الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ (١)، أحْمَدُه على حُسْن بَلَائهِ (a)، وتَظَاهُر النَّعماءَ، حَمْدًا كَثِيْرًا بُكْرةً وأصِيْلًا. مَن يَهْدِه اللهُ فقد اهْتَدَى، ومَن يُضْلِل فقد غَوَى. وأشْهدُ أنَّ لا إلّه إلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُوله، أرْسَلَهُ بالهُدَى والصَّوَاب، وأنْزَل عليه الكتاب بَيَانًا عن العَمَى، وإزالةً عن الرَّدَى (b)، ليُظْهرَهُ على الدِّين كُلّه ولو كَرِهَ المُشْرِكون، صَلَّى الله عليه [وسَلَّم] (c).
ثُمَّ إنَّهُ (٤) كان ممَّا قَضَى اللهُ (e) أنْ سَاقَتْنا المقادِيرُ إلى هذه البَلْدة من الأرْض، وَلَفَّتْ (f) بيننا وبين عَدُوِّنا، فنحنُ بحَمْدِ اللهِ ونِعْمته وفَضْلِه قَرِيْرَةٌ أَعْينُنا، طَيِّبةٌ أنْفسُنا، نَرجُو (g) في قِتَالهم حُسْنَ الثَّوَابِ، والأمنَ من العِقَابِ، مَعَنَا ابنُ عمِّ رسُول اللهِ، وسَيْف من سُيُوف الله، عليّ بن أبي طَالِب، أوّل المُؤْمنِيْن، وسَيِّد المُسْلمِيْن (h)، مَن صَلَّى مع رسُول الله ﷺ أوَّلًا، لم يَسْبِقْهُ بالصَّلاة معهُ ذَكَرٌ حتَّى صَار شَيْخًا، لم يكُن له صَبْوةٌ ولا نَبْوَةٌ ولا سَقْطَةٌ (i)، فقِيهٌ في دِيْن اللهِ، عَالِمٌ بحُدُود اللهِ، حَافِظٌ لكتاب اللهِ (j)، ذُو رَأيٍ أصِيْلٍ، وصَبْر جَمِيل، وعَفَافٍ قَدِيم، وفِعْل كَريم (k)، فاتَّقوا الله، وعليكمُ بالصَّبْر والحَزْم والجِدّ، واعْلَمُوا أنَّكُمُ على الحقِّ، وأنَّ القَوْمَ على بَاطِلٍ، يُقاتلُونَ مع مُعاوِيَةَ الطّليْق ابن الطّليق، وبَئيْسَ الأحْزَاب، وقَائِد الأعْرَاب، وأنتُم مع ابن عمّ رسُول الله وأخيه في دِيْنهِ
стр. 1612
عليّ بن أبي طَالِب (٤)، والبَدْريُّون معكم قريبٌ من مائة رَجُل من أهْل بَدْرٍ، ومع أصْحَاب نَبِيِّكم، ومعمُ راياتٌ قد كانتْ مع رسُول اللهِ ﷺ ، قاتَل بها أعْدَاءَ اللهِ، ومع مُعاوِيَةَ راياتٌ قد كانت مع المُشْرِكينَ على رسُول الله والمُؤْمنِيْن، فما يَشُكُّ في هؤلاءَ إلَّا ميِّت القَلْب، ضَعِيْف النَّفْس، وأنتم على إحْدَى الحُسْنَيَين: إمَّا الفَتْح وإمَّا الشَّهَادَة، ففي أيّهما كان فلكُم فيه الحَظُّ والظَّفَرُ والغِبْطَة والسُّرُور، عصَمَنا اللّهُ وإيَّاكم بما عَصَمَ به مَن أطاعَهُ واتَّقاهُ، وألْهَمَني وإيَّاكم طَاعَتَهُ وتقواهُ، واسْتَغفرُ الله لي ولكُم.
أدْهَم، مَوْلَى عُمَر بن عَبْد العَزِيْز (١)
كان معه بخُنَاصِرَة وحَكَى عنهُ. رَوَى عنهُ عَبْد السَّلام البَزَّاز.
أنْبَأنَا أبو رَوْح عَبْد المُعِزّ بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل الهَرَويّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّامِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَيْهَقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس الأصَمُّ، قال: حَدَّثَنَا العبَّاسُ بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثنا أحْمَدُ بن إسْحاق، قال: حَدَّثَنا عبْدُ السَّلام البَزَّاز، عن أدْهَم مَوْلَى عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، قال: كُنَّا نقول لعُمَر بن عَبْدِ العَزِيْز في العِيْدَيْن: تَقَبَّل اللهُ منَّا ومنْكَ يا أَمِير المُؤمِنِين، فيَرُدّ علينا ولا يُنْكِر ذلك علينا.
стр. 1613
أَرْجُوْن
أَرْجُوْن (١) بن أُوْلَغ طَرْخَان (a) التُّرْكِيُّ
قَلَّدَهُ أبو أحْمَد المُوَفَّق في أيَّام المُعْتَمد - وهو الغالب على دَوْلَته - طَرَسُوس، وأمَرَهُ أنْ يَقْبض على سِيْما الطَّويل، فخَرُق هذا وجَهِل، وذلك أنَّ المُرَتَّبِيْنَ بلُؤلُؤة (٢) أبْطَأ عنهم أرْزَاقهم ومِيْرَتهم، فضَجُّوا من ذلك وضَاقُوا به ذَرْعًا، وكَتَبُوا
стр. 1614
إلى أهل طَرَسُوس: إنَّكم إنْ لم تَبْعَثُوا إلينا بما نَحْتَاجُ إليه على الرَّسْم وإلَّا سَلَّمْنا لُؤْلُؤةَ والقَلْعَة إلى الرُّوم، فأعْظَمَ ذلك أهل طَرَسُوس وأكْبَروه، وجَمَعُوا فيما بينهم خَمْسَة عَشَر ألفَ دِيْنارٍ، وعَزَمُوا على حَمْلها إليهم، فقال لهم أَرْجُوْن: أنا أوْلَى بأنْ أتَوَلَّى حَمْلهُ إليهم، فسَلَّموا المالَ إِليهِ، فأخَذَهُ لنفسِه، فلهَّا أبْطَأ عن أهْلِ لُؤْلُؤة ما طَلَبُوا، أتَوَلَّى القَلْعَة إلى الرُّوم، ونَزَلُوا عنها، فقامَتْ على أهْل طَرَسُوس من أجْل ذلك القِيامَةُ، وضَجُّوا في الطُّرُقاتِ بالدُّعَاءَ على أَرْجُوْن.
واتَّصَلَ الخَبَرُ بالسُّلْطان، فكتَب إلى أحْمَد بن طُوْلُون وقلَّدَهُ إيَّاها ضَرُورَةً، ولم يكُن لأبي أحْمَد حِيْلَةٌ في مَنْعِه منها، وذلك في سَنَة أرْبَعٍ وسِتِّين ومَائتَيْن.
أَرُسْطُو بن ينقُوْمَاخُوْش (١)
وهو أَرُسْطَاطَالِيْس الحَكِيم - وقيل فيه: أَرُسْطُوطَالِيْس - ابن الحَكِيم الفِيْثَاغُوْرِيّ الجَهْرَاشِيّ (٢)، وكان تِلْمِيْذ أَفْلَاطُوْن الحَكِيم، وكان أَفْلَاطُوْن يُقَدِّمه على غيره من تَلَامِيْذه، وبه خُتِمَت حِكْمَة اليُوْنَانِيّين.
стр. 1615
وكان قد صَحِبَ الإسْكَنْدَر، وقَدِمَ حلَبَ صُحْبَتَهُ حينَ وَصَل إليها لقِتَال دَارَا المَلِكِ، فلمَّا رَأى حَلَب وصِحَّة هَوَائها وتُرْبَتها، اسْتَأذن الإسْكَنْدَر في الإقامَة بها لمُدَاوَاة مَرضٍ كانَ بهِ، فأَذِنَ له في ذلك، فأقام بها إلى أنْ زَال ذلك المَرَض، وقد ذَكَرْنا ذلك في صَدْرِ كتَابِنا هذا (١).
وذَكَر أبو الحَسَن عليِّ بن الحَسَن المَسْعُودِيّ (٢) أنَّ تَفْسِير أَرُسْطُوطَالِيْس: تَامَّ الفَضيْلَة، وتَفْسِير ينقُوْمَاخُوْش: قَاهِر الخَصْم.
قَرأتُ بخَطِّ أبي نَصْر مُحَمَّد بن فُتُوح الحُمَيْدِيّ، وأنْبَأنَا به ابن المُقَيِّر، عن أبي الفَتْح البَطِّيّ، عنهُ: أَرُسْطَاطَالِيْس تِلْمِيْذُ أَفْلَاطُوْن، وأَفْلَاطُوْن تِلْميْذُ سُقْرَاط، وسُقْرَاط تِلْميْذُ أَرْسِيْلَاوُسْ، وأَرْسِيْلَاوُسْ تِلْمِيْذُ أنْكسَاغُوْرُس.
أخْبَرَنا الشَّيْخُ العَلَّامَةُ أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيُّ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن عليّ بن مُحَمَّد المُقْرِئ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن الحُسَين، قال: أخْبَرَنا أبو الطَّيِّب مُحَمَّد بن أحْمَد بن خَلَف، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن الحَسَن بن دُرَيْد، ح.
قال أبو مَنْصُور: وحَدَّثَنَا القَاضِي أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن عِليّ بن أَيُّوب، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن الجَرَّاح الخَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن دُريْد، قال: قيل لأَرُسْطَاطَالِيْس: مَا أعْسَر الأشْيَاءِ على الإنْسان؟ قال: السُّكُوت. وقيل له: ما أحْسَن الحَيَوَان؟ قال: الإنْسان المُزَيَّن بالأدَب. وقيلِ له: أيّ الأشْيَاءِ يَنْبَغي أنْ يَقْتَنِيها العَاقِلُ؟ قال: الأشْيَاءُ الّتي إذا غَرِقَتْ سَفِيْنَتُهُ سبحَتْ معهُ.
стр. 1616
وقال ابنُ دُرَيْد: كانت لأَرُسْطَاطَالِيْس ضَيْعَةٌ نَفِيْسَةٌ، فدَفَعَها إلى قَيِّمٍ يقُومُ بها، ولم يكُن يُشْرفُ عليها، فقال بعضُ النَّاسِ له: لِمَ تَفْعَلُ ذلك؟ فقال: إنِّي لم أَقْتَن ضَيْعَةً بَتَعَاهُدِي الضِّيَاعَ وإنَّما اقتنيْتُها بتَعَاهُدِى أدَبَ نَفْسِي، وبذلك أرْجُو اتِّخَاذ ضِيَاع أُخَر.
قال: وقال أَرُسْطَاطَالِيْس: العَقْلُ سَبَب رَدَاءةِ العَيْش.
وقَرَأتُ في كتاب التَّعْرِيْف في أحْوَال الحُكَمَاءِ، تأليفُ القَاضِى الإمام أبي القَاسِم صَاعد بن أحْمَد بن صَاعِد اللُّغَويّ المَالِقِيّ الأنْدَلُسِيِّ فَصْلًا في ذِكْر أَرُسْطُوطَالِيْس، أذْكرهُ على وَجْهه، فإنَّ فيه ذِكْر أحْوَاله على التَّحْقِيق، قال أبو القَاسِم (١): وأمَّا أرُسْطُوطَاليْس فهو ابن يَنْقُوْمَاخُوْش (a) الجَهْرَاشِيّ الفِيْثَاغُوْرِيّ، وكان يَنْقُوْمَاخُوْش فِيْثَاغُوْرِيّ المَذْهَب، وله تأليفٌ مَشْهُور (b) في الأرِثْمَاطِيْقِي (c)، وكان ابنه أَرُسْطُوطَالِيْس (d) تِلْمِيْذ أَفْلَاطُوْن، ويُقالُ إنَّهُ لازمَهُ عِشْرينَ سنَةً، وكان أَفْلَاطُوْن يُؤثره على سَائِر تَلَامِيْذه، ويُسَمّيه: العَقْل.
وإلى أَرُسْطُوطَالِيْس انْتَهَت فَلْسَفَة اليُونَانيِّن، وهو خَاتِمَةُ حُكَمائهم، وسَيِّدُ عُلَمائِهم، وهو أوَّلُ مَنْ خَلَّصَ صِنَاعَة البُرْهَان (e) من سَائر الصِّنَاعَات المَنْطِقيَّة، وصَوَّرها بالأشْكَال الثَّلاثةِ، وجَعَلَها آلة للعُلُوم النَّظَريَّة، حتَّى لُقِّبَ بصَاحِب المَنْطِق.
стр. 1617
وله في جمِيع العُلُوم الفَلْسَفيَّة كُتُب شَرِيفَة؛ كُلِّيَّة وجُزْئِيَّة، فالجُزْئِيَّة رَسَائِلُه (a) الّتي يُتَعَلَّم منها معْنىً واحدٌ فقط، والكُلِّيَّة بعضُها تَذَاكِير يُتَذَكَّر بها وبقُوَّتها (b) ما قد عُلِمَ من عِلْمه؛ وهي السَّبْعُونَ كِتَابًا الّتي وَضَعَها لاوقارُس (c)، وبَعْضُها تَعالِيْم يُتَعَلَّم منها ثلاثة أشْيَاء، أحَدها (d): عُلُوم الفَلْسَفَة، والثَّانيَة: أعْمَال الفَلْسَفَة، والثالثة: الآلة المُسْتَعملة في عِلْم الفَلْسَفَة وغيره من العُلُوم.
والكُتُب الّتي في عُلُوم الفَلْسَفَة بَعْضُها في العُلُوم التَّعْلِيميَّة (e)، وبَعْضُها في العُلُوم الطَّبِيْعِيَّة، وبعضُها في العُلُوم الإلهيَّة. وأمَّا الكُتُبُ الّتي في العُلُوم التَّعْلِيميَّة فكتابهُ في المَنَاظِر، وكتابه في الخُطُوط، وكتابه في الحِيَل.
وأمَّا الكُتُب الّتي في العُلُوم الطَّبِيْعِيَّة، فمنها ما يُتَعَلَّم منه الأُمُور الّتي تخصُّ كُلّ واحدٍ من الطَّبَائِع، فالّتي (f) يُتَعلَّم منها الأُمُور الّتي تَعُمّ جميع الطَّبَائِع وهو كتابهُ المُسَمَّى بسَمْع الكيَان (١)، فهذا الكتابُ يُعَرِّفُ بعَدَد المَبَادِئ لجميعِ الأشْيَاءِ الطَّبِيْعِيَّة، وبالأشْيَاءِ التَّوَالي للمَبَادِئ، وبالأشْيَاء المُشَاكلَةِ للتَّوَالي، فأمَّا المَبَادِئ: فالعُنْصُر والصُّورَة، وأمَّا الّتي كالمَبَادِئ - وليسَتْ مَبَادِئ بالحَقِيْقَة بل بالتَّقْرب - فالعَدَم (g)، وأمَّا التَّوالي فالزَّمان (h)، وأمَّا المُشَاكِلة للتَّوالي: فالخَلَاء، والمَلَاء (i)، وما
стр. 1618
لا نِهايَةَ له، وأمَّا الّتي يُتَعَلَّم منها الأُمُور الخَاصّيَّة لكُلّ واحدٍ من الطَّبَائِع، فبعضُها في الأشْيَاء الّتي لا كَوْن لها، وبعضُها في الأشْيَاء المُكَوّنة، وأمَّا التي في الأشْيَاء الّتي لا كَوْنَ لها فالأشْيَاءُ الّتي تُتَعَلَّم من المَقَالتَين الأوَّليَتيْن (a) من كتاب السَّماءِ والعَالَم، وأمَّا الّتي في الأشْيَاء المُكوّنة فبعضُ عِلْمها عَاميّ، وبعضُا خاصيّ، فالعَامِيُّ بعضُه في الاسْتِحَالات، وبعْضُهُ في الحَرَكَات، أمَّا الاسْتِحَالاتُ ففي كتاب الكَوْن والفَسَاد، وأمَّا الحَرَكَات ففي المَقَالتَيْن الآخرتَيْن (b) من كتاب السَّماءِ والعَالَم، وأمَّا الخاصِيُّ فبَعْضُه في البَسَائِط وبَعْضُهُ في المُرَكَّبَاتِ، أمَّا الّذي في البَسَائِط ففي كتاب الآثار العُلْوَّيَّة، وأمَّا الّذي في المُرَكَّباتِ فبَعْضُه في وَصْفِ كُلِّيَّات الأشْيَاءِ المُرَكَّبة، [وبَعْض في وَصْفِ أجْزَاء الأشْياءِ المُرَكَّبة] (c)، أمَّا الّذي في وَصْفِ كُليَّات المُرَكَّبَاتِ [فـ]ـفي كتاب الحَيَوَان وفي كتاب النَّبَات، وأمَّا الّذي في وَصْفِ أجْزاءِ المُرَكَّبات ففي كتاب النَّفْسِ، وفي كتاب الحِسِّ والمَحْسُوس، وفي كتابِ الصِّحَّة والسَّقَمِ، وفي كتاب الشَّبَابِ والهَرَم.
وأمَّا الكُتُب الّتي في العُلُوم الإلهيَّةِ؛ فمقالَاتُه الثَّلاث عَشْرة الّتي في كتابِ ما بَعْد الطَّبِيْعَة.
وأمَّا الكُتُب الّتي في أعْمَالِ الفَلْسَفَةِ؛ فبَعْضُها في إصْلَاح أخْلَاق النَّفْس، وبَعْضُها في السِّيَاسَةِ، فأمَّا الّتي في إصْلَاح الأخْلَاق (d) فكتابه الكَبِير الّذي كتَب بهِ إلى ابنِهِ، وكتابه الصَّغير الّذي كَتَب بهِ إلى ابنِهِ أيضًا، وكتابه المُسَمَّى أُوْذِيْمِيَا.
стр. 1619
وأمَّا الّتي في السِّيَاسَة فبعضُها في سِيَاسَةِ المُدُن، وبعضُها في سياسَةِ المَنْزل.
وأمَّا الكُتُب الّتي (a) في الآلةِ (b) المُسْتَعملَة في عُلُوم الفَلْسَفَةِ، فهي كُتُبه الثَّمانيَةُ المَنْطِقيَّة؛ الّتي لَم يَسْبِقْهُ أحَدٌ ممَّن عَلمْنا إلى تَأليْفها ولا تَقَدَّمَهُ إلى جَمْعِها. وقد ذَكَر (c) ذلك في آخر الكتاب السَّادِس منها وهو كتاب سُوفُسْطِيْقَا (١)، فقال: وأمَّا صِنَاعَة المَنْطِق وبناء السّلوجِسْمَات (d) فلم نَجِدَ لها فيما خَلَا أصْلًا مُتَقَدِّمًا يُبْنَى عليه، لكنَّا وَقَعْنا (e) على ذلك بعد الجهد الشَّدِيد والنَّصَب الطَّويل، فهذه الصِّناعَة وإنْ كُنَّا ابْتَدَعْنَاها واخْتَرَعْناها فقَدْ حُطْنَا جهاتها، ورَمَّمْنا أُصُولها، ولم نَفْقد شيئًا ممَّا يَنْبَغي أنْ يكُون مَوْجُودًا (f) فيها، كما فُقِدَتْ أوَائِل الصِّنَاعَات، لكنَّها كَامِلةٌ مُسْتحْكِمَة، مَتِيْنة (g) أسْبَابُها، مَزْمُومَةٌ قَوَاعدها، وَثِيْقٌ بُنْيانُها، مَعْرُوفَةٌ غَايَاتُها، واضِحةٌ أعْلَامُها، قد قدَّمت أمَامَها أرْكَانًا مُمَهّدةً، ودَعَائم مُوَطَّدة، فَمن عَسَى أنْ تَرِد عليه هذه الصِّناعَة بَعْدنا، فليَغْتَفر خَلَلًا إنْ وَجَد فيها، وليَعْتَدَّ بما بلغَتْهُ الكُلْفَة منها اعْتِدَاده بالمنَّةِ العَظِيمَة، واليَد الجَلِيْلَة، ومَنْ بَلَغ جهْدَهُ فقد بَلَغ عُذْرَه.
وكان أَرُسْطُوطَالِيْس مُعَلِّم (h) الإسْكَنْدَر المَلِك بن فلغيُوس (i) بن الإسْكَنْدَر المَقَدُونِيّ. [و] بآدَابِه عَمِلَ في سِيَاسَة رَعيَّتهِ وسِيْرة مُلكْه (j)، وانْقَمَعَ له الشِّرْكُ (k) في بلادِ اليُونَانيِّين، وظَهَرَ الخَيْر وفَاضَ العَدْلُ.
стр. 1620
ولأَرُسْطُوطَالِيْس، إليه، رَسَائِل كَثِيْرة جَلِيْلَة، منها رسالةٌ يحُضُّهُ فيها على المَسِير لحَرْب دَارَا بن دَارَا مَلِك الفُرْس، ومنها رسالةٌ جَاوَبَهُ عن كتابهِ إليهِ من أرْض الهِنْد يَصِفُ ما رآهُ في بَيْت الذَّهَب بأعَالي أرْض الهِنْد، وهو البَيْتُ الّذي كان فيه البِدَدَةُ (a)؛ وهي الأصْنَام (b) المُمَثَّلَة بالجَوَاهِر العُلْويَّة، فجاوَبَهُ أَرُسْطُوطَالِيْس بهذه الرِّسَالَة يَعِظُهُ فيها، ويُزَهِّدُهُ في الدُّنْيا، ويُرَغِّبُهُ في النَّعِيم الدَّائِم.
قال صَاعِد (١): وكان أبو بَكْر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّاء الرَّازِيّ شَدِيد الانْحِرَاف عن أَرُسْطُوطَالِيْس، وعَائِبًا له في مُفَارَقَتِه مُعَلِّمه أَفْلَاطُوْن وغيره من مُتَقَدِّمي الفَلَاسِفَة في كَثِيْر من آرائهم، وكان يَزْعُمُ أنَّهُ أفْسَد الفَلْسَفَة وغَيَّر كَثِيْرًا من أُصُولِهم. وما أظُنُّ الرَّازِيَّ أحْنَقَهُ على أَرُسْطُوطَالِيْس، وَحَدَاهُ إلى تَنَقُصّه، إلَّا ما أبَاهُ (c) أَرُسْطُوطَالِيْس ودَانَ (d) بهِ الرَّازِيّ ممَّا ضَمَّنَهُ كتابَهُ في العِلْم الإلهِيّ، وكتابَهُ في الطِّبِّ الرُّوْحانِيّ وغير ذلك من كُتُبهِ الدَّالَّةِ على اسْتِحْسَانهِ المَذَاهِب الثَّنَوِيَّةِ في الإشْرَاكِ، ولآرَاءِ البَرَاهِمَة في إبْطَالِ النُّبُوَّةِ ولاعْتِقَادِ عَوَامِّ الصَّابِئَة في التَّنَاسُخِ.
ولو أنَّ الرَّازِيّ وَفَّقَهُ الله للرّشْد، وحَبَّبَ إليه نَصْر الحَقّ، لوَصَف أَرُسْطُوطَالِيْس أنَّهُ مَخَضَ (e) آراءَ الفَلَاسِفَة، ونَخَل (f) مَذَاهِبَ الحُكَمَاء، فنَفَّى خَبَثَها، وأسْقَط غَثَّها (g)، وانْتَقى لُبَّهَا، واصْطَفَى خِيَارَهَا، فاعْتَقَد منها ما تُوْجُبه العُقُولُ
стр. 1621
السَّلِيْمَةُ، وتَرَاهُ البَصَائِرُ النَّافذَةُ، وتُدِيْنُ به النُّفُوسُ الطَّيِّبَةُ، فأصْبَح إمامَ الحُكَمَاء، وجَامِعَ فَضَائِل العُلَمَاءِ: [من السريع]
وليس لله بمُسْتَنْكَرٍ … أنْ يَجْمَعَ العَالَمَ في وَاحِدِ (١)
قَرأتُ بخَطِّ مُحَمَّد بن أَيُّوب بن غالِب الأنْصَاريّ الأنْدَلُسِيّ الغَرْنَاطِيّ في كتابه المَعْرُوف بكتاب القَصْد والأَمَم في التَّعْرِيْف بأخْبَار الأُمَم (٢)، قال: وأمَّا أَرُسْطُوطَالِيْس فهو أَرُسْطُوطَالِيْس بن يَنْقُوْمَاخُوْش الجَهْرَاشِيّ الفِيْثَاغُوْرِيّ، وتَفْسِير يَنْقُوْماخُشْ (a): قَاهِر الخُصُوم، وتَفْسِير أَرُسْطُوطَالِيْس: تَامُّ الغِذَاء، وقيل: تَامّ الفَضيْلَة، لأنَّ أَرُسْطُو هو: الفَضيْلَة، وطَالِيْس: التَّامُّ، قاله المَسْعُودِيّ، وكان يَنْقُومَاخُشْ فِيْثَاغُوْرِيّ المَذْهَب، وكان أَرُسْطُوطَالِيْس مُعَلِّم الإسْكَنْدَر المَلِك بن فليْقُوس بن الإسْكَنْدَر المَقَدُونِيّ.
стр. 1622
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ أَرَسْلَان
أرَسْلَان بن مَسْعُود بن مَوْدُود بن زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر التُّرْكِيُّ (١)
وقيل: أَرَسْلَان شَاه، المُلَقَّب نُور الدِّين بن عِزّ الدِّين صَاحِب المَوْصِل.
قَدِمَ مع والدِه حَلَبَ حينَ مَلَكها في سَنَة سَبْعٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة، وعادَ مَعَهُ إلى المَوْصِل، ولمَّا تُوفِّي والدُه في شَعْبان سَنَة تِسْعٍ وثمانين وخَمْسِمائَة، تولَّى وَلده هذا المَوْصِل في يَوْم الخَمِيْس خَامِس وعشرين شَعْبان سَنَة تِسْعٍ وثَمانِيْن وخَمْسِمائَة، وتُوفِّيَ يَوْم الأَحَد ثَامِن وعشرين رَجَب من سَنَة سَبْعٍ وستِّمائة، وكان حَسَن السِّيْرَة، ووَصَل الخَبَرُ بوَفاتِهِ في شَعْبان إلى حَلَب، وجَلَس المَلِكُ الظَّاهِرُ في عَزَائهِ بحَلَب، وجَمَع له الكُبَرَاءِ والأمَاثِلَ، وتكلَّم الوُعَّاظ، وأنْشَدَ الشُّعَراءُ بدَار العَدْلِ، وأظْهَرَ الاحْتِفَال بهِ، والانْزِعَاجَ لمَوْته.
أخْبَرَنا أبو المَحَامِد إسْمَاعِيْل بن حَامد القُوصِيّ، قال: أنْشَدَني المَلِك العادِل أتَابِك نُور الدِّين أَرَسْلَان شَاه بن أتَابِك عِزّ الدِّين مَسْعُود بِن أتَابِك قُطْب الدِّين مَوْدُود بن زنْكِي بن آقْ سُنْقُر صَاحِب المَوْصِل عند مَقْدمي إليه رَسُولًا عن السُّلْطان المَلِك العادِل سَيْف الدِّين أبي بَكْر بن أَيُّوب، ﵀، هذه الأبْيَات، وذَكَرَ أنَّ المَلِك النَّاصر صَلاح الدِّين، ﵀، كَتَب بها إلى وَالده أتَابِك عِزّ الدِّين مَسْعُود على سَبِيْل المُعَاتَبة في أوَّل المُكَاتَبة، وهي للشَّرِيْف الرَّضِيّ (٢): [من مجزوء الكامل]
стр. 1623
يا مَالِكًا (a) نَقَضَ الوِدَادَا … أشْمَتَّ بالقُربِ البِعَادَا
وتَرَكْتَني والفِكْر (b) يأ … بَى أنْ يُرَوِّحَ لي فُؤَادَا
ارْجِع إلى حُسْن الوَفا … ءِ (c) فإنَّهُ إنْ عُدْتَ عَادَا
ودَع العِدَا فوَحُرمة الـ … ـعَلْيَاءِ لا بَلَغُوا مُرَادَا
من ضاعَ مِثْلي مِن يَديْـ … ـهِ فليتَ شِعْرِي ما اسْتَفادَا
قال: وذكَرَ لي، ﵀، أنَّ والده كَتَبَ إليه في جَوَاب ذلك هذين البَيْتَيْن: [من السريع]
يا مَلِكًا أصْبَح لي نَاصِرًا … إذ عزّ أعْوَان وأنْصَارُ
مُرْني بخَوْض النَّارِ والْعَنْ فَتًى … تَثْنيهِ عن طاعَتِكَ النَّارُ
قال القُوصِيّ: وهذا المَلِك كانت له سِيْرة جَميلة، وهِمَّة شَرِيفة، وتَمَذْهَبَ بمَذْهَب الإمام الشَّافِعيّ، وكان آباؤه على مَذْهَب الإمَام أبي حَنِيْفَة، وموْلده بالمَوْصِل.
أنْبَأنَا عبد العَظِيْم المُنْذِريّ (١)، قال: وفي أواخر رَجَب - يعني من سَنَة سَبْعٍ وستِّمائة - تُوفِّي المَلِكُ العادِلُ نُور الدِّين أبو الحَارِث أَرَسْلَان شَاه بن مَسْعُود بن مَوْدُود بن زَنْكِي بن آقْسُنْقُر، صاحِب المَوْصِل، في شبَّارة ظَاهِرِ المَوْصِل، وكُتِمَ مَوْته حتَّى دُخِلَ به إلى دَار السَّلْطَنَة. وكانت مُدَّة مُلْكِه سَبْع عَشرة سَنَة، وأحَدَ عَشر شَهْرًا، وكان عالي الهِمَّة، وقام بالأمْر بعْدَهُ وَلدهُ عِزّ الدِّين أبو الفَتْح مَسْعُود، وكان الثَّنَاءُ عليه جَمِيْلًا.
أَرَسْلَان اللَّانِيُّ، أبو الحَارِث
قَدِمَ بَالِس، وحَكَى عن قُبُور الشُّهَدَاء بصِفِّيْن. رَوَى عنهُ أبو الحَسَن بن نِيْخَاب الطِّيبِيّ.
стр. 1624
أخْبَرَنا أبو العَلَاء أحْمَدُ بن شَاكِر المَعَرِّيّ، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، عن أبي مُحَمَّد عَبْدِ الله بن أحْمَد بن أحْمَد بن أحْمَد بن الخَشَّاب، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الفَرَّاءِ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر بن البَاقِلَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: قال أبو الحَسَن بن نِيْخَاب الطِّيبِيّ، قال: حَدَّثَني رَجُلٌ كان رَكِبَ معنا في سَفِيْنَةٍ، يُكْنَى بأبي الحَارِث، واسْمُه أَرَسْلَان اللَّانِيّ، قال: خَرَجْتُ من الرَّقَّة أُريدُ بَالِس، فرأيتُ الجَبَلَ الّذي بصِفِّيْن الّذي قَاتَلَ عليه عليّ بنُ أبي طَالِب، ومُعاوِيَةُ بن أبي سُفْيان رَحِمَهُما اللهُ، فرَأينا القُبُور على ذلك الجَبَل بالبُعْد من مَسِيرة فَرْسَخين، أقَلّ أو أكْثَر، لو أرادَ العَادُّ لعَدَّهَا من ذلك المكان، ظَاهِرةً بَيِّنَةً، وإذا فَوْقَهَا غَمَامٌ يُظِلُّها، فلمَّا قَرُبْنا منها، وبَلَغْنا إليها، فإذا القُبُور مُسْتَوِيَة بالأرْض لا يَبِيْنُ منها شيءٌ ولا قَبْر، ببَيَاض الأرْض، وكأنَّ نُورًا يُظِلُّها، فأقُول: لو كان أحَدُ الفَرِيْقَيْن على غير هُدَىً لم يكُن النُّورُ بَيِّنًا إلَّا على المُحِقّ من إحْدَى الطَّائِفتَيْن.
أَرَسْلَان التُّرْكِيّ، أبو الحَارِث - وقيل: أبو مَنْصُور - البَسَاسِيْرِيُّ (١)
مَنْسُوبُ إلى بَسَا بَلْدَةٍ بفَارَس، والعَرَبُ تُسَمِّيها فَسَا، ويَنْسُبُون إليها فَسَويّ، وأهْلُ فَارِس يقولون بَسَا بين البَاء والفَاءِ، ويَنْسبُونَ إليها البَسَاسِيرِيّ. وكان مَوْلاهُ رَجُلٌ من أهل بَسَا، فنُسِبَ الغُلَامُ إليه، واشْتَهر بهذه النِّسْبَة.
стр. 1625
وكان أحد الأُمَرَاءَ الأصْفَهْسَلَارِيَّة، فعَظُم شَأنه، واسْتَفْحَل أمْرُه، وقويَتْ هَيْبَتُه، وانْتَشر ذِكْرهُ، ومكَّنه القَائِم من البِلَادِ، وكثُر منه العَيْثُ والفَسَاد، وآلَ أمْرهُ إلى العِصْيَان عليّ القَائِم، ونَهَب بَغْدَاد، وكان رأسَ الأتْرَاك بها، فخرَجَ عليه، وهوَّن أمْره بكُلِّ ما وَصَلت قُدْرتُه إليهِ، حتَّى كان يأخُذ الجَانِي من حَرَم الخلِيفَة، ولا يَلْحقه في سُوءِ فِعْله نَظَر في عاقبةٍ ولا خِيْفَة.
وقَرَأتُ في تاريخ أبي غَالِب هَمَّام بن [الفَضْل بن] (a) جَعْفَر بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ (١) أنّهُ: كان إذا وصَلَتْ هَدِيَّة من خُرَاسَان وغيرها من البِلادِ اعْتَقلها شَهْرًا قبل أنْ يُطْلقَها، بسُؤالٍ وأشْيَاءٍ كَثِيْرة تَجْري هذا المَجْرى في حَقِّ الخلَيفَة فَعَلَها، فلمَّا زادَ الأمرُ على الخلِيفَة، بَعَثَ إلى طُغْرِلبِك مَلِك التُّرْكُمان والغُزّ، أبي (b) طَالِب مُحَمَّد بن مِيْكَال، وكان مُقيْمًا بالرَّيِّ وقد مَلَكَ من جَيْحُون إلى بَغْدَاد، وأذَلَّ المُلُوك من أوْلادِ مَحْمُود والتُّرْك وغيرهم، فوصَلَهُ الرَّسُول من الخَلِيفَة يأمرهُ بأنْ يَصِلَ إلى بَغْدَاد ليستَنْجدَ به على البَسَاسِيرِيّ أبي مَنْصُور، فأقْبل إليهِ طُغْرِلبِك في مائة ألفٍ وعشرين ألفًا من التُّرْك، والغُزِّ، والأعَاجِمٍ، والكُرْد، والدَّيْلَم، وغيرهم من الأجْنَاس، فوَصل بَغْدَاد وهَجَمَها، وقَتَل منها خَلْقَا عَظيْمًا، ونَهَبَها، وذلك أنَّهُم قاتَلُوه، وانْهَزَمَ البَسَاسِيرِيُّ منه فَحَصَلَ في أرض الرَّحْبَةِ، ولَقِيَهُ مُعِزُّ الدَّولَةِ - يعني ثِمَال بن صالح - وأكْرَمَهُ، وحَمَل إليهِ مَالًا عَظيْمًا، وكان قد وصَل في قِلّةٍ، فحدَّث مَنْ شَاهدَهُ من بنَي كِلَاب أنَّهُ لم يُرَ مثْلُهُ في الشَّجَاعَة والمَكْرِ والحِيْلَة، وكان إذا رَكِبَ مُعِزُّ الدَّولَة قَفَزَ إليهِ ليُمْسكَ له الرِّكَاب ويُصْلح ثِيَابَهُ في السَّرْج (٢)، وهمَّتْ
стр. 1626
بنُو كِلَاب بأخْذِه فَمَنَعَها مُعِزُّ الدَّولَة، ونَدمَ بعد ذلك عليه، ثمّ إنَّهُ تقدَّم إلى أنْ حصَل على الفُرَات، وفَزع منه مُعِزّ الدَّولَة وكثُر عَسْكَره، فسلَّم إليهِ الرَّحْبَة لمَّا طَلَبها من مُعِزّ الدَّولَة، ليجعَل فيها مالَهُ وأهْلَهُ.
قُلتُ: وكان حصُوله على الفُرَات بأرْض بَالِس؛ فإنَّني قَرأتُ في بعض تَعَاليْق الشَّامِيِّيْن في التَّاريخ ما صُوْرته: ظُهُور البَسَاسِيرِيّ إلى الشَّام، ونُزُوله أرض بَالِس مُدَّة سَنَة وشَهْرين، سَنَة تِسْعٍ وأرْبَعين وأرْبَعِمائة. وقَرَأتُ في تَاريخَ هَمَّام بن المُهَذَّب في حَوَادِث سَنَة خسين وأرْبَعمائة: فيها اضْطَربَ الأمرُ في خُرَاسَان على طُغْرِلبِك، فسَار لإصْلَاحهِ، فجَمَع البَسَاسِيرِيُّ مَنْ قَدر عليهِ من الكُرْد والدَّيْلَم، واجْتَمَعَتْ إليهِ بنُو عُقَيْل، وكان عَلَمِ الدِّين قُرَيْش بن بَدْرَان زَعِيمها، وبَنو أَسَد زعيْمها نُوْر الدَّوْلَة دُبَيْس بن مزْيَد، وقصَد بَغْدَاد، وزحفَ معهم أهْلُ الجانب الغَرْبيّ من بَغْدَاد إلى دار الخلَيْفَة القَائِم بأمْرِ اللّه أَمِير المُؤمِنِين أبي جَعفر بن القَادِر، فنَهَبُوا جميعَ ما فيها، واسْتَدي الخلَيفَة من فَوْق القَصْر عَلَم الدِّين قُرَيش بن بَدْرَان، فجاءَهُ فَخَرَج إليهِ الخلَيفَة وهو مُبرقعٌ، وعليه بُرْدَةُ النَّبِيّ ﷺ ، وفي يَده قَضِيْبُه، فأجارَهُ ولم يُمكِّن منهُ أحدًا، ومنعَهُ من البَسَاسِيرِيّ، وسيَّرَهُ إلى حِصْن عَانَة - وقيل: الحَدِيْثة - وهو حِصْنٌ مَنيع في وسَط الفُرَات، وصَاحبهُ رَجُلٌ يُعْرَفُ بمُهَارِش (١)، أحدُ أُمَرَاء بَنِي عُقَيْل، فأكْرَمَهُ إكْرامًا عَظيْمًا، وخَدَمَهُ خِدْمَةً مَرْضِيَّةً، فبقي فيه عند مُهَارِشٍ شُهُورًا.
قال ابنُ المُهَذَّب: وفيها - يعني سَنَة إحْدَى وخَمْسِين - دَعا البَسَاسِيرِيّ للمُسْتَنْصِر؛ صاحب مِصْر، في جامع المَنْصُور ببَغْدَاد، وبقيَت الدّعْوَةُ شُهُورًا.
стр. 1627
وفيها: عاد طُغْرِلبِك مَلِكُ التُّرْكُمَان أبو طَالِب مُحَمَّد بن مِيْل إلى بَغْدَاد، فانْحَاز البَسَاسِيرِيّ وجَماعة العَرَب، وخَرَجَ معهم من التُّجَّار ببَغْدَاد وغيرهم خَلْق عَظِيم لا تُحْصَى أمْوَالُهم، وذُكِر أنَّهم كانوا زُهَاءً عن مائة ألف وعشرين ألفًا، وتَبعهم من أصْحَاب طُغْرِلبِك زُهَاء عن عشرين ألفًا، فقُتِلَ البَسَاسِيرِيّ وخَلْقٌ كَثِيْر لا يُحْصَى عَدَدُه، ونُهِبَتْ تلك الأمْوَالُ، وكان الّذين تَبِعَهُم ولَقِيَهُم من عَسْكَر طُغْرِلبِك نحو من عشرين ألفًا.
وسار مُهَارِشٌ العُقَيْلِيُّ بالخلَيفَة إلى بَغْدَادَ في مَحْمَل، فأعْطاهُ من الأمْوَالِ والأقْطاعِ شيئًا عَظيْمًا، حتَّى أنَّه صَار مُهَارِشٌ أيْسَرَ بَني عُقَيْل.
وسَار الأَمِيرُ أبو ذُؤَابَة عَطِيَّة بن أسَد الدَّوْلَةِ صَالِح بن مِرْدَاسٍ إلى الرِّحْبَة فأخَذَ جميعَ ما تركَهُ البَسَاسِيرِيُّ بها من السِّلاح الّذي لم يُرَ مثله كَثْرةً وجَوْدَةً وأمْوَالًا جريْلةً كانت للبَسَاسِيْرِيّ، ثمّ ولَّى فيها بعضَ أصْحَابهِ.
أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبد الرَّحْمن القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْرٍ أحْمَد بن عليّ بن ثَابِت الخَطِيب (١)، قال: ولم يَزَل أمرُ القَائِم بأمْرِ اللّه مُسْتَقِيْمًا إلى أنْ قُبِضَ عليه في سَنَة خَمْسِين وأرْبَعِمائة، وكان السَّبَبُ في ذلك أنَّ أَرَسْلَان (a) التُّرْكِيّ المَعْرُوف بالبَسَاسِيرِيّ، كان قد عَظُمَ أمْرهُ واسْتفحَلَ شَأنُه لعَدَمِ نُظَرائهِ من مُقَدَّمي الأتْراك المُسَمَّيْن بالأصْفَهْسَلَارِيَّةِ، واسْتَولَى على البِلادِ، وانْتَشَر ذِكْرُه، وطَارَ اسْمُه، وتَهَيَّبَته أُمَرَاءُ العَرَب والعَجَم، ودُعِيَ له على كَثِيْرٍ من المَنَابِر العرِاقِيَّة، وبالأهْوَاز ونَوَاحِيها، وجَبَى الأمْوَال، وخَرَّب الضِّيَاع، ولم يكُن الخلَيفَةُ القَائِم بأمر اللَّه يقطَعُ أمْرًا دونَهُ، ولا يَحُلُّ ويعْقدُ إلَّا عن رَأيهِ.
стр. 1628
ثُمَّ صَحَّ عند الخلَيفَة سُوءُ عَقِيْدَتِه، وشَهِدَ عندَهُ جَمَاعَةٌ من الأتْراك أنَّ البَسَاسِيرِيّ عَرَّفَهُم - وهو إذا ذاك بوَاسِط - عَزْمَهُ على نَهْب دَار الخِلَافَة والقَبْض على الخلَيفَة، فكاتَبَ الخلَيفَةُ أبا طَالِب مُحَمَّد بن مِيْكَال المَعْرُوف بطُغْرِلبِك أميرَ الغُزّ، وهو بنَوَاحِي الرَّيّ يَسْتَنْهضُهُ على المَسِير إلى العِرَاق، وانْفَضَّ أكثرُ مَنْ كان مع البَسَاسِيرِيّ وعادُوا إلى بَغْدَاد، ثمّ أجمع رأيهُم على أنْ قَصَدُوا دَارَ البَسَاسِيرِيّ، وهي بالجانب الغَرْبيّ في المَوضِع المَعْرُوف بدرْب صالح، بقُرْب الحَريْم الطَّاهِريّ، فأحْرَقُوها، وهدَمُوا أبْنيتَها.
ووَصَل طُغْرِلبِك إلى بَغْدَاد في شَهر رَمَضَان من سَنَة سَبع وأرْبَعين وأرْبَعِمائة، ومَضَى البَسَاسِيرِيّ على الفُرَات إلى الرَّحْبَةِ، وتَلاحَقَ بهِ خَلْقٌ كَثِيْرٌ من الأتْرَاك البَغْدَادِيّينَ، وكاتَبَ صَاحِبَ مِصْرَ يَذْكُرُ له كَوْنَهُ في طاعَتِهِ، وأنَّهُ على إقامَةِ الدَّعْوَة له بالعِرَاق، فأمَدَّهُ بالأمْوَالِ، ووَلَّاهُ الرَّحْبَةَ.
وأقامَ طُغْرِلبِك بَغْدَاد سَنَةً إلى أنْ خَرَجَ منها إلى المَوْصِل، وأوْقَعَ بأهْل سِنْجَار، وعادَ إلى بَغْدَاد، فأقامَ بها مُدَّةً، ثمّ رجَع إلى المَوْصِل، وخرج منها مُتَوَجِّهًا إلى نَصِيبيْن ومعه أخوه إبْراهيم يَنَال (a)، وذلك في سنة خَمْسِين وأرْبَعِمائة، فخالَفَ (b) عليه أَخُوه إبْراهيم، وانْصَرف بجَيْشٍ عَظِيم معه يقصِدُ الرَّيّ، وكان البَسَاسِيرِيُّ راسَلَ إبْراهيمَ يَشُيرُ عليه بالعِصْيَان لأَخِيهِ، ويُطْمعهُ في المُلْكِ والتَّفَرُّدِ به، وبَعِدُهُ بمُعاضَدَتهِ ومُضَافَرته عليه، فسَار طُغْرِلبِك في أثر أخيهِ إبْرَاهيم، وتَرَكَ عَسَاكِره وَراءَهُ، فتفرَّقت، غير أنَّ وَزِيرهُ المَعْرُوف بالكُنْدُرِيّ، ورَبِيْبهُ أَنَوشَرْوان، وزَوْجَتَهُ خَاتُون، وَردُوا بَغْدَاد بمَنْ بَقِيَ معَهُم من العَسْكَر في شَوَّال من سَنَة خَمْسِين وأرْبَعِمائة، واسْتَفاضَ الخَبَرُ باجْتِمَاع طُغْرِلبِك مع أخيهِ إبْراهيم بهَمَذَان،
стр. 1629
وأنَّ إبْراهيم اسْتَظْهرَ عَلى طُغْرِلبِك، وحَصَرهُ في مَدِينَة هَمَذَان، فعَزَمَتْ خَاتُون وابنُها أنَوشَرْوان والكُنْدُرِيّ على المَسِيْر إلى هَمَذَان لإنْجادِ طُغْرِلبِك.
واضْطَربَ أمْرُ بَغْدَاد اضْطِرَابًا شَدِيْدًا، وأرْجَفَ المُرْجِفُونَ باقْتراب البَسَاسِيرِيّ، فبَطُلَ عَزمُ الكُنْدُرِيّ على المسير، فهمَّتْ خَاتُون بالقَبْضِ عليهِ وعلى ابْنِها لتركِهما مُسَاعَدَتَها على إنْجادِ زَوْجها، ففَرَّا إلي الجانب الغَرْبيّ من بَغْدَاد، وقَطَعا الجِسْر وراءهمُا. وانْتُهِبَتْ دَاراهمُا، واسْتَولَى منْ كان مع خَاتُون من الغُزِّ على ما تضمَّنَتَا من العَيْن والثِّيَابِ والسِّلاح، وغير ذلك منٍ صُنُوف الأمْوَال، ونَفَذَتْ خَاتُونُ بمَنْ ضَوَى إليها، وهم جُمْهُور العَسْكَر، مُتَوَجِّهةً نحو هَمَذَان، وخَرَجَ الكُنْدُرِيّ وأَنَوشَرْوَان يَؤُمَّان طَريْقَ الأهْوَاز.
فلمَّا كان يَوْم الجُمُعَة السَّادِس من ذِي القَعْدَة، تحَقَّق النَّاسُ كَوْنَ البَسَاسِيرِيّ بالأنْبَار، ونَهِضْنا (a) إلى صَلَاة الجُمَعَة بجَامِع المَنْصُور فلم يَحْضُر الإمامُ، وأَذَّنَ المُؤذِّنونَ بالظُّهْرِ، ثُمَّ نَزَلُوا من المئْذَنَة، فأخْبَروا أنَّهم رأوا عَسْكَرًا للبَسَاسِيْرِيّ حِذَاءَ شَارع دار الرَّقِيْق، فبَادَرْتُ إلى أبْوَاب الجَامع، فرأيتُ من الأتْراك البَغْدَاديَّينَ أصْحَاب البَسَاسِيرِيّ نَفَرًا يَسِيْرًا يُسَكّنُونَ النَّاس، ونَفَذُوا إلى الكَرْخ، فصَلَّى النَّاسُ في هذا اليَوْم بجَامع المنصُور ظُهْرًا أَرْبَعًا من غير خُطْبَةٍ.
ثمّ وَرَدَ من الغَدِ - وهو يَوْم السَّبْت - نحو مائتى فارس من عَسْكَر البَسَاسِيرِيّ.
ثُمَّ دَخَل البَسَاسِيرِيُّ بَغْدَادَ يَوْم الأَحَد ثامن ذي القَعْدَة، ومعَهُ الرَّايَاتُ المِصْرِيَّة، فضَرَبَ مَضَارِبَهُ على شَاطِئ دِجْلَةَ، ونَزَل هُناك والعَسْكَر معه، وأجْمعَ (b) أهْلُ الكَرْخ والعَوَامّ من أهْلِ الجانب الغَرْبيّ على مُضَافَرة البَسَاسِيرِيّ، وكان قد جَمَع العَيَّارين
стр. 1630
وأهل الرّسَاتِيْق وكافَّة الدُّعَّار (a) وأطْمَعَهُم في نَهْب دَار الخِلَافَة، والنَّاسُ إذ ذاك في ضُرٍّ وجَهْد؛ قد تَوَالت عليهم سُنُونَ مُجْدِبَةٌ، والأسْعار غاليةٌ، والأقْوَاتُ عَزِيزةٌ، وأقامَ البَسَاسِيرِيّ بمَوضِعه، والقِتَالُ في كُمّا يَوْم يَجْري بين الفَرِيقَيْن في السُّفُن بدِجْلَة.
فمَّا كان يَوْمُ الجُمُعَة الثَّالث عَشر مِن ذي القَعْدَة، دُيِ لصَاحِب مِصْر في الخُطْبَة بجامع المنصُور، وزِيْد في الأذان: حَيَّ على خَيْر العَمَل، وشَرَع البَسَاسِيرِيُّ في إصْلَاح الجِسْر، فعَقَدَهُ بباب الطَّاق، وعَبَرَ عَسْكَرُه عليه، وأنْزَله بالزَّاهِر. وكَفَّ النَّاسُ عن المُحَارَبةِ أيَّامًا.
وحَضَرِتُ الجُمُعَة يَوْم العشرينَ من ذي القَعْدَة، فدُعِيَ لصَاحِب مِصْر فِي جامعِ الرُّصَافة، كما دُعِيَ له في جامع المَنْصُور، وخَنْدَق الخلَيفَة حَوْل دَاره ونَهْر المُعَلَّى خَنادِقَ، وأصْلَح ما اسْتَرَمَّ من سُور الدَّار.
فلمّا كان يَوْم الأَحَد لليْلَتَيْن بَقِيَتا من ذي القَعْدَة حَشَر البَسَاسِيرِيُّ أهْلَ الجانب الغَربيّ عُومًا، وأهْل الكَرْخ خُصُوصًا، ونهَضَ بهم إلى حَرْبِ الخلَيفَةِ، فتَحَاربُوا يَوْميْن، قُتِلَ بينهما قَتْلَى كَثِيْرة.
واسْتَهَلَّ هِلالُ ذِي الحِجَّةِ، فدلفَ البَسَاسِيرِيُّ في يَوْم الثّلاثَاء ومَن معه نحو دَار الخِلَافَة، وأضْرَمَ النَّارَ في الأسْوَاق بنَهْر مُعَلَّى وما يليه، ولم يكُن بقِيَ في الجانب الغَرْبيّ إلَّا نَفَرٌ ذو عَدَد، وعَبَر الخلقُ للانْتَهابِ، وأحاطُوا بدار الخِلَافَة، فنُهِبَ ما لا يُقَدَّر قَدْرُهُ، ووجَّهَ الخلَيفَة إلى قُرَيْش بن بَدْرَان البَدَوِيّ العُقَيْلِيّ، وكان ضَافَرِ البَسَاسِيرِيَّ، وأقْبَلَ معه، فأذَمَّ (١) قُرَيْشٌ الخلِيفَة في نفسه، ولَقِيَهُ قُرَيْشٌ فقبَّل الأرْض بينَ يَدَيْهِ دَفْعَات، وخَرَج الخلَيفَةُ معهُ من الدَّار راكبًا، وبينَ يَدَيْهِ رَايَةٌ سَوْداءُ، وعلى الخلَيفَة قَبَاءٌ أسْودُ وسَيْفُ ومِنْطَقة، وعلى رأسهِ عِمَامَةٌ تحتها قَلَنْسُوَةُ،
стр. 1631
والأتْراكُ في أعْرَاضه، وبينَ يَدَيْهِ، وضَرَبَ قُرَيْشٌ لخَلِيفَة خَيْمَةً إزَاءَ بيتِه بالجانب الشَّرْقيّ، فدَخَلها الخَلِيفَةُ، وأحْدَقَ بها خَدَمُهُ. ومَاشَى البَسَاسِيرِيّ وَزِيَر الخَلِيفَة أبا القَاسِم ابن المُسْلِمَة ويَدُ البَسَاسِيرِيّ قَابضَةٌ على كُمِّ الوَزِير، وقُبضَ على قاضِي القُضَاةِ أبي عَبْدِ اللّه الدَّامَغَانِيِّ وجَمَاعَةٍ معه وحُمِلوا إلى الحَريْم الطَّاهِريّ، وقُيِّدَ الوَزِيرُ وقاضِي القُضَاةِ.
فلمَّا كان يَوْم الجُمُعَة الرَّابِع من ذِي الحِجَّة لم يُخْطَبْ بجامع الخَلِيفَة، وخُطِبَ في سَائر الجَوَامع لصَاحِب مِصْرَ، وفي هذا اليَوم انْقَطَعَتْ دَعْوَة الخلَيفَةِ من بَغْدَاد، ولمَّا كان يَوْم الأرْبَعَاءِ تَاسِعُ ذِي الحِجَّة، وهو يوْمِ عَرَفَة، أُخْرِجَ الخَلِيفَةُ من المَوضع الّذي كان بهِ، وحُمِلَ إلى الأنْبَار، ومنها إلى حَدِيثَة عَانَة على الفُرَات، فُحبِسَ هناك، وكان صَاحِب الحَدِيْثة والمُتَوَلِّي خِدْمَة الخلَيفَة بنَفْسه هناك مُهَارِش البَدَوِيّ، وحُكِيَ عنه حُسْن الطَريْقَة، وجَمِيل المُعْتَقَد.
فلمَّا كان يَوْمَ الاثْنَين الثَّامن والعشرين (a) من ذي الحجة شُهِرَ الوَزِير على جَمَلٍ، وطِيْفَ بهِ فِي مَحَالِّ الجانب الغَرْبيّ، ثمّ صُلِبَ حيًّا بباب خُرَاسَانَ إزَاءَ التُّرَب، وجُعِلَ في فَكَّيْهِ كَلُّوْبَان من الحَدِيْد، وعُلِّق على جِذْعٍ، فماتَ بعد صَلَاة العَصْر من هذا اليوم، وأُطْلِقَ قاضِي القُضَاة أَبو عَبْد اللّه الدَّامَغَانِيّ بمالٍ قُرِّرَ عليه.
وخَرَجْتُ من بَغْدَاد يَوْم النِّصْف من صَحفَر سَنَة إحْدَى وخَمْسِين، فلم يَزَل الخَلِيفَة في مَحْبَسِه بحَدِيْثَةِ عَانَة إلى أنْ ظَفَر طُغْرِلبِك بأخيهِ إبْراهيم وقَتلَهُ، ثمّ كاتَبَ قُرَيْشًا في إطْلَاق الخَلِيفَة وإِعَادته إلى دَاره، وذُكِرَ لنا أنَّ البَسَاسِيرِيَّ عَزَم على ذلك لمَّا بَلَغَهُ أنَّ طُغْرِلبِك مُتَوجِّهٌ إلى العِرَاق، وأطْلَعَ البَسَاسِيرِيّ أبا مَنْصُور عَبْد المَلِك بن مُحَمَّد بن يُوسُف على ذلك، وجَعَلَهُ السَّفِيرَ بينه وبين الخلَيفَة فيه، وشَرَطَ أنْ يَضْمَنَ الخلَيفَة للبَسَاسِيْرِيّ صَرْفَ طُغْرِلبِك عن وَجْهه.
стр. 1632
وأَحْسَبُ أنَّ طُغْرِلبِك كاتَبَ مُهَارِشًا في أمْر الخَلِيفَة، فأخْرجَهُ من مَحْبَسِه، وعَبَر بهِ الفُرَات، وسار به في البِرَّيَّةِ قَصْدَ تَكْرِيت في نَفَرٍ من بني عَمّه، وأغَذَّ السَّيرَ حتَّى وَصَل به إلى دِجْلَةَ، ثمّ عَبَر بهِ وسَار في صُحبَتِه قَصْدَ الجَبَل، وقد بَلَغَهُ أنَّ طُغْرِلبِك بشَهْرَزُور، فلمَّا قِطَعَ أكثر الطَّريق عُرِّفَ (a) أنَّ طُغْرِلبِك (b) قد حَصَلَ ببَغْدَاد، فعاد سَائرًا حتَّى وَصَل إلى النَّهْرَوَان، فأقام بالخَلِيفَة (c) هناك، ووجَّهَ إليه طُغْرِلبِك مَضَارِبَ ورحْلًا (d) وأثاثًا، ثمّ خَرَج لتلقِّيْهِ.
فانْتَهى إلينا ونحنُ بدِمَشْق في يَوْم عِيْد الأضْحَى من سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وأرْبَعِمائة أنَّ الخَلِيفَة تَخَلَّص من مَحْبَسِه، وانْتَهى إلينا لسَبعْ بَقِينَ من ذِي الحِجَّة خَبَرُ حُصُوله ببَغْدَاد في دَاره.
وكَتَبَ إليَّ (١) من بَغْدَاد مَنْ ذَكَرَ أنَّ الخَلِيفَة حَصَل في دَاره في يَوْم الخامس والعشرين من ذي القَعْدَة.
وأسْرَى طُغْرِلبِك إلى البَسَاسِيرِيّ عَسْكَرًا من الغُزّ وهو في بَلَدِ ابن مَزْيَد بسِقْي الفُرَات، فحاربوه إلى أنْ ظُفِرَ به، وقُتِلَ وحُمِلَ رأسُه إلى بَغْدَاد، فطِيْفَ به، وعُلّقَ إزاءَ دار الخِلَافَة في اليَوْم الخامِس عَشر من ذِي الحِجَّة سَنَة إحْدَى وخَمْسِين (٢).
стр. 1633
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبِه تَوفيقي
ذكَرَ أبو الوَفَاء الأَخْسِيْكَثِيّ (a) في تَارِيْخهِ، وحَكَاهُ عن الأدِيْب أبي العبَّاس أحْمَد بن عليّ بن بَابَه القَاشِيّ (١) في ذِكْرِ أبي الحَارِث أَرَسْلَان التُّرْكِيّ البَسَاسِيرِيّ، قال: هو مَنْسُوبٌ إلى بَسَا مَدِينَة بفارس، والعَرَب تقُولُ: فَسَا، ويَنْسُبُونَ إليها فَسَويّ، وأهل فارس يَنْسُبون إليها البَسَاسِيرِيّ، وكان مَوْلاهُ رَجُلًا من أهْلِ بَسَا، فنُسِبَ الغُلَامُ إليه واشْتَهرَ بهذه النِّسْبَةِ.
قَرأتُ بخَطِّ العِمَادِ الكَاتِب أبي حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد الأصْبَهَانيّ في سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وأرْبَعِمائة (٢): وقُتِلَ في هذه السَّنَة البَسَاسِيريّ، فإنَّ السُّلْطان سيَّر أَنَوشَرْوان، وأزذم (b)، وسَاوتِكِيْن الخَادِم، وانْضَافَ إليهم سَرَايَا بن مَنيع الخفَاجِيّ، فقصَدُوا نُوْر الدَّوْلَةِ دُبَيْسًا، والبَسَاسِيرِيّ عنده، فمضَى نُوْر الدَّوْلَة ووقفَ البَسَاسِيِريّ في جَمَاعَةٍ ووقعَت في فَرَس البَسَاسِيرِيّ نُشُّابَة فاجْتَهَدَ في قَطْع تِجْفَافِهَا (٣)، ورمَتْهُ فَرَسُهُ، ووقَعَ في وَجْهِهِ ضَرْبَةٌ، وأسَرَهُ كُمُشْتُكِيْن دَوَاتِيُّ عَمِيْدِ المُلْك، وحَزَّ رأسَهُ، وحَمَلَهُ إلى السُّلْطان.
стр. 1634
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: دَفَعَ إليَّ أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن الحُسَين اليَزْدِيُّ الفَقِيه جُزءًا في آخره بخَطِّ مَحْمُود بن الفَضْل بن أبي نَصْر الأصْبَهَانِيِّ دُعَاءُ الإمَام القَائِم بأمْرِ اللّه أَمِير المُؤمِنِين ﵁، لمَّا أخَذَهُ البَسَاسِيرِيُّ وحَمَلَهُ إلى الحَدِيْثةِ، وهو في السِّجْن، فعَمِلَ هذا الدُّعَاءَ، وسَلَّمَهُ إلى بَدَوِيّ، وأمَرَه أنْ يُعَلِّقه على الكَعْبَةِ: إلى اللّهِ العَظِيم، من عَبدكَ المِسْكِين، اللَّهُمَّ إنّكَ العَالِم بالسَّرَائر، والمُحِيْط بمَكْنُوناتِ الضَّمَائِر، اللَّهُمَّ إنِّي (a) غَني بعِلْمكَ واطِّلاعكَ على أُمُور خَلْقك عن إعْلَامي بما أنا فيه، عَبْدٌ من عَبِيْدكَ قد كَفَر بنعْمَتكَ وما شَكَرَها، وألْقَى العَوَاقِبَ وما ذَكَرها، أطْغَاهُ حلمُكَ، وتَجبَّر بأنَاتك، حتَّىَ تَعَدَّى علينا بَغْيًا، وأسَاءَ إلينا عتُوًّا وعُدْوَانًا.
اللَّهُمَّ قَلَّ النَّاصِرونَ لنا، واعْتَزَّ الظَّالَم، وأنْتَ المُطَّلعُ العَالِم، والمُنْصِفُ الحَاكِم، بكَ نَعْتَزُّ عليهِ، وإليكَ نَهْرُب بينَ يَدَيْهِ، فقد تعزَّز علينا بالمَخْلُوقِيْن ونحنُ نَعْتَزُّ بكَ يا رَبَّ العالَمِين.
اللَّهُمَّ إنَّا حَاكَمْناهُ إليكَ، وتوَكَّلْنا - في إنْصَافنا منه - عليْكَ، وقد رَفَعْتُ ظلَامَتي إلى حَرَمِكَ، ووَثِقْتُ في كَشْفها بكَرَمِكَ، فاحْكُم بيني وبينَهُ، وأنْتَ خَيْرُ الحَاكِمين، وأَرِنَا منهُ ما نَرْتَجِيْهِ، فقد أخَذَتْهُ العِزَّةُ بالإثْم.
اللَّهُمَّ فاسْلُبْهُ عِزَّهُ، ومَكِّنَّا بقُدْرتِكَ من ناصِيَتهِ يا أرْحَم الرَّاحِميْن.
فحَمَلَها البَدَوِيّ وعُلِّقت على الكَعْبَة، فحُسِبَ ذلك اليوم، فوُجِدَ أنَّ البَسَاسِيرِيّ قُتِلَ وجِيء برأسِهِ بعد سَبْعة أيَّامٍ من التَّاريخ.
стр. 1635
نَقَلْتُ من كتاب الرَّبْيع، تأليفُ غَرْس النِّعْمَة مُحَمَّد بن هِّلِل بن المُحَسِّن بن الصَّابِئ، وأنْبَأنَا به عَبْد اللَّطِيْف بن يُوسُف، عن أبي الفَتْح بن البَطِّيّ، قال: أنْبَأنَا أبو عَبْد اللّه الحُمَيْدِيِّ عنه، قال: حَدَّثَنَى المَسْعُود بن أبي المَعَالِي الفَضْل، وكان أحَد حُجَّاب البَسَاسِيرِيّ، في المُحَرَّم من سَنَة اثْنَتَيْن وخَمْسِين وأرْبَعِمائة بالرَّحْبَةِ، وقد خَرَجْتُ إليها خَوْفًا من جَرِيرَهَ فِعْل البَسَاسِرِيِّ بالقَائِم بأمْرِ الله، قال: رأيتُ في مَنامِي في ذِي الحِجَّة كأنَّ البَسَاسِيرِيِّ جالِسٌ (a) في دَارِه وأنا قائم على رأسه إذ دَخل عليه غُلَامان بثِيَاب حسَانٍ، فنَهَض إليهما وخَدَمهُما وقبَّل أيديهما وأرْجُلهما، وجَلَس بين أيديهما، فقالا له: يا هذا، قصدْتَ البَصْرَة فعَضَدناكَ، والأنْبَار فأعَنَّاك، وسِنْجَارَ فسَاعَدْناكَ، والمَوْصِل فقَوَّيْناك، وبَغْدَاد فنَصَرْنَاكَ، وقالا بأيديهما يَضُمَّانها ويَبْسُطَانها ما مَعْناه: فما آخر ذاك، وإلى مَتِى؟ يُكَرِّرانه دَفْعات، فاسْتَطْرف ذاكَ. وجَاءَ خَبَره بعد أيَّامٍ إلى الرَّحْبَة بقَتْلِه وزَوَال أمْره.
قَرأتُ بخَطِّ أبي مَنْصُور أسْبَهْدُوسْت بن مُحَمَّد بن أَسْفَار الدَّيْلَمِيّ في دِيْوان شِعْره يَرْثِي أبا الحَارِث البَسَاسِيرِيّ: [من الكامل]
أَقْسَمْتُ بَعْدَكَ لا أقُولُ مَدِيْحا … حتَّى أُصَابحَ في التُّراب صَفِيْحَا
كلَّا ولا صَاحبْتُ غَيركَ صَاحِبًا … إلَّا الأسَى والحُزْنَ والتَّبْرِيْحَا
الصَّبْرُ يحْسُنُ عندَ كُلِّ مُصِيْبَةٍ … وأراهُ بَعْدَكَ - لا أجَلُّ - قَبِيْحَا
لهفي على دَمِكَ العَزِيزِ وقد غَدَا … فَوْقَ التُّرابِ مُضَيَّعًا مَسْفُوْحَا
إنْ كنْتَ لم تَسْكُنْ ضَرِيْحًا فالحَشَا … منِّي لذِكْرِكَ لا يَزَالُ ضَرِيْحَا
ولقَد عَلِمْنا إذ طُرِحْتَ على الثَّرَى … أنَّ النَّدَى أمْسىَ هُنَاكَ طَرِيْحَا
стр. 1636
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ أزْهَر
أزْهَر
كان مع عليٍّ ﵁ بصِفِّيْن، ثمّ صَارَ بها مع مُعاوِيَةَ ﵀. له ذِكْرٌ في وَقْعَة صِفِّيْن، ذَكَرهُ المَدَائِنيّ.
أزْهَرُ الكُوْفيُّ (١)
بَيَّاع الخَمْر، كان بخُنَاصِرَة من إقْليِمِ الأحَصّ من عَمَل حَلَب، ورأى بها عُمَر بن عَبْد العَزِيْز ﵀، وسَمِعَ خُطْبتَهُ. روى عنهُ إِدْرِيس بن يَزِيد الأوْدِيّ الكُوْفيّ.
أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد البَغْدَاديّ، عن أبي غَالِب بن البَنَّاءِ، عن أبي مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر بن حَيَّوْيَه، قال: أخْبَرَنا سُليْمان بن أَيُّوب الجلَّاب، قال: حَدَّثَنَا الحارِثُ بن أبي أُسامَة، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَعْد (٢)، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ اللّه بن إِدْرِيس، قال: سَمِعْتُ أبي ذَكَرَ عن أزْهَر - صَاحِب كان له - قال: رأيْتُ عُمَر بن عَبْد العَزَيْز بخُنَاصِرَة يَخْطبُ النَّاسَ، وقَمِيْصُه مَرْقُوعٌ.
أخْبَرَنا أبو البَرَكَات الحَسَنُ بن مُحَمَّد، فيما أَذِنَ لَنا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم (٣)، قال: أنْبَأنَا أبو عليّ الحَدَّادُ، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحافِظُ (a)،
стр. 1637
قال: حَدَّثَنا أبو بَكْر عَبْدُ اللّه بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنا مُحَمَّد بن شِبْل، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن أبي شَيْبَةَ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن إِدْرِيس، عن أَبِيهِ، عن أزْهَر بيَّاعِ الخَمْر، قال: رأيْتُ عُمَر بن عَبْدِ العَزِيْز بخُنَاصِرَة يَخْطب النَّاسَ، عليه قَمِيْصٌ مَرْقُوعٌ.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ أُسامَة
أُسامَةُ بن الحَسَن بن عَبْدِ الله بن سَلْمَان (١)
سَمِعَ بأنْطَاكيَةَ أحْمَد بن الوَلِيد بن مُحَمَّد بن بُرْدٍ الأنْطَاكِيّ، وحَدَّثَ عنهُ، وعن عَبْد اللّه بن أَحْمَد العَدَوِيّ، وعليّ بن مَعْبَد بن نُوح البَغْدَاديّ. رَوَى عنهُ أبو الطَّيِّب العبَّاس بن أحْمَد الشَّافِعيّ.
أنْبَأنَا زَيْن الأُمَناءَ أبو البَرَكَات بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبرَنا عَمِّي أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)، قال: أخْبَرَتَنْا أمَةُ العَزِيز شُكْر (a) ابنَةُ أبي الفَرَج سَهْل بن بِشْر الإسْفَرَاينيّ، قالت: أخْبَرَنا أبي، وأبو نَصْر أحْمَد بن مُحَمَّد بن سَعيد الطُّرَيْثِيثِيّ (b)، قالا: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن الحُسَين بن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِيّ البَزَّاز، المَعْرُوفُ بابنِ الطَّفَّال، بمِصْرَ، قال: أخْبَرَنا أبو الطَّيِّب العبَّاس بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل المَعْرُوف بالشَّافِعيّ، قال: حَدَّثَنا أُسامَةُ بن الحَسَن بن عَبْد اللّه بن سَلْمَان بعِرْقَة، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن مَعْبَد، قال: حَدَّثَنَا شُجَاعَ بن الوَلِيدِ، قال: حَدَّثَنا حِمْيَرُ بن الكِنْدِيّ، عن زِيَاد بن أبي زِيَاد، عن أبي هُرَيْرَة، قال: قال رسُول اللّه ﷺ (٣): منْ حَفظ على أُمَّتِي أرْبعيْن حَدِيثًا من أَمْر دِيْنها بَعَثَهُ اللّهُ يَوْم القِيامَةِ فَقِيهًا عَالمًا.
стр. 1638
أُسامَةُ بن مُرشِد بن عليّ بن مُقَلَّد بن نَصر بن مُنْقِذ بن مُحَمَّد بن مُنْقِذ بن نَصْر بن هاشِم بن سَرَّار (a) بن زِيَاد بن زُغَيْب (b) بن مَكْحُول بن عَمْرو بن الحارِثِ بن عمرو بن مَالِك بن أبي مَالِك بن عَوْف بن كِنَانَة بن بَكْر بن عُذرَة بن زَيد اللَّات بن رُفيدَة بن ثَوْر بن كَلب بن وَبْرَة بن تغلِب بن حُلْوَان بن عَمْرو بن الْحاف بن قُضاعَة بن مَالِك بن حِمْيَر بن مُرَّةَ بن زيد بن مَالِك بن حِمْيَر بن سَبَأ بن يَشجُب بن يعرُب بن قَحطَان بن عَابَر بن أَرْفخشَذ بن سَام بن نُوح، أبو المُظَفَّر بن أبي سَلامَةَ بن أبي الحسَن بن أبي المُتوَّج الكِنَانِيّ الشَّيْزَرِيّ، المُلقَّب مُؤيَّد الدَّولَة (١)
وُلد بشَيْزَر ونَشَأ بها، وأخْرَجَهُ عَمُّه أبو العَسَاكِر سُلْطان بن عليّ خَوْفًا منهُ على نَفسه، لِمَا رَأى من شَجَاعته وإقدَامه، وقَدِمَ حلَبَ مِرَارًا مُتَعدِّدةً، وكان
стр. 1639
من الأُمُرَاء الفُضَلَاء، الأُدَبَاء الشُّعَراء، الشُّجْعَان الفُرْسَان، له مُصَنَّفاتُ عَدِيدةُ ومَجَامِيْعٌ مُفِيْدَة، ومَوَاقِفُ مَشهُورة، ووَقَائِع مَذْكُورَة، وفَضَائِل مَسْطُورة.
رَوَى عن أبي الحَسَن عليّ بن سَالِم بن الأَغرّ بن عليّ السِّنْبِسِيّ، وابنِهِ كَامِل بن عليّ، ومُؤَدِّبهِ أبي عَبْد اللّه مُحَمَّد بن يُوسُف بن المُنيِرة الكَفْرطَابِيِّ، ووالدِه أبي سَلامَة مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ، وأبي عَبْد اللّه مُحَمَّد بن شَافِع بن الحُسَين بن العَرار، سَمِعَهُم بَصَر، وأبي بَكْر مُحَمَّد بن نَحْلَد بن عَبْد اللّه بن مَخْلَد التَّيْمِيّ الإشْبِيلِيّ، سَمِعهُ بمِصْر، والخَطِيب يَحْيَى بن سَلامَة الحَصْكَفِيّ سَمعَهُ بميافارقِين، وابي هاشِم مُحَمَّد بن أبي مُحَمّد بن مُحَمَّد بن ظفر، سَمِعه بحَمَاة، وأبي القَاسِم عَبْد المَلِك بن زيْد بن يَاسِيْن الدَّوْلَيِّ خَطِيب دِمَشْق، سَمِعَهُ بدِمَشْق، وآخرين غيرهم، ورَوَى بالإجَازَة عن أبي الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن قُبَيْس الغَسَّانِيّ.
رَوَى عنهُ الحافِظان أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَة اللّه الدِّمَشقِيّ، وأبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، وعِمَاد الدِّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامد الأصْبَهَانِيّ الكاتِب، وعَبْدُ السَّلام بن يُوسُف الدِّمَشقِيّ، وأبو البَرَكاتِ مُحَمَّد بن مُحمَّد بن عليّ قاضي أَسْيُوط، والشَّريفُ أبو القَاسمِ عَبْد اللّه بن عليّ بن زُهْرَة الحلَبِيّ، ووَلده العَضُد مُرْهَف بن أُسامَة بن مُنْقِذ، وجَمَاعَة غيرهم.
رَوَى لنا عنْهُ أبو إسْحَاق إبراهيم بن شَاكِر بن عَبْد اللّه بن سُلَيمان، وأبو الحَسَن مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر بن عليّ القُرْطُبِيّ، وأبو مُحَمَّد عَبْد اللّه بن عُمَر بن عليّ الحُمَوِيّ (١)، والحَكِيم أبو القَاسِم هِبَةُ اللّهِ بن صدَقَة الكَوْلَمِيّ، وأبو عَبْد اللّه مُحَمَّدُ بن
стр. 1640
عَبْد الكَافِي بن عليّ الرَّبَعِيِّ، وأبو عليّ الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن إسماعِيْل القِيْلَويُّ، وأبو المَعَالِي مُحَمَّد بن الحُسين بن أَسْعَد بن العَجَمِيّ.
أخْبَرَنا القَاضِي بَهَاء الدِّين أبو إسْحَاق إبْراهيم بن أبي اليُسْر شَاكِر بنُ عَبْدِ اللّه بن مُحَمَّد بن عَبْدِ اللّه بن سُلَيمان التَّنُوخِيّ، قِراءَةً عليهِ بدَارِهِ بدِمَشْقَ، والشَّيْخ تَاج الدِّين أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ القُرْطُبي الدِّمَشقيُّ بها، وشَمْس الدِّين أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عَبْد الكافي بن عليّ الرَّبَعِيِّ، قاضي حِمْص بحَلَبَ وبدِمَشْق، وأبو القَاسِمِ هِبَةُ اللّه بنُ صَدَقَة بن عَبْدِ الله الكَوْلَميِّ بالقَصْر الغَرْبيّ بالقَاهِرَة، قالوا: أخْبَرَنا مُؤيّدُ الدَّوْلَة أبو المُظَفَّر أُسامَةُ بن مرشِد بن عليّ بن مُنْقِذ الكِنَانِيُّ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ أبو الحَسَن عليّ بن سَالِم بن الأَغَرّ بن عليّ السِّنْبِسِيِّ بثَغْر شَيْزَر سَنَة تِسْعٍ وتِسْعِين وأرْبَعِمائة، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخ أبو صالح مُحَمَّد بنُ المُهَذَّب بن عليّ، قال: حَدَّثَنا جَدِّي أبو الحُسَين عليّ بن المُهَذَّب بن أبي حَامِد، قال: حَدَّثَنَا أبو حَامِد بن هَمَّام، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سُلَيم القُبْرُسِيّ، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيمُ بن هُدْبَةَ، عن أنسَ بن مَالكٍ (١)، قال: قال رسُول اللّه ﷺ : ألَا من بَكى على ذَنْب في الدنْيا حتَّى تَسِيْل الدُّمُوع على حُرّ وَجْهه، حرَّم اللّهُ دِيباجَ وجْهِهِ على جَهَنَّم.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ الإمام، قال: أُسامَةُ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُقَلَّد بن نَصْر بن مُنْقِذ الشَّيْزَرِيّ، أبو المُظَفَّر المَعْرُوف بمُؤيَّد الدَّوْلَة من أهْل شَيْزر؛ قلعَة بالشَّام من الثَّغْر، أميرٌ فَاضِلٌ غزيرُ الفَضْل، وَافِر العَقْل، حَسَنُ التَّدْبِير، مَلِيْح التَّصَانيف، عَارِف باللُّغَة والأدَب، مُجَوِّدٌ في صَنْعَة
стр. 1641
الشِّعْر، من بيتِ الإمَارَة والفُرُوسِيَّة واللُّغَة، سَكَنَ دِمَشْقَ، لَقِيتُه بالفوَّارِ بِظَاهِر دِمَشْق بحَورِان (a)، واجْتَمَعْتُ معَهُ بدِمَشْقَ عدَّة نُوبٍ، وكان مَلِيْح المُجَالَسَة، حَسَن المُحَاورةِ، كَثِيْر المحفُوظ؛ كان يقول لي: كُنْتُ أحْفَظُ أكْثر من عِشْرين ألفَ بَيْتٍ من شِعْر الجاهِلِيَّةِ. علَّقتُ عنه من شعْره شيئًا، وقال لي: دَخَلْتُ بَغْدَاد وَقْتَ مُحَارَبةِ دُبيسٍ بن صَدَقَة مع المُسْترشِدِ باللَّه، قال: ونَزَلْتُ الجانِب الغَرْبيَّ عنده باب البَصْرَة وما عبرْتُ إلى شرْقيِّها، سَألتُهُ - أعْني أبا المُظَفَّر - عن مَوْلدِه، فقال: وُلدْتُ في سَنَة سَبعٍ - أو ثَمانٍ - وثمانين وأرْبَعِمائةٍ؛ أنا الشَّاكُّ.
أخْبَرَنا زَيْن الأُمَناء أبو البَرَكَات الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن فيما أَذنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بنُ الحَسَن (١)، قال: أُسامَةُ بن مُرْشِد بن عليّ بن المُقَلَّد بن نَصْر بن مُنْقِذ بن مُحَمَّد بن مُنْقِذ (b) بن نَصْر بن هاشِم أبو المُظَفَّر الكِنَانِيّ المُلَقَّبُ بمُؤيَّد الدَّوْلَة، لهُ يَد بيضاءُ في الأدَب والكتابةِ والشِّعْر. ذَكَرَ لي أنَّهُ وُلد سَنَة ثمانٍ وثمانين وأرْبَعِمائة، وقَدِمَ دِمَشْقَ سَنَة اثْنَتَيْن وثَلاثين وخَمْسِمائَة، وخَدَمَ بها السُّلْطان، وقَرُبَ منهُ، وكان شُجَاعًا فَارِسًا، ثمّ خرَجَ إلى مِصرَ، فأقام بها مُدَّةً، ثمّ رجَع إلى الشَّام، وسَكَن حَمَاةَ، واجْتَمَعْتُ به بدِمشْق، وأنْشَدَني قَصَائِد من شِعْره سنة ثمانٍ وخَمْسِين وخَمْسِمائَة.
قَرأتُ بخَطِّ مُؤيَّد الدَّوْلَة أُسامَة في كتابه المَوْسُوم بأزْهَار الأنْهَار (٢)، وقد أجازَ رِوَايتَهُ مع غيره لِجَمَاعَةٍ أجَازُوا لنا ذلك عنه، منهم: الشَّيْخ أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن
стр. 1642
عَبْد اللّه بن عُلْوَان (a)، قال: وممَّا يَخُصُّني من غَرَائِب اللَّبَن أنني حين وُلدْتُ الْتُمِسَ لي مَنْ يُرْضعُنيّ، فقدَّر اللّه سُبْحَانَهُ الرِّزْق من امْرأةٍ كبيرة قد نيفَتْ عن السِّتِّين سَنَةً، ليسَ لها وَلدٌ صغيرٌ، فدَرَّتْ عليَّ وأرْضَعَتْني إلى حين فُطِمْتُ، وعاشَتْ بعد فطَامِي نَحْوًا من خَمْس عَشْرة سَنَةً وكانت رَحمها اللّهُ مَتَى عَصَرت ثَدْيَها طار منه اللَّبَنُ كأنَّها مُرْضِعَة.
أنبأنَا الحَسَن بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد (١)، قال: قال لي أبو عَبْدِ اللّه مُحَمَّد بن المحسِّن (b) بن الملحِيُّ: الأَمِير مُؤيد الدَّوْلَة أُسامَةُ بن مُرْشِد بن مُنْقِذ، شَاعرُ أهْل الدَّهْر، مَالكُ عِنَان النَّظْمِ والنَّثْرِ، مُتَصَرِّف في مَعَانيهِ، لاحِقٌ بطَبَقَة أبيهِ، ليس يستَقْصَى وَصْحفُه بمعَانٍ، ولا يُعَبَّرُ عن شَرحها بلِسَان، فقَصَائِده الطّوال لا يُفَرَّقُ بينها وبين شِعْر ابن الوَليد، ولا ينكَر على مُنْشِدها نِسْبَتَها إلى لَبِيْد، وهي على طَرف لِسَانهِ، بحُسْن بَيانه، غير مُحْتَفل في طُوْلها، ولا يتَعَثَّرُ لفْظهُ العالي في شيء من فُصُولها، والمُقَطَّعَاتُ فأحْلَى من الشُّهْدِ، وألَذُّ من النَّوْم بعد طُول السُّهْد (ح)، في كُلِّ معنىً غَرِيْب، وشَرْح عَجَيب.
قُلتُ: ولم يَذكر الحافِظ أبو القَاسِم في تَارِيْخهِ أحَدًا ممَّن تأخَّرتْ وفَاتهُ عن وفَاته غير أرْبَعَة أو خَمْسة، أبو المُظَفَّر أُسامَة بن مُنْقِذ هذا أحَدُهُم، وذلك لجلَالته عندَهُ، وعُلُوَّ مَنْزِلته.
أنْبَأنَا مُحَمَّد بن إسْماعِيْل بن عَبْد الجبَار بن أبي الحَجَّاج المِصْرِيّ، قال: أخْبَرَنا عِمَاد الدِّين أبو عَبْدِ اللّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الكاتِب الأصْبَهَانِيّ في كتاب خَرِيْدَة
стр. 1643
القَصْر وجَرِيْدَة العَصْر (١)، تأليفه، قال: أسامَة كاسْمِهِ؛ في قُوِّة نَثْره ونَظْمه، يَلُوح منِ كَلامِهِ أمَارَةُ الإمَارَة، ويُؤسِّس بَيْتَ قَرِيْضِهِ عِمَارَهُ العِبَارة، نُشِر له عَلَمُ العِلْم، ورَقِيَ سُلَّم السِّلْمِ، ولَزِمَ طَريق السَّلامَة، وتَنَكَّبَ سُبُلَ الملَالةِ (a) والمَلَامَة، واشْتَغَل بنَفْسه، ومُجَاوَرَة أبناء جِنْسِه، حُلْوُ المُجَالَسَة، حَالي المُسَاجَلَة، نَدِيّ النَّدَى بماءِ الفُكَاهَة، عَالِي النَّجْم في سَمَاءِ النَّبَاهَة، مُعْتَدِل التَّصَارِيْف، مَطْبُوع التَّصَانِيْف، أسْكَنَهُ عِشْقُ الغُوْطَة، دِمَشْقَ (b) المَغْبُوطَة، ثمّ نَبَتْ به كما تَنْبُو (c) الدَّارُ بالكَريْم، فانتقَلَ إلى مِصْر، فبَقي بها مُؤَمَّرًا مُشَارًا إليهِ بالتَّعْظِيم إلى أيَّام ابن رُزَّيْك، فعَادَ إلى الشَّامِ، وسَكَنَ دِمشْقَ مَخْصُوصًا بالاحْترَام (d)، حتَّى أُخِذَتْ شَيْزَرُ من أهْلِهِ، ورَشَقَهُم صَرْفُ الزَّمان بنَبْلهِ، ورَماهُ الحدَثَانُ إلى حِصْن كيْفَا مُقِيْمًا بها في وَلَدِه، مُؤْثِرًا بلَدَها على بَلَدِه، حتَّى أعادَ اللّهُ سَلْطَنَةَ (e) المَلِكِ النَّاصِر صَلاحِ الدِّين يُوسُفَ بن أيُّوب في سَنَة سَبْعِين، ولم يَزَلْ مَشْغُوفًا بذِكْره، مُسْتَهْتِرًا بإشَاعَة نَظْمِهِ ونَثْرِه، والأَمِيرُ العَضُدُ مُرْهَف وَلَدُ الأَمِير مُؤيَّد الدَّولَة جَلِيْسُه ونَدِيْمُهُ وأَنِيْسُه، فاسْتَدْعاهُ إلى دِمَشْقَ، وهو شَيْخٌ قد جاوزَ الثَّمانيْن.
وكُنْتُ قد طَالَعْتُ مُذَيَّل السَّمْعَانيّ، فوَجَدْتُه قد وَصَفَهُ وقرَّظَهُ، وأنْشَدَني العَامِرِيُّ له بأصْبَهَان من شِعْره ما حَفِظه، وكُنْتُ أتَمَنَّى أبَدًا لُقْيَاه، وأشِيْمُ على البُعْد حَيَاهُ (f)، وسَألتُه عن مَوْلدِه، فقال: يَوْمَ الأَحَد سَابِع عِشْرِيّ جُمَادَى الآخرة سَنَة ثَمانٍ وثمانين وأرْبَعِمائة.
стр. 1644
وقَرَأتُ في كتاب أُنْمُوذَج الأعْيَان (١) لعَبْد السَّلام بن يُوسُف الدِّمَشقيّ بخَطِّه، قال: الأَمِيرُ الأَوْحَدُ، العَالِمَ، مَجْد الدِّين، مُؤَيَّد الدَّوْلَة، أبو المُظَفَّر أُسامَة بن مُرْشِد بن عليّ بن مُقَلَّد بن نَصْر بن مُنْقِذ الشَّيْزَرِيّ الكِنَانِيّ، مُبَرِّزٌ في عِلْم الأدَب، عَرِيقٌ في النَّسَب، من بَيْت التَّقَدُّم والإمَارة، والسِّيَادَة في البَدَاوَة والحَضَارَة، مع عَقْل كَامِلٍ وَافِر، ورَأيٍ وَجْهُ العَوَاقِب عنده سَافِر، لم يَزَل مَوْصُوفًا بالإقْدَامِ والشَّجَاعَة، مَعْرُوفًا باللَّسَن وَالبَرَاعَة، لَقيتُه بدِمَشْق في شهر جُمَادَى الآخرة سَنَة إحْدَى وسَبْعِين وخَمْسِمائَة، وأخْبَرَني أنَّ مَوْلدَهُ في ثالث عِشْرِيّ جُمَادَى الآخرة، يَوْم الأَحَد، سَنَة ثمانٍ وثمانين وأرْبَعِمائة، وأنْشَدَني من نَظْمِهِ ما يُضَاهِي نِظَامَ اللَآلِيّ، ويكون قلَادةً في جِيْدِ الأيَّام واللَّيالِي.
قُلتُ: كان في الأصْل بخَطِّ عَبْد السَّلام بن يُوسُف سابعَ عَشْرِيّ جُمَادَى، ففَرَب بخَطِّه على سَابع وكَتَبَ فَوْقه: ثالث، والّذي يَظْهر لي أنَّ المَضْرُوب عليه هو الصَّحيح.
وقَرَأتُ في كتاب الاعْتِبَار تأليف أُسامَة بن مُرْشِد (٢): وُلدْتُ أنا وهو - يعني ابن عَمِّه سِنَان الدَّوْلَة شَبِيْب بن حَامِد بن حُمَيْد - في يَوْمٍ واحدٍ، يَوْم الأَحَد السَّابِع والعشرين من جُمَادَى الآخرة سَنَة ثَمانٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة.
أخْبرَني أبو المَعَالِي مُحَمَّد بن الحُسَين بن أَسْعَد بن عبد الرَّحْمن الحَلَبِيّ، قال: سَمِعْتُ أُسامَة بن مُرْشِد بن مُنْقِذ، مُؤَيَّد الدَّوْلَة، يَحْكي لنا بدِمَشْق أنَّ سَبَب إخْراج
стр. 1645
عَمِّه إيَّاه من شَيْزَر أنَّهُ قَتَلَ أسَدًا ضَارِيًا بنَاحِيَةِ شَيْزَر، فأخْرجَهُ عَمّه - يَعْني أبا العَسَاكِر سُلْطان بن عليّ - منها خَوْفًا على نَفْسه منه.
وقال لنا: جَاءَ الخَبَرُ إلى عَمِّي بأنَّ في بعض نَوَاحِي شَيْزَر أسَدًا ضَارِيًا قد آذَى النَّاس في طَريقهم، فتقَدَّم عمِّي إلى عَسْكَره كُلّهم أنْ يَرْكبُوا بُكرةَ الغَد من ذلك اليَوْم الّذي تَقَدَّم إليهم فيه للتَّأَهُّب للقاءِ الأسَد وقَتْلِهِ.
قال: فاسْتَدْعَيْتُ غُلَاميّ، وأمَرتُه بإسراج دَابَّتي وأخذ رُمْحي معه، وركبتُ أنا والغُلَام في اليَوْم الّذي أمر عمِّي بالتَّأهُّب له، وخَرَجتُ وغُلَامي معي حتَّى أتَيْتُ المَوضِع الّذي فيه الأسَد، فخَرَج الأسَد وحَمَل عليَّ فقاتلتُه وصَرَعْتُهُ، ونَزلتُ إليهِ فقَطَعْتُ رأسَهُ وناولتُه الغُلَام، وأمرتُه بتَسْمِيْطِهِ معه على الدَّابَّةِ الّتي تحته، ودَخَلْتُ شَيْزَر وبتُّ بها، فلمَّا أصْبَح الصَّبَاح، رَكِبَ عَمِّي وعَسْكَرَهُ، وخَرَجُوا يَطْلُبونَ الأسَدَ، فوَجَدُوا جُثَّتَهُ مَطْروحةً بلا رأسٍ، فعَجِبُوا من ذلك، وأنا ساكتٌ لا أتَكَلَّمُ.
قال: وتحدَّثَ غُلَامي مع الغِلْمَان بذلك فشَاع بينهم حتَّى عَلِمَ عمِّي به، فرجَعَ ودَخَل شَيْزَر، وصَعِدْنا على العَادَة إلى قَلْعَتها وبتْنا تلك اللَّيْلة، فقام عمِّي نصفَ اللّيْلِ وطَلَبنيّ، وأمَرَ مَنْ أسْرَج له مَرْكُوبًا، وأمَرَني بالرُّكُوب، وقال: أُريدُ أنْ تجيِء معي إلى مَوضعٍ سمَّاهُ خارج شَيْزَرَ في شُغْل، فرَكِبْتُ معه حتَّى أبْعَدَني عن شَيْزر، ثمّ قال لي: يا ابن أخيّ، شَيْزَر لك فَهَبْها ليّ، فوالله ما بَقِيْتُ أقْدِرُ على مُسَاكنَتكَ، ولم يأخُذني في هذه اللَّيْلة نَوْم من شِدَّة فِكْري فيك، إذا كان فعْلُك مع الأسَد هذا الفِعْل فأيْشٍ يكون معي لو سَوَّلَتْ لكَ نَفْسُك أنْ تَفْتِكَ بي؟ ومنذُ رَجَعْتُ إلى القَلْعَة ليسَ لي فِكْرٌ إلَّا فيكَ، ولم يأخُذْني نَوْمٌ في لَيْلتي هذه ولا قَرَارٌ إلى أنْ بادرتُ إلى إخْراجِكَ، فما أقْدر أنْ أُسَاكنكَ وأنْتَ على هذه الصِّفَةِ! قال:
стр. 1646
فامْتَثْلْتُ أمْرَهُ، ووَدَّعَني، وعاد إلى شَيْزَر؛ قال: فخَرَجْتُ منها، وأقمْتُ في مكانٍ سمَّاهُ لنا شَذَّ عنِّي اسْمُه.
قُلتُ: وإلى هذا أشَار أُسامَة (١) في قَوْله؛ وقد أسَنّ وأرْعشَتْ يَدُه، وكتَب خطًّا مُضْطَرب الحُرُوف: [من البسيط]
فاعْجَبْ لضَعْف يَدٍ (a) عن حَمْلها قَلَمًا … من بَعْد حَطْم القَنَا في لَبَّةِ الأسَد
أنْشَدَنا افْتِخار الدِّين أبو هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشمِيّ، قال: أنْشَدَنا تاج الإسْلَام أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، ح.
ثم أنْشَدَني تَاج الدِّين أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر أحْمَد بن عليّ الفَنَكِيّ بدِمَشْق، قالا: أنْشَدَنا أُسامَةُ بن مُرْشِد بن مُنْقِذ الشَّيْزَرِيّ لنَفْسِه (٢): [مجزوء الكامل المرفّل]
يا دَهْرُ ما لكَ لا يَصُدُّ … ك عن مَسَاءَتي (b) العِتَابُ
أمْرَضْتَ من أهْوَى ويَأ … بَى أنْ أُمَرِّضَهُ الحَجِابُ
لو كُنْتَ تُنْصِفُ كانت الأ … مْرَاضُ لي ولهُ الثَّوَابُ
قال العِمَاد أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الكَاتِبُ الأصْبَهَانِيّ، وقد أوْرَد لأُسامَة هذه الأبْيَات في خَرِيْدَة القَصْر (٣): قد قيل في مَرض الحَبِيْب كُلُّ
стр. 1647
مَعْنىً بِكْرٍ مُخْتَرعٍ بَديهٍ (a)، ومُبْتَدَعِ فِكْرٍ، إلَّا أنَّ هذه الأبْيَات لَطِيْفَة المَعْنَى، ظَريفة المَغْزَى (b)، مَقْصَدُهَا سُهَيْل، ومَوْردُها سَهْل، لو سَمِعَتها في البَادِيَةِ عُقَيْل لم يَثْبُتْ لها عَقْل، ولا شَكَّ أنَّ حَبِيْبتَهُ عند اسْتِنْشَاق هَوَائها فاز ببُرْءِ مُهْجَتِه وشِفَائها.
أنْشَدَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر بن عليّ القُرْطُبِيّ، قال: أنْشَدَني أبو المُظَفَّر أُسامَةُ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُقَلَّد بن مُنْقِذ الكِنَانِيّ لنَفْسِه (١): [من الطويل]
إذا الصَّبُّ أشْفَى من جَوَاهُ على شَفَا … أَتَى اليَأسُ ممَّا يرتَجي بشفَائهِ
وقد زَادَني يَأسِي سِقَامًا فكيفَ بالـ … ـشِّفَاءِ لصَبٍّ دَاؤُهُ في دَوَائِه
أنْشَدَني أبو عليّ حَسَنُ بن مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل النِّيْلِيُّ، قال: أنْشَدَنا مُؤيَّد الدَّوْلَة أُسامَةُ بن مُرْشِد بن مُنْقِذ لنَفْسِه في كتاب العَصَا (٢): [من مجزوء الرجز]
حَنَانيَ الدَّهْرُ وأبـ … ـلَتْني (c) اللَّيالِي والغِيَرْ
فَصِرْتُ كالقَوْسِ ومِنْ … عَصَايَ للقَوْسِ وَتَرْ
أَهْدِجُ في مَشْي وفي … خَطْوِي فُتُورٌ وقِصَرْ
كأنَّني مُقَيَّدٌ … وإنَّما القَيْدُ الكِبَرْ
والعُمْرُ مثْلُ الكَأسِ (d)، في … آخِرِهِ يَبْقَى (e) الكَدَرْ
أنْشَدَنا مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ بدِمَشْق، قال: أنْشَدَني أبو المُظَفَّر أُسامَة بن مُرْشِد بن مُنْقِذ لنَفْسِه في ضِرْس قَلَعَهُ (٣): [من السريع]
стр. 1648
وصَاحِبٍ صَاحَبَني في الصِّبَا … حتَّى تَرَدَّيْتُ ردَاءَ المَشِيْب
لم يَبْدُ لي ستِّيْنَ حَوْلًا ولا … بَلَوْتُ من أخْلَاقهِ ما يَرِيْب
أَفْسَدَهُ الدَّهْرُ ومَنْ ذَا الّذي … يُحَافِظُ العَهْدَ بظَهْر المَغِيْب
ثُمَّ افْتَرَقْنا لم أُصِبْ مِثْلَهُ … عُمْري ومثْلي أبدًا لا يُصِيْب
فأعْجَبْ لها من فُرْقةٍ باعَدَتْ … بين أَلِيفَيْن وكُلٌّ حَبِيْب
أنْشَدَني الحَكِيم أبو القَاسِم هِبَةُ الله بن صَدَقَة بن عَبْد الله الكَوْلَمِيُّ بالقَاهِرَة، قال: أنْشَدَنا مُؤيَّد الدَّوْلَة أُسامَةُ بن مُرْشِد بن مُنْقِذ لنَفْسِه بدِمَشْق في سَنَة أرْبَعٍ وثَمانين وخَمْسِمائَة في ضِرْسٍ قَلَعَهُ (١): [من مجزوء الرجز]
وَصَاحبٍ صَاحَبْتُهُ … ستِّينَ حَوْلًا ما رَأَيْتُهْ
حتَّى إذا عَاينْتُهُ … عَايَنْتُ منهُ ما أَبَيْتُهْ
والهَجْرُ فيه رَاحَةٌ … من كُلِّ مَصْحُوبٍ قلَيْتُهْ
وأنْشَدَنا الحَكِيم أبو القَاسِم المَذْكُور، قال: أنْشَدَنا مُؤيَّد الدَّوْلَة أُسامَة بن مُنْقِذ لنَفْسِه في مثْله (٢): [من البسيط]
وصَاحِبٍ لا تُمَلُّ (a) الدَّهْرَ صُحْبتُهُ … يَشْقَى لنَفْعِي ويَسْعَى سَعْيَ مُجْتَهِدِ
لَمْ أَلْقَهُ مُذْ تَصَاحَبْنا فحينَ بَدَا … لنَاظِرَيَّ افْتَرَقْنا فُرْقَةَ الأَبَدِ
стр. 1649
قال العمَاد الكَاتِب؛ وأوْرَدهما في الخَرِيْدَة (١): لو أنصَفْتَ فهْمَك إنْ كُنْتَ مُنْتَقِدًا، وتَرَقَّيْتَ (a) عن مَرْقَب وَهْمِكَ مُجْتَهدًا، وغُصْتَ بنَظَر فِكْركَ في بِحَار مَعَانيهِ، لَغَنِمْتَ من فَرَائد دُرَرهِ ولآليْهِ، ولعَلِمْتَ أنَّ الشِّعْر إذا لم يكن هكذا فلَغْوٌ، وأنَّهُ إذا لم يَبْلغُ هذا الحَدّ من الجَدِّ فهُجْرٌ ولَهْوٌ، ومَنْ الَّذي أَتَى في وَصْفِ السِّنِّ المَقْلُوع، بمِثْل هذا الفَنِّ المَطْبُوع، فَهَلْ سَبَقَهُ أحَدٌ إلى معناهُ؟ وهل في هذا النَّمَط سَاوَاهُ (b).
أنْشَدَنا أبو هاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الحَلَبِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ، ح.
وأنْشَدَنا مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ الفَنَكِيّ، قالا: أنْشَدَنا أبو المُظَفَّر أُسامَةُ بن مُرْشِد بن عليّ الكِنَانِيّ لنَفْسِه (٢): [من المنسرح]
لَمْ يَبْقَ لي في هَوَاكُمُ أرَبُ … سَلَوْتُكُم والقُلُوبُ تَنْقَلِبُ
أوْضَحْتُمُ لي سُبلَ (c) السُّلُوِّ وقد … كانَتْ لي الطُّرُقُ عنه تَنْشَعِبُ
إلَامَ دَمْعِي من هَجْركُم سَرِبٌ … قَانٍ (d) وقَلْبي من غَدْركُم يَجِبُ
إنْ كان هذا لأنْ تعبَّدَني الحُـ … ـبُّ فقد أعْتَقَتْنِي الرِّيَبُ
أحْبَبْتُكُم فَوْقَ ما تَوَهَّمَهُ الـ … ـخَلْقُ (e) وخُنْتُم أضْعَاف ما حَسَبُوا
أوْرَدَ أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد الكَاتِبُ هذه الأبْيَات في الخَرِيْدَة (٣)، وقال: تأمَّلْ مَعَانيَ هذه الأبْيَات (f)، بعَيْن التَّأنِّي والثَّبَات، تَعْرف أنَّ قَائلَها من ذَوِي الحَمِيَّة، والنُّفُوس الأبِيَّةِ، والهِمَم العَلِيَّةِ، وكُلَّ مَنْ يَمْلِكُه الهَوَى ويَسْتَرقُهُ، قَلَّما يُطْلِقُه
стр. 1650
السُّلُوُّ ويُعْتِقُه، إلَّا أنْ يكُونَ كبيرًا غلَب عَقْلُهُ هَوَاهُ، واسْتَهْجَنَ في الشَّهَوات المَذْمُومَة نَيْلَ مُنَاه، وقَوْلهُ: قد أعْتَقَتْنِي الرِّيَبُ، في غاية الجَوْدَة، ونِهايَة الكَمَال، أعْذَبُ من الزُّلَالِ، وأَطْيَبُ من الحَلَال (a)، وأَلْعَبُ بقُلُوب المُتَيَّمِيْن من نَسِيم الشَّمَال.
أنْشَدَنا شَيْخُ الشُّيُوخ تَاجُ الدِّين أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللهِ بن عُمَر بن عليّ بن حَمُّوْيَه، قال: أنْشَدَنا مُؤيَّد الدَّوْلَة أبو المُظَفَّر أُسامَةُ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُقَلَّد بن مُنْقِذ لنَفْسِهِ (١): [من الكامل]
أيا تَاجَ فُرْسَان الهَيَاجِ ومَنْ بهم … ثَبَتَتْ أوَاخي مُلْك كُلِّ مُتَوّج
قَوْمٌ إذا لَبسُوا الحَدِيْد عجبتَ من … بَحْر يدافعُ في لَظَىً مُتَوَهِج
أنْشَدَنا أبو الحَسَن بن أبي جَعْفَر، قال: أنْشَدَنا أبو المُظَفَّر أُسامَةُ بن مُرْشِد لنَفْسِه، وقالَها على لسَان الشَّيْخ أبي صالح بن المُهَذَّب ﵀، وكانت فيه حدَّةٌ مع فَضْل وعِلْم وتُقىً، وكان نَزَل بشَيْزَر فَرِيقٌ من العَرَب معهم جَارِيَةٌ اسْمُها شَوْق مُسْتَحْسَنَة، وكتَبَ الأبْيَاتَ ورَمَى بها نُسَخًا بشَيْزَر، فوقَع منها بيَدِ الشَّيْخ أبي صالح ﵀، فقَامَتْ قيامَتُه، ولم يَدْر أحَدٌ مَنْ عَمِلِ الأبْيَات، فقال له الشَّيْخُ العَالِم أبو عَبْد الله مُحَمَّدُ بن يُوسُف المَعْرُوف بابنِ المُنَيِّرة ﵀، وهو مُؤَدِّبُهُ: هذه الأبْيَات الّتي قد رُمِيَتْ ما يُحْسِنُ يَقُولُها إلَّا أنا، أو القَاضِي أبو مُرْشِد بن سُلَيمان، أو أنْتَ، وأنا وأبو مُرْشِدٍ ما قُلْناها، وما قالها غيرُكَ، وهي (٢): [من المنسرح]
قُوْلَا لرِيْمٍ في حِلَّةِ العَرَب … إلَيْكِ أشْكُو ما يَصْنعُ اسْمُك بي
بم اسْتَجَازتْ عَيْنَاكِ سَفْكَ دَمِي … وأخْذَ قَلْبي في جُمْلَةِ السَّلَبِ