← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وَيا مَنْ بَكَي طَرْفُ المَكَارِم وَحْشَةً … لهُ ولسَانُ الفَضْل والحِلْمِ نَادِبُه ولو نَطَقَتْ كُتبُ العُلُوم إذًا بَكَي … على فَقدِه من كُلِّ عِلْمٍ غَرَائبُه ولو أنَّ هذا اللَّيْل يَعْلَمُ أنَّهُ … قَضَى لقضَى أَلَّا تَزُولَ غيَاهِبُه ولو عَلِمَتْ شُهْبُ الظَّلَام بفَقْدِهِ … إذًا نَدَبتْهُ في الظَّلَام كَوَاكبُه سَقَى قَبْرَهُ السّحْبُ الغزارُ وخصَّهُ … من اللهِ عَفْوٌ لا يزالُ يُصَاحبُه فما زال كُلُّ النَّاسِ ينْهَبُ عِلْمَهُ … إلى أنْ غَدَا صَرْفُ الرَّدَى وهو نَاهِبُه وقد عمَّ أهلَ الأرْض جَمْعًا مُصَابُهُ … كما عمَّهم إحْسَانه ومَوَاهِبُه رَعَى الله قَبْرًا أنتَ يا عَمِّ مُلْحَدٌ … بهِ وسَقَاهُ من حَيا المُزْنِ صَائبُه ولرلا تَوخِّيْك الطَّهَارةَ شِيْمةً … لقُلتُ: سَقَاهُ من دَمِ الدَّمْعِ سَاكبُه وقَرَأتُ فيه لأبي يَعْلَى عَبْد البَاقِي بن أبي حَصِيْن من قَصِيدَة: [من الوافر] نِصَالُ الدَّهْر أقْصَدُ من سِوَاها … وإنْ أَدْمَتْ ولم تُدْمِ النِّصَالُ ألَم تَرَ كيفَ لم يأمَنْ مَنْ شَباهَا … أميْنُ الأرْض والوَرِع البجَالُ وسَار سَريِره فَوْق الهوَادِي … لقد خَفَّتْ مُذِ اليَوْم الجِبَالُ وأُقْبِر في المَعَرَّةَ وهو أَوْلى … بقَبْرٍ في المَجَرَّةِ لا يُطَالُ وَقَرأتُ فيه لأبي الفَتْح الحَسَن بن عبد الله بن أبي حَصِيْنَة (١): [من ١٥ الكامل] العِلْمُ بعد أبي العَلَاء مُضَيَّعُّ … والأرْضُ خاليَةُ الجَوَانِبِ بَلْقَعُ لا عَالِمٌ فيها يُبَيّنُ مُشْكلًا … للسَّائلينَ ولا سمَاعٌ يَنْفَعُ وَعظ الأنامَ بما اسْتَطاعَ من الهُدَى … لو كان يعْقلُ جَاهِلٌ أو يَسْمَعُ

стр. 1087

ومَضَى (a) وَقَدْ مَلأَ البِلادَ غَرائبًا … تَسْري كما تَسْري النُّجُومُ الطُّلَّعُ ما كنتُ أعْلَمُ وهو يُودَعُ في الثَّرَى … أنَّ الثَّرَى فيه الكَوَاكِبُ تُودَعُ جَبَلٌ ظَنَنْتُ وقد تَزَعْزعَ رُكْنُهُ … أنَّ الجِبَالَ الرَّاسياتِ تَزَعْزعُ وعَجِبتُ أنْ تسَعَ المَعَرَّةُ قَبْرَهُ … ويَضِيْقَ عرْضُ (b) الأرْضِ عنه الأوْسَعُ أسَفي عليه وقد مشَيْتُ وراءَهُ … ومُتالعٌ فَوْق المناكِب تُرْفَعُ والشَّمْسُ كاسفَةُ الضِّيَاءَ كئيبةٌ … والجَوُّ مُسْوَّدُ الجَوَانِب أسْفَعُ والأرْضُ عادمَةُ النَّسيمِ كأنَّما … سَدَّت منافسَهَا الرِّيَاحُ الأرْبعُ لو فَاضَتِ المُهَجَاتُ يَوْم وَفَاتهِ … ما اسْتُكْثِرت فيه فكيفَ الأدْمعُ إنِّي لمُحْتَشِم وقد دَخَل الثَّرَى … ويكُون لي كَبِذٌ ولا تتَقطَّعُ أخْبَرَنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ في كتابِه، قال: أجاز لنا أبو عَبُد الله مُحَمَّد نَصْر القَيْسَرَانِيّ، وقال: وكَتَبَها عند قَبْر أبي العَلَاء بَمعَرَّة النُّعْمَان (١): [من الوافر] نَزلتُ فزُرْتُ قَبُرَ أبي العَلَاءِ … فلم أرَ من قِرَىً غير البُكَاءِ ألَا يا قَبْرَ أَحْمَدَ كم جَلَالٍ … تَضَمَّنَهُ ثَرَاكَ وكم ذَكَاءِ وزُرْتُ قَبْر أبي العَلَاء في التُّربَةِ الّتي فيها مَقَابِر أهْله داخِل مَعَرَّة النُّعْمَان، بالقُرْبِ من آدر بني سُليْمان، ﵀. أحمدُ بن عبد الله بن صالح عبْدِ الله بن صالح بن عليّ بن عَبْد الله بن العبَّاس، أبو جَعْفَر الهاشِميُّ الصَّالِحِيُّ من أهل حَلَبَ، وَجَدْتُ ذِكُرَهُ في جُزءٍ وَقَعَ إليَّ بخَطِّ القَاضِي أبي طَاهِر

стр. 1088

صالح بن جَعْفَر الهاشِميّ، يَتَضَمَّن نَسَب بني صَالح بن عليّ (١)، قال: وكان - يعني أحْمَد بن عبد اللهِ بن صالح - سَيِّد وَلد عبد الله بن صالح في أيَّامهِ، وجَلِيْلهم الّذي يَقُتَدُون برأيهِ، ويَرْجعُون إلى أَمْره. أحْمَدُ بن عَبْد الله بن صَالح بن مُسْلِم، أبو الحَسَن العِجُليُّ الكُوْفيُّ الحافِظُ (٢) كان حَافِظًا كبيرًا، كَثِيْر الحَدِيْث، تَفَقَّهَ في الحَدِيْث ومَهَرَ فيه، وخَرَج عن الكُوفَة وقَدِمَ الشَّامَ، ودَخَلَ أنْطَاكِيَة، وتوجَّه منها إلى السَّاحِل، ودخَلَ مِصْر، وتَوَجَّه إلى أطْرَابُلُس المَغْرب، وأقام بها إلى أنْ مات. سَمعَ بأنْطَاكِيَة نزبلَهَا يَعْقُوب بن كَعْب الحَلَبِيّ، وبالمِصِّيْصَة نَزِيْلها مُوسَى بن أَيُّوب النَّصِيْبِيّ، ورَوَى عنهُما وعن أبِيهِ عبد الله بن صالح، وعن الإمَام أبي عبد الله أحْمَد بن حَنْبَل، وعُبَيْد الله بن مُوسَى، والحُسَين بن عليّ الجُعْفِيّ، وأبي أحْمَد الأسَدِيّ، ومُحَمَّد بن جَعْفَر غُنْدَر، ويَحْيَى بن مَعِيْن، وأبي

стр. 1089

دَاوُد الحَفَرِيّ، ومُحَمَّد بن يُوسُف الفِيريَابِيّ (a)، وأبي سُفْيان الحِمْيَرِيّ، وأبي نُعَيْم الفَضْل بن دُكَيْن، وعُثْمان بن مُحَمَّد العَبْسِيّ (b)، ومُحَمَّد ويَعْلَى ابنَي عُبَيْد (١)، وقَاسِم العُرْفُطِيّ، وأبي زَيْد سَعيد بن الرَّبيْع الهَرَويّ، وأسَد بن مُوسى، وقَبِيْصَة بن عُقْبَة، وعَفَّان بن مُسْلِم، وحَجَّاج بن مِنْهَال، وعبد الله بن نَافِع الزُّبَيْرِيّ، وشَبَابَة، وسُليْمان بن حَرْب، ويَزيْد بن هارُون، وإسْمَاعِيْل بن عَبْد الكَريم، وابن أبي مَرْيَم، وإسْمَاعِيْل بن خَلِيل، ونُعَيْم بن حَمَّاد، وعُمَربن حَفْص بن غِيَاثٍ، وجَعْفَر بن عَوْن، ويَعْقُوب بن إسْحاق، ويَحْيَى بن آدم، ونَصْر بن علىّ، وعَمْرو بن عَوْن، والعَلَاء بن عَبْد الجَبَّار. رَوَى عَنْهُ ابنُه أبو مُسْلم صالح بن أحمد، وكان زَاهدًا، وَرِعًا، وهو من بَيْت العِلْم والحَدِيْث، وجَدّهُ صالح من شُيُوخ الكُوفَة من أَقْرَان سَعيد الثَّوْرِيّ والد سُفْيان، وأَبوهُ كان قَاضِيًا بشِيْرَاز من أصْحَاب شُعْبَة وإِسْرائيِل. وقد أخْرجه البُخاريّ في صَحِيْحه. وابنُه صالح بن أحْمَد كان من أهْل العِلْم والرِّوَايَة، وله سُؤَالاتٌ سأل عنها أباهُ. أنْبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن المُفَضَّل بن عليّ المَقْدِسِي، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو المَعَالِي ثَابِت بن بُنْدَار بن إبْراهيم البَقَّال، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله الحُسَين بن جَعْفَر بن مُحَمَّد السَّلَمَاسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاس الوَلِيد بن بَكْر بن مَخْلَد بن أبي زِيَاد

стр. 1090

الغَمْرِيّ الأنْدَلُسِيّ (١)، قال: سَمِعْتُ عليّ بن أحمد - يعني ابن زَكَرِيَّاء بن الخَصِيْب الهاشِيّ - قال: سَمِعْتُ صالح بن أحْمَد، يقول: سَمِعْتُ أبي أحْمَد يقول: طَلَبْتُ الحَدِيْثَ سَنَة سَبعٍ وتِسْعِين ومائة، وكان مَوْلدي بالكُوفَة سَنة ثنْتَين وثمانين ومائة. أخْبَرَنا أبو عليّ حَسَنُ بن أحْمَد بن يُوسُف، فيما أَذِنَ لَنا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، عن أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا ثَابِت بن بُنْدَار، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله الحُسَين بن جَعْفَر السَّلَمَاسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاس الوَلِيد بن بَكْر بن مَخْلَد الغَمْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن زَكَرِيَّاء، قال: حَدَّثنا أبو مُسْلم صالح بن أحْمَد بن عبد الله بن صالح العِجْليّ، قال: حَدَّثَني أبي (٢)، قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوب بن كَعْب، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن اليَمَان العِجْلِيّ، عن أشْعَث بن إسْحاق، عن جَعْفَر بن أبي المُغِيرَة، عن سَعيد بن جُبَيْر، قال: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ (٣)، قال: هذا في العِلْم. وقال: حَدَّثَنَا أبو مُسْلم، قال: حَدَّثَني أبي (٤)، قال: أخْرَج إليَّ أحْمَد بن نُوح نَفقةً (a) دَنَانِيْر كَثِيْرة، فقال: خُذْ منها حاجتك، أراك رَثَّ الهَيْئَة، فأخْرَجتُ إليه مِنْطَقَةً لي فيها دَنَانِيْر بعْتُ بها بَزًّا بأنْطَاكِيَة، فقُلتُ: لو كُنْتُ أحْوج الخَلْق، أجئ إلى أسير آخُدُ منه!. قُلتُ: وكان أحْمَد بن نُوح مَحْبُوسًا في المِحْنَة مع أحْمَد بن حَنْبَل. أنْبَأنَا أبو القَاسِم عبد الله بن الحُسَين الأنْصَاريّ، عن الحافِظ أبي طَاهِر، قال: أخْبَرَنا أبو المَعَالِي البَقَّال، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله بن جَعْفَر، قال: أخْبَرَنا أبو

стр. 1091

العبَّاس الوَلِيد بن بَكْر بن مَخْلَد، قال: وكان أبو الحَسَن أحْمَد بن عبد الله بن صالح الكُوفِيّ من أئمَّة أصْحَاب الحَديث الحُفَّاظ المُتْقِنين، ومن ذوي الوَرَع والزُّهْد. كما سَمِعْتُ زِيَاد بن عبد الرَّحْمن أبا الحَسَن اللّوَليّ (a) بالقَيْرَوان، يقول: سَمِعْتُ مَشَايخنا بهذا المَغْرب يقُولون: لم يكن لأبي الحَسَن أحْمَد بن عبد الله بن صالح الكُوْفيّ ببلادنا شبَهٌ ولا نَظِيْر في زمانهِ ومَعْرفته (b) بالحَدِيْث، وإتْقَانه له، وزُهْده ووَرَعهِ. وقال: أخْبَرَنا الوَلِيد، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن زَكَرِيَّاء بن الخَصِيْب بأطْرَابُلُس المَغْرب، قال: حَدَّثنا أبو العَرَب مُحَمَّد بن أحْمَد بن تمِيْم الحافِظ بالقَيْرَوان، قال: سألتُ مَالِك بن عِيسَى القَفْصِيّ - وكان من عُلُماء أصْحَاب الحَديْث بالمَغْرب - فقُلتُ لَهُ: مَنْ أعْلَم مَنْ رأيت بالحَدِيْث؟ فقال لي: أمَّا من الشُّيُوخ فأبو الحَسَن أحْمَد بن عبد الله بن صالح الكُوْفيّ السَّاكن بأطْرَابُلُس المَغْرب. وقال: أخْبَرَنا الوَلِيد، قال: وحَدَّثَنَا عليّ بن أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا أبو العَرَب، قال: حَدَّثَنَا مَالِك بن عِيسَى، قال: حَدَّثَنَا عبَّاس بنُ يَحْيَى الدُّوْرِيّ، عن عبد الله بن صالح العِجْلِيّ، قال مَالِك بن عِيسَى: فقلتُ لعبَّاس الدُّوْرِيّ: إنَّ له ابْنًا عندنا بالمَغْرب، فقال: أحمد؟ فقُلت: نعم، قال عبَّاس: إنَّما كُنَّا نعدّه مثل أحْمَد بن حَنْبَل، ويَحْيَى بن مَعِيْن، قال: قال لي عليّ بن أحمد: وقد ذَكَرَ أحْمَد بن عبد الله بن صالح أنَّ ابن حَنْبَل وابن مَعِيْن قد كانا يأخُذَان عنه. وقال: أخْبَرَنا الوَلِيد، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أحْمَد بن غَانِم الحافِظ، قال: سَمِعْتُ أحْمَد بن مُعَتِّب (c) - مَغْرِبيٌّ ثِقَةٌ - يقول: سُئِلَ يَحْيَى بن مَعِيْن عن أبي الحَسَن أحْمَد بن عبد الله بن صالح بن مُسْلِم، فقال: ثِقَة ابن ثِقَة ابن ثِقَة.

стр. 1092

قال الوَلِيد: وإنَّما قال فيه يَحْيَى بن مَعِيْن بهذه التَّزْكيَة لأنَّهُ عَرفَهُ بالعِرَاق قبل خُرُوج أحْمَد بن عبد اللهِ إلى المَغْرب، وكان نَظِيرَهُ في الحِفْظ إلَّا أنَّهُ دُونَه في السِّنِّ، وكان خُرُوجه إلى المَغْرب أيَّام مِحْنَة أحْمَد بن حَنْبَل، لأنَّهُ يقول في هذه السُّؤَالات: دَخلَتُ على أحُمَد بن حَنْبَل وهو مَحْبُوس بِصُوْر (a)، وذلك أنَّ المَأْمُون احْتَمل ابن حَنْبَل إليهِ من بَغْدَاد للمِحْنَة في القُرْآن. وأحمد بن عبد اللهِ هذا أقْدَم في طَلَب العِلْم (b)، وأعْلى إسْنَادًا، وأجَلّ عند أهْلِ المَغْرب، في القديم والحَدِيْث، وَرِعًا وزهْدًا من مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل البُخاريّ؛ لانَّهُ سَمِعَ من الحُسَين بن عليّ الجُعْفِيّ، ومن مُحَمَّد بن جَعْفَر غُنْدَر، ومن أبي دَاوُد الحَفَرِيّ، وأبي سُفْيان الحِمْيَرِيّ، وأبي عَامِرٍ العَقَدِيّ، ومُحَمَّد ويَعْلَى ابْني عُبَيْد، ومن أسَد بن مُوسَى بمِصْر، وسَمِعَ الأكَابِر من أصْحَاب سُفْيان وشُعْبَة، وغيرهما، وهو كَثِيْر الحَدِيْث، خَرَجَ عن الكُوفَة والعِرَاق بعد أنْ تَفَقَّهَ في الحَدِيْث، ثمّ نَزَلَ أطْرَابُلُس المَغْرب. قال: أخْبَرَنا الوَلِيد، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا أبو مُسْلم، عن أَبِيهِ، قال: آخر سَفْرَة سافرتُها إلى البَصْرَة كَتَبتُ بها سَبْعين ألْف حَدِيث مُنْتَقَى إلَّا حَديث حَمَّاد بن سَلَمَة والقَعْنَبي، واسْتَعرت حَدِيث حَفْص بن عُمَر النُّمَيْرِيّ، وكانت عشرين ألف حَدِيث فما تنقَّيتُ منها إلَّا مائتي حَدِيْث فسَمِعْتُها. قال: أخْبَرَنا الوَلِيد، قال: قلتُ لزِيَاد بن عبد الرَّحْمن: أيّ شيء أراد أحْمُد بن عَبْد الله بن صالح بخُرُوجه إلى المُغْرب؟ فقال: أرادَ التَّفرُّد للعِبَادَة. يُحْكَي ذلك عن مَشَايخ المَغْرب، قال: وسَمِعْتُ عليّ بن أحْمَد يقول نحو ذلك. قال الوَلِيد: وحُدِيثُ أحْمَد، وتَصَانِيْفهُ، وأخْبَارهُ بالمَغْرب، وحَدِيثُه عَزيِزٌ

стр. 1093

بمِصْر والشَّام والعِرَاق لبُعْد المَسَافَة. وتُوفِّيَ بأطْرَابُلُس، وقَبْره هُناك على السَّاحِل، وقَبْر ابْنه صالح إلى جَنْبه رَحمهما اللّهُ. أنْبَأنَا أبو عليّ الأَوَقِيّ، عن أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا ثَابِت بن بُنْدَار، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللّه الحُسَين بن جَعْفَر السَّلَمَاسِيّ، قال: أخْبَرَنا الوَلِيد بن بَكْر الأنْدَلُسِيّ، قال: حَدَّثنا عليّ بن أحْمَد، قال: سَمِعْتُ صالح بن أحْمَد، قال: وماتَ أبي بعد السِّتِّين والمائتين. أحْمدُ بن عبد اللّه بن طَاهِر بن الحُسَين بن مُصْعَب بن رُزَيْق في أَسْعَد بن زَاذَان الخُزَاعِيِّ، الأَمِير أبو الفَضْل ابن الأَمِير أبي العبَّاس ابن الأَمِير أبي طَلْحَة ذي اليَمِيْنين أميرٌ فَاضِلٌ من الأُمَرَاء الكُبَرَاء، والأجْوَادِ الكُرَمَاءِ، قَدِمَ الشَّامَ، ونَزَل جَبَل السُّمَّاق، فاسْتَطَاب ماءَهُ، واسْتَلذَّ هواءهُ، وأُعْجبَ به إعْجابًا كَثيرًا، ورَحَل منه عن هَوَىً له، فقال أبْيَاتًا ذَكَرها السَّرِيّ المَوْصِلِيّ في كتابه الّذي سمَّاهُ المُحبّ والمَحْبُوب والمَشْمُوم والمَشْرُوب (١)، فقال: أنْشَد المُبَرَّد، قال: أنْشَدَني أحْمَدُ بنُ عبدِ اللّه بن طَاهِر لنفسِه: [من السريع] يا جَبَلَ السُّمَّاقِ سَقْيًا لَكَا … ما فَعلَ الظّبْيُ الّذي حَلَّكا فارَقْتُ أطْلالَكَ لا أنَّهُ … قلَاكَ قَلْبي لا وَلا مَلَّكَا فأيَّ لذَّاتِكَ أبْكي دَمًا؟ … مَاءَكَ أمْ ظَبْيَكَ أمْ ظِلَّكَا أم نَفَحاتٍ منكَ تُبْدِي (a) إذا … دَمْعُ النَّدَى إثْرَ الدُّجَى بَلَّكَا

стр. 1094

أحْمَدُ بن عَبد اللّهِ الصَّمَد بن عَبد الرَّزَّاق السُّلَمِيُّ، أبو القَاسِم العَطَّار بن أبي مُحَمَّد البَغْدَاديُّ (١) سَمِعَ أباهُ أبا مُحَمَّد عبد اللّه، وأبا الوَقْت عَبْد الأوَّل بن شُعَيْب السِّجْزِيّ، وأبا الفَتْح مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي بن البَطِّيّ وغيرهم بإفَادة والده أبي مُحَمَّد، وكان وَالده من شُيُوخ الحَدِيْث ببَغْدَاد. وقال القَاضِي أبو المَحَاسِن عُمَر بن عليّ القُرَشِيّ فيما نَقَلْتُهُ من خَطِّه: كان يَذْكُر - يعني أبا مُحَمَّد عبد اللّه - أنَّهُ من وَلدِ أبي عَبْد الرَّحمن السُّلَمِيّ. وكان أبو القَاسِم وَلده شَيْخًا صَالِحًا وَرِعًا ثِقَة أمِيْنًا صَمُوتًا، حَسَن السَّمْت. اجْتَمَعْتُ بهِ بدِمَشْق في سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّمائة، وكان عَطَّارًا بها، وسَمِعْتُ منه جُزء بَيْبَي الهَرْثَمِيَّة، ثمّ قَدِمَ علينا حَلَب في سنَةِ اثْنتي عَشرة وسِّتمائة، وَأنْزَله المَلِك المُحسِن أحْمَد ابن المَلِك النَّاصِر يُوسُف بن أَيُّوب في جِوَاره، وكان يَصْحبهُ بدِمَشْق، فسَمِعْتُ منه بحَلَب صَحيْح البُخاريّ ومُسْنَد الدَّارِمِيِّ بروايته لهما عن أبي الوَقْت، وغيرهما من الأجْزاء، وكان ﵀ تُعْجبُهُ قراءتي الحَدِيث، وكان به لَمَّا قَدِمَ علينا حَلَب رِيَاح الشَّوْكَة؛ وسَأَلتُهُ عن مَوْلدِه فقال: يَوْم الجُمُعَة ثامن عَشر شَهر رَبيع الآخر من سنَة ستٍّ وأرْبَعين وخَمْسِمائَة؛ يعني ببَغْدَاد. أخْبَرَنا الشَّيْخ الثِّقَة شَمْس الدِّين أبو القَاسِم أحْمَد بن عبد اللّه بن عبد الصَّمَد السُّلَمِيّ قِراءَةً عليهِ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو الوَقْت عَبْد الأوَّل بن عِيسَى بن شُعَيْب السِّجْزِيّ، قال: أخْبَرَتْنا الحُرَّة أُمُّ عِزّي بَيْبَي بنت عبدِ الصَّمَد بن عليّ بن

стр. 1095

مُحَمَّد الهَرْثَمِيَّة، قالت: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد الرَّحْمَن بن احمد بن مُحَمَّد الأنصاريّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ اللّه بن مُحَمَّد بن عَبْد العَزِيْز البَغَويّ، قال: حَدَّثَنَا مُصْعَب بن عبد اللّه بن مُصْعَب، قال: حَدَّثَني مَالك بن أنس، عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن أَبيهِ، عن أبي هُرَيْرَة، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال (١): مَنْ حَلَفَ على يَمِين فرَأى غيرها خَيْرًا منها فليُكِّفر عن يَمِينه، وليَفْعل الّذي هو خَير. أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد قِراءَةً عليه بحَلَب، حَرَسَها اللّهُ، قال: أخْبَرَنا أبو الوَقْت عَبْد الأوَّل بن عِيسَى، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن المُظَفَّر الدَّاوُوديّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد اللّه بن أحْمَد بن حَمُّوْيَه السَّرْخَسِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو عِمْران عِيسَى بن عُمَر بن العبَّاس السَّمَرْقَنْديّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبدُ اللّه بن عبد الرَّحْمن الدَّارِمِيِّ (٢)، قال: أخْبَرَنا يُوسُف بن مُوسَى، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيمُ بن مُوسَى، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن الحَسَن الصَّنْعانِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُنْذِر، عن وهْب بن مُنبِه، قال: مَجْلِسٌ يُتَنَازع فيهِ العِلْم أحبّ إليَّ من قَدْره صَلَاةً، لعلَّ أحدهُم يَسْمع الكَلِمَة فينتَفع بها سنَة أو ما بَقي من عُمُره. رَجع شَيْخنا أبو القَاسِم من حَلَب إلى دِمَشْق فتُوفِّي بها في يَوْم الخَميس سابِع عَشر شَعْبان من سنة خَمْس عَشرة وسِتّمائة، ودُفِنَ من يَوْمهِ بجَبَل قَاسِيُون. وأخْبَرَني الحَافِظ أبو الحُسَين يَحْيَى بن عليّ بن عبد اللّه القُرَشِيّ، قال. أبو القَاسِم هذا بَغْدَاديٌّ سَكَن دِمَشْقَ، من أهل الصّلَاح والعَفَاف والخَيْر، ويُعْرَف بالشَّمْس العَطَّار، مُحَدِّث ابن مُحَدِّث، وكان والدهُ يَذكر أنَّهُ من وَلد أبي عَبْد الرَّحمن السُّلَمِيّ.

стр. 1096

وذكَرَ الحافِظ أبو مُحَمَّد عبد العَظِيْم بن عَبْد القَوِيّ المُنْذِريّ في كتاب التَّكْمِلَة لوَفَيَات النَّقَلَة (١)، فيمَن ماتَ سنَة خَمْس عَشْرة وسِتّمائة، قال: وفي ليلَة السَّابِع عَشر من شَعْبان تُوفِّي الشَّيْخ الأجَلّ أبو القَاسِم أحْمَدُ ابن الشَّيْخ الأجَلّ أبي مُحَمَّد عبْدِ اللّه بن عبد الصَّمَد بن عَبد الرَّزَّاق السُّلَمِيّ البَغْدَاديّ العَطَّار الصَّيْدَلانِيُّ، نَزِيلُ دِمَشْقَ (a)، بدِمَشْق، وصُلِّي عليه من الغَدِ بالمَدْرَسَةِ المُجَاهِديَّة ظَاهِر باب الفَرَادِيس، ودُفِنَ بجَبَل قَاسِيُون. سَمِعَ بإفَادة والدِه. وذَكَرَ بعضُهُم أنَّ أبا القَاسِم هذا تُوفِّي في جُمَادَى الآخرة من السَّنَة، والأوَّل أكْثَر.

стр. 1097

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقي أحمدُ بنُ عَبْد الله بن عليّ، أبو العبَّاس الفَرَائِضِيُّ الرَّازِيُّ (١) سَمِعَ بحَلَب نَزيلَهَا سُليْمانَ بن المُعَافَى بن سُلَيمان، ومُحَمَّد بن مُعَاذ الحَلَبِيِّ المَعْرُوف بِدُرَّان، وبالمِصِّيْصَة الحَسَن بن مَنْصُور المِصِّيْصيّ. ورَوَى عنهُم وعن: الحُسَين بن أحْمَد بن الفَضْل البَاهِلِيّ، والحَسَن بن عليّ بن زَكَرِيَّاء العَدَوِيّ، ومُطَيَّن الحَضْرَيّ، وأبي بَكْر مُحَمَّد بن قَارِن، وأبي بَكْر أحْمَد بن سَعيد السُّوْسيِّ، وعُثْمان بن الأَصْبَغ الرَّقِّيّ، والحسُين بن مُحَمَّد بن أبي الأحْوَص، وجَعْفَر بن مُحَمَّد الفِرْيَابيّ، وأحمد بن جَعْفَر القَطَّان، وعبد اللّه بن أحْمَد القَوَارِبرِيّ، وأبي شعَيْب الحرَّانيّ، وابن أبي حَسَّان؛ وعن مُوسى بن عِمْران الوَرَّاق، سَمِعَ منهُ بطَرَسُوسَ، ويُوسُف بن يَعْقُوب القَاضِيّ، ومَكِّيّ بن أحْمَد بن مَاهَان. رَوَى عنهُ: أبو الحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ، وأبو حَفْص عُمر بن أحْمَد بن شَاهِين، ويُوسُف القَوَّاس، وأحمد بن الفَرَج بن الحَجَّاج، وعبد اللّه بن عُثْمان الصَّفَّار، وأبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن إسْحَاق بن مُحَمَّد بن يَزِيد الحَلَبيُّ. أنْبَأنَا أحْمَد بن عبد اللّه بن عُلْوَان، عن أبي البَرَكَات الخَضِر بن شِبْل الحَارِثِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن رَشَاء بن نَظِيف المُقرِئ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد الحَلَبِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس أحْمَد بن عبد اللّه الفَرَائِضِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بن عران الوَرَّاق بطَرَسُوس، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عبد اللّه بن

стр. 1098

عَمَّار المَوْصِليّ، قال: حَدّثَنَا يَحْيَى بن اليَمَان، قال: سَمِعْتُ سُليْمان الأَعْمَش، يقول: إنِّي لأرَى الشَّيْخ يَخْضبُ بالحِنَّاء، ليسَ عندَهُ شيء من الحَدِث، فأشْتَهي أنْ ألْطِم قَفَاهُ. أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيب (١)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البرقَانِيّ، قال: أخْبَرنا أبو الحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ، قال: أحْمَد بن عبد اللّه بن عليّ الفَرَائِضِيّ رَازِيٌّ ثِقَةٌ. أحمدُ بن عبد الله بن عُلْوَان، أبو العبَّاس الأسَدِيُّ الحَلَبِيُّ (٢) أخو شَيْخنا أبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمن ابن الأُسْتَاذ، شَيْخُ حَسَن صَالِحٌ، زَاهِدٌ، وَرعٌ، حَسَنُ الأخْلَاق، كَثِيْر العِبَادَة والدُّعَاءَ. سَمِعَ بحَلَب الحافِظ أبا بَكْر مُحَمَّد بن عليّ بن يَاسِر الجَيَّانيّ (a)، وأبا طَالِب عبد الرَّحْمن بن الحَسَن بن العَجَمِيّ الحَلَبِيّ، ومُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن مَسْعُود المَسْعُودِيّ الفَنْجَدِيْهِيِّ وغيرهم، وسَمِعَ بَمَكَّة أبا مُحَمَّد عَبْد الدَّائمِ بن عُمَر بن حُسَين الكِنَانِيّ (b) وغيره، وبالمَوْصِل أبا الفَضْل عبد اللّه بن أحْمَد بن مُحَمَّد الطُّوْسيّ. وكان سَار من حَلَب صُحْبَةَ والدته، وكانت امْرأةً صالِحةً، وصُحْبَة أخيهِ الشَّيْخ عُلْوَان إلى الحجِّ، فجَاوَرَ بَمكَّة مع أخيه ووَالدته يَخْدمُهما إلى أنْ مات أخوهُ عُلْوَان، فأقام بَمكَّة يَخْدم والدتَهُ إلى أنْ مات، فكانت إقامَتُه بَمكَّة عشرين سَنَةً مُتَوَاليَة يَخْدم والدته، ثمّ عَاد إلى حَلَب المَحْرُوسَة من مَكَّة بأُختٍ له كانت مع والدته، وكان بعد ذلك يَتَردَّد من حَلَب حَاجًّا إلى مَكَّة في بعض السِّنِيْن،

стр. 1099

وكان يُجَاور في بعضها، وآخر حِجَّة حِجَّها في سَنَة ثمان وسِتّمائة، سَيَّرهُ المَلِك الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أَيُّوب ليَلْحق عمَّته رَبِيْعَة خَاتُون بنت أَيُّوب، وكانت حَجَّت في هذه السَّنَة، ليُعَلِّمها مَنَاسِك الحَجّ، وكانت حَجَّتْ من إرْبِل، وعادَت على الشَّام، فقَدِمَ معها، وكُنْتُ بالبيت المُقَدَّس، فقَدِمَ علينا معها في أوَائِل سَنَة تِسْعٍ وسِتّائة، وأقام بعدَها بحَلَب إلى أنْ ماتَ. وقال لي ابنُ أخيه القَاضِي الإمَام زَيْن الدِّين أبو مُحَمَّد عبد اللّه بن عبْد الرَّحْمن: إنَّهُ تكَمَّل للشَّيْخ أحْمد - عمّه - إلى أنْ ماتَ ثلاثُون حِجَّة إلى مَكَّة حَرَسَها اللّهُ بسِنيّ المُجَاوَرَة. وسَمِعْتُ القَاضِي زَيْن الدِّيِن المَذْكُور يقول: كان الشَّيْخ رَبِيع بن مَحْمُود المَارِدِيْنِيّ - وكان أحَد الأوْلِيَاء - يقول: لو صَعِدَ أحدُ إلى السَّماء بخِدْمَة والدته لصَعِدَ الشَّيْخ أحْمَد، فإنَّهُ لم يَخْدم أحدٌ والدَته مثل خِدْمته. قال: وبَلَغَني أنَّهُ طافَ لَيْلَةً بأُمِّهِ من العِشَاءَ إلى الصَّبَاح، ويدهَا على كَتفه لضَعْفها، والشَّيْخ رَبِيْع من خَلْفِهما ومعه إبْرِيْق فيه ماء، وهو يَطُوف والماءُ معَهُ مُعَدٌّ لأُمِّهِ إنْ عرضَتْ لها حاجَة إليهِ. قال: وكان الشَّيْخ عَبْد الحَقِّ الفَاسِيّ، وكان أيضًا أحد الأوْلِيَاء قد سكَنَ الفيْن، قَرْيَة في وَادِي بُطْنَان، وأقام بمَسْجِدها، وذلك بعدَ مَوْت الشَّيْخ أبي زَكَرِيَّاء المَدْفُون بدير النَّقِيْرَة، وعزم عَبْدُ الحَقّ على أنْ لا يَخْرج من الفيْن إلى أنْ يَمُوت، فلمَّا قَدِمَ الشَّيْخ أحْمَد من مَكَّة بعد المُجَاوَرَة الطَّويلة، دَخَلَ عَبْد الحَقّ من الفيْن قَصْدًا لرُؤيته، وأقَامَ بحَلَب أيَّامًا قَلَائِل حتَّى قَضَى حقّ زيارته، ثمّ عاد إلى الفيْن. وسَألتُ القَاضِي أبا مُحَمَّد المَذْكُور عن مَوْلد عمّه أبي العبَّاس، فقال: لا أعْلَم، إلَّا أنَّهُ كان بينَهُ وبين والدي في العُمْر مِقْدَار سَبعْ سنين، ومَولد والدي في

стр. 1100

سَنَة أرْبَعٍ وثَلاثين وخَمْسِمائَة في رَبيع، فيكون تَقْدير مَوْلد عّمِّي في سَنَة إحْدى - أو اثْنَتَيْن - وأرْبَعين وخَمْسِمائَة. ثُمَّ وجَدْتُ في تَعْلِيقٍ بخَطِّ رَفِيقنا رِزْق الله الدُّنَيْسَرِىّ: أنَّ شَيْخنا أحْمَد مَوْلده سَنَة أرْبَعٍ وأرْبَعين وخَمْسِمائَة، فلا أدْري من أين وقَعَ له ذلك. سَمِعْتُ من الشَّيْخ أحْمَد ﵀ كاتب الصِّحَاح للجَوْهَريّ في اللُّغَة، بحقّ سَمَاعه لها من أبي مُحَمَّد عَبْد الدَّائمِ الكِنَانِيّ عن أبي البَرَكَات بن العِرْقِيّ، وبإجازَته من ابن العِرْقِيّ، وكان له إجَازَة حَسَنة من شُيُوخِ مِصْر ودِمَشْق وأصْبَهان، وغير ذلك من البِلاد، أخَذَها له ولَأخِيهِ شَيْخنا أبي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن الفَنْجَدِيْهِيّ، وسَمِعْتُ منهُ عِدَّة أجْزاء من حَدثيه، وعلَّقتُ عنه فَوَائِد وإنْشَادات عن شُيُوخه. أخْبَرَنا أبو العبَّاس أحْمَد بن عبد الله بن عُلْوَان الأسَدِيُّ الحَلَبَيُّ بها، قال: أخْبَرَنا أبو طَالِب عبد الرَّحْمن بن الحَسَن بن عبد الرَّحْمن بن العَجَمِيّ الحَلَبِيّ بها، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن بَيَان الرَّزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم طَلْحَةُ بن عليّ بن الصَّقْر بن عَبْد المُجِيْب بن عَبْد الحَميْد، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ مُحَمَّد في أحْمَد بن إبْراهيم، قال. حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن أبي حَاتِم الرَّازِيّ، قال: حدَّثنا يُونُس بن عَبْد الأعْلَى المِصْريّ، قال: حَدَّثنَا ابن وَهْب، قال: أخْبَرَنا عَمْرو بن الحَارِث، عن كَعْب بن عَلْقَمَة التَّنُوخِيّ، عن عبْد الرَّحْمن بن شُمَاسَة المَهْرِيّ، عن أبي الخَيْر، عن عُقْبَة بن عَامِرٍ، عن رسُول الله ﷺ ، قال: كَفَّارَة النّذْر كَفَّارَةُ اليَمِيْن. هذا حَدِيْث صَحيح أخْرَجهُ مُسلِم (١).

стр. 1101

أخْبَرَنا أحْمَد بن عبد الله بن عُلْوَان، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن أبي الحَسَن المَسْعُودِي، قال: أخْبَرَنا أبو الخَيْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن عُمَر المُقَدِّر، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخ أبو عَمْرو عَبد الوَهَّاب بن أبي عبد الله بن مَنْدَة، قال: أخْبَرَنا وَالدِي أبو عَبْد الله مُحَمدُ بن إسْحاق، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن الحُسَين بن الحَسَن القَطَّان، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن أحْمَد بن يُوسُف السُّلَمِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزَّاق بن هَمَّام بن نَافِع الحِمْيَرِيّ، عن مَعْمَر، عن هَمَّام بن مُنَبِّه، قال: هذا ما حَدَّثَنَا أبو هُرَيْرَة عن مُحَمَّد رسُول الله ﷺ قال (١): يَضْحَكُ اللهُ لرَجُلَيْن يَقْتُلُ أحدُهُما الآخرَ، كلاهُما يدخُلُ الجَنَّة! قالوا: وكيف يا رسُول اللهِ؟ قال: يقتل هذا فيَلِجُ الجَنَّةَ، ثمّ يَتُوبُ اللهُ على الآخر فيَهْديهِ إلى الإسْلَام، ثمّ يُجَاهِدُ في سَبِيْل الله فيُسْتشْهَدُ. أنْشَدَنا أبو العبَّاس أحْمَد بن عبد الله بن عُلْوَان من لَفْظه، قال: أنْشَدَني الخَطِيبُ أبو الفَضْل عبد الله بن أحْمَد بن مُحَمَّد الطُّوْسيّ، بالمَوْصِل؛ بمَسْجِده عند مَنْزِلهِ، في سَنَة ثمانٍ وسِتِّيِن وخَمْسِمائَة، قال: أنْشَدَني وَالدِي لنَفْسِه (٢): [من البسيط] إنِّي وإنْ بَعُدَتْ دَارِي لمُقْتَرِبُ (a) … منكُمْ بمَحْضِ مُوَالَاةٍ وإخْلَاصِ ورُبَّ دانٍ وإنْ دامَتْ مَودَّتُهُ … أدْنَى إلى القَلْب منهُ النَّازِحُ القَاصِي وأنْشَدَنا أبو العبَّاس، قال: أنشَدنا الخَطِيبُ أيْضًا لوَالدِه: [من الكامل] إنَّا وإنْ بَعُدَ اللِّقَاءُ فَوُدُّنا … باقٍ ونحنُ على النَّأيْ أحْبَابُ كَم نازح بالوُدِّ وَهْوَ مُقاربٌ … ومُقاربٍ بودَادِنَا مُرْتابُ

стр. 1102

أنْشْدَنا أحْمَد بن عبد الله الأسَدِيّ، قال: أنْشَدَني شَيْخٌ بالحِجَاز لبعَضْهم: [من الخفيف] قَدْ تفاءلْتُ بالأراكِ فلمَّا … أنْ رَأيتُ الأراكَ قُلتُ: أرَاكَا وتخَوّفْتُ أنْ يكونَ سِوَاكًا … فيكُونُ الّذي أرَاهُ سِوَاكَا تُوفِّي شَيْخنا أبو العبّاس أحْمَد بن عبد اللهِ بحَلَبَ في سنَة سَبْع عَشْرة وستِّمائة، ودُفِنَ بالجُبَيْل في التُّرْبَة المَدْفُون بها والدهُ رَحمَهُما الله. أحمدُ بن عَبْد الله بن عُمَر بن جَعْفَر، أبو عليّ المالِكِيُّ البَغْدَاديُّ (١) نَزِيلُ حَلَبَ، وقيل: إنَّ اسْم جَدّ أبيهِ حَفْص بدَل جَعْفَر (٢). حَدَّثَ عن أبي جَعْفَر الحَسَن بن عليّ بن الوَلِيد الفَسَوِيّ، وأبي شُعَيْب عَبدِ اللهِ بن الحَسَن بن أحْمَد بن أبي شُعَيب الحَرَّانيّ، وجَعْفَر بن مُحَمَّد بن المُسْتَفَاض الفِرْيَابِيّ، وخَلَف (a) بن عَمْرو العُكْبَرِيّ، والحَسَن بن عليّ بن الوَلِيد الفَارِسِيّ. رَوَى عنهُ مُحمَّدُ بن يُونُس بن هاشِم الإسْكَاف، وتَمَّام بن مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِىّ. أخْبَرَنا يُوسُف بن خَلِيل بن عبد اللهِ الدِّمَشقيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر بَرَكات بن إبْراهيم بن طَاهِر، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة بن الخَضِر السُّلَمِيّ، ح.

стр. 1103

وأخْبَرَنا أبو القَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل الحَرَسْتَانِيّ، إجَازَهً عاليًا، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد العَزِيْز بن أحْمَد بن مُحَمَّد الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِمِ تَمَّام بن مُحَمَّد بن عبْد اللهِ الرَّازِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو علَيّ أحْمَد بن عبد الله بِن عُمَر بن حَفْصٍ البَغْدَاديّ - ومَسْكنهُ حَلَب، قَدِمَ دِمشق - قال: حَدَّثَنَا أبو شُعيْب عبْدُ الله بن الحَسَن بن أحْمَد بن أبي شُعَيْب الحَرَّانِيّ، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن عبد الله البَابْلُتِيّ، قال: حَدَّثَنَا الأوْزَاعِيّ، عن حَسَّان بن عَطِيَّةَ، عن مُحَمَّد، عن أبي سَلَمَة، عن أبَي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسُول الله ﷺ (١): إذا فَرَغَ أحدُكُم من التَّشَهُد فليتَعَوَّذ باللهِ من عَذَاب القَبْر وعَذَاب جَهَنَّم، ومن فِتْنَة المَحْيَا والمَمَات، وشَرِّ المَسِيْح الدَّجَّال. هكذا في كتابه، والصَّوَاب: حَسَّان بن عَطِيَّة، عن مُحَمَّد بن أبي عائِشَة، عن أبي هُرَيْرَة، واللهُ أعْلَمُ. أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُريق، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٢)، قال: أحْمَد بن عبد الله بن عُمَر بن جَعْفَر، أبو عليّ، سَكَنَ حَلَبَ، وحَدَّثَ بدِمَشْقَ عن أبي شُعَيْب الحَرَّانيّ، وجَعْفَر الفِرْيَابِيُّ، والحَسَن بن عليّ بن الوَلِيدِ الفَارِسِيّ. رَوَى عنهُ تَمَّام الرَّازِيّ. أحمدُ بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن إسْماعِيْل بن جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد في عليّ في الحُسَيْن بن عليّ في أبي طَالِب، أبو العبَّاس، صاحِب الخَال (٣) نَسَبَ نفسَهُ هكذا. وقيل: أحْمَد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر. وقيل:

стр. 1104

مُحَمَّد بن عبد الله بن جَعْفَر، وقيل: عبْد الله بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل. وقيل: إنَّ اسْمَهُ الحُسَين بن زَكْرُوَيْه بن مَهْرُوَيْه. وقيل: ابن مَهْرِيّ الصُّوَّانيّ، من أهل صُوَّان، من سَوَاد الكُوفَة، وهو المعرُوف بصَاحِب الخَال، أخو عليّ بن عَبْد الله القِرْمِطِيّ، نسَبَ نفسَهُ إلى مُحَمَّد بن إسْمَاعِيل بن جَعْفَر، وتَسَمَّى بالمَهْدِيّ. وبايعته القَرَامِطَة بعد قَتْل أخيهِ بنَوَاحِي دِمَشْق وصَار إلى السُّخْنَة، والأركة والزَّيتونةَ وخُنَاصِرَة من الأحَصِّ من أعْمَال حَلَب، ودخَل هذه المَوَاضع عَنْوَةً، ونَهَبَ ما فيها من الأمْوَال والسِّلاح، وأفْسَدَ بالشَّام، وعاثَ في بلادها، وغَلَبَ على أطْرَاف حِمْص، وخُطِبَ له على مَنَابِرها، وفَتَحوا له بابها، وسَار إلى حَمَاة، ومَعَرَّة النُّعْمَان وغيرهما من البِلادِ، فقتَل أهْلَها، والنِّسَاء والأطْفَال، ثمّ جاء إلى سَلمْيَة، فمنَعوهُ، ثمّ أعْطاهُم الأمَان ففَتَحوا له بابَها، فدَخَل وقَتَل الهاشِميِّيْن أجْمَعين بها، ثمّ قتَل الرِّجَال، ثمّ البَهَائِم ثمّ الصِّبْيَان، ثمّ خَرَجَ منها وليس بها عَيْن تَطْرِفُ. وجَهَّز جَيْشًا كَثِيْفًا بخَيْل ورجَّاله مع بعض دُعَاته ويُعْرَفُ بعَمَيْطَر المُطَوَّق، إلى نَاحِيَةِ حَلَب، فأوْقَعُوا بأبي الأَغَرّ خَلِيفَة بن المُبَارَك (١) بوَادِي بُطْنَان، وقَتَلُوا خَلْقًا عَظيْمًا، وانْتَهبوا عَسْكَره، وأفْلَت أبو الأَغَرّ في ألف رَجُل لا غير، فدَخَل إلى حَلَب، ووصلوا خَلْفه إلى حَلَب، فأقاموا عليها على سَبيل المُحَاصرة، وتسرَّع أهلِ حَلَب في يَوْم الجُمُعَة سَلْخ شَهْر رَمَضَان من سَنَة تسْعين ومَائتَيْن، وطَلَبُوا الخُرُوجَ لقِتَالهم فمنعُوا من ذلك، فكسَروا قُفْل باب المَدِيْنَة، وخَرَجُوا إلى القَرَامِطَة

стр. 1105

فتحاربوا، ونَصَر الله الرَّعيَّةَ منِ أهل حَلَب عليهم، وقُتِلَ من القَرَامِطَة جَمَاعَة كثيرة، وخَرَجُوا يَوْم السَّبْت يَوْم عيد الفِطْر مع أبي الأَغَرّ إلى مُصَلَّى العِيْد، وعيَّد المُسْلمُون وخَطب الخَطِيبُ على العَادَة، ودَخَل الرَّعِيَّة إلى مَدِيْنَة حَلَب في أمن وسَلامَة، وأشْرَف أبو الأغَرّ على عَسْكَر القَرَامِطَة فلم يَخْرج إليه أحدٌ منهم، فلمَّا يَئسُوا من فُرْصَة يَنْتَهزُونها من حَلَب ساروا ومَضَوا إلى صَاحِب الخَال. ولمَّا انتَهى إلى المُكْتَفِي بالله هذه الأُمُور، خَرَجَ نحوه، وجَهَّز إليه عَسْكَرًا قَوِيًّا في المُحَرَّم سَنَة إحْدَى وتِسْعِين ومَائتَيْن، فقُتِلَ من أصْحَاب القِرْمِطِيّ خَلْق كَثِيْر، وانْهَزم نحو الكُوفَة، فقُبِضَ بالدَّالِيَةِ من سَقي الفُرَات، وحُمِلَ إلى الرَّقَّة إلى المُكْتَفِي بالله. فُحمِل إلى بَغْدَاد، وشُهِّر وطِيْفَ بهِ على جَمَل - وقيل: على فِيْل - ثمّ بُنِيَت له دَكَّة فقُتِلَ عليها هو وأصْحَابه في شَهْر رَبِيع الأوَّل من سَنَة إحْدَى وتِسْعِين ومَائَتيْن. وكان لَعَنهُ اللهُ أدِيْبًا شَاعِرًا، وكَثِيْر ممَّا يقع الاخْتِلَاف في اسْمهِ ونَسَبهِ، واسْم أخيه الّذي قُتِلَ قَبْلهُ عليّ بن عبد الله، وبعضُهم يُسَمِّي أخاه مُحَمَّد بن عبد الله بن يَحْيَى، والصَّحيح أنَّ الّذي ثبت عليه في اسْمه ونَسَبه: أبو العبَّاس أحْمَد بن عبد اللهِ، وهو دَعِيٌّ. وإنَّما سُمُّوا القَرَامِطَة - زَعَمُوا - أنَّهم يُدعونَ إلى مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عليّ، ونُسِبُوا إلى قِرْمِط، وهو حَمْدَان بن الأشْعَث؛ كان بسَوَادِ الكُوفَة، وإنَّما سُمِّي قِرْمِطًا لَأنَّهُ كان رَجُلًا قَصِيْرًا، وكان رِجْلاهُ قَصِيرتَيْن، وكان خطْوهُ مُتَقارِبًا، فسُمِّي بهذا السَّبَب قِرْمِطًا، وكان قِرْمِط قد أظْهَر الزُّهْد والوَرَع وتسوَّق به على النَّاس مَكِيْدةً وخُبْثًا. وكان أوَّل سنَة ظهَر فيها أمْر القَرَامِطَة سَنَة أرْبَعٍ وسِتِّين ومَائَتيْن، وذكَرَ بعضُ العُلَمَاء أنَّ لَفْظَة قَرَامِطَة إنَّما هو نِسْبَةٌ إلى مَذْهبٍ يقال له القَرْمَطة؛

стр. 1106

خارج عن مَذَاهِب الإسْلَام، فيكون على هذه المَقَالَة عزَوْه إلى مَذْهَبٍ باطلٍ، لا إلى رَجُلٍ. وإنَّما قيل لهذا القِرْمِطِيّ صَاحب الخَال، لأنَّهُ كان على خَدّه الأيْمَن خَال، ويُعْرَف بابن المَهْزُول زَكْوُوَيْه بن مَهْرِي الصُّوَّانيّ، من أهْل صُوَّان، من سَوَاد الكُوفَة. وقيل: هو وأخوهُ من قَيْس من بني عُبَادَةَ بن عُقَيْل من بني عَامر، ثمَّ من بني قِرْمِطيّ بن جَعْفر بن عَمْرو بن المُهَيَّا بن يُزَيِّد (a) بن عبد الله بن يَزِيد بن قَيْس بن جُوْثَةَ بن طِهْفَة بن حَزْن بن عُبَادَةَ بن عُقَيْل بن كَعْب بن رَبيعَة بن عَامِر بن صَعْصَعَة بن مُعاوِيَة بن بَكْر بنِ هَوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خَصَفَة بن قَيْس بن عَيْلَان، فادَّعَي أنَّهُ من وَلد مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل بن جَعْفَر، فعَلَى هذا يكون مَنْسُوبًا إلى جَدِّهم قِرْمِطيّ، ولا يَبْعُد أنْ يكون الأمْرَان جَمِيعًا، واللهُ أعْلَمُ. وقَرَأتُ في رِسَالَةِ أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن يُوسُفَ الأنْبارِيّ الكَاتِب إلى أخيهِ أبي عليّ في ذِكْر أخْبَار هذا القِرْمِطِيّ: أنَّهُ ادَّعَى أنَّهُ أحْمَد بن عبْد الله بن جَعْفَر بن مُحَمَّد، وأنَّهُ المَهْديّ، وأنَّه نَظَرَ مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل في النَّسَب، فلمَّا وقفَ على بُعْد هذا النَّسَب، ادَّعَى - بَعْد وَقْعَة السَّطْح من الكُسْوَة - أنَّهُ مُحَمَّد بن عبد اللهِ بن جَعْفَر، وكَتَبَ بذلك كتَابًا بخَطِّه إلى المَعْرُوف بابن حُوَيّ السَّكْسَكِيّ ممَّن يَسْكن بَيْت لِهْيَا، فصَار ابن حُوَيّ بالكتاب إلى أبي نَصْر حَمد بن مُحَمَّد، كاتب طُغْجِ، ثمّ نَزَعَ عن هذا النَّسَب إلى عبد الله بن إِدْرِيس الحَسَنيّ القَادِم من الحِجَاز إلى مَدِيْنَة أَذْرِعات من جِهَة دِمشْق، وقيل إنَّ القِرْمِطِيّ من يَهُود نَجْرَان، وأنَّهُ دَعِيّ. وذكَرَ أبو مُحَمَّد عبد الله بن الحُسَين الكَاتِب القُطْرُبُّلِيّ ومُحَمَّد بن أبي الأزْهَر في التَّاريخ الّذي اجْتَمَعا على تأليفه، في حَوَادِث سَنَة تِسْعٍ وثَمانِيْن ومَائتَيْن،

стр. 1107

قالا: وفي آخر هذه السَّنَة ظَهَرَ رَجُلٌ يُقال له مُحَمَّد بن عبد الله بن يَحْيَى، من وَلد إسْمَاعِيْل بن جَعْفَر العَلَويّ بنَوَاحِي دِمَشْق، يَدْعُو إلى نَفْسِه، واجْتمع إليه خَلْقٌ كَثيْرٌ من الأعْرَاب وأتْباعِ الفِتَن، فسَار بهم إلى دِمَشْق، وكان بها طُغْج بن جُفَّ مَوْلَى أَمِير المُؤمِنِنِ من قِبَل هَارُون بن خُمَارَويْه عَامِل أمِيْر المُؤمِنِين على مِصْر والشَّام، فلهَّا بلَغَهُ خَبَرهُ اسْتَعَدَّ لحَرْبِه، وتَحَصَّن طُغْج بدِمَشْق، فحصَرَهُ هذا العَلَويّ بها، وكاتَ بينهما وَقْعات، وانقَضَتْ. قالا: وفي هذه السَّنَة - يعني سَنهَ تسْعين ومَائَتيْن - جَرَت بين طُغْج بن جُفّ وبينِ القِرْمِطِيّ حُروبٌ كثِيْرةٌ كُلّها على طُغْج، فكَتَبَ إلى هَارُونَ يَسْتَنجدهُ، فوجَّه إليهِ من مِصْر جَيْشًا بعد جَيْشٍ، كُلّ ذلك يَهْزمهم القِرْمِطِيّ. ثُمَّ وجَّه هارُون بن خُمَارَوَيْه ببَدْر الحَمَاميّ، وكَتَبَ إلى طُغْج في مُعاضَدَته، وضمّ إليه وُجُوه القُوَّاد بمِصْر والشَّام، فخرَج إلى القِرْمِطِيّ، فكانت بينهم حُروب كثِيْرة أتَتْ على أصْحَاب بَدْر الحَمَاميّ، وكان هذا القِرْمِطِيّ قد جَعَلَ علامتَهُ رُكُوب جَمَل من جِمَالهِ، وتَرَكَ رُكوبَ الدَّوَابّ، ولَبس شابًا وَاسعَةً، وتعَمَّمَّ عِمَّةً أعْرَابيّةً، وأمَرَ أصْحَابَهُ أنْ لا يُحاربُوا أحدًا وإنْ أُتي علجهم حتَّى يَنْبعِث الجَمَل من قِبَل نَفْسهِ من غير أنْ يُثيره أحدٌ، فكانُوِا إذا فَعَلُوا ذلك لم يُهْزمُوا، وكان إذا أشَار بيَده إلى نَاحِيَةٍ من النَّواحِي انْهزمَ منْ يُحاربهُ، واسْتَغوى بذلك الأعْرَابَ. فخرَجَ إليهِ بَدْرٌ يَوْمًا لمُحارَبتهِ، فقَصَد القِرْمِطِيّ رَجُل من أصْحَاب بَدْر يقال له زُهَيْر بزَانَةٍ، فرَماهُ بها فقَتَلَه، ولم يَظْهَر على ذلك أصْحَاب بَدْرٍ إلَّا بعد مُدَّة، فطُلِبَ في القَتْلَى فلم يُوْجَد، وكان يُكْنَى أبا القَاسِم. قال ابنُ أبي الأزْهَر وحَدَّثني كاتبُهُ المَعْرُوف بإسْمَاعِيْل بن النُّعْمان، ويُكْنَى بأبي المُحَمَّدِيْن - وسَبَب هذه الكُنْيَة أنَّهُ وَافَى مع جَمَاعَةٍ من القَرَامِطَة بعد الصُّلْح وقَبُولهم الأمان من القَاسِم بن سِيْما، وكان على طَريق الفُرَات، ومن

стр. 1108

عبد الله بن الحُسَين بن سَعْدٍ وكان على القَابُون، فكان القَاسِم بن سِيْما يُكْنَى أبا يُكْنَى، وعَبْد الله بن الحسُين يُكْنَى أبا مُحَمَّد، وصَاحب البَرِيد المَعْرُوف بابن المُهَلَّبيّ يُكْنَى أبا مُحَمَّد، وصَاحِب الخَرائِط قَرَابة أبي مَرْوَان يُكْنَى أبا مُحَمَّد، فكُنِيَ إسْمَاعِيْل هذا أبا المُحَمَّدين، فبقي مَعْروفًا بذلك - فحَدَّثَني إسْمَاعِيْل عن هذه الوَقْعَة، قال: فصرتُ إليه غير مَرَّة وهو راكبٌ على نَجِيْبهِ، وعليه دُرَّاعَةُ ملْحَم، فقُلتُ لَهُ: قد اشْتَدَّ الأمرُ على أصْحَابنِا، وقد قَربُوا منكَ، فتَنَحَّ عن هذا المَوضع إلى غيره، فلم يَرُدّ عليَّ جَوَابًا، ولم يُثِرْ نَجِيبَهُ، فعَدَلْتُ إليه ثانيةً، فقُلتُ لَهُ: قُم، فانْتَهَرَني ولم يَرِم إلى أنْ وافَتْه زَانَةٌ - أو قال: حَرْبَةٌ - فسَقَط عن البَعِير، وكاثَرنا مَنْ يُريد أخْذَهُ، فمنَعْنَا منه، وقُتِلَ زُهَاءُ مائةِ إنْسَان في ذلك المَوْضع، ثمّ أخذْنَاهُ وتنحَّينا بأجْمَعنا. فقُلتُ: فهذا الّذي أقَمْتُموه مقَامَهُ أهُوَ أخوه؟ فقال: لا والله ما نَعْلَمُ ذاكَ غير أنَّهُ وافَانا قَبْل هذه الحَادِثَة يوْمَيْن، فسَألْناهُ: مَنْ أنْتَ من الإمَام؟ فقال: أنا أَخُوهُ، ولم نَسْمَع من الشَّيْخ شيئًا في أمْرهِ، يعني المُكْتَنِي أبا القَاسِم. وكان هذا المُدَّعي أخاهُ يُكْنَى أبا العبَّاس، واسْمُه أحْمَد بن عبد اللهِ، فعقَد لنَفْسِه البَيْعَةَ على القَرَامِطَة، ودَعَاهُم إلى مثل ما كان أخوه يَدْعُوهُم إليهِ، فاشْتَدَّت شَوْكته، ورَغِبَت البَوَادي في النَّهْب، وانْثَالَت عليه انْثِيالًا، وذلك في آخر شهر رَبيع الآخر من هذه السَّنَة. ثُمَّ صارَ إلى دِمَشْق، فصالحَهُ أهلُها على خَرَاج دَفَعُوه إليه، فانْصَرفَ عنهم، ثمّ سار إلى أطْرَاف دِمَشْقَ وحِمْص فتغلَّبَ عليها، وخُطِب له على مَنَابِرها، وتَسَمَّى بالمَهْدِيّ. ثمّ صَار إلى مَدِيْنَةِ حِمْص، فأطاعَهُ أهْلُها، وفَتَحُوا له بابَها فدخَلها. ثمّ صار إلى حَمَاة، وسَلَمْيَة، وبَعْلَبَك فاسْتَباح أهلَها، وقتَل الذَّرَارِيّ، ولم يُبْق شَرِيفًا لشَرفه، ولا صَغِيرًا لصِغَره، ولا امرأةً لمحرمها؛ وقَتَل أهْل الذِّمَّةِ، وفَجَروُا بالنِّسَاء.

стр. 1109

حَدَّثَني مَنْ كان مَعَهُم، قال: رأيتُ عِصَامًا، سَيَّافَهُ، وقد أخَذَ من بَعْلَبَك امْرأةً جَمِيلةً جدًّا ومعها طِفْل لها رَضِيعٌ، فرأيُتُهُ والله وقد فَجر بها، ثمّ أخَذَ الطِّفْل بعد ذلكَ فرَمَى به نحو السَّماءَ ثمّ تلقَّاهُ بسَيْفه فرَمى به قِطْعَتين، ثمّ عدَل إلى أمِّهِ بذلك السَّيْف بعَيْنِهِ، فضربَها به فبَتَرها. فلمَّا اتَّصَل عظيمُ خَبَرِهِم، وإقْدَامُهُم على انْتِهَاك المَحَارِمِ، ودَامَ، خَرَج أَمِير المُؤمِنِين المُكْتَفِي بالله مُتَوَجِّهًا نحوه، يَوْم الثّلاثَاءَ لتسْعٍ خَلَوْنَ من شَهْر رَمَضَان، في قُوَّادِه، ومَوَالِيهِ، وغِلْمَانه، وجُيُوشهِ، وأخَذَ على طَرِيق المَوْصِل، ثمّ صار إلى الرَّقَّةِ وأقامَ بها، وأنْفَذَ الجُيُوش نحو القَرَامِطَة، وقلَّد القَاسِم بن عُبَيْد الله بن سُلَيمان تَدْبِير أمْر هذه الجُيُوش، فوجَّه القَاسِمُ مُحَمَّد بن سُلَيمان الكَاتِبَ صَاحِبَ الجَيْش خَلِيفَةً له على جميع القُوَّادِ، وأمرَهُم بالسَّمْع والطَّاعَة، فنفَذ عن الرَّقَّةِ في جَيْشٍ ضَخمٍ، وآلةٍ جَمِيلةٍ، وسلاحٍ شَاكٍ؛ وكَتَبَ إلى جميع القُوَّادِ والأُمرَاءِ في النَّواحِي بالسَّمْع له والطَّاعَة لأمْره، وضَمَّ مُحَمَّد بن سُلَيمان القُوَّادَ بعضَهُم إلى بعضٍ، وصَمَدَ نحوِ القِرْمِطِيّ، فلم يزل يُعْمِل التَّدْبِيرَ، ويُذْكِي العُيُونَ، ويُشُاور ذَوي الرَّأي، ويَتَعرَّفُ الطُّرُقات إلى أنْ دخلَتْ سَنَةُ إحْدَى وتِسْعِين. قال: وفي أوَّل هذه السَّنَة، كَتَبَ أَمِيرُ المُؤمِنِين إلى مُحَمَّد بن سُلَيمان، وإلى سائر القُوَّادٍ في مُنَاهَضَةِ القِرْمِطِيّ، فسَاروا إليه، فالْتَقَوا على اثْنَى عَشر مِيْلًا من حَمَاة في موضِعٍ بينَهُ وبين سَلَمْيَة، فاشْتَدَّت الحربُ بينهم، وصَدَقُوهم القِتَال، فتجمَّع القَرَامِطَةُ وحَمَلُوا على المَيْمَنَة حَمْلَة رَجُلٍ واحدٍ، فثبَت الأوْلِيَاءُ، فمرُّوا صَادِفيْن عنها وجعَلُوها هَزِيمَةً، ومنَح اللهُ أكْتَافِهم، وقُتِلَ منهم وأُسِرَ أكْثر من عَشَرة آلاف رَجُل، وشُرِّد الباقونَ في البَوَادِي، واسْتَمرَّت بهم الهَزِيمَةُ، وطلَبَهُم الأوْلِيَاءُ إلى وَقْت صَلَاةِ عِشَاءَ الآخرة من ليلَةِ الأرْبَعَاء لسَبعٍ خَلَوْنَ من المُحَرَّم.

стр. 1110

ولمَّا رأى القِرْمِطِيّ ذلك، ورأى مَنْ بقي من القَرَامِطَة قد كَاعُوا (١) عنْهُ، حَمَّلَ أخًا لهُ يُكْنَى أبا الفَضْل مَالًا، وتقدَّم إليهِ أنْ يلحقَ بالبَوَادِي إلى أنْ يظهَرَ في موضِع آخر، فَيَصير إليهِ، وتجمَّع رُؤَساَءُ القَرَامِطَة، وهم الّذين كانوا صَارُوا إلى رحْبةِ مَالِك بن طَوْق، فطَلَبُوا الأمَان، وهم: أبو المُحَمَّدين، والنُّعْمان بن أحمد، وأحمد بن النُّعْمان أخو أبي المُحَمَّدين، ووِشَاح، وعطير، وشديد بن رِبْعِيّ، وكُلَيَب من رَهْط النَّحَّاس، وعِصْمَة (٢) السَّيَّاف، وسجيفة (a) رَفِيْقهُ، ومَسْرُور، وغشَّام، فقالوا للقِرْمِطِيّ، وهو صَاحِبُ الخَال: قد وجَبَ حقُّكَ علَيْنا، وقد رأيْتَ ما كان من جِدِّنا واجْتِهادِنا، ومن حَقّكَ علينا أنْ نَدَعَكَ ورأيكَ، وإنَّما يَطْلُبنا السُّلْطانُ بسَبَبكَ، فانْجُ بنفسكَ، فأخَذَ أَلْفَ دِيْنارٍ فشَدَّها في وَسَطه في هِمْيَانٍ، وأخَذ معهُ غُلامًا له رُوْمِيًّا يقال له: لُؤْلُؤ، كان يَهْواهُ ويَحلُ منه مَحَلّ بَدْر من المُعْتَضِد باللهِ، ورَكِبَ معَهُ المُدَّثِّر، وكان يَزْعُمُ أنَّهُ ابن عمّه، والمُطَوَّق غُلَامه، ومع كُلّ واحدٍ منهم هِمْيَان في وَسَطه. فأمَّا المُطَوَّق - وهو [الّذي] (b) اتُّخِذَ له سِخَاب (٣) وَقْت دُخُوله إلى مَدِينَة السَّلام - فإنِّي سألتُ عنهُ أبا المُحَمَّدين فذكَر أنَّهُ رَجُل منِ أهْلِ المَوْصِل، وأنَّهُ صَار إلى الإمَام - بزَعْمهِ - فجعَل يُورِّقُ له ويُسَامرُه، ولم يُعْرف قبل ذلكَ الوَقْت. وأخَذُوا دَلِيْلًا، وسَار يُريد الكُوفَة عَرْضًا في البِرِّيَّة، فغَلط بهم الدَّلِيْلُ الطَّريق، وأخرجَهُم بمَوضعٍ بين الدَّالِيَةِ والرَّحْبَةِ يُقال له: بَنُو مُحْرِز، فلمَّا صَاروا إلى بني مُحْرِز نزلُوا خارج القَرْيَةِ في بيَدْر عَامر، فأخْرَجُوِا دَقِيقًا كان معهم في مِزْوَد، واقْتدَحُوا نارًا، واحْتَطبُوا ليَخْبزُوا هناك، وكان وقْت مَغِيْب الشَّمْس،

стр. 1111

فعَلَا الدُّخَانُ، وارْتاب المُوَكَّلون ببني مُحْرِز من أصْحَاب المَسَالِح بما رأَوه، فأَمُّوا المَوضعَ، فلَقُوا الدَّلِيْلَ فعَرِفَهُ بعضُهُم، فقال: ما وراءَكَ؟ قال: هذا القِرْمِطِيّ وراء الدَّالِيَةِ، فشَدُّوا عليهم فأخَذُوهم، وكَتَبُوا إلى أبي خُبْزَة وهو في الدَّالِيَةِ يُعْلمونَهُ بهذا، فأتاهُم ليلًا، فأخَذَهم وصَار بهم إلى الدَّالِيَةِ، وأخَذَ من وَسط غُلَام له هِمْيَانًا فيه ألْفا دِيْنارٍ، ومن وَسَط المُدَّثِّر مثْل ذلك، وأخَذَ الهِمْيَانَ الّذي كان مع القِرْمِطِيّ، ووَكَّل بهم في دارٍ بالدَّالِيَة، وكتَبَ إلى أحْمَد بن مُحَمَّد بن كشْمَرْد - وهو بالرَّحْبَةِ - يُخْبرهُ، فأسْرَع فِي السَّير إليهم، فلمَّا وَافَى احْتَبس القِرْمِطِيّ في بيتٍ لَطيفٍ في مُجَنَّب الحيْرِى، فحَدَّثَني بعضُ أهْل الدَّالِيَةِ قال: لمَّا وَافَى ابن كشْمَرْد سَأل القِرْمِطِيّ: ما أُخِذَ منك؟ قال: ما أُخِذَ منِّي شيء، فقال له المُطَوَّق: أتْبْغي من الإمَام ما لا يَحْسُنُ منهُ الإقْرارُ بهِ، ودَعا بالبَزَّاز فأخَذَ ثيابًا، ثُمَّ دعا بالخَيَّاط ليقطَع للقِرْمِطِيّ تلك الثِّيَاب، فقال الخَيَّاط للقِرْمِطِيّ: قُم حتَّى أُقَدِّر الثَّوب عليكَ، فقال المُطَوَّقُ للخَيَّاط: أتَقُول يا ابن اللَّخْنَاء للإمام قُمْ! اقطَعْ - ثكلتْكَ أُمّك - على سَبْعَة أشْبَار. وصار ابن كشْمَرْد وأبو خُبْزَة بالقِرْمِطِيّ إلى الرَّقَّة، ورجعَتْ جُيُوش أَمِير المُؤمِنِين بعد أنْ تلقَّطُوا كُلّ مَنْ قَدَرُوا عليه من أصْحَاب القِرْمطِيّ في أعْمَال حِمْص ونَواحيها، ووَرَدَ كتاب القَاسِم بن عُبَيْد الله بأنَّ القِرْمِطِيَّ أدخلَ الرَّقَّة ظاهرًا للنَّاس على جَمَلٍ فَالِج، وعليه بُرْنُس حَريْر ودُرَّاعَة دِيْبَاج، وبينَ يَدَيْهِ المُدَّثّر والمُطَوَّق على جَمَلَيْن في يَوْم الاثْنَين لأرْبَع ليالٍ بَقِينَ من المُحَرَّم سَنَة إحْدَى وتِسْعِين ومَائتَيْن حتَّى صِيْرَ بهم إلى دار أَمِير المُؤمِنِين بالرَّقَّةِ، فأُوْقِفُوا بينَ يَدَيْهِ، ثمّ أمرَ بهم فحُبِسُوا، واسْتَبْشرَ النّاسُ والأوْلِيَاءُ بما هنَّأهُ اللهُ في أمر هذا القِرْمِطِيّ. وقرَّظَ أَمِيرُ المُؤمِنِين القَاسِم بن عُبَيْد الله في هذا الوَقْت وأحمدَهُ فيما كان مِن تَدْبِيره في أمْر هذا الفَتْحِ، وخلَعَ عليه خلَعًا شرَّفَهُ بها، وقلَّده سَيْفًا، ولقَّبَهُ بوليّ الدَّولَة، وانْصَرَفَ إلى منْزِله بالرَّقَّةِ.

стр. 1112

وخلَّف أَمِير المُؤمِنِين عَسَاكِرَهُ مع مُحَمَّد بن سُلَيمان، وشخصَ من الرَّقَّة في غِلْمَانهِ ووُجُوه أصْحَابه، وحُرمه، وشَخَصَ معه أبو الحُسَين القَاسِم بن عُبَيْدِ الله إلى بَغْدَاد، وحمَلَ معه القِرْمِطِيّ والمُدَّثِّر والمُطَوَّق وجَمَاعَة ممَّن أُسِر في الوَقْعَة مُسْتَهَلّ صَفَر، وقعَد في الحَرَّاقَات في الفُرَات، ولم يَزَل مُتَلوِّمًا في الطَّرِيق حتَّى وصَل إلى البُسْتَان المَعْرُوف بالبِشْرى لَيْلَة السَّبْت لليلَتَيْن بَقِيَتا من صَفَر، فأقام به، ثمّ عَبَر من هُناك إلى الجانب الشَّرْقيّ، فعَبَّأ الجُيُوش بباب الشَّمَّاسِيَّةِ، وكان أَمِير المُؤمِنِين قد عَزم على أنْ يُدْخل القِرْمِطِيّ بَغْدَاد مَصْلُوبًا على دَقَلٍ، والدَّقَل على ظَهْر فِيْلٍ، وأمَرَ بهَدْم الطَّاقات الّتي يَجْتَاز بها الفِيْل إذ كانت أقصَر من الدَّقَل، ثمّ اسْتَسْمَجَ ذلك، فعَمِل له دِمْيانَةُ غُلَام يَازْمَار كُرْسِيًّا ارْتِفَاعُه ذِرَاعان ونصفٌ، وأجْلَسَهُ عليه، وركب الكُرْسِيّ عِلى ظَهْر الفِيْل، فدَخَل أَمِير المُؤمِنِين مَدِينَة السَّلام صَبِيْحَة يَوْم الاثْنَين مُسْتَهَلّ رَبِيع الأوَّل في زيٍّ حسَنٍ، وتَعْبئةٍ، وجَيْشٍ كَثِيفٍ، وآلةٍ تامَّةٍ، وسِلَاحِ شَاكٍ، وقُدِّم الأسْرى على جِمَالٍ مُقَيَّدين، عليهم دَرَارِيع حَرِيْر وبَرَانِس حَري، ثمَّ قُدِّمَ المُدَّثِّر بين يَدي القِرْمِطِيّ على جَمَلٍ فَالِج، وعليه دُرَّاعَةُ حَرِيْر وِبُرْنُس، ثمّ القِرْمِطِيّ على الكُرْسِيّ علِى ظَهْر الفِيْل وعليه دُرَّاعَةُ دُرَّاعَهُ وبَرَانِس حَرير، ثمّ دَخَلَ أَمِرِ المُؤمِنِين خلْفَه حتَّى اشْتَقَّ مَدِيْنَة السَّلام إلى قَصْره المَعْرُوف بالحَسَنيّ، والقَاسِم بن عُبَيْد الله خَلْفَهُ، وأمَرَ بالقِرْمِطِيّ والمُدَّثِّر فأُدْخِلَا الحَبْسَ بالحَسَنيّ، ووجَّه بالأسْرَى إلى الحَبْسِ الجديدِ (a) بالجانب الغَرْبيّ، ومَضَى المُكْتَفِي من سَاعته من الحَسَنيّ إلى الثُّرَيَّا بعد أنْ خَلَعَ على أبي الحُسَين القَاسِم بن عُبَيْدِ الله، وانْصَرَفَ إلى مَنْزِله. ووَافَى مُحَمَّد بن سُلَيمان بعد إصْلَاحه الأُمُور، وتَلَقُّطه جَمَاعَةً من قُوَّادِ القِرْمِطِيّ وقُضَاتِه وأصْحَاب شُرَطهِ، فأخذَهُم وقيَّدهم، وانْحَدَر والقُوَّاد الّذين

стр. 1113

تخلَّفُوا معهُ إلى مَدِينَة السَّلام، فوَافَى بَغْدَاد إلى الباب المَعْرُوف بباب الأنْبَار لَيْلَة الخَمِيْس لإحْدَى عَشرة لَيْلَة خَلَتْ من شَهْر رَبِيع الأوَّل، وكان أمَرَ القُوَّاد جَمِيعًا بتَلَقِّي مُحَمَّد بن سُلَيمان والدُّخُول معهُ إلى بَغْدَاد، ففعَلُوا ذلك، ودَخَلَ مُحَمَّد بن سُلَيمان صَبِيْحَة يَوْم الخَمْيِس، وبينَ يَدَيْهِ نيف وسَبْعُون أسِيْرًا غير مَنْ أسْمَيْنا، والقُوَّاد معهُ، حتَّى صَارُوا إلى دار أَمِير المُؤمِنِين بالثُّرَيَّا، فدَخَلُوا عليه، وأمَرَ أنْ يُخْلعَ على مُحَمَّد بن سُلَيمان، ويُطَوَّق بطَوْق ذَهَب، ويُسَوَّر بسِوَارَين، وخُلِع على جميعِ القُوَّاد القادمين معهُ، وطُوِّقُوا وسُوِّرُوا وانْصَرَفُوا إلى منازلهم، وأَدْخِل الأسْرى إلى الحَبْس الجديد (٤) بمَدِيْنَة السَّلام في الجانب الغَرْبيّ منها. فلمَّا كان في يَوْم السَّبْت لعَشْرٍ بَقِينَ من شهر رَبِيع الأوَّل بُنِيَتْ دَكَّة في المُصَلَّى العَتِيق من الجانب الشَّرْقيّ الّذي تخرج إليه الثَّلاثُ الأبْوَاب ومن باب خُرَاسَان، تَكْسير ذَرْعها عشرون ذِرَاعًا في عشرين ذِرَاعًا، وجُعِلَ لها أرْبَع دَرَج يُصْعَدُ منها إليها، وأمَرَ القُوَّاد جَمِيعًا بحضُور هذه الدَّكَّة، ونُودِي بذلك في النَّاس أنْ يَحْضُروا عَذَاب القَرَامِطَةِ، ففَعَلُوا، وكَثُرَ النَّاسُ في هذا المَوضِع، وحضَر القُوَّاد والوَاثِقيّ المُتَقَلِّدَ للشُّرْطَة بمَدِينَة السَّلام، وحضَر مُحَمَّد بن سُلَيمان، فقعَدُوا جَمِيعًا عليها، وأحْضَروها ثلاثمائة ونيفًا وعشرين إنْسَانًا ممَّن كان أُسِرَ قَديْمًا، ومَنْ جاءَ بهِ مُحَمَّد بن سُلَيمان، وأُحْضِر القِرْمِطِيّ والمُدَّثِّر فأُقْعِدا، وقُدِّم نيفٌ وثَلاثُونَ إنْسَانًا من هؤلاء الأُسَارَى من وُجُوههم، فقُطِعَتْ أيْدِيهم وأرْجُلهم، وضُربت أعْنَاقهُم، ثمّ قُدِّم القِرْمِطِيّ فضُرب مائتي سَوْط، ورُشَّ على الضَّرْب الزَّيْت المُغْلَى، وكُوِي بالجَمْر، ثمّ قُطِعَتْ يَداه ورِجْلَاهُ، وضُربَتْ عُنقُه. فلمَّا قُتِلَ، انْصَرفَ القُوَّاد وأكْثَر النَّاسِ ممَّن حضَر للنَّظَر إلى عَذَاب القِرْمِطِيّ، وأقام الوَاثِقيُّ إلى وَقْت العِشَاءَ الآخرة في جَمَاعَةٍ من أصْحَابهِ حتَّى ضرب أعْنَاق باقي الأُسَارَى، ثمّ انصَرَف.

стр. 1114

فلمَّا كان يَوْم الأرْبَعَاء لستٍّ بَقِينَ من هذا الشَّهْر، صِيْرَ ببدَن القِرْمِطِيّ إلى باب الجِسْر الأَعْلَى من الجانب الشَّرْقيّ فصُلِبَ هناكَ، وحُفِر لأجْسَادِ القَتْلَى آبارٌ إلى (a) جانب الدَّكَّة فطُرِحُوا فيها، وطُمَّت. فلمَّا كان بَعْدُ، أمَرَ بهَدْم الدَّكَّة، وتعْفيَة أثرهَا، ففُعِلَ ذلك. قال ابنُ أبي الأزْهَر في هذا التَّاريخ، في حَوَادِث سَنَة ثَلاثِ وتِسْعِين ومَائتَيْن: وفيها ورَدَ الخَبَرُ بأن أخا الحُسَين بن زَكْرُوَبْه المَعْرُوف بصاحِب الشَّامَة ظَهَرَ بالدَّالِيَةِ من طَريق الفُرَاتِ في نَفَرٍ، واجْتمع إليهِ جَمَاعَة من الأَعْرَاب، وسَار بهم إِلى نحو دِمَشْق، فعَاثَ في نَوَاحِيها، فنُدبَ لخُرُوج إليهِ حُسَين بن حَمْدَان فخرَج في جَمَاعَةٍ، ووَرَدَ الخَبَرُ برجُوْعه إلى الدَّالِيَة. فحدَّث مُحَمَّد بن دَاوُد بن الجرَاح أنَّ زَكْرُوَيْه بعد قَتْل صَاحب الشَّامَة أنفَذ رَجُلًا كان مُعَلِمًا للصِّبْيان يُقالُ له عبْد اللّه بن سَعيد، فتَسَمَّى نَصْرًا ليُخْفِي أَمْرَهُ، فدار في أحْيَاء كَلْب يَدْعُوهم إلى رأيهِ، فاسْتَجاب له جَمَاعَة من صَعَاليْكهم وسُقَّاطِهم وسُقَّاط العُلَّيْمِيِّين (b)، فسَار فيهم إلى بُصْرَى وأَذْرِعات من كُوْرَتَي حَوْرَان والبَثَنِيَّةِ فقتَل وسَبَى، وأخَذَ الأمْوَال. قال: وأنفَذ زَكْرُوَيْه رَجُلًا يُقالُ له القَاسِم بن أحْمَد دَاعِيَةً، فصار إلى نحو رُسْتَاق نَهْر ملخانا (ح). قال: فالْتفَتْ بهِ طائفة، فسَاروا إلى الكُوفَة حتَّى صبَّحُوها غَدَاة يَوْم النَّحْر وهم غَارُّون (١)، فَوَافَوا باب الكُوفَة عند انْصراف النَّاس من المُصَلَّى، فأوْقَعُوا بمَن قَدرُوا عليه، وسلَبُوا وقتلُوا نَحْوًا من عشرين رَجُلًا، وكان رئيسهم هذا قد

стр. 1115

حَملُوه في قُبَّةٍ يقُولونَ: هذا ابنُ رسُول اللّه، وهو القَاسِم بن أحْمَد دَاعِيَة زَكْرُوَيْه، ويُنادونَ: يا ثارات الحسُنِ. يَعْنُون بالحسُين صَاحب الشَّامَة، وشِعَارهم: يا مُحَمَّد يا أحْمَد، يَعْنُونَ ابْنَي زَكْرُوَيه، ويُمَوِّهُونَ بهَذا القَوْل على أهْلِ الكُوفَة، ونَذِرَ بهم النَّاس فرمَوْهم بالحِجَارَة من المَنَازِل. وإنَّما ذَكَرتُ هذا الفَصْل من قَوْل ابن أبِي الأزْهَر لأنَّ فيه ما يَدُلُّ على أنَّ صَاحِب الخَال كان يُسَمَّى الحُسَين بن زَكْرُوِيْه، وأنَّهُ يُسَمَّى أيضًا أحْمد بن زَكْرُويْه، وعَاشَ زَكْرُوَيه بعد ولدَيْه القِرْمِطِيّيِن في زَعمه. أَنْبَأَنَا تاجُ الأُمَناء أبو الفَضْلِ أحْمَد بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن هِبَةِ اللّهِ الدِّمَشْقِيِّ، قال: أَخْبَرَنا عَمِّي أبو القاسِم عليّ بن الحَسَن الحافِظ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب بن البَنَّاءِ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسين بن الآبنُوسِيِّ، قَال: أخْبَرَنا عُبَيْدُ اللّه بن عُثْمان بن يَحْيَى الدَّقَّاقُ (a)، قال: أَخْبَرَنا أبو مُحَمَّد إسْمَاعِيْل بن عليّ بن إسْمَاعِيْل الخُطَبِيّ (b)، قال: قام مقامَهُ - يعني مقام صَاحِب الجَمَل - أخٌ له في وجْهِهِ خَالٌ يُعْرَفُ بهِ؛ يُقالُ له: صَاحِب الخَالِ، فأسْرَف في سُوء الفِعْل، وقُبْح السِّيْرَة، وكثْرة القَتْل، حتَّى تَجاوز ما فَعَلَهُ أخُوهُ، وتضَاعف قُبْح فِعْله على فِعْلهِ، وقَتَل الأطْفَالَ، ونابذَ الإسْلَام وأهْلَهُ، ولم يتعلَّق منهُ بشيء، فَخَرَج المُكْتَفى باللّه إلى الرَّقَّة، وسَيَّرَ إليهِ الجُيُوش، فكنتْ له وقائع، وزادَتْ أيَّامُهُ على أيَّام أخيهِ في المُدَّة والبَلاءَ حتَّى هُزِمَ وهَرَبَ، فظُفِرَ به في مَوضعٍ يُقالُ له الدَّالِيَةُ بناحيةِ الرَّحْبَةِ، فأُخِذَ أَسِيْرًا،

стр. 1116

وأُخِذَ معَهُ ابنُ عَمٍّ له يُقال له المُدَّثِّر؛ كان قد رشَّحَهُ للأمْر بعدَهُ، وذلك في المُحرَّم سَنَة إحْدَى وتِسْعِين. وانْصَرف المُكْتَفِي باللّه إلى بَغْدَاد وهو معه، فرَكب المُكْتَفِي رُكُوبًا ظاهِرًا في الجَيْش والتَّعْبِئَة، وهو بينَ يَدَيْهِ على الفِيْل، وجَمَاعَة من أَصْحَابه على الجِمَال مُشَهَّرين بالبَرَانِس، وذلك يَوْم الاثنين غُرَّة رَبيع الأوَّل من سَنَة إحْدَى وتِسْعِين، ثمّ بُنِيَتْ له دَكَّةُ في المُصَلَّى، وحُمِلَ إليها هو وجَمَاعَةُ أصحَابهِ، فقتلُوا عليها جَمِيعًا في رَبيع الآخر بعدَ أنْ ضُرِبَ بالسِّيَاطِ، وكُوي جَميعه (a) بالنَّار، وقُطِعَت منه أرْبَعَتُه (b)، ثمّ قُتِلَ ونُوديَ في النَّاسِ فَرجُوا مَخْرجًا عَظيْمًا للنَّظَرِ إليهِ، وصُلِبَ بعد ذلك في رَحْبَةِ الجِسْر. وقيل: إنَّهُ وأخُوه من قَرْيَةٍ من قُرَى الكُوفَة يُقالُ لها الصُّوَّان، وهُما - فيما ذُكِر - ابْنَا زَكْرُوَيْه بن مهرُوَيْه القِرْمِطِيّ الّذي خَرَج في طَريق مَكَّة في آخر سَنَة ثَلاث وتِسْعِين ومَائَتَيْن، وتلقَّى الحاجّ في المحرَّم من سَنَة أرْبَعٍ وتِسْعِين، فقَتَلَهُم قتلًا ذَرِيعًا لم يسمَعْ قَطّ (c) بمثْلِهِ، واسْتَباح القَوَافِلٍ، وأخَذَ شَمْسَة البَيْت الحَرَام، وقَبْل (d) ذلك ما دَخَل الكُوفَة يَوْم الأضْحَى بغتَةً وأُخْرج منها، ثمّ لقيه جَيْشُ السُّلْطان بِظَاهِر الكُوفَة بعدَ دُخُوله إيَّاها، وخُرُوجهِ عنها، فهزمَهُم وأخَذَ ما كان معهُم من السِّلاح والعُدَّة، فتَقَوَّى (e) بها، وعَظُمَ أمْرُهُ في النُّفُوس وهالَ (f) السُّلْطان، وأجْلَبَت معَه كَلْبٌ وأسَدٌ، وكان يُدْعَى السَّيِّد، ثمّ سَيَّرَ إليهِ السُّلْطانُ جَيْشًا عَظيْمًا، فلَقُوه بذِي قَارٍ بين البَصْرَة والكُوفَة في الفِرَاض، فهُزِمَ وأُسِرَ جَريْحًا، ثمّ مات. وكان أخْذُهُ أَسِيرًا يَوْم الأَحَدِ لِثَمانٍ بَقِينَ من رَبيع الأوَّل سَنَة أرْبَعٍ وتِسْعِين بعد أنْ أُسِر، فقدِمَ به إلى بَغْدَاد مَشْهُورًا في رَبيع الأوَّل (g)، وشُهرت الشَّمْسَة بنَ يَدَيْهِ ليَعْلَم النَّاسُ أنَّها قد اسْتُرْجِعَتْ، فطِيْفَ بهِ ببَغْدَاد.

стр. 1117

وقيل: إنَّهُ خَرَجَ يطلُبُ ثأر ابنِهِ المَقْتُول على الدَّكَّةِ. وذكَر ابنُ أبي الأزْهَر في تَارِيْخهِ أنَّهُ لمَّا خَرَجَ على قَافِلَة الحاجّ أنَّ أصْحَابَهُ أكَبُّوا على الحاجّ، فقتلُوهم كيفَ شاؤوا، واحْتَوَوا على جميع ما كان في القَافِلَة، وسَبَوا النِّسَاءَ الحَرَائرِ، وجَمعَ القِرْمِطِيّ، لَعَنَهُ اللّهُ، أجْسَاد القَتْلَى، فعَمِلَ منها دَكَّةً تشبِيها بالدَّكَّة الّتي قُتِلَ عليها أصْحَابهُ. وسَيَّرَ إليَّ بعضُ الشِّرَاف الهاشِمِيِّين بحَلَب تاريخًا جَمَعَهُ أبو غَالِب هَمَّام بن الفَضْل بن جَعْفَر بن عليّ بن المُهَذَّب، ذَكَرَ أنَّهُ تَذكِرةِ كتَبَها ممَّا وجدَهُ في التَّوَاريخ المُتَقدِّمة، وممَّا وجَدَهُ بخَطِّ جَدّ أبيهِ الشَّيْخ أبي الحُسَين عليّ بن المُهَذَّب بن أبي حَامِد مُحَمَّد بن هَمَّام بن أبي شِهَابٍ وغيره (١)، قال فيه: سَنَة تسْعين ومَائتَيْن فيها نَجَم بالشَّام قِرْمِطِيّ بأرْض دِمَشْق، انْتَسَبَ إلى العَلَوِيَّة. قال: وذكَرَ الشَّيْخ أبو الحُسَين عليّ بن المُهَذَّب أنَّ أباه المُهَذَّب أخْبَرهُ أنَّ هذا القِرْمِطِيّ أوَّل مَنْ وَقَعَ عليه هذا اللَّقَب، وكان خَرَجَ في بَطْن من بَنِي عَدِيّ من كَلْب يُقالُ لهم بنُو العُلَّيْص، فَخَرَجَ إليهِ طُغْج بن جُفّ والي دِمَشْق من قِبَل الطُّولُونيَّة مُحْتَقرًا له في غير عِدَّة ولا عُدَّة، وكان هذا القِرْمِطِيّ في بَادِيَة كَلْب، فأوْقَع بطُغْج، ودخَل إلى دِمَشْقَ مَهْزُومًا، ثمّ رَجَعَ فجمَعَ عَسْكَرهُ، وحَشَد، وخَرَجَ إليهِ، فكان الظَّفَرُ للقِرْمِطِيِّ أيضًا، وقَتَل خلقًا كَثِيْرًا من أصْحَاب طُغْج، ونهبُوا عَسْكَره، وعاد طُغْج إلى دِمشْق، فقَوِيَ القِرْمِطِيُّ. وكَتَبَ طُغْج إلى مِصْر، فَوُجِّه إليهِ جَمَاعَة من الفُرْسَانِ والرَّجَّالَة، وأمدَّهُم مَنْ في الشَّام، فصَار جَيْشًا عَظيْمًا، فخرَجَ وهو غير شَاكٍّ في الظَّفَر بهِ، فأوْقَع القِرْمِطِيّ به، وكانت الوَقْعَةُ في مَوضع يُعْرف بالكُسْوَة.

стр. 1118

وسَار القِرْمِطِيّ إلى بَعْلَبَكّ ففَتَحها، وقَتَل أهْلَها، ونَهب وأحْرَق، وسار منها إلى حِمْص، فدعا لنَفْسِه بها، وبَثَّ وُلَاتَهُ في أعْمَالِها، وضَرَب الدَّنَانِيْر والدَّرَاهِم، وكتَبَ عليها: المَهْدِيّ المنصُور أَمِير المُؤمنين، وكذلك كان يُدْعَى له على المَنَابِر، وأنْفَذَ سَرِيَّةً إلى حَلَب، فأوْقَع بأبي الأغرّ خليفة بن المُبارَك السُّلمِيّ، وعادَت السَّرِيَّةُ، وجَبَى الخَرَاج، وحُمِلَ إليهِ مال جُنْد حِمْصَ، فأنفَذَ الأَمِير أبو الحَجَر المُؤَمَّل بن مُصَبِّح - أمير بَرْزَوَيْه والبَارَة والرُّوْق (a) وأفَامِيَة وأعْمَال ذلك، وبقي والِيَ هذه المَواضع مِن قِبَل الخلفَاء بغْدَاد أرْبَعين سنةً فيها - رَجلَين من أهلِ مَعَرَّة النُّعْمَان اسْم أحَدهما أحْمَد بن مُحَمَّد بن تَمَّام، والآخر ابن عَاص القَسْرِيّ، وجَاءَا إلى القِرْمِطِيّ يَرْفعان على أهل مَعَرَّة النُّعْمَان، فمَضَيا إليهِ، وقالا له: إنَّ أهل مَعَرَّة النُّعْمَان قد شَقُّوا العَصَا، وبَطّلُوا الدَّعْوَة، وغيَّرُوا الأذَان، ومنَعُوا الخَرَاج، وكان أهل مَعَرَّة النُّعْمَان قد أرسَلُوا معهما الخَرَاج فأُخِذَ منهما في الطَّريق، فلمَّا قالا له ذلك، الْتَفَتَ إلى كاتبه وقال له: اكتُبْ: وشَهِدَ شَاهدَان من أهْلها. فسَار إليها وقال لأصْحَابهِ: أنْ اغْلِقُوا الباب فاجعَلُوها غارة على الدَّارين (b)، فخَرَج أهل مَعَرَّة النُّعْمَان ولا عِلْم لهم بما قد جَرَى، وأصْحَاب القِرْمِطِيّ يقُولون: الْقُوا مَوْلَانا السَّيِّد، فبَلغَ كَثِيرٌ من النَّاسِ إلى قُرْب حُنَاك، وأخَذ الأبْوَاب أصْحَاب القِرْمِطِى على النَّاس، فقُتِلَ خَلْق كَثِيْرٌ، ودخَلها يَوْم الأرْبَعَاء النِّصف من ذِي الحِجَّة، فأقام يقتُل المَشَايخ والنِّسَاء والرِّجَال والأطْفَال، ويُحْرق ويَنْهب خمْسَةَ عَشر يَوْمًا، فذُكِرَ أنَّ القَتْلَى كانُوا بضعَة عَشر ألفًا. وخَرَجَ المُكْتَفِي إلى الرَّقَّة، وأنْفَذَ عَسَاكِره مع مُحَمَّد بن سُلَيمان الكَاتِب الأنْبارِيّ، وكان شَهْمًا شُجَاعًا مُدَبِّرًا، فحصَلَ في حَلَبَ في جَيْشٍ فيه ثَلاثُونَ أَلْفًا مُرْتَزقة، فيما ذَكَر غير واحدٍ، وكان جَهِيْرُ بن مُحَمد يقول له: تَخْرُج إلهِم فقد

стр. 1119

أهْلكُوا عَشِيْرتيّ، فيقُول له ابن الأنْبارِيّ الكاتِب: لو أخَذُوا بلحيَتي ما خَرَجْتُ إليهم حتَّى يَهِلَّ هِلالُ المحرَّم، يُريدُ سَنَة إحْدَى وتِسْعِين. قال أبو غَالِب بن المُهَذَّب: سَنَة إحْدَى وتِسْعِين، فيها سار مُحَمُّدُ بن سُلَيمان الكَاتِب الأنْبارِيّ إلى القَرَامِطَة، فأوْقع بهم في قَرْيَةٍ تُعرف بالحُسَيْنيَّةِ، فقتَلهم، وبدَّدَ شمْلَهُم، ولمَّا تَصَوَّر القِرْمِطِيّ ورأى أنَّهُ لا طَاقَة له بعَسَاكِر الخِلَافَة، هَربَ قَبْل الوَقْعَة بأصْحَابهِ، فحصَل في قَرْيَةٍ شَرْقيّ الرَّحْبَة تُعرفُ بالدَّاليَة، في نَفَرٍ يَسيْر من خَواصّ أصْحَابه، فتَسَتَّروا بها، وبَعَثَ بعض أصْحَابه مُتَنَكِّرًا ليتمارَ لهم ما يَحتاجُونَ إليهِ، فأخِذَ وأَنْكر، وأُتِي به إلى رَجُلٍ كان يتوَلَّى مَعُونَةَ الدَّالِيَةِ يُعرفُ بأبي خُبْزَةَ لأحْمَد بن مُحَمَّد بن كشْمَرْد، وكان ابن كشْمَرْد والي الرَّقَّة، وكان أبو خُبْزَة صغِير الشَّأن حَقِيْرًا في الجُنْد، فسَألَهُ أبو خُبزَة عن خَبَره وقِصَّته، فتبيَّن منه قَوْلًا مُختلفًا، فألَحَّ عليه أبو خُبْزَة، فأقرَّ ذلك الرَّجُل بأنَّهُ من رجال القِرْمِطِيّ، ودَلَّ عليهم في أيّ مَوضع هم، لخرَجَ أبو خُبْزَةَ فيمَن جَمَعَهُ من الأجْنَادِ الرِّجَال إلى المَوضع الّذي فيه القِرْمِطِيّ وأصْحَابه، فظَفِرَ بهم وبالقِرْمِطِيّ، وكان معهم حمْلان من المالِ، فأخَذهُم والمال مَعَهُم، وحَملهُم إلى ابن كشْمَرْد والي الرَّقَّة، فأخَذهُم، وكَتَبَ بخَبَرهم إلى المُكْتَفِى، فبَعَثَ إليهِ منْ تسلَّمهُم منه وأوْرَدَهم الرَّقَّة، وانْحَدَر المُكْتَفِي إلى مَدِينَة السَّلام بَغْدَاد وهم معه، فبَنى لهم دَكَّةً عَظِيمَةً بِظَاهِرِ القَصْر المُعْتَضِدِيّ، وعُذِّبُوا عليها بأنْواع العَذَاب. أخْبَرَنا أبو البَرَكَات بن مُحَمَّد بن الحَسَنِ كتابةً، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي مُحَمُّد الدِّمَشقيّ، قال: قرأتُ على أبي مَنْصُور بن خَيْرُون، عن أبي مُحَمَّد الجوهَرِيّ، وأبي جَعْفَر بن المُسْلِمَة، عن أبي عُبَيد اللّه (a) مُحَمَّد بن عِمْران بن مُوسَى المَرْزبانيّ (١)،

стр. 1120

قال: أحْمَدُ بن عبد اللّهِ الخارج بالشَّام في أيّام المُكْتَفِي باللهِ، وكان يَنْتمي إلى الطَّالِبيِّيْن، وهو المَعْرُوف بصَاحِب الخاَل، وقُتِلَ بالدَّكَّة في سَنَة إحْدَى وتِسْعِين ومَائتَيْن. يُرْوَى له ولأَخِيهِ عليّ بن عبد اللّهِ شِعْر يُشَكَّ في صِحَّته، فممَّا يُرْوى لأحمد: [من السريع] متَى أَرَى الدُّنْيا بلا كَاذبِ … ولا حَرُورِيّ ولا نَاصي مَتَى أرَىَ السَّيْفَ على كُلّ مَنْ … عادَى عليّ بنَ أبي طَالِبِ مَتى يقُولُ الحقَّ أهْلُ النُّهَىَ … ويُنْصَفُ المَغْلُوب من غَالبِ هَل لبُغَاةِ الخير من نَاصِرٍ … هل لكُؤوسِ العَدْل من شَاربِ قال: ويُرْوَى له (١): [من الوافر] نُفيْتُ منَ الحُسَينِ ومن عَليٍّ … وجَعْفرٍ الغَطَارفِ من جُدُوْدي وخُيِّبَ سَائلي وجَفَوْتُ (a) ضَيْفي … وبِتُّ فَقِيْدَ مَكْرُمَةٍ وجُوْدِ وأُعْطيْتُ القيادَ الدَّهْر منِّي … يمِينَ فتىً وَفيٍّ بالعُهُوْدِ لئن لم أُعْطِ مَا ملَكَتْ يَمِيني … لحَرْبٍ من طَريفٍ أوتَلِيْدِ وأفْتَتحَنَّها حَربًا عَوانًا … تَقَحَّمُ بالبُنُوْدِ على البُنُوْدِ فإمَّا أَنْ أبُوحَ بروحٍ عز … وجدٍّ آخذٍ ثأرَ الجُدُودِ وإمَّا أنْ يُقالَ: فتىً أبيّ … تُخرِّمَ في ذَرَى مَجْدٍ مَشيدِ وهي أكْثَر من هذا، فيُقال إنَّ عبد اللّه بن المُعْتز أجابَهُ عنها بقَصِيدَة منها (٢): [من الوافر] تهدِّدُنا زَعتَ شبُوبَ حَرْبٍ … تقَحَّمُ بالبُنُودِ على البُنُودِ

стр. 1121

فكان السَّيْفُ أدْنى عندَ وردٍ … إلى وَدَجَيْكَ من حَبْلِ الوَرِيْدِ قَرأتُ بخَطِّ أبي بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى الصُّوْلِيّ، وأخْبَرَنا به أبو القَاسِم عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل، فيما أَذِنَ لَنا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، قال: كَتَبَ إلينا أبو القَاسِم زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّامِيِّ أنَّ أبا القَاسِم البُنْدَار أنْبَاهُم عن أبي أحْمَد بن أبي مُسْلِم، عن أبي بَكْر الصُّوْلِيّ، قال: وأجْلَس القَرَامِطَة مكان عليّ بن عبد اللهِ أخًا له يُقالُ له: أحْمَد بن عبد الله، زَعمُوا أنَّهُ عَهِدَ إليه، وصار أحْمَد بن عبد الله إلى حِمْص، ودُعِيَ له بها وبكُوَرها، وأمرَهُم أنْ يُصَلُّوا الجُمُعَة أرْبَع رَكَعات، وأنْ يَخطبُوا بعد الظُّهْر، ويكون أذَانهُم: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رسُول الله، أشْهَدُ أنَّ عليًّا وَليَّ المُؤْمنِيْن، حَيّ على خَيْر العَمَل. وضَرَب الدَّرَاهِمَ والدَّنَانِيْر وكتَبَ عليها: الهَادِي المَهْدِيِّ، لا إله إلَّا الله مُحَمَّد رسُول الله، جاءَ الحَقُّ وزَهق البَاطِل إنَّ البَاطِل كان زهُوقًا، وعلى الجانِب الآخر ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (١). ووجَّه أحْمَدُ بن عبد اللهِ هذا برَجُلٍ يُعْرَفُ بالمُطَوَّق - أمْرَد فرَأيتُه بعد ذلك - فكبسَ أبا الأَغَرّ وهو غَافِل، فقَتَل أكْثَر أصْحَابهِ، وأفْلَتَ أبو الأَغَرّ، ثمّ خرَجَ المُكْتَفِي بِاللهِ إليهِ، وأقام بالرَّقَّة، وأنفذَ الجُيُوشَ إليهِ مع مُحَمَّد بن سُلَيمان، وأنْفَذَ غُلَامَه سوْسَنًا معه في جَيْشٍ عَظيم، فوردَ الخَبَرُ بأنَّهُ قُتِلَ، ذكَر ذلك الصُّوْلِيّ في سَنَة إحْدَى وتِسْعِين ومَائتَيْن. قال: ثمّ أتَى الخَبَر للنِّصْف من المُحَرَّم من الدَّالِيَةِ بأنَّ فارسَين من الكَلْبِيِّيْنَ أحدهما من بني الأَصْبَغ والآخر من بني لَيْلَى نَزَلا بالسّقافيَّة فأُخِذَا، فأقَرَّا أنَّهُما من القَرَامِطَة، وأنَّ القِرْمِطِيّ بالقُرب، فرَكِبَ مُحَمَّد بن عليّ أبو خُبْزَة، وأحمد بن مُحَمَّد بن كشْمَرْد من الرَّحْبَة، فظَفِرَا بالقِرْمطِيّ، وأُخِذَ معه رَجُل يقال له المُدَّثِّر، وكاتبه، وغُلَام أمْرَدٌ حَدَثٌ يُقالُ له: المُطَوَّق، وحُمِلَ إلى الرَّقَّة، وقد ذَكَرْنا خبرَهُ.

стр. 1122

قال الصُّوْلِيّ: وممّا يُرْوى من شِعْر أحْمَد بن عبد الله: [من السريع] مَتَى أرَى الدُّنْيا بلا كَاذِب وذَكَرَ الأبْيَات الأرْبَعة، وقال: ومنه: [من الطويل] ثَأَرْتُ بجَدِّي خيْر من وَطِئَ الحَصَا … وأنْصَارِهِ بالطّفِّ قَتْلَى بني هِنْدِ فأَفْنيتُ مَنْ بالشَّامِ منهُم لأنَّهُمْ … بقَصْدِهِمُ جَارُوا عن المَنْهَج القَصْدِ على أنَّهُم جاشُوا لنا وتجمَّعُوا … وكادُوا وكان اللهُ أعْلَمُ بالقَصْدِ فجاهدْتُهُمْ باللهِ مُنْتَصِرًا بهِ … فأفْنَيْتُهُمْ بالبِيْض والسُّمْر والجُرْدِ قال الصُّوْلِيّ: ولعليّ بن عبد اللهِ وأخيه أحْمَد بن عَبْد الله شِعْرُ أظُنُّ بعضَ مَنْ يَمِيل إليهم ويَكْرَهُ السُّلْطانَ عَمِلَهُ أو أكثَرَهُ، وحمله عليهما. أنْبَأنَا أبو الفَضْل أحْمَد بن مُحَمَّد بن الحَسَن الدِّمَشقيّ، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَة الله (١)، قال: أحْمَد بن عبْد الله، ويقال: عبد الله بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل بن جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد بن عليّ بن الحُسَين بن عليّ بن أبي طَالِب، كما زعم، وهوصَاحِبُ الخَال، أخو عليّ بن عبد الله القِرْمِطِيّ، بايَعَتْهُ القَرَامِطَة بعْد قَتْل أخيهِ بنَوَاحِي دِمَشْق، وتَسَمَّى بالمَهْدِيّ، وأفْسَد بالشَّام، فبَعَثَ إليهِ المُكْتَفِي عَسْكَرًا في المُحَرَّم سَنَة إحْدَى وتِسْعِين ومَائتَيْن، فقُتِل من أصْحَابهِ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، ومَضَى هو في نَفَرٍ من أصْحَابه يُريد الكُوفَة، فأُخِذَ بقَرْيَة تُعْرفُ بالدَّالِيَةِ من سَقي الفُرَات، وحُمِلَ إلى بَغْدَاد، وأُشْهِرَ وطِيْفَ به على بَعِيْر، ثمّ بُنِيَتْ له دَكَّةُ، فقُتِلَ عليها هو وأصْحَابهُ الّذين أُخِذُوا معَهُ يَوْم الاثْنَين لسَبعٍ بَقِينَ من شَهْر رَبيع الأوَّل من سَنَة إحْدَى وتِسْعِين ومَائتَيْن، وكان شَاعِرًا، وله في الفَخَار أشْعَار من

стр. 1123

جُمْلَتَها: [من مجزوء الكامل] سَبَقَتْ يَدِي يَدَهُ لضَرْ … بةِ هَاشِميِّ المَحْتِدِ وأنا ابنُ أحْمَدَ لم أقُلْ … كَذِبًا ولَم أتَزَيَّدِ من خوْفِ بَأسِي قال بَدْ … رُ: لَيْتَني لم أُوْلَدِ يعني بَدْر الحَمَاميّ الطُّولُونيّ أميرَ دِمَشْقَ. هكذا قال الحافِظُ أبو القَاسِم، ولا أعْلَمُ أحدًا قال في صَاحِب الخالِ عبد الله بن أحْمَد غيره، والمَعْرُوف بهذا الاسْم ابن عمّه المَعْرُوف بالمُدَّثِّر، وكان سار إلى الشَّام فلقيَهُ شِبْل الدَّيْلَمِيّ موْلَى المُعْتَضِد بالرُّصَافَة في سَنَة أرْبَعٍ وثَمانِيْن ومَائتَيْن، فقتَله القَرَامِطَة، وقتَلُوا أصْحَابه، ودَخَلُوا الرُّصَافَة فأحْرَقُوها، وجاءُوا مَسْجِدها ونهَبُوها، وسَاروا نحو الشَّام، فالظَّاهر أنَّهُ اشْتَبه عليه بصَاحِب الخَالِ، وأكَّد عنده ذلكَ هذه الأبْيَات الثَّلاثة الّتي عَزَاها إليه، وقوله فيها: [من مجزوء الكامل] وأنا ابنُ أحْمَدَ لم أقُلْ … كَذِبًا ولم أتَزَيَّدِ على أنَّ هذه الأبْيَات ليسَ مُراد صَاحِبِ الخَالِ منها أنَّ أحْمَد أبوه، بل أراد بقولهِ: وأنا ابن أحْمَد أنَّهُ من نَسْل أحْمَد النَّبِيّ ﷺ . أحمَدُ بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عليّ بن أبي المَضَاءِ المِصِّيْصيُّ القَاضِي (١) قاضي المِصِّيْصَة، حدَّث عن [ ..... ] (a).

стр. 1124

رَوَى عنهُ أبو عبد الرَّحْمن أحْمَدُ بن شُعَيْب بن عليّ بن سِنَان النَّسَائِيّ الإمَامُ، وقال فيه: ثِقَةُ. أحمد بن عبد الله بن مَرْزُوق، أبو العبَّاس الأصْبَهَانِيُّ الدَّستَجِرْدِيُّ الحافِظُ (١) سَمعَ آباءَ القَاسِمِ إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد بن الفَضْل، وغَانِم بن أبي نَصْر مُحَمَّد بن عُبَيْد الله البُرجِيّ، وهِبة الله بن مُحَمَّد بن الحُصَيْن البَغْدَاديّ، وأبَوَي سَعْد أحْمَد بن عَبْد الجبَار الصَّيْرَفِيّ، ومُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد اللهِ المُطَرِّز، وأبا مَنْصُور عبد الرَّحيم بن مُحَمَّد بن أحْمَد الشَّرَابِيّ، والقَاضِي أبا بَكْر أحْمَد بن مُحَمَّد بن الحُسَين الأرَّجَانِيّ، وأبا طَالِب عَبْد القَادِر بن يُوسُف البَغْدَاديّ، وأبَوَي عليّ الحَسَن بن أحْمَد الحدَاد الأصْبَهَانِيّ، ومُحَمَّد بن مُحَمَّد بن المَهْدِيّ، وأبا مُحَمَّد طَاهِر بن مُحَمَّد بن عبد الله الفَزَارِيّ. رَوَى عنهُ الحافِظ أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، وذكَرَهُ في مُعْجَم شُيُوخه (٢). وقَدِمَ حَلَب سَنةَ ثَمانٍ وأرْبَعين وخَمْسِمائَة، وحَدَّثَ بها، وسَمِعَ منه بها أبو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن سَعْد الله البَجَليّ الحَنَفِيّ الفَقيه، وحَدَّثَ عنهُ بمِصْر، والحافِظ أبو المَحَاسِن عُمَر بن عليّ بن الخَضِرِ القُرَشِيّ، وخَرَّجَ عنهُ حَدِيثًا في مُعْجَم شُيُوخهِ، والحافِظ أبو المَوَاهِب بن صَصْرى، وشَيْخُنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، وسَمِعَ منه بدِمَشْق. أخْبَرَنا أبو هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميّ، قِراءَةً

стр. 1125

عليهِ وأنا أسْمَعُ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عبد الله بن مَرْزُوق الأصْبَهَانِيّ ببَغْدَاد، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبدُ الرَّحيمِ بن أحْمَد بن يَحْيَىَ الشَّرَابِيّ بشِيْرَاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن الحَسَن بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن أبي اللَّيْث الشَّاهِد، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُحَمَّد بن عبد اللهِ بن مُحَمَّد بن خَمِيْروْيَه الكَرَابِيْسِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن عِيسَى الخُزَاعِيّ الجَكَّانِيّ (a)، قال: حَدَّثَنَا أبو اليَمَان الحَكَم بن نَافِعٍ، قال: أخْبَرَني شُعَيْبُ بن أبي حَمْزَة، عن الزُّهْرِيّ، قال: حَدَّثَني عُرْوَة بن الزُّبَيْر أنَّ عائِشَة زَوْج النَّبِيّ ﷺ ورَضِيَ عنها، قالت: كان عُتْبَةُ بن أبي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلى أخيهِ سَعْد بن أبي وَقَّاص أنْ يَقْبض إلِيهِ ابنَ ولِيْدَة زَمَعَة، وقال: إِنَّه ابْني، فلمَّا قَدِمَ رسُول الله ﷺ زمن الفَتْح، أخَذَ ابنِ ولِيْدَة زمَعَة، فأقْبَل بهِ إلى رسُول الله ﷺ ، وأقْبَل معه عَبْد بن زَمَعَة، فقال سَعْد: يا رسُول الله، هذا ابنُ أخي عَهِدَ اليَّ أنَّهُ ابنُهُ، وقال عَبْد بن زَمَعَة: يا رسُول اللهِ، هذا أخي ابن زَمَعَة ووُلد على فراشِهِ، فنَظَرَ رسُول الله ﷺ إلى ابن ولِيْدَة زَمَعَة فإذا هو أشْبَهُ النَّاسِ بعُتْبَة بن أبي وَقَّاص، فقال رسُول الله ﷺ : هو لك يا عَبْدُ بن زَمَعَة من أجل أنَّهُ وُلد على فِراشِ أبيهِ، وقال رسُول الله ﷺ : احْتَجي منه يا سَوْدَةُ بنتُ زمَعَة، ممَّا رأى من شَبَههِ بعُتْبَةَ بن أبي وَقَّاصٍ، وسَوْدَة بنتُ زمَعَة زوْجُ النَّبِيّ ﷺ . أنْبَأنَا أبو البَيَان نَبَأ بن أبي المَكَارِم بن هَجَّام الحَنَفِيّ، وسَمِعْتُ منهُ بالقَاهِرَة، قال: أخْبرَنا الإمَامُ العالِم أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن مُحَمَّد بن سَعْد الله البَجَليّ الحَنَفِيّ،
следующие страницы →