← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ تَوفِيقِي أحمدُ بن يُوسُف بن الحَسَن (a)، أبو العبَّاس الكَوَاشِيّ (١) وكَوَاشَا قَلْعَةٌ حَصِيْنَةٌ من قِلَاعِ المَوْصِل، رَجُلٌ من الصَّالِحين الأخْيَار، والأوْلِيَاء الأبْرَار، عالمٌ فَاضِلٌ، فَقِيْهٌ كَامِل، عَارِفٌ بالنَّحو والتَّفْسِير، وسَمعَ الحَدِيْث اليَسِيْر. وحَدَّثَ عن شَيْخنا أبي الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَريِم المَعْرُوف بابنِ الأَثِيْر، وقرأ النَّحو على والده يُوسف، وشَيْخنا أبي الحَرَم مَكي بن ريَّان المَاكِسيْنِيّ. وقَدِمَ علينا حَلَب، وأقام بالمَسْجِد المنسُوب إلينا، واجْتَمَعْتُ به ولم أسْمَعْ منه شيئًا لنُزُول سَنَده، وعاد من حَلَب إلى المَوْصِل، وانْقَطِع إلى اللّه في دُوَيْرة الصُّوْفيَّةِ بالجامع العَتِيق، ولَزِمَ العِبَادَة بها، وصَنَّف للقُرآن تفسِيرَيْن: مَطُوَّلًا ومُخْتصَرًا، وَقَفْتُ على المُخْتَصَر منهما، وهو حَسَن مُفِيْدُ.

стр. 1507

وقَدِمْتُ المَوْصِل رَسُولًا وزُرْتُهُ بالدُّوَيْرة المَذْكُورة، وجَدَّدْتُ العَهْدَ برُؤيته، وطَلبتُ أنْ أَسْمعَ منه حَدِيثًا فلم يكن عندَهُ شيء من أُصُوله، فذَكَر لي حَدِيثًا من حِفْظهِ، رَوَاهُ عن شَيْخنا ابن الأَثِيْر من كتاب التِّرمِذيّ بإسْنَاده إلى رسُول اللّه ﷺ ، وذَكَرهُ مَقْطُوعًا، وأجازَ لي ولوَلَدَيَّ رِوَايَةَ جميع ما يُروَى عنه. ثمّ قَدِمتُ المَوْصِلَّ مرةً أُخْرى في شُهُور سَنَة ثَلاثٍ وخَمْسِين وسِّتِمائة، وجَدَّدتُ العَهْدَ بزيارته، والتَّبَرُّك به، فاجْتَمَعْت به بالجامع العَتِيق بعد صَلاةِ الجُمُعَة وقد أضَرَّ، ووجَدْتُ بينَ يَدَيْهِ على سجَّادته مِنْدِيلًا قد وضعَهُ وهو يَسْجُد عليه، فلما فَرَغَ من صَلَاته قال لي مُعْتَذِرًا: هذا المندِيل أضَعُه بين يَدي في الصَّلاة، وأسْجدُ عليه خَوْفًا من أنْ أميْلَ عن القِبْلَة في حَالَة السُّجُود (a). أحمدُ بن يُوسُف بن خَالِد بن سَالَم بن زَاوِيَة، أبو الحَسَن السُّلَمِيُّ - وقيل: الأزْدِيّ - النَّيْسَابُوريُّ، ويعرَفُ بِحَمْدَان (١) وكان إمَامًا في الحَدِيْث، وَاسع الرِّحْلَة، دَخَلَ الشّام والجَزِيْرَة، واجْتازَ بحَلَب في طَرِيقه ما بين الشَّام والجَزِيْرَة، أو بَبعْضِ عَمَلها.

стр. 1508

ذكَرَهُ الحاكِم أبو عَبْد اللّه الحافِظ في تاريخ نَيْسَابُور (١)، بما أنْبَأنَا بهِ أبو الفُتُوح نَصْرُ بن أبي الفَرَج الحُصْرِيّ، وأبو مُحَمَّد عَبْد القَادِر بن عَبْد اللّه الرُّهَاوِيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو الخير القَزْوِينيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم زَاهِرُ بن طَاهِر الشَّحَّامِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُثْمان إسْمَاعِيْل بن عبد الرَّحْمِن الصَّابُونِيّ، وأبو بَكْر أحْمَد بن الحُسَين بن عليّ البَيْهَقِيّ، وأبو عُثْمان سَعيدُ بن مُحَمَّد البَحِيْرِيّ، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد العَزِيْز الحِيْرِيّ، إجَازةً منهم، قالوا: أخْبَرَنا الحاكِم أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عَبْد اللّه الحافِظ، قال: أحْمَدُ بن يُوسُف بن خَالِد بن سَلم (a)، أبو الحَسَن السُّلميّ النَّيْسَابُوريّ، أحَدُ أئمَّة الحَدِيْث، كبير الرِّحْلَة، واسِع الفَهْم، مَقْبُول عند الأئمَّة في أقْطَار الأرْض، وهو من خَوَاصِّ يَحْيَى بن يَحْيَى، ومن المُصَاهِرين على أقاربهِ، ويُقال: على ابْنَته. سَمعَ بخُرَاسَان حَفْصَ بن عبد الرَّحْمن، وحَفْصَ بن عَبْد اللّه، ويَحْيَى بن يَحْيَى، والجَارُوْد بن يَنِ يد النَّيْسَابُوريِّ، وعليّ بن الحُسَين بن شَقِيق، وعَبْد الرَّحمن بن عَلْقَمَة، وعَبْدَان بن عُثْمان المَرْوزيّ، وطَبَقتهم. وبالرَّيّ من عِيسَى بن جَعْفَر القَاضِيّ، وسُليْمان بن دَاوُد القَزَّاز، ومُحَمَّد بن يَحْيَى بن الضُّرَيْس، وطَبَقتهم. وبمَدِينَة السَّلام من أبي النَّضْر، ومُحَمَّد بن جَعْفَر المَدَائِنِيّ، ومُولىَ بن دَاوُد الضَّبيّ، ومَنْصُور بن سَلَمة الخُزَاعِيّ، وطَبَقتهم. وبالكُوفَة من يَعْلَى ومحمد ابني جُنَيْد، وجَعْفَر بن عَوْن، وعُبَيْد الله بن مُوسَى، وطَبَقتهم.

стр. 1509

وبالبَصْرَة من أبي عَامِر العَقَدِيّ، وصَفْوَان بن عِيسَى القَاضِيّ، وعُمَر بن يُونسُ اليَمَامِيِّ، وطَبَقتهم. وبالحِجَاز من النَّضْر بن مُحَمَّد الجُرَشِيّ، ومُؤَمَّل بن إسْمَاعِيْل، والمِنْقَريّ. وباليَمَن من عَبْد اللّه بن سَلَّام، وإسْمَاعِيْل بن عَبْدِ الكَريم، وعُمَر بن يَزِيد، وطَبَقتهم. وبالشَّام من مُحَمَّد بن يُوسُف الفِرْيَابِيّ، ورَوَّاد بن الجَرَّاح العَسْقَلانِيّ، وعَبْد الأعْلَى بن مُسْهِر، ومُحَمَّد بن المُبارَك الصُّوْرِيّ، وطَبَقتهم. وبالجَزِيْرَة من مُحَمَّد بن سُلَيمان بن أبي دَاوُد الحَرَّانِيّ، وطَبَقته. رَوَى عنهُ يَحْيَى بن يَحْيَى التَّمِيْمِيّ، ومُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل، ومُسْلم بن الحَجَّاج في الصَّحيحَيْن. وأكْثَرَ إِبْرَاهيم بن أبي طَالِب، ومُحَمَّد بن إسْحَاق بن خُزَيْمَة وكافَّة أئمَّتنا الرِّوَايَةَ عنهُ. قال الحاكِم: سَمِعْتُ أبا العبَّاس الأصَمّ يقول: كنتُ سَمِعتُ من أحْمَدَ بن يُوسُف السُّلَمِيِّ قبل خُرُوجنا إلى مِصْر، فانصَرَفتُ فَلَمْ أَجِدْ سَمَاعِي منهُ. أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن الحَسَن إذْنًا، قال: أخْبَرَنا عَمِّي أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: أخْبَرَنَا أُمُّ البَهَاء فاطِمَةُ بنتُ مُحَمَّد بن البَغْدَاديّ،

стр. 1510

قالت: أخْبَرَنا سَعِيْد بن أحْمَد العَيَّار (a)، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد الخَفَّاف، قال: حَدَّثَنَا أبو حَامِد أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن الشَّرْقيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن يُوسُف السُّلَمِيّ ومُحَمَّد بن عَقِيل، وأحمد بن حَفْص، قالوا: حَدَّثَنَا حَفْصُ - هو ابنُ عَبْد اللّه - قال: حَدَّثنِي إبْراهيم بن طَهْمان، عن شُعْبَة بن الحَجَّاج، عن قَتَادَة، عن أنَس، قال: قال رسُول اللّه ﷺ (١): رُفِعَتْ إلى السِّدَرةِ (b) فإذا أربعةُ أنْهار: نَهْران ظَاهِران، ونَهْران بَاطِنان، فأمَّا الظَّاهِرَان فالنِّيْلُ والفُرَاتُ، وأمَّا البَاطِنَان فنهران في الجَنَّة، وأُتيتُ بثلاثة أقْدَاح، قدَح فيه لَبنٌ، وقدَح فيه عَسَل، وقدَح فيه خَمْرٌ، فأخَذْتُ الّذي فيه اللَّبَن، فقيل لي: أصَبْت الفِطْرة، وأمْسَك (c). أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن قُشَام الحَلَبِيّ، عن الحافِظ أبي العَلَاء الهَمَذَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن أبي عليّ بن مُحَمَّد الهَمَذَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عِليّ الصَّفَّارُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد مُحَمَّد بن مُحَمَّد الحاكِم (٢)، قال: أبو الحَسَن أحْمَد بنُ يُوسف بن خَالِد بن سَالَم بن زَاوِيَة (d) الأزْدِيّ السُّلَمِيّ النَّيْسَابُوريّ، كان أبُوه يُنْسَبُ إلى الأَزْد، وأُمُّه إلى سُلَيم. سَمِعَ عَبد الرَّزَّاق، والنَّضْر بن مُحَمَّد. رَوَى عنهُ مُسْلم بن الحَجَّاج، كَنَّاه لنا أبو النَّضْر بَكْر بن مُحَمَّد بن إسْحَاق السُّلَمِيّ.

стр. 1511

أخْبَرَنا الحَسَن بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن (١)، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد إسْمَاعيْل بن أحْمَد بن عَبْدِ المَلك الكَرْمَانِيّ، وأبو الحَسَن مَكِّيِّ بن أبي طَالِب البَرُوجِرْديّ، قالا: أخْبَرَنا أبو بَكْر أَحْمَد بن عليّ بن خَلَف، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللّه الحافظُ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن عِيسَى الحِيْرِي، قال: حَدَّثنا الحُسينُ بن مُحَمَّد بن زِيَاد القَبَّانيّ (a)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن يُوسُف بن خَالِد بن سَالَم بن زَاوِيَة الأزْدِيّ بالبَصْرَة، وهو حَمْدَان السُّلَمِيّ، ح. قال: وحَدَّثَنَا أبو عَبْدِ اللّه بن الأَخْرَم، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن سَلَمَة، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن يوسُف الأزْدِيّ، ح. قال: وسَمِعْتُ أبا أحْمَد يقول: سَمِعْتُ مَكِّيِّ بن عَبْدَان لِقول: قال لنا أحْمَد بن يُوسُف: أنا أَزْدِيّ، وكان أُمِّيّ سُلَمِيَّةٌ. قال: وسَألتُ الشَّيْخ الصَّالِح أبا عَمْرو إِسْمَاعِيْل بن نُجَيْد بن أحْمَد بن يُوسُف السُّلَمِيّ عن السَّبَب فيهِ؟ فقال: كانت امْرأتُه أَزْدِيَّة فَعُرِفَ بذلكَ. أنْبَأنَا أبو الفُتُوح الحُصْرِيّ، وأبو مُحَمَّد الرُّهَاوِيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو الخَيْر القَزْوِينِيّ، قال: أخْبَرَنا زَاهِر بن طَاهِر، عن أبَوَي بَكْر البَيْهَقِيّ والحِيْريّ، وأبَوَي عُثْمان الصَّابُونِيّ والبَحِيْرِيّ، قالوا: أخْبَرَنا الحاكِم أبو عَبْد اللّه الحافِظُ، قال: سَمِعْتُ أبا عَمْرو إسْمَاعِيْل بن نُجَيْد، قال: سَمِعْتُ أحْمَد بن يُوسُف السُّلَمِيِّ، يقول: كان جَدِّي أَزْدِيّ الأب، سُلَمِيِّ الأُمّ، فغَلَب عليهِ السُّلَمِيِّ.

стр. 1512

وقال أبو عَبْد اللّه: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن حَامِد البَزَّاز يقول: سَمِعْتُ بعضَ مشَايخنا يَحْكي عن أحْمَد بن يُوسُف السُّلَمِيِّ: أمَّا أنا لستُ بسُلمَيّ، أنا أَزْدِيٌّ وعيَالي سُلَمِيَّة. أَنْبَأنَا أبو القَاسِم بن مُحَمَّد الأنْصَاريّ، عن أبي المُظَفّر عَبْد المُنْعِم بن عَبْد الكَريم القُشَيْريّ، عن أبي بَكْر البَيْهَقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللّه الحافِظ، قال: قَرأتُ بخَطِّ أبي عَمْرو المُسْتَملِيّ: سَمِعْتُ حَمْدَان السُّلَمِيِّ، وقالُوا له: أسْمعنا، فقال: لا يُمْكنُنِي أنا ابن ثمانين سَنَة، وذلك يَوْم الخَمِيْس بعد العَصْر لخَمْس عَشرة لَيْلَةً خَلَتْ من شَوَّال سَنَة اثْنَتَيْن وسِتِّين ومَائتَيْن. قُلتُ: فيكُون مَوْلدُهُ على هذا في سَنَة اثْنَتَيْن وثمانين ومائة، واللّهُ أعْلَمُ. قال أبو المُظَفَّر القُشَيْريّ: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الرَّحمن السُّلَمِيِّ، قال: وسَألتُه - يعني الدَّارَقُطْنِيّ - عن أحْمَد بن يُوسُف السُّلَمِيِّ؟ فقال: ثِقَةٌ نَبِيْلٌ. أخْبَرَنا نَصْر بن أبي الفَرَج، وعَبْد القَادِر بن عَبْد اللّه في كَتابَيْهما، قالا: أخْبَرَنا أبو الخير القَزْوِينِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الشَّحَّامِيِّ، عن البَيْهَقِيّ والحِيْرِيّ والصَّابُونِيّ والبَحِيْرِيّ، قالوا: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللّه الحافِظ، قال: أخْبرَني أبو مُحَمَّد بن جَعْفَر، عن مَكِّيّ بن عَبْدَان، قال: سَألتُ مُسْلم بن الحَجَّاج عن أحْمَد بن يُوسُف السُّلَمِيِّ؟ فقال: ثِقَة، وأمَرَنِي بالكتابةِ عنهُ. أنْبَأنَا أبو الحَسَن بن المُقَيِّر، عن أبي الفَضْل مُحَمَّد بن نَاصِر السَّلَامِيِّ، عن أبي الفَضْل الحَكَّاك، قال: أخْبَرَنا عُبيدُ الله بن سَعيد بن حَاتِم، قال: أخْبَرَنا الخَصِيْبُ بن عَبْد اللّه بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنِي عَبْدُ الكَرِيم بن أبي عبد الرَّحْمن، قال: أخْبَرَنِي أبيّ، قال: أحْمَد بن يُوسُف السُّلَمِيِّ نَيْسَابُوريٌّ ليسَ به بَأْسٌ.

стр. 1513

أخْبَرَنا عَبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد الأنْصَاريّ، فيما أَذِنَ لَنا فيه، قال: كَتَبَ إلينا أبو المُظَفَّر القُشَيْريّ، عن أبي بَكْر البَيْهَقيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللّه الحافِظُ، قال: أخْبَرَني مُحَمَّد بن إبْراهيم المُؤذِّن، قال: حَدَّثَنَا مَكّيِّ بن عَبْدَان، قال: سَمِعْتُ أحْمَد بن يوسُف السُّلَمِيّ يقول: كتبتُ عن عُبَيْدِ اللّه بن مُوسَى ثلاثين ألْف حَدِيثٍ. أنْبَأنَا أبو البَرَكَات الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبوه القَاسِم عليِّ بن الحَسَن بن هِبَةِ اللّه (١)، قال: أحْمَد بن يُوسُف بن خَالِد بن سَالِم بن زَاوِيَة أبو الحَسَن السُّلَمِيّ النَّيْسَابُوريّ المَعْرُوف بحَمْدَان، أحَدُ الثِّقَات الأثْبَات، رَحَلَ في طَلَب الحَدِيْث، وسَمعَ بالشَّامِ والعِرَاق وخُرَاسَان واليَمَن، وحَدَّثَ عن عَبْد الأعْلَى بن مُسْهِر، ومُحَمَّد بن المُبارَك الصُّوْرِيّ، ومَعْمَر بن يَعْمَر، وصَفْوَان بن صالح، ويَحْيَى بن أبي بُكَيْر، وعَمْرو بن أبي سَلَمَة التِّنِّيْسِيّ، ومُحَمَّد بن يُوسُف الفِرْيَابِيّ، ورَوَّاد بن الجَرَّاح العَسْقَلانِيِّ، وأبي النَّضْر هاشِم بن القَاسِم، ومُحَمَّد بن جَعْفَر المَدَائِنِيّ، ومُوسَى بن دَاوُد الضَّبِّيّ، ومَنْصُور بن سَلَمَة الخُزَاعِيِّ، ويَعْلَى ومُحَمَّد ابني عُبَيْد، وجَعْفَر بن عَوْن، وعُبِيْد اللّه بن مُوسَى، وأبي عَامِر العَقَدِيّ، وصَفْوَان بن عِيسَى، وحَفْص بن عَبْد اللّه، وحَفْص بن عبد الرَّحْمن، ويَحْيَى بن يَحْيَى، والجارُوْد بن يَزِيد، وعليّ بن الحَسَن بن شَقِيق، وعَبْدَان بن عُثْمان، ومُحَمَّد بن يَحْيَى بن الضُّرَيْس، وسُليْمان بن دَاوُد القَزَّاز (a) الرَّازِيَّيْن، وعَبد الرَّزَّاق بن هَمَّام، وإسَمَاعِيْل بن عَبْد الكَريم، والنَّضْر بن مُحَمَّد الجُرَشِيّ (b)، وعُمَر بن عَبْد اللّه بن رَزِيْن، وأبي عبد الرَّحْمن المُقْرِئ، وأبي حُذَيْفَةَ النَّهْدِيّ، وغيرهم.

стр. 1514

رَوَى عنهُ يَحْيَى بن يَحْيَى، وهو من مَشَايخِه، ومُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل البُخاريّ، ومُسْلم بن الحَجَّاج القُشَيْريّ، وإبْراهيم بن أبي طَالِب، وأبو بَكْر بن خُزَيْمَة، وأبو القَاسِم عُبَيْد اللّه بن إبْراهيم بن بَالُوَيْه، وأبو مُحَمَّد الحَسَن بن مُحَمَّد بن جَابِر، وجَعْفَر بن مُحَمَّد بن مُوسَى الحافِظ، وإبْراهيم بن عَبْد اللّه بن أحْمَد الحِيْرِيّ، وأبو العبَّاس السَّرَّاج، وأبو عبد الرَّحْمن النَّسَائِيّ، والحُسَين بن مُحَمَّد بن زِيَاد النَّيْسَابُوريّ القَبَّانِيّ (a). قُلتُ: هكذا قال الحافِظُ أبو القَاسِم الدِّمَشقيّ في تَرْجَمَةِ أحْمَد بن يُوسُف السُّلمِيّ: رَوَى عنهُ يَحْيَى بن يَحْيَى وهو من مَشَايخِه. وذَكَرَ بعدَهُ الحَدِيْث الّذي أوْرَدناهُ، ثمّ قال بعدَهُ: أنْبَأنَا أبو نَصْر بن القُشَيْريّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَيْهَقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللّه الحافِظ، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن حَامِد البَزَّاز يقول: سَمِعْتُ مَكِّيّ بن عَبْدَان يقول: سَمِعْتُ أحْمَد بن يُوسُف السُّلَمِيّ يقول: سَألتُ يَحْيَى بن يَحْيَى عن حَديثي عن حَفْص بن عَبْد اللّه، عن إبْراهيم بن طَهْمان، عن شُعْبَة، عن قَتَادَة، عن أنَس، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال (١): لمَّا رُفِعْتُ إلى السِّدْرة المُنَتْهى، إذا نَهْران ظَاهِران … الحَدِيْث، فسَمِعَهُ منِّي. ورَوَى ذلك عن أبي نَصْر، عن البَيْهَقِيّ، عن أبي عَبْد اللّه الحاكمِ. وقال أبو عَبْد الله الحاكمِ في تَرْجَمَتِهِ الّتي ذَكَرْناها من تاريخ نَيْسَابُور: رَوَى عنهُ يَحْيَى بن يَحْيَى التَّيْمِيّ. فإنْ كان اعْتِمَادُهما في قَولهما: رَوَى عنهُ يَحْيَى بن يَحْيَى، على ما رَوَياهُ من قول أحْمَد بن يُوسُف السُّلَمِيّ: "فسَمِعَهُ منِّي"؛ فليسَ هذا بروايةٍ عنه، وإنَّما يكون

стр. 1515

رِوَايَةً عنهُ إذا حَدَّث به عنه، أو ذَكَره في فَوَائِد خرَّجَها، أو مُصَنَّف جَمَعَهُ، أمَّا مجرَّد السَّمَاع لا يُقال فيه: رَوَى عنهُ، وإنَّما يُقال فيه: كَتَبَ عنهُ، أو سَمِعَ منه، أو اسْتَفادَهُ، واللّهُ أعْلَمُ. أخْبَرَنا أبو رَوْح عَبْد المُعِزّ بن مُحَمَّد في كتابهِ، عن أبي القَاسِم الشَّحَّامِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَيْهَقِيّ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللّه الحافِظ، قال: حَدَّثَني أبو مُحَمَّد عَبْد اللّه بن أحْمَد الشَّعْرَانيّ، قال: سَمِعْتُ أبا حَامِد بن الشَّرْقيّ يقول: ماتَ أحْمَد بن يُوسُف السُّلَمِيّ سَنَة أرْبَعٍ وسِتِّين ومَائتَيْن. وأخْبرَني أبو سَعْد المُؤذِّن عن أَبيِهِ، قال: ماتَ السُّلَمِيّ سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين ومَائَتيْن. أحمدُ بن يُوسُف بن عَبْد الوَاحِد بن يُوسُف، أبو الفَتْح الأنْصَاريّ الحَلَبِيّ الحَنَفِيّ الصُّوْفيّ، المُلَقَّب شِهَاب الدِّين (١) كان أبُوهُ دِمَشْقيًّا وانْتَقَلَ إلى حَلَب، ووُلِّيَ بها خَانقَاه سُنْقُرجا النُّوْرِيّ، وَسَنَذْكُر تَرْجَمَتهُ إنْ شَاءَ اللّهُ (٢). ووُلد أحْمَد - ابنُه - بحَلَب، واشْتَغَل بالفِقْه بها، وسَافَرَ إلى المَوْصِل، وتَفَقَّهَ بها على الجَلَال الرَّازِيّ، وبَرَع في عِلْم النَّظَر والخِلَاف، وتولَّى الإعَادَة بالمَدْرَسَة النُّورِيَّة الحَلاويَّة بحَلَب في أيَّام شَيْخنا افْتِخار الدِّين أبي هاشِم، وكان وَلي مَشْيَخَة

стр. 1516

الصُّوْفيَّة برِباط سُنْقُرجا بعدَ مَوْت والده، ثمّ اسْتُدْعِي إلى بَغْدَاد ليُدَرِّس بالمَدْرَسَة المُسْتَنْصِريَّة، فتوجَّه إليها في أيَّام الإمَام المُسْتَنْصر بالله ﵀، ووَلِيَ بها تَدْرِيس الفرقَة (a) الحَنَفِيّة، وأقام على ذلك مُدَّة، ثُمّ ضَجر الإقامة ببَغْدَاد والتَّقيُّد بما عليه أوْضاعُهم بها، فاسْتَأذن في العَوْد إلى وَطَنه، فأُذنَ له في ذلك، فعاد إلى حَلَب، والمَدْرَسَة المُقَدَّميَّةُ خَاليَة من مُدرِّس، فقُلِّدَ التَّدْرِيس بها، ثمّ مات المُدَرِّس بمَدْرَسَة الحَدَّادِين، فأُضِيْف تَدْرِيسُها إليه أيْضًا. وكان قد سَمِعَ الحَدِيْث من أبيِه، ومن شَيْخنا أبي هاشِم الهاشمِيّ، وغيرهما. وسَمِعْتُ منه شيئًا يَسِيْرًا عن والده، وَأدْرَكتُ وَالده ولم أكْتُب عنه. وحَكَى عنه شَيْخُنا نَاصِح الدِّين عبد الرَّحْمن بن نَجْم بن الحَنْبَلِيّ في كتاب الاسْتِسْعَاد بمَن لقي من صَالِحي العُبَّاد في البِلاد مَنامًا أخبره به سنذكره في تَرْجَمَةِ أبيه يُوسُف إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى. أخْبَرَنا الفَقِيه شِهَاب الدِّين أبو العبَّاس أحْمَد بن يُوسُف الأنْصَاريّ بحَلَبَ، قال: أخْبَرَنا أبي فَخْر الدِّين يُوسُف بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عليّ بن يَاسِر الجيَّانِيّ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبو المَكَارِم مُحَمَّد بن عُمَر بن أمِيْرجَه، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللّه بن الحَسَن بن أبي مَنْصُور الطَّبَسِيّ، قال: أخْبَرَنا أَبو عُمَر عَبْد الوَاحِد بن أحْمَد بن أبي القَاسِم المَلِيْحِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الرَّحمن السُّلَمِيّ (١)، قال: سَمِعْتُ عَبْد اللّه بن عليّ الطُّوْسِيّ يقول: سُئِلَ أبو الحَسَنِ الحُصْرِيّ: هل يَحْتَشم المُحبُّ أو يفزع؟ فقال: لا، الحبُّ اسْتِهْلَاكٌ لا يَبْقَى معهُ صِفَةٌ، وأنْشَد: [من البسيط] قالت: لقد سُؤْتَنا في غير مَنْفَعَةٍ … بقَرْعِكَ البابَ والحُجَّابُ ما هَجَعُوا

стр. 1517

ماذا يُريبُكَ في الظَّلْماءَ تَطْرُقُنُا؟ … قُلتُ: الصَّبَابَةُ هَاجَتْ ذاك والطَّمَعُ قالتْ: لعَمْري لقد خَاطرتَ ذا جَزَعٍ … حتَّى وَصَلْتَ وأَلَّا (a) عَاقَكَ الجَزَع تُوفِّي شِهَاب الدِّين أحْمَد بن يُوسُف الأنْصَاريّ بحَلَب يَوْم الخَمِيْس في السَّادِس عَشر من شَعْبان قبل العَصْر من سَنَة تِسْعٍ وأرْبَعين وسِتّمائة، وبلغَتْني وفاته وأنا بدِمَشْق، ثمّ وصَلَ ابنُه فأخْبرَني أنَّهُ تُوفِّي في هذا التَّاريخ، ﵀. أحمدُ بن يُوسُف بن عليّ بن يُوسُف بن الحُسَين بن أبي بَكْر البَغْدَاديّ، المَعْرُوف بابنِ القِرْمِيْسِينِيّ (١) سَمِعَ ببَغْدَاد أبا الكَرَم بن الشَّهْرَزُورِيِّ، وأبا الفَتْحِ بن البَطِّيّ، وأبا الفَضْلِ الأُرْمَوِيِّ، وأبا الفَرَج إبْراهيم بن سُلَيمان الضَّرِيْر، وسَمِعَ بمَرْو عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد الكُشْمَيْهَني، وبنَيْسَابُور أبا الأَسْعَد القُشَيْريّ، وحدَّث بشيءٍ من حَديثه. وطَافَ البِلاد الوَاسِعَة، ودَخَل الجَزِيْرَة والشَّام واجْتازَ بحَلَب. أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد عبد العَظِيْم بن عَبْد القَوِيّ قال في كتاب التَّكمِلَة لوَفَيَات النَّقَلَة (٢): وفي أواخر جُمَادَى الأُوْلَى (b) تُوفِّي الشَّيْخ أبو العبَّاس أحْمَد بن يُوسُف بن عليّ بن يوسُف بن الحُسَين بن أبي بَكْر البَغْدَاديّ المَعْرُوفُ بابنِ القِرْمِيْسِينِيّ بالمَوْصِل، ودُفِنَ بها. ومَوْلده ببَغْدَاد يَوْم عَاشُوْراء سَنَة إحْدَى وثَلاثين وخَمْسِمائَة،

стр. 1518

سَمِعَ ببَغْدَاد من القَاضِي أبي الفَضْل مُحَمَّد بن عُمَر الأُرْمَوِيّ، وأبي الكَرَم المبُارَك بن الحَسَن الشَّهْرَزُورِيّ (a)، وأبي الفَرَج إبْراهيم بن سُلَيمان الضَّرِيْر، وأبي الفَتْح مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي بن أحْمَد وغيرهم، وسَمِعَ بنَيْسَابور من أبي الأَسْعَد هِبَة الرَّحمن بن عَبْد الوَاحِد القُشَيْريّ، وبمَرْو من عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد الكُشْمَيْهَني، وسافَرَ الكَثِيْر، وطافَ ما بين الحِجَاز، واليَمن، والشَّام، وديار مِصْر، وخُرَاسَان، ومَا وَرَاء النَّهْر، وقِطْعَة من بلاد التُّرْك، وغَزْنَة، وبلاد الهِنْد، وجَزَائر البَحْر، وكان يَذْكر عَجَائِب رآها في أسْفَاره، وحَدَّث. أحمدُ بن يُوسُف بن عليّ، أبو العِبَّاس الشَّريفُ العَلَويُّ الحَسَنيُّ، المُلَقَّب عِمَاد الدِّين المَوْصِليِّ الفَقِيه الحَنَفِيُّ (١) كان فَقِيهًا، حَسَنًا، صَالِحًا، وَرِعًا، زَاهِدًا، فَاضِلًا، سَكَنَ حَلَبَ وتَفَقَّهَ بها على تَاج الدِّين أحْمَد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود الغَزنَوِيّ الحَنَفِيّ، ثمّ صَحِبَ مُوَفَّق الدِّين مَحْمُود بن هِبَة اللّه بن النَّحَّاس، ولَزِمَ دَرْسَه بمَدْرَسَتي شَاذْبَخْت النُّوْرِيّ والحَدَّادِين، وسَافرَ معهُ إلى العَجَم حين توجَّه إليها رَسُولًا، وعادَ إلى حَلَب فأقام بمَدْرَسَة الحَدَّادِين مُشْتغلًا بالفِقْه والعِبَادَة، واجْتهدَ في عِمارَة المَدْرَسَة، ولم يتعرَّض لمَنْصِبٍ، وسَمِعَ معي الحَدِيْث على شَيْخنا افْتِخار الدِّين أبي هاشِم الهاشِميّ، وشَيْخنا بَهَاء الدِّين أبي المَحَاسِن يُوسُف بن رَافِع بن تَمِيْم قَاضِي حَلَب.

стр. 1519

ثم خَرَجَ من حَلَب إلى مِصْر حينَ وصَلَ التَّتَارُ إلى بلاد الرُّوم سَنة أرْبَعيْن وسِتّمائة، وكنتُ بمِصْر في هذه السَّنَة، وهو بها، وحَدَّثَ بها عن شَيْخنا أبي هاشِم المَذْكُور، وعُدْتُ إلى حَلَب وهو بالدِّيَار المِصْرِيَّة، فأضَرَّ بها، وعاد إلى حَلَب وقد ذَهَبَتْ عَيْناهُ وهو صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، فلَزِمَ مَدْرَسَة الحَدَّادِين إلى أنْ ماتَ في بعض شُهُور سَنَهَ ثمانٍ وأرْبَعين وسِتّمائة، وكان حسن العَقِيْدَة والمَذْهَب، ﵀ (١). أحمدُ بن يُوسُف بن القَاسِم بن صَبِيْح الكَاتِب، أبو جَعْفَر (٢) كاتبٌ أدِيبٌ، نَاظِم نَاثِرٌ مُجِيْدٌ فيهما. حكى عن عَبْد الحَميْد بن يَحْيَى الكَاتِب، وعنٍ عَبْد اللّه المَأْمُون، وقَدِمَ حَلَبَ صُحْبَتَهُ، وكان يَلي له دِيْوَان المَشْرِق، ودِيْوَان الرَّسَائِل، ووَزَرَ له ونَادَمَهُ، وكان خَصِيْصًا به. رَوَى عَنْهُ ابنُه مُحَمَّد بن أحْمَد بن يُوسُف، وأبو الحَسَن عليّ بن سُلَيمان الأخْفَشُ، وأحْمَد بن أبي سَلَمَة، وأبو سَعيد البَصْرِيّ، وأبو هَفَّان. وذكَرَهُ مُحَمَّد بنُ دَاوُد بن الجرَّاح في كتاب الوَرَقَة (٣)، فقال: أحْمَدُ بن يُوسُف الكَاتِب، يُكْنَى أبا جَعْفَر، كاتبٌ أدِيبٌ شَاعِرٌ، رَقيْق الشِّعْر، تقلَّد دِيْوَان الرَّسَائِل للمَأْمُون وغيره من أعْمَالهم.

стр. 1520

وقال الصُّوْلِيّ في كتاب الأوْرَاق، في ذِكْر كُتَّاب المَأْمُون، قال: جَعَل دِيْوَان المَشْرِق إلى عبد الرَّحْمن بن عليّ الكَلْبيّ، ثمّ مات، فَجَعَلَهُ إلى أحْمَد بن يُوسف، ولم تَزَل له خاصيَّةٌ منه. أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبد الصَّمَدُ بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل الحَرَسْتَانِيّ، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن قُبَيْس الغَسَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بنُ عليّ بن ثَابِت الخَطِيبُ (١)، قال: أحْمَدُ بن يُوسُف بن القَاسِم بن صَبِيْح، أبو جَعْفَر الكَاتِب، مَوْلَى بني عِجْل. كان من أفَاضِل كُتَّاب المَأْمُون، وأذْكَاهُم وأفْطَنهم، وأجْمَعهم للمَحَاسِن. وكان جَيِّدَ الكَلَام، فَصِيحَ اللِّسَانِ، حَسَنَ اللَّفْظِ والخَطِّ (a)، يَقُولُ الشِّعْرَ في الغَزَل والمَدِيْح والهِجَاءِ، وله أخْبَار مع إبْراهيم بن المَهْدِيّ، وأبي العَتَاهِيَة، ومُحَمَّد بن يَسِير (b)، وغيرهم. أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن الحَسَن، فيما أَذِنَ لَنا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)، قال: أَحْمَدُ بن يُوسُف بن القَاسِمِ بن صَبِيْح، أبو جَعْفَر الكَاتِب، أصْلُهُ من الكُوفَة، وَلي دِيْوَان الرَّسَائِل للمَأْمُون، يُقالُ: إنَّهُ من بني عِجْل. وكان له أخٌ يُقال له القَاسِم بن يُوسُف؛ كان شَاعِرًا كاتبًا، وهُما وأوْلادهما جَمِيعًا أهل أدَبٍ وطَلَبٍ للشِّعْر والبَلَاغَة. حَكَى أحْمَد بن يُوسُف عن المَأْمُون، وعَبْد الحَميْد بن يَحْيَى الكَاتِب. حَكَى عنهُ ابنُه مُحَمَّد بن أحْمَد بن يُوسُف، وأحمد بن أبي سَلَمَة، كاتب عَيَّاش بن

стр. 1521

القَاسِم صَاحِبُ شُرْطَة المَأْمُون، وعليّ بن سُلَيمان الأخْفَش، وقَدِمَ دِمَشْقَ في صُحْبَة المَأْمُون. أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ (١)، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي عليّ المُعَدَّلُ، قال: أخْبَرَنا (a) مُحَمَّد بن عِمْران المَرْزُبانيّ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن سُلَيمان الأخْفَش، قال: قال أحْمَد بن يُوسُف الكَاتِب: رآني عَبْد الحَميْد بن يَحْيَى أكتُب خَطًّا رَدِيئًا (b)، فقال لي: إنْ أردتَ أنْ تُجَوِّد خَطَّكَ فأَطِل جِلْفَتَكَ وأَسْمِنْها، وحَرِّف قَطَّتَكَ وَأَيْمِنْهَا، ثمّ قال: [من الطويل] إذا جَرحَ الكُتَّابُ كان قسِيّهم … دَوَايا (c) وأقْلَام الدُّوِيَ لهم نَبْلا قال الأخْفَشُ: قَوْله: جِلْفَتكَ؛ أرادَ: فَتْحَةَ رأسِ القَلَم. أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْدِ الله الدِّمَشقيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد بن بَوْش، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ بن كَادِش، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن الحُسَين (d) الجَازِرِيّ، قال: أخْبَرَنا المُعَافَى بن زَكَرِيَّاءَ (٢)، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين (e) بن إسْمَاعِيْل المَحَامِلِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن أبي سَعْد (f)، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن عليّ بن أبي حَمْزَة الهاشمِيّ، قال: حَدَّثَني عليّ بنُ إبْراهيم بن حَسَن، قال: أخْبَرَني مُوسَى بن عَبْد المَلِك، قال: جاءَ أبو العَتَاهِيَة يُريدُ الدُّخُولَ على أحْمَد بن يُوسُف، فمَنَعَهُ الحَاجِبُ فكتَبَ إليهِ (٣): [من الطويل] ألَم تَرَ أنَّ الفَقْر يُرْجَى له الغِنَى … وأنَّ الغِنَى يُخْشَى عليهِ من الفَقْرِ

стр. 1522

قال: فقُلتُ لَهُ: لا تَتَعرَّض لهُ، وأَسْكِتْهُ عنكَ، فوجَّه إليهِ بخَمْسَة آلاف دِرْهَم. قال عليّ بن إبْراهيم: فأعلَمْتُ ذلك عليَّ بن جَبَلَة، فقال: بئسَ ما صَنَعَ! كان ينبغي لهُ أنْ يقُول لهُ: [من الطويل] أأحمَدُ إنَّ الفَقْرَ يُرجَى له الغِنَى فيُشيَّد باسمْه. أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْلِ الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ، قال: سَمِعْتُ أبا بَكْر مُحَمَّد بن الحُسَين بن أبي القَاسِم الآمُلِيّ، يقول: سَمِعْتُ أبا عَبْد الله إسْمَاعِيْل بن عَبْد الغَافِر الفَارِسِيّ بنَيْسَابور، يقول: سمِعْتُ أبا القَاسِم عليّ بن عَبْد الغَافِر الفَارِسِيّ، يقول: سَمِعْتُ أبا عبد الرَّحْمن مُحَمَّد بن الحُسَين السُّلَمِيّ، يقول: سَمِعْتُ أبا سَعيد أحْمَدَ بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّاء، يقول: سَمِعْتُ أبا سَعيد البَصْرِيّ، يقول: أَنْشَدَنا أحْمَد بن يُوسُف قَوْل أبي تَمَّام (١): [من الكامل] قَدْكَ أتَّئِبْ أَرْبَيْتَ في الغُلَوَاءِ … كَمْ تَعْذِلُونَ وأنْتُمُ سُجَرَائِي فقال: يا غُلَام، اصْفَعَ أبا تَمَّام عنِّي، فأنْشَدَ البَيْت الثَّاني: لا تَسْقِني ماءَ الملَام فإنَّني … صَبٌّ قد اسْتَعْذَبْتُ مَاءَ بُكَائِي فقال: يا غُلَام، انْقَلِبْ واصْفَعْني عن أبي تَمَّامٍ. أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن دَاوُد بن عُثْمان الدَّربَنْدِيّ، في تُرْبَة الخَلِيل عليه

стр. 1523

السَّلام بحِبْرَى، وأبو عليّ حَسَن بن إبْراهيم بن مُحَمَّد بن دِيْنار بالقَاهِرَة، قالا: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أَحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا الرَّئِيسُ أبو عَبْدِ الله القَاسِم بن الفَضْل بن أحْمَد بن مَحْمُود الثَّقَفِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله الحُسَينُ بن الحَسَن الغَضَائِريّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى الصُّوْلِيّ، قال: حَدَّثَني أحْمَد بن العبَّاس النَّوْفَلِيّ، قال: حَدَّثَني أبو الحَارِث النَّوْفَلِيّ، قال الصُّوْلِيّ: وقد رأيتُ أبا (a) الحَارِث هذا وكان رَجُل صِدْق، قال: كُنْتُ أُبْغِضُ القَاسِم بن عُبَيْد الله لمَكْرُوه نالني منهُ، فلمَّا ماتَ أخُوهُ الحَسَنُ قُلْت على لسَان ابن بَسَّام (١): [من مخلع البسيط] قُلْ لأبي القَاسِم المُرَجَّى … قابلكَ الدَّهْرُ بالعَجَائِبْ مَاتَ لكَ ابنٌ وكان زينًا … وعاشَ ذو الشَّيْنِ (b) والمَعَائب حَيَاةُ هذا بمَوْتِ (c) هذا … فلَيْسَ (d) تخلُو من المَصَائب قال أبو بَكْر الصُّوْلِيّ: وإنَّما أخذَهُ من قَوْل أحْمَدَ بن يُوسُف الكَاتِب لبعضِ إخْوانه من الكُتَّابِ، وقد ماتَتْ له بَبَّغَاء، وكان له أخٌ يُضَعَّف (٢)، فكتَبَ إليه: [من الخفيف] أنْتَ تبقى ونحنُ طُرًا فَدَاكا … أحْسَنَ الله ذو الجَلَالِ عَزَاكا فلقَدْ جَلَّ خَطبُ دَهْرٍ أَتَانا … بمقَاديرَ أتْلَفَتْ بَبَّغاكَا عَجَبًا للمنُوْن كيفَ أَتَتْها (e) … وتخطَّتْ عَبْدَ الحَميْدِ أخَاكا

стр. 1524

كان عَبْدُ الحَميْدُ أصْلحَ للمَوْ … تِ من البَبَّغَا وأَوْلَى بذَاكا شملَتْنَا المُصِيْبَتَان جَمِيعًا … فَقْدُنَا هذه ورُؤْيةُ ذَاكا قال أبو بَكْر الصُّوْلِيّ: وإنَّما أخَذَهُ أحْمَدُ بن يُوسُف الكَاتِب من قَوْل أبي نُوَاس في التَّسْويةِ وزادَ في المَعْنَى إرادةً وكَرَاهةً، قال أبو نُوَاس لمَّا ماتَ الرَّشِيْدُ، وقامَ الأَمِينُ، يُعَزِّي الفَضْل بن الربيع (١): [من الطويل] تعَزَّ أبا العبَّاسِ عن خَيْرِ هَالكٍ … بأكْرم حَيٍّ كانَ أو هو كائنُ حَوَادِثُ أيَّامٍ تَدُورُ صُرُوفُها … لهُنَّ مَسَاوٍ مَرَّةً ومَحَاسِنُ وَفَى الحَيِّ بالمَيِّتِ الّذي غَيَّبَ الثَّرَى … فلا أنْتَ مَغْبُونٌ ولا المَوْت غابنُ أخْبَرَنا أبو هاشِم بن الفَضْل الصَّالِحِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد بن أبي بَكْر بن أبي المُظَفَّر المَرْوَزيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَالِب المُبارَك بن عليّ بن خُضَيْر الصَّيْرَفِيّ بقِرَاءَتي عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَن بن المُظَفَّر بن الحَسَن بن المُظَفَّر الهَمَذَانيّ، قال: أخْبَرَنا والدِي، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد عُبَيْد الله بن مُحَمَّد بن أحْمَد الفَرَضِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن يَحْيَى بن عَبْدِ الله بن إبْراهيم الصُّوْلِيّ النَّدِيْم، قال: وقال أحْمَد بن يُوسُف الكَاتِب يُغَنِّي (a) في وَصْف اللَّيْل (٢): [من المنسرح] كَمْ لَيْلَةٍ فيك لا صَبَاحَ لها … أَفْنَيْتُها (b) قَابِضًا على كَبِدي قَدْ غَصَّتِ العَيْنُ بالدُّمُوع وقدْ … وضَعْتُ خَدِّي على بَنانِ يَدِي قُلتُ: نقَلْتُ هذين البَيْتَيْن بهذا الإسْنَاد من خَطِّ أبي سَعْد بن أبي بَكْر.

стр. 1525

أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن إبْرَاهيم بن مُسَلَّم بن سَلْمَان الإرْبِلِيّ قِراءَةً عليهِ بحَلَب، قال: أخْبَرَتْنا الكَاتِبةُ شُهْدَةُ بنتُ أحْمَد بن الفَرَج بن الإِبَرِيّ، قالت (a): أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله الحُسَين بن أحْمَد بن طَلْحَة النِّعَالِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن عُبَيْد الله بن مُحَمَّد بن يُوسُف الحِنَّائِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو عُثْمان بن أحْمَد بن السَّمَّاك، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم إسْحَاق بن إبْراهيم بن سُنَيْن الخُتَّلِيّ (١)، قال: أنْشَدَني جَعْفَر بن أبي رَجَاء لأحمد بن يُوسُف: [من البسيط] يُزَيِّنُ الشِّعْرُ أقْوَامًا (b) إذا نَطَقَتْ … بالشِّعْر يَوْمًا وقد يُزْرِي بأَفْوَاهِ قَدْ يُرزَقُ المَرْءُ لا من حُسْنِ حِيْلَتِهِ … ويُصْرَفُ الرِّزْقُ عن ذي الحيْلَةِ الدَّاهي ما مَسَّني من غِنىً يَوْمًا ولا عَدَمٍ … إلَّا وقَوْلي عليهِ: الحَمْدُ للهِ قال: وحَدَّثَنَا إسْحاقُ بن إبْراهيم (٢)، قال: وحَدَّثَني مُحَمَّد بن مَزْيَد، قال: هذه الأبَيْاتُ لأحمد بن يُوسُف: [من الطويل] إذا قُلْتَ في شيءٍ: نَعَمْ، فَأَتِمَّهُ … فإنَّ نَعَمْ دَيْنٌ على الحُرِّ وَاجِبُ وإلَّا فَقُلْ: لا، تَسْتَرح (c) وأَرِحْ بها … لكيلَا يقولَ النَّاس إنَّك كاذبُ قال أبو القَاسِم إسْحاق بن إبْراهيم (٣): وأنْشَدَني أيضًا لأحمد في إفْشَاءِ السِّرِّ: [الطويل]

стр. 1526

إذا المَرْءُ أَفْشَى سِرَّهُ بلِسَانهِ … فلامَ عليه غَيْرَهُ فَهْوَ أحْمَقُ إذا ضَاق صَدْرُ المَرْءَ عن سرِّ نَفْسه … فَصَدْرُ الّذي اسْتَوْدَعْتَهُ السِّرَّ أضْيَقُ أخْبَرَنا عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا تاج الإسْلَام أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو الكَرَم بن الشَّهْرَزُورِيّ بقِرَاءَتي عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل أحْمَدُ بن الحَسَن الأَمِين، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ الحَسَن بن أبي بَكْر بن شَاذَان الفَارِسِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن كَامِل القَاضِي، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن إبْراهيم النَّحْوِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو هَفَّان، عن أحْمَد بن يُوسُف أنَّهُ أهْدَى إلى المَأْمُون يَوْم نَيْرُوز - أو مَهْرجان - هَدِيَّةً وكَتَبَ إليهِ (١): [من الطويل] على العَبْدِ حَقٌّ فهو لا بُدَّ (a) فاعلُه … وإنْ عَظُم المَوْلَى وجَلَّت فَضَائِلُه ألم تَرَنا نُهْدِي إلى اللهِ مَالَهُ … وإنْ كان عنهُ ذا غِنىً فهو قَابلُه ولو كان يُهْدَى للمَلِيْكِ (b) بقَدْره … لقَصَّر عَلُّ البَحْر عنْهُ ونَاهِلُه (c) ولكنَّنا نُهْدي إلى مَنْ نُجِلّه (d) … وإنْ لم يَكُن في وُسْعنا ما يُشَاكلُه (e) وذَكَرَ أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عُبْدُوْس الجَهْشِيَارِيّ له في كتاب الوُزَرَاءِ (٢): [من الخفيف]

стр. 1527

صَدَّ عنِّي مُحَمَّدُ بنُ سَعيد … أحْسَنَ العَالمين ثانيَ جِيدِ صَدَّ عنِّي لغير جُرم إليهِ … ليس إلَّا لحُسْنه في الصُّدُود قال: ومن مَلِيْح قَوْلًا (١): [من مجزوء الكامل] قَلْبي يُحبُّكَ يا مُنَى … قَلْبي ويُبْغضُ مَنْ يحبُّكْ لأكونَ فَرْدًا في هَوَا … كَ فليتَ شِعْري كيف قَلْبُكْ أنْبَأنَا أبو الحَسَن بن أبي عَبْد الله بن أبي الحَسَن بن المُقَيِّر، عن أبي الفَضْل مُحَمَّد بن نَاصِر، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن أحْمَد البندَار إِذْنًا، قال: أخْبَرَنا أِبو أحْمَد عُبَيْد الله بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن أبي مُسلمِ القرِئ إجَازةً، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى الصُّوْلِيّ، قال: حَدَّثَنَا وَكِيع، قال: حَدَّثَنَا أبو جَعْفَر أحْمَدُ بن القَاسِم بن يُوسُف، قال: حَدَّثَني نَصْرٌ الخادِم موْلَى أحْمَد بن يُوسُف، قال: كان أحْمَدُ بن يُوسُف يتبَنَّى مُؤْنِسَة جَارِيَةَ المَأْمُون، فَجَرَى بينها وبين المَأْمُون بعضُ ما جَرَى، فَخَرَج إلى الشَّمَّاسِيَّة وخَلَّفَها، فجاءَ رَسُولها إلى أحْمَد بن يُوسُفَ مُسْتَغيثَةً بهِ، فوَجَّهني أحْمَد إليها فعَرفْتُ الخَبَر، ثُمّ رجعْتُ فأخْبَرتهُ، فدَعَا بدَابَّتِهِ، ثمّ مَضَى فلَحِقَ المَأْمُونَ بالشَّمَّاسِيَّة، فقال للحَاجِب: أَعلم أَمِيرَ المُؤمِنِين أنَّ أحْمَد بن يُوسُف بالبَابِ وهو رَسُولٌ، فأَذِن له، فدَخَل فسَأله الرِّسَالَة، فاندفَع يُنْشِد (٢): [من ١٥ الكامل] قد كان عَتْبُكَ مرَّةً مَكْتُوما … فاليَوْم أصْحبَحَ ظَاهِرًا مَعْلُومَا نالَ الأعَادِي سُؤْلَهُمْ لا هُنِّئُوا … لمَّا رأوْنا ظَاعِنًا ومُقِيْما هَبْني أَسَأْت فعَادَة لكَ أنْ تُرَى … مُتَفَضّلًا مُتَجاوِزًا مَظْلُوما

стр. 1528

فقال: قد فَهِمْتُ الرِّسَالَة، كُن الرَّسُول بالرِّضَا، يا يَاسِرُ امْض مَعَهُ، قال: فَحَمَلَها ياسر إليهِ. أنْبَأنَا عُمَر بن طَبرزَد، عن أبي غَالِب بن البَنَّاءِ، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب بن بِشْرَان إجَازَةً، قال: أخْبرَنَا أبو الحُسَين المَرَاعِيشِيّ، وأبو العَلَاء الوَاسِطيِّ، قالا: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله إبْراهيم بن مُحَمَّد بن عَرَفَة، قال: ووقَّع أحْمَد بن يُوسُفَ الكَاتِب عن المَأْمُون إلى عَامِل: أنا لكَ حامِدٌ فاسْتَدِمْ حُسْنَ ما أنتَ عليه يَدُم لكَ أحْسَنُ ما عندي، واعْلَم أنَّ كُلّ شيءٍ لم يُزَد فيهِ إلى نَقْصٍ، والنُّقْصَانُ - وإنْ قَلّ - مُمَحّق للكَثِيْر، كما تَنْمي الزِّيادَةُ على القَلِيْل. قَراتُ في كتاب الوُزَرَاءِ والكُتَّاب لأبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عُبْدُوْس الجهشِيَارِيّ (١)، قال: أحْمَدُ بن يُوسُف بن صَبِيْح، اختَصّ بالمأْمُون، وكان نَبِيْلًا بَلِيْغًا، وقلَّدهُ دِيْوَان المَشْرِق وبَرِيد خُرَاسَان، وكان دِيْوَان الرَّسَائِل إلى عَمْرو بن مَسْعَدَة. وكان المَأْمُون - لعِلْمِه بتَقَدُّم أحْمَد في البَلَاغَة - إذا احْتاج إلى كتاب يُشْهر، أمرَ أحْمَد بن يُوسُف أنْ يكتُبَهُ، فأمرَ المَأْمُون أحْمَد بن يُوسُف بكتاب عنه إلى جميع الأمْصَار بإقامة زَيْت المَصَايح في جميع المَسَاجِد والاسْتِكْثَار منها، قال: فلم أدر ما أقُول، ولم يكُن أحَدٌ سَبَقَ من الكُتَّاب في ذلك فأَسْلك طريقتَهُ، فنِمْتُ في وَقْت القَائِلَة وأنا مَشْغُول القَلْب، فرأيتُ قَائلًا يقول لي: اكتُبْ: فإنَّ في ذلك أُنْسًا للسَّابلَةِ، وإضَاءَةً للمُتَهجِّدَة، ومَنْعًا لمكَامن الرِّيَب، وتَنْزيهًا لبيُوتِ الله من وَحْشَة الظُّلَم.

стр. 1529

قال الجهشِيَارِيُّ (١): ثمّ قلَّدَهُ المأْمُون دِيْوَان الرَّسَائِل، فلم يَنل عليه إلى أنْ سَخط عليه فماتَ في سُخْطه، وكانت وفاتهُ في سَنَة أرْبَع عَشرة ومَائَتيْن. قال (٢): وكان سبَبَ سخط المَأْمُون على أحْمَد بن يُوسُف أنَّهُ جَلَسَ يَوْمًا وبحَضْرته أصْحَابُه، فقال: نَجْلِسُ غَدًا مَجْلِسًا فلا يكُون عندنا من نَتَحَشَّمهُ، ثمّ أقْبَل على أحْمَد بن يُوسُف فقال: كُن المُخْتَار لنا مَنْ يُجَالسُنَا وأنتَ معنا. قال أحمد: أنا وأبو سُمَيْر؟ قال: نعم، قال أحمد: قُلنا على أَمِير المُؤمِنِين أنْ لا يُجْلِس مَعَنا غيرنا، قال: نعم. وبَكَّرُوا وحُجِبَ النَّاس، واسْتأذن الحَسَن بن سَهْل، فأمِرَ بالدُّخُول، وكان اصطَنع أحْمَدَ، فقال [أحمد] (a): يا أَمِير المُؤمِنِينِ، هذا خِلَاف ما ضَمِنْتَ قال: فأبو مُحَمَّد يُحْجب؟ فدَخَل وعليه سَوَادُه، فقال: يا أبا مُحَمَّد، هذا مَجْلسٌ اقْتَضَيناهُ (b) على غير مَوْعدٍ، لولا ذلك لبَعَثْتُ إليك، فأقم عندنا. فقال: يا أَمِيرِ المُؤمِنِين، تَمَّمَ اللهُ لك السُّرور، عَبْدُكَ يَجِدُ شيئًا يمنَعُه من خِدْمته، فإنْ رَأى أَمِير المُؤمِنِينِ أنْ يأْذَنَ لي، فألَحَّ (c) عليهِ في المَسْألَة والجلُوس، فلم يفعَل. فقال أحمدُ: يا أَمِير المُؤمِنِين، [ليتك] (d) ما اعْتَذَرت إلى الحَسَن. قال: ليس هو اعْتِذَارُ، قال: بَلَى، قال: لا ولكنَّه شَبِيْهٌ بالاعْتِذَار، قال أحمدُ: نرضَى بإبْراهيم حَكَمًا بيننا؟ قال المَأْمُونُ: رضيْتُ. قال إبْراهيم: لم يكُن اعْتِذَارا مُصَرِّحًا ولكنَّه مثلُه، وأقبَل يُعِيْنُ أحْمَد ويسيْغُ قَوْله. فقال المَأْمُون لأبي حُمَيْر: والله لقد شَاورْتُ النَّاسَ فيكَ فكُلُّهُم أشَارُوا بقَتْلكَ، وما مَنَعني من ذلك إلَّا أبو مُحَمَّد، فوالله ما كافأتَهُ على ذلك، ثم التَفَتَ إلى أحْمَد، وقال: أَوَ تَقُول هذا لأبي مُحَمَّد وهو أجلَسَكَ هذا المجلِس؟ فإذا

стр. 1530

لم تَشْكُرْهُ فأنْتَ أَحْرَى أنْ لا تَشْكُر غيرَهُ، والله لا جلسْتَ مَجْلِسَك هذا أبدًا، فألزمَهُ منْزِله حتَّى ماتَ. أنبأنَا أبو القَاسِم عبدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بنِ قُبيَس، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ بن ثَابِت (١)، قال: أخْبَرَنا على بن مُحَمَّد بن عَبْد الله المُعَدَّل، قال: أخْبَرَنا الحُسَينُ بن صَفْوَان البَرْذَعيِّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن أبي الدُّنْيا (٢)، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن عبدِ الرَّحْمن، قال: أشْرَف أحْمَد بن يُوسُف - وهو بالمَوْت - على بُسْتَانٍ له على شَاطِئ دِجْلَة، فَجَعَل يتأمَّلُهُ ويتأمَّلُ دِجْلَةَ، ثمّ تَنَفّسَ وقال مُتَمثِّلًا: [من البسيط] ما أطْيَبَ العَيْش لولا مَوْتُ صَاحبهِ … ففيْهِ ما شئْتَ من عَيْبٍ لعَائبهِ قال: فما أنزَلناهُ حتَّى مات. أنبأنَا أبو اليُمْن الكنْديّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٣)، قال: بَلَغَني أنَّ أَحْمَد بن يُوسُف الكَاتِب ماتَ سَنَة ثلاث عَشْرة ومَائتَيْن. أنبأنَا أبو البَرَكَات الحَسَن بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبرَنا عَمِّي أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٤)، قال: بَلَغَني أنَّ أحْمَد بن يُوسُف تُوفِّي سَنَة أرْج عَشْرة ومَائتَيْن، وهو في سخطٍ (a) من المَأْمُون. وقد ذَكَرْنا مثل ذلك عن الجَهْشِيَارِيّ وهو أشْبَه بالصِّحَّة.

стр. 1531

أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن الحَرَسْتَانِيّ إذْنًا، عن أبي بَكْر بن المَزْرَفيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور مُحَمَّدُ بن مُحَمَّد العُكْبَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد بن الصَّلْت، قال: حَدَّثنا أبو الفَرَج الأصْبَهَانِيّ (١)، قال: حَدَّثَني جَعْفَرُ بن قُدَامَةَ، قال: حَدَّثَني مَيْمُون بنُ مِهْرَان، قال: كان لأحمد بن يُوسُف جَارِيَةٌ مُغَنيَّةٌ شَاعِرة يُقال لها: نَسِيم، وكانَ لها من قلبهِ مكانٌ، فلمَّا ماتَ أحْمَدُ قالت تَرثيْهِ: [من الطويل] ولو أنَّ مَيْتًا هَابَهُ المَوْتُ قبلَهُ … لما جَاءَهُ المِقْدَارُ (a) وهو هَيُوْبُ ولو أنَّ حَيًّا قبْله صَانَهُ الرَّدَى (b) … إذًا لم يكُنْ للأرْضِ فيهِ نَصِيْبُ قال أبو القَاسِم جَعْفَر بن قُدَامَةَ: وقالت تَرْثيهِ (٢): [من البسيط] نفسِي فداؤُكَ لو بالنَّاس كُلّهِم … ما بي عليْكَ تَمنَّوا أنَّهُم مَاتُوا وللوَرى مَوْتَةٌ في الدَّهْر واحِدَة … ولي من الهَمِّ والأحْزَان موْتات قال أبو القَاسِم: وهي القَائلةُ لأحْمَد وقد غَضِبَ عليها (٣): [من الطويل] غَضِبْتَ بلا جُرْمٍ عليَّ تَجرُمًا (c) … وأنْتَ الّذي تَجْفُو وتَهْفُو وتَغْدُر (b) سطَوْتَ بعزِّ الملكِ في نفسِ خَاضعٍ … ولولا خُضُوعُ الرِّقِّ ما كُنْتُ أصْبرُ فإنْ نَتَأمَّلْ ما فعَلْتَ تَقُم بهِ الـ … ـمقَاديرُ (e) أو تَظْلِم فإنَّكَ تقدِرُ

стр. 1532

أحمد بن يُوسُف بن نَصْر بن عَبد الرَّزَّاق بن الخَضِر بن عَجْلان، أبو الحُسين البَالِسِيُّ ثُمَّ الجعبَرِيّ أصْلُهُ من بَالِس، وهو من قلْعَة جَعْبَر، وهو أخُو الحَعْبَرِيّ والي قلْعَة دِمَشْق، له شِعْر جَيِّدٌ. أحمدُ بن يُوسُف، الأُسْتَاذُ أبو نَصْر المَنَازِيُّ السُّليْكِيُّ الوَزِير (١) منِ أهل مَنَازُكِرْد، وكان وَزِيرًا للمَرْوَانيَّة مُلُوك دِيَار بَكْر، وسيَّره نَصْرُ الدَّولَة أحْمَد بن مَرْوَان رَسُولًا عنه إلى مِصْر، فقَدِمَ صلَبَ وتُوفِّي له ولدٌ بها، واجْتَمع بأبي العَلَاء بن سُلَيمان بمَعَرَّة النُّعْمَان، وجَرَت بينهما مُذَاكَرَاتٌ. وكان شَاعرًا مُجِيْدًا، كاتبًا فَاضِلًا، أَدِيبًا. رَوَى عنهُ أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن مُحَمَّد بن سِنَان الخفاجِيِّ، وابن أُخْته أبو الحَسَن المُرَجَّى بن نَصْر الكَاتبُ، والوَزير فَخْر الدَّوْلَة أبو نَصْر مُحَمَّد بن جَهِيْر، وحَكَى عنه الفَقِيه سُلَيْم الرَّازِيّ وأثْنَى عليه، وأبو الحَسَن عليُّ بن عَبْد السَّلام

стр. 1533

الأرْمَنازِيّ، وقرأ عليهِ سَعيِد بنُ عَبْدِ الله بن بندَار الشَّاتَانيِّ (٤) والدُ العَلَم الشَّاتَانيِّ. أخْبَرَنا شَرَف الدِّين إسْمَاعِيْل بن أبي سَعْد الآمِدِيُّ، المَعْرُوف بابنِ التَّيِتِيِّ، قال: نَقَلْتُ في دِمَشْق أنَّهُ وجدَ في مُسَوَّدة تاريخ صُوْر لغَيْث بن عليّ الأرْمَنازِيّ (١): قال غَيْثُ بن عليّ الأرْمَنازِيّ، قال: حَدَّثني وَالدِي أبو الحَسَنِ عليّ بن عَبْده السَّلام، قال: لمَّا وصَل المَنَازِيّ إلى صُوْر، خرج القَاضِي أبو مُحَمَّد وجَمَاعَةٌ من بَيَاض الصُّوْرِيِيْن وكُنْتُ معهم، فلمَّا لقيَهُ رَأى موْكبًا حَسَنًا فقال: أيُّكُمُ القَاضِي؟ فإنِّي أرَى جَمَاعَةً كُلّ واحدٍ منهم يَصْلُح أنْ يكونَ القَاضِي! فتَبَسَّم منه، وتقدَّم إليه، فسلَّم عليه. قال: وسَمِعْتُ أبا الفَتْح نَصْرَ بن إبْراهيم الزَّاهِد يقُول: لمَّا وصَل المَنَازِيُّ إلى هَا هُنا كان الفَقِيه سُلَيْم يمضي إليه ويُذَاكِرُهُ، فسَأَلتُه هل كان يفقَهُ شيئًا؟ فقال: نعم، كان لهُ يدٌ في الفِقْه واللّغَة والشِّعْر، أو كما قال، قَراتُ في كتاب الهَفَواتِ تألِيفُ الرَّئِيس غَرْس النِّعْمَة مُحَمَّد بن هِلِّل بن المُحَسِّنِ بن إبْراهيم الصَّابِئ (٢)، قال: وحَدَّثنَي الوَزِير الدَّوْلَة أبو نَصْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن جهِيْر، قال: حَضَر رسْل نَصْر الدَّولَةِ (b) أبي نَصْر بن مَرْوَان الكُرْدِيّ أميرِآمِد

стр. 1534

ومَيَّافَارقِين وأعْمَالهما (a) عند مُعْتَمد الدَّوْلَة أبي المَنيعِ قِرْوَاشِ بن المُقَلَّد أمير بني عُقَيْل؛ يَسْتحلفُونَه على مُعَاهَدَة بُنِيَتْ (b)، ومُعاقَدَة قُرِّرتْ، وفيهم المَنَازِيّ الشَّاعر، فلمَّا حَلَف مُعْتَمدُ الدَّوْلَةِ أنْشد المَنَازِيُّ: [من الخفيف] كلَّفُوني اليَمِيْن فارتَعْتُ منها … كي يُغَرُّوا بذلك الارْتيِاعَ ثم أرْسَلْتُها كمُنْحَدرِ السَّيْـ … ـل تَهَادَى من المَكَانِ اليَفَاعَ فقال لهُ قِرْوَاشٌ: يا وَيلك! قبَّحكَ اللهُ وقبَّح ابن مَرْوَان، ما هذا الكَلَام؟ وبَدَا الشَّرُّ في وَجْهِهِ، وكاد يكون ذلك اليَوْم آخِرَ أيَّام المَنَازِيّ من عُمْره، فبَدأ المَنَازِيّ باليَمِيْن الغَمُوس أنَّهُ أنْشَد ما أنْشَد عن سَهْو لا رَويَّةً، وباتِّفاقِ سَوْءٍ، لا قَصْد ونيِّة، وتحَقَّق قِرْوَاش قَوْلَهُ، لأَنَّهُ ممَّا لا يُقْدمُ عليه مِثْلُهُ، فأغْضَى وعَفَا، ممَّا غَلِطَ فيه وَهَفا. أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الله بن الحُسَين بن عَبْد الله الأنْصَاريّ الحَمَوِيّ قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيُّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، ح. وكَتَبَ إلينا أبو القَاسِمِ عِيسَى بن عَبْدِ العَزِيْز الأنْدَلُسيِّ أنَّ أبا طَاهِر السِّلَفِيّ أخْبرهم قِراءَةً عليهِ وهو يَسْمعُ، قال: سَمِعْتُ أبا طَاهِر إبْراهيم بن سَعيد بن عَبْد البر البَدْلِيْسِيّ بثَغْر بَدْلِيْس، يقول: سَمِعْتُ أبا الحَسَن المُرَجَّى بن نَصْر الكَاتِب يقول: سَمِعْتُ خالي الوَزير أبا نَصْر أحْمَد بن يُوسُف المَنَازِيّ يقوِل: بَعَثَني نَصْرُ الدَّولَةِ أبو نَصْر أحْمَدُ بن مَرْوَان سَنَةً من مَيَّافَارقِين إلى مِصْرَ رسُولًا، فدَخَلْتُ مَعَرَّة النُّعْمَان، واجْتَمَعْتُ بأبي العَلَاءَ التَّنُوخِيّ، وجَرَتْ بيننا فَوَائِدُ، فقال أصْحَابُه فينا قَصَائِد، ومن جُمْلتها هذه الأبياتُ (١): [من البسيط]

стр. 1535

تجَمَّع العِلْمُ في شَخْصَيْن فاقْتَسَما … على البَرِيَّة شَطْرَيهِ وما عَدَلا جَاءَا أَخْيَري زَمانٍ ما به لهما … مُماثِل وَصَلَ الحَدَّ (a) الّذي وَصَلا أبو العَلَاء وأبو نَصْر هُما جَمَعَا … عِلْم الوَرَى وهمُا للفَضْل (b) قد كَملَا هذا كما قد تَرَاهُ رَامحٌ عَلَمٌ … وذاكَ أعْزَلُ للدُّنْيا قد اعْتَزَلَا همُا همُا قُدْوَةُ الآدَابِ دَانيِةً … طورًا وقَاصِيَةً إنْ مُثِّلَا مَثَلَاه لولاهمُا لتَفرَّى (ح) العِلْمُ عن حَلَم … أولا فْترى صَاحبُ التَّموِيه إنْ سُئِلَا يا طَالِبَ الأدَبِ اسْأَلْ عَنْهُما وَأَهِنْ … إذا رَأَيهما أنْ لا تَرَى الأُوَلَا خُذْ ما تَرَاهُ ودَعْ شيئًا سَمِعْتَ بهِ … فطَلْعَةُ البَدْر تُغْنِي أنْ تَرَى زُحَلَا قَراتُ في جُزءٍ وَقَعَ إليَّ من رَسَائِل إبْراهيم بن أحْمَد بن اللَّيْث (١)، في رِسَالَةٍ له كَتَبها إلى بَعْض إخْوانه، قال فيها في ذِكْر أبي نَصْر المَنَازِيّ: وأمَّا أبو نَصْر فعتْرَة الخَطَابَة، وعُدَّة الكتَابةِ، ومَنْبعُ العِلْم، ومَعْدِنُ الحِلْم. خَدَم السُّلْطان في مَيْعَة الصِّبي ورَيْعَان الشَّبِيْبَة، فعَفَّتْ عن الدُّنْيا طِعْمَته، وتنزَّهت عن الرَّذَائِل هِمَّتهُ، ثُمَّ انتقَلَ إلى خِدْمَة مَوْلاه، فأدَّى جَمَّهُ وقَضَى حقَّه، وأحْرز (d) من رضاهُ حظَّهُ، فِعْلَ مَنْ هُدِي الطَّريق، وأُوْتي التَّوْفِيق. قَرأتُ بخَطِّ مُؤيَّد الدَّوْلَة أبي المُظَفَّر أُسامَة بن مُرْشِد بن مُنْقِذ، في كتابه الّذي علَّقه لابن الزُّبير من الشُّعَراءَ الّذين سَأله (e) عنهم ليُوْدِعَهم في كتابه المُسَمَّى جِنَان الجِنَان ورياض الأذْهَان، فكَتَبَ له ما حضَر عندَهُ عنهم، وزادَ فيه ذِكْر جَمَاعَة غيرِهم، وقال فيه - وأنْبَأنَا به أبو الحَسَن بن أحْمَد بن عليّ القُرْطُبيِّ عنه -:

стр. 1536

ومن الشُّعَراء المَذْكُورين أبو نَصْر المَنَازِيّ، حَسَن الشِّعْر، سَهْل الألْفَاظ، صحيح المَعَاني، مُسْتَعْذب القَوْل، من حَقِّهِ أنْ يَتَميَّز عن هذه الطَّبَقَة، فمن شِعْره (١): [من الطويل] أُظَاهِرُ بالعُتْبَى إذا أَضْمَرَتْ عَتْبا … وأسأَلُ غُفْرَانًا ولم أعْرِفِ الذَّنْبَا وأصْدَقُ ما نُبِّيتُ أنِّي بَلوتُها … فما سَالَمَتْ سِلْمًا ولا حَاربَتْ حَرْبَا هي الشَّمْسُ حالَتْ دُوْنَها حُجْبُ خِدْرِها … ولو بَرَزَتْ كان الضِّيَاءُ لها حُجْبا إذا جهَّزَتْ ألْحاظَها قَصْدَ غَافلٍ … أغَارتْ على قلب أوِ اسْتهلَكَت لُبَّا أَلَمْ يأنِ في حُكْم الهَوَى أنْ ترِق لي … منَ المدْمِع الرّيّانِ والكَبِدِ اللَّهْبَا ومن زَفْرةٍ حَرَّى إذا ما تقَطَّعَتْ … شَعَاعًا تُدمي الجفْنَ أو تُحْرِقُ الهُدْبا شَجَتْنيَ ذاتُ الطَّوْقِ عَجَماءُ لم تُبِنْ … وشيْمَةُ عُجْمِ الطَّيْرِ أنْ تَشْجُوَ العُرْبا دَنَا إلْفُها واخْتَلَّ (a) أطْرَافُ عَيْشِها … فهَاجَتْ ليَ البَلْوَى (b) وقد هَدَلت عَجْبا هَفَا بكَ مَتْنُ الغُصْن لو أنَّ قُدْرةً … سلَبتُكَ حَلْيَ الطَّوْق والغُصُنَ الرَّطْبَا ولكنَّ إخْوَانًا أعُدُّ فِرَاقَهُم … خسَارًا ولو سَافَرْتُ أقْتَنِصُ الشُّهْبَا وخَلَّفْتُ قَلْبي بالعِرَاقِ رهِيْنةً … لقَصْدِ بِلَادٍ ما اكْتَسَبْتُ بها قَلْبا وإنِّي ليُحْييني على بُعْدِ دَاره … نسَمٌ نَعاماهُ ولو حمَلَتْ تُرْبا ومِن شْيِمَتي أنْ أسْتَمِدَّ (c) له الصَّبا … وأسْتَسْبغَ (d) النُّعْمَى وأسَتْمطرَ السُّحبا وأعْمر من ذكْراهُ كُلّ مَفَازَة … وأُلْهِي بعُلْياهُ الرَّكائِبَ والرَّكبا وأذكُرهُ بالصَّيْف (e) إنْ جاءَ طَارقًا … وبالطَّيْف إنْ أسْرِى وبالسَّيْفِ إنْ هَبَّا وبالبَدْرِ إنْ أوْفَى وباللَّيْث إنْ سَطَا … وبالغَيْثِ إنْ أرْوى وبالبَحْر إنْ عَبَّا

стр. 1537

وأشْتَاقُ أيَّامًا تقَضَّتْ كأنَّما … أُسِرَّتْ عن الأيَّام أو أُدْرِكت غَصْبَا نَحِنُّ (a) حَنِيْنَ البُعْد والشَّمْلُ جَامعٌ … ونَزْدَادُ حبًّا كُلَّما لم نَزُر غِبَّا إخاءٌ تعالَى أنْ يكُون أخُوَّة … وقُرْبَى وِدَادٍ لا تُقَاسُ إلى قُرْبَى أنْشَدَني بعضُ البَغْدَاديِّيْنَ لأبي نَصْرٍ المَنَازِيّ يُخاطب أبا العَلَاءَ بن سُلَيمان ببَغْدَاد حينَ قَدِمَا أبو العَلَاء وقد فَاوضَهُ في شيءٍ فأعْجَبه كلامُه (١): [من البسيط] للهِ لؤلُؤُ ألْفَاظٍ تَسَاقطُها … لو كُنَّ للغِيْدِ ما اسْتأْنَسْن بالعطلِ ومن عُيُون معَانٍ لو كُحْلنَ بها … نُجْلُ العُيُون لأغْنَاهَا عن الكَحَلِ سِحْرٌ من اللَّفْظ لو دَارَتْ سُلَافَتُهُ … على الزَّمان تَمَشَّى مَشْيَةَ الثَّمِلِ قال: فقال لهُ أبو العَلَاء: أدنُ منِّي، فإنِّي أشمُّ منكَ رِيْح السَّعَادَة، فقدَّر الله تعالى له أنْ وزرَ بعد ذلك للمَرْوَانِيَّة. قَرأتُ بخَطِّ الفَقِيه نَصْر بن الفَقِيه مَعْدَان بن كَثِيْر البَالسيِّ للَنَازِيّ أيْضًا، وقد وصَل الشَّام واجْتازَ بوَادي بُنَاعَا، وأنْشَدَني البيتَيْن الأَوَّلين - أو الأبْيَات جمعَها - الشَّريفُ مُحيي الدِّين أَبو حَامِد مُحَمَّد بن عَبْدِ الله الهاشِميّ الحلبِيِّ بحَرَّان، وذَكَرَ أنَّهُ سَمِعَها من عَبْدِ القَاهِر بن عَلَوي المَعَرِّيّ، قاضي مَعَرَّة مَصرِيْن للمَنَازِيّ (٢): [من الوافر]

стр. 1538

وَقَانا لفْحَةَ الرَّمْضَاءَ وَادٍ … غَذَاهُ مُضَاعَفُ الظِّل العَمِيْمِ حَلَلنْا دَوْحَهُ فَحَنَا عَلَيْنا … حُنُوَّ الوَالدَاتِ على اليَتِيْمِ وأرْشَفَنا على ظَمَأٍ زلَالًا … ألَذُّ مِنَ المدَامةِ للنَّدِيمِ تَرُوعُ حَصَاهُ حاليَةَ العَذَارَى … فتَلْمَسُ جَانِبَ العقْد النَّظِيْمِ يَصُدُّ الشَّمْسَ أنّى واجَهَتْنَا … فيَجْبُها ويَأذَنُ للنَّسِيْمِ وبَلَغَني أنَّ المَنَازِيّ عَمِلَ هذه الأبيات ليَعْرضها على أبي العَلَاء بن سُلَيمان إذا وصَل إليهِ، وقد عزَم على قَصْد المَعَرَّة لزيارة أبي العَلَاء، فلمَّا اجْتَمع بأبي العَلَاء وذَاكَره، أنْشَدَهُ هذه الأبْيَات، فَجَعَلَ المَنَازِيّ كُلّما أنْشَدَهُ المصرَاعَ الأوَّل من كُلِّ بيتٍ سَبَقهُ أبو العَلَاء إلى تَمَام البَيْت كما نَظَمَهُ، ولمَّا أنشدَهُ قَوْله: نَزَلنا دَوْحَهُ فَحنَا عَلينا قال أبو العَلَاء: حُنُوَّ الوَالدَاتِ على الفَطِيمِ فقال المَنَازِيّ: إنَّما قُلتُ: حُنُوَّ الوَالدَاتِ على اليَتِيْمِ فقال أبو العَلَاء: الفَطِيْم أحْسَنُ. قَرأتُ بخَطِّ الشَّيْخ أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن أبي جَرَادَة الحلِبيِّ، على ظَهْرِ كتابٍ وَقَعَ إليَّ بحَرَّان: للمَنَازِيّ الأُسْتَاذ أبي نَصر أحْمَد بن يُوسُف في ولَده أبي

стр. 1539

الوَفَاء عندَ وفاتِهِ بحَلَب وما كان له ولد غيره، وكان أحْسَن النَّاس صُوْرةً وأدَبًا، فلم يُرَ أصْبَرُ منه على الرَّزِيَّة بهِ (١): [من الطويل] أَطَاقَتْ يَدُ المَوْت انْتزاعَكَ من يَدِي … ولم يُطِقِ المَوْتُ انْتزاعَك من صَدْري لئن كُنْتَ مَبْثُوثَ المحاسِن في الحَشَا (a) فإنَّكَ مَمْحُوُّ المحاسِن في القَبْر (b) فلا وَصْل إلّا بينَ عَيْنَيَّ والبُكا … ولا هَجَر إلَّا بين قَلْبيَ والصَّبْرِه ووَقَعَ إليَّ بعد ذلك بَيْتٌ بعد البَيْت الثَّاني وهو: رَجَوتُكَ طِفْلًا فَوْق ما يَرْتَجي الفَتَى … كذاك هِلَالُ الشْهر أرْجَى من البَدْر ونَقَلْتُ من خَطِّ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عَبْدِ الله بن مُحَمَّد بن سَعيد بن سِنَان الخفاجِيّ الحَلَبيِّ، ﵀، على ظَهْر كتابٍ: وجَدْتُ في خِزَانَة الكُتُب بجامع آمِد حَرَسَهُ اللَّهُ، وقد دَخَلْتُ إليها في يَوْم الخَميس لثمانٍ بَقِينَ من صَفَر سَنَة إحْدَى وخمْسِين وأرْبَعِمائة، كِتَابًا فيه قِطْعَة من رَسَائِل أبي الفَضْل بن العَمِيْد، وعليه مَكْتُوب بخَطِّ أبي القَاسِم الحُسَين بن عليّ المَغْرِبيّ: وقال أبو نَصْر المَنَازِيّ، أيَّدَهُ اللهُ، يَوْم انْتِقَالِ عَابد عند الله احتَسبُه وهو الاثنين الثَّامن من صَفَر سَنَة ثَمانٍ وأرْبَعِمائة: [من الكامل] يا مَنْ إذا افْتُدِي الكرامُ بمنْفسٍ … فلتَمْضِ أنْفُسُهُم فدَاءَ خَيَالِه هَزَّتكَ حَادِثَةُ الزَّمان فلم تجدْ … لِيْنَ المهَزَّةِ في أرَقِّ نِصَالِهِ وهو الزَّمانُ إذا تَغطرَسَ صرْفُهُ … أَهْدَى الكُسُوفَ لشَمْسِه وهِلَالهِ

стр. 1540

أيسُوْمُ حِلْمَكَ وَهْوَ خَيْرُ … حِبَالِهِ شِرْكًا مع الهَضَبَاتِ في زِلْزَالهِ وقَدِ امْتَراكَ فما سمحْتَ بدَمْعَةٍ … لمُفَجِّرِ الجلُودِ عن سَلْسَالهِ إنْ تَصْطَبِرُ فالمجدُ أوَّلُ جازعٍ … أو تَسْلُ فالعَلْيَاءُ آخِرُ وَالِهِ وعلى النُّجُوم كآبةٌ مِن فَقْدِها … قَمَرًا أضرَّ بهنَّ قبلَ كَمَالِهِ جَذِلَتْ به الأحْسَابُ قبلَ رِضَاعِهِ … ورَجَاهُ قَوْلُ الفَصْلِ قبلَ فِصَالهِ وتَخيَّرتْ فِقَرُ الكَلَام نُفُوسَهَا … رصَدًا لبدْعِ مَقَالِهِ وفَعَالِهِ أَمَلٌ فُجِعْتَ بهِ ويُنْفقُ حازمٌ … أيَّامَهُ سَرفًا على آمَالِهِ ورزيتَ عِلْقَ مضِنَّة لو أنَّهُ … للدَّهْر ما خَطَرَ السُّلُوُّ ببَالِهِ مضَت المُلُوكُ وخلَّفَتَكُمُ في العُلَى … عقْبًا يسُوءُ اللَّيْث في أَشْبَالِهِ وإذا انْتَمَيْتَ فكم صَريْحةُ ماجدٍ … تُبْدِي بُطُونُ الأرْض من أوْصَالِهِ لا تبدلُ المَوْتَى شَرِيْفَ جوَارِهِ … بالعَيْشِ مُؤْتنِفًا رفيفَ ظِلَالِهِ وقال أبو مُحَمَّد الخَفَاجيِّ: أنْشَدَنا الأُسْتَاذُ أبو نَصْر المَنَازِيّ لنَفْسِه، وقَدِمَ حلَبَ في سَنَة سَبع وثَلاثين وأرْبَعِمائة في (a): [من الوافر] لقد عَرض الحَمَامُ لنا بسَجْع … إذا أَصْغَى له رَكْبٌ تَلاحَى صَحَا قلبُ الخَليّ فقال غنَّى … وبَرَّح بالشَّجيِّ فقال: نَاحَا وكَمْ للشَّوْق في أحْشَاء صَبٍّ … إذا انْدَمَلتْ أجَدَّ لها جِرَاحَا ضَعِيْف الصَّبْر فيكَ وإن تَقَاوَى … وسَكْران الفُؤَاد وإنْ تَصَاحَى كذاكَ بنو الهَوَى سكْرى صُحَاةٌ … كأحْدَاق المَهَا سَكْرى (b) صِحَاصَا

стр. 1541

وقَرأتُ بخَطِّ المُفَضَّل بن مَوَاهِب الفَارزِيّ الحلبِيِّ لأبي نَصْر أحْمَد بن يُوسُف المَنَازِيّ ﵀ وينْتَمِي إلى سُلَيْكٍ - في الوَزِير أبي القَاسِم الحُسَين بن عليّ المَغْرِبيّ، أنْشَدَهُ إيَّاها بمَيَّافَارقِين (a) سَنَة ستٍّ وأرْبَعِمائة (١): [من الكامل] اصْفَح لطَرْف الصَّبّ عن نَظراته … إن كُنْتَ آخِذَهُ بما لم يَاتِهِ سُقيا لوَجْهِكَ فهو أوَّل رَوْضَةٍ … زهَرت أقاحيهِ أمام نباتهِ لمَّا خطَطْتُ مثَالَهُ في نَاظِري … مَدَّ الحجابَ عليه من عَبَرَاتِهِ حَالَتْ حُمَاتُك دون وردِ غَدِيرهِ … وشَيم زَهْرتهِ ورَشْف قلَاتِهِ الماءُ يَلْمَعُ في أريض جَنَابهِ … والنَّار تَسْفَعُ (b) من ضُلُوع رُعَاتِهِ وإذا ادَّعَى بَدْرُ التَّمَام بَهَاءَهُ … وأنار للسَّارِي قَلَا زعَماتِهِ ومنها في المَدْح: ولئن جزَتْ نِعَمَ الحُسَين محَامِدٌ … فلتَجْزينَّ الغَيْثَ عن هَطَلَاتهِ أَقْنَى وأغْنَى فانقلَبْتُ وَلي بهِ … شُغْلان بَيْنَ صِفَاتهِ وصلَاتِهِ حَاولْتُ عَدَّ خلالِهِ فوَجَدْتُها … يَشْقَى الرُّوَاةُ بها شَقَاءَ عُدَاتهِ أَبْصَرْتُ سُبلَ المَجْد من لَحَظاتِهِ … وأَفَدْتُ حُسْنَ القَوْل من لَفَظَاتِهِ وأَرَى الفَصَاحَةَ والسَّمَاحَةَ والغِنَى … ومَكَارِم الأخْلَاق بَعْضَ هبَاتِهِ وَرِثَ المَعَالِي عن عَليٍّ وابْتَنَى … رُتَبًا مُشَيَّدةً إلى رُتَبَاتِهِ وكَذَاكَ لابن القَيْل إرْثُ عَلَائهِ … فرْضًا ولابن القَيْن إرْث عَلَاتِهِ أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد المحسِن بن عَبْد الله بن أحْمَد بن الطُّوْسيّ في كتابهِ غير مَرَّة، قال: أخْبرَنا عَمِّي القَاضِي أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن أحْمَد إجَازَةً، قال:

стр. 1542

أخْبَرَنا أبي أبو نَصْر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن عَبْد القَاهِر بقِرَاءَتي عليهِ، قال: أنْشَدَني الأخُ الجلِيْلُ أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن أحْمَد بن أبي الصَّقْر السُرَّ مَنْ رَأى الدُّوْرِيّ، قال: أُنشِدْنا للمَنَازِيّ (١): [من البسيط] لو قِيْل وهَجِيْر الصَّيْف مُتَّقِدٌ … وفي فُؤادِي جَوىً بالحَرِّ يَضْطَرِمُ أَهُمْ أَحَبُّ إليكَ اليَوْم تَشْهَدُهم … أَمْ شرْبهٌ من زلَال الماءِ قُلْتُ: هُمُ أنْشَدَني شِهَابُ الدِّين يَاقُوتُ بن عَبْدِ الله مَوْلَى الحَمَوِيّ الأدِيْبُ لأبي نَصْر المَنَازِيّ (٢): [من الوافر] غَزَالٌ قَدُّه قَدٌّ عَجِيْبٌ (a) … تَلِيْقُ به المَدَائحُ والنَّسِيْبُ جَهِدْتُ وما أَصَبْتُ رِضَاهُ يَوْمًا … وقالُوا: كُلُّ مُجْهدٍ مُصِيْبُ (b) قَرأتُ بخَطِّ نَصْر بن مَعْدَان بن كَثِيْر البَالِسِيّ الفَقِيه لأبي نَصْر المَنَازِيّ (٣): [من الوافر] يُثَنِّي عطْفَهُ هَفَواتُ (c) دَلٍّ … إِذا لَمْ يَثْنِهِ هَفَوَاتُ (d) رَاح يَمِيْلُ معَ الوُشَاةِ وأَيّ غُصْنٍ … رَطيْبٍ لا يَمِيْلُ مع الرِّيَاح قال لي يَاقُوت بن عَبْد الله الحَمَوِيّ الرُّوميّ ثمّ البَغْدَاديّ (٤): ماتَ المَنَازِيّ في سَنَة سَبعٍ وثَلاثين وأرْبَعِمائة.

стр. 1543

كَتَبَ إليَّ ضِيَاء الدِّين أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل بن أبي الحَجَّاج المَقْدِسِيّ أنَّ عِمَاد الدِّين مُحَمَّد بن حَامِد بن الكَاتِب أخْبَرَهمِ عن العَلَم الشَّاتَانِيّ الحَسَن بن سَعيد الدِّيَاربَكْرِيّ، قال (١): وماتَ - يعني المَنَازِيّ - سَنَة سَبَعٍ وثلاثين، وكان عَظِيم الشَّأْن. أحمدُ بن يُوسُف الثَّقَفِيُّ سَمِعَ بأنْطَاكِيَة عَبْدَ الله بن خُبَيْق الأنْطَاكِيّ. رَوَى عنهُ إبْراهيم بن أحْمَد الآمُلِيّ، وعَبْدُ السَّلام بن محَمَّد البَغْدَاديُّ، وأظُنُّهُ من أهل أنْطَاكِيَة. أنْبَأنَا أبو رَوْح عَبْدُ المُعِزّ بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْلِ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّامِيِّ، سَمَاعًا أو إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَيْهَقِيّ، قال: حَدَّثنا أبو سَعْد عَبْد المَلِك بن أبي عُثْمان الزَّاهد، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن أبي عِمْران الحَدِيْثيّ بمَكَّة، قال: أخْبَرَني عَبْدُ السَّلام بن مُحَمَّد البَغْدَاديّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن يُوسُفَ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بنُ خُبيْق، قال: سَمِعْتُ شُعَيْبَ بن حَرْب يقُول: ذكِرَ عن إبرْاهيم بن أدْهَم، قال: لا تَجْعَل فيما بَيْنَكَ وبينَ الله عليكَ مُنْعِمًا واعْدُدِ النّعْمَةَ عليك من غير اللهِ مَغْرَمًا. أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد إذْنًا، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي مُحَمَّد الدِّمَشقيّ (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن أحْمَد البَرُوجِرْديّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عليُّ بن عَبْدِ اللهِ الحِيْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عَبْدِ الله بن بَاكُوَيْهَ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيْز بن الفَضْل، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن أحْمَد الآمُلِيّ، قال: حَدَّثنا أحْمَدُ بن يُوسُفَ الثَّقَفِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن خُبَيْق الأنْطَاكِيّ، قال: حَدَّثَني مُوسىَ بن طَرِيف، قال: ركب إبْراهيم بن أدْهَم البَحْر، فأخَذَتْهُم رِيْحٌ عاصفٌ،

стр. 1544

وأشْرَفُوا على الهَلكَة، فلَفَّ إبْراهيمُ رأسَهُ في عَبَاءَةٍ ونام، فقالوا له: ما تَرَى ما نحنُ فيه من الشِّدَّة؟ فقال: ليسَ ذا شِدَّة، قالوا: ما الشِّدَّةُ؟ قال: الحاجَةُ إلى النَّاسِ. ثمّ قال: اللَّهُمَّ أَرَيْتَنا قُدْرَتكَ، فأَرِنَا عَفْوَكَ، فصَار البَحْر كأنَّهُ قَدَحُ زَيْتٍ. أحمدُ بن يُوسُفَ رَجُلٌ كان بأنْطَاكِيَة، وحَكَى عن بعض العُبَّاد كَلَامًا تكلَّم بهِ، إنْ لم يَكُن الثَّقَفِيّ الّذي قَدَّمْنا ذِكْرَهُ فهو غيرُهُ. وَقَعَ إليَّ مَجْمُوع بخَطِّ بعض الفُضَلاءِ يُقال لهُ أبو عليّ المُحَسِّن بن مَهْبَرُّوذ (١)، فَنَقَلْتُ منهُ: قال أحْمَدُ بن يُوسُفَ: لَقِيْتُ بعضَ العُبَّادِ بأنْطَاكِيَةَ، فسَألْتُه عن مَسَائِل، فأجَابَني، ثُمَّ قال لي: يا أحْمَد، لقد سَمِعْتُ من رِاهِب حِكْمَةً لم أسْمعَ بمثلها، قال: قُلتُ: فتخْبرني، قال: قُلْتُ له: يا رَاهِبُ، ما مَعْبُودُكَ؟ قال: الله الّذي خَلَقَني وخَلَقَكَ، قال: قُلتُ: فأين اللهُ من قُلُوب العَارِفِيْن؟ قال: قُلُوب العَارِفِيْن لا تَحُول عنِ اللهِ طَرفَة عَيْن، قال: قُلثُ: يا رَاهِبُ، ألَكُم عِيْدٌ؟ قال: نعم، قُلتُ: فأيّ يَوْم هُو؟ قال: يوْم نُصْبح ونُمسِي لا يُكْتَبُ علينا فيه خَطيئَةٌ، قال: قُلتُ: لم جَلَسْتُم في الصَّوَامع؟ قال: نفْرة الأكْيَاس من فَخّ الدُّنْيا، لأنَّ الدُّنْيا شَوْكَة أخْشَى أنْ أَطَأَ عليها فتَدْخُل في قَدَمي، قُلتُ: لَمَ لبسْتُم المُسُوْحَ والسَّوَادَ؟ قال: لأنَّ الدُّنْيا مَأتَمٌ، قال: قُلتُ: أسْتَغْفرُ الله، قال: فنَظَر إليَّ وقال: يا فَتَى، أَسْتَغْفرُ الله تَوْبَةُ الكَاذِبيْن، فكم مُسْتَغْفرٍ بلِسَانهِ مُعَادٍ لله بقَلْبهِ، يُقَادُ غَدًا إلى عَذَاب السَّعِيْر، قال قُلتُ له: يا تبي (٢) بَقِيَتْ واحدةٌ، قال: سَلْ، قال: قُلتُ: من أيْنَ المَطْعَمُ والمَشْرَبُ؟ قال: فنَظَرَ إليَّ نَظْرةً احْمَرَّت حَماليْقُ عَيْنَيهِ، ثمّ قال: وَيْحَكَ، لم تَنْتَفع بالمَوْعِظَة بَعْدُ!.

стр. 1545

أحمدُ بن يُوسُفَ أبو العبَّاس التِّيفَاشِيُّ القَاضِي (١) وتِيْفَاش قَرْيَةٌ من قُرَى قَفْصَة إحْدَى بِلَادِ إفْرِيقِيَّة، وكان أبو العبَّاس قَاضِم قَفْصَة، وكان شَيْخًا حَسَنًا فَاضِلًا، عَارِفًا بالأدَب وعُلُوم الأوَائِل، وله شِعْرٌ حَسَنٌ، ونَثْرٌ جَيِّدٌ، ومُصَنَّفاتٌ حَسَنةٌ في عدَّةِ فُنُون؛ كَثِيْرة الفَائِدَة. اجْتَمَعْتُ بهِ بالقَاهِرَة، وقد تَوَجَّهْتُ إليها رَسُولًا (٢)، فوَجَدْتُه شَيْخًا كَيِّسًا، ظَرِيفًا، حَرِيْصًا على الاسْتِفَادَة لِمَا يُوْردُه في تَصَانيْفه، ويُوْدعُه مَجَامِيْعَهُ. وأوْقَفني على شيءٍ من تَصَانيفهِ الحِسَان، وأهْدَى إليَّ بخَطِّه منها كتِابًا وَسَمَهُ بالدُّرَّة الفَائِقَة في مَحَاسِن الأفَارِقَة، وأنْشَدَني مَقاطِيع من شِعْره. وذكَرَ لي أنَّهُ وُلِدَ بقَفْصَة منِ بلاد إفْرِيقِيَّة، وأنَّهُ خَرَجَ وهو صَبيٌّ، واشْتَغل بالدِّيَار المِصْرِيّة على شَيْخِنا أبي مُحمَّد عَبْد اللَّطِيْف بن يُوسُف البَغْدَاديّ، ورحَل إلى دِمَشْقَ، وقَرأ بها على شَيْخِنا أبي اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، وأحبَّ المقام بها، ثمّ إنْ نَفْسَهُ اشْتَاقَتْ إلى الوَطَن، فعَاد إلى قَفْصَة، ثمّ إنَّهُ حَنَّ إلى المَشْرِق، وطالبَتْهُ نَفْسُه بالمقامِ بدِمَشْق، فبَاع أمْلَاكَهُ وما يثْقُل عليه حَمْلُهُ، وأخَذَ معه أولادَهُ وزَوْجَه ومَالَهُ، وركبَ البَحْر في مَرْكبٍ اتَّخذَهُ لنفسِه، فغَرِقَ أهْلُه وأولادُهُ، وخَلَصَ بحُشَاشَةِ نَفْسهِ، وخَلَّص عَرَبُ بَرْقَةَ بعضَ مَتَاعِهِ، فخرَجَ معهم
следующие страницы →