يوقفُ لي اللَّيْلة مثل هذا الرَّجُل المَسْتُور في اللَّيْلِ وخَلْفه أرْبَعُ بناتٍ مَظْلُومات يَرْفعُونَ أيديَهم إلى الله، هذا يُهلكني.
قال: ثمّ الْتفَتَ إليَّ فقال: أنْشُدك الله إنْ دعوتَ عليَّ، ثمّ قال: يا سوَار، أحضرْ ما قلْتُ لكَ، فأحْضَر أربَعَ صُرَر وأربع رزَم ثياب، وقال لي: يا شَيْخُ، ادْفَع الصُّرَر إلى أصْحَاب الحَلَق، إلى كُلِّ واحدةٍ مائة دِيْنار ورزمَة من الثِّيَابِ يَكْتَسِيْنَها، وهذه ثلاثون دِيْنارًا ابَتعْ بها جَارِبَةً مَشْهُورةً مَخْبُورةً، وبيعُوا هذه الجَارِيَة الّتي باتَتْ بحيث لا يَصْلح (b). أجْرَيتُ عليكَ وعلى بناتِك خمسَةَ دَنَانِيْر في كُلِّ شهرٍ لكُلِّ نَفْسٍ منكم دِيْنار، ومائدة طَعَامٍ يَوْم الاثْنَين، ومائدة يَوْم الخَمِيْس، ولا تَدْعُو عليَّ، وانْصَرَف.
وقال الحَضْرَميُّ: حَدَّثنا مُحَمَّد بن الحَسَن بن عليّ بن مُحَمَّد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَني أبو إسْحاق بن الطَّبِيْب، قال: رَكِبَ أحْمَد بن طُوْلُون إلى الجامع في جَيْشهِ
стр. 998
ورجَّالته، فاجْتازَ بالمَوْقف، وكان في المَوْقف دُكَّان فُقّاعِيّ، فعَبَثَ السُّوْدان بالفُقّاعِ فبدَّدُوه في مَسِيْرهم، ثمّ جاء أحْمَدُ بن طُوْلُون وقد انْكَشف له الأرْض، فرَأى الفُقّاع مُبَدَّدًا، وكان بينَ يَديْهِ ابْنَاه العبَّاسُ وخُمَارَوَيْه يحجُبَانهِ، فنَرلا، فرأيتُهما يجمَعان الفُقّاع من الأرْض، ويَرُدَّانه إلى دُكَّان الفُقّاعِيّ حتَّى بقيَت واحدة على بُعْد، فأَوْمَى بإصْبَعهِ إليها، فرأيتُهما قد علَّقا سَيْفَي ذَهَبٍ بأيدِيْهما وجَرَيا إليها حتَّى أخذَها أحدُهُما ورَدَّها إلى دُكَّان الفُقّاعِيّ، فحينئذٍ سَارَ الأَمِير أحْمَدُ بن طُوْلُون.
قَرَأتُ في كتاب نُزْهَة عُيُون المُشْتاقِيْن (١)، تأليفُ أبي الغَنائِم عبد الله بن الحَسَن النَّسَّابَة، قال: وحَدَّثَني فَخْر الدَّوْلَة نَقِيبُ نُقَبَاء الطَّالِبيّينَ قال: حَدَّثُوني عن أحْمَد بن طَيْلُونَ (a) أنَّهُ أرادَ أنْ يَرْفع المُكُوس الّتي على النَّاس بمِصْر، فقال لوَزِيره: أبْصر كَم مَبْلغ المُكُوس؟ فقال: مبْلَغها مائة ألف دِيْنارٍ في كُلِّ سَنةٍ، فقال له: أُريدُ أنْ أرفَعَها عن النَّاس، فقال له الوَزِيرُ: لا تَفْعَل أيُّها الأَمِيرُ، فإنَّكَ إنْ حَطَطتها ضَاقَ عليك المال، وطالبَك الرِّجَال، فتقْصر يدُكَ عن مالهم ويكُون ذلك فَسَاد، فثَنَى عزمَهُ عن حَطِّها.
قال: فلمَّا كان عَشِيَّة ذلك اليَوْم، رأى أحْمَد بنُ طَيْلُون الأَمِير في النَّوْم كأنَّ قَائلًا يقُول لهُ: يا فُلَان، رجع بدا لك (b) ممَّا هممتَ بهِ من حَطَّ المُكُوس عن النَّاسِ، لو كُنْتَ تركتُهُ لله ، لكان عَوَّضَكَ خَيْرًا ممَّا تركْتَ، فانتَبَه. فقال: والله لا أخَذتُها لقاءَ اللّه ، ثمّ أمَرَ فَحُطَّت عن النَّاس بأسْرِهَا.
قال: ثمّ بقي مُدَّةً يَسِيْرةً، ورَكِبَ حتَّى أتَى إلى سَفْح الجَبَل فوقعَتْ رِجْلُ الفَرَس في مثل الخوَار من الأرْض، فنظَروا، فإذا هو كَنْز فيه أَلْفُ ألْفِ
стр. 999
دِيْنارٍ، فأخذَها وبَنَي منها مَسْجِد ابن طَيْلُون بمِصْر، ووجَّهَ إلى الثُّغُور بأرْبعمائة أَلف دِيْنار، واسْتَقلَّ ببَقِيَّةِ المالِ، ولم يأخُذ المُكُوس أيَّام حياتهِ.
هكذا قال: ابن طَيْلُون؛ وهى لغَة العَوَام، وقد كان أبو الغَنائِم الزَّيْدِيّ يَقَعُ في ذلك كَثيرًا، وكان لَحَّانًا (a).
نَقَلْتُ من خَطِّ أبي الحُسَين عليّ بن المُهَذَّب بن أبي حَامِدٍ المَعَرِّيّ، في تَعْلِيق له، حَمَلَهُ إليَّ بعضُ عَقِبهِ في التَّاريخ: سَنَة سبعين ومَائتَيْن، وفيها تُوفِّي أحْمَد بن طُوْلُون في ذي القَعْدَة، وقام مكانه ابنه خُمَارَوَيْه.
ونَقَلْتُ من تاريخ مِصْر وذِكْر وُلاتها، تَصْنِيفُ أبي بَكْر عُبَيْد اللّه بن مُحَمَّد بن سَعيد بن أبي مَرْيَم، قال: وفي سَنَة أرْبَعٍ وخَمْسِين ومَائتَيْن ولي أحْمَد بن طُوْلُون مَوْلَى أَمِير المُؤمِنِين.
وقال: في سَنَة تِسْعٍ: ابن طُوْلُون على حاله على الصَّلاة، وابن المُدَبِّر على الخَرَاج، وفيها تُوفِّي المُهْتَدي، وبُوْيِعَ للمُعْتَمد.
قال: وفي سَنَة ستِّين ومَائتَيْن: أحْمَد بن طُوْلُونَ على الصَّلاة إلى سنَة سَبْعين ومَائتَيْن، وفيها تُوفِّي أحْمَد بن طُوْلُون لعَشر ليالٍ خَلَتْ من ذي القَعْدَة.
أنْبَأنَا عُمَر بن طَبرْزَد، عن أبي غَالِب بن البَنَّاء، عن أبي غَالِب بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين المَرَاعِشِيّ وأبو العَلَاء الوَاسِطِيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللّه نِفْطَوَيْه، قال: وشَخَصَ ابنُ طُوْلُون من دِمَشْق، ووَافَى المُعْتَمد مَدِينَة السَّلام، فلَعَنَ بها ابن طُوْلُون، ثمّ وَرَدَ الخَبَرُ بوَفَاة ابن طُوْلُون بعدَ أيَّام.
أنْبَأنَا ابن المُقَيِّر، عن ابن نَاصِر، قال: أنْبَأنَا أبو القَاسِم البُنْدَار، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد المُقْرِئ إذْنًا، عن أبي بَكْر الصُّوْلِيّ، قال: سنَة سَبْعين ومَائتَيْن قال: ووَافَى
стр. 1000
إسْحاق بن كُنْدَاج لليلَتَيْن خَلَتا من جُمَادَى الآخرة فخلع عليه خلعَة فيها سَيْفان مُحلَّيان وعُقِدَ له على المَغْرب، فشَخَصَ إلى سُرَّ مَنْ رَأى من يَوْمه لأنَّهُ اتَّصَل بهِ مَصِير ابن أبي السَّاج إلى عَانَة وأنَّهُ دَعا بالرَّحْبَة لابن طُوْلُون، وأنَّ أحْمَد بن مالك بن طَوْق دعا لابن طُوْلُون بقَرْقِيسِيا، وكذلك ابن صَفْوَان العُقَيْلِيِّ.
قال: وانْصَرفَ ابنُ طُوْلُونَ من دِمَشْق وهو شَدِيد العِلَّة إلى مِصْر، وانْصَرف أصْحَابُه عن الرَّحْبَة وقَرْقِيْسِيَاء، ورَجَع ابن أبي السَّاج إلى قَرْقِيسياء، فخَرَجَ المُعْتَمدُ يُريدُ بَغْدَاد، وأمَرَ بلَعْن ابن طُوْلُون على المَنَابِر، ووَرَدَ الخَبَر يَوْم السَّبْت لستٍّ خَلَوْنَ من ذِي الحِجِّة بمَوْت أحْمَدَ بن طُوْلُون، تُوفِّي بمَدِينة مِصْر.
قال الصُّوْلِيّ: وفيها مات أحْمَد بن طُوْلُون والحُسَين بن زَيْد لعَشْرٍ خَلَوْنَ من ذي القَعْدَة.
قَرَأتُ في سِيْرة أحْمَد بن طُوْلُون من تأليف ابن زُوْلَاق المِصْرِيّ (١)، قال في آخرها: ورآه عبدُ اللّه بن القَاسِم، وكانَ من أصْحَاب سِيْما الطَّويل، قال: رأيتُ فيما يرى النَّائم كأنَّ سِيْما الطَّويل مُتَعلِّق بأحْمد بن طُوْلُون على باب مَسْجِد، وهو يَصِيح بأعْلَى صَوْته: يا رسُول اللّهِ، أَعْدِني على أحْمَد بن طُوْلُون فإنَّهُ قَتَلني واصْطَفى ما ملكتُ، وأسْرَع في أهْلي ووَلدِي، فصَاح به صَائحٌ: كذبتَ يا سِيْما، ما قَتَلك أحْمَدُ، بل قَتلك عجيجُ شِمْل التَّاجِر الّذي ظَنَنْتَ أنَّ عندَهُ مَالًا فضَرَبْتَهُ حتَّى أشْرَفَ على الهَلَكَة، ثمّ دخَّنْتَ عليهِ حتَّى ماتَ في التَّدْخين، أنْتَ وأحمَدُ خاطِئَان إلَّا أنَّ أخَفَّكُما وِزْرًا أحْسَنكما سِيْرةً، وأكْثركما مَعْرُوفًا أقْربكُما من المَغْفِرَة.
стр. 1001
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّازُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ (١)، قال: أخْبَرَنا الحُسَين بن مُحَمَّد بن الحَسَن المُؤدِّبُ، قال: أخْبَرَنا إبْراهيمُ بنُ عبد اللّه المالِكِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن عليّ بن سَيْفٍ العَنَزِيّ، قال: سَمِعْتُ أَبا عبد اللَّه الحسُين بن أحْمَدَ المُنَجِّم النَّدِيْم، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن عليّ المَادَرَائيَّ، قال: كنتُ اجْتازُ بتُرْبَةِ أحْمَد بن طُوْلُون، فأرَى شَيْخًا عندَ قَبْره يَقْرأُ مُلَازِمًا للقَبْر، ثمّ إنِّي لم أرَهُ مُدَّةً، ثمّ رأيتُه بعدَ ذلك، فقُلتُ لَهُ: ألسْتَ الّذي كنْتُ أراكَ عند قَبر أحْمَد بن طُوْلُونَ وأنتَ تقرأ عليه؟ فقال: بَلَى، كان قد وَلِينا رئاسةً في هذا البَلَد، وكان له علينا بعضُ العَدْل إنْ لم يَكُن الكُلّ، فأحبَبْتُ أنْ أقرأ عندهُ وأصِلَهُ بالقُرآن، قلت له: لم انقطعْتَ عنه؟ فقال لي: رَأيتُهُ في النَّوْم وهو يَقُول لي: أُحِبُّ أنْ لا تَقْرأ عندي، فكأنِّي أقُول له: لأيّ سَبَبٍ؟ فقال: ما تَمُرّ بي آيةٌ إلَّا قُرِّعْتُ بها، وقيل لي: ما سَمعْتَ هذه؟.
أحْمدُ بن الطَّيِّب بِن مَرْوَان الخُرَاسَانيّ السَّرْخَسِيّ، ويُعْرَفُ بابن الفُرَانِقِيّ (٢)
حَدَّثَ عن أبي عبد اللّهِ أحْمَد بن حَمْدُوِن بن إسْمَاعِيْل النَّدِيْم، وابن حَبِيْب، وعُمَر بن شَبَّة، وأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن مُوسى، ومُحَمَّد بن يَزِيد الثُّمَالِيّ،
стр. 1002
وعبد اللّه بن هارُون الوَاثق ابن المُعْتَصِم، وأبي الخَطّاب بن محمّد بن الحُسَين بن الحَسَن بن عِمْران الطَّائيّ، وأبي عبد اللّه الحسُين بن عليّ بن طَاهِر ذي اليميْنيَنِ، ويَعْقُوب بن إسْحاق الكِنْدِيّ.
رَوَى عنهُ أبو حَامِد أحْمَد بن جَعْفَر الأشْعَرِيّ، وأحمد بن إسْحاق بن إبْراهيم الملحَميّ، وجَحْظَة البرمَكيِّ، والحَسَن بن عليّ الخفَاف، والحَسَن بن مُحَمَّد الأمَوِيّ عَمّ أبي الفَرَج الأصْبَهَانِيّ، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن أبي الأزْهَر، وأبو عليّ المحسِّن بن عليّ بن مُحَمّد التَّنُوِخيّ.
وقَدِمَ حَلَب صحبَة أبي العبَّاس المُعْتَضِد حينَ قَدِمها في حياة أبيهِ لمحارَبة خُمَارَوَيْه بن أحْمَد بن طُوْلُون في سَنَة إحْدَى وِسِبعِنِ ومَائتيْن، ووَقفتُ على نسخة ذِكْر مَسِير أبي العبَّاس لهذه الوَقْعَة منذ خَرج من بَغْدَاد إلى أنْ عاد إليها، في كتاب سِيْرَة المُعْتَضِد تأليف سِنَان بن ثَابِت، وذكَرَ أنَّهُ نقَلَهُ من خَطِّ أحْمَد بن الطَّيِّب، وذكَرَ فيه دُخُوله حَلَب، وذَكَر صفَة المَدِينة وتَسْميَة أبْوَابها وصفَة قلعتها، وقد ذَكَرنا في صدْرِ كتَابنِا شيئاً ممَّا نَقلَهُ عنه (١)، وكان أحْمَد بن الطَّيّب نَدِيْماً للمعْتَضِد وخَصِيْصًا به قبل الخِلَافَة وبعدَها، ثمّ غَضِب عليه لأُمُور نَذَكرُها إنْ شَاءَ اللّهُ، فقَتَله.
أخْبَرَنا أبو الفَضْل ذَاكِر بن إسْحاق بن مُحمَّد الهَمَذَانيّ بالقَاهِرَة المُعزِّية، قال: أخْبَرَنا أبو سَهْل عَبْدُ السَّلام الهَمَذَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور شَهرَدَار بن شيْرَوُيه بن شهرَدَار الدَّيْلميّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عُمَر البَيّعُ، قال: أخْبَرَنا أبَو غَانِم حُمَيْد بن المأمُون، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عبد الرَّحْمن الشِّيْرَازيّ أبو بَكْر (a)، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاسِ أحْمَدُ بنُ عبد الرَّحْمن الأسَدِيُّ، قال: حَدَّثَنَا
стр. 1003
أبو حَامِد أحْمَد بن جَعْفَر الأشْعَرِيّ، قال: حَدَّثنا أحْمَد بن الطَّيِّب بن مروَان السَّرْخَسِيّ، وأدْخلنىِ عليهِ أبو الحَسَن الكُرْدِيّ، قال: حَدَّثني أبو عَبْد اللّهِ مُحَمّد (a) بن حَمْدُون بن إسْمَاعِيْل، قال: حَدَّثنا أبي، عن المعتَصم، قال: سَمعْتُ المأْمُون يُحَدِّثُ عن الرَّشِيْدِ، عن المَهْدِيّ، عن المنصُور، عنَ محمَّد بن عليَّ بن عبد اللّه، عن عبد اللّهِ بن عبَّاسٍ، عن النَّبِي ﷺ قال (١): لا تَحْتَجموا يَوْم الخَمِيْس، فمَن احْتَجَم يَوْم الخَمِيْس فناله مَكْروهٌ فلا يَلُوم إلَّا نفسَهُ.
قال أحْمَد بن الطَّيِّب: فذكَرتُ هذا الحَدِيْثَ لعبْد اللّه ابن الوَاثق أبي القَاسِم، فقال: سَمِعْتُ أبي الواثِق يُحَدِّثُ به عن المُعْتَصِم بهذا الإسْنَاد.
هكذا جاء في هذه الرِّوَايَة قال: حَدَّثني أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن حَمْدُون، والمعرُوف أبو عَبْد اللّه أحْمَدُ بن حَمْدُون، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (٢).
وَقع إليَّ كتاب صَنَّفَهُ أحْمَد بن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ، ووَسَمَهُ بزاد المُسَافِر، ذكَرَ فيه وصيَّة المُسَافِر وخِدْمَة المُلُوك، وهو كتاب كتبَهُ إلى بعض إخْوانه وقد أراد سَفَراً لخِدْمَة بعض المُلُوك، فوَجَدتُه كتاباً حَسَناً، جَامِعًا لوَصَايَا نَافِعة، من كلامِهِ وكلام غيره، فمَّا قَرأتُ فيه من الوَصَايَا البالغة من كلام أحْمَد بن الطَّيِّب قوله: إنَّ أوَّل ما أوْصيكَ به، وأحثّكَ عليه، وأراهُ عزًّا وسَعَةً وغُنْماً وفائدةً وأُنساً وكَثْرةً وحِصْناً وجنَّةً ونبلًا ورئاسةً، اسْتِشْعار تَقَوَى اللّه وخشيَتهِ والحَذَر منهُ في حَالاتك كلّها، فإنَّهُ لا يَخافُ مَنْ خَافه، ولا يأمن مَنْ عَصَاه. يتفرَّق الأعْوانُ، وينسَى الإخْوَان، ويَنْأى الجيِرانُ، ويَجُور السُّلْطانُ، واللهُ
стр. 1004
مَوجُودٌ بكُلِّ مكان لمَن أيْقَن ألا حَوْل ولا قُوِّة إلِّا بهِ. فاجْعَل الثِّقَة باللّهِ مُعوَّلكَ، والاعْتمادَ عليه ثِقَتَكَ، والتَّوَكّل عليه نصِيركَ، والطَّاعَة له سلاحَكَ وعُدَّتكَ، وإنْ نالكَ خيرٌ فاقْرنه بشُكرٍ، فإنَّ الشُّكْر على الخير زِيَادَةٌ في النّعْمَة، وإنْ يَمَسَّك ضَيْرٌ فاجْعل مَفْزَعك إلى اللّهِ.
وجِمَاعُ القَوْل: ارْضَ باللّه طَبِيباً يبِركَ من دَاءٍ البَطَر عند النّعَم، وذُلِّ الاسْتِكانَة عند حُلُولِ المحنِ، وتَعَوَّذ باللّه من الشَّيْطان كما أمَرَك يَحْرُسك من شَياطين الإنسْ والجِنّ، وتَعوَّذ بالله من شرِّ نَفْسكَ يَقِكَ مَصَارع هَواكَ. ازْجُرْ غَضَبَك بتَذكُّر الحال الّتي أنتَ عليها من عَجْزٍ أو قُدْرة، فإنَّ الغَضَب مع العَجْز يُظْهِرُ الزَّلَةَ والقِلَّة، والغَضَب مع القُدْرة يُظْهِرُ الطَّيْشَ والعَجَلة، وفي الحاجتَيْن جَمِيعاً تُعْدَم الحِلم والأنَاة، وحيثُ تُعْدَمُ الحِلم والأناةُ تُعْدَمُ الفِكْرةُ، وحيثُ تُعْدَمُ الفِكرةُ تُعْدَمُ الحِكمةُ، وحيثُ تُعْدَمُ الحِكمهَ تُعْدَم الخير كلُّه.
واعْلَم أنَّ الشَّهْوَة من أكْبَر أعْوَان الهَوَى، فَن قويت شهوتُه اشْتَدَّ حرصُهُ، ومَن اشْتدَّ حِرْصُه عَمِيَ عن مراشِدِه، ومَن عَمِيَ عن مراشدِه أخطر ببدنِه وديْنِهِ.
ونَقَلْتُ من كتابهِ في خدْمَة المُلُوك، قال: قال لي إنسان مرةً (١): لو صَحِبْتَ الأَمِير، أعزَّهُ اللّهُ، بِمَ كُنْتَ تخدمُهُ؟ فقُلتُ لَهُ: كنتُ أخْدمُهُ بأنْ لا أكْذِبَهُ إذا سَألَ، ولا أصدُقَهُ إذا سَكَت، ولا أخُونَه إذا وَلَّى، ولا أذُمُّه إذا عزلَ، ولا أُسَاعد له عَدُوًّا، ولا أُجالسُ مَنْ كان عندَهُ طَبِيباً، لا أسْألُ ما لم ينلْهُ نُظرائي، ولا أرْتَفعُ فَوْقَ قَدْري، لا أكْتَسِبُ بهِ من غيره، ولا أشْكُر على نِعْمَته سِوَاه، فإنْ حَسُن مَوْقعِي منه شَكَرتُه بالزِّيادَةِ فيما قَرَّبَ منهُ، وإنْ جَرَى المِقْدَارُ بخلَاف ذلك كُنْت غير لَائم لنَفْسي، ولا عاتب على فِعْلي.
стр. 1005
ووَقَفتُ على كتاب المَسَالك والمَمالِك من تَصْنِيف أحْمَد بن الطَّيِّب، وقد أوْرَدتُ منه فَوَائِد في صَدْرِ كتَابنِا هذا في ذكر البُلْدان المتُعلِّقة بحَلَب (١).
قَرَأتُ في مَجموع وقع إليَّ بَيتينِ لاحمد بن الطَّيِب، وهما: [من الرجز]
نِعْمَ مصَادُ المَرْءَ للشَّهَادَهْ
اللِّحْيَةُ الضَّخْمة والسّجَّادَهْ
قَرأت بخَطِّ الشَّريف مُحَمّد بن الحَسَن بن كَمَال الشَّرَف أبي الحَسَن الأَقْسَاسيِّ: وقَفَ أحْمَد بن الطَّيِّب السَّرْخَسيّ على المُبرَّد (a)، فقَال له المُبرَّد: أنتَ واللّه كما قال البُحْتُرِيّ (٢): [من الوافر]
فِعَالُكَ (b) إنْ سئلْتَ لنا مُطِيعٌ … وقَوْلُكَ إنْ سَألْت لنا مُطَاعُ
خِصالُ النُّبْل (c) في أهْلِ المَعَالِي … مُفَرَّقَة وأنْتَ لها جِمَاعُ
أنْبَأنَا أحْمَد بن أزْهَر بن عَبد الوَهَّاب السَّبَّاكُ، عن أبي بَكْر مُحمَّد بن عَبْدِ البَاقِي الأنْصَاريّ، قال: أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن عليّ الجوهَرِيّ، عن أبي بَكْر أحْمَد بن إبرْاهيم بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحمَّد بِن أبي الأزْهَر، قال: وحدَّثني أحْمَد بن الطَّيِّب صَاحِب الكِنْدِيِّ، قال: دَخَلتُ يوماً على أَمِير المُؤمِنِين المُعْتَضد باللّهِ، فإذا بينَ يَدَيهِ برْذَعَة المُوَسْوسُ، فقال لي: يا أحْمَد، أدْنُ منِّي، فدَنوتُ منهُ مَوضع السِّرّ، فقال لي: قُل لبرْذَعَة: يا أبا عَبْد اللّه، خُبْز! وكان إذا قيلِ له هذا خَرَج الأمْر عن يَده فلم يَقْرُب من أحد إلَّا أثَّر فيهِ، وكان المُعْتَضِد -بفَرْط شَهوَتَه للصّنْعَة- قد اتَّخَذَ له ولنُظَرائهِ ولجَمَاعَة من النُّدَماءَ بنَ يَدَيْهِ باباً مُسْتَطيلاً ينطبقُ على وَهْدَة إذا وَطِيءَ عليها الإنسان خَرَجَ من بَعْض أقْسَامها
стр. 1006
كَفَّان بلولَب، فاعْتَوَرتا سَاق الإنسان الوَاقِف، وأطْبَقَتا عليها قَيْداً مَقْسُوماً بهلَالين، في طَرَف أحَدِهما عَمُود للقُفْل وفي الآخر فراشَةٌ، فإذا الْتَقَتا فكأنَّ يداً أَقْفَلَتْ قفلاً، فلا يتهيَّأ للرَّجُل -مَجْنُوناً كان أو صحِيْحاً- التَّخَلُّص منه إلَّا بعد أنْ يجيء الخاَدِمُ بمِفْتاحهِ فيفَتَحهُ.
فقال أحْمَد بن الطَّيِّب: فقُلتُ: يا أبا عبد اللّه، خُبْز! فوَثَبَ وَثبةً ليقرُبَ منّي، فأخَذَهُ القَيْدُ، فبقي يُزبِدُ ولا يهيَّأُ له فيَّ حِيْلَة، والمُعْتَضِد يسكّنُه ويَشْغَلُه عَنِّي حتَّى سَكَن، فقال له: ما تَشتهَي يا أبا عَبْد اللّه؟ فقال له: أشْتَهي أنْ يَجْلِسَ ابن الطَّيِّب إلي جانبي، فقال: قُم يا أحْمَدُ فاجْلِسْ إلى جانبهِ، فقلتُ: على شَريطة أنْ يَضَعَ أبو عَبْد اللّهِ يدَيهِ على الأرْض وِيقُوم على أرْبَعَة. وكان إلى جانب ذلك المَوضع بابٌ آخر لَطِيفٌ علِى هذه الصُّورة، قال: نعم، فلما وضَع يديهِ نالَهُما ما نال رِجلَيهِ، فبقي مُوْثقاً، فوثبتُ فَقَرُبْت منهُ، فنَظَر إليَّ من غير أنْ يتمكَّن منِّي لبَطْشِه، فصَاح صِيَاح الشَّاة ووَصل ذلك، فلم يتَمَالك المُعْتَضد ضحكًا، وكان بَعِيداً من الهَزْل، فلمَّا بَصُر بهِ رذَعَة وهو يَضْحَكُ، نَظَرَ إليَّ وهَزَّ رأْسَهُ، ثمّ أقْبَلَ على المُعْتَضِد، وقال: [من مجزوء الكامل]
يا ابنَ المُوَفَّق لا تَضَاحَكْ … واحْذَرْ وإلَّا صِرْتَ شَاهْ
هذا خَبِيْثٌ مُخْبثٌ … من شَرِّ خُبَّاثِ السُّعَاهْ
فاحْذَرْهُ واكتُبْ ما أقُو … لُ بظَهْرِ تَذْكِرَةِ الدَّوَاهْ
لا تَأْنَسنَّ بهِ فإن … ـني قد نصحْتُ وَهَا وَهَاهْ
قال: فواللهِ لقد رأيتُ المُعْتَضِدَ وقد تَغَيَّر وَجْهُه، وانْحَطَّ أُنْسُهُ، فلم أزَلْ أتعَرَّفُ ما أثر فيَّ من تَحْريضِهِ، فما زالَتْ تلك الخِبْيَة (a) في نفس المُعْتَضِد حتَّى قَتَل أحْمَد بسَبَب السِّعَايَةِ.
стр. 1007
كَتَبَ إلينا أبو رَوْح عَبْد المُعِزّ بن مُحمَّد بن أبي الفَضْل الهَرَويّ أنَّ زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّاميِّ أنبأهُم عن أبي القَاسِم عليّ بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا عُبيد اللّه بن مُحمَّد بن أحْمَد بن أبي مُسْلِم إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمد بن يَحْيَى الصُّوْلِيّ إجَازَةً، قال: في سَنَة ثَلاثٍ وثمانين غَضِبَ المُعْتَضِدُ على أحْمَد بن الطَّيِّب، ووَجَّه بشَفِيعْ اللُّؤْلُؤيّ ونِحْرير الصَّغير خَادِمِ بَدْر فقبَضُوا على جَمِيع ما في دَاره، وقَرَّرُوا جَوَاريَه على ماله حتَّى أخذُوه، فاجْتمع من ذلك ومن ثَمَن آلاته ممَّا حُمِلَ إلى بيت المَالِ مائة وخَمْسُونَ ألف دِرْهَم.
قال: فحدَّثي مُحمَّد بن يَحْيَى بن أبي عَبَّاد، قال: كان سَبَبُ غَضَب المُعْتَضِد على أحْمَد بن الطَّيِّب، أنَّ أحْمَد كان قَديْماً يمدَحُ عندَه الفَلَاسِفَة ويسْتَعْقلُهُم ويَحْكي مَذاهِبَهُم، فيقُول المُعْتَضِد: أنتَ على دِيْنهم، وكيفَ لا تكُون كذلك وأُسْتاذكَ الكِنْدِيّ، وكان قد تَخمَّر في نفس المُعْتَضِد أنَّهُ فَاسِدُ الدِّين، وكان ابن الطَّيِّب أحْمَق مُعْجَباً يدعي ما لا يُحْسن، وكان مع قِمَر عَقْله في لسانه طُول، فكان كَثيرًا ما يقُول للمُعْتَضد: الأُمُور تخْفَى عليك وتستر دُوْنك، فقال له يوْماً: ما الدَّوَاءُ؟ قال: تُولِّيني الخبرَ على أبي النَّجْمِ وعُبَيْدِ اللّه، قال: قَدْ ولَّيتُكَ، قال: فاكتُب بذلك رُقْعَةً، فكتب رُقْعَةً بخَطِّه بتوْليَتهِ، فجاء بها إلى عُبَيْد اللّهِ يُعْلمه ذلك، ويتقرَّب إليه أنَّهُ لم يَسْتُر ذلك عنه، فأخَذَها عُبَيْدُ اللّهِ ووَثَبَ، وطلبَها ابن الطَّيِّب، فوجَّه إليه: أنا أخرُج بها إليكَ، ووَكَّل به في دارِه، ورَكِبَ إلى بَدْر فأقراهُ إيَّاها، فرَكِبا إلى المُعْتَضد باللّه حتَّى عرَّفاهُ الخَبَر، ورمىَ عُبَيْدُ اللّهِ بنَفْسه بينَ يَدَيْهِ وقال له: أنتَ يا سَيِّدِي نَعَشْتَني وابتدَأْتني بما لم أُؤمّلْهُ، وكُلّ نِعْمة لي فمنكَ وبكَ، فسَكَّن منه، وقال: إنَّهُ يسْعَىَ عليكُما عندي فاقْتُلَاه وخُذَا ما يملِكُه، فأُدْخل المَطَامِيْرَ، وكان آخر العَهْد بهِ.
قال مُحَمَّد بن يَحْيَى الصوْلِيّ: وقد قيل إنَّ سَبَبَ ذلكَ، أنَّ عُبَيْد اللّه لمَّا أرادَ
стр. 1008
الخُروج إلى الجَبَل مع بَدْر قال المُعْتَضِد لبَدر: الصَّواب أن يحضر أحمد بن محمَّد جَرَادة ليُعاونَ القَاسِم على خِدْمَتنا، فسَمعَ ابن الطَّيِّب ذلك، فأدَّاه إلى عُبيدِ اللّه، فردَّه عُبيدُ اللّه على المُعْتَضِد، وقال له نحو ما حكى في الخَبَر الأوَّل، فعزَم عليه ليُخْبرنَّهُ مَنْ قال له ذلك، فقال: ابن الطَّيِّب، فكان هذا سبَبَهُ.
وقال أبو بَكْر الصُّوْلِيّ: حَدَّثني مُحمَّد بن أحْمَد أبو الحسَن الأنْصَاريّ، قال: كان ابن الطَّيِّب يَخْتلفُ معنا إلى الكِنْدِيّ، وكان الكِنْدِيُّ يقولُ: هذا أحْمَقُ، وسيُتْلِفُ نفسَهُ بحُمْقِه، فكان كما قال.
قال الصُّوْلِيّ: حَدَّثَنا الحَسَن بن إسمَاعِيْل، قَال: كان القَاسِم يَغْتاظُ من ابن الطَّيّب فيقُول له أبوه: نحنُ نَخْنُقه بوصفِهِ، وكان المُعْتَضِد باللّه رُبّما نفَثَ بشَكواهُ والتَّأذِّي منه بالكَلِمَةِ بعدَ الكَلِمَة، فيُقَرِّظه عُبَيْد اللّه ويحتَجّ عنه، فذَكَرَ عُبَيْدَ اللّهِ يوْماً بشيء قُدَّام المُعْتَضِد، فقال له المعتَضِدُ: كفاكَ، إنَّ عُبيد اللّهِ ما ذُكِرْتَ لي قَطّ إلَّا احْتَجَّ عنكِ ووصَفَك، وأنْتَ ما ذكَرَتَهُ عندي قَطّ إلَّا غَمَزْت منه على جانبٍ، قَبَّحكَ اللّهُ وقَبَّح طبعَكَ السَّوءَ، ثمّ انْكَشفَ أمرُه، فأوْقعَ به في سَنَة ثَلاثٍ وثمانين.
أنْبَأنَا المُؤِيَّد بن مُحَمَّد بن علىِّ الطُّوْسيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ إجَازةً، عن أبي عليّ المحسِّن بن عليّ التَّنُوخِيّ، قال: كان الّذي نقمَهُ المُعْتَضِدُ على أحْمَد بن الطَّيِّب، أنَّ عُبَيْد اللّه بن سُلَيمان دَخَل يَوْماً على المُعْتَضِد، وقد تَغَيَّظ المُعْتَضِدُ عليِه من شيءٍ بلَغَهُ عنه، وخَاطَبَهُ بما يَكْرَهُ، فما خرَج قال: يا أحْمَدُ، ما تَرَى إلى هذا الفَاعِل الصَّانِع، قد أخْرَب الدنْيا واحْتجَزَ (a) الأمْوَالَ، وفي جَنْبهِ ثلاثةُ آلافِ آلافٍ دِيْنار، ما يمنَعُني من أخْذِهَا إلَّا الحِلْم عنه، وفعَلَ اللّهُ بي وصَنَعَ إنْ أنا اسْتَعملتُه أكثرَ من هذا. قال: فخرج أحْمَدُ بن الطَّيِّب فوَجَدَ عُبَيْدَ اللّهِ على الباب ينتظرُه، فحملَهُ إلى داره، ووَاكلهُ وسقاهُ، ووَهَبَ
стр. 1009
له مَالًا عَظيْمًا، وخلَع عليه خلَعًا كَثِيْرة، ورَفق بهِ وسَألَهُ أنْ يُعْلمَه ما عَسَاهُ جَرَى بعد خُرُوجه من ذِكْره، فاسْتَحلفَهُ أحْمَدُ علِىِ كتْمان ذلك فحلَفَ له، فكتَمه (a)، فخبَّره الخَبَر على حَقِيْقته، وودَّعَهُ أحْمَدُ ونَهَضَ، فرَكِبَ عُبَيْدُ اللّهِ من غَد بعد أنْ عَمِلَ ثَبتًا يحتوي على جميع ماله من عَيْنٍ ووَرَقِ وضَيْعَةٍ وخُرْثيٍّ وقُمَاشٍ وعَقَار ودارٍ ودَابَّةٍ وبَغْلٍ ومَرْكبٍ وغُلَام وآلةٍ وسَائر الأَعْرَاضِ، وجاءَ إلى المُعْتَضِد فخاطبَهُ على الأُمُور كما كان يُخاطبهُ، فلمَّا حضَر وقْتُ انْصِرَافِه، قال: أُريدُ خلَوةً من أَمِير المُؤمِنِين لمُهمٍّ عارض أذْكره، فأخْلَى مَجْلِسَهُ له، فَحَلَّ سَيْفه بينَ يَدَيْهِ ومَنْطقَتَهُ، وقبَّلَ الأرْضَ وبَكَى، وقال: يا أَمير المُؤمِنِين، اللّهَ اللّهَ في دَمِي، أَقِلْني واعْفُ عنّيّ، وَهَبْ لي الحَيَاةَ، واغْفِر لي إجْرامي، وما في نَفْسكَ عليَّ، فأمَّا ما لي فَوَاللهِ، وابْتَدَأ يَحْلَفُ بالطَّلَاق والعَتَاق وما تبعَهُ من أَيْمان البَيْعَةِ إنْ كتمتُكَ منهُ شيئًا، وهذا ثَبَتٌ بجميع ما أمْلِكُه فخُذه بطِيْبَةٍ من قَلْبِي، وانْشِرَاحٍ من صَدْريّ، باركَ اللّه لك فيهِ، ودَعْنِي أخْدُمْكَ بدَابَّةٍ واحدةٍ، فقال له المُعْتَضِد: ما بكَ إلى هذا حاجَةٌ، ولا في نَفْسي عليك ما يُوْجب هذا، فقال: الآن قد علمتُ أنَّ رأيَ أَمِير المُؤمِنِين عليَّ. فاسِدٌ إذ ليسَ يَخْرُج إليَّ بما عندَهُ فيَّ، ولا يَقْبَلُ ما بذَلْتُه، ولا يقَعُ منه عقَابٌ، وأخَذَ يلَجُّ في البُكَاءِ والتَّضَرُّع، فرقَّ له المُعْتَضِد وتغيَّظ من مَعْرفته بذلك، فقال: أَتُحِبُّ أنْ أفْعَل هذا؟ قال: نعم، قال: تَصْدُقني عن السَّبَب الّذي حملَك على هذا، فعرَّفَهُ ما جَرَى له مع أحْمَد بن الطَّيِّب، فرَضِي عنه، وحلَفَ له على ما سُرَّ به وخفَّف عن خَاطِره، ووَثَّق له أنَّهُ لا يُسِيءُ إليهِ، وأنْفَذَ في الحال، وقبضَ على أحْمَد بن الطَّيِّب، وحَبَسَهُ.
قال التَّنُوخِيّ: وقيل إنَّ السَّبَب في قَتْلهِ، أنَّ أحْمَدَ بن الطَّيِّب دَعاهُ إلى مَذَاهِب الفَلَاسِفَة والخُرُوج عن الإسْلَام، فاسْتَحلَّ قتلهُ، فلمَّا أجْمعَ على قَتْلِه، أنفَذ إليهِ يقُول له: أنتَ كُنت عرَّفْتَنا عن الحُكَمَاء أنَّهُم قالوا: لا يَجِبُ للملُوك أنْ
стр. 1010
يَغْضَبُوا، فإذا غَضِبُوا، فلا يَجب لهم أنْ يَرْضَوْا، ولولا هذا لأطلقْتُك لسَالف ذِمَّتُكَ وخدْمَتك، ولكن اخْتَرْ أيّ قَتْلَةٍ تُحبّ أنْ أقتُلَك، قال: فاخْتار أنْ يُطْعَم اللَّحْم المُكَبَّبَ، ويُسْقَى الشَّرَابَ العَتِيقَ حتَّى يَسْكَر، ثمّ يُفْصَد من يديهِ، ويُتْرك دمهُ يَجْري إلى أنْ يَمُوتَ، فأمرَ المُعْتَضِد بذلك، ففُعِلَ به، وظَنَّ أحْمَد أنَّ دَمَهُ إذا انْقَطَعَ ماتَ في الحال بغير ألَم فانْعكسَ ظَنُّهُ.
قال: وذلك أنَّهُ لمَّا فُصِدَ نَزَف جميعُ دَمِهِ، ثمّ بَقِيتْ معه من الحياةِ بَقِيَّة فلمِ يَمت، وغَلَبَتْ عليه الصَّفْرَاءُ، فصارَ كالمَجْنُون يَنْطحِ برأسه الحيْطان ويَصِيح ويَضِجُّ لفَرْط الآلامِ، ويَعْدُو في مَحْبسِهِ ساعَات كَثِيْرةً إلى أنْ ماتَ، فبَلَغَ المُعْتَضِدُ ذلك، فقال: هذا اخْتِيارهُ لنَفْسِه، وليس في الفَسَادِ بأكْثرَ ممَّا اخْتارَهُ لنَفْسِه من الرَّأي الّذي جَرَّ عليه القَتْلَ.
أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّطيْف بن يُوسُف، عن أبي الفَتْح بن البَطِّيّ، عن أبي عبد اللّه الحُمَيْدِيّ، قال: أَخْبرَنا غَرْسُ النِّعْمَةِ أبو الحَسَن مُحَمَّد بن هِلِّل بن المُحَسِّن بن إبْراهيم الصَّابِئ قال: وحَدَّثَني - يعني أباهُ - قال: حَدَّثَني جَدِّيّ، قال: حَدَّثَني عَمِّي، قال: حَدَّثَني أبو إسْحَاق أبي، قال: جَرَى بيني وبين أبي الحُسَين القَاسِم بن عُبَيْد اللّه في وزَارته للمُكْتَفِي باللّه ذِكْر أحْمَد بن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ الّذي قَتَلَهُ المُعْتَضِد باللّه، فقال: كان المُعْتَضِد باللّه يُعَدِّد بعد قَتْلهِ إيَّاه ذنُوبه إليهِ، والأُمُور الّتي أنْكَرها عليه، ليُعْلَم أنَّهُ كان مُسْتحقًّا ما عَمِله بهِ، فممَّا حَدَّثَني به عنهُ أنَّهُ كان له مَجْلِس يَجْتَمعِ إليهِ أهْل العِلْم فيُفاوضُونه ويُفاوضهم، وكنتُ رُبَّما سألتُه عن هذا المَجْلِس وما يجْري فيه، فيُخْبرني به، وسَألتُه في بعض الأيَّام على عَادتي، فقال: يا أَمِير المُؤمِنِين، مَرَّ بي أمس شيء طَرِيف، قُلتُ: ما هو؟ قال: دخل إليَّ في جُمْلَة النَّاس رَجُل لا أعْرفه، حَسَنُ الرُّوَاءِ والهَيْئَة، فتوهَّمتُ فيه أنَّهُ من أهْلِ الفَضْل والمَعْرفَة، وقعَد لا يَنْطقُ من أوَّل المَجْلِس إلى آخره، فلمَّا
стр. 1011
انْصَرف مَنْ كان حَاضِرًا لم يَنْصَرف معهم، فقُلتُ: ألك حاجَةٌ؟ قال: نعم، تُخلي لي نفسَك، فأبْعَدتُ غِلْمَانيّ، فقال لي: أنا رَجُل أرْسَلني اللّه تعالى إلى هذا البَشَر، وقد بدأتُ بك لفَضْلك، وأمَّلْتُ أنْ أجِدَ عندكَ مَعُونة على ما بُعِثْت له، فقُلتُ لهُ: يا هذا، أمَا عَلِمْتَ أنِّي مُسْلِم أعتَقد أنَّهُ لا نبُوَّة بعدَ رسُول اللّه ﷺ ؟ فقال: قد عَلِمتُ ذلك وما جئتكَ إلَّا بأمْرٍ وبُرْهَان، فهل لك في الوقُوف على مُعْجزَتيّ، فأردتُ أنْ أعْلَم ما عندَهُ، فقُلتُ لَهُ: هاتها، فقال: يُحْضَر سَطْل فيه ماء، فتقدَّمتُ بإحْضَاره، وأخْرَجَ من كُمِّه حَجَرين أَصَمَّين صلْدين كأشَدِّ ما يكُون من الصَّخْر، وقال لي: خُذْهما، فأخَذْتُهما، فقال: ما هما؟ فقلتُ: حَجَران، قال لي: رم أنْ تَكْسرهما، فلم أسْتَطع لشدَّتهما وصلابتهما، فقُلتُ: ما أسْتَطِيع، فقال: ضَعْهُما في السَّطْل، فوَضَعتُهما، قال: وغَطِّهما، فغطَّيتُهِما بمِنْدِيل، وأقْبل يُحَدِّثُنيّ، فوَجَدتُه مُمْتعًا، كَثِيْرَ الحَدِيْث، سَديد العِبَارَة، حَسَن البَيَان، صَحِيْح العَقْل لا أُنْكر منه شيئًا، فلمَّا طال الأَمْر، قُلتُ له: فأَيّ شيء بعد هذا؟ فقال: أخْرِج إليَّ الحَجَرين، فكَشَفْتُ عنهما وطَلَبتهما في السَّطْل فلم أجدهُما وتَحَيَّرتُ وقُلتُ: ليسَ في السَّطْل شيء، فقال لي: أنتَ تركتَهُما بيَدك ولم أقْرب منهما، ولا لَحَظْتُ السَّطْل بعَيْني فَضْلًا عن غيره، فقلتُ: صَدَقْتَ، فقال لي: أمَا في هذا إعجْاز؟ فقُلتُ: بَقِيَت عليك حال واحدة، قال: ما هي؟ قُلتُ: آتيك بحَجَرٍ من عندي فتَفْعل به مثل هذا، فقال لي: وهكذا قال أصْحَاب مُوسَى له: نُريدُ أنْ تكون العَصَا من عندنا، فتوقَّفْتُ عن جَوَابه لأُفَكِّر فيه، فقام وقال: فَكِّر في أَمْرك إلي أنْ أعودَ إليك، وانْصَرَف، ونَدِمْتُ بعدَ انْصرِافه على إفْرَاجي عنه، وأمَرْتُ الغِلْمَان بطَلَبه ورَدِّهِ، فتفرَّقُوا في كُلِّ طَريق وما وجَدُوه.
قال القَاسِم: وقال لي المُعْتَضِد باللّه: أتَدْري ما أراد أحْمَدُ بن الطَّيِّب، لَعَنَهُ اللّهُ، بهذا الحَدِيْث؟ فقُلتُ: لا يا أَمِير المُؤمِنِين، قال: إنَّما أراد أنَّ سَبِيل مُوسَى
стр. 1012
عليه السَّلام في العَصَا كانت كسَبيل هذا الرّجُل في الحَجَرين، وأنَّ الجيع بحيلَةٍ، وكان ذاك من أكْبر ما نقمْتُ عليه (a).
أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن المُقَيِّر إذْنًا، عن أبي الفَضْل بن نَاصِر، قال: أنْبَأنَا أبو القَاسِم بن أحْمَد، عن أبي أحْمَد بن أبي مُسْلِم، عن أبي بَكْر الصُّوْلِيّ، قال: وأنْشَدَني يَحْيَى بن عليّ لنَفْسِه في ابن الطَّيِّب، وكان قد زَعَم أنَّهُ أحْرَقَ كُتُبه كُلَّها إلَّا الحَدِيْث والفِقْه واللُّغَة والشِّعْر، فقال المُعْتَضِد: وما ينفَعُه ذلك مع كُفْره (١): [من المجتث]
يا مَنْ يُصَلِّي رِيَاءً … ويُظْهِرُ الصَّوْمَ سُمْعَهْ
وليسَ يَعْبُدُ رَبًّا … ولا يَدِيْنُ بشِرْعَهْ
قد كُنْتَ عَطَّلْتَ دَهْرًا … فكيفَ أسْلَمْتَ دَفْعَهْ
إنْ كُنْتَ قَدْ تُبْتَ فالشَّـ … ـيْخُ لا يُفَارِق طَبْعَهْ
لو ظَلْتَ في كُلِّ يَوْم … مُصَلِّيًا ألفَ رَكْعَهْ
وصُمْتَ دَهْرَكَ لا مُفْـ … ـطِرًا ولا يَوْم جُمْعَهْ
ما كُنْتَ في الكُفْر إلَّا … كالنَّار في رَأسِ قَلْعَهْ
تَتْلُو القُرَانَ ولو تَسْـ … ـتَطِيْعُ فرَّقْتَ جَمْعَهْ
وإنْ سَمِعْتَ بحَقِّ … حَاوَلتَ بالزُّوْرِ دَفْعَهْ
قُلْ لىِ أَبَعْدَ اتِّبَاعَ الـ … ـكِنْدِيّ تَعْمُرُ رَبْعَهْ
وتَسْتَقِي الكُفْرَ منهُ … ولا تُحَاذِرُ شُنْعَهْ
أَظْهَرْتَ تَقْوَى ونُسْكًا … هَيْهاتَ في الأَمْر صَنْعَهْ
ولو بَدَا لكَ سَلْحٌ … منهُ لآثرْتَ لَطْعَهْ
فاذهَبْ إلى مَذْهَبِ الشَّيْـ … ـخ رُبَّ صكٍّ برَجْعَهْ
стр. 1013
فما تُقَاكَ مَلِيحًا … وليسَ كُفْركَ بِدْعَهْ
فأنْشَدْتُها المُعْتَضِدَ باللّهِ في آخر أيَّام ابن الطَّيِّب، فقال: اكْتُبْهَا وادفَعْها إليهِ، ففَعَلْتُ ذلك.
ذَكَر أبو الحَسَن (a) مُحَمَّد بن أحْمَد القَوَّاس قال: وَلي أحْمَدُ بن الطَّيِّب الحِسْبَةَ يَوْم الاثْنَين، والمَوَارِيْث يَوْم الثّلاثَاءَ، وسُوْق الرَّقِيْق يَوْم الأرْبَعَاء لسَبعٍ خَلَوْنَ من رَجَب سَنَة اثنتَيْن وثَمانِيْنَ ومَائتَيْن.
قال: وفي هذا اليَوْم وهو يَوْم الاثْنَين لخمسٍ خَلَونَ من جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة ثَلاثٍ وثمانينَ غُضِبَ على أحْمَد بن الطَّيِّب.
قال: وفي يَوْم الخَمِيْس للَيْلة بَقِيَتْ من جُمَادَى الأُوْلَى ضُرِبَ أحْمَدُ بن الطَّيِّب مائة سَوْط وحُوِّلَ إلى المُطْبَق. وفي صَفَر سَنة ستٍّ وثَمانِيْن ومَائتَيْن ماتَ أحْمَدُ بن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ.
حَرْف الظَّاءَ في آبَاءِ الأحْمَدِين
فَارغ
ذِكْرُ حَرْف العَيْن في آبَاءِ الأحْمَدِين
مَنْ اسْمُ أبيْهِ عَاصِم من الأحْمَدِين
أحْمدُ بن عَاصِم بن سُلَيمان، أبو عُمَر الجَعْدِيُّ البَالِسِيُّ الخَضِيْبُ
حدَّثَ ببَالِس عن العبَّاس بن إسْمَاعِيْل قُرَّيْق، ومُحَمَّد بن عَمْرو البَاهِلِيّ،
стр. 1014
رَوَى عنهُ أبو أحْمَد عبدُ اللّه بن عَدِيّ الحافِظُ.
أخْبَرَنا أبو الفَرَج مُحَمَّد بن عليّ بن حَمْزة القُبَّيْطِيّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الكَرَم (a) المبُارَكُ بن الحَسَن بن الشَّهرَزُورِيّ، عن أبي القَاسمِ إسْمَاعِيْل بن مَسْعَدَة الإسْمَاعِيْليّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو عبدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد الفَارِسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد عبدُ اللّه بن عَدِيّ الحافِظُ (١)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن عَاصِمِ البَالِسِيُّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَمْرو البَاهِليّ، عن عَبد الوَهَّاب الثَّقَفِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهَّاب بن مُجَاهِد، عن مُجَاهِد، عن مُعاوِيَة (b)، قال: قال رسُول اللّه ﷺ (٢): لا تَعْجلنَّ إلى شيءٍ تَظُنّ أنَّك إنْ اسْتَعْجَلتَ إليهِ أنَّكَ مُدْركهُ (c) وإنْ كان اللّهُ لم يُقَدِّر ذلك (d)، ولا تَسْتَأخِرنَّ من (e) شيِء تَظُنّ أنَّكَ إنْ اسْتأخَرْت أنَّهُ مَدْفوعٌ (f) عنكَ وإنْ كان اللّهُ قد قَدَّرهُ عليكَ.
أحمدُ بن عَاصِمِ الأنْطَاكِيُّ، أبو عَبْد اللّهِ - وقيل: أبو عليّ - الزَّاهِدُ الحَكِيم صَاحِبُ المَوَاعِظ (٣)
من كبار المَشَايخ وزُهَّادِهم، وأُولى الحِكْمَة واللِّسَان، رَوَى عن الهَيْثَم بن
стр. 1015
جَمِيل الأنْطَاكِيّ، ومَخْلَد بن الحُسَين، وأبي قَتَادَةَ، وسُفْيان بن عُيينَة، ويُوسُف بن أسْبَاط، وأبي مُعاوِيَة مُحَمَّد بن حَازِم الضَّرِيْر، وأبي يَعْقُوب إسْحَاق بن إبْراهيم الحُنَيْنِيّ، وقيل إنَّهُ رَأى الفُضَيْل بن عِيَاض.
رَوَى عنهُ أحْمَد بن أبي الحَوَارِيّ، وأبو زُرْعَة عبد الرَّحْمنِ بن عَمْرو الدِّمَشقيُّ، وأبو عَمْرو السَّرَّاج، وأبو حُصَيْن مُحَمَّد بن إسْمْاعيل بن مُحَمَّد بن يَحْيَى التَّمِيْمِيّ، وعَبْد العَزِيزْ بن مُحَمَّد بن المُخْتَار، وأحمد بن صالح، وإسْحَاق بن عَبْد المُؤْمِن الدِّمَشقيّ، وعليّ بن المُوَفَّق البَغْدَاديّ، ومَحْمُود بن خَالِدٍ، وأبو مُحَمَّد عبدُ اللّه بن هِلَال الدُّوْمِيِّ الرَّبَعِيِّ، وعَبْد الوَاحِد بن أحْمَد الدِّمَشقيّ، وأبو الحَسَن مُحَمَّد بن الفَيْض بن مُحَمَّد بن الفَيَّاض الغَسَّانِيّ (a).
أخْبَرَنا أبو المُظَفَّر عبد الرَّحيم بن عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ في كِتَابِهِ إليْنَا من مَرْو غير مَرَّة، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ أبو سَعْد مُحَمَّد بن مَنْصُور بن عبدِ الرَّحيم الحُرْضِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى بن إبْراهيم المُزَكِّي إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو عبد الرَّحْمن مُحَمَّد بن الحُسَين السُّلَمِيُّ (١)، قال: أحْمَد بن عَاصِم الأنْطَاكِيِّ كُنْيَتُهُ أبو عليّ، ويقال: أو عَبْد اللّهِ، من مُتَقدِّمي مَشَايخ الثُّغُور من أقْرَان بِشْر بن الحَارِث، وسَرِيّ، وحَارِث المُحَاسبِيّ.
سَمِعْتُ أبا القَاسِم النَّصْرَابَاذِيّ يقُول: كان يُقال: أحْمَدُ بن عَاصِم الأنْطَاكِيّ جَاسُوْس القُلُوب. وذكَرَ لي غيره أنَّ أبا سُليْمان الدَّارَانِيّ كان يُسَمِّيهِ كذلك.
أخْبَرَنا أبو البَرَكَات بن مُحَمَّد بن الحَسَن إذْنًا، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن بن هِبَة اللّه (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللّهِ الخَلَّاق، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن مَنْدَة،
стр. 1016
قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر الحُسَين بن سَلَمَة الهَمَذَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الفَأْفَاء، ح.
قال ابنُ مَنْدَة: وأخْبَرَنا أحْمد (١) بن عبد الله الأصْبَهَانِيّ إجَازَةً، قالا: أخْبَرَنا ابن أبي حَاتِم (٢)، قال: أحْمَد بن عَاصِم أبو عَبْد الله الأنْطَاكِيّ، سَمِعْتُ أبي وأبا زُرْعَة يقولان ذلك، وسَمِعْتُ أبا زُرْعَة يقول: رأيتُهُ بدِمَشْق يُجَالس مَحْمُود بن خَالِدٍ. وسَمِعْتُ أبي يَقُول: أدْرَكتُه ولم أكْتُب عنهُ، كان صَاحِب مَوَاعِظ وزُهْد.
أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة الله بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنا عُمَر بن عليّ بن مُحَمَّد بن حَمُوَيْه بحَلَب، ح.
وأنْبَأتنا زَيْنَبُ بنتُ عبد الرَّحْمن في كتابها إلينا من نَيْسَابُور، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح عَبد الوَهَّاب بن شَاه بن أحْمَد الشَّاذْيَاخِيُّ، ح.
وأنْبَأنَا أبو النَّجِيْب بن عُثْمان القَارِئ، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد القُشَيْريّ، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الكَريم بن هَوَازِن القُشَيْريّ (٣)، قال: ومنهم أبو عليّ أحْمَد بنُ عَاصِم الأنْطَاكِيّ، من أقْرَان بِشْر بن الحَارِث، والسَّرِيّ، والحَارِث المُحَاسبِيّ، كان أبو سُليْمان الدَّارانِيّ يُسَمّيهِ جَاسُوْس القُلُوب لحدَّة فراسَتِهِ.
وقال أحْمَدُ بن عَاصِم: إذا طلبْتَ صَلَاحَ قَلْبِكَ فاسْتَعِنْ عليه بحفْظ لسَانكَ، وقال أحْمَدُ بن عَاصِم: قال اللهُ تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٤) ونحنُ نَسْتَزيْدُ من الفِتْنَة.
أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحيم بن أبي سَعْد المَرْوَزيّ كتابةً، قال: أخْبَرَنا أبو الخَيْر جَامعُ بن عبد الرَّحمن بن إبْراهيم السَّقَّاء الصُّوْفيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد مُحَمَّد بن عَبْد العَزِيْز الصَّفَّار، قال: أخْبَرَنا أبو عبد الرَّحمن السُّلَّمِيّ (٥)، قال: أحْمَدُ بن
стр. 1017
عَاصِم، وهو أحْمَد بن عَاصِم الأنْطَاكِيّ أبو عليّ، ويُقال أبو عَبْد اللهِ؛ وهو الأصَحّ، وهو من أقْرَان بِشْرِ بن الحَارِث، والسَّرِيّ، وحَارِث المُحَاسبِيّ، ويُقال إنَّهُ رأى الفُضَيْل بن عِيَاضٍ.
سَمِعْتُ أبا العبَّاس مُحَمَّد بن الحَسَن الخَشَّاب، يقول: سَمِعْتُ جَعْفَراً الخُلْدِيّ، يقول: سَمِعْتُ الجُنَيْد، وابن مَسْرُوق، والجُرَيْريّ (a)، يقُولونَ: قال أبو عَبْد الله أحْمَد بن عَاصِم الأنْطَاكِيّ: قُرَّةُ العَيْن، وسَعَةُ الصَّدْر، ورَوْحُ القَلْب، وطِيْبُ النَّفْس في أُمُور أرْبعَةٍ: الاسْتِبانَةِ للحُجَّة، والأُنْس بالأحِبَّة، والثِّقَة بالعِدَةِ، والمفايز للمناية (b).
أخْبرَنا عَمّيِ أبو غَانِم، قال: أخْبَرَنا عُمَر بن عليّ الجُوَينِيّ (c)، ح.
وأنْبَأتنا زَيْنَبُ الشَّعْرِيَّة، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح الشَّاذْيَاخِيّ، ح.
وأنْبَأنَا أبو النَّجِيْب القَارئ، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد القُشَيْريّ، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن هَوَازِن القُشَيْريّ (١)، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخ أبو عَبْد الرَّحمن السُّلمَيّ، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن أحْمَد بن سَعيد الرَّازِيّ، قال: حَدَّثَنَا عبَّاس بن حَمْزَة، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن أبي الحَوَارِيّ، قال: قال أبو عَبْد الله الأنْطَاكِيّ: إنَّ أقلّ اليَقِيْن إذا وَصَلَ إلى القَلْب يَمْلأُ القَلْب نُوراً، ويَنْفي عنه كُلّ رَيْب، ويَمْتلئ القَلْب بهِ شُكْرًا، ومن اللهِ خَوْفاً.
وقالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم القُشَيْريّ (٢)، قال: أخْبَرَنا مُحمَّد بن الحُسَين، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر مُحمَّد بن أحْمَد بن سَعيد الرَّازِيّ، قال: حَدَّثنا عبَّاس بن حَمْزَة،
стр. 1018
قال: سَمِعْتُ أحْمَد بن أبي الحَوَارِيّ، قال: سَمِعْتُ أحْمَد بن عَاصِم الأنْطَاكِيّ يقول: مَنْ كانَ باللهِ أعْرف كان له أَخْوَفَ.
أنْبَأنَا عبد الرَّحيم بن أبي سَعْد، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد الحُرْضِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر المُزَكِيّ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الرَّحمن السُّلمِيّ، قال: سَمِعْتُ عبْدَ الله بن مُحَمَّد الرَّازِيّ يَحْكي عن أحْمَد بن عَاصم أنَّهُ قال: وافَقْنا الصَّالِحين في أعَمَال الجَوَارِح وخَالفْنَاهم في الهِمَم.
وقال أبو عبد الرَّحْمن: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن ظاهر الوَزِيْريّ يقول: سَمِعْتُ الحَسَن بن مُحَمَّد بن إسْحاق، يقول: سَمِعْتُ سَعيد بن عُثْمان الحنَاط، يقول: حَدَّثَنَا أحْمَد ابن أبي الحَوَارِيّ يقول: سَمِعْتُ أحْمَد بن عَاصِم أبو عَبْد الله الأنْطَاكِيّ يقول: الصَّبْر هو أوَّل مقام الرِّضَا.
أخْبرَنا عَمِّيِ أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَةِ الله، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح عُمَر بن عليّ بن مُحَمَّد بن حَمُّوْيَه، قال: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح عَبد الوَهَّاب بن شَاه الشَّاذْيَاخِيّ، ح.
وأخْبَرَنا أبو النَّجِيْب إسْمَاعِيْل بن عُثْمان بن إسْمَاعِيْل القَارِئ، وزَيْنَبُ بنْتُ عبد الرَّحْمن في كتابيهما، قال أَبو النَّجِيْب: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد القُشَيْريّ، وقالت زَيْنَب: أخْبَرَنا الشَّاذْيَاخِيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الكَريم بن هَوَازِن القُشَيْريّ (١)، قال: وسَمِعْتُه - يعني مُحَمَّد بن الحُسَين السُّلَميِّ - يقول: سَمِعْتُ النَّصْرَابَاذِيّ يقول: سَمِعْتُ ابنَ أبي حَاتِم يقول: سَمِعْتُ عليّ بن شَهْمَردان يقول: قال أحْمَد بن عَاصم الأنْطَاكِيّ، وسُئِلَ ما عَلَامَةُ الرَّجَاءَ في العَبْد؟ قال: أنْ يكون إذا أحاط بهِ الإحْسانُ أُلْهِمَ الشُّكْر رَاجِياً لتمَامِ النّعْمَة من اللهِ عليه في الدُّنْيا، وتَمام عَفْوه في الآخِرة.
стр. 1019
أنبَأنَا أبو بَكْر عبد الله بن عُمَر، وعَبْد الرَّحمن بن عُمَر، قالا: أخْبَرَنا أبو الخَيْر القَزْوِينيّ، قال: أخْبَرَنا زَاهِر بن طَاهِر أنَّ أبَوَي عُثْمان الصَّابُونِيّ والبَحِيْرِيّ، وأبَوَي بكْر البيهَقِيِّ والحِيْرِيّ كَتَبُوا إليه: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ مُحَمَّد بن عبد الله الحافِظ، قال: سَمِعْتُ أبا إسْحاق إبْراهيم بن مُحَمَّد بن يَحْيَى يقول: أنْشَدنا مِسْعَرُ بن عليّ البَرْذَعِيّ (a)، قال: أنشَدنا عبدُ الله بن أحْمَد بن عُقْبَة الأصْبَهَانِىّ، قال: أنْشَدَنا أبو الحَسَن عليّ بن مَتُّوْيَه لأحْمَدَ بن عَاصِم الأنْطَاكِيّ (١): [من الخفيف]
دَاعياتُ الهَوَى تخفُّ عَلَيْنا … وخلَافُ الهَوَى علينا ثَقِيْلُ
فُقِدُ الصِّدْقُ في الأماكِنِ حتَّى … وصْفُهُ اليَوْم ما عليهِ دَلِيْلُ
لا نَرى خَائفاً فَيُلزِمَنا الخَوْ … فَ ولا صَادِقاً كما قَد نَقُولُ
فبَقينا مردَّدِين حَيَارَى … نطْلُبُ الصِّدْقَ ما إليهِ سَبِيْلُ
أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد القَاسِم بن عليّ بن الحَسَن الحافِظُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم نَصْرُ بن أحْمَدَ بن مُقَاتِل، قال: أخْبَرَنا جَدّي أبو مُحَمَّد مُقَاتِل بن مَطَّكُوْد السُّوْسِيُّ، قال: أنْشَدَنا أبو عليّ الحَسَنُ بنُ عليّ الأهوَازِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو القَاسِم العَطَّارُ، قال: أنْشَدَنا أبو القَاسِم ابن أبي العَقَب، قال: أنْشَدَني أبو زُرْعَة الدِّمَشقيُّ، قال: أنْشَدنا أحْمَدُ بن عَاصِم الأنْطَاكِيُّ (٢): [من البسيط]
هوِّنْ عليكَ فكُلُّ الأَمْر مُنْقَطِعُ … وخَلّ عنكَ عِنَانَ الهَمِّ يندَفعُ
فكُلُّ هَمٍّ لَهُ من بَعْدِهِ فرجٌ … وكُلُّ هَمّ إذا ما ضَاق يَتَّسعُ
إنَّ البلاءَ وإنْ طال الزَّمانُ بِهِ … فالمَوْتُ يقطَعُهُ أو سَوْفَ يَنْقَطعُ
стр. 1020
أخْبَرَنا أبو بَكْر مَنْصور بن عَبْد المنعِم بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الفَضْل الفَرَاوِيّ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا جَدُّ أبي أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن الفَضْل الفرَاوِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعاً، قال: أخْبرَنا الإمَامُ أبو سَعيد مُحَمَّد بن علي الخَشَّاب، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن الحُسَين، قال: سَمِعْتُ أبا جَعْفَر الرَّازِيّ، يقول: سَمعتُ العبَّاسَ بن حمْزَة يقول: سَمِعْتُ أحْمَد بن أبي الحَوَارِيّ، يقول: سَمِعْتُ أحْمَدَ بن عَاصِم الأنْطَاكِيّ، يقول: يَسِيْرُ اليَقِيْن يُخْرِجُ كُلّ الشَّكّ من القَلْب، ويَسِيْرُ الشَّكّ يُخْرِجُ اليَقِيْن كُلّهُ من القَلْب (١).
ذِكْرُ مَنْ اسْمُ أبيْهِ العبَّاس من الأحْمَدِين
أحمدُ بن العبَّاس بن أحْمَد بن الخَوَاتِمْيِي، بو العبَّاس بن أبي الفَضْل (٢)
كان أبوه قاضي طَرَسُوس، وكان ابنُه من الثِّقَات الأُمَنَاء العُدُول المُؤَهَّليْن للرِّئاسَة.
حَكَى عنهُ القَاضِي أبو عَمْرو عُثْمان بن عبد الله الطَّرَسُوسِيّ.
قَرأتُ بخَطِّ القَاضِي أبي عَمْرو في سِيَر الثُّغُور من تأليفه، قال: وحَدَّثَني أبو العبَّاس أحْمَدُ بن العبَّاسِ بن أحْمَد الخَوَاتْيِمِيّ، وهو ابن القَاضِي، وكان ممَّن يحَتَفَّظ إذا تَكَلَّم، وبُعَدُّ من الصَّادِقين، أنَّهُ أحْصَى على أبي بَكْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن دَاوُد مُدَّة شَهْري كانون الأوَّل والآخر وعشراً من شُبَاط في كُلّ يَوْم كُسْوَة لا تُشْبه الّتي تقدَّمتها.
وقَرأتُ بخَطِّ أبي عَمْرو أيْضاً، قال: تُوفِّي أبو العبَّاس أحْمَدُ بن العبَّاس بن