بمَخْبر، ولا في مالٍ إلَّا بجُود، ولا في صَدِيْق إلَّا بوَفَاءٍ، ولا في فِقْهٍ إلَّا بوَرَع، ولا في صَدَقَةٍ إلَّا بنيَّةٍ، ولا في حَيَاةٍ إلَّا بأمنٍ وصِحَّةٍ.
أخْبَرَنا الشَّيْخُ العَلَّامَةُ أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن عليّ بن أحْمَد المُقْرِئ، قال: اخْبَرَنا أبو مَنْصُور مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن الحُسَين بن عَبْد العَزِيْز، قال: أخْبَرَنا أبو الطَّيِّب مُحمَّد بن أحْمَد بن خَلَف بن خَاقَان البَيِّع، ح.
قال أبو مَنْصُور: وحَدَّثَنَا القَاضِي أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن عليّ بن أَيُّوبَ الشَّافِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بكَرْ أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الجَرَّاح الخَزَّازُ، قالا: اخْبَرَنا أبو بكَرْ مُحَمَّد بن الحَسَن بن دُرَيْد الأزْدِيّ، قال: وقال الأحْنَفُ: المَلُولُ ليسَ لهُ وَفَاءٌ، والكَذَّبُ ليسَ له حَياءٌ، والحَسُودُ ليسَ لهُ رَاحَةٌ، والبَخِيْلُ ليسَتْ له مُروءَةُ، ولا يَسُودُ سَئُ الخُلُق.
أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن أبي عَبْد الله بن المُقَيِّر البَغْدَاديُّ، قِراءَةً عليهِ، عن أبى الفَضْل مُحَمَّد بن نَاصِر، قال: أنْبَأنَا إبْراهيم بن سَعيد، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن مُحَمَّد بن القَاسِم، قال: أخْبَرَنا عليُّ بن الحَسَن بن بُنْدَار قاضي أذَنَةَ، قال: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَني ثُمَامَةَ بن عُتْبَةَ، عن عبد الرَّحْمن بن صَخْر الوَابِصِيّ، قال: حَدَّثَني يَحْيَى بن أَيُّوبَ، وعَمْرو بن أبي إِيَاس، عن عبد الرَّحْمن بن سَعْد بن وَابِصَةَ، عن أَبِيِه سَعْدٍ، قال: سَمِعْتُ الأحْنَفَ يقول: ثلاثٌ لا أفْعَلُهنَّ أبدًا: لا أُزَوِّجُ رَجُلًا ثُمَّ أُخَاصمُه، ولا أُقَاول مَنْ لا كفاء له، ولا أُبَارِزُ السُّلْطان، فإنَّهُ من سلْطانِ الله، أخَافُ أنْ يَغْلبَني بسَطْوَتِه.
أخْبَرَنا أبو عَبْد الله بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن مَوَاهِب، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بن أحْمَد،
стр. 1577
قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قال: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قال: حَدَّثَنَا شَيْخٌ من بني تَمِيْم، قال: قال الأحْنَفُ بن قَيْسٍ: إنَّهُ يمنَعُني كَثِيْرًا من الكَلَام مَخافَةُ الجَوَاب.
وقال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ، قال: حَدَّثنَي مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك، قال: حَدَّثَني ابنُ شَبُّوَيْه، قال: حَدَّثَني سُليْمان، قال: حَدَّثَني ابن مُبَارَك، قال: قال قَائلٌ للأحْنَف: بأيّ شيءٍ سَوَّدَكَ قَوْمُكَ؟ قال: لو عَابَ النَّاسُ الماءَ لم أشْرَبهُ.
وقال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن أحْمَد، قال: حَدَّثّني أبي، قال: حَدَّثَني هَارُون بن مَعْرُوف، قال: حَدَّثَنَا ضَمْرَة، عن ابن شَوْذَب، قال: قال الأحْنَفُ بن قَيْسٍ: عرَضتُ نَفْسِي على القُرْآن فلم أجِدْ نَفْسِي بشيءٍ أشْبَهَ منِّي بهذه الآية: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١).
وقال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا أبو مُعاوِيَة الغَلَابِيّ، قال: حَدَّثَي رَجُلٌ من بني تَمِيْم، قال: قال الأحْنَفُ: لا مُرُوءَة لكَذُوب، ولا رَاحَة لحَسُودٍ، ولا خُلَّةَ لبَخِيْل، ولا سُؤْدَد لسَيّئ الخُلُق، ولا إخَاءَ لمَلُولٍ.
وقال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله، قال: حَدَّثَني أبي، قال: حَدَّثَنَا هاشِمُ بن القَاسِم، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد - يعني ابن طَلْحَة - عن الهُجَيْع بن قَيْس، قال: قال الأحْنَفُ بن قَيْس: ما أُحبّ أنَّ لي بنَصِيْبي من الذُّلّ حُمر النِّعَم.
وقال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن عَبْد الله، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن شَبُّوَيْه، قال: حَدَّثَني سُليْمان - وهو سَلْمَوَيْهَ؛ من أصْحَاب ابن المُبارَك - قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بنُ المُبارَك، عن خُزَيْمَة بن خَازِم، قال: أخْبَرَني مُحَمَّد بن عَبْد
стр. 1578
الله بن أبي يَعْقُوب أنَّ أُمّ الأحْنَف كانت امْرأة من بني زَافِر من بَاهِلَةَ، وأنَّها كانت تَرْتَجزُ وهو في جَمْرها: [من الرجز]
والله لولَا حَنَفٌ في رِجْلِهِ … ما أدرَك في ولدانِكُم من مثْلِهِ
أنْبَأنَا أبو العَلَاء أحْمَد بن شَاكِر بن عَبْد الله بن سُلَيمان، عن أبي مُحَمَّد عَبْد الله بن أحْمَد بن أحْمَد بن أحْمَد بن الخَشَّاب، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الفَرَّاءِ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر البَاقِلَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن بن نيجاب، قال: حَدَّثنا إبراهيمُ بن الحُسين، قال: حَدَّثنا يَحْيَى بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن الجَرَّاحِ، عن أبي يُوسُف، عن أبي حَمْزَة الثُّمَالِيّ، قال: لمَّا بُوْيِعَ مُعاوِيَة، وَفَد عليه الأحْنَف بن قيْس وأبو الأسْوَد الدُّؤَلِيّ في أهْل البَصْرَة، فقال مُعاوِيَةُ للأحْنَف حينَ دَخَلَ عليه: أنْتَ القَاتِل أَمِير المُؤمِنِين - يُريد عُثْمان - والخاذِل أَمِير المُؤمِنِين، ومُقَاتِلُنا بصِفِّيْن، فقال له الأحْنَفُ: يا أَمِيرَ المُؤمِنِين، لا تَرْدُدِ الأُمُورَ على أدْبَارها، فإنَّ القُلُوبَ الّتي أبغضْنَاكَ بها في صُدُورنا، والسُّيُوفَ الّتي قَاتلنَاكَ بها في عَوَاتِقنا، فلا تَمُدَّ لنا شِبْرًا من الغَدْر إلَّا مَدَدْنا لكَ باعًا من الخَتْر (١)، وإنْ كُنت يا أَمِير المُؤمِنِين لجَدِير أَنْ تَسْتَصْفِي كَدَرَ قُلُوبنا بفَضْل حِلْمكَ، فقال: إنِّي فَاعِلٌ إنْ شَاءَ اللهُ.
أخْبَرَنا عَتِيق بن أبي الفَضْل، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن، ح.
وحَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ، قال: أنْبَأنَا أبو المَعَالِي بن صَابرِ، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم النَّسِيب، قال: أخْبَرَنا رَشَاء بن نَظِيف، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل الضّرَّاب، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مَرْوَان (٢)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن دَاوُد، قال: حَدَّثَنَا
стр. 1579
الزِّيَادِيّ، عن الأصْمَعِيّ قال: حَدَّثَنَا مَعْمَر (a) بن حَيَّان، عن هِشَام بن عُقْبَة أخي ذي الرُّمَّة الشَّاعِر، قال: شَهدتُ الأحْنَفَ بن قَيْسٍ وقد جاءَ إلى قَوْم في دَمٍ، فتَكلَّم فيه، فقال: احْكمُوا (b)، فقالوا: نَحْكم دِيَّتَين، فقال: ذاك لكم، فلَّا سَكَتُوا، قال: أنا أُعْطيطم ما سَألتم غير أنِّي قائل (c) لكم شيئًا إنَّ الله قَضَى بدِيَّةٍ واحدة، وإنَّ الَّنبِيّ ﷺ قَضَى بدِيَّةٍ واحدَةٍ، وإنَّ العَرَب تعَاطى بينها دِيَّة واحدة، وأنتم اليَوْم تُطالبُون (d)، وأخْشَى أنْ تكُونوا غَدًا مَطْلُوبين، فلا يرْضَى النَّاسُ منكم إلَّا بمثْل الّذي سَنَنْتمُ (e) على أنْفسكم، قالوا: فرُدَّها إلى دِيَّةٍ واحدةٍ، فَحمدَ الله وأثْنَى عليه، ورَكِبَ.
وقال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مَرْوَان (١)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَبْد العَزِيْز، قال: حَدَّثَنَا ابن عائِشَة، قال: سَمِعْتُ أبي يَقُول: سُئِلَ الأحْنَف بن قَيْس: ما المُرُوءَة؟ فقال: كتمان السِّرّ والتَّبَاعُدُ من الشَّرِّ.
قال ابنُ مَرْوَان (٢): حَدَّثَنَا يَعْقُوب بن يُوسُف المُطَّوّعيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الرَّبْيع الزَّهْرَانِيّ، عن حَمَّاد بن زَيْدٍ، قال: قال رَجُلٌ للأحْنَف بن قَيْس: بمَ سُدْتَ قَوْمَك؟ وأرادَ عَيْبَه، فقال الأحْنَف: بَترْكي من أمْرك ما لا يَعْنيني كما عَنَاك (f) من أمْري ما لا يَعْنِيكَ.
وفي غير هذه الرِّوَايَة أنَّهُ قال له: بم سُدْتَ قَومك وأنتَ أحْنَف أعْوَر؟.
стр. 1580
وقال (١): حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يُونُس، قال: حَدَّثَنَا الأصْمَعِيّ، عن أبي عَمْرو بن العَلَاء، قال: قال الأحْنَفُ بن قَيْس: ما دَخَلْتُ بين اثنين قَطّ حتَّى يكونا هُما يُدْخلاني في أمْرهما، ولا أقمتُ من مَجْلِس قَطّ، ولا حُجِبْتُ عن بابٍ قَطّ بقول: لا أجْلِس مَجْلِسًا أعْلَم أنِّي أُقَام عن مثله، ولا أقف على باب أخَاف أنْ أُحْجَب عن صاحبهِ.
قال الأصْمَعيُّ: وقال: إنِّي مما رُددت عن حاجَةٍ قَطّ، قيل له: ولِمَ؟ قال: لأنِّي لا أطلب المُحَال.
وقال الأصْمَعِيُّ: قيل للأحْنَف: إنَّكَ تُطِيل الصِّيَام، قال: إنِّي أُعِدُّه لسَفَرٍ طويلٍ.
نَقَلْتُ من خَطِّ ابن الحَدَّادِ صَاحِب ثَعْلَب على ظَهْر كتابٍ ببَغْدَاد فيه أخْبَار الحارِث المَخْزُوميّ: قال أبو هَفَّان: يُرْوى أنَّ الأحْنَف لم يَقُل غير هذين البَيْتَيْن (٢): [من المتقارب]
فلَوْ أنَّ مَالِيَ مَالٌ كَثِيْرٌ … لَجُدْتُ وكُنْتُ له بَاذِلَا
فإنَّ المُرُوءَةَ لا تُسْتَطَاع … إذا لم يكُن مَالُها فَاضِلَا
أخْبَرَنا أبو جَعْفَر يَحْيَى بن جَعْفَر بن عَبْدِ الله بن الدَّامَغَانِيّ الصُّوْفيّ، قال: أخْبَرَنا أبي، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد في سَوَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين في رِزْمَة، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد السِّيْرَافيّ، قال: حَدَّثني مُحَمَّد بن مَنْصُور، قال: حَدَّثَني الزُّبَيْرُ - يعني ابن بَكَّار - قال: وقال الأحْنَفُ بن قَيْسٍ (٣): [من الطويل]
стр. 1581
وكائن تَرَى من صَامتٍ لكَ مُعْجبٍ … زيادَتُهُ أو نقصُهُ في التَّكَلَمُّ
لسَانُ الفَتَى نِصْفٌ ونِصْفٌ فُؤَادُهُ … فلَمْ يَبْقَ إلَّا صُوْرَةُ اللَّحْمِ والدَّمِ
قال الزُّبَيْرُ: إنَّما قال الأحْنَفُ هذا لأنَّهُ كان يَجْلِس إليهِ رَجُلٌ فأعْجَبَهُ ما رَأى من صَمْته إلى أنْ قال له يَوْمًا يا أبا بَحْرٍ، أيَسُرُّكَ أنَّك على شُرْفَة من شُرَف المَسْجِد وأنَّ لك مائة ألْف دِرْهَم؟ فقال الأحْنَفُ: يا ابن أخي، والله إنَّ المائةَ الألف دِرْهَم لَمحْرُوص عليها، ولكنِّي قد كَبِرْتُ وما أقْوَى على القيام على هذه الشُّرْفَة، وقام الفَتَى، فلمَّا وَلَّى قال الأحْنَفُ هذين البيَتَيْن.
أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بن إبْرَاهيم بن مُسَلَّم، قال: أخْبَرَتْنا الكَاتِبةُ شُهْدَةُ بنتُ أحْمَد بن الفَرَج، قالت (a): أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللهِ الحُسَينُ بن أحْمَد بن طَلْحَة النِّعَالِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّدُ بن عُبَيْد الله بن مُحَمَّد بن يُوسُف الحِنَّائِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو عُثْمان بن أحْمَد بن السَّمَّاك، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم إسْحاق بن إبْراهيم بن سُنَيْن الخُتَّلِيّ (١)، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن مَزْيَد، قال: أخْبَرَني بعضُ أصْحَابنا، قال: قال رجُلٌ للأحْنَف: أنْتَ أبي بَحْرِ؟ فقال الأحْنَفُ: الرَّجُلُ مَخْبُوءٌ تحتَ لِسَانهِ، ثمّ أنْشَأَ يقول: [الطويل]
وكائِن تَرَى من مُعْجَبٍ لكَ صَامِتًا … زِيَادَتُهُ أو نَقْصُهُ في التَّكلُّم
لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ ونِصْفٌ فُؤادُهُ … فلم يَبْقَ إلَّا صُوْرةُ اللَّحْمِ والدَّمِ
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْدِ الله الدِّمَشقيّ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مَسْعُود بن أبي مَنْصُور بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور
стр. 1582
مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن أحْمَد بن مُحَمَّد بن الحُسَين بن فَاذْشَاه، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم سُليْمان بن أحْمَد بن أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو شُعَيْب الحَرَّانيّ، قال: حَدَّثَنَا عُمَر بن شَبَّة، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن مُحَمَّد المَدَائِنِيّ، عن سَحَيْم بن حَفْصٍ، قال: كانت امرْأةٌ من بني عَامِر عند الأحْنَف بن قَيْسٍ فطَلَّقَها، فخَلَفَ عليها بَدْرُ بن أحْمَدَ الضَّبِّيُّ، فأتَاهَا الأحْنَفُ يَوْمًا فدَخَلَ عليها، فأرْسَل إليه بَدْر بن أحْمَر (a) ابنَهُ وقال للرَّسُول: قُلْ لهُ: [من البسيط]
لا يشْغَلنَّكَ عن شيءٍ هَمَمْتَ بهِ … إنَّ الغَزَال الّذي ضَيَّعْتَ مَشْغُوْلُ
فقال الأحْنَفُ: قُلْ لهُ: [من البسيط]
إنْ كان ذا شُغُلٍ فاللهُ يَحْفَظُهُ … فقد لَهَوْنا بهِ والحَبْلُ مَوْصُولُ
ذكر أبو عُثْمان عَمْرو بن بَحْر الجاحِظ في كتاب البَيَان والتَّبْييْن (١)، قال: ورَوَى الهَيْثَم بن عَدِيّ، عن أبي يَعْقُوبَ الثَّقَفِيّ، عن عَبْدِ المَلِك بن عُمَيْر، قال: قَدِمَ علينا الأحْنَفُ بنُ قَيْسٍ الكُوفَةَ مع المُصْعَب بن الزُّبَيْر، فا رأَيْتُ خَصْلَةً تُذَمّ إلَّا وقد رأيْتُها فيه، كان صَعِلَ الرَّأس، مُتَراكب الأسْنَان، أشْدَقَ، مَائِل الذَّقَن، نَاتِئَ الوَجْهِ (b)، بَاخِقَ (C) العَيْن، خَفِيْفَ العَارِضيْن، أحْنَفَ الرِّجْلِ (d)، ولكنَّهُ كان إذا تكلمَّ جَلَّى عن نَفْسِهِ.
стр. 1583
وزَعَم يَحْيَى بن نُجَيْم بن رَبيعَة؛ أحَدُ رُوَاةِ أهْل البَصْرَة، قال: قال يُونُس بن حَبِيْب في تَأوِيْل الأحْنَف بن قَيْس وقال: [من الوافر]
أنا ابنُ الزَّافِرِيَّة أرْضَعَتْنِي … بثَدْيٍ لا أَحَذُّ ولا وَخِيْمُ
أتَمَّتْنِي (a) فلم تَنْقُصْ عِظَامِي … ولا صَوْتي إذا اصطَكَّ الخُصُومُ
قال: إنَّما عنَى بقوله: عِظَامي: أسْنَانَهُ الّتي في فيْهِ، وهي الّتي إذا تَمَّت تَمّت الحُرُوف، وإذا نقصَتْ نَقَصَتْ الحُرُوفُ.
قال يُونُسُ: وكيف يقُول مثْلهُ:
أتَمَّتْنِي فلم تَنْقُص عِظَامِي
وهو أحْنَفُ من رِجْليهِ جَمِيعًا مع قول الحُبَابِ له: والله إنَّكَ لضَئِيلٌ، وإنَّ أُمَّكَ لوَرْهَاءُ، وكان أعْرَفَ بمَوَاقِع العُيُوب، وأبْصَر بدَقيقها وجَلِيْلها، وكيف يقُول ذلك وهو نَصْبُ عُيُون الأعْدَاء وشُعَراء الأعْدَاء، وهو أنْفُ مُضَر الّذي تَعْطِسُ به وابن العَرَب والعَجَم قَاطِبَةً.
أخْبَرَنا حَسَن بن أحْمَد الأَوَقِيّ، فيما أَذِنَ لَنا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، قال: أخْبَرَنا الحافِظ السِّلَفِيّ إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا ثَابِت بن بُنْدَار، قال: أخْبَرَنا الحُسَين بن جَعْفَر، قال: أخْبَرَنا الوَلِيد بن بَكْر، قَال: حَدَّثَنَا أبو مُسْلم صالح بن أحْمَد العِجْلِيّ (١)، قال: حَدَّثَني أبي، قال: والأحْنَف بن قَيْس بَصْريٌّ تَابِعيٌّ
стр. 1584
ثِقَةٌ، وكان سَيِّد قَوْمه، وكان أعْوَر أحْنَف (a)، دَمِيْمًا قَصِيْرًا، كَوْسَجًا (b)، له بَيْضَة واحدةٌ، قال له عُمَر بن الخَطَّاب ﵁: وَيْحَك يا أُحَيْنَف (c)، لمَّا رأيْتك أرْدَيتك (d)، فلمَّا نطقتَ فقلتُ لعلَّهُ مُنَافِقٌ صَنِعُ اللِّسَان، فلمَّا اخْتَبَرتكَ أحْمدتكَ، ولذلك حَبَسْتكَ - حَبَسَه سَنة يَخْتبره - فقال عُمَر: هذا واللهِ السَّيِّدُ.
أخْبَرَنا عَتِيق بن أبي الفَضْل السَّلَمَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ، قال: أنْبَأنَا أبو المَعَالِي بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم النَّسِيب، قال: أخْبَرَنا رشَاء بن نَظِيف، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد الحَسَن بن إسْمَاعِيْل الضَّرَّاب، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن مَرْوَان (١)، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيمُ بن إسْحاق الحَرْبِيّ وأحمد بن عُبَاد (e)، قالا: حَدَّثَنَا الرِّيَاشِيّ، عن الأصْمَعِيِّ، قال: قال عَبْدُ المَلِك بن عُمَيْر: قَدِمَ علينا الأحْنَفُ الكُوفَة مع مُصْعَب بن الزُّبَيْر، فما رأيتُ خصْلةً تُذَمّ إلَّا رأيتُها فيه، كان ضَئيلًا، صَعِلَ الرَّأس، مُتَراكبَ الأسْنَان، مَائِلَ الذَّقَن، نَاتِئ الوَجْهِ (f)، بَاخِقَ (g) العَيْن، خَفِيْفَ العَارِضَيْن، أحْنَفَ الرِّجْلَين (h)، فكان إذا تكلَّم جَلَّى عن نَفْسه.
وفي نُسْخَةٍ: كان ضَئيلًا، ضُعِيْلَ (i) الرَّأس.
стр. 1585
قال إبْراهيم: وذَكَر الهَيْثَم أنَّهُ كان أعْوَر العَيْن ذَهَبَتْ بسَمَرْقَنْد، ووُلد مُلْتزق الأَلْيَتَيْن فشُقَّ باثْنَين.
أنْبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن المُفَضَّل عن خَلَف بن عَبْد المَلِك بن بَشْكُوَال، قال: أخْبَرَني أبو مُحَمَّد بن عَتَّاب وأبو عِمْران بن أبي تَلِيْد إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر النَّمَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم خَلَف بن القَاسِم، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن السَّكَن، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن زُهَيْر، قال: حَدَّثَنَا سُليْمان بن أبي شَيْخ، قال: كان أحْنَف الرِّجْلَيْن جَميعًا، ولم يكن له إلَّا بَيْضة واحدة، وكان اسْمهُ صَخْر بن قَيْسٍ؛ أحَدُ بني سَعْد، وأُمُّهُ امْرأةٌ من بَاهِلَة، وكانت ترقصُه وتقول: [من الرجز]
[والله] (a) لولَا حَنَفٌ برجْلِهِ … وقلَّة أعْرفها من نَسْلِهِ
ما كان في فِتْيانكُمْ من مِثْلهِ
قال ابنُ السَّكَنِ: وأحْنَف بن قَيْس السَّعْدِيّ، أبو بَحْرٍ؛ واسْمُه الضَّحَّاك، سَكَن البَصْرَة، أدْرَك زمَن النَّبِيّ ﷺ ، ويقال: اسْمُه صَخْر بن قَيْس.
كَتَبَ إلينا أبو الفُتُوح نَصْر بن عليّ الحُصْرِيّ من مَكَّة أنَّ الحافظ أبا مُحَمَّد عَبْد الله بن مُحَمَّد الأَشِيْرِيّ أخْبَرهم، قال: أخْبَرَنا أبو الوَلِيد بن الدَّبَّاغ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الخَطِيبُ، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر يُوسُف بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَبْدِ البَرّ النَّمَرِيّ (١)، قال: الأحْنَفُ بن قَيْس السَّعْديّ التَّمِيْمِيّ، يُكْنَى أبا بَحْر، واسْمُه الضَّحَّاكُ بن قَيْسٍ، وقيل: صَخْرُ بن قَيْس بن مُعاوِيَة بن حُصَيْن بن عُبَادَةَ بن النَّزَّال
стр. 1586
ابن مُرَّة بن عَبِيْد بن الحَارِث بن عَمْرو بن كَعْب بن سَعْد بن زَيْدِ مَنَاةَ بن تَمِيْم، وأُمُّهُ من بَاهِلَةَ، كان قد أدْرَكَ النَّبِيّ ﷺ ولم يَرَهُ، ودَعَا له النَّبِيُّ ﵇، فمن هناك ذَكَرتُه في أصْحَابه لأنَّهُ أسْلَم على عَهْدِ النَّبِيّ ﵇.
كان الأحْنَفُ أحَدَ الجِلَّة الحُلَمَاءِ الدُّهَاةِ الحُكَمَاءِ العُقَلَاءِ، يُعَدُّ في كِبَار التَّابِعِيْن بالبَصْرَة، وتُوفِّيَ الأحْنَفُ بن قَيْس بالكُوفَة في إمَارة مُصْعَب بن الزُّبَيْر سَنَة سَبْعٍ وسِتِّين، ومَشَى مُصْعَبٌ في جَنَازَته.
أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّد بن عَبْد الله بن مَوْهُوب بن البَنَّاءِ، وأبو سَعْد ثَابِتُ بن مُشَرَّف بن أبي سَعْد البَنَّاءُ البَغْدَاديَّان، قالا: حَدَّثَنَا أبو الفَضْل مُحَمَّد بن نَاصِر بن مُحَمَّد السَّلَاميّ من لَفْظه قال - وذَكَر الأحْنَفَ بن قَيْسٍ السَّعْدِيّ البَصْرِيّ -: واسْمُه الضَّحَّاك، أدْرَكَ أيَّامَ النَّبِيّ ﷺ ، وسَمِعَ عُمَر بن الخَطَّاب، وعُثْمان، وعليًّا ﵃، وكان حَلِيمًا وَقُورًا عَاقِلًا، وكان شَيْخ بني تَمِيْم، وعالِمَهُم أَجْمع، وكان يتبعُه منهم عَشَرهُ آلاف فارس، وشَهِدَ قِتَالَ المُخْتَار بن أبي عُبَيْد مع مُصْعَب بن الزُّبَيْر وكان معه، وتُوفِّيَ بالكُوفَة قَبْل قَتْل مُصْعَب، ومَشَى مُصْعَبٌ في جَنَازَته بغير ردَاءٍ، وذلك في سَنَةِ إحْدَى وسَبْعِين من الهِجْرَة. أخْرَج البُخاريُّ ومُسْلِمٌ عن الأحْنَف في كتابيهما.
أخْبَرَنا الأَوَقِيّ حَسَن بن أحْمَد إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا المُبارَك بن عَبْد الجَبَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن قَشِيْش، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الصَّفَّار، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ البَاقِي بن قَانِع، قال سَنَة سَبْعٍ وسِتِّين: والأحْنَف بن قَيْسٍ أبو بَحْر بالكُوفَة - يعني مات - وصَلَّى عليه مُصْعَب بن الزُّبَيْر. وقال سَنَة إحْدَى وسَبْعِين: والأحْنَف بن قَيْس أبو بَحْر، يعنى قيل: إنَّهُ تُوفِّى فيها.
стр. 1587
قَرَأتُ في تاريخِ مُحَمَّد بن أحْمَد بن مَهْدِي (١)، ممَّا كُتِبَ لخِزَانَة أَمِير المُؤِمِنِين القَادِر، في حَوَادِث سَنَة ثمانٍ وسِتِّين، قال: وفيها مات أبو بَحْر الأحْنَفُ بن قَيْسٍ بالكُوفَة، واسْمُه صَحْرُ بن قَيْسِ بن مُعاوِيَةَ بن حُصَيْن بن عُبَادَة بن نَزَّال بن مُرَّة بن عُبَيْد (a) بن الحَارِث بن عَمْرو بن كَعْب بن سَعْد بن زَيْد مَنَاةَ بن تَمِيْم، وكان قَيْسٌ أبُوه يُكْنَى أبا مالكٍ، وقتَلَتْهُ بنو مَازِنٍ في الجَاهِلِيَّةِ، ورَهْطه بنو مُرَّة بن عُبَيْد بعَثُوا بصَدَقَاتِهم إلى رسُولِ الله ﷺ مع عِكْرَاش بن ذُؤَيْبة.
وأُمُّ الأحْنَف حُبَّى بنتُ عَمْرِو بن عَلْقَمَة من بني أَوْدٍ من بَاهِلَةَ، وَلَدَتْهُ مُلْتَصق الأَلْيَتَيْن حتَّى شُقَّ، وكان أعْوَرَ؛ ذَهَبَتْ عَيْنُه بسَمَرْقَنْد، ويُقال: بل ذَهَبَتْ بالجُدَرِيّ.
وكان أحْنَفَ الرِّجْل، مُتَراكبَ الأسْنَان، صَعِلَ الرَّأس، مَائِل الذَّقَن، خَفِيْفَ العَارِضَيْن.
وشَهِدَ مع عليٍّ ﵇ صِفّيْنَ، ولم يَشْهَدِ الجَمَلَ مع أحَدِ الفَرِيقَيْن ودُفِنَ بالكُوفَة عند قَبْر زِيادِ بن أبيهِ بالثَّوِيَّة (b)، وخَرَجَ في جنَازتهِ مُصْعَب بن الزُّبَيْر - وهو أميرُ العِرَاقَيْن - مَاشِيًا، وطَرَحَ ردَاءهُ، فطَرَحَ الأشْرَاف أرْدِيَتَهُم، فكان أوَّلَ مَنْ فَعَلَ من الأشْرَاف ذلك في جنَازتِه إعْظَامًا لمُصَابِه، وبلَغَ من السِّنِّ سَبْعِين سَنَةً، وله وِفَادَةٌ على عُمَر بن الخَطَّاب ﵀، وكان له ابنٌ يقال له بَحْرٌ، وكان مَضْعُوفًا، حُكِي أنَّهُ قيل له: ما يَمْنَعُك أَنْ تَتَقَيَّل بعضَ أخْلاق أبيكَ؟ قال: الكَسَلُ! ولم يَكُن له عَقِبٌ.
стр. 1588
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الغَنِيّ بن سُلَيمان بن بَنِيْن، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن حَمْد الأرْتاحِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الفَرَّاءُ في كتابهِ، عن أبي إسْحاق الحَبَّال وخَدِيجَة المُرَابِطَة - قال الحَبَّالُ: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الجَبَّار بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الحَسَن بن الحُسَين بن بُنْدَار، وقالت خَدِيجَة: أخْبَرَنا أبو القَاسِم يَحْيَى بن أحْمَد بن عليّ، قال: حَدَّثَنِي جَدِّي عليّ بن الحُسَين بن بُنْدَار - قالا: حَدَّثَنَا مَحْمُود بن مُحَمَّد الأدِيْبُ، قال: حَدَّثَني (a) عَبْدُ الله (b) هِلالُ بن العَلَاءِ، قال: حَدَّثنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، قال: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عن قُرَّة بن خَالِد، عن الضَّحَّاك وغيره، قال: رأيتُ مُصْعَبَ بن الزُّبَيْر يَمْشِي في جِنَازَة الأحْنَفِ بغير ردَاءٍ، وكان أوَّلَ مَنْ تَسَلَّبَ على مَيِّتٍ.
أحْوَص
الأحْوَصُ، واسْمُه عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن عَبْدِ الله بن عَاصِم الأنْصَاريّ (١)
قَدِمَ خُنَاصِرَة وَافدًا على عُمَر بن عَبْد العَزِيْز ﵁، والأحْوَصُ لَقَبٌ اشْتهَر به، وَسَنَذْكُرَه في العَبَادِلة في حَرْف العَيْن (٢) من كتابنا هذا إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى.
стр. 1589
الأحْوَصُ الذُّفَافِيُّ الشَّاعرُ (a)
ويُلَقَّب المُحْتَرز، ويُنْسَبُ إلى ذُفَافَة العَبْسِيّ، وكانَ يَصْحَبُ بعضَ بني صالح بن عليّ بن عَبْدِ الله بن عبَّاس بحَلَب، وهو شَاعِرٌ لم أظْفَر إلى الآن بشيءٍ من شِعْره، وله ذِكْرٌ يأتي في أثناءِ (١) هذا الكتابِ إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى.
وكان مُعَاصِرًا لدِيْك الجِنّ عَبْد السَّلام بن رَغْبَان الحِمْصِيّ، وتُوفِّيَ في حَيَاة دِيْك الجِنّ، فرَثَاهُ دِيْكُ الجِنّ بأبياتٍ أوَّلها (٢): [من الطويل]
عَزَاءً وتَسْليمًا على الرَّغْمِ والصُّغْرِ … فما الدَّهْرُ أنْسَاناكَ بل وَارثُ الدَّهْرِ
وأنْسَاك بَلْ أسْلَاكَ بل أَجِدُ الكَرَى … فأُعطيْكَ صَبْري لا حَمِدْتُ إذًا أمْري
مَضَى فارسُ الآدَابِ والمَجْدِ والشِّعْرِ … وقَسْوَرةُ الأبْطَالِ والوُرْقِ والتِّبْرِ
منها:
أأحْوَصُ دَعْوى لو تَجلَّاك طَيْفُها … لرَوَّاكَ من ذكرٍ تنفَّقَ من شُكْرِ
ثنًا نَظَمتْهُ تحتَ أجْنِحَة الدُّجَى … أنَامِلُ صَدْرٍ فيك مَلآنَ من جَمْرِ
فوَافَى شروقٌ كالقِدَاحِ إذا انْبَرَتْ … صَحَائِفُها خَدِّي وكاتبُهُا شُفْري
стр. 1590
منها:
أتَدْرِين مَنْ باتَ الصَّعِيْدُ ضَجيْعَهُ … برغْمي ومَنْ نَالتهُ قاصِمَةُ الظَّهْرِ
فتىَ كانَ لم يُحْبِبْ حَيَاةَ مُعَمّرٍ … فَتًى في الوَغَى إلَّا أحَبَّ انْقِضَا العُمْرِ
ولا رَمَقَتْهُ العَيْنُ في جُنْحِ عارضٍ … من المَوْتِ إلَّا عُمْنَ في عَارِضِ الذُّعْرِ
فَتى ما تراءتهُ الكماةُ ولو غَدَت … ذَوي عَدَدٍ إلَّا رأَتْ جَحْفَلًا يَسْرِي
عُلُّوًا وإسْلَامًا وبأسًا ونائلًا … غَدَاةَ النَّدَى والدِّيْن والبأسِ والفَخْرِ
أَخْنَس
الأخْنَسُ بن العَيْزَار الطَّائيُّ (a)
كان ممَّن شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليّ بن أبي طَالب ﵇، ثمّ رجَع عنهُ بعد التَّحْكِيْم، وصَار من الشُّرَاةِ، وقَاتَل عليًّا يَوْم النَّهْرَوَان مع الخَوَارِج، فقَتَلَهُ عليّ ﵁، وكان شَاعرًا.
قَرَأتُ في كتاب الفُتُوح تأليف أبي مُحَمَّد أحْمَد بن أعْثَم الكُوْفيّ (b) في قِصَّة أهْلِ النَّهْرَوَان، قال: وتقدَّم رَجُلٌ من الشُّرَاةِ يُقال له الأخْنَسُ بنُ العَيْزَار الطَّائيّ حتَّى وَقَفَ بين الجَمْعَين، وكان من أشَدّ فُرْسَان الخَوَارِج، وكان ممَّن شَهِدَ صِفِّيْنَ فقاتَل فيها، فلمَّا كان ذلك اليَوْم، تقدّم بين الجَمْعَين، وأنْشَأ يقول: [من الطويل]
ألَا ليتَني في يَوْم صِفِّيْنَ لَمْ أَؤُبْ … وغُوْدِرْتُ في قَتْلَى بصِفِّيْنَ ثَاوِيَا
وقُطِّعْتُ آرابًا (c) وأُلْقِيْتُ جِيْفَةً (d) … فأصْبَحْتُ ميْتًا لا أُجِيْبُ المُنَادِيَا
стр. 1591
ولَمْ أَرَ قَتْلَى سنْبسٍ ولَقَتْلُهُم … أَشَابَ غَدَاةَ الدَّهْر (a) منِّي النَّوَاصِيَا
ثَمانُونَ من حِزْبَي (b) جَديْلَةَ قُتلوا … على النَّهْرِ كانُوا يَخْضِبُونَ (c) العَوَاليَا
يُنَادونَ: لا، لا حُكْم إلَّا لرَبّنا … حَنَانَيْكَ فاغْفِر حُوْبَنَا والمَسَاوِيَا
هُمُ فَارقُوا مَنْ جَار في الله (d) حُكمُهُ … فكُلٌّ عن الرَّحْمَنِ أصْبَحَ رَاضِيَا
ولا وإلَهِ النَّاسِ ما هَابَ مَعْشَري (e) … على النَّهْرِ في اللهِ الحتُوفَ القَوَاضِيَا
شَهدْتُ لهم عندَ الإلَهِ بفَلْجِهِم (f) … ألَا صَالحُ الأقْوَام خَافَ (g) المَخَازِيَا
أنَابوا (h) إلى التَّقْوَى ولم يتبَعُوا الهَوى … فلا يعِدَنّ اللهُ مَنْ كان سَارِيَا (i)
قال: ثمَّ حَمَل على أصْحَابِ عليّ، رَحْمَةُ الله عليهِ، فشَقَّ الصُّفُوفَ، وقصَدَهُ عليٌّ فالْتَقَيَا بضرْبَتَيْن، ضرَبَهُ عليٌّ ضَرْبَةً ألْحقهُ بأصْحَابهِ.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ إِدْرِيس
إِدْرِيسِ بن الحَسَن بن عليّ بن عِيسَى بن عليّ بن عِيسىَ بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن القَاسِم بن يَحْيَى بن يَحْيَى بن إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عَبْدِ الله بن حَسَن بن حَسن بن عليّ بن أبي طَالِب الإِدْرِيسِيُّ الحَسَنيُّ، أبو الحَسَن بن أبي عليّ الإسْكَنْدَرَانِيُّ (١)
من أبناءَ الأكَابِر، ونَجْل الأُمَرَاءِ بالمَغْرب، وكان فَاضِلًا أَدِيبًا شَاعِرًا مُجيْدًا، بَصِيْرًا بالحِكمة وعُلُوم الأوَائِل، عَارِفًا بالأدَب، قيِّمًا بعِلْم النَّسَب، عَالمًا بأيَّام
стр. 1592
العَرَب، قيِّمًا بالتَّاريخ والأخْبار، رَاويةً للدَّوَاوين والأشْعَار. له مُصَنَّفاتٌ عديدةٌ، ومَجَامِيْع في الأنْسَاب والتَّوَاريخ مُفِيْدَة.
سَمعَ من الحافِظ أبي القَاسِمِ عليّ بن الحَسَن بن هِبَة الله الدِّمَشقيّ، وابنه أبي مُحَمَّد القَاسِم بن عليّ، وأبي المَعالِي عَبْد الله بن عبد الرَّحْمن بن صَابِر السُّلَميِّ، والقَاضِي الفَاضِل عبد الرَّحيم بن عليّ البيسَانِيّ، وغيرهم.
دَخَلَ حَلَب مِرَارًا مُتَعدِّدَة، وقَطَنها بالآخرةِ إلى أنْ ماتَ بها، وحَدَّثَ بها ببعض كتاب النَّسَب للزُّبَيْر بن بَكَّار بروايته عن الحافِظ أبي القَاسِم الدِّمَشقيّ.
رَوَى عنهُ العِمَاد أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد في كتاب الخَرِيْدَة (١)، ورَوَى لنا عنْهُ شَيئًا من شِعْره القَاضِي أبو مُحَمَّد الحَسَن بن إبْراهيم بن الخَشَّاب، والشَّريف أبو المحاسِن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَبْد الله الهاشميِّ الحَلَبِيَّان.
وكان فَاسِقًا مُدْمنًا لشُرْبِ الخَمْر، مُنْهَمِكًا في الخَلَاعَة فأعْرَض النَّاسُ عن السَّمَاع عليه لذلك.
أدْرَكْتُه بحَلَب ولم يَتَّفق لي الاجْتِمَاع به البَتَّة، وكان أوَّل دُخُوله إلى حَلَب - على ما قرأته بخَطِّه في بَعْض تَعَاليقه - في جُمْلَة المَلِك العادِل مَحْمُود بن زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر في المُحَرَّم سَنَة تِسْعٍ وخَمْسِين وخسِمائَة.
وسَمِعْتُ الصَّدْر القَاضِي بَهَاء الدِّين أبا مُحَمَّد الحَسَن بن إبْراهيم بن الخَشَّاب الحَلَبيِّ يقول: وَرَدَ الشَّريفُ الإِدْرِيسِيّ إلى حَلَب بعد السِّتِّين والخسمائة، وأقام بها، واخْتَلَط بأهْلها، وهو على طَريْقَة حَسَنَة من التَّزَمّتِ والوَقَار.
قال: وغَلَبَ عليه في آخر عُمْرِه حُبُّ الخَمْر، والتَّهتُّكُ فيهِ، ومُعَاشَرَة الأرَاذِل والسَّفِلَة.
стр. 1593
قال لي: وكُنْتُ إذا اجْتَمَعْتُ بهِ، أو لَقِيْتُه، ألُوْمُه على ذلك، وأُعَنِّفُه، فيقول لي: يا قاضِي، إنَّ هؤلاء اللَّفِيْف الأخِسَّاء إذا جلَسْتُ معهم لا أَعْبَأُ بهم، ولا أتحفَّظُ منهم، وتَحْصُل لي الرَّاحَةُ بصِغَر أَقْدَارهم واطِّرَاحهم، وأنا فمُكبٌّ على النَّسْخ مَتَى جلسْتُ معهم، لا أُكَلّمهم ولا يكَلِّمونني، ولا يُكَلِّفوني شَطَطًا.
وقد ذَكَرَ قِصَّتَهُ معهم في قَصِيْدَته الرَّائيَّةِ الّتي نَظَمها بعد السِّتّمائة، وهي مَشْهُورةٌ، يُعَرِّضُ فيها بالمُبَاحِيَّة وغيرهم، أوَّلُها: [من الخفيف]
أَعَلَيَّ إنْ خلَعْتُ فيك العذارا … حسْبَةً أو لزمْتُ فيكَ الوَقَارا
وأعْرَضْتُ عن ذِكْر القَصِيدَة، وإنْ كانت من لَطِيْف الشِّعْر، لِمَا فيها من السُّخْف والخَلَاعَة، وذِكْر ما لا يَليق ذِكْره بأهْل العِلْم.
قال لي القَاضِي أبو مُحَمَّد: وبالجُمْلَة فقد كان عنده من القَنَاعَة وقِلَّة الطَّمَع فيما يرغَبُ النَّاسُ فيه جُمْلَةٌ كافِيَةٌ، صَانَتْ ماء وَجْههِ على فَقْره وفَاقَته، فإنَّهُ أكْثر أيَّامهِ كان يورِّق بالأُجْرَة، وكان أبوهُ وقَالهُ من الأمرَاءِ المَشْهُورين بالدِّيَار المِصْريَّة بفَضِيْلَتَي السَّيْف والقَلَم، إلَّا أنَّهُ مَحَا ذِكْرهم بما اشْتَهرَ عنه من هذه السِّيْرَة الذَّمِيْمة، وقُبْح القَالَةِ.
وأنْشَدَنا القَاضِي أبو مُحَمَّد عنه شَيئًا من شِعْر خاله، أنْشَدَهُ إيَّاهُ عنه، نَذْكره في تَرجَمَةِ خاله (١) إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى.
ووُلد الإِدْرِيسِيّ هذا بالدِّيَار المِصْرِيّة سَنَة خمْسٍ وأرْبَعين وخَمْسِمائَة، ونَقَلْتُ ذلك من خَطِّه عَفَا اللهُ عنهُ.
стр. 1594
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
أنْشَدَني بَهَاءُ الدِّين أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن أبي طَاهِر بن الخَشَّابِ بضُمَيْر، ونحنُ مُتَوَجِّهونَ إلى دِمَشْق، قال: أنْشَدَني الشَّريفُ أبو الحَسَن الإِدْرِيسِيّ لنَفْسِه بحَلَبَ: [من السريع]
يا سَادَتي ما لي على هَجْركُم … صَبْرٌ وهَلْ يَصْبرُ مَهْجُورُ
أَنَلْتُمُ الحَاسدَ فيهِ المُنَى … فَهْوَ بما أَحْزَنَ مَسْرُور
إنْ يكُ ذَنْبٌ أنْ بَكَى فَهْوَ في … شَرِيْعَةِ العُشَّاقِ مَغْفور
عوْدُوا إليهِ بالرِّضَا قبلَ أنْ … يَقُولَ مَنْ يَعْذُلُ مَعْذُور
قَرأتُ بخَطِّ بعض الأُدَبَاءِ بحَلَبَ: للشَّرِيف إِدْرِيس بن حَسَن بن عليّ بن عِيسَى بن عليّ الإِدْرِيسِيّ الحَسَنيّ، وكانَ موْلدُهُ بمِصْرِ سَنَة خَمْسٍ وأرْبَعين وخَمْسِمائَة، وكان عند تَقيِّ الدِّين صَاحب حَمَاة، وقد ورَد إليه مُغَنِّيان لَقَبُ أحَدهما البَدْرُ والآخر الشَّمْسُ، وكانا بَدِيْعَين في الحُسْنِ، فاتفقَ أنَّ الشَّمْسَ زَارَ الإِدْرِيسيِّ، فجاءَ أخُوهُ البَدْرُ فاطَّلَعَ في بيته، فرأى الشَّمْس فعادَ وذَهَبَ، فقال الإِدْرِيسِي على البَدِيْهِ، ثمّ أنْشَدَني الأبيات الثَّلاثة الشَّريفُ (١) جَمالُ الدِّين أبو المَحَاسِن عَبْدُ الله بن أبي حَامِد مُحَمَّد بن عَبْد الله الهاشِميُّ، قال: أنْشَدَني الشَّريفُ أبو الحَسَن الإِدْرِيسيِّ لنَفْسِه: [من الخفيف]
زَارَ لا وَاصِلًا ولكِنْ أتَاهُ … نَبَأٌ أنَّني عَشِقْتُ فَزَارَا
بَدْرُ حُسْنٍ لمَّا رَأى الشَّمْسَ عِنْدِي … طلَعَتْ مَطْلعَ البُدُوْر تَوَارَى
وإذا ما الحبَيْبُ أَسْرَف في الهَجْـ … ـرِ أَغِرْهُ فَطِبُّهُ أنْ يَغَارَا
стр. 1595
أنْشَدَني القَاضِي أبو مُحَمَّد بن إبْراهيم، قال: أنْشَدَني عِزُّ العَرَب أبو الحَسَن إِدْرِيس الإِدْرِيسِيّ، قال: أنْشَدَني القَاضِي الفَاضِل عبد الرَّحيم بن عليّ بن البَيْسَانِيّ عند اجْتِمَاعي به، ولم يُسَمّ قائلَهُمَا (١): [من الوافر]
تَرَاهُ من الذَّكَاءِ نَحِيْفَ جِسْمٍ … عليهِ من تَوَقُّدِهِ دَلِيْلُ
إذا كانَ الفَتَى ضَخْم المَعَالِي … فليسَ يَعِيْبُه جِسْمٌ نَحِيْلُ
قال لي الشَّريفُ تَاج الدِّين أبو المَعَالِي الفَضْلُ ابن شَيْخنا افْتِخار الدِّين أبي هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْلِ الهاشِميِّ: كان قَدِمَ إلى حَلَب الشَّريف النَّسَّابَة مُحَمَّدُ بن أَسْعَد المَعْرُوف بابنِ الجَوَّانِيّ، وطَعَنَ في نَسَب الإِدْرِيسِيِّ - يعني أبا الحَسَن إِدْرِيسِ بن الحَسَن - فَجَرَى على الإِدْرِيسيِّ من ذلك شيءٌ عَظِيم، وطَعَنَ في نَسَبِ ابن الجَوَّانِيّ، وكان يَشْتِمُه شَتْمًا كَثِيْرًا في المَحَافِل.
قُلتُ: وقد وَقَفْتُ على شيءٍ من تَعْلِيق الإِدْرِيسيِّ يُعَرِّضُ فيه بشيءٍ من ذلك، وَسَنَذكُره في تَرْجَمَةِ مُحَمَّد بن أَسْعَد (٢) إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى.
ووَقَفْتُ على تَعْلِيقٍ بخَطِّ مُحَمَّد بن أَسْعَد الجَوَّانِيّ، وفي حَاشِيَةٍ منهُ في ذِكْر أبي الحَسَن الإِدْرِيسيِّ: أمْلَى عليَّ نسَبَهُ فقال: أنا إِدْرِيسُ بن الحَسَن بن عليّ، فذَكَرَ نَسَبَهُ كما سُقْنَاهُ أوَّلًا.
ثمّ قال ابنُ الجَوَّانِيّ فيما كَتَبَه بخَطِّهِ: يُقال له ابنُ أُخْتِ الشَّريفِ المُحَنَّك، قال فيه نَقِيْبُ النُّقَبَاءِ بحَلَب الشَّريفُ القَاضِي أَمِيْن الدِّين بخَطِّه على الجَرِيْدَة الّتي
стр. 1596
سَلَّمَهَا لي على اسْم المَذْكُور ثَبَتَ نَسَبهُ بكتابِ نَسِيْب المُلْك، ثمّ عادَ نَسِيْبُ المُلْك تَوَقَّفَ، وكَتَب مُحَمَّد بن أَسْعَد الجوَانِيّ فَوْق تَرْجَمَته: دَعِيٌّ.
ثُمَّ وَقعَ لي كتاب بخَطِّ مُحَمَّد بن أَسْعَد بن الجَوَّانِيّ، صَنَّفَهُ في نَسَب بني إِدْرِيس، وَسَمَهُ بالمُنْصِف (١) النَّفِيْس في نَسَب بني إِدْرِيس، فقَرأتُ فيه: وممَّن ادَّعَى إلى بَني يَحْيَى بن يَحْيَى بن إِدْرِيس بن إِدْرِيس على نَسَق مَنْ تقَدَّم ذِكْرُهُ من ذَوي التَّدْلِيْس من بَرْبَر الغَرْب المجاوِريْن للبَطْنِ المَذْكُورَة، دَعِيٌّ مُقِيْمٌ بحَلَب يُدْعى عِزَّ العَرَب، ويُسَمَّى إِدْرِيس بن حَسَن، ويُعْرفُ بابن أُخْت المحنَكِ بُرْهَان الدِّين التِّلِمْسَانيِّ، مَوْلده - كما ذَكَرَ في خَطِّه - الإسْكَنْدَرِيَّة سَنَة خَمْسٍ وأرْبَعين وخَمْسِمائَة، وقَدِمَ أبوه من نفَّيْس (٢) كما زَعَم في طَائِفَته وَفْد الحاجّ في سَنة عشرين وخَمْسِمائَة، ولم يَثْبُت له ولا لوَلَدِهِ قَطُّ اسْمٌ في جَرَائد الأشْرَاف بمِصْر ولا نسَب، ولا شَهِدَتْ لهُ بيِّنَةٌ بصِحَّة الحَسَب، ولو شَهدَتْ لَمَا ثَبَتَ مُنْتَماهُ، إذ لا دَلِيْلَ يَقُوم على وِصْلَتِه في دَعْوَاهُ، وسيأتي بيانُه وشَرْحُه وبُرْهَانُهُ، ولم يأخُذ قسْمًا، ولا حَازَ رسْمًا، لا في نِقَابَتي ونَظَري، ولا قَبْلِ نَظَري، وقد كان أمْري في نَظَر الأنْسَابِ وتَذْييل الأعْقَاب مُذ سَنَة سَبع وأرْبعين وخَمْسمائَة، وللمَذْكُور إذ ذاك من العُمْر سَنتان، فلم يكن لأبيهِ ولا له في رَهْطِهم ثُبوتٌ في المُنْتَسبين، بل كان أمْرهُم يَجري مَجْرَى أمْثالهم من الأدْعِيَاءِ المُسَبَّبِيْنَ، ولم تَزَل المَغارِبَةُ والتُّجّار من القَادِمين إلى الدِّيَار المِصْرِيَّة من السُّفَّار يَذكرونَ أنَّهم من الدَّعِيِّيْنَ إلى مَنْ ادَّعوه بالجوار، على ما تقدَّم من القَوْل في الطَّوَائف والأنْفَار.
стр. 1597
قال: ثمّ سَافَر هذا الدَّعِيُّ إِدْرِيس إلى دِمَشْقَ في سَنَة اثنتَيْن وسِتِّين وخَمْسِمائَة، وكان بها إذ ذَاك خَالُهُ البُرْهَان التِّلمْسَانِيّ المُحَنَّك، ثمّ سَافر خالُهُ إلى الغَرْبِ، وسافَرَ هو إلى حِمْصَ في سَنَة ثمانٍ وستِّين وخَمْسِمائَة كما ذَكَره في خَطِّهِ.
وقد كان اسْتَعار شَيئًا من كتاب النَّسَب للزَّيْديّ المنعُوت بالنُّرْهَة (١)، وكَتَبَ منهُ ونَسَخَ فَمسَخَ، وصَار يتحَدَّثُ ويقُوِل، ويَزِيْدُ ويُنْقُص في الفُضُول، فتَنبه عليهِ أشرَافُ دِمَشْق وعلى كَذِبِه ومُحَالِهِ، وزيْفِه وانتِحَالِهِ، فجَرَتْ بينَهُ وبينهم مُحَاوَرَاتٌ، فخَرَجَ هَارِبًا منهم إلى حَلَبَ، وتَسَبَّبَ كُلَّ سَبَب إلى أنْ تَصَاهَر عندَ آلِ النَّاصِر الرَّسيِّيْنَ، واسْتَتَرتْ حَالُهُ، واكْتَتم عن كَثِيْر من النَّاسِ مُحالهُ. وكان قبل ذلك قد كَتَبَ إليَّ إلى مصْر من دِمَشْق كُرَّاسَةً بذِكْرِ ما يَدَّعيهِ، وشرْح أُمُوره بما لا يسمَعُه منه سَامعُ التَّحْقِيق ولا يَعِيْهِ، ولمَّا قَدَّر اللّهُ سُبْحَانه تَوجُّهي إلي حَلَب من (a) عَسْكَر السُّلْطان صَلاح الدِّين أبي المُظَفَّر يُوسُف بن أَيُّوب، بعد حُضُوري معهُ فتح عَسْقَلان، والقُدْسِ، واللَّاذقِيَّةِ، وصْهيُوِن، وجَبَلَة، وانطَرَسُوس، وغَزَاة طَرابُلُس، فكان وُصُولي إلى حَلَب في شهر رجبَ سَنَة أرْبَعٍ وثَمانين وخَمْسِمائَة، وكُنْتُ قد تقَدَّمتُ السُّلْطانَ عن إذْنِهِ وهو مُحَاصِر بُرْزَيْه عن وَجَعٍ أصَابَني وألَمٍ أنَابني، وكان النَّقيْب إذ ذاك بها الشَّريف أَمِيْن الدِّين أبا طَالِب أحْمَد بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الحُسَيْنيّ الجعفَريّ الإسْحَاقِيّ، فلم أشْعُر به إلَّا وقد أتَاني مَاشِيًا إلى الباب الّذي يُعْرَفُ بباب أنْطَاكِيَة في ولدِه وحَفَدتِه، وبني أَخويهِ، وحَلَفَ بالأيْمان المُغَلَّظة لا كان نُزُولي إلَّا عليه، ووفُوْدِي إلَّا إليهِ،
стр. 1598
وأخْلَى لي جَلِيْل دَاره، وبُحْبُوحَةَ قَرَاره، فأجَبْتُه إلى سُؤالِه، مُبَلّغَهُ بُلُوغَ آمالِهِ، فيما بَذَلَهُ من إكْرَامِهِ واحْتفالِهِ.
وانثالَ - في حالِ كونيِ بحَلَب - لدَيّ أشْرَافُها بالتَّرَددِ إليَّ والوُفُود عليَّ، يُصَحِّحُون أنْسَابَهُم، ويَسْتْوضِحُونَ أحْسَابهُم، وكان بها جَمَاعَةُ أدْعِيَاءُ، هذا إِدْرِيسُ أحَدُهُم، وأخَذَ يَتَردَّد إلى مَجْلِسي، ويَسْتَطْلع طِلْعَ نَفَسِي، ويَطْلُبُ تَصْحِيحَ ما لا يصِحّ له أبدًا، ويقْصِدني في أمرٍ لا يجد له عندي مَقْصَدًا، فكُنْتُ فيما قصَد كما يُنْشَد (١): [من السريع]
إنَّا إذا مَالَتْ دَوَاعِي الهَوَى … وأَنْصَتَ السَّامعُ للقَائِلِ
لا نَجْعَل البَاطِل حَقًّا ولا … نَلِظّ دُونَ الحَقِّ بالبَاطِل
نَكْرَهُ (a) أنْ نَسْفَه أحْلَامُنا … ونَخْملُ الدَّهْر مع الخَامِل
ولمَّا كان في بعض الأيَّام، كَتَبَ إليَّ اسْتِدعاءً بخَطِّه في مَجْلِس النَّقِيْب أَمِيْن الدِّين بحَلَب، وسألني جَمَاعَة الوُقُوْفَ عليه، والجَوَاب عنه، نُسْخَتُه بَعْد البَسْمَلَة والدُّعَاءِ الجارِي بهِ العَادَة بعد الاسْتِدْعَاءِ، ثمّ قال:
أنْ يُبيِّنَ لأصْغَر مَمَالِيْكه إِدْرِيس بن الحَسَن بن عليّ بن عِيسىَ بن عليّ بن عِيسىَ بن عَبْدِ الله أبي الآمِرِ، ما عَجزَ عنه من بَيان وعِلْم وُصْلَتهُ بإِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عَبْدِ اللهِ بن الحَسَن بن الحَسَن بن عليّ بن أبي طَالِب ﵇، ولم يجده عند أحَد إلَّا ما يَحْكيْهِ بَعْدُ، وهو: أنَّ مَمْلُوكه لمَّا حَصَل بدِمَشْق ورَام تَصْحيح (b) نَسبهِ صَارَ مع خَالهِ الشَّريف المُحَنَّك أبي المَنْصُور يَحْيَى بن سُلَيمان بن عليّ الحَسَنيّ إلى الشَّريف
стр. 1599
النَّقِيْب نِظَام الدِّين أبي العبَّاس أحْمَد بن طَاهِر بن حَيْدَر بن أبي الجِنّ الحُسَيْنيّ ﵀، فقال الشَّرِيف نِظَام الدِّين: إنْتَسِب، فانْتَسَبْتُ النَّسَبَ المَذْكُورَ، وقُلتُ: عَبْد الله أبو الآمرِ بن مُحَمَّد، وزَادَ خَالُ المَمْلُوك زِيَادَةً على ذلك فقال: مُحَمَّد أظُنُّهُ ابن القَاسِم بن يَحْيَى بن يَحْيَى أو ابن عَبْد الله بن يَحْيَى بن يَحْيَى بن إِدْرِيس، فقام الشَّرِيفُ النَّقِيْبُ إلى بَيْتِهِ وأتَي برسالة الحُسَين بن عليّ الفَارِسيِّ في أخْبَار المُلحِدَة وقال: عِيسَى بن أبي الآمِر عَبْد الله هو الفَقِيه المَذْكُور هُنا، فكان نَسَبه: عِيِسى بن أبي الآمر عَبْد الله ابن الأَمِير أبي المُطَوَّل مُحَمَّد الأكْبَر بن القَاسِم بن يَحْيَى بن يَحْيَى بن إِدْرِيس بن إِدْرِيس، فوصَل النَّسَب على ما رأيتَ بخَطِّه وهو أحَدُ الآمِرَيْن الّذين ذَّكَرهمُا المُحَنَّك.
وأنْتَ - أدَامَ اللهُ أيَّامَكَ - فكَعْبَة هذا الأمر والعِلْم وغيره، وقد رأيتُ على مُحَمَّد ويَحْيَى ابني القَاسِم بضُبَيْبَتَيْن (a) فيما حكاهُ شَيْخ سَيِّدِنا الشَّريف شَرَفِ الدِّين نَاصِرُ الدّين العُمَريّ ابن الصُّوْفيّ ﵀، فلا أدْرى ما مَعْنى وَضْعهما، أفْتِنَا يرحَمُكَ اللَّهُ مَأجُورًا مُوَفَّقًا.
قال مؤلِّفُ هذا الكتاب: وقد خُلِّد هذا الخَطّ بمَجْلِس النَّسَب على العَادَة في مثْلِه حُجَّةً على كاتبه وجَهْله، وتِلْوُه جَوابنا على فُصُوله:
أمَّا قَوْله عن نفسه: إِدْرِيس بن الحَسَن بن عليّ بن عِيسَى بن عليّ بن عِيسَى بن عَبْدِ الله أبي الآمر، فهذه أسْماءُ لا يشْهَدُ له بها سوَاه، إذ لم يَتَضَمّنها مَسْطُور نَسَب ولا مُقْتَضاه، ولا يَصِحُّ لمُنْتَمٍ بها مُنْتَمَاهُ. وذكر أَنَّ أحَدًا من أئمَّة النَّسَب لم يرو في شيء ممَّا ألَّفُوه وجرَّدوه وصَّنَّفُوه اسْمًا ممَّا ادَّعَاهُ هذا الدَّعِيِّ من ثالثهِ ولا رَابعهِ ولا خَامسهِ ولا سَادِسهِ، وبسَط القَوْل، ثمّ قال: وسُؤَاله فيما تضَمَّنه تَمْويهُهُ
стр. 1600
ومُحَالهُ، ومَقالهُ أنْ أُبَيِّن له ما عجَزَ عنهُ من بَيان وعِلْم وُصْلَته بإِدْرِبس، فهذا أمرُ دَالٌّ على التَّمْويهِ والمُحَال والتَّدْلِيْس، لأنَّ إِدْرِيس بن إِدْرِيس أعْقَبَ من جَمَاعَة كَثِيْر عَدَدُهُم، جَمّ مَدَدهم، فإذا لم يتَّضح للنَّسَّابَةِ مَنْ يعزى إليه المُنْتَسب إليهِ من الطَّرَفين، فحصُول العِلْم من أين؟.
ثمّ قال في الجَوَاب عمَّا ذَكَرَهُ خالهُ: ثمّ قَوْله: إنَّهُ قال: أظُنّه فُلَان ابن فُلَان أو فَلَان ابن فُلَان! والأنْسَاب لا تَثْبُت بالظَّنّ في الانْتِسَابِ، فلا يَحْتَجّ بالظُّنُون إلَّا كُلّ مُرْتَاب دَعِيّ كَذَّاب، كلامُه مُضْطَرب الهِنْدَام، كأنَّهُ تَجْربة الأقْلَام.
ثم قال: وقَوْله: فقام الشَّريفُ نِظَام الدِّين إلى بَيْتِهِ وأتَي برسَالة الحُسَين في عليّ الفَارِسيِّ في أخْبَار المُلْحدَة، وقال: عِيسَى بن أبي الآمِرِ عَبْد اللّه هو الفَقِيه المَذْكُور هُنا، وهذا قَوْلُ طَرِيفُ، لا يُوْجبُ الشَّرَف لشَرِيْف، لأنَّ مَنْ يَشْهَد على قَوْله بعِيسَى بن أبي الآمِرِ عَبْد اللهِ من النَّسَّابِيْن؟ ثم مَنْ يشْهَدُ بأنَّ عِيسَى ابنُ عَبْد الله، وأنَّ كُنْيَته أبو الآمِر؟ وأنَّ عَبْد اللهِ هو ابن مُحَمَّد بن القاسِم بن يَحيْىَ بن يَحْيَى على ما رَتَّبَهُ المُدَّعي في قَاعِدة دَعْوَاهُ، وهو لا يَصِحّ أولاهُ ولا أُخْراهُ.
وشَيْخُنا إمَامُ النَّسَّابِيْن أبو الحَسَنِ عليّ بن مُحَمَّد العُمَريّ، ﵀، قد ذَكَرَ الأخوَين مُحَمَّد بن القَاسِم، ويَحْيَى بن القَاسِم. وأوْرَد ليَحْيَى دون مُحَمَّد العَقِب إلي ثَالث وَلدٍ وخَرَّج، ولم يَذْكر لمحمَّد بن القَاسِم ولدًا ولا عليهِ عَرَّج، ووَافَقَهُ على ذلك الأئمَّة أهْلُ طَبَقَته ورُفْقته، وبَعْدَه ممَّن نَحَا نَحْوه، وقَصَدَ قَصْدهُ.
وقد يكُون عِيسَى بن عَبْدِ الله المَذْكُور من البَرَابِر المُعْتَزِيْنَ إلى بني يَحْيَى بن يَحْيَى، المجاوِريْن لهم كما قدَّمنا ذِكْرهم فيما يَلُونَهُ فَقِيهًا أو عَالِمًا نَبِيْهًا، أو دَيِّنًا عَفِيْفًا لا يكون عَلَوِيًّا شَرِيْفًا، ولو فَرَضْنا أنْ يتضَمَّن المَسْطُور عِيسَى بن عَبْد اللهِ أنَّهُ
стр. 1601
ابنُ مُحَمَّد بن القَاسِم بن يَحْيَى بن يَحْيَى بن إِدْرِيس لَمَا ثَبَتَ لذلك حَقيْقَة، ولا اسْتَقَامَتْ إليه طَرِيْقه، لكون مُحَمَّد بن القَاسِم بن يَحْيَى بن يَحْيَى لم يُذْكَر له وَلَدُ، ولا أورَد عَقِبَهُ أحَدُ، انْقَطَع عَقِبُه، وانْبَتَّ سَبَبهُ، والمَورُود وَلدَهُ، والمحصُور عَدَدهُ أخُوهُ يحيَى بن القَاسِمِ بن يَحْيَى بن يَحْيَى بن إِدْرِيس، فإنَّهُ أُورد في كُتُب الأئمَّةِ ومُشَجَّراتهم ولَده، وولد ولده، وولد ولد ولده دون أخيْهِ مُحَمَّد، حُجَّةً على كَذب مُدَّعيهِ.
ثم قال: فعقب يَحْيَى بن القَاسِم بن يَحْيَى بن يَحْيَى بن إِدْرِيس بن إِدْرِيسِ إلى زَمان شَيْخنا العُمَريّ عليّ بن مُحَمَّد العَلَويّ النَّسَّابَة رَحْمَةُ الله عليه إلى سَنَةِ أرْبعين وأرْبَعِمائة: يَحْيَى وحَمُّود ابْنَا إبْراهيم بن مُحَمَّد بن يَحْيَى المَذْكُور، وهو الثَّالثُ من وَلد يَحْيَى بن القَاسِم أخي مُحَمَّد بن القَاسِم، وانْقَطَع عَقِبُ مُحَمَّد بن القَاسِم بن يَحْيَى بن يَحْيَى بن إِدْرِيس من نحو مائتي سَنَة إلى زَمَاننا هذا سنَة ستٍّ وثمانين وخَمْسِمائَة.
وقال: وقَوْله: أبو الطّوَل مُحَمَّد الأكْبَر، تُرى أين ثَبَتَتْ كُنْيَتُه؟ ومَنْ أوْرَدها إذ ثَبَتَتْ نِسْبَتُه؟ ثمّ قَوْله: الأكْبَر، أكْبَر ممَّن؟ لم يكُن للرَّجُل أخ آخرُ اسْمُهُ مُحَمَّد الأصْغَر، فيكون هو منهُ الأكْبَر! لأنَّ جميع ما كان للقاسم بن يحْيَى بن يَحْيَى بن إِدْرِيس بن إدْريس ولدان لا غير: مُحَمَّد هذا، ويَحْيَى، ولم يَذْكُر شَيْخُنا العُمَريّ النَّسَّابَة، وجميعُ النَّسَّابِيْن للقَاسِم بن يَحْيَى بن يَحْيَى سِوَى الوَلَدين: مُحَمَّد ويَحْيَى اللّذين ذَكَر العُمَريُّ أنَّه رَأى عليهما ضُبَيْبَتَيْن (a)، فمن أيْنَ لنا مُحَمَّد آخر أكبر غير آخر أصْغَر؟ هو الحَائن المَائِن يَطْلُب كَشْف انْتِسَابه، ويَذْكر أنَّهُ لا يَعْلَمُه، وأنَّ النَّسَّابين أوْلَى به، وأنَّه لم يجد ذلك في كتاب، ولا أوْرَدَهُ أحدُ من النُّسَّاب، وأنَّهُ سَافَرَ إلى الشَّام للكَشْف عن دَعْواهُ وحَقِيْقَة مُنْتَماهُ، فانتقَل من هذه الحال إلى أنْ
стр. 1602
يفضُل على النَّسَّابيْن في المقَال، فيَذْكر من صِفَةِ مَنْ ادَّعَاهُ ما لم يَذْكروا، ويُخْبر من خَبَرهِم بما لم يَخْبُروا، ويتعاطَى في الذَّيل تقْويم المَيْل من كُنْيَهَ مَنْ لم يُكْنَى، وتَمْييز الأكْبَر من الأصْغَر صِفَةً ومعْنى، وسرْد نَسَب لم يُسْرَد، وإيْراد عَقِب لم يُوْرَد. هذه كَرَامَةٌ ظَهَرت له، أزَالَتْ حِيْرَتَهُ وجَهْلَهُ، ما أقَلَّ عَقْلَهُ!.
قُلتُ: ولعِزِّ العَرَب في الطَّعْن في نَسَب ابن الجوَّانِيّ كلام يُشْبه كلامُه فيه، سَنْذكره إذا انْتَهَينا إلى تَرْجَمته (١) إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى، وكلاهُما ينسَب إليهما الدَّعْوى في النَّسَب.
ماتَ عِزُّ العَرَب أبو الحَسَن الإِدْرِيسِيّ بحَلَب في سَنَة عَشرٍ وسِّتمائة، وقَرَأتُ في بعض تعاليق الحَلَبِيّيْن أنَّهُ ماتَ في السَّنَة الحادية عَشرة والسِّتّمائة.
إِدْرِيسُ بن عُمَر بن عَبْد العَزِيْز بن مَرْوَان بن الحَكَم بن أبي العَاص بن أُمَيَّة بن عَبْد شَمْس الأُمَوِيُّ (٢)
رَوَى عن أَبِيهِ أَمِير المُؤمِنِين عُمَر بن عَبْد العَزِيْز. رَوَى عَنْهُ ابنُه خَلَفُ بن إِدْرِيس بن عُمَر، وكان بخُنَاصِرَة مع أبيهِ، وشَهِدَ وفاته بدَيْر سِمْعَان، مع مَنْ شَهِدَهُ من وُلْدِه، وقد ذَكَرَنا ذلكَ في تَرْجَمَةِ إبْراهيم بن عُمَر (٣).
أنبأنَا أبو البَرَكَات الحسَنُ بن مُحَمَّد بن الحَسَنِ، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٤)، قال: كَتَبَ إليَّ أبو مُحَمَّد حَمْزَة بن العبَّاس بن عليّ،
стр. 1603
وأبو الفَضْل أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن مُسْلِم (a)، ثمّ حَدَّثَني أبو بَكْر مُحَمَّد بن شُجاع اللَّفْتُوانيّ عنهما، قالا: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَاطِرْقَانِيِّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن إسْحاق، ح.
قال الحافِظُ أبو القَاسِم: وأخْبَرَنا أبو بَكْر اللَّفْتُوانيّ، قال: أنباني أبو عَمْرو بن مَنْدَة، عن أَبيهِ مُحَمَّد بن إسْحاق، قال: حَدَّثتا أبو سَعيد عبد الرَّحْمن بن أحْمَد بن يُونُسُ بن عَبْد الأعْلَى الصَّدَفِيّ (١)، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن زُريْق، قال: حَدَّثنا مُحَمَّد بن أصْبِغَ بن الفَرَج، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا العبَّاس بن خَلَف بن إِدْرِيس بن عُمَر بن عَبْد العَزِيْز بن مَرْوَان، عن أَبِيهِ، عن جَدّه، أنَّ عُمَر بن عَبْد العَزِيْز قال لجَرِيْر بن الخَطَفيِّ: ما أجدُ لكَ في هذا المال حَقًّا، ولكن هذه فَضْلَة من عَطائي ثَلاثُونَ دِيْنارًا فخُذْها واعْذر، قال: بل اعْذرُكَ يا أَمِير المُؤمِنِين.
وقال ابنُ يُونُس (٢): ولستُ أعْرفهُ - يعني إِدْرِيس - من (b) أهْل مِصْر.
إِدْرِيسُ بن أبي خَوْلَةَ الأنْطَاكِيُّ (٣)
من العُبَّادِ المَذْكُوريْن، وكان يكون ببَيْت المَقْدِس. حَكَي عنه سَهْل بنُ عَبْدِ اللّهِ التُّسْتَرِيّ.
أخْبَرَنا الحافِظُ أبو مُحَمَّد عَبْدُ القَادِر بن عَبْد اللهِ الرُّهَاوِيّ في كتابه، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ أبو الفَضْل عَبْدُ الله بن أحْمَد بن الطُّوْسيّ، قال: أخْبَرَنا أحمَدُ بن عَبْد القَادِر بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيْز بن عليّ، قال: أخْبَرَنا عليّ بنُ عَبْدِ
стр. 1604
اللّه بن جَهضَم، قال: حدَّثنا عُبَيْد الله بن جَعْفَر السَّاجيّ، قال: حدَّثَنَا عُمَرُ بن وَاصِل، عن سهْل بن عَبْدِ اللّه، قال: مرض رَجل من أوْلِيَاءِ اللّه مرضًا مُشْكِلًا، فكان النَّاس إذا رأوه قالوا بهِ حِنَّة (١) فأكثر عليه، فلمَّا عَظُم كلام مَنْ تكَّلم في أمره قالوا له: نُعالجُكَ، فقال: يا قَوْم، اعلمُوا أنَّ لي طَبِيْبًا إنْ شاءَ دَاوى كُلّ عَلِيْل على وَجه الأرْض، لكنّي لا أسْألهُ أنْ يُدَاوِيني، فقيل له: ولم ذاكَ، وأنت مُحْتاج إلى الدَّوَاء؟! فقال: أخْشَى إنْ برئتُ من هذه العِلَّة طَغَيْتُ. فقيل له: فإنَّ لنا مَحْنُونًا فاسْأَل طَبِيْبَكَ أنْ يُدَاوِيَهُ، فقال: نعم، إئتوني بهِ، فأتَوه برَجُلٍ في عُنُقه غُلّ عظيم، ويدهُ مَشْدُودَة إلى عُنُقه في قيدٍ ثَقيل قد استْمكَنت منه العِلَّةُ، فقال لهم: خَلّوني معه، فعَمد جُهَّال القَوْم إلى يَدهِ فخلُوها وأدْخلوه منه في البيتِ الّذي كان فيه، وأغْلَقُوا عليهما البابَ، وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ سيُفْضي إليهِ بمَكْروه، فلمَّا كانت بعد ساعةٍ صاحُوا به، فأجابَهُم وخَرَجَ إليهم وكلمهُم بكلام عَاقِلٍ وهو يبكي بكاءً شَديدًا، فقالوا: خَبِّرنا بقصَّتك وما كان منك؟ فقال: دَخلتُ على هذا الرَّجُل وأنَا على ما قد علَمتُم من عِلَّتي لا أعْقِل شيئًا كما رأيتموني، فقرَّبني منه وأدْنَاني، فكُلّما قربتُ منه جَعل يَدَهُ على صَدْري، والأُخْرى على رَأسي، فحسَسْتُ بطَعْم البرءِ يَدِبُّ في جِسْمي حتَّى زالَ ما بي، فقالوا له: ادْخُل معنا إليه فاسْألهُ أنْ يدعُو لنا، فدخَل مع القَوْم إليه فلم يَجِدُوهُ في البيتِ، وسَتَرَهُ اللّهُ عنهم، فمَن عَقل منهم عظُمَتْ نَدَامتُه، وكثُر أسَفُه.
قال سَهْل: وهذا رَجُلٌ من أهْلِ بيتِ الَمقدِسِ يُقالُ له إِدْرِيس بن أبي خَوْلَة الأنْطَاكيّ من أفَاضِل القَوْم.
стр. 1605
ذكر من اسمه أدهم
أدْهَم بن محرِزِ بنِ أُسَيْدِ بن أَخْشَنَ - وقيل: أخنَس - ابن رِيَاح بن أبي خالِد بن زمْعة بن زْيد بنِ عمْرو بن سَلامَة بن ثَعْلَبَة بن وَائِل بن معْن بن مَالِك بن أعْصُر بن سعْد بن قيس عَيْلَان البَاهِلي الحمِصيُّ (١)
شَهِدَ صفِّينَ مع مُعاوِيَةَ بن أبي سُفْيان، ولأبيه مُحْرِز ذكْر في فُتُوح حِمْص.
وكان أدهَم من قُوَّاد الحجاجِ. رَوَى عن أَبيِهِ مُحْرِز بن أُسَيْد، وحكى عن عَبْد المَلِك بن مروَان. رَوَى عنهُ فرْوَة بن لَقِيْط، وعَبْد الرَّحمن بن يَزِيد بن جَابر، وعَمْرو بن مالك القَيْنِيّ، وكان له شِعْر.
وذكَرهُ ابن مَاكُولا في كتاب الإكمال (٢)، فقال: أدْهَمِ بن مُحْرِز بن أُسَيْدِ بن أَخْشَنَ، أحدُ بني الأَحَبّ بن زَيْد بن عَمْرو بن وَائِل بن معن بن أعْصُر، شَاعِرٌ من فُرْسَان أهل الشَّام.
وأنبأنا أبو البَرَكَات بن مُحمَد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الشَّافعِيّ (٣)، قال: أدْهَم بن مُحْرِز بن أُسَيْد بن أخْنَس بن رِيَاح
стр. 1606
ابن أبي خَالِد بن زَمْعَة (a) بن زَيد بن عَمرو بن سَلامَة في ثَعْلَبَة بن وَائِل بن مَعْن بن مَالِك بن أعْصُر بن سَعْد بن قيس عَيْلَان البَاهِلِيّ الحصِيّ، أحدُ أُمراءِ الجيش الّذين وُجِّهُوا مع عُبَيْدِ اللّه بن زِيَاد لقِتَالِ التَّوَّابِيْن الّذى قُتلُوا عند عَيْن الوَرْدَة، وكان قد شَهِدَ صِفِّيْنَ مع مُعاوِيةَ، وكان من قُوَّادِ الحجَّاج بن يُوسُف.
حَدَّثَ عن أَبيهِ مُحْرِز، حَكَى عنهُ عبد الرَّحْمن بن يَزيد بن جَابِر، وعَمْرو بن مالك القَيْنِيّ، وفَرْوَة بن لَقِيْط.
وذَكَرَ أدْهَم أنَّهُ أوَّل مَوْلُود وُلد بحمص وأوَّل مَوْلُودٍ فُرِضَ له بها.
أخْبَرَنا أبو مُحمَد عبد الرَّحْمن بن عَبْدِ اللّه بن عُلْوَان، فيما أَذِنَ لَنا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، قال: كَتَبَ إلينا مَسْعُود الثَّقَفِيّ عن أبي بَكْر الخَطِيب (١)، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور مُحمَد بن عليّ بن إِسْحاق الكاتبِ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بنُ بشْر بن سَعيد الخرقِيّ، قال: حَدَّثنا أبو روْق أحْمَد بن مُحمَد بن بَكْر الهِزَّانِيّ، قال: حَدَّثنا أَبو حاتِم سَهْل بن مُحَمَّد بن عُثْمان السِّجِسْتَانِيّ (٢)، قال: قال خَالِد بن سَعِيْد (b): دَخَل أدْهَمُ بن مُحْرِز البَاهِلِيّ، أبو مَالِك بن أدْهَم، على عَبْد المَلِك، ورأسُهُ كالثَّغَامَةِ، فقال: لو غيَّرتَ هذا الشَّيْبَ، فذَهَبَ فاخْتَضَب بسَوَادٍ، ثمّ دَخَل عليهِ، فقال: يا أَمِير المُؤمِنِين، قد قلتُ بيتًا لم أقُلْ بيتًا قبلَهُ، ولا أراني أقُول بعده، قال هاتِ، فقال (٣):
стр. 1607
ولمَّا رَأيْتُ الشَّيْبَ شَيْنًا لأهلهِ … تَفَتَّيْتُ وابتَعْتُ الشَّبَابَ بدِرْهَم
أخبَرَنا حَسَنُ بن أحْمَد بن يُوسُف قِراءَةً عليهِ بالبَيْت المُقَدَّس، قال: أخْبَرَنا الفَقِيهُ الحافِظُ أبو طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين أحْمَدُ بن مُحمَد بن المُسَبِّح، قال: أخبَرَنا أبو إسْحاق إبراهيم بن سَعيد الحبَال، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاس مُنِيرُ بن أحْمَد بن الحَسَن بن مُنيِرِ الخشَّاب، قال: أخْبَرَنا عليّ بنُ أحْمَد بن إسحاق البَغْدَاديُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاسِ الوَلِيدُ بن حَمَّاد الرَّمْليّ، قال: أخْبَرَنا الحُسَين بنُ زِيَاد الرَّمْليّ، عن أبي إسْمَاعِيْل مُحَمد بن عَبْدِ اللّه الأزْدِيّ البَصْرِيّ (١)، قال: وحَدَّثني قُرَّة - أو فَرْوَة (a) ابن لَقِيْط، عن أدْهَم بن مُحْرِز البَاهِلِيّ، قال: إنَّ أوَّلَ رَايَةٍ دَخلتْ أرْضَ حِمْصَ ودارَتْ حَول مدينَتِها لرَايَة مَيْسَرة بن مَسْرُوق العَبْسِيِّ، ولقد كانَتْ لأبي أُمَامَة رَاية، ولأبي رَايَة، وإِنَّ أوَّلَ رَجُل من المُسْلمِيْن قتَل رجُلًا من المُشْرِكين بحِمْص لأبي، إلَّا أنْ يكونَ رجلٌ من حِمْيَرَ، فإنَّهُ حَمَل هو وأبي جَمِيعًا، فكُلّ واحدٍ في حَمْلَتهما (b) قَتَلَ رَجُلًا من المشرِكين، فكان أبي يقُولُ: أنا أوَّلُ رَجُلٍ من المُسْلمِيْن قَتَلَ رَجُلًا من المُشْرِكين بحمْصَ، لا أدْرِي ما الحميَرِيّ؟ فإنِّي حَملتُ أنا وهو، وقَتلَنا في حَمْلَتنا كُلّ رَجُلٍ منا رَجُلًا منهم.
وقال أدْهَم: إنِّي لأوَّل مَوْلُود وُلِد بحِمْص، وأوَّل مَوْلُود فُرضَ لها، وبيَدِي كَتفُ وأنا أخْتلِفُ إلى الكُتَّابِ أتعَلَّم الكتَاب (c)، ولقد شَهِدْتُ صفِّيْن وقاتلتُ.
стр. 1608
وقال في غير هذه الرِّوَايَة: ولقد شَهِدْتُ مَشهدًا ما أُحِبُّ أنَّ لي بذلك المَشْهَد حُمر النِّعَم.
أنبأنَا أبو البَرَكَات بن مُحَمَّد، قال: أخبرَنا عَمّي أبو القَاسم (١)، قال: قرأتُ على أبي الوَفَاء حِفَاظ بن الحَسَن بن الحُسين الغَسَّانِيّ عن عَبْد العَزِيز بن أحْمَد الكنَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الوَهَّاب الميدانيّ، قال: أضْبَرَنا أبو سُليْمان بن زَبْر، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ اللّه بن أحْمَد الفَرْغَانيّ، قال: أخبَرَنا مُحمَّد بن جَرير (٢)، قال: قال هِشَام بن مُحمَّد: قال أبو مِخْنَف، عن عبدِ الرَّحْمن بن يَزيد بن جَابِر، عن أدْهَمَ بن مُحْرِز البَاهِلِيّ أنَهُ أتىَ عَبْدَ المَلِك بن مروَان ببشَارة الفَتْح، قال: فصَعِدَ المنبَر فحمدَ اللّه وأثنى عليه، ثُمَّ قال: أمَّا بَعْدُ؛ فإنَّ اللّهَ قد أَهْلكَ من رُؤوس أهْل العِرَاق مُلْقحِ فِتْنَة، ورَأسَ ضَلَالَة: سُليْمان بن صُرَد، ألَا وإنَّ السُّيُوفَ تركتْ رأسَ المُسَيَّب بن نجَبَة خَذَارِيْف (a)، ألَا وقد قتَلَ اللّه من رُؤوسهم رأسَيْن عَظِيْمين ضَالَّين مُضَلَّين: عَبْد اللّه بن سَعْد (b) أخَا الأَزْد، وعَبْد اللّه بن وَائِل أخَا بَكْر بن وَائِل، فلم يبق بعد هؤلاءَ أحد عندَهُ دِفَاع ولا امْتِنَاع.
قال الحافظُ أبو القَاسِم (٣): أنبأنَا أبو عليّ بنُ نبهان، وأبو القَاسِم غَانِم بن مُحَمد بن عبيدِ اللّه البرجيّ (c)، عن أبي عليّ (d) بن شَاذان، قال: حدَّثنَا أبو بكر محمد بن العباس بن نَجِيْح البزَاز، قال: حَدَّثنا الحَسَنُ بن عليّ بن شَبِيْب، وإسمَاعِيْل بن إسْحاق بن الحُصَيْن الرَّقِّيّ، قالا: حَدَّثنا مُحمَدُ بن خَلَّاد، أبو بَكْر البَاهِلِيّ، قال: حَدَّثنا هُشَيْم بن أبي سَاسَان،
стр. 1609
قال: حدَّثني أُّبَيُّ بن ربَيعَة الصَّيْرَفِيّ، قال: سَمِعْتُ عَبْد المَلِك بن عُمَير يقول: خَرَجْتُ يَوْمًا من مَنزلي نصفَ النَّهَار، والحجاجُ جَالِسٌ، بينَ يَدَيْهِ رجُلٌ مُوْقفٌ، عليه كَّمةٌ من دِيباج، والحجَّاجِ يقُول: أنْتَ همدَان موْلَى عليَّ، تَعال سُبُّهُ، قال: إنْ أمرتني فعَلْتُ وما ذاك جَزَاؤهُ، ربَّاني صَغِيرًا، وأعْتَقَنِي كبيرًا، قال: فما كُنْتَ تسمَعُه يقرأُ من القُرآن؟ قال: كُنْتُ أسمَعُه في قيَامهِ (a) وقُعُوده وذَهَابِه ومَجِيِّهِ يتلُو: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١)، قال: فَابرأ منه، قال: أمَّا هذه فلا، سمعْتُهُ يقول: تُعْرَضونَ على سَبِّي فسُبُّوني، وتُعْرِضُونَ على البَرَاءةِ منِّي فلا تبرَّؤوا منِّي؛ فإنِّي على الإسْلَام. وقال: أمَا ليقُومنَّ إليك رجُلٌ يتبرَّأ منك ومن مَوْلَاك، يا أدْهَمُ بن مُحْرِز، قُمْ إليهِ فاضْرب عُنُقَهُ، فقامَ إليهِ يتدَحْرجُ كأنَّهُ جُعْل، وهو يَقُول: يا ثَارات عُثْمان، قال: فما رأيت رَجُلًا كانَ أطيبَ نفسًا بالموتِ منهُ، ما زادَ على أنْ وضَعَ القلنسُوَة عن رَأسه، وضَرَبَهُ فبَدَر (b) رأسُهُ، ﵀.
أدْهَمُ بن لَام القُضاعيُّ (٢)
فارسٌ مَذْكُورٌ له رَجزٌ، شَهِدَ صِفِّيْنَ مع مُعاوِيَةَ، وقُتِلَ بها.
ذكَرهُ أبو مُحمَّد بن أعْثَم في فُتُوحهِ (٣)، وقال في وَقْعَة صفِّيْن: وخَرَجَ رجلٌ من أصْحَاب مُعاوِيَة أيضًا يُقال له الأدْهَمُ بن لَام القُضاعيّ وهو يَرْتَجِزُ ويقُول: [من الرجز]
стр. 1610
قَدْ عَلمت ذَات القُرُون الميل … أنِّي بنَصْل السَّيْف خَنْشَلِيْل
أحْمي وأرمْي أوَّل الرَّعِيْل … بصَارِم ليسَ لهُ فُلُولْ
فخرج إليه حُجْر بن عَدِيّ الكِنْدِيّ وهو يرتَجرُ ويقُول: [من الرجز]
إنْ كُنْت تحمي أوَّل الرَّعِيل … ولم تكُن بالهَلع الكَلِيْل
فاثْبُت لوقعْ الصَّارِم الصَّقِيْل … فأنتَ لا شَكَّ أخُو قَتِيْل
ثُمَّ حَمَل عليه حُجْرُ بن عَدِيّ فقَتَلَهُ.
أدْهَمُ، أبو الفُضَيْل بن أدْهَم
رَوَى عن الأشْتَر النَّخَعيِّ خُطْبَتَهُ بصِفِّيْن، وشَهِدَهَا مع عليّ رِضْوَان اللّه عليهِ. روى عَنْهُ ابنُه الفُضَيْل بن أدْهَمَ.
أنبأنَا أحْمَدُ بن شَاكِر بن عَبْد اللّه بن سُلَيمان، عن عَبْدِ اللّه بن أحْمَد بن أحْمَد البَغْدَاديّ، قال: أخبَرَنا أبو الحُسَين بن الفَرَّاء، قال: أخْبَرَنا أبو طَالِب البَاقلَّانيّ، قال: أخبَرَنا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن نيخاب، قال: حدَّثَنَا إبراهيم بن دِيزِيل، قال: حدَّثنا يحيى بن سليمان، قال: حدَّثنا نصر بن مُزَاحِم، قال (١): حَدَّثنا عمرو بن شمِر، عن جَابرِ الجُعفِيّ، عن الفُضَيْل (a) بن أدهَم، قال: حَدَّثَني أبي، أنّ الأشْتَر قام فخطَب النَّاس بقُنَّاصِرِين (٢)، وهو يوْمئذٍ على فَرَس أدْهَم مثْل الغُرَاب (b)، فقال: الحمدُ للّهِ الّذي (خَلْقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ
стр. 1611
الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ (١)، أحْمَدُه على حُسْن بَلَائهِ (a)، وتَظَاهُر النَّعماءَ، حَمْدًا كَثِيْرًا بُكْرةً وأصِيْلًا. مَن يَهْدِه اللهُ فقد اهْتَدَى، ومَن يُضْلِل فقد غَوَى. وأشْهدُ أنَّ لا إلّه إلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُوله، أرْسَلَهُ بالهُدَى والصَّوَاب، وأنْزَل عليه الكتاب بَيَانًا عن العَمَى، وإزالةً عن الرَّدَى (b)، ليُظْهرَهُ على الدِّين كُلّه ولو كَرِهَ المُشْرِكون، صَلَّى الله عليه [وسَلَّم] (c).
ثُمَّ إنَّهُ (٤) كان ممَّا قَضَى اللهُ (e) أنْ سَاقَتْنا المقادِيرُ إلى هذه البَلْدة من الأرْض، وَلَفَّتْ (f) بيننا وبين عَدُوِّنا، فنحنُ بحَمْدِ اللهِ ونِعْمته وفَضْلِه قَرِيْرَةٌ أَعْينُنا، طَيِّبةٌ أنْفسُنا، نَرجُو (g) في قِتَالهم حُسْنَ الثَّوَابِ، والأمنَ من العِقَابِ، مَعَنَا ابنُ عمِّ رسُول اللهِ، وسَيْف من سُيُوف الله، عليّ بن أبي طَالِب، أوّل المُؤْمنِيْن، وسَيِّد المُسْلمِيْن (h)، مَن صَلَّى مع رسُول الله ﷺ أوَّلًا، لم يَسْبِقْهُ بالصَّلاة معهُ ذَكَرٌ حتَّى صَار شَيْخًا، لم يكُن له صَبْوةٌ ولا نَبْوَةٌ ولا سَقْطَةٌ (i)، فقِيهٌ في دِيْن اللهِ، عَالِمٌ بحُدُود اللهِ، حَافِظٌ لكتاب اللهِ (j)، ذُو رَأيٍ أصِيْلٍ، وصَبْر جَمِيل، وعَفَافٍ قَدِيم، وفِعْل كَريم (k)، فاتَّقوا الله، وعليكمُ بالصَّبْر والحَزْم والجِدّ، واعْلَمُوا أنَّكُمُ على الحقِّ، وأنَّ القَوْمَ على بَاطِلٍ، يُقاتلُونَ مع مُعاوِيَةَ الطّليْق ابن الطّليق، وبَئيْسَ الأحْزَاب، وقَائِد الأعْرَاب، وأنتُم مع ابن عمّ رسُول الله وأخيه في دِيْنهِ
стр. 1612
عليّ بن أبي طَالِب (٤)، والبَدْريُّون معكم قريبٌ من مائة رَجُل من أهْل بَدْرٍ، ومع أصْحَاب نَبِيِّكم، ومعمُ راياتٌ قد كانتْ مع رسُول اللهِ ﷺ ، قاتَل بها أعْدَاءَ اللهِ، ومع مُعاوِيَةَ راياتٌ قد كانت مع المُشْرِكينَ على رسُول الله والمُؤْمنِيْن، فما يَشُكُّ في هؤلاءَ إلَّا ميِّت القَلْب، ضَعِيْف النَّفْس، وأنتم على إحْدَى الحُسْنَيَين: إمَّا الفَتْح وإمَّا الشَّهَادَة، ففي أيّهما كان فلكُم فيه الحَظُّ والظَّفَرُ والغِبْطَة والسُّرُور، عصَمَنا اللّهُ وإيَّاكم بما عَصَمَ به مَن أطاعَهُ واتَّقاهُ، وألْهَمَني وإيَّاكم طَاعَتَهُ وتقواهُ، واسْتَغفرُ الله لي ولكُم.
أدْهَم، مَوْلَى عُمَر بن عَبْد العَزِيْز (١)
كان معه بخُنَاصِرَة وحَكَى عنهُ. رَوَى عنهُ عَبْد السَّلام البَزَّاز.
أنْبَأنَا أبو رَوْح عَبْد المُعِزّ بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل الهَرَويّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّامِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَيْهَقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس الأصَمُّ، قال: حَدَّثَنَا العبَّاسُ بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثنا أحْمَدُ بن إسْحاق، قال: حَدَّثَنا عبْدُ السَّلام البَزَّاز، عن أدْهَم مَوْلَى عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، قال: كُنَّا نقول لعُمَر بن عَبْدِ العَزِيْز في العِيْدَيْن: تَقَبَّل اللهُ منَّا ومنْكَ يا أَمِير المُؤمِنِين، فيَرُدّ علينا ولا يُنْكِر ذلك علينا.
стр. 1613
أَرْجُوْن
أَرْجُوْن (١) بن أُوْلَغ طَرْخَان (a) التُّرْكِيُّ
قَلَّدَهُ أبو أحْمَد المُوَفَّق في أيَّام المُعْتَمد - وهو الغالب على دَوْلَته - طَرَسُوس، وأمَرَهُ أنْ يَقْبض على سِيْما الطَّويل، فخَرُق هذا وجَهِل، وذلك أنَّ المُرَتَّبِيْنَ بلُؤلُؤة (٢) أبْطَأ عنهم أرْزَاقهم ومِيْرَتهم، فضَجُّوا من ذلك وضَاقُوا به ذَرْعًا، وكَتَبُوا
стр. 1614
إلى أهل طَرَسُوس: إنَّكم إنْ لم تَبْعَثُوا إلينا بما نَحْتَاجُ إليه على الرَّسْم وإلَّا سَلَّمْنا لُؤْلُؤةَ والقَلْعَة إلى الرُّوم، فأعْظَمَ ذلك أهل طَرَسُوس وأكْبَروه، وجَمَعُوا فيما بينهم خَمْسَة عَشَر ألفَ دِيْنارٍ، وعَزَمُوا على حَمْلها إليهم، فقال لهم أَرْجُوْن: أنا أوْلَى بأنْ أتَوَلَّى حَمْلهُ إليهم، فسَلَّموا المالَ إِليهِ، فأخَذَهُ لنفسِه، فلهَّا أبْطَأ عن أهْلِ لُؤْلُؤة ما طَلَبُوا، أتَوَلَّى القَلْعَة إلى الرُّوم، ونَزَلُوا عنها، فقامَتْ على أهْل طَرَسُوس من أجْل ذلك القِيامَةُ، وضَجُّوا في الطُّرُقاتِ بالدُّعَاءَ على أَرْجُوْن.
واتَّصَلَ الخَبَرُ بالسُّلْطان، فكتَب إلى أحْمَد بن طُوْلُون وقلَّدَهُ إيَّاها ضَرُورَةً، ولم يكُن لأبي أحْمَد حِيْلَةٌ في مَنْعِه منها، وذلك في سَنَة أرْبَعٍ وسِتِّين ومَائتَيْن.
أَرُسْطُو بن ينقُوْمَاخُوْش (١)
وهو أَرُسْطَاطَالِيْس الحَكِيم - وقيل فيه: أَرُسْطُوطَالِيْس - ابن الحَكِيم الفِيْثَاغُوْرِيّ الجَهْرَاشِيّ (٢)، وكان تِلْمِيْذ أَفْلَاطُوْن الحَكِيم، وكان أَفْلَاطُوْن يُقَدِّمه على غيره من تَلَامِيْذه، وبه خُتِمَت حِكْمَة اليُوْنَانِيّين.
стр. 1615
وكان قد صَحِبَ الإسْكَنْدَر، وقَدِمَ حلَبَ صُحْبَتَهُ حينَ وَصَل إليها لقِتَال دَارَا المَلِكِ، فلمَّا رَأى حَلَب وصِحَّة هَوَائها وتُرْبَتها، اسْتَأذن الإسْكَنْدَر في الإقامَة بها لمُدَاوَاة مَرضٍ كانَ بهِ، فأَذِنَ له في ذلك، فأقام بها إلى أنْ زَال ذلك المَرَض، وقد ذَكَرْنا ذلك في صَدْرِ كتَابِنا هذا (١).
وذَكَر أبو الحَسَن عليِّ بن الحَسَن المَسْعُودِيّ (٢) أنَّ تَفْسِير أَرُسْطُوطَالِيْس: تَامَّ الفَضيْلَة، وتَفْسِير ينقُوْمَاخُوْش: قَاهِر الخَصْم.
قَرأتُ بخَطِّ أبي نَصْر مُحَمَّد بن فُتُوح الحُمَيْدِيّ، وأنْبَأنَا به ابن المُقَيِّر، عن أبي الفَتْح البَطِّيّ، عنهُ: أَرُسْطَاطَالِيْس تِلْمِيْذُ أَفْلَاطُوْن، وأَفْلَاطُوْن تِلْميْذُ سُقْرَاط، وسُقْرَاط تِلْميْذُ أَرْسِيْلَاوُسْ، وأَرْسِيْلَاوُسْ تِلْمِيْذُ أنْكسَاغُوْرُس.
أخْبَرَنا الشَّيْخُ العَلَّامَةُ أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيُّ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن عليّ بن مُحَمَّد المُقْرِئ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن الحُسَين، قال: أخْبَرَنا أبو الطَّيِّب مُحَمَّد بن أحْمَد بن خَلَف، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن الحَسَن بن دُرَيْد، ح.
قال أبو مَنْصُور: وحَدَّثَنَا القَاضِي أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن عِليّ بن أَيُّوب، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن الجَرَّاح الخَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن دُريْد، قال: قيل لأَرُسْطَاطَالِيْس: مَا أعْسَر الأشْيَاءِ على الإنْسان؟ قال: السُّكُوت. وقيل له: ما أحْسَن الحَيَوَان؟ قال: الإنْسان المُزَيَّن بالأدَب. وقيلِ له: أيّ الأشْيَاءِ يَنْبَغي أنْ يَقْتَنِيها العَاقِلُ؟ قال: الأشْيَاءُ الّتي إذا غَرِقَتْ سَفِيْنَتُهُ سبحَتْ معهُ.