← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ما في الخزائن القَديمةِ للسُّلْطان من الدَّفاتِر والآلاتِ النُّجُومِيَّةِ وغيرها ممَّا يَجْري مَجْراها، فما كان يَصْلح للأميرَيْن أبي جَعْفَر وأبي الفَضْل، أيَّدَهُما اللهُ، عَزَلتهُ لهما على ما رَسَمَهُ لي فيما رَغب في اخْتيارِي إيَّاهُ لهما، ممَّا يُشاكِل سنَّهُمَا من كُتُب الفِقْه، وكُتُب اللُّغة، وكُتُبِ السِّير القَديمةِ والقَرْيبَة العَهْد، وأخْبار المُلُوك وأيَّامِ النَّاسِ، وأخْبار الدَّوْلَة العبَّاسيّة، وأشْباه ذلك. قال: فكان فيما أخْرَج إلينا صَناديق كَثِيْرة، فيها كُتُب أحمَد بن الطَّيِّب الّتي كان المُعْتَضِدُ قَبَضَها لمَّا نَكَبَه، وكُنْتُ بها عارفًا، وقد كُنتُ مَيَّزتُها للمُعْتضِدِ فِي ذلك العَصْر وعملتُ لها فِهْرسْتًا، فمرَّ (a) فيها كتابٌ بخَطِّ أحمد بن الطَّيِّب بأخْبار مَسير المُعْتَضِد بالله من مَدِينَة السَّلام إلى وَقْعة الطَّوَاحِين، وأخْبار انْصرافه عنها، فتَتَبَّعَتْهُ نَفْسي تَتَبُّعًا شديدًا لصحَّته، وأنَّه أضْلٌ لرَجُل مُحصِّل وبخَطِّه، وكان وقوعُ هذا الكتاب في يده قبل وقوعه في يَدِي، فبدَأني بما كان في نَفْسي، فرَمَى بهِ إليَّ لأتأَمَّلَهُ، ثمّ قال لي: أحْسبُ هذا ممَّا سبيْلُه أنْ تقتَصّه في الكتاب الّذي عملتَهُ لمُحمَّد بن عَبْد الرَّحْمن الرُّوذْبَارِيّ، فقُلتُ: بل أنْسَخهُ فيه حَرْفًا حَرفًا، فقال: افْعل، ثمّ ارْدُدْهُ. فنَسَخهُ ثَابِت من خطِّ أحمد بن الطَّيِّب كما قال، وذَكَرَ فيه المنازل إلى أنْ ذكَر وقال: ورَحَلْنا عن بَالِس ليلة السَّبْت لأرْبَع عَشرة ليلة بقيَت منه، فنَزلنا على مِيْلَين من بَالِس، على صِهْرِيج في أوَّل بَرِّيَّة خُسَاف (١)، ثمّ رَحلنا عن المَوْضِع سَحَرًا، فقطَعنا بَرِّيَّة خُسَاف إلى انْقضائها، وبين بَالِس وبين انْقضاء

стр. 177

بَرِّيَّة خُسَاف خمسة عَشر مِيْلًا بأمْيَال العِرَاق، وفيها قُرَىً خراب، ثمّ يوجد بعد هذه الخَمْسة عَشر مِيْلًا ماء نَزْرٌ قليل يَنْصَبُّ من قَنيِّ من حَدِّ حَلَب في قُنيِّ (a) حتَّى يَنْتهي إلى هذا المَوْضِع قليلًا يسيرًا، وفي هذا المَوْضِع يَجْري إليه الماءُ من قَرْيَة لمُحمَّد بن العبَّاس الكِلابيِّ، تُعْرَفُ بقَرْيَة الثَّلج (١)، كانت المَنْزل ذلك اليوم، والقُنِيُّ في هذه القَرْيَة غَزيرة كَثِيْرة الماء، قد سِيْقَت من نَهْر حَلَب من نَهْر قُوَيْق، من مَوْضِعٍ إلى مَوضِعِ، حتَّى انْتهى إليها، ثمّ إلى المَوْضِع الّذي ذَكَرناهُ على رأس بَرِّيَّة خُسَاف، وبين بَالِس وبين قَرْيَة مُحمَّد بن العبَّاس الكِلابيِّ ثلاثة وعشرون مِيْلًا، تكُون سَبْعة فَرَاسِخ ومِيْلَين. قلتُ: هكذا ذَكَرَ أحَمد بن الطَّيِّب، وقد أخْطأ في مَوْضعين أحدهما قوله: يَنصَّبُ من قُنِيّ من حَدِّ حَلَب، والآخر في قوله: والقُنيِّ في هذه القَرْيَة غزيرة كَثْيِرة الماء، قد سِيقَتْ من نَهْر حَلَب، من نَهْر قُوَيْق، فإنَّ حَدَّ حَلَب ونَهْر قُوَيْق بعيدٌ من هذا المكان، يكون مِقْدَار ستَّة فَرَاسِخ من جِهَة الغَرْب، وهذه القُنيِّ تأتي من جهة الشَّمَال، لكنَّ الماء في هذه المواضِع الّتي ذَكَرها وفي قُرَى تأتي بعد ذلك فيما بين هذه المواضِع وبين النَّاعُورَة (٢)، قد حُفِرَ له جِباب إلى مَنْبع الماء، ومَنْبَع الماء قَرِيْبٌ في تلك الأرْض كُلّها، ثمّ خُرِق بعض الجِباب إلى بعض إلى أنْ ينتهي الماء إلى أرض يتسلَّط عليها، فيَسْقي أرْض تلك القَرْيَة، وهذه القَرْيَة الّتي أشار إليها أظنُّها تُعْرف الآن بالكِلابِيَّةِ.

стр. 178

قال ابنُ الطَّيِّب: ورَحَلنا عن هذا المَوْضِع يوم الأَحَد لثلاث عشرة ليلة بَقِيَتْ منه، فنَزلنا مَنْزِلًا يُعْرفُ بالنَّاعُوْرَة، بينَهُ وبين المَنْزل الّذي كُنَّا نزلناهُ ثمانية أمْيَال، تكون فَرْسَخين ومِيْلَين، وفيه قَصْرٌ لمَسْلَمَة بن عَبْد المَلِك من حِجَارَةٍ صَلْدَة ليسَ بالكَبير، وماؤُه من العُيُون الّتي ذَكَرْناها. قُلتُ: هذا القَصْر كان مَبْنِيًّا من الحِجَارَة السُّود الكِبار المَنْحُوتة، وأدْرَكْتُ أنا قطعةً منه، وهو بُرْج من أبْرِجَةِ القَصْر، وقد انْهدمَ الآن، وتقسَّمت حجارته إلَّا القليل منه. قال ابنُ الطَّيِّب: ورَحَلنا غَدَاة يَوْم الاثْنَين لاثْنتي عَشرة لَيْلةٍ بقيَتْ من شَهْر ربيع الآخر، فنَزلنا مَدِينَة حَلَب في وَقْتِ ارْتفاع النَّهَار من هذا اليَوم، وبين المَنْزلَيْن ثَمانية أمْيَال تكون فَرْسَخين ومِيْلَين، وأقَمنا بحَلَب إلى انْقِضاء يوم الأرْبَعاء لليلةٍ خَلَتْ من رَجَب. قال: وعلى حَلَب سُورٌ مُحيطٌ بها وبقلْعتها، كانت الرُّومُ بَنَتْهُ، وبَنَتْ الفُرْس بعْضَهُ أيَّام أَنَوشَرْوان، والقَلْعَة على جبلٍ مُشْرفٍ على المَدِينَةِ، وعليها سُورٌ، وعليها بابا حَديد؛ واحدٌ دونَ الآخر، وفي وسطها قد حُفِرَ إلى الماءِ يُنْزل إليه على مائةٍ وعشرين مِرْقَاة، قد خُرِقتْ تحت الأرْض خُرُوقًا، وصُيِّرت آزاجًا، يَنْفذُ بعضُها إلى بعضٍ إلى ذلك الماءِ، وفيها ديرٌ للنَّصارَي، وفيه امرأةٌ قد سدَّتِ البابَ عليها في وَجْهها منذ سَبْع عَشرة سَنَة. ثمّ يَنْحدرُ السُّور إلى المَدِينَةِ من جانبي القَلْعَة. ولها ستَّة أبواب، تُعْرفُ: باب العِرَاق، وباب قِنَّسْرِيْن، وباب أَنْطاكِيَّة (a)، وباب الجِنَان، وباب اليَهُود، وباب أربعين؛ وهو ممَّا يلي القَلْعَة، ومن جانبها الآخر باب العِرَاق.

стр. 179

وشِرْبُ أكْثَر أهْل حَلَبَ من ماءِ قُوَيْق، لأنَّهُ يَجْري إلى أبواب الجِنَان وأَنْطاكِيَة وقِنَّسْرِيْن. وقُدَّام باب أَنْطاكِيَة رَبضٌ يُعْرفُ بَربَضِ الدَّارَيْن، في وَسَطه قَنْطَرَةٌ على قُوَيْق، كان مُحمَّدُ بن عَبْد المَلِك بن صالح بناهُ، أعْني الرَّبَض، ولم يَسْتَتِّمه، واسْتَتَمَّهُ سِيْما الطَّويل، ورَمَّ ما كان اسْتَهدَم منه وصَيَّرَ عليه بابَ حديد حِذَاء باب أَنْطاكِيَة، أخذَهُ من قَصْرٍ لبَعْضِ الهاشِميِّين بحَلَب، يُسَمَّى قَصْر البَنات، ويُسَمَّى الباب باب السَّلامَة. قُلتُ: والقَصْر قد كان في الدَّرْب المَعْرُوف بدَرْبِ البنَاتِ بحَلَب، بالقُرْبِ من الصَّنادِيقيّين، وشَرْقي الدَّارَيْن بُسْتان، يُعْرفُ ببُسْتان الدَّار من شمالي مَيْدان باب قِنَّسْرِيْن، وهو الآن وَقْفٌ على المَدْرَسَة النُّورِيَّة الشَّافِعِيّة المَعْرُوفة ببني أبي عصْرُون، وهو مَنْسوبٌ إلى إحدَى الدَّارَيْن اللَّتَيْن ذَكَرهُما أحمدُ بن الطَّيِّب. قال ابن الطَّيِّب: وشِرْبُ أهْلِ باب أرْبَعين، وأهْل بابِ اليَهُود، وأهلِ الأسْوَاقِ من عُيُون تَجْري على وَجْهِ الأرْض مِقْدَار أرْبعة فَرَاسِخ في موضِع هو أعْلَى من حَلَب، ثمّ تجري على باب اليَهُود على وجهِ الأرْض، وتَسْقِي بَساتيْن الدُّوْر هناك سَيْحًا، ثمّ يكون ما وراء هذا المَوْضِع من حَلَب أسْفل منه فقد عُدِل بعبَّارَة بَنَتْها الرُّوم في الطَّريق، يَجْري الماءُ عليها، فهو في السُّوق، وإنَّما بينهُ وبين باب أربعين (a) رُبْع ميل على عشرة أذْرع من الأرْض. قُلتُ: يُريدُ بالعُيُون المَذْكُورَة قناة حَلَب الآتية من حَيْلان، وهي تَسْقي داخل باب الأرْبَعِين بُسْتانًا بَطَل وبُني دُوْرًا، وتَسقي بُسْتان اليَهُود باب اليَهُود الّذي هو وَقْفٌ على الكَنِيْسَة.

стр. 180

قال: وقُوَيْق نَهْر يأُخُذُ من وادٍ على أربعة فَرَاسِخ من حَلَب ممَّا يلي حَيْلان (a) يتَّصل بوَادِي العَسَل. قُلتُ: وادي العَسَل غَرْبي مَدِينَة حَلَب، ونَهْر قُوَيْق يأتي إلى حَيْلان، ثمّ يجري في الوَادِي بين جَبَلين، لا يتَّصل بوَادِي العَسَل. وقال أبو إسْحَاق إبْرَاهِيْم بن الحَسَن بن أبي الحَسَن الزَّيَّات الفَيْلَسُوف في كتاب نُزْهَة النُّفُوس وأُنْس الجِلَيْس (١): ذِكْرُ مَدِينَة حَلَب، وهي في الإقْليمِ الرَّابِع قَريبًا من أَنْطاكِيَة، وبها يَنْزل الوُلاةُ العُزَّامُ، وهي عامرةٌ، أهلُها كَثِيْر، وبُعْدُها عن خَطِّ المَغْرب ثلاثةٌ وسَبْعُون دَرجَةً، وعن خطِّ الاستواء خمسةٌ وثلاثون دَرَجَة. وقَرَأتُ في كتاب جَغْرافيَا، تأليفُ ابن حَوْقَل النَّصِيْبيِّ، وهو كتابٌ حَسَنٌ في بابه، قال (٢): حَلَبُ وهي مَدِينَة جُنْد قِنَّسْرِيْن، وكانت عامرةً جدًّا، غاصَّةً بأهلها، كَثِيْرة الخَيْرات، على مَدْرِج طَريق العِرَاق إلى الثُّغُور وسائر الشَّامات، افْتتَحها الرُّومُ، وكان لها سُورٌ من حِجَارَة لم يُغْنِ عنهم من العَدُوِّ شيئًا، بسُوءِ تَدْبير سَيْفِ الدَّوْلَة وما كان به من العِلَّةِ، فأخْربَ جامعَها، وسَبَي ذرارِيَّ أهْلها، وأحرقُوها، وكان لها قَلْعَةٌ غير طائلة ولا حَسَنَة العِمَارَة، لجأ إليها قومٌ من أهلها فنَجَوْا، ونقِل ما بها من المتاع والجهاز (b) السُّلطان وأهلِ البَلَد وسبي بها، وقُتل من أهل سَوادها ما في إعادته إرْماضٌ لمَن سَمِعَهُ، وَوَهْنٌ على الإسْلام وأهْلهِ.

стр. 181

وكانت لها أسْواقٌ حَسَنَةٌ، وحَمَّاماتٌ، وفَنادِق، ومَحالّ، وعِرَاضٌ فَسِيحةٌ، ومَشَايخ وأهْل جِلَّة، وهي الآن كالمُتَماسكةِ (a). ولها واد يُعْرفُ بأبي الحَسَن قُوَيْقٍ، وشرب أهْلها منْهُ، وفيهِ قليلُ طَفَسٍ (١). ولم تزل أسْعارها في الأغْذيَةِ وجميع المآكل قَديمًا واسِعةً رخيْصَةً. وعليهم الآن للرُّوم في كلِّ سنةٍ قانونٌ يُؤدُّونه، وضَرِيبةٌ تُسْتخرَجُ من كلِّ دارٍ وضَيْعةٍ معلُومة، وكأنَّهم معهم في هُدْنَةٍ، وليْسَت - إنْ كانت أحوالُها مُتماسِكَةً، وأُمورُها رَاجِيةً (b) - بحالِ جُزءٍ من عشرين جُزءًا ممَّا كانت عليه في قديم أَوَانِها، وسَالِف أزْمانِها. أشارَ ابنُ حَوْقَل إلى فَتْح الرُّوم لها، وتَخْريبها، في سَنَة إحْدَى وخَمْسين وثَلاثِمائة، وفي ذِكْر الضَّريبة الّتي تُؤدَّى إلى الرُّوم في كُلِّ سنةٍ إلى ما قَرَّرهُ قرعُويَه السَّيْفيِّ مع الرُّوم من الأتاوة الَّتي تُؤدَّى في كلِّ سنةٍ عن حَلَب إلى الرُّوم، وليس هذا مَوضِع ذِكْرها (٢).

стр. 182

وقال أبو العبَّاس أحمد بن إبْرَاهِيم الفارِسيّ الإصْطَخْرِيّ، في كتاب صِفَة الأقالِيْم (١): وأمَّا جُنْد قِنَّسْرِيْن، فإنَّ مَدِينتها قِنَّسْرِيْن، غيرَ أنَّ دار الإمَارة والأسْواق ومجامع النَّاس والعِمَارات بحَلَب. قال: وهي عامرةٌ بالأهْل جدًّا، على مَدْرجةِ طَريق العِرَاق إلى الثُّغُور وسائر الشَّامات. سَمِعْتُ أبا عَبْد الله مُحمَّد بن يُوسُف بن الخَضِر يقول: بلَغَني أنَّ حَلَب كانت من أكثر المُدُن شَجَرًا، فأفْنى شَجَرها وقُوع الخُلْف بين سَيْف الدَّوْلَة والإخْشِيْد على ما تَذْكره (٢)؛ فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما كان يَنْزل عليها ويَقْطع شَجَرها، فإذا أخَذَها جاءَ الآخر وفَعَل مِثْلهُ. وأخْبَرني مَكِّيّ بن هارُون بن صالِح الكَفْر بلَاطيِّ (٣)، وكان من كَفْر بَلاط (٤) من نُقْرَة بَني أَسَد، قال: أخبَرَني أبي هارُون، عن أبيهِ صالِح، يَأْثرهُ عن سَلَفه، أنَّ النَّاس كانوا يَمْشُون من مَقام إبْرَاهِيْم ﵇ الّذي على سَطْح جَبَل نَوَائِل إلى زُبَيْدة، وهي قَرْيَة على طَرف جَبَل الأَحَصّ، وهي مُشْرفة على النُّقْرَة، في ظلال شَجر الزَّيْتُون.

стр. 183

والدَّليلُ على صحَّة ما ذَكَرهُ أنَّه ما من قَرْيَة في نُقْرَة بَني أَسدَ إلَّا وفيها أثَر مِعْصَرَة للزَّيْت والحَجَر الّذي كان يُعْصَر بها. بابٌ في ذِكْرِ قِنَّسْرِيْن، وتَسْميتها بهذا الاسْم، ومَعْرفة مَن بَناهَا (١) قد ذكَرنا فيما تقدَّم (٢) أنَّ اسْم قِنَّسْرِيْن كان أوَّلًا صُوْبَا، فسُمِّيَت بعد ذلك قِنَّسْرِيْن، وصُوْبَا بالعِبْرَانِيَّة، قيل: إنَّ اسمَها في التَّوْراة كذلك (٣)، ويقال فيها قِنَّسْرُون أيضًا، ويُقال: بفتح النُّون بعد القاف وكسْرها.

стр. 184

وقَرَأتُ بخَطِّ مُحمَّد بن يُوسُف بن المُنَيِّرَة، في جُزءٍ فيه اشْتقاق أسْماء البُلْدان (١): قِنَّسْرِيْن من قَوْلهم للشَّيْخِ: قِنَّسرِيّ، وقيل: نزلَ بها رَجُلٌ يُقالُ لهُ مَيْسَرة، فقال: ما أشْبَه هذه بِقنّ نَسْرين، فبَنَى منهُ اسْمًا للمَكان. وقال مُحمَّدُ بن سَهْل الأحْوَل في كتاب الخَرَاج (٢): قِنَّسْرِيْن سُمِّيَت برجُلٍ من قَيْسٍ يُقالُ لهُ مَيْسَرة، وذلك أنَّه مرَّ به رجُلٌ فقال له: ما أشْبَه هذا المَوْضِع بقنّ نَسْرين، فسُمِّيَت بذلك. أخْبَرَنَا أبو عَليّ حَسَن بن أحمد الأوَقيِّ بالبَيْت المُقَدَّس، قال: أخْبَرَنَا الحَافِظُ أبو طَاهِر أحمد بن مُحمَّد بن إبْرَاهِيْم السِّلَفِيُّ الأصْبَهانيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَيْن أحمد بن مُحمَّد بن المُسَبّح، قال: أخْبَرَنَا أبو إسْحاَق إبْرَاهِيْم بن سَعيد الحَبَّال، قال: أخْبَرَنَا أبو العبَّاس مُنِير بن أحمد بن الحَسَن بن مُنِير الخَشَّاب، قال: أخْبَرَنَا عليّ بن أحمد بن إسْحَاق البُغْدَادِيّ، قال: أخْبَرَنَا الوَلِيد بن حَمَّاد الرَّمْليّ، قال: أخْبَرَنَا الحُسَيْنُ بن زياد، عن أبي إسماعيل مُحمَّد بن عَبْد الله البصري (٣)، قال: وحدثني الحُسَيْنُ بن عَبْد اللهِ، قال: ثمّ إنَّ أبا عُبَيْدَة دَعا مَيْسَرة بن مَسْرُوق فسرَّحَهُ في ألفي فارس، فمَرَّ على قِنَّسْرِيْن فأخَذَ يَنْظر إليها في الجَبَل، فقال: ما هذه؟ فسُمِّيَت له بالرُّومِيَّةِ، فقال: إنَّها لكذلك، والله لكأنَّها قِنّ نَسْر!. وقال أبو بَكْر بن الأنْبارِيّ (٤): قِنَّسْرُون أُخِذَتْ من قَوْلِ العَرَب: رَجُلٌ قِنَّسْرِيٌّ، أي مُسِنٌّ، وأنْشَد للعَجَّاج (٥): [من الرجز]

стр. 185

أطربًا وأَنْتَ قَنَّسْرِيُّ … والدَّهْرُ بالإنْسَانِ دَوَّارِيُّ وأَنْشَدَ غيره: [من البسيط] وَقَنْسَرَتْه أُمورٌ فاقْسَأنَّ لَها … وقد حَنَى ظَهْرَه دَهْرٌ وَقد كَبِرَا وقال أبو بَكْر بن الأنْبارِيّ: وفي إعْرابهِ وَجْهَان: يجوز أنْ تُجريها مَجْرى قولك: الزَّيْدُون، فتَجعلَها في الرَّفع بالواو فتقول: هذه قِنَّسْرُونَ، وفي النَّصب والخفْضِ بالياء، فتقول: مررْتُ بقِنَّسْرِيْن ودخَلْتُ قِنَّسْرِيْن، والوَجْهُ الآخرُ: أنْ تَجْعلَها بالياءِ على كُلِّ حالٍ، وتَجْعل الإعْرابَ في النُّون، فلا تَصرفها. وقال أبو القَاسِم الزَّجَّاجيِّ: هذا الّذي ذَكَره ابن الأنْبارِيّ من طَريق اللُّغة، ولم يسمّ البَلَد كما ذكر، ولكنَّه روَى (a) أنَّها سُمِّيت برَجُلٍ من عَبْس (a) يُقالُ لهُ مَيْسَرة، وذلك أنَّه نَزَلها، فمَرَّ به رجُلٌ فقال: ما أشْبه هذا المَوْضِع بقنِّ نَسْرين (c)، فبُنِيَ منه اسْمٌ للمَكان، فقيل: قِنَّسْرِيْن؛ بفتح النُّون من قِنَّسْرِيْن. وذكَر عَبْد الله بن علي بن عَبْد الله بن علي اللَّخْمِيّ ثم الرُّشَاطيِّ في كتاب اقْتباس الأنْوار، والْتماس الأزْهار، في أنْساب الصَّحابَة ورُواةِ الآثار، قال (١): قال آخرون: دعا أبو عُبَيْدَة مَيْسَرة بن مَسْرُوق القَيْسيِّ (d) فوجَّهَهُ في ألف فارِس في أثر العَدُوّ، فَمرَّ على قِنَّسْرِيْن، فجعلَ يَنْظر إليها، فقال: ما هذه؟ فَسُمِّيَت له بالرُّوِميَّةِ، فقال: والله لكأنَّها قِنَّسْرِيْن؛ فسُمِّيت قِنَّسْرِيْن بذلك.

стр. 186

قال الرُّشَاطِيُّ (١): فهذا الخبر يدل على أن قِنَّسْرِيْن اسْم مكان آخر (a) عَرَفهُ مَيْسَرة القَيْسِيّ، فشَبَّه بهِ هذا، فسُمِّي به (b). قُلتُ: وهذا وَهْمٌ من الرُّشَاطِيّ، وقد تصحَّفَ عليه قِنّ نَسْرين، أو قِنّ نَسْر، على ما ذَكَرناهُ بقِنَّسْرِيْن، فقال ما قال، ولعلَّه بلَغَهُ أنَّ حِيَار بني القَعْقَاع يُقالُ لها قِنَّسْرِيْن أيضًا، فوقعَ في هذا الوَهْم، ولا يُمكن الاعْتِداد بذلك، فإنَّ مَنْ ذهبَ إلى ذلك جَعَل مَدِينَة قِنَّسْرِيْن هي قِنَّسْرِيْن الأُوْلَى، وحِيَار بني القَعْقَاع هي قِنَّسْرِين الثَّانيَة، فلا يمكن تشبيه الأُوْلَى بالثَّانيةِ. أخْبَرَنَا أحمدُ بن عَبْد الله بن عُلْوَان، قال: أخْبَرَنَا القَاضِي أبو البَرَكَات مُحمَّد بن حَمْزَة العِرْقيِّ إجَازَةً، قال: وأخْبَرَنا أبو مُحمَّد عَبْد الدَّائم بن عُمَر بن حُسين سَمَاعًا منه، قال: أخْبَرَنَا أبو البَرَكَات بن العِرْقيِّ، قال: أخْبَرَنَا أبو القاسم عليّ بن جَعْفَر المَعْرُوفُ بابنِ القَطَّاع، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْرٍ مُحمَّد بن البرِّ اللُّغَويّ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحمَّد إسْمَاعِيْل بن مُحمَّد النَّيْسَابُوريُّ، قال: أخْبَرَنَا أبو نَصْرٍ إسْمَاعِيْل بن حَمَّاد الجَوْهَرِيُّ، قال (٢): وقِنَّسْرُون بَلَدٌ بالشَّام، بكَسْر القافِ والنُّون مُشدَّدةٌ تُكْسرُ وتُفْتح، وأنشدَ ثَعْلَبٌ بالفَتْح هذا البيت لعِكْرِشَةَ العَبْسِيّ (٣): [من الطويل] سَقَى اللهُ فِتْيَانًا وَرائي تَرَكْتُهُم … بحَاضِرِ قِنَّسْرِيْنَ مِنْ سَبَلِ القَطْرِ قال: والنِّسْبَةُ إليه قِنَّسرِيُّ، وإنْ شئتَ: قِنَّسْرِيْنيّ. وقع إليَّ كتابٌ ألَّفهُ أبو الحُسَيْنُ أحمدُ بن جَعْفَر بن مُحمَّد بن عُبَيْدِ الله المُنَادِي سَمَّاهُ: الحَافِظ لمَعَارف حَرَكات الشَّمْس والقَمَر والنُّجُوم في آفاقها، والأقالِيْم وأسْماء

стр. 187

بُلْدانها في سيَاقها (١)، وهو مَسْموعٌ عليه، وأحْسَبُه بخطِّهِ، فقَرَأتُ فيه: حَدَّثَنَا جَدِّي ﵀، قال: حَدَّثَنَا رَوْح بن عُبَادَةَ، قال: حَدَّثَنَا أشْعَثُ وسَعيد جميعًا، عن الحَسَن أنَّه قال: الأمْصارُ: المَدِينَة، والشَّام، ومِصْر، والجَزِيَرة، والكُوفَة، والبَصْرَة، والبَحْرين. قال ابنُ المُنَادِي (٢): وحَدَّثَنِي جَدِّي، قال: حَدَّثَنا رَوْحٌ، قال: حَدَّثَنَا سَعيدٌ، عن قَتَادَة أنَّه كان يَجْعلُها عشرةً: المَدِينَة، ومِصْر، والكُوفَة، والبَصْرَة، ودِمَشْقَ، والجَزِيرَة، وحِمْص، والأُرْدُنّ، وفِلَسْطين، وقِنَّسْرِيْن. وقال ابنُ المُنَادِي: الشَّاماتُ خَمْسُ كُوَر: الأُوْلَى قِنَّسْرِيْن، ومَدِينتها العُظْمَى حَلَب، وقِنَّسْرِيْن أقدَمُ منها، وبينهُما أرْبعةُ (a) فَرَاسِخ، وبها آثار الخَلِيل ﵇ ومَقامُه، وقد نَزَلها أكابرُ المُلُوك كبني حَمْدَان وغيرهم. قال: ومن رُسْدَاقِها مَنْبج، وهي مَدِينَةٌ قديمةٌ. وذكَرَ ابنُ حَوْقَل النَّصِيْبِيِّ في كتابه، قال في ذِكْر جُنْد قِنَّسْرِيْن (٣): هي مَدِينَة تُنْسبُ الكُوَر (b) إليها، من أضْيَق النَّواحي بناءً وإنْ كانت نَزِهَة الظَّاهر، مَعُونَةً (c)

стр. 188

في مَوْضِعها لما كان بها من الرُّخْصِ والسَّعَةِ في الأسْعَار والخَيْرات (a) والمياه، اكْتَسحَها الرُّوم، فكأنَّها لم تكن إلَّا بقايا دِمَن، وجميع جُنْد قِنَّسْرِيْن أعْذَاءٌ، وشُرْبُهم من السَّماءِ، وهي مَدِينَة كَثِيْرة الخَيْر والسَّعَة، وبها الفُسْتُق والتِّيْن وما شاكلَ ذلك. قَوْله: وشُرْبُهم من السَّماءِ، يعني: ضَواحي قِنَّسْرِيْن وقُراها، أما المَدِينَة نَفْسُها فقُوَيْقٌ يَمرُّ بجانبها، وكانت القَناة من بِرْكَةِ عين المُبارَكة بقُربِ حَلَب، يأتي ماؤُها إلى مَدِينَة قِنَّسْرِيْن، وكانت القَناة قد سِيقَت في لِحْف الجَبَل عند الوُضَيْحيّ (١) إلى صِلْدِي (٢)، ثمّ سِيْقَت تحت الأرْض إلى أن انْتَهت إلى القَناطر، وهي قَريةٌ من عَمَلها، فعُقِدَتْ لها قَناطِر رَفِيْعة، ورُفع ماء القناة فَوْقها إلى أنْ انْتَهى إلى مكان مُرتفع، فَسِيقَت تحت الأرْض إلى مَدِينَة قِنَّسْرِيْن، فكان شُرْب أهل قِنَّسْرِيْن منها، وأدْرَكْتُ أنا مُعْظم أسْوارها، وبعض أسْوار قَلْعتها، وأبواب مَدِينتها قائمة. وكان سُلَيمان بن قُطَلْمِشِ بعد قَتْلِه مُسْلِم بن قُرَيْشٍ، قد اسْتولَى على قِنَّسْرِيْن، وعَمَّرَ قَلْعتها، وتحصَّنَ فيها، وحَصَر حَلَب، فاتّفق على ما اتَّفق من قَتْله على ما نَذْكرهُ

стр. 189

في تَرْجَمَتِهِ (١)، فَخرِبَت قَلْعَة قِنَّسْرِيْن مع المَدِينَة، وأخذَ النَّاس حجارتها لعَمَائِرهم، وسُكُورة الأرْحَاء. وبنَى مَحْمُود بن زَنْكِي أوَّلًا خان قِنَّسْرِيْن منها، وزادَهُ أتَابِك طُغْرِل الظَّاهِريّ ثانيًا. ونُقِلَ من عَمَد المَدِينَة إلى حَلَب شيءٌ وافِر، وقل أيضًا من حجارتها إلى الجِسْر الّذي جَدَّدَهُ سَيْف الدِّين عليّ بن سُلَيمان بن جَنْدر (a) في الوطاة، ورصَفَهُ بالحِجَارَة، وفي الخان الّذي جدّدهُ بتلِّ السُّلْطَان، فتَدَاعَت أقْطَارها، وأمَّحَت آثارها، ولم يبقَ منها اليوم غير قَرْيَة قِنَّسْرِيْن يَسْكنها الفَلَّاحُون والأَكَرَة، ويَرى مَنْ شاهد آثارَها فيها مُعْتَبَرَهُ!. وقال أبو العبَّاس أحمدُ بن إبْرَاهِيْم الإصْطَخْرِيّ، في كتاب صِفَة الأقالِيْم (٢): وقِنَّسْرِيْن مَدِينَة تُنْسبُ إليها الكُوَر (b)، وهي من أصْغر المُدُن بها. وقَرَأتُ في بعض كُتُبي من تواريخ القُدماء، ولم يُسَمّ القائل: أنَّ سَلُوْقُوس، وهو المَلِك الأوَّل بعد الإسْكَنْدَر، بَني فَامِيَة، وحَلَب، وقِنَّسْرِيْن، وقد ذَكَرتُ ذلك (٣)، واللهُ أعْلَمُ.

стр. 190

قُلتُ: ويُقال لقِنَّسْرِيْن هذه: قِنَّسْرِيْن الأُوْلَى، كَذا ذكَرَهُ ابن الطَّيِّب وابن وَاضِح؛ وقال ابن وَاضِح (١): وقِنَّسْرِيْن الثَّانيَة، هي حِيَار بني القَعْقَاع. وقال ابن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ في رحْلة المُعْتَضِد: ورَحَل الأَمِير نحو قِنَّسْرِيْن الأُوْلَى؛ وقِنَّسْرِيْن مَدِينَة صغيرةٌ لأخي الفُصَيْص التَّنُوخيّ، وعليها سُورٌ، ولها قَلْعَةٌ، وسُورها مُتَّصلُ بسُور سَائر المَدِينَة. وقال ابن وَاضِح (٢): وكُورَة قِنَّسْرِيْن الأُوْلَى، وهي مَدِينَة على جادَّةِ الطَّريق الأعْظَم، وبها قَومٌ من تَنُوخ. وقال أبو زَيْد أحمَد بن سَهْل البَلْخِيّ، في كتاب صُورة الأرْض والمُدُن (٣): وقِنَّسْرِيْن مَدِينَةٌ تُنْسبُ الكُورَةُ إليها، وهي من أخْصَب (a) المُدُن. وقال أيضًا: وأمَّا جُنْد قِنَّسْرِيْن، فإنَّ مَدِيْنتها قِنَّسْرِيْن، غيرَ أنَّ دار الإمَارة والأسْواق ومَجامِعَ النَّاس والعِمارات بحَلَب.

стр. 191

واعْلم أنَّ لحَلَب من هذه الفَضِيلَة الحَظّ الأوْفَر، والنَّصيب الأكْثَر؛ لأنَّ ذِكْر قِنَّسْرِيْن - في الغَالِب؛ عند الإطْلاقِ - يَنْصَرفُ إلى جُنْد قِنَّسْرِيْن، فيَتناول ناحيتها، وقد بيَّنا فيما تَقَدَّم أنَّ قَصَبتها حَلَب، وأنَّها المَدِينَة العُظْمَي، فشَارَكتها في هذه الفَضِيلة المَذْكُورَة. أخْبَرَنَا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد اللهِ الدِّمَشْقِيِّ، فيما أَذِنَ لَنا فيه، قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد الله مُحمَّد بن أبي زَيْد بن حَمدٍ الكَرَّانِيِّ (a)، وأبو جَعْفَر مُحمَّد بن إسْمَاعِيْل الطَّرَسُوسيِّ، قالا: أخْبَرَنَا مَحْمُودُ بن إسْمَاعِيْل الصَّيْرَفيِّ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَيْنُ بن فَاذْشَاه، قال الطَّرَسُوسِيُّ: وأخْبَرنا أبو نَهْشَل العَنْبَرِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر بن رِيْذَة، قالا: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم سُلَيمان بن أحمد الطَّبَرَانِيِّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْد الله بن أحمد بن حَنْبَل، قال: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بن حُرَيْثٍ، قال: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بن مُوسَى، عن عِيسَى بن عُبَيْدٍ، عن غَيْلَانَ بن عَبْد الله العَامِرِيِّ، عن أبي زُرْعَةَ بن عَمْرو بن جَرِير، عن جَرْير، عن النَّبِيّ ﷺ قال (١): إنَّ اللهَ أوْحَي إليَّ: أيَّ هؤلاءِ الثَّلاث (b) نَزَلتَ فهي دَارُ هِجْرتك: المَدِينَة، أو البَحْرين، أو قِنَّسْرِيْن. وأخْبرنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ إذْنًا، وأبو مُحمَّد عَبْد العَزِيْز بن الأخْضَر مُكاتَبَةً، قالا: أخْبَرَنَا أبو الفَتْح عَبْد المَلِك بن أبي القَاسِم الكَرُوخِيّ (c)، قال: أخْبَرَنَا أبو عَامِر مَحْمُودُ بن القَاسِم الأزْدِيُّ، قال: أخْبَرَنَا عَبْد الجَبَّار بن مُحمَّد

стр. 192

الجرَّاحِيُّ، قال: أخْبَرَنَا مُحمَّد بن أحمد المَحْبُوبِيُّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عِيسَى مُحمَّد بن عِيسَى التِّرْمِذيُّ الحَافِظُ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَمَّارٍ الحُسَيْنُ بن حُرَيْث، قال: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بن مُوسَى، عن عِيسَى بن عُبَيْدٍ، عن غَيْلَان بن عَبْد اللهِ العَامِرِيّ، عن أبي زُرْعَة بن عَمْرو بن جَرِير، عن جَرِير بن عَبْد اللهِ البَجَليّ، عن النَّبِيّ ﷺ قال (١): إنَّ اللهَ أوْحَي إليَّ: أيَّ هؤلاء الثَّلاثة نزلتَ فهي دار هجرتِكَ: المَدِينَة، أو البَحْرين، أو قِنَّسْرِيْن. قال أبو عِيسَى التِّرْمِذيُّ (٢): غَريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلَّا من حَدِيثِ الفَضْل بن مُوسَى، تَفَرَّدَ بهِ أبو عَمَّارٍ. وقد تابَع أبا عَمَّار الحُسَيْنُ بن حُرَيْثٍ جَعْفَر بن مُحمَّد الخُرَاسَانيّ، فرَواهُ عن الفَضْل بن مُوسَى السِّيْنَانِيّ. أخْبرناهُ شَيْخَنا الزَّاهِدُ الحَافِظُ أبو مُحمَّد عَبْد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان الأسَدِيّ الحَلَبِيّ مُشَافهةً، قال: أخْبَرَنَا الحَافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الشَّافِعِيّ (٣)، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم نَصْر بن أحمَد بن مُقَاتِل، قال: أخْبَرَنَا جَدِّي أبو مُحمَّد، قال: حَدَّثَنَا أبو عَليّ الحَسَن بن عليّ بن إبْرَاهِيْم، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم حَمْزَةُ بن عَبْد الله بن الحَسَن (a) الأديبُ بأطْرَابُلُس، قال: حَدَثَنَا القَاضِي أبو نَصْر مُحمَّد بن مُحمَّد بن عَمْرٍو النَّيْسَابُوريّ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن إبْرَاهِيْم بن نَيْرُوز الأنْمَاطِيّ، قال: [حَدَّثَنَا] (b) جَعْفَر بن مُحمَّد الخُرَاسَانيّ، قال: حَدَّثَنَا الفَضْل بن مُوسَى، عن عِيسَى بن عُبَيْد، عن غَيْلَان بن عَبْد الله العَامِرِيّ، عن أبي زُرْعَةَ، عن جَرْير بن عَبْد اللهِ (c)، عن النَّبِيّ

стр. 193

صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قال (١): إنَّ اللهَ أوْحَى إليَّ: أيَّ هؤلاءِ نَزلتَ فهي دَار هجرتِك: المَدِينَة، أو البَحْرين، أو قِنَّسْرِيْن. وقد تابَع الفَضْلَ بن مُوسَى السِّيْنَانِيّ عليٌّ بن الحَسَن بن شَقِيق، فرَواهُ عن عِيسَى بن عُبَيْد الكِنْدِيّ، عن غَيْلَان بن عَبْد الله العَامِرِيّ. أخْبَرناهُ زَيْن الأُمَناءِ أبو البَرَكاتِ الحَسَن بن مُحمَّد بن الحَسَن بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنَا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الشَّافِعِيُّ، إجَازَةً إنَّ لم يَكُن سَمَاعًا قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد الله مُحمَّد بن الفَضْل الفَرِاوِيّ، ح. وأخْبرنا المُؤيَّد بن مُحمَّد الطُّوسِيّ، وزَيْنَب بنْتُ الشَّعْرِيّ في كتابيهما إليَّ من نَيْسابُور، عن أبي عَبْد الله الفَرَاوِيّ، ح. قالت زَيْنَبُ: وأنْبَأنا أبو المُظَفَّر القُشَيْرِيُّ، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر البَيْهَقيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد الله الحَافِظ إمْلاءً (٢)، قال: أخْبَرَنَا أبو العبَّاسِ القَاسِم بن القَاسِم السَّيَّارِيّ بمَرْو، قال: أخْبَرَنَا إبْرَاهِيْم بن هِلالٍ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن الحَسَن بن شَقِيق، قال: حَدَّثَنَا عِيسَى بن عُبَيْد الكِنْدِيّ، عن غَيلْاَن بن عَبْدِ الله العَامِرِيّ، عن أبي زُرْعَة بن عَمْرو بن جَرْير، عن جَرْير أنَّ النَّبِيّ ﷺ قال: إنَّ اللهَ ﵎ أوْحَى إلي: أيَّ هؤلاء البِلاد الثَّلاث نزلْتَ فهي دَار هجرتكَ: المَدِينَة، أو البَحْرَيْن، أو قِنَّسْرِيْن. قال أبو عَبْد اللهِ الحاكِم في المُستَدرَكِ على الصَّحِيحَيْن (٣): هذا حديثٌ صَحيحُ الإسْنادِ، ولم يُخَرِّجاهُ.

стр. 194

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقي بابٌ في ذِكْرِ أَنْطاكِيَة، وتَسْميتها بهذا الاسْم، ولقَبها، ومَعْرفة مَنْ بَناهَا، وما قِيْل فيها (١) وهي من الإقْليم الرَّابِع أيضًا، وكانت دار المُلْك للرُّوم، إلى أنْ كانت وَقْعَة اليَرْمُوك، ونَصَرَ اللهُ المُسْلِمِيْن، فلم تَقُم للرُّوِم رايةٌ بعدَها، فانْتَقل المُلْك عن أَنْطاكِيَة إلى القُسْطَنْطِينِيَّة، ولمَّا انْفَصَل هِرَقْل عنها، وخَرَجَ طَالِبًا القُسْطَنْطينِيَّة، الْتَفَتَ نحو الشَّام - عندما جاوَزَ الدَّرْب. وقال: عليكِ يا سُورْيَة السَّلام. وسُورْيَة

стр. 195

هي الشَّام الخامسَة، وأَنْطاكيَة منها، وقد ذَكَرنا (١) أنَّ في طَرَف الأَحَصّ مَدِينَة خَرِبَةٌ يُقالُ لها: سُورْيَة. وأَنْطاكيَة: أعْجَمِيَّةٌ مُعَرَّبةٌ، قيل: إنَّها بتَشْديد الياء، وقيل: بالتَّخفيف، واسْمها بالرُّومِيَّةِ: أنطُوغنيا (a). أخْبَرَنَا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ قراءةً عليه قال: أخْبَرَنَا أبو مَنْصُور مَوْهُوب بن أحمد بن مُحمَّد بن الخَضِر الجَوَالِيْقِيُّ، قال في كتابهِ فيما تَلْحن فيه العامَّة (٢): وممَّا يُشَدَّدُ، والعَوَام تُخفِّفه، قال: وأَنْطاكِيَة بتَشْديد الياءِ. وقال أبو مَنْصُور في كتابهِ المُعَرَّب (٣): وأَنْطاكِيَّةُ اسْم مَدِينَة مَعْروفةٍ مُشَدَّدةُ الياءِ، وهي أعْجَميَّةٌ مُعَرَّبةٌ، وقد تكلَّمَت بها العَرَبُ قديمًا، وكانوا إذا أعْجَبهم عَمَلُ شيءٍ نَسَبُوه إليها. قال زُهَيرٌ (٤): [من الطويل] عَلَوْنَ بأَنْطاكِيَّةٍ فَوْق عَقْمَةٍ … وِرَادِ الحَوَاشِي لَوْنُها لَوْنُ عَنْدَم قُلتُ: والمَشْهُور من شِعْر زُهَيْر: [من الطويل] وعَالَيْن أنْمَاطًا عِتَاقًا وكلِّةً … وِرَادَ الحَوَاشي ..... البيت. وقد جاء في رِوَايَةٍ كما ذكَره أبو مَنْصُور.

стр. 196

أنْبَأنَا زَيْد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنَا أبو الفضل بن نَاصِر، قال: أخْبَرَنَا أبو زَكَرِيَّاء التَّبْرِيْزِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحمَّد الدَّهَّانُ اللُّغَويّ، قال: أخْبَرَنَا عليُّ بن عِيسَى الرُّمَّانِيّ، عن ابن مُجَاهِدٍ القارئ، عن أبي العبَّاس ثَعْلَب، ح. وقال ابنُ نَاصِر: وأخْبَرَنا الحُمَيْدِيّ سَمَاعًا من لفْظِه، قال: أخْبَرَنَا الشَّيْخُ أبو غَالِب أحْمدُ بن مُحمَّد بن سَهْل النَّحْويّ الوَاسِطِيّ، قال: قَرأتُ على أبي الحُسَيْن بن دِيْنار، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر بن مِقْسَم، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس ثَعْلَب، وأنْشَدَ بيتَ زُهَيْر (١): [من الطويل] وعَالَين أنماطًا عتاقًا وكَلِّةً … ورَادَ الحَوَاشِي لَوْنُه لَون عَنْدَم وقال: ويُروَي: [من الطويل] عَلَوْنَ بأَنْطاكِيَّةٍ فَوْقَ عَقْمَةٍ … ورادِ الحَواشي لَوْنُهُ لُوْنُ عَنْدَم وقال في تَفْسِيره: أَنْطاكِيَّةُ. أنْمَاطٌ تُوضَعُ على الخُدُور، نسَبَها إلى أَنْطاكِيَة، قال: وكُلّ شيءٍ عندَهُم من قِبَل الشَّام فهو أنْطَاكِيٌّ. قُلتُ: وقال كُثيِّرُ بن عَبْد الرَّحْمن الخُزَاعِيّ (٢): [من الطويل] أَهَاجَتْكَ سُعْدَى إذ (a) أَجَدَّ بكُورُها … وحُفَّتْ بأَنْطَاكِيّ رَقْم خُدُورُهَا وذَكَر أبو العلاءِ أحمد بن عَبْد اللهِ بن سُلَيمان المَعَرِّيّ في اللّامع العَزِيزِيّ (٣): قيل: إنَّما سُمِّيَت أَنْطاكِيَة؛ لأنَّ الّذي بناها يُقالُ له: أنطيخنُوسْ المَلِكُ، ولا شَكَّ أنَّ لَفْظَها قد عُرِّبَ بعضَ التَّعْرِيب، فلَوْ أنَّها عربيَّةٌ لوَجَبَ أنْ تكُونَ من النَّطْكِ، ولم يَذْكُر ذلك أحَدٌ من الثِّقاتِ.

стр. 197

قال أبو العَلاء (١): أَنْطاكِيَةُ بلدٌ قديمٌ، وقد ذَكَرَتْهُ العَرَبْ في أشْعارِها، وقيل: إنَّهم كانوا يقُولونَ لمَن جاءَ من الشَّام، ولِمَا جُلِبَ من مَتاعهِ: أنْطاكِيٌّ، ومنهُ قول امْرئ القَيْس (٢): [من الطويل] عَلَوْنَ بأَنْطاكِيَّة فَوْقَ عَقْمَةٍ … كجِرْمَةِ (a) نَخْلٍ أو كجَنَّةِ يَثْرِبِ (b) أي: بثياب أَنْطاكِيَّةٍ. قال السُّكَّرِيّ: وهي قَريةٌ من قُرَى الشَّامِ، ويُقالُ لكُلِّ ما يأتي من الشَّام: أنْطاكِيٌّ. وقَرَأتُ في كتاب أبي عُبَيْدٍ عَبْد الله بن عَبْد العَزِيْز بن مُحمَّد البَكْرِيّ؛ كتاب مُعْجَم ما اسْتَعْجَم، في ذِكْر ما جاءَ في أشْعار العَرَب من الأماكن، قال (٣): أَنْطاكِيَةُ بتَخْفيفِ الياءِ، مدينَةٌ من الثُّغُور الشَّاميَّةِ؛ مَعْروفةٌ، قال اللُّغَويُّونَ: كُلُّ شيءٍ عند العَرَب من قِبَلِ الشَّامِ فهو أَنْطاكِيٌّ، قال زُهَيرٌ (٤): [من الطويل] وعَالَيْنَ أَنْطاكِيَةُ فَوْقَ عقْمَةٍ … وِرَادِ الحَوَاشِي لَوْنُهُ أو عَنْدَم وقد وجَدْتُ بخطِّ عليّ بن حُمْرَان في ديوانِ شِعْر زُهَيْر هذا البيتَ، وكَتَب بخطِّه: نَسَبَها إلى أَنْطاكِيَةُ (c)، وكَتَب فَوْقَها: خف، وذَكَرَ أنَّه نقلَه من أصْلِ أبي الحُسَيْن عليّ بن مُحمَّد بن دِيْنار، وهي مُقَابلَةٌ بنُسخةِ أبي الفَتْح حُجْجُخ (d)، وذَكَرَ أنَّه

стр. 198

قابَل بها كتاب أبي عُمَر القُطْرُبُّلِيّ، وكتابًا بخطِّ أبي مُوسَى الحامِض، ونُسخةً بخطِّ أبي الحَسَن مُحمَّد بن مُحمَّد التِّرْمِذيّ، مَنْقُولة من أصْل أبي بَكْر بن مُجَاهِد، وذكر أبو الفَتْح أنَّه قابَلَ نُسْختَهُ بأصْلِ ابن الخَيَّاطِ، وقابَلَ أيضًا بأصْلِ أبي سَعيدٍ بخَطِّهِ، قال ابنُ حُمْرَان: وقرأتُهُ على أبي أحمد عَبْد السَّلام البَصْرِيّ، وسَمِعْتُهُ يقْرأُ على أبي الحَسَن عليّ بن عِيسَى صاحب أبي عليٍّ. وقَرَأتُ في تاريخ أبي الثَّنَاء حَمَّاد بن هِبَةِ الله بن حَمَّاد الحَرَّانيّ (١)، بحَرَّان، قال: وقيل إنَّ إبْرَاهِيْم ﵇ قال: أخبَرَني رَبِّي أنَّ أوَّل مَدِينَة وُضِعَتْ على وجهِ الأرْض حَرَّان، وهي العَجُوز، ثمّ بَابِل، ثمّ مَدِينَة تيونَه، ثمّ دِمَشْق، ثمّ صَنْعاء اليَمَن، ثمّ أَنْطاكِيَة، ثمّ رُوْميَة. وهذا على خِلَاف ما يأتي من أنَّ بنائَها كان بعد مَوْت الإسْكَنْدَر. وقال الحَسَنُ بن أبي الخَصِيْب الكَاتِب في كتاب الكَارِمِهْتَر في عِلْم أحْكام النُّجُوم (٢): أقسامُ الأرْض أرْبعة: أوَّلُها أَنْطاكِيَة وناحيةُ المَشْرِق، لها من البُرُوجِ: السَّرَطان والأَسَد والعَذْراء، ومن السَّبْعَة الشَّمْس والمُشْتَري. قَرَأتُ بِخَطِّ مُحمَّد بن فُتُوح بن عَبْد الله الحُمَيْدِيّ الحَافِظ: أَنْطاكِيَة تُسمِّيها النَّصَارَي: مَدِينَةَ الله، ومَدِينَة المُلْكِ، وأُمّ المُدُنِ، لأنَّها أوَّل بلدٍ ظهرَت فيه

стр. 199

النَّصْرانيَّة، وبها كُرسِيّ بَاطْرَهْ، وهو المُقدَّم على التَّلاميذِ، وهو سَمْعُون (١)، وقيل: إنَّه هو الّذي ابْتَدأ بُنْيان الكَنِيْسَة بأَنْطاكِيَة، الّتي تُسمَّى القُسْيَان. وقَرَأت بِخَطِّ الشَّريف إِدْرِيس بن حَسَن بن عليّ الإِدْرِيسِيّ (٢) المُؤرِّخ ما ذكَرَ أنَّه نقلَهُ من تاريخ أَنْطاكِيَة لبَعْضِ النَّصارَي: أقلوذنوسْ ملكَ ثلاثَ عَشرة سَنَة وتسْعَة أشْهرٍ، وسُمِّيَ المُؤمنونَ بالمَسِيْح - يعني في أيَّامهِ - بأَنْطاكِيَة: نَصارَى، ومنها كان ابتداء النِّسْبة، وانتشر هذا الاسْم في سائر البلادِ. وذَكَرَ في هذا التَّاريخ: يُوسْطلْيانُوس مَلَكَ تسعًا وثلاثين سنةً، وفي السَّنَة الثَّالثة من مُلْكِهِ خُسِفَ (a) بأَنْطاكِيَة. وأبصرَ رجُلٌ قَدِّيسٌ في نومهِ قائلًا يقُول له: تكتبُ على أبْوابِ المَدِينَة: الله مَعَنا، ومن ذلك اليوم دُعِيَتْ مَدِينَة اللهِ. وقَرَأتُ في بعض تَواريخ المَسِيْحيَّة: أنَّ مَقام الرُّوم بأَنْطاكِيَة، وكانوا يَدْعونَها: مَدِينَة اللهِ، ومَدِينَة المُلْكِ، وأُمّ المُدُن، وإنَّما قيل لها أُمّ المُدُن؛ لأنَّها أوَّل بَلَدٍ ظهرَ فيه دين النَّصْرانيَّةِ، وسُمِّيت مَدِينَةَ اللهِ، لأنَّه خُسِفَ بها في السَّنَةِ الثَّالثة من مَمْلكة يُوسْطِلْيانُوس الرُّومِيّ، وأبصر رجُلٌ صالِحٌ في نَوْمِهِ قائلًا يقُول: تكتبُ على أبواب المَدِينَة: الله مَعَنا، فدُعِيَتْ من ذلك اليوم مَدِينَةَ الله.

стр. 200

وأمَّا مَعْرفة مَن بنَاهَا: فقَرَأتُ بِخَطِّ يَحْيَى بن جَرِير التَّكْرِيتِيّ، في كتابه الّذي ضَمَّنَهُ أوْقَات بناءِ المُدُن (١)، وقد قدَّمنا ذِكْرهُ (٢)، قال: بَعْدَ دَوْلةِ الإسْكَنْدَر ومَوْته باثْنَتي عَشرة سَنة بَني سَلُوْقُوسْ اللَّاذقِيَّة، وسَلُوْقِيَة، وأفَامِيَة، وبارَوَّا؛ وهي حَلَب، وأَذَاسَا؛ وهي الرُّهَا، وكَمَّلَ بناءَ أَنْطاكِيَة، وكان بناهَا قَبْلَهُ، أعْني أنْطاكِيَة، أنيطغنُوسْ في السَّنَةِ السَّادِسةِ من مَوْتِ الإسْكَنْدَر. قال يَحْيَى بن جَرِير: بنَى أنطيْغنُوسْ المَلِكُ على نَهْر أَوْرَنْطَسْ مَدِينَةً وسمَّاها أنطوغنيا وهي التي كمَّلَ سَلُوْقُوس بناءَها، وزَخْرَفها وسمَّاها على اسْم وَلده أنْطيُوخُوس، وهي أنْطاكِيَة. وذَكَر أحمد بن مُحمَّد بن إسْحَاق الهَمَذَانِيّ المَعْرُوفُ بابنِ الفَقِيه، فيما قَرأتُه في كتاب البُلْدان وأخْبارها من تأليفه، قال (٣): وقال الهَيْثَم بن عَدِيّ: أنْطاكِيَةُ بناهَا أنْطِيخُشْ المَلِكُ الثَّالثُ بعد الإسْكَنْدَر. وقد ذكَرنا عن أبي العَلاءِ (٤) أنَّ الَّذي بَناها يُقالُ لهُ أنْطِيخنُوسْ المَلِك. وقَرَأتُ في تاريخٍ قديم وقَعَ إليَّ، وعدَّدَ فيه مُلُوكَ سُورْيَة، قال: وهي بالشَّام، فذَكَرَ سَلُوْقُوسْ، وهو الّذي بنَى حَلَبَ وقِنَّسْرِيْن، ثمّ مَلَك بعدهُ أنطباخوسْ بن سوطر تسْعًا وعشرين سنةً، وبنَي أنْطاكِيَة، وسُمِّيَ الإلَه خَمْس عَشرة سنَةً.

стр. 201

وقَرَأتُ في تاريخ سَعيد بن بِطْرِيْق النَّصْرانيّ، قال (١): ومَلَكَ بَطْلَمْيُوس مُحبّ أُمّهِ عشرين سَنَة، وفي أيَّامه غلَبَ على الشَّام وأرض يَهُوذا أنْطِياخُوسْ (a) مَلِك الرُّوم، فأخرج اليَهُود (b) من الشَّام، ونالَهم منهُ كلّ شِدَّة وعَذَابٍ. ومَلَكَ بعدَهُ أخوهُ بَطْلَمْيُوس ويُلَّقب أيضًا الصَّائغ (c) ثلاثًا وعشرين سَنَة، وفي أيَّامهِ بَني أنْطِياخُوسْ مَلِك الرُّوم أَنْطاكِيَة، وسمَّاها باسْمه، فسُمِّيَتْ مَدِينَةَ أنْطِياخُوسْ وهي أَنْطاكِيَة. وقَرَأتُ في بعض ما عَلَّقْتُهُ من الفَوائِد: قيل إنَّ أوَّل من سَكَن أَنْطاكِيَة وعَمَّرها أَنْطاكِيَةُ بنْتُ الرُّوم بن اليَفَن بن سَام بن نُوح، وهي أختُ أَنْطالِيَةَ باللّام. وقَرَأتُ في بعض تَواريْخ القُدماء (٢): قال أونيناوسْ: في السَّنَة الثَّالثة عَشر من تاريخ الإسْكَنْدَر بني سُولُوقس أَنْطاكِيَةُ. قَرَأتُ بِخَطِّ غَرْس النِّعْمَة مُحمَّد بن هِلِّل بن المُحَسِّن في كتاب الرَّبيع (٣)، وأنْبَأنَا به جَمَاعةٌ عن ابن البَطِّيّ، عن مُحمَّد بن فُتُوح الحُمَيْدِيّ، قال: أخْبَرَنَا غَرْس النِّعْمَة أنَّه نقلَ من خطِّ ابن بُطْلان الطِّيْب رسالةً كتبَها إلى والده هِلِّل بن المُحَسِّن، بعد خُرُوجهِ من بَغْدَاد، يُخْبره فيها بأحْوالِ البلاد الّتي مرَّ بها في سَفَره، وذلك في سَنةِ أرْبعين وأرْبَعِمائة، قال فيها (٤): وخرَجنا من حَلَب طَالِبينَ أَنْطاكِيَةُ، وبين حَلَب وبينها يومٌ وليلةٌ، فوَجَدنا المسافة الّتي بين حَلَب وأَنْطاكِيَة أرْضًا عامرةً لا خَرَابَ فيها أصْلًا، لكنَّها أرض زَرْع للحِنْطَة والشَّعِير تحت شَجر الزَّيْتُون، قُراها مُتَّصلَة،

стр. 202

ورياضُها مُزْهِرة، ومياهُها مُتَفجِّرة، يَقْطعُها السَّفْر في بالٍ رَخيّ وأمْن وسُكون. وأَنْطاكِيَةُ بلدٌ عَظِيمٌ، ذو سُور وفَصِيْل، ولسُوره ثلاثمائة وستُّون بُرْجًا، يَطُوفُ عليها بالنَّوْبةِ أربعة آلاف حارس، يَنْفَذُونَ من القُسْطَنْطِينيَّة من حَضْرة المَلِك، يَضْمَنُون حِراسَةَ البَلَدِ سنةً، ويَسْتَبْدل بهم في السَّنَة الثَّانيةِ. وسِكَكُ البَلَدِ كنصف دَائرة، قُطْرها يَتَّصِل بجَبل، والسُّور يَصْعَد مع الجَبَل إلى قُلَّتِهِ، فيتمُّ دائِرَهُ، وفي رأس الجبَل دَاخِل السُّور قَلْعَة تَبِيْنُ - لبُعْدِها عن البَلَدِ - صغيرةً، وهذا الجَبلُ يَسْتُر عنها الشَّمْسَ فلا تَطْلُع عليها إلَّا في السَّاعَة الثَّانية، وللسُّور المُحيط بها دُون الجَبَل خَمْسة أبواب، وفي وَسطها بِيْعَة القُسْيَان، وكانت دَار قُسْيَان المَلِك الّذي أحْيا ولدَهُ فُطْرُسْ رَئيس الحَوَارِييّن ﵇، وهو هَيْكَلٌ طُوله مائة خَطْوَة، وعرْضُه ثمانون، وعليه كَنِيْسَة على أسَاطين، وكان بِدَوْر الهيكَل أرْوِقَة يَجْلِسُ عليها القُضَاةُ للحُكُومة، ومُعَلِّمو (a) النَّحو واللَّغَة، وعلى أبواب هذه الكَنِيْسَة بَنْجَام (b) للسَّاعات يَعْمل ليلًا ونهارًا دائمًا، اثْنَتي عَشرة ساعةً، وهو من عَجائب الدُّنْيا، وفي أعْلاه خَمْس طَبَقات، في الخامسَة منها حَمَّامات وبَساتِيْن، ومَعاصِر حَسَنَة تَخرَّقُها المياهُ، وعِلَّة ذلك أنَّ الماءَ يَنْزل إليهم من الجَبلِ المُطِلّ عليهم، وهناك من الكَنَائِس ما لا تُحَدّ كَثْرةً، كُلّها مَعْمُولة بالفَصِّ المُذهَب، والزُّجَاج المُلَوَّن، والبلاط المُجَزَّع.

стр. 203

ثُمَّ قال (١): وظَاهِر البَلَدِ نَهْرٌ يُعْرفُ بالمَقْلُوب، يأْخُذُ من الجَنُوب إلى الشَّمَالِ، وهو مثلُ نَهْر عِيسَى، وعليه رَحَىً، يَسْقي البَساتِيْن والأراضي. وقال أبو العبَّاسِ أحمد بن إبْرَاهِيْم الفارِسيّ الإصْطَخْرِيّ، في كتاب صِفَة الأقالِيْم (٢): أَنْطاكِيَة، وهي - بَعْد دِمَشْق - أنْزَهُ بلَد بالشَّام، عليها سُور صَخْر يُحيط بها وبَجَبل مُشْرف عليها، فيه مَزَارِع ومياه (a) وأشْجَار ومَراعٍ وأرْحِيَة، وما يَسْتَغِلُّ (b) به أهلُها من مَرافِقها، يُقال: إنَّ دَوْر السُّور للرَّاكب يومين، وتَجْري مياهُهُم في دُوْرهم وسِكَكهم، وبها مَسْجِد جامِع (c)، وبها ضِيَاع وقُرَىً ونواحي خِصْبَة جدًّا. وقَرَأتُ في كتاب ابن حَوْقَل النَّصِيْبيِّ (٣)، قال: والعَوَاصِم اسْم النَّاحِيَة، وليسَ بمَدِينَةٍ تُسَمَّى بذلك، وقَصَبَتها أَنْطاكِيَّة، وهي - بَعْد دِمَشْق - أنْزَهُ بَلَدٍ بالشَّام، وعليها إلى هذه الغايةِ سُور من صَخْرٍ يُحيط بها، وجبل (d) مُشْرفٍ عليها، فيه لهم مَزَارِع ومَراعي وأشْجَار وأَرحِيَة، وما يَسْتَغلُّ (e) بها أهلُها من مرافقها. ويقال: إنَّ دَوْر السُّور للرَّاكب يَوم واحد. وتَجْري مياهُهُم في أسْواقهم ودُورهم وسِكَكهم ومَسْجِد جامعهم. وكان لها ضِيَاع وقرىً ونواحي خِصْبَة حَسَنة، اسْتولَى عليها الرُّوم، وكانت قد اختلَّت قبل افْتتاحها في أيْدِي المُسْلِمِيْن، وهي أيضًا في أيْدِي الرُّوم أشدّ اخْتلالًا، وفتَحَها الرُّوم في سَنَة تسعٍ وخَمْسين وثَلاثِمائة.

стр. 204

قُلتُ: وبعد اسْتيلاء الرُّوم عليها في هذه السَّنَة، فتحَها المُسلِمُونَ، وذلك أنَّ سُلَيمان بن قُطَلْمِشِ بن قَاؤُر (a) بن سَلْجُوق، وجدّه قَاؤُر أخو ألْب أَرَسْلَان، أسْرَى من نِيقِيَّة، وكَتَم خَبره، وَجَدَّ في السَّير، فوصلَ إلى أَنْطاكِيَة في مائتي فارس وثمانية فَوَارس ليْلًا، فتسوَّرُوا الأسْوار، وفَتَحُوها ليلًا، وذلك في أوَّل شَعْبان سَنة سَبْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، ثمّ قُتِلَ سُلَيمان بن قُطَلْمِشِ، واسْتَولى يَغي سِيان (b) على أَنْطاكِيَة، وأخَذَها الفِرِنْج، خَذَلَهُم اللهُ منه في سَنة تسعينَ وأرْبَعِمائة، وبقيَت في أيْدِيهم إلى الآن. والمَسْجِد الجامع الّذي كان بأَنْطاكِيَة للمُسْلِمين، هو إلى جانب القُسْيَان، ودَخَلْتُ أَنْطاكِيَة في سَنَة ثلاث عَشْرة أو أرْبع عَشرة وستِّمائة، ودَخَلتُ بِيْعَة القُسْيَان، فوَجدْتُ بجانبها مِحْرَابَ المُسْلِمِيْن على حالِهِ، وفي سُقُوفه آيات القُرْآن مكتُوبةً في النَّقش، وهي على ما ذَكَرهُ ابن بُطْلان من الصُّورة، وبِيْعَة القُسْيَان مُزَخْرفة بالرُّخَام والفُسَيْفِساءِ. وقَرَأتُ في كتاب الحَافِظ لَمَعارف حَرَكات الشَّمْس والقَمَر والنُّجُوم في آفاقها، تأليف أبي الحُسَيْن بن المُنَادِي: يُقال (١): ما من بناء بالحِجَارَة أبهى (c) من كَنِيْسَة الرُّهَا، ولا بناءٌ بالخَشَب أبْهَى مِنْ كَنِيْسَة مَنْبج، ولا بناءٌ بالرُّخَام أبْهَى من قُسْيَان أَنْطاكِيَة.

стр. 205

قال لي الشَّيْخ عليّ بن أبي بَكْر الهَرَوِيّ في ذِكْر مَدِينَة أَنْطاكِيَةُ (١): وهي من المُدُن التي كانت يَتَسلَّى بها الغريبُ عن وَطَنه. وأمَّا اليوم فلا يُعنَي لكَرْبها صائمٌ. ونَقَلْتُ من كتاب البُلْدان، تأليف أحمد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب (٢): ولجُنْد قِنَّسْرِيْن والعَوَاصِم من الكُوَر: كُورَة أَنْطاكِيَةُ، وهي مَدِينَةٌ قديمةٌ، يقال إنَّه ليس في أرْض الإسْلام، ولا أرض الرُّوم مثلها، أجَلّ ولا أعْجب سُورًا، عليها سُور حِجَارَة، في داخل السُّور منازل تسير فيها الرُّكبان. وبلَغَنِي أنَّ مساحة دَوْر السُّور، وهو يُحيط بالمَدِينَة وبالجبل الّذي المَدِينَة في سَفْحه إثنا عشر مِيْلًا، وافْتُتحَتْ مَدِينَة أَنْطاكِيَةُ صُلْحًا؛ صالَحهم أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح، وعندَهُم كتاب الصُّلْح إلى هذه الغاية، وبها الكَفّ الّتي يُقال إنَّها كَفُّ يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء ﵇ في كَنِيْسَة يُقالُ لها كَنِيْسَة القُسْيَان. ولها نَهْرٌ يُقالُ لهُ الأُرُنْط، عليه العِمَاراتُ والأجِنَّة. ولها عُيُون كَثِيْرة تأتي من الجَبَل، ثمّ تَجْري في مَنازل المَدِينَة، ويُصَرَّفُ الماءُ فيها كيف أحبّ أهلها. وأهلُها الغَالِبونَ عليها قومٌ من العَجَم، وبها قومٌ من ولد صالحِ بن عليّ الهاشِميّ، وقومٌ من العَرَب من يَمَن. قَرَأتُ في كتاب أبي إسْحَاق إبْرَاهِيْم بن الحَسَن بن أبي الحَسَن الزَّيَّات الفَيْلَسُوف، المُسَمَّى نُزْهَة النُّفُوس وأُنْس الجَلِيْس، في ذِكْر المُدُن والأقالِيْم، فقال: ذِكْر مَدِينَة أَنْطاكِيَةُ: وهي في الإقْليم الرَّابِع، وبُعْدُها من خطِّ الاسْتواء ستَّةٌ وثلاثون درجةً، وهي مَدِينَة قديْمةٌ، وليس في أرْض الإسْلام ولا في أرْض الرُّوم مثلها، ولها سُور من حِجَارة، ودَوْرُها اثنا عَشر مِيْلًا، وبُعْدُها عن خَطّ المَغْرب اثْنَتان وستُّون دَرَجَة. افْتَتَحَها أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح صُلْحًا، وعندَهُم الآن كتاب الصُّلْح،

стр. 206

وبها قبرُ يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء ﵇، وكَنِيْسَة يُقالُ لها القُسْيَان، وبها نَهْرُ الأُرُنْط، عليه العِماراتُ والضِّياع والبّساتِيْن، وبها عيونٌ كَثِيْرةٌ تأتي من قنواتٍ من الجِبَال، فتَدْخل منازلهم، فيَضْربُ الماءُ لكُلِّ جهةٍ، وأهلُها قومٌ من العَجَم، وبها قومٌ من العَرَب. وقَرَأتُ في كتاب المَسَالِك والمَمَالِك للحَسَن بن أحْمَد المُهَلَّبِيّ العزيزي؛ وَضَعَهُ للعَزِيز الفاطِمِيّ المُسْتَولِي على مِصْر، قال: فأمَّا مَدِينَة أَنْطاكِيَةُ فهي مَدِينَةُ العَوَاصِم، وهي مَدِينَةُ جليلةٌ؛ فتَحَها أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح، وأسْكَنها المُسْلِمِيْن. وهي من الإقْليم الرَّابِع، وعرضُها خمسٌ وثلاثُون دَرَجةً. وهي مَدِينَةٌ عَظِيمةٌ ليسَ في الإسْلام، ولا في بلدِ الرُّوم مثلها؛ لأنَّها في لِحْفِ جَبَلٍ، هو من شَرْقها مُطلّ عليها، لا تقَعُ عليها الشَّمْس إلَّا بعد سَاعتَيْن من النَّهَار، وعليها سُور من حِجَارَة يَدُور بسَهْلها، ثمّ يطلعُ إلى نصْف الجَبَل، ثمّ إلى أعْلاهُ، ثمّ يَنْزل حتَّى يَسْتديرَ عليها من السَّهلِ أيضًا، وفي داخل السُّور عرَاصٌ كَثْيرة في الجبل ومَزَارِع وأجِنَّةٌ وبَساتِيْن، ويتخرَّقُ الماءُ من عُيُون له في الجبل مُقَنَّاة إلى المَدِينَة والأسْواق والمنازل، كما يتخرَّق مَدِينَة دِمَشْقَ، وأبنيتها كُلُّها بالحَجَر. والفَوَاكِه والزَّهر بها كالمَجَّان، ومَسَاحة دَوْر السُّور إثنا عَشر مِيْلًا. وبها كَنِيْسَة القُسْيَان، وهي كَنِيْسةٌ جليلةٌ عَظِيمَة البناء والقَدْر عند النَّصَارَى، ويُقال إنَّ بها كَفّ يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء ﵇، وبرَسْمها بِطْريْقٌ، وتُجِلُّ النَّصَارَي قَدْرَهُ. لها أعْمَالٌ واسِعَةٌ من المَشْرِق إلى المَغْرب، وأهْلُها الغَالِبونَ عليها قَوْمٌ من الفُرْس، وقومٌ من ولد صالحِ بن عليّ ومَوَالِيهِ. وأهلُها أحْسَنُ خَلْقِ الله تعالَى وجُوهًا، وأكْرَمهم أخْلَاقًا، وأرَقّهُم طِباعًا، وأسْمَحهم نُفُوسًا، والأغْلَب على خِلَقهم البياض والخُمْرة. ومَذَاهبهم على ما كان عليه أهل الشَّام إلَّا مَنْ تخصَّص.

стр. 207

ولها من الكُوَر: كُورَة تِيْزِيْن (١)، وهي ضِياعٌ جليلةُ القَدْر، وكُورَة الجُوْمَة، وبها العُيُون الكِبْرِيتيَّة الَّتي تَجْري إلى الحَمَّة، وكُورَة جَنْدَارِس (٢)؛ مَدِينَةٌ عجيبةُ البناءِ (a)، مَبْنِيَّة بالحِجَارَة والعَمَد، وكُورَة أَرْتاح، وهي مَدِينَة جَلِيلةُ القَدْر، وكُورَة الدُّقسِ، وهي كَورَةٌ جليلةٌ، وكُورَة قَرْصِيلي، وهي ضِيَاعٌ جليلةٌ، وكُورَة السُّوَيدِيَّة (٣)؛ وهي

стр. 208

مَدِينَة على ضَفَّةِ البَحْر المالِح، وكُورَة الفارِسيَّة والعَرَبيَّة، وهي جليلةُ القَدْر، وكُورَة يدابيا (a)، والقُرَشِيّة (١). قُلتُ: وأهلُها الآن هم من أبناء الرُّوم والإفْرَنْجِ، وخِلَقُهم في الحُسْن والجمَال على ما ذَكَر. وكُورَة تِيْزِيْن، وكُورَة الجُوْمَة، وكُورَة جَنْدَارِس، وكُورَة أَرْتاح في يد المُسْلِمِيْن الآن مُضافة إلى وُلاة حَلَب. وحَارِم (٢) من هذه النَّاحِيَة لها قَلْعَةٌ عَظِيمةٌ حَصِيْنَةٌ، وهي عامِرةٌ، ولها رَبَضٌ وأسْواقٌ ومَسْجِدٌ جامع، وهي كَثِيْرة البَساتِيْن والفَواكِه، نَزِهَةٌ، كانت من أعْمَال أَنْطاكِيَةُ، وهي الآن مُسْتقلَّة بنَفْسها، مُسْتَتْبَعَةٌ لغَيْرها (b) من أعْمَال حَلَب حَرَسَها اللهُ.

стр. 209

نَقَلْتُ من خَطِّ بَنُوْسَةَ في كتاب البُلْدان؛ تأليفُ أحمد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ (١)، ممَّا حكاهُ عمَّن حدَّثه من أهْل الشَّام، قالوا: ونَقَلَ مُعاوِيَة بن أبي سُفْيان إلى أَنْطاكِيَةُ في سَنَة اثْنَتين وأرْبعين جَماعةً من الفُرْس من أهْل بَعْلَبَك (a) وحِمْصَ، ومن المِصْرَيْنِ (٢)، فكان فيهم مُسْلم بن عَبْد الله، جَدُّ عَبْد الله بن حَبِيْب بن النُّعْمان بن مُسْلِم الأنْطاكِيّ، وكان مُسْلم قُتِلَ على بابٍ من أبْواب أَنْطاكِيَةُ يُعرفُ اليوم بباب مَسْلَمَة (b)، وذلك أنَّ الرُّوم خرَجَت من السَّاحِل، فأناخَتْ على أَنْطاكِيَةُ، وكان مُسْلم على السُّور، فرمَاهُ عِلْجٌ بحَجَرٍ فقتلَهُ. وقال البَلاذُرِيّ (٣): وحَدَّثَني جماعَةٌ من مشايخ أهل أَنْطاكِيَةُ، منهم ابن بُرْد الفَقِيه، أنَّ الوَلِيدَ بن عَبْد المَلِكُ أقْطَع جُنْد أَنْطاكِيَةُ أرْض سَلُوْقِيَةَ عند السَّاحِل، وصَيَّرَ الفِلَثَر، وهو الجَرِيب (٤)، عليهم بدِيْنارٍ ومُدَّيْ قَمْحٍ، فعَمَروها، وجَرَى ذلك لهم، وبَني حِصْن سَلُوْقِيَة. قال (٥): وحَدَّثَني أبو حَفْص الشَّاميّ، عن مُحمَّد بن رَاشِد، عن مَكْحُول، قال: نَقَل مُعاوِيَة في سَنَة تسع وأربعين أو سَنة خَمْسين إلى السَّواحل قَوْمًا من

стр. 210

زُطِّ البَصْرَة والسَّيابِجَة (a)، وأنْزَل بعضهم أَنْطاكِيَةُ. قال أبو حَفْصٍ: بأَنْطاكِيَة محلَّةٌ تُعْرفُ بالزُّطِّ، وببُوْقَا من عَمل أَنْطاكِيَةُ قومٌ من أولادهم يُعرفُونَ بالزُّطِّ، وقد كانَ الوَلِيد بن عَبْد المَلِكُ نقَلَ إلى أَنْطاكِيَةُ قَوْمًا من زُطِّ السِّنْد ممَّن حَمَلَهُ مُحمَّد بن القَاسِم إلى الحَجَّاج، فبَعَثَ بهم الحَجَّاجُ إلى الشَّام. أخْبَرَنَا أبو هاشِمِ عَبْد المُطَّلب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشمِيّ مُشَافهةً، عن أبي سَعْدٍ عَبْد الكَريم بن مُحمَّد السَّمْعاني (١)، قال: أَنْطاكِيَةُ هي من أحْسَن البلَاد في تلك النَّاحية، وأكثرها خَيْرًا، اسْتَولَى عليها الفِرِنْجُ، وهي في أيْدِيهم السَّاعَة، وهي دار مَمْلكتهم، والدَّواء المُسْهِلُ الّذي يُقالُ لهُ: الأنْطاكِيّ مَنْسُوبٌ إلى هذه البلْدَة، المَعْروف بالسَّقَمُونْيا، ولا يكُون ببلَدٍ إلَّا بهذه البلْدَة، وقيل إنَّ هذه الآية في (b) أَنْطاكِيَةُ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (٢). وبها قَبْر حَبِيْب النَّجَّار في السُّوق؛ كانَ بها، ومنها جَماعةٌ من العُلَمَاءِ المَشْهُورين قَدِيمًا وحَدِيثًا.

стр. 211

قَرَأتُ في كتاب أحمد بن مُحمَّد بن إسْحَاق الهمذاني [ابن] (a) الفَقِيه في البُلْدان (b) وأخبارها: لَمَّا أنَّ فتح أنوشروان قِنَّسْرِيْن ومَنْبج وحَلَب وحِمْص ودِمَشْق وإِيلِيَاء وأَنْطاكِيَة، اسْتَحْسَنَ أَنْطاكِيَةُ، فلمَّا انْصَرَف إلى العِرَاق، بَنى بها مَدِينَة على مِثال أَنْطاكِيَةُ بأسْواقها وشَوَارعها ودُورها، وسمَّاها رندخُسْره (c)، وهي الّتي تُسمِّيها العرب: الرُّومِيّة، وأمرَ أنَّ يُدْخَلَ إليها سَبْي أَنْطاكِيَةُ، فلمَّا دَخَلُوها لم يُنْكِروا من منازلهم شيئًا، فانْطلق كُلّ رَجُل منهم إلى مَنْزله، إلَّا رَجُلٌ إسْكَافٌ (١)، كان على باب داره بأَنْطاكِيَة شَجَرة فِرْصَادٍ فلم يَرَها على بابِه ذلك، فتَحَيَّر سَاعةً، ثمّ دخل الدَّار فوجَدَها مثل دَاره. وقَرَأتُ في بعض ما عَلَّقْتُهُ من الفَوائدِ أنَّ كِسْرَى بنَى الرُّومِيّة بالمَدَائِن، وهي: بَاذْبَجَان خُسْره (d)، وتَفْسيرها: خَيْرٌ من أَنْطاكِيَةُ. وهذا الّذي ذكرَهُ [ابن] الفَقِيه أحمد بن مُحمَّد بن إسْحَاق الهَمَذَانِيّ من أنَّهم لم يُنكروا من منازلهم، وأنَّ الرَّجُل الإسْكَاف لم يَرَ شَجَرة الفِرْصَاد على بابه، فتحيَّرَ سَاعةً ثمّ دَخَل، بعيدٌ جدًّا، بل هو من المُسْتحيلات؛ لأنَّ أبْنيَة أَنْطاكِيَةُ بالحَجَر، وبناء هذه المَدِينَة بالآجُرِ، بل يُحْتمل أنَّه شبَّهها بها في المنازل والشَّوَارع، فدَخَلَ كُلُّ واحدٍ إلى ما يُشْبهُ مَنْزله، لا أنَّ الإسْكَاف أَنْكر الموضِع لأنَّهُ لم يرَ شَجَرة الفِرْصَاد.

стр. 212

وذَكَرَ أبو عَبْد الله حَمْزَة بن الحَسَن الأصْبَهَانِيّ، في كتاب تواريخ الأُمَم (١) كِسْرَى أَنَوشَرْوان بن قباد (a)، قال: وبنَي عدّة مُدُن، منها مَدِينَة دَخَلت في عِداد مُدن المَدَائِن السَّبْع، وسمَّاها: بُهُ أربذ يو خُسْره (b)، ومعنى: بُهُ أربذ يو خُسْره، أي: خَيْرٌ من أَنْطاكِيَةُ، وقال: أربذ يو: اسمٌ (c) لمَدِينَة أَنْطاكِيَةُ، وبُهُ: اسمٌ للخير. وقع (d) إليَّ قَصِيدَة من نَظْم أبي عَمْرو القَاسِم بن أبي دَاوُد الطَّرَسُوسِيّ، مَزْدوجةٌ، وَسَمَها بقصيدةِ الأعْلَام؛ يَذْكُرُ فيها خُروجَهُ من طَرَسُوس سنةَ ثَمانٍ وثَلاثِمائة، ويَصِفُ فيها المنازل التي نَزَلَها، فذَكَرَ أَنْطاكِيَةُ وفَضْلها، وفَسَّر الأبيات، والنُّسْخةُ نُسخة عَتِيقة جدًّا. قال فيها: [من الرجز] ثمّ وَرَدْنَا غدوة (e) أَنْطاكِيَةُ … وأهْلُها في خَيْرها مُواسِيَهْ أهْل عَفَاف وأُمُور عاليهْ … أخْلاقهُم قدمًا عليها جارِيهْ * * * مَدِينَةٌ مَيْمُونةٌ مُذ لم تَزَلْ … النِّصْف في السَّهْلِ ونصفٌ في الجَبَل والبَقُّ لا يَدْخُلُها ويتَّصل … لكن بها فأرٌ عظيمٌ كالوَرَل * * * كَثِيْرة الخَيْرات والثِّمار … وتِيْنُها القِلَّار في الأشْجَارِ مثل النُّجُوم في دُجَى الأسْحار … حَصِيْنَةٌ كَثِيْرةُ الآثارِ * * *

стр. 213

صَاحِب يس حَبْيْبٌ فيَها … وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ وَجِيْهَا في الخلُد والثِّمَارِ يَجْتَنِيْهَا … أكْرِم به مُفْتَخَرًا نَبِيْهَا وقال في تَفْسير الأبْيات: أمَّا أَنْطاكِيَةُ فإنَّ لها حِصْنًا نصفٌ في السَّهْلِ ونصفٌ في الجبَل، ولا يَدْخلُها البَقُّ، ومَنْ خَرَجَ منها آذاهُ البَقُّ، وهي كَثِيْرة الفَأر، والتِّيْنُ القِلَّارِيُّ لا يَكُون إلَّا بها، ويُعْرفُ بالعِرَاقِ: بالشَّاميّ، وصاحب يس: حَبِيب النَّجَّار، قَبْرهُ بها، وهو الّذي قال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (١). بابُ ما جَاءَ في ذَمِّ أَنْطاكِيَةُ قيل: إنَّ أَمِيرَ المُؤمِنِين هارُون الرَّشِيد، رَحْمة الله عليه، كانَ وَرَدَ أَنْطاكِيَةُ، فاسْتَطابَها جدًّا، وَهَمَّ بالمَقام فيها، وكَرِهَ ذلك أهْلُها، فقال له شيخٌ منهم، وصَدَفهُ (a) عن الصُّورة: يا أَمِير المُؤمِنِين؛ ليْسَت هذه مِنْ بُلدانك، قال: وكيف؟ قال: لأنَّ الطِّيْبَ الفاخِرَ يتَغيَّر فيها حتَّى لا يُنْتَفع به، والسِّلاح يَصْدَأُ فيها، ولو كان من قَلْعِ الهِنْد، فتركَها ورَحَلَ عنها. ويُقال: إنَّ أَنْطاكِيَةُ كَثِيْرة الفَأْر، وقد ذَكَر ذلك أبو عَمْرو القَاسِم بن أبي دَاوُد الطَّرَسُوسِيّ في أُرْجُوزَةٍ له، فقال في ذكر أَنْطاكِيَةُ: [من الرجز] والبَقُّ لا يَدْخلُها ويَتَّصل … لكن بها فأرٌ عظيمٌ كالوَرَل

стр. 214

أنْبَأنَا عَبْد المُحْسِن بن عَبْد الله الخَطِيب، عن أبي عَبْد الله الحُسَيْنُ بن نَصْر بن خَمِيْس، قال: أخْبَرَنَا أبو المَعَالِي ثابتُ بن بُنْدَار بن إبْرَاهِيْم البَقَّال، قال: أخْبَرَنَا أبو عَليّ الحَسَن بن الحُسَيْنُ بن دُوْمَا النِّعَالِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عَليّ مُحمَّد بن جَعْفَر بن مَخْلَد البَاقَرْحِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحمَّد الحَسَن بن عَلُّويَة القَطَّان، قال: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْل بن عِيسَى العَطَّار، قال: حَدَّثَنَا إسْحَاق بن بِشْر أبو حُذَيْفَة، عن ابن سَمْعَان، قال: بلَغَني عمَّن له علمٌ بالعِلْم الأوَّلِ أنَّ كُلّ رجُل بعثَهُ سَمْعُون بعد عِيسَى إلى أُناسٍ أو بَلْدةٍ، أقام عندَهُم حتَّى ماتَ في بلادهم، واتَّبَعُوه ما خلا يُحْنَّى وتُومان؛ بُعثَا إلى أَنْطاكِيَةُ فلم يُجيبُوهما، وقَتَلُوا مَنْ آمنَ بهما واتَّبَعَهُما، وَعَدَوا عليهما، وأرادُوا قَتْلَهُما، وقَتَلُوا حَبِيبًا النَّجَّار، فأخذَهُم اللهُ بالصَّيْحَة. وكانت أوَّل مَدِينَة أَهْلكَها اللهُ بعد عِيسَى أَنْطاكِيَةُ. قال أبو حُذَيْفَة إسْحَاق بن بِشْرٍ: وقال الحَسَنُ: إنَّ مَدِينَة أَنْطاكِيَةُ من مَدائِن جَهَنَّم. قُلتُ: ظَنَّ أبو حُذَيْفَة أنَّ الحَسَن أرادَ بقوله: إنَّ مَدِينَة أَنْطاكِيَةُ من مَدَائِن جَهَنَّم، أَنْطاكِيَةُ الشَّام، فذَكَر ذلك عَقِيبَ ذِكْر حبيب النَّجَّار وأخذ أهل أَنْطاكِيَةُ بالصَّيْحة، وليس الأمر كذلك؛ بل المُراد من أَنْطاكِيَةُ التي ذكَرَها الحَسَن: أَنْطاكِيَةُ المُحْتَرِقة، وهي أَنْطاكِيَةُ الرُّوم، لِمَا نَذْكره ونُبَيِّنَهُ، وأخْذ أهل أَنْطاكِيَةُ بالصَّيْحة لعُتُوِّهم وتَكْذيبهم، لا يدُلُّ على عَدَم الفَضِيْلة، فإنَّ مَكَّة أشْرَف البِقَاع وقد كذَّب أهلُها رسُول الله ﷺ ، فانْتَقَم الله منهم، ونصَره عليهم، بل عُقُوبَة الجاني في الموضِع الشَّريف ألْيَق بحال الجاني، ألَا ترَى إلى أصْحاب الفِيْل كيف انْتَهَكُوا حُرْمَة الحَرَم؟ فأهلكَهُم اللهُ تعالَى كما أَخْبَر في كتابهِ بقَوْله تعالَى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (١)، فكان ذلك

стр. 215

زِيَادة في شَرف الحَرَم، فهذا فيما نحن فيه. ألَا تَرى إلى ما حَكيناهُ فيما تقدَّم من تَسْميتها مَدِينَة الله، أنَّه لَمَّا خُسِفَ بها رأي رجُلٌ صالِحٌ في نَوْمهِ قائلًا يقول: تكتبُ على أبْواب المَدِينَة: الله معنا، فسُمِّيت مَدِينَة الله. والدَّليلُ على أنَّ المُراد بقول الحَسَن: أَنْطاكِيَةُ الرُّوم، ما أخْبَرَنَا الشَّيْخ الإمام أبو مَنْصُور عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنَا عَمِّي أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَيْنُ عَبْد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن الحَسَن بن أبي الحَدِيْدِ، قال: أخْبَرَنَا جَدِّي أبو عَبْد الله، قال: أخْبَرَنَا أبو المُعَمَّر المُسَدَّد بن عليّ بن عَبْد الله بن العبَّاس بن أبي السّحيس (a) الحِمْصِيّ، قَدِمَ علينا، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحمَّد بن سُلَيمان بن يُوسُف الرَّبعِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحمَّد عَبْد الرَّحْمن بن إسْمَاعِيْل الكُوْفيّ، قال: حَدَّثَنَا إدْرِيس بن سُلَيمان بالرَّمْلَةِ، قال: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمن بن خَالِد بن حَازِم، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيد بن مُحمَّد، عن الزُّهْرِيّ، عن سَعيد بن المُسَيَّب، عن أبي هُرَيْرَة قال: قال رسُول اللهِ ﷺ (٢): أرْبَعُ مَدَائن في الدُّنْيا من الجَنَّة: مَكَّة والمَدِينَة وبَيت المَقْدِس ودِمَشْق، وأرْبع مَدَائِن من النَّار: رُوْمِيَّة وقُسْطَنْطِينِيَّة وأَنْطاكِيَة وصَنْعاء. قال إِدْرِيس: يعني أَنْطاكِيَةُ المُحْتَرِقة. وقد جاءَ في رِوَايَة أُخْرى مُصرَّحًا في الحَدِيْثِ بأنَّها أَنْطاكِيَةُ المُحْتَرِقة؛ أخْبَرَنَا بذلك الفَقِيه (b) العالم شَرَف الدِّين أبو مَنْصُور عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن الدِّمَشْقِيّ بها، قال أخْبَرَنَا عَمِّي (c) أبو القَاسِم بن أبي مُحمَّد، قال: أخْبَرَنَا أبو عَليّ
следующие страницы →