نموذج مما قيَّده ابن السابق الحموي في الأوراق الأولى من الجزء الأوّل (نسخة الأصل) مما لا يتصل بغرض الكتاب
стр. 146
ترجمة ابن العديم بخط مُتَملِّك النسخة ابن السابق الحموي
стр. 147
الورقة الأُوَلى من القطعة المحفوظة بجامعة ليدن (هولندا) برقم: (١) ١٥٩٣. OR، المنسوبة خطأً لكتاب البُغْيَة، وهي من كتاب الدُّرّ المُنْتَخَب
стр. 148
بُغْيَةُ الطَّلَبِ فِي تَارِيْخِ حَلَب
стр. 149
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبِهِ تَوفِيقِي
بابٌ في ذَكْرِ فَضْل حَلَب (١)
أَخْبَرَنَا القَاضي بَهاءُ الدِّين أبو المَحاسن يُوسفُ بن رَافعٍ بن تَمِيم، قال: أَخْبَرَنَا أبو بَكْر مُحمَّد بنُ عليّ بن ياسر الجَيَّانِيّ بالمَوصل، ح.
وأَخْبَرَنَا المُؤيد بن مُحمَّد بن عليّ الطُّوسيّ، ومَنْصور بن عَبْد المُنعم بن عَبْدِ الله بن مُحمَّد الفَرَاويّ في كتابيهما إليَّ من نَيْسابُور؛ قالوا كُلّهم: أَخْبَرَنَا أبو عَبْدِ الله
стр. 150
مُحمَّد بن الفَضل الفَرَاوِيُّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو الحَسَن عَبْدُ الغَافِر بن مُحمَّد الفارِسيّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو أحْمَد مُحمَّد بن عِيسَى بن عَمرُويَه الجُلُوديّ (a)، قال: أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيم بن مُحمَّد بن سُفيان، قال: أَخْبَرَنَا مُسْلم بن الحَجَّاج القشيريّ، قال: حَدَّثَنِي زُهَيْر بن حَرْبٍ، قال: حَدَّثَنَا مُعَلَّى بن مَنْصُور، قال: حَدَّثَنَا سُلَيمان بن بِلالٍ، عن سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَة (b) أنَّ رسُول الله ﷺ قال (١): لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَنْزِل الرُّوم بالأعْمَاق. أو بَدَابِق. فَيَخرُجُ إلَيهِم جَيْشٌ من المَدِينَة، من خَيارِ أَهْل الأَرْضِ يَوْمَئذٍ، فإذا تَصَافُّوا قالت الرُّومُ: خَلُّوا بيننا وبين الذين سَبَوا مِنَّا نُقَاتِلهُم، فيقول المُسْلِمُون: لا والله، لا نُخَلِّي بينَكُمْ وبين إخْوَانِنَا، يُقَاتِلُونَهُم فَيْنْهَزِمُ ثُلُثٌ لا يَتُوبُ الله عَلَيِهم أبدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُم؛ أفَضلُ الشُّهداء عند الله، ويَفْتَتحُ الثُلُثُ لا يَنْثنُونَ (c) أبدًا، فَيفَتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّة، فَبَينَمَا هُم يُقْتَسِمُونَ الغَنَائِمَ قد عَلَّقُوا سُيُوفَهُم بِالزَّيْتُون إِذ صَاحَ فيهمُ الشّيطانُ: إنَّ المَسيح قد خَلَفَكُمْ في أَهْليكُمْ، فَيَخُرُجون وذلكَ باطِلٌ، فإذا جاءُوا الشَّام خَرجَ، فبينما هُم يُعِدُّون للقِتَال. يُسَوّون الصُّفُوف إذ أُقيمَتِ الصّلاةُ، فَيزِلُ عِيسَى بنُ مَرْيمَ، فأَمَّهُم (d)، فإذا رآهُ عَدُّو الله ذَابَ كَما يَذُوبُ المِلحُ في الماء، فَلَو تَرَكَهُ لأنْذَاب حتَّى يَهْلِكَ، ولَكن يَقْتُلُهُ اللهُ بِيدِهِ، فَيُريهِم دَمهُ في حَرْبَتِهِ.
стр. 151
وَجْهُ الاسْتدلال بهذا الحَديثِ على فَضْل حَلَب قَوْله ﷺ (١): يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ، أَوْ بِدَابِقَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، من خِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ ذَكَره بِحَرف الفاءِ وأنَّها للتَّعقيبِ، والمَدِينَة المَذْكُورة التي يَخرج منها الجَيش (a) هي حَلَب؛ لأنَّها أقربُ المُدُن إلى دَابق، وفي تلك النَّاحيةِ، إنّما يْنطلِق اسم المَدِينَة على حَلَب - عند الإطْلاقِ - لا على يَثْرب كما في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ (٢)، وفي قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ (٣). حيث انصَرَف الإطلاق إلى المَدِينَة التي يُفهَم إرادتها عند الإطْلَاقِ، وقد أخبَرَ (b) ﷺ أنَّهم من خِيار أهل الأرض، وما زالَت عَساكِر حَلَب في كُلِّ عَصْر مَوْصُوفَة بالمصَابرة والغَنَاءِ، والثَّبات عند المُقَاتَلَةِ واللِّقَاء.
ويُؤَيَّدُ ذلك ما يأتي في فَضْل أَنْطَاكِيَة، من قوله ﷺ (٤): لا تزالُ طائفةٌ من أُمَّتِي يُقَاتلون على أبْواب بَيْت المَقْدِس وما حَولَها، وعلى أبْواب أَنْطَاكِيَة وما حَولَها، وعلى باب دِمَشْقَ وما حَولَها، ظاهرين على الحَقِّ لا يُبَالُون مَنْ خَذَلَهُم ولا مَنْ نَصَرهم. الحَدِيْث.
لأنَّ الطَّائِفَة. واللهُ أعْلَمُ. هي جَيْشُ حَلَب؛ لأنَّه ﵊ قال: لا تزال طَائفة من أُمَّتِي، وأَنْطَاكِيَة اسْتَولَى عليها الرُّوم سنين عِدَّةَ، ثمّ فَتَحَها
стр. 152
سُلَيمان بن قُطَلمِش (١)، ثمّ استولى عليها الفِرنْجُ إلى زَمَنِنا هذا، فلولا أن يكون المُراد بالطَّائفَة المَذكُورَة جَيْش حَلَب، وأنَّه يُقاتل حول أَنْطَاكِيَة لتطَرَّق الخُلْف إلى كَلامه ﷺ ، وما زَالت عَسَاكر حَلَب ظَاهِرَة على مَنْ يُجاورها بأَنْطَاكِيَة في قديم الزَّمان (a) وحديثه إِلَّا ما نَدر وُقوعُهُ.
بابٌ في بَيان أنَّ حَلَب من الأرْض المُقَدَّسَة
أَخْبَرَنَا أبو مَنْصُور عَبْد الرَّحمن بن مُحمَّد بن الحَسَن الشَّافِعيّ، قال: أَخْبَرَنَا عَمّي الحافظُ أبو القَاسمِ عليّ بن الحَسَن الشَّافِعيّ (٢)، إن لم يَكُن سَمَاعًا فإجَازَةً، قال: أَخْبَرَنَا أبو الحَسَن بركات بن عبد العزيز بن الحُسَين النَّجَّاد، قال: أَخْبَرَنَا أبو بكر أحْمَد بن عليّ بن ثَابت الخَطِيب (٣)، قال: أَخْبَرَنَا أبو الحَسَن مُحمَّد بن أحْمَد بن مُحمَّد بن رِزْقُوَيَه (b)، قال: أَخْبَرَنَا أبو بكر أحْمَد بن سِندي بن الحَسَن الحَدَّاد، قال: حَدَّثَنَا الحَسَن بن عليّ القطان، (قال) (c): حَدَّثَنَا إسماعيل بن عِيسَى العطّار، قال: أَخْبَرَنَا أبو حُذَيْفَة إسْحَاق بن بِشْر القُرَشِيّ، قال: أَخْبَرَنَا خارجة - يعني ابن مُصْعَب السَّرْخَسيِّ - عن ثَور - هو ابن يَزِيد الكَلاعِيّ الحِمْصِيّ - عن خَالد بن مَعْدَان، عن
стр. 153
مُعاذٍ ﵁، قال: الأرضُ المُقَدَّسَة ما بين العَريش إلى الفُرَات.
وقد حَكينا عن أبي العلاء بن سُلَيمان المَعَرِّيّ أنه قال في بَعْضِ رَسائله (١): والشَّام خَمْسة أجنادٍ: جُنْد العَوَاصم منه حَلَب وقِنَّسْرُون (a)، وَجُنْد حِمْصَ، وَجُنْد جِلَّق، والأُردُنّ، وفِلَسْطين. وهذه الأجنادُ الخَمْسَةُ بلادٌ مُقْبلةٌ، يَزْعُمُ الأنبياءُ أنَّها ذُرَّت فيها البرَكة، ويَذكُرون أنَّ جميعَها أرضٌ مُقَدَّسَة.
بابٌ في بَيان أنَّ حَلَب مُهَاجَر إبْرَاهِيم ﷺ ، وأنَّها من جُمْلَة الأرضِ المُبَارَك فيها
أَخْبَرَنَا الفَقيهُ العَالِم فَخْر الدِّين أبو مَنْصُور بن عَساكِر الشَّافِعِيّ، قال: أَخْبَرَنَا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم الدِّمَشْقِيّ (٢)، قال: أَخْبَرَنَا أبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم الفَقيهُ، قال: أَخْبَرَنَا أبو الحَسَن أحْمَد بن عَبْد الواحد بن مُحمَّد بن أحْمَد بن أبي الحَدِيْدِ، قال: أَخْبَرَنَا جَدِّي، قال: أَخْبَرَنَا أبو الدَّحْدَاح، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن عَبْد الوَاحِد، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن كثير، عن الأوزاعيّ، قال: يُهَاجِرُ الرَّعدُ والبَرْق إلى مُهاجَر إبْرَاهِيم حتَّى لا تَبْقَى قَطْرةٌ إِلَّا فيما بين العَرِيْش والفُرَات (b).
وأَخْبَرَنَا أبو مَنْصُور عبد الرَّحْمن بن مُحمَّد، قال: أَخْبَرَنَا عليّ بن الحَسَن الإمام (٣)، قال: أَخْبَرَنَا أبو طَاهِر مُحمَّد بن الحَسَن بن مُحمَّد بن إبْرَاهِيم بن الحِنَّائِيّ في كتابه، قال: أَخْبَرَنَا أبو الحَسَن أحْمَد بن عَبْد الوَاحِد بن مُحمَّد بن أبي الحَدِيْدِ، قال:
стр. 154
أَخْبَرَنَا جَدِّي، قال: أَخْبَرَنَا أبو الدَّحْدَاح، قال: حَدَّثَنَا أبو عَامِر مُوسَى بن عَامِر، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيد بن مُوسَى، قال: حَدَّثَنَا الأوْزَاعِيّ، عن يَحْيَى بن أبي كَثِيْر، عن كَعْب الأحْبَار، قال (١): يُوشِكُ بالرَّعْدِ والبَرْق أن يُهاجِرَ إلى الشَّام حتَّى لا تكُون رَعْدَةٌ ولا بَرْقَةٌ إِلَّا بينَ العَرِيش والفُرَاتِ.
قال عليّ بن الحَسَن (٢)، وأنبَأنَاهُ أبو عَبْد الله مُحمَّد بن عليّ بن أبي العلاء المِصّيْصيّ، قال: حَدَّثَنَا الحَافِظُ أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ بن ثابت (٣)، قال: أَخْبَرَنَا أبو الحُسَيْن بنُ بِشْرَان، قال: حَدَّثَنَا عثمان بن أحْمَد بن عبد الله الدَّقَّاقُ، قال: قُرِئَ على أبي بَكْر مُحمَّد بن أحْمَد بن النَّضْر، قال: حَدَّثَنَا مُعاوِيَة بن عَمْرو، عن أبي إسحاق، عن الأوزَاعِيّ، عن يَحْيَى، قال: قال كَعْبٌ: يُهاجِرَ الرَّعْد والبَرْق إلى الشَّام حتَّى لا تَبْقَى رَعْدَةٌ ولا بَرْقَةٌ إِلَّا فيما بينَ العَرِيش والفُرَات.
وأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحمَّد، قال: أَخْبَرَنَا أبو القَاسِم بن الحَسَن (٤)، قال: أَخْبَرَنَا أبو الحُسَيْن عَبْد الرَّحْمَن بن عَبِد الله بن الحَسَن، قال: أَخْبَرَنَا جَدِّي أبو عبد الله، قال: أَخْبَرَنَا أبو بكر مُحمَّد بن عَوْف بن أحْمَد المُزَنِيّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو العبَّاس مُحمَّد بن مُوسَى بن الحَسَن بن السِّمْسَار الحَافِظ، قال: أَخْبَرَنَا مُحمَّد بن خُرَيْم (a)، قال: حَدَّثَنَا هِشَام بن عَمَّار، قال: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا سُلَيمان بن سُليم، عن يَحْيَى بن جَابِر، عن يَزيد بن شُرَيْح، عن كَعْب الأحْبَار، قال: إنَّ الله تعالَى بارك في الشَّام من الفُرَات إلى العَرِيش.
стр. 155
بابٌ في بَيانِ أنَّ أهْل حَلَب في رِبَاطٍ وجِهَادٍ
أَخْبَرَنَا سُلَيمان بن الفَضْل بن سُلَيمان البَانِياسِيِّ، فيما أَذِنَ لنَا فيهِ، واجْتَمعَتُ بهِ بِحَلَب، قال: أَخْبَرَنَا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الحَافِظ (١)، قال: أَخْبَرَنَا أبو الحُسَيْن عَبْد الرَّحْمَن بن عَبْدِ اللهِ بن الحَسَن بن أبي الحَدِيَد، قال: أَخْبَرَنَا جَدِّي أبو عبد الله، قال: أَخْبَرَنَا أبو بَكْر مُحمَّد بن عَوْف بن أحْمَد المُزَنِيّ (a)، قال: أَخْبَرَنَا أبو العبَّاس مُحمَّد بن مُوسَى بن الحُسَيْن بن السِّمْسَار، قال: أَخْبَرَنَا مُحمَّد بن خُرَيْم (b)، قال: حَدَّثَنَا هِشَام بن عَمَّار، قال: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا أَرْطَأةُ، عن مَن حَدَّثَهُ، عن أبي الدّردَاءِ، قال: قال رسُول الله ﷺ (٢): أهل الشَّام وأزْوَاجُهم وذَرَاريهم وعَبيدُهُم وإماؤهُم إلى مُنْتَهى الجَزِيرَة مُرَابِطُون في سبيل اللهِ، فمَن احتَلَّ منها مَدِينَةً فهو في رِباطٍ، ومن احْتَلَّ منها ثَغْرًا من الثُّغُور فهو في جِهادٍ.
وقال الحَافِظ أبو القَاسِم (٣)، وأنْبَأنَا أبو عَبْد اللهِ مُحمَّد بن عليّ بن أبي العَلاءِ المِصِّيصيُّ، وأبو مُحمَّد هِبَةُ الله بن أحْمَد الأكفانِيّ، وأبو القَاسِم الحُسَيْن بن أحْمَد التَّمِيمّيّ، وأبو إسحاق إبْرَاهِيم بن طاهر الخُشُوعِيّ، قالوا: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم عليّ بن مُحمَّد بن أبي العلاء، قال: أَخْبَرَنَا أبو بَكْر أحْمَد بن حَرِيز بن أحْمَد بن خَمِيْس السَّلَمَاسِيّ،
стр. 156
قال: حَدَّثَنا أبو الحَسَن المُظَفَّر بن الحَسَن، قال: حَدَّثَنا أحمدُ بن عُمَيْر بن يُوسُف بن جَوصَا، قال: حَدَّثَنا عَمْرو بن عُثْمان، قال: حَدَّثَنا ابن حُمَيْر، عن سَعيد البَجَليّ، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أبي الدَّرْدَاءِ، عن النَّبِيّ ﷺ ، قال: سَيُفْتَحُ على أُمَّتي من بَعْدِي الشَّام وَشِيكًا، فإذا فتَحَها، فاحْتَلَّها، فأهْلُ الشَّام مُرابطُونَ إلى مُنْتَهى الجَزِيرَة؛ رِجالُهُم ونساؤُهُم وصِبْيانُهُم وعَبيدُهُم، فَمن احْتَلَّ سَاحِلًا من تلكَ السَّواحل فهو في جِهادٍ، ومَنْ احْتَلَّ بَيتَ المَقْدِس وما حولَهُ فهو في رِباطٍ.
أنْبَأنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد اللهِ الدِّمَشْقيِّ، قال: أخْبرَنا أبو عَبْدِ الله مُحمَّدُ بن أبي زيد الكَرَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا مَحْمُود بن إسْمَاعِيْل، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَيْن بن فَاذْشَاه، قال: حَدَّثَنا أبو القَاسِم سُلَيمان بن أحْمد الطَّبَرَانيِّ، قال: حَدَّثَنا أحْمَدُ بن المُعَلَّى الدِّمَشْقِيّ، قال: حَدَّثَنا هِشَام بن عَمَّار، قال: حَدَّثَنَا أبو مُطِيع مُعاوِيَةُ بن يَحْيَى، عن أَرْطَأَة بن المُنْذِر، عن مَنْ حَدَّثَهُ، عن أبي الدَّرْدَاء، قال: قال رسُول الله ﷺ : أهْلُ الشَّام وأزْواجُهم وذَرَاريهم وعبيدُهم إلى مُنْتَهى الجَزِيرَة مُرَابطُونَ، فَمن نَزَلَ مَدِينَةً من المَدَائِن فهو في رِباطٍ، أو ثَغْرًا من الثُّغُور فهو في جِهادٍ.
أنْبَأنا أحْمَدُ بن أزْهَر بن عَبْد الوهَّاب، عن أبي بَكْر بن عَبْد البَاقِي، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد الجَوْهَرِيّ إذنًا، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر بن حَيَّوْيَه (١)، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مَعْرُوف إجَازَةً، قال: حَدَّثَنا الحُسَيْن بن فَهْم، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بن سعد (٢)، قال: أخْبَرَنا مُحمَّد بن عُمَر، قال: حَدَّثَني عَبْد الله بن عامر، قال: سَمِعْتُ أَبَان بن صالِح يقول: سَمِعْتُ عُمَر بن عَبْد العَزِيْز يقول بدَابِق: نحنُ في رِباطٍ.
стр. 157
بابٌ في بَيانِ أنَّ حَلَب كانت بابَ الغَزْو والجِهادِ ومَجْمَع الجُيُوشِ والأجْناد
اعْلَم أنَّ دَابِق كانت مَجْمعًا لعساكر الإسْلام في كُلِّ صَائِفَة من زمن مُعاوِيَة بن أبي سُفْيان، فكانوا يَجْتَمعُونَ بها، فإذا تكامَل العَسْكَر، وقَبَضُوا عطاءَهم، دخلُوا حينئذٍ من الثُّغُور إلى جِهاد العَدُوِّ، واسْتمرَّ ذلك في أيَّام بني أُمَيَّة، لا سِيَّما في أيَّام سُلَيمان بن عَبْد المَلِك، فإنَّه أقامَ بدَابِق سنين، وسيَّرَ أخاهُ مَسْلَمَة لغَزْو القُسْطَنْطِينِيَّة، وكان يُمدُّه بالعَساكِر إلى أنْ مات سُلَيمان بدَابِق.
وبعد زوال مُلْك بني أُمَيَّة، تتبَّعَ بنو العبَّاس مُدن الثُّغُور وحُصُونها، فعَمَرُوها وحَصَّنُوها، وغَزَوا غَزوات مَذْكُورَة من نواحي حَلَب من بَغْرَاس ودَابِق وغيرهما، لا سِيَّما أَمِير المُؤمِنِين الرَّشِيد رَحْمة الله عليه؛ فإنَّه اجْتَهَد في إقامة الجهاد، وأنْفَقَ الأمْوال الوافرة في الثُّغُور وأهْلها، وكان يَقْدَمُ حَلَب ويُرَتِّب أمر الغَزْو منها، وكذلك فعل المأْمُون بعده، وماتَ غَازِيًا بطَرَسُوس، وجاء المُعْتَصِمُ كذلك وفَتَحَ عَمُّورِيَّة.
أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن مُحمَّد بن الحَسَن الشَّافِعِيّ، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم (١)، قال: قرأتُ على أبي القَاسِم الخَضِر بن الحُسَيْن (a) بن عَبْدَان، عن عَبْد العَزِيْز بن أحْمَدُ الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن على بن الحَسَن بن أبي زَرْوَان الحافظ، قال: حَدَّثَنا عَبْد الوهَّاب بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عُمَيْر بن يُوسُف، قال: حَدَّثَنا أبو عَامِر مُوسَى بن عَامِر، قال: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بن مُسْلِم، قال: وحَدَّثَني عَبْد الرَّحْمن بن يَزِيد بن جَابِر وغيره: أنَّ جُنْد حِمْص الجُنْد المُقَدَّم، وأنَّ
стр. 158
قنَّسْريْن (a) كانت يومئذ ثَغْرًا، وأنَّ النَّاس كانوا يَجْتَمعُونَ بالجابِيَة لقَبْضِ العَطاءِ، وإقامة البُعُوث من أرْض دِمَشْق في زَمن عُمر وعُثْمان، حتَّى نَقَلَهُم إلى مُعَسْكر دَابِق مُعاوِيَةُ بن أبي سُفْيان لقُرْبه من الثُّغُور.
قال: وكان والِي الصَّائِفَة (b)، وإمام العامَّة في أهل دِمَشْق، لأنَّ مَنْ تقدَّمَهُم من أهل حِمْص وأهل قِنَّسْرِيْن وأهْل الثُّغُور مُقَدِّمةٌ لهم، وإلى أهلها يَؤُولُوْنَ إنْ كانت لهم جَوْلةٌ من عدُوِّهم.
وأخْبَرَنا عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن الفَقِيه، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي مُحمَّد الشَّافِعِيّ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد هِبةَ الله بن أحْمَدُ وعَبْد الكَريم بن حَمْزَة، قالا: حَدَّثَنا عَبْد العَزِيْز، قال: أخْبَرَنا تَمَّامٌ وعَبْدُ الوهَّاب، قالا: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مُحمَّد، قال: حَدَّثَنا أحْمَدُ بن المُعَلَّى، ح.
قال تَمَّام: وأخْبَرَني أبو إسْحَاق إجَازَةً، قال: حَدَّثَنا ابنُ المُعَلَّى، ح.
قال تَمَّام: وأخْبرَني يَحْيَى بن عَبْد الله، قال: حَدَّثَنا عَبْد الرَّحْمن بن عُمَر، قال: حَدَّثَنا ابن المُعَلَّى، قال: وأخْبَرني صَفْوَان بن صالح، أملاهُ عَليَّ، قال: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بن مُسْلِم، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بن مُهاجِر، قال: سَمِعْتُ أخي عَمْرو بن مُهاجِر، قال: سَمِعْتُ عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، وذَكَرَ مَسْجِد دِمَشْق، فذَكَر الحِكايَة، ومَقْدَم خَالِد بن عَبْد الله القَسْرِيّ إليه، وقَوْله له حين همَّ برَفْع الزَّخْرَفة منه: ما ذلكَ لك! حتَّى قال: فما قَوْلك: ما ذلك لي؟ قال: لأنَّا كُنَّا مَعْشر أهْل الشَّام، وإخْواننا من أهْل مِصْر، وإخواننا من أهْل العِرَاق، نَغْزُو، فيُعْرَض على الرَّجُل منَّا أنْ يَحْمل من
стр. 159
أرْض الرُّوم قَفِيزًا بالصَّغير من فُسَيْفِساء، وذِرَاع في ذراعٍ من رُخَام، فيَحْمله أهل العِرَاق وأهْل حَلَب إلى حَلَب، ويُسْتأجر على ما حملوا إلى دِمَشْق، ويَحْمله أهل حِمْص إلى حِمْص، ويَسْتأجر على ما حملوا إلى دِمَشْق، ويَحْمل أهل دِمَشْق ومَن وَراءهم حصَّتهم إلى دِمَشْق.
وقَرَأتُ في كتاب البُلْدان وفُتُوحها وأحْكامها، تأليف أحْمد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ (١)، قال: وحَدَّثَني مُحمَّد بن سَهْم الأنْطاكيِّ، قال: حَدَّثَني مُعاوِيَةُ بن عَمْرو، عن أبي إسْحَاق الفَزَارِيّ، قال: كانت بنو أُمَيَّة تَغْزُو الرُّومَ بأهْلِ الشَّام والجَزِيرَة، صَائِفَةً وشاتِيَةً، ممَّا يلي ثُغُور الشَّام والجَزِيرَة، وتُقيم المراكب للغَزْو، وتُرَتِّب الحَفَظَة في السَّواحل، ويكون الإغْفال والتَّفْرِيط خلال الحَزم والتَّيَقُّظ، فلمَّا وَلي أبو جَعْفَر المَنْصُور تتَبَّع حُصُون السَّواحل ومُدنها، فَعَمَرَها، وحَصَّنَها، وبَني ما احْتاج إلى البناء منها، وفعَلَ ذلك بمُدن الثُّغُور، ثمّ لمَّا اسْتُخِلفَ المَهْدِيّ، اسْتَتَمَّ ما بَقي من تلك المُدُن والحُصُون، وزَادَ في شَحْنها.
قال مُعاوِيَةُ بن عَمْرو: وقد رأينا من اجْتهادِ هارُونَ في الغَزْوِ، ونَفاذ (a) بَصِيْرته في الجِهادِ أمرًا عظيمًا، أقامَ من الصِّناعَة ما لَم يُقَم قَبْلَه، وقَسَمَ الأمْوال في الثُّغُور والسَّواحل، وأشْجر (b) الرُّوم وقَمَعَهُم، وأمرَ المُتَوكِّل بتَرْتيب المراكب في جميع السَّواحل، وأنَّ تُشْحَنَ بالمُقاتِلَة وذلك في سَنَة سَبْعٍ وأرْبَعين ومائتين.
стр. 160
بابٌ في ذكْرِ صِفَة مَدِينَة حَلَب، وعَمَارِتِها، وأبْوابها، وما كانت عليه أوَّلًا، وما تغير منها وما بَقي
سُور حَلَب:
كان سُورًا مَبْنيًّا بالحِجَارَة من بناءِ الرُّوم، ولمَّا وصَل كِسْرَى أَنَوشَرْوان إلى حَلَب، واسْتَولَى عليها، شَعَّثَ سُورها عند الحَصَار، ثمّ رمَّ ما هُدِم منه، فبني بالآجُرّ الفارِسيّ الكِبَار، وشاهدتُ مَرَمَّته بالآجُرِّ الكِبار في الأسْوار الّتي بين باب الجِنَانِ وباب النَّصْر، وسَترها السُّور الثَّاني الّذي ابْتَناهُ المَلِكُ الظَّاهِر ﵀، فيما بين باب الجِنَان وباب النَّصْر، فلا يَبين الآن إلَّا لمَن يمرّ بين السُّورَين، وأظُنُّ أنَّ كِسْرَى أَنَوشَرْوان فتحَ حَلَب من هذه الجهة، فإنَّها كانت أضْعفَ مكانٍ في البَلَد، فلهذا كانت المَرَمَّةُ فيه دون غيره، وكان مَلِكها ومَلِك أَنْطاكِيَة الّذي أخذَها أَنَوشَرْوان من يده يُوسطِينيانُوس (a) مَلِك الرُّوم.
وفي أسْوارِ حَلَب أبْرِجَة عديدة، جَدَّدها مُلُوك الإسْلام بعد الفُتُوح، وأسْماؤهم مُكْتَتَبة عليها، وبنَى نور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي فَصِيلًا (١) على مواضع من الباب الصَّغير إلى باب العِرَاق، ومن باب العِرَاق إلى قَلْعَةِ الشَّريف (٢)،
стр. 161
ومن باب اليَهُود - الّذي يُقالُ لهُ الآن باب النَّصْر - إلى باب الجِنَان، ومن باب الأرْبَعِين إلى باب اليَهُود، جعل ذلك سُورًا ثانيًا قصيرًا بين يدي السُّور الكبير. وأمرَ المَلِك الظَّاهِر بتَجْدِيدِ سُور من باب الجِنَان إلى بُرْج الثَّعَابِين، وفتح الباب المستجدّ، فرفع الفَصِيْل وجدَّدَ السُّور والأبْرِجَة على عُلوّ السُّور الأوَّل، وكان يُباشِر العِمَارَة بنَفْسه، فصارَ ذلك المكان من أقْوَى الأماكِن.
ثُمَّ إنَّ أتَابِك طُغْرِل ابْتنى بُرْجًا عظيمًا فيما بين باب النَّصْر وبُرْج الثَّعَابِين، مُقابل أَتُونات الكِلْس ومَقَابِر اليَهُود.
ثُمَّ إنَّ المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين يُوسُف بن مُحمَّد، أعَزَّ اللهُ سُلْطانه، أمرَ بتَجْدِيد أبْرِجَة من باب الأرْبَعِين إلى البُرْج الّذي جدَّدَهُ أتَابِك، فجُدِّدَت أَبْرِجَة عَظِيمَة؛ كلّ بُرْج منها حِصْن مُفْرد، وسُفّحَ من السُّور والأبْرِجَة في المَيْل إلى الخَنْدَق فصارَ ذلك كلّه كالقَلْعَة العَظِيمَة في الارتفاع والحَصَانة، وأمرَ ببناء أبْرِجَة كِبَار من باب الجِنَان إلى باب قِنَّسْرِيْن، فقَوِيَت المَدِينَة بذلك قوَّة ظاهرةً.
وأمَّا قَلْعَة حَلَب:
فلم يكُن بناؤُهَا بالمُحْكَم، وكان سُورها أوَّلًا مُتَهَدِّمًا على ما ذكَرَهُ أرْباب التَّواريخ، ولم يكن مَقام المُلُوك حينئذٍ فيها، بل كان لهم قُصُور بالمَدِينَة يسْكنونها، ولمَّا فَتَحَ الرُّوم حَلَب في سَنَة إحْدَى وخَمْسين وثَلاثِمائة، لجأ إلى القَلْعَة مَنْ لجأ، وسَتَرُوها بالأكُفِّ والبَراذع (a)، فعَصَمتهم من العَدُوِّ لعلُوِّها، وزَحَفَ ابنُ أخت المَلِك (١) فأُلْقي عليه حَجَر فقتَلَهُ، ورحَل الدُّمُسْتُق عنها، فاهْتَمَّ المُلُوك بعد ذلك بِعمَارَة القَلْعَة وتحْصِينها.
стр. 162
وعَصَى فيها فَتْح القَلْعِيّ على مَوْلاه مُرْتَضَى الدَّوْلَة بن لُؤْلُؤ، ثُمَّ سلَّمَها إلى نُوَّاب الحاكِم، فعَصَى فيها عَزيز الدَّوْلَة فَاتِك على الحاكِم، وقيل بالمرْكِز، وكان قَصْرُهُ - الّذي يُنْسَبُ إليه خَانَكاه القَصْر - مُتَّصِلًا بالقَلْعَة، والحَمَّام المَعْرُوفة بحَمَّام القَصْر إلى جانبه، فخُرِّب القَصْر بعد ذلك تَحْصينًا للقَلْعَة، وصار الخَنْدَق موضعه. ودخَلْتُ أنا هذه الحَمَّام وهي دَائِرَةٌ، فهدمَها المَلِكُ الظَّاهِر ﵀، وجعلها مَطْبخًا له.
ولمَّا قُتِلَ عَزيز الدَّوْلَة، صار الظَّاهر ووَلده المُسْتَنْصِر يُوَلِّيان واليًا بالقَلْعَة، وواليًا بالمَدِينَة خوفًا أنْ يَجْري ما جَرى من عزيز الدَّوْلَة.
فلمَّا مَلَكَ بنو مِرْدَاس، سَكنُوا في القَلْعَة، وكذلك مَنْ جاءَ بَعْدَهم من المُلُوك، وحَصَّنُوها، لا سِيَّما المَلِك الظَّاهِر غَازِي؛ فإنَّه حَصَّنَها وحَسَّنَها، وابْتنى بها مصنعًا كبيرًا للماءِ، ومخازنَ للغَلَّةِ، ورفعَ باب القَلْعَة وكان قريبًا من المَدِينَة، ويُصْعدُ منه إلى بَاشُوْرَة (١)، هي مَوضِع باب القَلْعَة الآن، ولها سُور من مَوضِع الباب الآن، يَدُور في وَسطِ التَّلّ إلى المِنْشَار (٢) المُتَّصل بباب الأرْبَعِين.
وكان في البَاشُوْرَة مساكن لأجْنادِ القَلْعَة، ورأيْتُ في وسطِهِ بُرْجًا كبيرًا، مَبْنيًّا فوق طريق الماء من القَناة إلى السَّاتُورة الّتي للقَلْعَة، وكان على ذلك البُرْج اسم المَلِك الصَّالِح إسْمَاعِيْل بن نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، فحرَّبَ المَلِك الظَّاهِر ﵀ تلك البَاشُوْرَة، وسَفَّحَ القَلْعَة من أسْفل الخَنْدَق إلى سُورها الأعْلَى،
стр. 163
وكان قد بَنى بعض السَّفح بالحَجَرِ الهِرَقْلِيّ (١)، وعَزم على تَسْفيحها بذلك الحَجَر، قالت المِنيَّةُ بينَهُ وبين أمَله، وصدَّه عن مُراده ما حَضرَ من أجَله، وكان قد وسَّعَ الخَنْدَق الّذي للقَلْعَة وعمَّقه، وبنى حائطه من جهة المَدِينَة، ورفعَ باب القَلْعَة إلى مكانه الآن، وعمل له هذا الجِسْر المُمْتَدِّ، فجاءَ في غاية الحُسْن والحَصَانة.
وعَمِل بابًا آخر؛ كان إذا ركبَ ينزلُ منه وَحْدُه ويصْعَدُ، ويُغْلق فلا يُفْتح إلَّا له، وهو بابُ الجَبَل الّذي هو إلى جانب دار العَدْلِ، وبَني المَلِكُ الظَّاهِر سُورًا على دار العَدْل، وفَتح له بابًا من جهة القِبْلَة تجاه باب العِرَاق، وبابًا من جهة الشَّرْق والشَّمَال على حافَة الخَنْدَق، كان يخرج منهما إذا رَكب.
وبنى دار العَدْلِ لجلُوسِهِ العامِّ فيها بين السُّورين: السُّور العَتِيق الّذي فيه الباب الصَّغير، وفيه الفَصِيل الّذي بناهُ نُور الدِّين، وبين السُّور الّذي جدَّدَهُ إلى جانب المَيْدَان.
واهْتَمَّ المَلِك الظَّاهِر أيضًا بتَحْريرِ خَنْدَق الرُّوم، وهو من قَلْعَة الشَّريف إلى الباب الّذي يخرج منه إلى المَقام، وبنَى ذلك الباب ولَم يُتِّمه، فتُمِّمَ في أيَّام ولده المَلِك العَزِيْز، ﵀.
ثُمَّ يَستمرُّ خَنْدَق الرُّوم من ذلك المكان شَرقًا، ثُمَّ يعود شمالًا إلى الباب الّذي جُدِّد أيضًا في أيام المَلِك العَزِيْز لَصِيق المَيْدَان، ويُعْرفُ بباب النَّيْرَب، ثُمَّ يأخُذُ شمالًا إلى أنْ يَصل إلى باب القَناة الّذي يخرج منه إلى بَانَقُوسَا، وهو بابٌ قديم، ثُمَّ يأْخُذ غَرْبًا من شمالي الجُبَيْل (a) إلى أنْ يتَّصل بخَنْدَق المَدِينَة. وأمَرَ المَلِكُ
стр. 164
الظَّاهِر برَفْع التُّراب وإلْقائه على شَفِير هذا الخَنْدَق ممَّا يلي المَدِينَة، فارْتَفع ذلك المكان وعَلا، وسُفّح إلى الخَنْدَق، وبُني عليه سُور من اللَّبِن في أيَّام المَلِك العَزِيْز مُحمَّد ﵀، وولاية الأتَابِك طُغْرِل، وأُمِرَ الحَجَّارُون بقَطْع الأحْجار من الحوَّارة من ذلك الخَنْدَق، فعُمِّق واتَّسَع، وقَوِيَت به المَدِينَة غايَة القُوَّة.
وأمَّا قَلْعَةُ الشَّريف:
فلم تكن قَلْعَةُ؛ بل كان السُّور محيطًا بالمَدِينَة، وهي مَبْنيَّة على الجَبَل المُلاصق للمَدِينَة، وسُورها دَائرٌ مع سُور المَدِينَة على ما هي الآن.
وكان الشَّريف أبو عَليّ الحَسَن بن هِبَةِ الله الحُتَيْتيّ الهاشمِيّ، مُقدَّم الأحْدَاث بحَلَب، وهو رَئيس المَدِينَة، فتمكَّن وقَوِيَت يَدُه، وسَلَّم المَدِينَة إلى أبي المَكَارِم مُسْلِم بن قُرَيْشٍ، فلمَّا قُتِلَ مُسْلِم، انْفَرد بولايةِ المَدِينَة، وسَالِم بن مَالِك بالقَلْعَة على ما نَشْرحه في تَرْجَمَتِهِ (١)، فبنَى الشَّريف عند ذلك قَلْعتَهُ هذه، ونُسِبَت إليه، في سَنَة ثمان وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، خوفًا على نَفْسه من أهل حَلَب، واقْتطعَها عن المَدِينَة، وبنَى بينها وبين المَدِينَة سُورًا، واحْتَفَرَ خَنْدَقًا آثارهُ باقية إلى الآن، ثُمَّ خَرِب السُّور بعد ذلك في أيَّام إيلْغَازِي (a) بن أُرْتُق حين مَلكها، واسْتَقَلَّ بمُلْكها في سَنة ستّ عشرة وخَمْسِمائَة، فعادَت من المَدِينَة كما كانت.
وأمَّا أبواب مَدِينَة حَلَب:
فأوَّلها باب العِرَاق؛ سُمِيّ بذلكَ لأنَّهُ يُسْلَكُ منه إلى نَاحِيَةِ العِرَاق.
стр. 165
ثُمَّ بعدَهُ إلى جهة الغَرْب باب قِنَّسْرِيْن؛ سمي بذلكَ لأنَّهُ يُخْرج منه إلى نَاحِيَةِ قِنَّسْرِيْن، وقد جُدِّدَ في أيَّام السُّلْطَان المَلِك النَّاصِر يُوسُف بن المَلِك العَزِيْز، أعزَّ اللهُ أنْصَاره، وغُيِّرَ عن وَضْعه، ووُسِّعَ، وعُمِلَ عليه أبْرِجَة عَظِيمَة، ومَرافق للأجْنادِ حتَّى صار بمنزلة قَلْعَةُ عَظِيمَة من القِلَاع المُرَجَّلَة (١).
ثُمَّ باب أَنْطاكِيَة؛ سُمِّي بذلكَ لأنَّهُ يُسْلَكُ منه إلى نَاحِيَةِ أَنْطاكِيَة.
ثُمَّ باب الجِنَان؛ سُمِّي بذلكَ لأنَّهُ يُخْرجُ منه إلى البَساتِيْن الّتي لحَلَب.
ثُمَّ بعدَهُ باب اليَهُود؛ سُمِّي بذلكَ لأنَّ مَحالّ اليَهُود من داخلهِ، ومَقَابِرهم من خارجِه، وهذا البابُ غَيَّرَهُ السُّلْطَان المَلِك الظَّاهِر، ﵀، وكان عليه بابان، ويُخْرجُ منهما إلى بَاشُوْرَة يُخْرجُ منها إلى ظَاهِر المَدِينَة، فهدَمه، وجَعَل عليه أرْبعة أبْواب؛ كلّ بابين بدَرْكَاة (٢) على حدة، يُسْلك من إحدى الدَّرْكَاتَيْنِ إلى الأُخرى في قَبْوٍ عظيم مُحْكَم البناء، وجَعَلَ عليه أبْراجًا عالية مُحكَمة البناءِ، ويُخْرجُ منهُ على جِسْر على الخَنْدَق، وكان على ظاهِره تُلول عالية من التُّراب والرَّماد
стр. 166
وكَنَائِس المَدِينَة، فنَسفها وأزَالهَا - وجعلها أرْضًا مُسْتَوية، وبُني فيها خاناتٌ تُباع (a) فيها الغَلَّة والحَطَبُ، وسُمِّي الباب: باب النَّصْر، ومُحِيَ عنه اسْم باب اليَهُود، فلا يُعْرَف الآن إلَّا بباب النَّصْر، وهُجِرَ اسمهُ الأوَّل بالكُلِيَّة.
ثُمَّ بَعَدهُ باب الأرْبَعِين؛ وكان قد سُدَّ هذا الباب مُدَّةً مَدِيدَة، ثُمَّ فُتح. واخْتُلِفَ في تسْميته بباب الأرْبَعِين، فقيل: إنَّه خَرَجَ منه مرَّةً أربعونَ ألفًا فلم يعودُوا.
وأخْبَرَني والِدي، ﵀، أنَّه بَلَغَهُ أنَّه خَرَجَ منهُ أرْبَعونَ ألفًا فلم يَعُدْ منهم غير واحدٍ، فرَأته امرأةٌ في طاق في علوٍ وهو داخل منه، فقالت له: دُبَيْر جئت؟ فقال لها: دُبَيْر من لم يَجئ!.
وقيل: إنَّما سُمِّي باب الأرْبَعِين لأنَّهُ كان بالمَسْجِد من داخلهِ أربعونَ من العُبَّادِ يَتَعَبَّدُون فيهِ، وكان الباب مَسْدُودًا.
وأخْبَرَني عَمِّي أبو غَانِم، ﵀، أنَّه بَلَغَهُ أنَّه كان به أرْبَعونَ مُحَدِّثًا، وقيل: كان به أرْبعون شَريفًا.
وإلى جانبه - أعْلى المَسْجِد - مَقْبَرَة للشِّرَاف العَلويِّين، قيل: إنَّهم من بني النَّاصِر.
والبابُ الصَّغير؛ وهو الباب الّذي يُخْرجُ منهُ من تحت القَلْعَة من جانب الخَنْدَق وخانكَاه القَصْر إلى دار العَدْلِ، ومن خارجه البابان الّلذان جَدَّهما المَلِك الظَّاهِر ﵀ في السُّور الّذي جَدَّدَهُ على دار العَدْل، أحدُهما يفْتَح على شَفِير الخَنْدَق ويُدْعى باب الصَّغير أيضًا، وهو مَسْلوكٌ فيه إلى نَاحِيَةِ المَيْدَان.
стр. 167
والآخر القِبْليّ الّذي يقابل باب العِرَاق، وهو مُغْلقٌ لا يَخْرج منه أحدٌ بعد مَوْت المَلِك الظَّاهِر إلَّا السُّلْطَان في بعض الأحْيان، وكذلك باب الجَبَل الّذي للقَلْعَة أُغلق بعده.
وجدَّد المَلِك الظَّاهِر ﵀ إلى جانب بُرْج الثَّعَابِين، فيما بين باب الجِنَان وباب النَّصْر، بابًا سَمَّاهُ باب الفَرَادِيْس، وبُني له جِسْرٌ على الخَنْدَق، ومات المَلِك الظَّاهِر ولم يَفْتحه، فسُدَّ، وتَطَيَّرُوا به، وفتَحَهُ المَلِك النَّاصِر بعد ذلك، ورتَّب فيه أجْنادًا.
وجَدَّد المَلِكُ النَّاصِر أيضًا بابًا إلى جانب بُرْج الغَنَم، وعُمِلَ عليه بُرْجان عَظْيمان، وفتَحه إلى جهة مَيْدان باب قِنَّسْرِيْن في سَنَة خَمس وأرْبَعين وستِّمائة، وسُمِّي [باب السَّعادة] (a).
وكان لحَلَب بابٌ يُقالُ لهُ باب الفَرج (b) إلى جانب حَمَّام القَصْر، كان إلى جانبه القَصْر المَشْهُور الّذي يلي قَلْعَةُ حَلَب، فحرَّبَهُ المَلِكُ الظَّاهِر ﵀.
وكان خارج باب أَنْطاكِيَة، على جِسْر باب أَنْطاكِيَة، على نَهْر قُوَيْق، بابٌ (c) يُقالُ لهُ: باب السَّلامَة، وهو الّذي ذَكَرَهُ الوَاسَانيِّ في قَصيدته التي يَهْجُو فيها ابن أبي أُسامَة، وأوَّلها: [من مجزوء الكامل]
стр. 168
يا ساكني حَلَب العَوا … صِم جادها صوب الغَمامَه
وسَيأتي ذكْرهُ بعد هذا (١).
وعلى خَنْدَق الرُّوم أبوابٌ مُجَدَّدة:
أوَّلها: باب الرَّابِيَةِ التي تُباع فيها الغَلَّة والتِّبْن، خارج باب قِنَّسْريْن،
والسُّور اللِّبِن المُجَدَّد على خَنْدَق الرُّوم من حَدِّه.
والثَّاني: البابُ (a) المَعْرُوف بباب المَقام خارج باب العِرَاق من القِبْلة، يُسْلكُ فيه إلى مَقام إبْرَاهِيْم ﵇ وغيره.
والثّالث: باب النَّيْرَب خارج باب العِرَاق، وقد ذكَرْنا أنَّه جُدِّدَ في أيَّام المَلِك العَزِيْز ﵀، ثُمَّ باب القناة، وقد ذكرناه أيضًا.
وأمَّا قناة حَلَب:
الّتي تَدْخل إلى المَدِينَة، فقيل: هي عَيْن إبْرَاهِيم ﵇، وهي تأتي من حَيْلان (٢)؛ قريةٌ شمالي حَلَب، وفيها أعْيُن، جُمِعَ ماؤها وسِيْق إلى المَدِينَة، وقيل: إنَّ المَلِك الّذي بني حَلَب، وزنَ ماءها إلى وَسط المَدِينَة، وبَني المَدِينَة عليها، وهي تأتي إلى مَشْهَد العافية تحت بَعَاذِين (b)، وتركب بعد ذلك على بناءٍ مُحْكَم
стр. 169
رُفِعَ لها لانْخفاض الأرْض في ذلك المَوْضِع، ثُمَّ تمرُّ إلى أنْ تصل إلى بَابِلَّى (١)، وهي ظاهرةٌ في مَواضع، ثُمَّ تَمُرُّ في جِبَابٍ قد حُفِرَت لها إلى أنْ تنتهي إلى باب القَناة، وتُظْهرُ في ذلك المكان، ثُمَّ تمرُّ تحت الأرْض إلى أنْ تَدْخل من (a) باب الأرْبَعِين، وتنْقَسم في طُرقٍ مُتَعدِّدة إلى البَلَد (b).
ولأهْل حَلَب صَهاريجٌ في دُوْرِهم يَخْزنون فيها الماء منها ويُبرِّدُونَه فيها، إلَّا ما كان من الأمْكنة المُرتَفعة كالعَقَبَة (٢)، وقَلْعَة الشَّريف؛ فإنَّ صَهاريجهُم من المَطَر، وقد كانت هذه القَنَاة فسد طريقُها لطُول المُدَّة ونقص مَنابيع (c) عُيُونها فكَراها السُّلْطَان المَلِك الظَّاهِر ﵀، وحرَّر طَريقها إلى البَلَد وكَلَّسَهُ وسدَّ مَخارج الماءِ فيه، فكَثُر ماؤها، وقَوِيَت عُيُونها، وجدَّد القَنوات في حَلَب والقَساطِل، وأجْرى الماءَ فيها حتَّى عَمَّت أكثر دُوْر البَلَد، واتُّخذت البِرَك في الدُّور، حتَّى قال أبو المُظَفَّر بن مُحمَّد بن مُحمَّد الوَاسِطِيّ المَعْرُوفُ بابن سُنَيْنير (d) يَمدحُهُ، وسَمِعْتُها من لفظه (٣): [من الكامل]
стр. 170
روَّى ثَرَي حَلَب فعَادَت (a) رَوْضَةً … أُنُفًا وكانَت قَبْلَهُ تَشْكُو الظَّمَا
أحْيَا رُفَاتَ مَوَاتها فكأنَّه … عِيسَى بإذن الله أَحْيا الأعْظُما
لا غَرْوَ إنْ أجْرَى القَنَاةَ جَداولًا … فلطَالمَا بقَناتِهِ أجْرَى الدَّمَا
ووصَلَ ماءُ القَنَاة في أيَّامه إلى مواضِعَ من البَلَد لم يُسْمع بوُصُوله إليها، حتَّى إنَّها سِيقَت إلى الحاضر السُّلَيْمَانيِّ (١)، ووقف عليها أوقافًا لعمارتها وإصلاحها.
قرأت في كتاب المَسَالِك والمَمَالِك الّذي وضَعَهُ الحَسَن بن أحْمَدُ المُهَلَّبيُّ العَزِيْز الفاطِميّ المُسْتَولِي على مِصْر، قال (٢): فأمَّا حَلَب؛ فهي مَدِينَةُ قِنَّسْرِيْن العَظِيمَة، وهي مُسْتقرُّ السُّلْطَان، وهي مَدِينَةٌ جَلِيلةٌ عامرةٌ آهلةٌ، حَسَنَةٌ المنازل، بسُور عليها من حَجَرٍ، وفي وسطها قَلْعَةُ على جَبَل وسط المَدِينَة لا تُرام، ليس لها
стр. 171
إلَّا طريق لا مُقابَلَة عليه، وعلى القَلْعَة أيضًا سُور حَصِيْن؛ وشِرْبُ (١) أهْل حَلَب من نَهْرٍ على باب المَدِينَة يُعْرفُ بقُوَيْق، ويَكْنِيه أهْلُ الخَلَاعة أبا الحَسَن. وأعمال قِنَّسْرِيْن كُلّها ومَدِينَة حَلَب فُتِحَت صُلْحًا.
وقال: فأمَّا الأقالِيْم الّتي هي منها، فإنَّ من الإقْليم الرَّابع حَلَب، وعَرْضُها أربعٌ وثلاثون دَرَجَة.
فأمَّا أهلُها؛ فهم أخْلاطٌ من النَّاس من العَرَب والمَوَالِي، وكانت بها خِطَطٌ لوَلَدِ صالِح بن عليّ بن عَبْد الله بن عَبَّاسٍ، وتَأَثَّلَتْ لهم بها نِعْمة ضَخْمة، ومَلكوا بها نفيس الأمْلاك، وكان منهم مَنْ لَحِقْتُ بقيَّتهم بنو القَلَنْدَر، فإنَّني شاهدتُ لهم نِعَمًا ضَخْمةً، ورَأيتُ لهم منازلَ في نهايةِ السَّرْو.
وكان بها أيضًا قومٌ من العَرَب يُعْرفونَ ببني سِنَان، كانت لهم نعمةٌ ضَخْمةٌ.
وسَكَنها أحْمَدُ بن كَيْغَلَغ، وبنَى بها دارًا مَعْرُوفة إلى الآن؛ ومَلَكَ بها بدرٌ غلامُهُ ضِيَاعًا نفيْسَةً، فأتَى على ذلك كُلِّه الزَّمانُ، وسُوءُ مُعاملَة مَنْ كان يلَي أُمُورَهم، لأنَّهُ لم يكُن بالشَّامِ مَدِينَة أهلها أحْسَن نِعَمًا من أهْل حَلَب، فأتَى على ذلك كُلِّه، وعلى البَلَد (a) نَفْسه، سُوءُ مُعاملَة عليّ بن حَمْدَان لهم، وما كان يراهُ من التَّأَوُّلِ في المُطالبةِ.
قلتُ: إلى ذلك أشار أبو مُحمَّد عَبْد الله بن مُحمَّد بن سعيد بن سِنَان في قَصِيْدته الَّتي يقُول فيها (٢): [من البسيط]
أَوْدَي عليُّ بْنُ حَمْدَانٍ بوَفْرِهمُ … وقُدِّرت لهُم في مُلْكِهِ المِحَنُ
стр. 172
وكان سَيْف الدَّوْلَة عليّ بن حَمْدَان قَبض أملاك جِدِّه سَعيد، وهي مَزْرعةٌ تُعْرفُ بكَفر صفْرا (١) من كُورَةِ قُوْرُس، ورَحى الدِّيْناريّ (٢) وأرْضها السَّقي والعِذْي، وبُسْتان البُقْعَة (a) بحَلَب.
عُدْنا إلى كَلام العَزِيزِيّ، قال: وحَلَب من أجَلِّ المُدُنِ وأنْفَسِها، ولها من الكُوَرِ والضِّيَاع ما يَجْمَعُ سائرَ الغَلَّات النَّفِيسَة، وكان بَلد مَعَرَّة مَصْرِيْن إلى جَبَل السُّمَّاق بلَد التِّيْن والزَّبِيْب والفَسْتُق والسُّمَّاق وحَبَّة الخَضْراء، يَخْرج عن الحَدِّ في الرُّخْص، ويُحْمل إلى مِصْر والعِرَاق، ويُجَهَّز إلى كُلِّ بَلَدٍ.
وبلَد الأثارِب (٣) والأَرْتاح (٤) إلى نحو جَبَل السُّمَّاق أيضًا، مثل بَلَد فِلَسْطين في كَثْرة الزَّيْتُون. ولها ارتفاعٌ جليل من الزَّيْت، وهو زَيتُ العِرَاق؛ يُحْمل إلى الرَّقَّة إلى الماءِ - ماءِ الفُرَات - إلى كُلِّ بَلَد، وقد اخْتَلَّ ذلك ونَهَكَهُ الرُّوم.
فأمَّا خِلَقُ أهْلها، فهُم أحسَنُ النَّاس وجُوهًا وأجْسامًا، والأغلَبُ على ألْوانِهِم الدُّرِيَةُ والحُمْرة والسُّمرة، وعيُونُهم سُودٌ وشُهْل، وهُم من أحْسَنِ النَّاسِ أخْلاقًا
стр. 173
وأتَمَّهم قامةً. وكانت اعْتقاداتُهم مثل ما كان عليهِ أهْلُ الشَّام قديمًا، إلَّا من تَخَصَّص منهم، وقِبْلَتُهم مُوافقَةٌ لقِبْلة أهلِ الشَّام.
يُشيرُ بقوله: وكانت اعتِقاداتُهم مثل ما كان عليه أهلُ الشَّام قديمًا؛ إلى مَذْهب أهلِ السُّنَّة، وكذلك كان مَذاهبُ أهْل حَلَب، حتَّى هَجَمَها (a) الرُّومُ في سَنَة إحْدَى وخَمْسين وثَلاثِمائة، وقَتَلُوا مُعظم أهلها، فنَقَلَ إليها سَيْف الدَّوْلَة من حَرَّان جماعةً من الشِّيْعَة مثل الشَّريف أبي إبْرَاهِيم العَلَويّ وغيره، وكان سَيْف الدَّوْلَة يَتَشَيَّع، فغَلَب على أهْل حَلَب التَّشَيُّع لذلك.
وقَوْله: وفي وسطها قَلْعَةٌ على جَبَل وسط المَدِينَة، ليس كذلك، بل القَلْعَة في طَرف المَدِينَة، وسُور المَدِينَة يَخْتلط بسُورها، والظَّاهرُ أنَّه شاهَدَ القَلْعَة من داخل المَدِينَة فظنَّها في وسطها، ولم يُشاهدها من خارج.
وقَوْله: وشِرْب أهْل حَلَب من نَهْر قُوَيْق، ليسَ كذلك، إلَّا لَمْن كان بالقُرْبِ منه، أو أنَّه أراد ما يَحْمله السَّقَّاؤون في الرَّوَايا، بل الغَالِب في شرْب أهْلها من قَنَاةِ حَيْلان.
وقد أنْبَأنَا أبو مُحمَّد عَبْد اللَّطِيْف بن يُوسُف، عن أبي الفَتْح بن البَطِّيّ، قال: أخْبَرَنا الحُمَيْديّ، قال: أخْبَرَنا مُحمَّد بن هِلِّل (b) بن المُحَسِّن الصَّابِئ، قال:
стр. 174
كَتَبَ المُخْتَار بن الحَسَن بن بُطْلان المُتَطَبِّب كتابًا إلى والدي هِلِّل بن المُحَسِّن في سَنَة أرْبعين وأرْبَعِمائة، يذْكُرُ له فيها خُرُوجه من بَغْدَاد، وما دَخَل من البلاد، قال فيها (١): رَحَلنا من الرُّصَافَة إلى حَلَب في أربَع مَراحل، وحَلَب بلدٌ مُسَوَّر بحَجَرٍ أبيض، فيه ستَّة أبواب، وفي جانب السُّور قَلْعَةُ في أعْلَاها مَسْجِد وكَنِيْسَتان، وفي أحديهما كان المذبَحُ الّذي قرّب عليه إبْرَاهِيمُ ﵇. وفي البَلَد جامعٌ، وستّ بيَعٍ، وبِيْمَارِسْتان صَغير. والفُقَهاءُ يفْتُون على مَذْهبِ الإمامِيَّةِ. ويَشْربُ أهْل البَلَد من صَهاريج فيه مَمْلوءَة بماء المَطَر، وعلى بابه نَهْرٌ يُعْرفُ بالقُوَيْق، يَمُدُّ في الشِّتَاء ويَنْضَبُ في الصَّيْف. وفي وسط البَلَد دَارُ عَلْوَة صاحبَة البُحْتُرِيّ. وهو بلدٌ قليل الفاكهة والبُقُول والنَّبيذ إلَّا ما يأتيهِ من بلادِ الرُّوم، وفيها من الشُّعَرَاءِ جَمَاعَة، وذكَر أبا الفَتْح بن أبي حَصِينَة (٢)، وذكَرَ کاتبًا نصرانيًّا هو صَاعِد بن عِيسَى بن سُمَّان (a)، وذكَر أبا مُحمَّد بن سِنَان، وأبا المَشْكُور.
ثُمَّ قال (٣): ومن عَجائب حَلَب أنَّ في قَيْسارِيَّة البَزِّ عشرين دُكَّانًا للوكَلاءِ، يَبِيعُونَ فيها كُلّ يوم مَتاعًا قَدْرُه عشرونَ ألف دِيْنار؛ مُسْتمرٌّ ذلك منذ عشرين سَنةً وإلى الآن. وما بحَلَب مَوضعٌ خَرَابٌ أصْلًا.
стр. 175
قُلتُ: الكَنِيْسَة الّتي أشارَ إليها في القَلْعَة أنَّ فيها مَذْبَح إبرَاهِيْم ﵇، هي الآن مَقام إبْرَاهِيمَ ﵇ الأسْفَل، والكَنِيْسَة الأخْرى دَثَرَتْ، والمَسْجِد الّذي في أعْلى القَلْعَة هو مَقَامُ إبَراهِيم ﵇ الأعْلَى، وأمَّا البِيَعُ السِّتّ، فاثْنتان باقنتان؛ إحداهُما بالقُرْبِ من الزَّجَّاجين إلى جانب مَسْجِد ابن زُرَيْق، والأُخرى بالقُرْبِ من الرَّحْبَة، والبَواقي جُعِلَت مَسَاجد في سَنَة ثَمان عَشرة وخَمْسِمائَة حين حَصَر الفِرِنْجُ حَلَب وبَعْثَرُوا الضَّريح الّذي بمَشْهَدِ الدَّكَّة، ويقال إنَّ به سِقْطًا للحُسَين بن عليّ ﵁، وكان يُدبِّر أمْر البَلْدةِ أبو الفَضْل بن الخَشَّاب، لأنَّ صاحبَها تَمُرْتاش بن إيلْغَازِي بن أُرْتُق كان بِمَارِدِينَ، فجعَل ابنُ الخَشَّابِ كَنَائِس حَلَب هذه مَسَاجِد، إحداهما (a) الكَنِيْسَة العُظْمَى الّتي يُقالُ إنَّ هِيْلانَة ملكة القُسْطَنْطِينيَّة بنَتْها، فجُعِلَ فيها مِحْرَابٌ، وعُرِفَت بمَسْجِد السَّرَّاجين، وهي غَرْبي المَسْجِد الجامع وجعلَها نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي مَدْرَسَةً لأصْحَاب أبي حَنِيفَة ﵁، والأُخرى جُعِلَت مَسْجِدًا بالحَدَّادِين، فَوُقِفَت مَدْرَسَةً للحَنَفِيَّة أيضًا؛ وَقَفَها حُسام الدِّين لاجِيْن وهي مَدْرَسَة الحَدَّادِين، والأُخرى كانت بدَرْبِ الخَرَّاف (b) فهدَمَها عَبْد المَلِك بن المُقَدَّم، وبناها مَدْرَسَة للحَنَفِيَّة أيضًا، وأمَّا الرَّابعة فلا أعْلَم بها.
قَرَأتُ بِخَطِّ الحُسَيْن بن كَوْجَك العَبْسيِّ الحَلَبيِّ، في كتاب سِيرَة المُعْتَضِد بالله، تأليف سِنَان بن ثَابِت بن قُرَّة، كتَبَ بها إلى أبي الحُسَيْن مُحمَّد بن عَبْد الرَّحْمن الرَّوذْبَاريِّ الكَاتِب، قال ثَابِت بن سِنَان في أوَّل الجزءِ السَّادِس منها: لمَّا انتهَيتُ إلى هذا المَوْضِع، أمَرَني أَمِير المُؤمِنِين أنْ أُمَيِّزَ معهُ، وبحَضْرَته،
стр. 176
ما في الخزائن القَديمةِ للسُّلْطان من الدَّفاتِر والآلاتِ النُّجُومِيَّةِ وغيرها ممَّا يَجْري مَجْراها، فما كان يَصْلح للأميرَيْن أبي جَعْفَر وأبي الفَضْل، أيَّدَهُما اللهُ، عَزَلتهُ لهما على ما رَسَمَهُ لي فيما رَغب في اخْتيارِي إيَّاهُ لهما، ممَّا يُشاكِل سنَّهُمَا من كُتُب الفِقْه، وكُتُب اللُّغة، وكُتُبِ السِّير القَديمةِ والقَرْيبَة العَهْد، وأخْبار المُلُوك وأيَّامِ النَّاسِ، وأخْبار الدَّوْلَة العبَّاسيّة، وأشْباه ذلك.
قال: فكان فيما أخْرَج إلينا صَناديق كَثِيْرة، فيها كُتُب أحمَد بن الطَّيِّب الّتي كان المُعْتَضِدُ قَبَضَها لمَّا نَكَبَه، وكُنْتُ بها عارفًا، وقد كُنتُ مَيَّزتُها للمُعْتضِدِ فِي ذلك العَصْر وعملتُ لها فِهْرسْتًا، فمرَّ (a) فيها كتابٌ بخَطِّ أحمد بن الطَّيِّب بأخْبار مَسير المُعْتَضِد بالله من مَدِينَة السَّلام إلى وَقْعة الطَّوَاحِين، وأخْبار انْصرافه عنها، فتَتَبَّعَتْهُ نَفْسي تَتَبُّعًا شديدًا لصحَّته، وأنَّه أضْلٌ لرَجُل مُحصِّل وبخَطِّه، وكان وقوعُ هذا الكتاب في يده قبل وقوعه في يَدِي، فبدَأني بما كان في نَفْسي، فرَمَى بهِ إليَّ لأتأَمَّلَهُ، ثمّ قال لي: أحْسبُ هذا ممَّا سبيْلُه أنْ تقتَصّه في الكتاب الّذي عملتَهُ لمُحمَّد بن عَبْد الرَّحْمن الرُّوذْبَارِيّ، فقُلتُ: بل أنْسَخهُ فيه حَرْفًا حَرفًا، فقال: افْعل، ثمّ ارْدُدْهُ. فنَسَخهُ ثَابِت من خطِّ أحمد بن الطَّيِّب كما قال، وذَكَرَ فيه المنازل إلى أنْ ذكَر وقال: ورَحَلْنا عن بَالِس ليلة السَّبْت لأرْبَع عَشرة ليلة بقيَت منه، فنَزلنا على مِيْلَين من بَالِس، على صِهْرِيج في أوَّل بَرِّيَّة خُسَاف (١)، ثمّ رَحلنا عن المَوْضِع سَحَرًا، فقطَعنا بَرِّيَّة خُسَاف إلى انْقضائها، وبين بَالِس وبين انْقضاء
стр. 177
بَرِّيَّة خُسَاف خمسة عَشر مِيْلًا بأمْيَال العِرَاق، وفيها قُرَىً خراب، ثمّ يوجد بعد هذه الخَمْسة عَشر مِيْلًا ماء نَزْرٌ قليل يَنْصَبُّ من قَنيِّ من حَدِّ حَلَب في قُنيِّ (a) حتَّى يَنْتهي إلى هذا المَوْضِع قليلًا يسيرًا، وفي هذا المَوْضِع يَجْري إليه الماءُ من قَرْيَة لمُحمَّد بن العبَّاس الكِلابيِّ، تُعْرَفُ بقَرْيَة الثَّلج (١)، كانت المَنْزل ذلك اليوم، والقُنِيُّ في هذه القَرْيَة غَزيرة كَثِيْرة الماء، قد سِيْقَت من نَهْر حَلَب من نَهْر قُوَيْق، من مَوْضِعٍ إلى مَوضِعِ، حتَّى انْتهى إليها، ثمّ إلى المَوْضِع الّذي ذَكَرناهُ على رأس بَرِّيَّة خُسَاف، وبين بَالِس وبين قَرْيَة مُحمَّد بن العبَّاس الكِلابيِّ ثلاثة وعشرون مِيْلًا، تكُون سَبْعة فَرَاسِخ ومِيْلَين.
قلتُ: هكذا ذَكَرَ أحَمد بن الطَّيِّب، وقد أخْطأ في مَوْضعين أحدهما قوله: يَنصَّبُ من قُنِيّ من حَدِّ حَلَب، والآخر في قوله: والقُنيِّ في هذه القَرْيَة غزيرة كَثْيِرة الماء، قد سِيقَتْ من نَهْر حَلَب، من نَهْر قُوَيْق، فإنَّ حَدَّ حَلَب ونَهْر قُوَيْق بعيدٌ من هذا المكان، يكون مِقْدَار ستَّة فَرَاسِخ من جِهَة الغَرْب، وهذه القُنيِّ تأتي من جهة الشَّمَال، لكنَّ الماء في هذه المواضِع الّتي ذَكَرها وفي قُرَى تأتي بعد ذلك فيما بين هذه المواضِع وبين النَّاعُورَة (٢)، قد حُفِرَ له جِباب إلى مَنْبع الماء، ومَنْبَع الماء قَرِيْبٌ في تلك الأرْض كُلّها، ثمّ خُرِق بعض الجِباب إلى بعض إلى أنْ ينتهي الماء إلى أرض يتسلَّط عليها، فيَسْقي أرْض تلك القَرْيَة، وهذه القَرْيَة الّتي أشار إليها أظنُّها تُعْرف الآن بالكِلابِيَّةِ.
стр. 178
قال ابنُ الطَّيِّب: ورَحَلنا عن هذا المَوْضِع يوم الأَحَد لثلاث عشرة ليلة بَقِيَتْ منه، فنَزلنا مَنْزِلًا يُعْرفُ بالنَّاعُوْرَة، بينَهُ وبين المَنْزل الّذي كُنَّا نزلناهُ ثمانية أمْيَال، تكون فَرْسَخين ومِيْلَين، وفيه قَصْرٌ لمَسْلَمَة بن عَبْد المَلِك من حِجَارَةٍ صَلْدَة ليسَ بالكَبير، وماؤُه من العُيُون الّتي ذَكَرْناها.
قُلتُ: هذا القَصْر كان مَبْنِيًّا من الحِجَارَة السُّود الكِبار المَنْحُوتة، وأدْرَكْتُ أنا قطعةً منه، وهو بُرْج من أبْرِجَةِ القَصْر، وقد انْهدمَ الآن، وتقسَّمت حجارته إلَّا القليل منه.
قال ابنُ الطَّيِّب: ورَحَلنا غَدَاة يَوْم الاثْنَين لاثْنتي عَشرة لَيْلةٍ بقيَتْ من شَهْر ربيع الآخر، فنَزلنا مَدِينَة حَلَب في وَقْتِ ارْتفاع النَّهَار من هذا اليَوم، وبين المَنْزلَيْن ثَمانية أمْيَال تكون فَرْسَخين ومِيْلَين، وأقَمنا بحَلَب إلى انْقِضاء يوم الأرْبَعاء لليلةٍ خَلَتْ من رَجَب.
قال: وعلى حَلَب سُورٌ مُحيطٌ بها وبقلْعتها، كانت الرُّومُ بَنَتْهُ، وبَنَتْ الفُرْس بعْضَهُ أيَّام أَنَوشَرْوان، والقَلْعَة على جبلٍ مُشْرفٍ على المَدِينَةِ، وعليها سُورٌ، وعليها بابا حَديد؛ واحدٌ دونَ الآخر، وفي وسطها قد حُفِرَ إلى الماءِ يُنْزل إليه على مائةٍ وعشرين مِرْقَاة، قد خُرِقتْ تحت الأرْض خُرُوقًا، وصُيِّرت آزاجًا، يَنْفذُ بعضُها إلى بعضٍ إلى ذلك الماءِ، وفيها ديرٌ للنَّصارَي، وفيه امرأةٌ قد سدَّتِ البابَ عليها في وَجْهها منذ سَبْع عَشرة سَنَة. ثمّ يَنْحدرُ السُّور إلى المَدِينَةِ من جانبي القَلْعَة. ولها ستَّة أبواب، تُعْرفُ: باب العِرَاق، وباب قِنَّسْرِيْن، وباب أَنْطاكِيَّة (a)، وباب الجِنَان، وباب اليَهُود، وباب أربعين؛ وهو ممَّا يلي القَلْعَة، ومن جانبها الآخر باب العِرَاق.
стр. 179
وشِرْبُ أكْثَر أهْل حَلَبَ من ماءِ قُوَيْق، لأنَّهُ يَجْري إلى أبواب الجِنَان وأَنْطاكِيَة وقِنَّسْرِيْن.
وقُدَّام باب أَنْطاكِيَة رَبضٌ يُعْرفُ بَربَضِ الدَّارَيْن، في وَسَطه قَنْطَرَةٌ على قُوَيْق، كان مُحمَّدُ بن عَبْد المَلِك بن صالح بناهُ، أعْني الرَّبَض، ولم يَسْتَتِّمه، واسْتَتَمَّهُ سِيْما الطَّويل، ورَمَّ ما كان اسْتَهدَم منه وصَيَّرَ عليه بابَ حديد حِذَاء باب أَنْطاكِيَة، أخذَهُ من قَصْرٍ لبَعْضِ الهاشِميِّين بحَلَب، يُسَمَّى قَصْر البَنات، ويُسَمَّى الباب باب السَّلامَة.
قُلتُ: والقَصْر قد كان في الدَّرْب المَعْرُوف بدَرْبِ البنَاتِ بحَلَب، بالقُرْبِ من الصَّنادِيقيّين، وشَرْقي الدَّارَيْن بُسْتان، يُعْرفُ ببُسْتان الدَّار من شمالي مَيْدان باب قِنَّسْرِيْن، وهو الآن وَقْفٌ على المَدْرَسَة النُّورِيَّة الشَّافِعِيّة المَعْرُوفة ببني أبي عصْرُون، وهو مَنْسوبٌ إلى إحدَى الدَّارَيْن اللَّتَيْن ذَكَرهُما أحمدُ بن الطَّيِّب.
قال ابن الطَّيِّب: وشِرْبُ أهْلِ باب أرْبَعين، وأهْل بابِ اليَهُود، وأهلِ الأسْوَاقِ من عُيُون تَجْري على وَجْهِ الأرْض مِقْدَار أرْبعة فَرَاسِخ في موضِع هو أعْلَى من حَلَب، ثمّ تجري على باب اليَهُود على وجهِ الأرْض، وتَسْقِي بَساتيْن الدُّوْر هناك سَيْحًا، ثمّ يكون ما وراء هذا المَوْضِع من حَلَب أسْفل منه فقد عُدِل بعبَّارَة بَنَتْها الرُّوم في الطَّريق، يَجْري الماءُ عليها، فهو في السُّوق، وإنَّما بينهُ وبين باب أربعين (a) رُبْع ميل على عشرة أذْرع من الأرْض.
قُلتُ: يُريدُ بالعُيُون المَذْكُورَة قناة حَلَب الآتية من حَيْلان، وهي تَسْقي داخل باب الأرْبَعِين بُسْتانًا بَطَل وبُني دُوْرًا، وتَسقي بُسْتان اليَهُود باب اليَهُود الّذي هو وَقْفٌ على الكَنِيْسَة.
стр. 180
قال: وقُوَيْق نَهْر يأُخُذُ من وادٍ على أربعة فَرَاسِخ من حَلَب ممَّا يلي حَيْلان (a) يتَّصل بوَادِي العَسَل.
قُلتُ: وادي العَسَل غَرْبي مَدِينَة حَلَب، ونَهْر قُوَيْق يأتي إلى حَيْلان، ثمّ يجري في الوَادِي بين جَبَلين، لا يتَّصل بوَادِي العَسَل.
وقال أبو إسْحَاق إبْرَاهِيْم بن الحَسَن بن أبي الحَسَن الزَّيَّات الفَيْلَسُوف في كتاب نُزْهَة النُّفُوس وأُنْس الجِلَيْس (١): ذِكْرُ مَدِينَة حَلَب، وهي في الإقْليمِ الرَّابِع قَريبًا من أَنْطاكِيَة، وبها يَنْزل الوُلاةُ العُزَّامُ، وهي عامرةٌ، أهلُها كَثِيْر، وبُعْدُها عن خَطِّ المَغْرب ثلاثةٌ وسَبْعُون دَرجَةً، وعن خطِّ الاستواء خمسةٌ وثلاثون دَرَجَة.
وقَرَأتُ في كتاب جَغْرافيَا، تأليفُ ابن حَوْقَل النَّصِيْبيِّ، وهو كتابٌ حَسَنٌ في بابه، قال (٢): حَلَبُ وهي مَدِينَة جُنْد قِنَّسْرِيْن، وكانت عامرةً جدًّا، غاصَّةً بأهلها، كَثِيْرة الخَيْرات، على مَدْرِج طَريق العِرَاق إلى الثُّغُور وسائر الشَّامات، افْتتَحها الرُّومُ، وكان لها سُورٌ من حِجَارَة لم يُغْنِ عنهم من العَدُوِّ شيئًا، بسُوءِ تَدْبير سَيْفِ الدَّوْلَة وما كان به من العِلَّةِ، فأخْربَ جامعَها، وسَبَي ذرارِيَّ أهْلها، وأحرقُوها، وكان لها قَلْعَةٌ غير طائلة ولا حَسَنَة العِمَارَة، لجأ إليها قومٌ من أهلها فنَجَوْا، ونقِل ما بها من المتاع والجهاز (b) السُّلطان وأهلِ البَلَد وسبي بها، وقُتل من أهل سَوادها ما في إعادته إرْماضٌ لمَن سَمِعَهُ، وَوَهْنٌ على الإسْلام وأهْلهِ.