ابن بَالُوَيْه يقُول: سَمِعْتُ أبا الفَضْل أحْمَدَ بن سَلَمَة يقولُ: سَمِعْتُ إسْحاق بن إبْراهيم يقُول: قال لي عَبْدُ الله بن طَاهِر: لِمَ قِيْلَ لكَ ابنُ رَاهُوَي، وما مَعْنى هذا، وهل تَكْرَهُ أنْ يُقالَ لك هذا؟ قال: اعْلَم أيُّها الأَمِير أنَّ أبي وُلد في طَريقٍ، فقال المَرَاوِزَةُ: رَاهُوَي، بأنَّهُ وُلِد في الطَّريق، وكان أبي يَكْرَهُ هذا، وأمَّا أنا فلَسْتُ أكْرَهُهُ.
أخْبَرَنا مُحَمَّد بن حَمْزَة بن القُبَّيْطِيّ في كِتَابِهِ إليْنَا من بَغْدَاد، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن الآبنُوسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِمِ إسْمَاعِيْل بن مَسْعَدَة الإسْمَاعِيْليّ، قال: أخْبَرَنا حَمْزَةُ بن يُوسُف السَّهمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد عَبْد الله بن عَدِيّ (١)، قال: سَمِعْتُ أحْمَد بن حَفْصٍ السَّعْدِيّ يقول: ذُكِرَ لأحْمد بن حَنْبَل، وأنا حَاضِرٌ، إسْحاق ابن رَاهَوَيْه، فَكَرِه أحْمَد أنْ يُقال (a): رَاهَوَيْه، وقال: إسْحاق بن إبْراهيم الحَنْظَلِيّ، وقال: لم يَعْبُر الجِسْرَ إلى خُرَاسَان مثلُ إسْحاق، وإنْ كان يُخَالفنا في أشْيَاء، فإنَّ النَّاس لم يَزَلْ (b) يُخَالف بعضُهُم بعضًا.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي يَعْقُوبَ الدِّمَشقيّ بالقَاهِرَة المُعِزِّيَّة، قال: أخْبَرَنا أحْمَد ابن أبي أحْمَد الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا أبو الفَتْح القَزْوِينيّ، قال: حَدَّثَنَا الحافِظُ أبو يَعْلَى الخَلِيْليّ (٢)، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن عليّ الحافِظ يقول: سَمِعْتُ أبي يَقُول: قيل لإسْحاق بن رَاهَوَيْه: إنَّ هذا الصَّبِيّ الرَّازِيَّ -يعني أبا زُرْعَة- واردٌ عليكَ، فكان يُصَلِّي يَوْمَيْن ثمّ يرجعُ إلى البَيْت ولا يأذَن لأحدٍ، فقيلِ له في ذلك، فقال: بَلَغَني أنَّ هذا الفَتَى واردٌ، وقد أعْدَدْتُ مائةً وخَمْسِين ألفَ حَدِيثٍ أُلْقيها عليه، خَمْسُون ألفًا منها مَعْلُولَات لا تَصِحُّ.
أنْبَأنَا مُحَمَّد بن حَمْزَة بن القُبَّيْطِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن الآبِنُوسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الإسْمَاعِيْليّ، قال: أخْبَرَنا حَمْزَةُ بن يُوسُفَ السَّهْمِيّ، قال: أخْبَرَنا
стр. 1682
أبو أحْمَد بن عَدِيّ (١)، قال: سَمِعْتُ يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء بن حَيَّوْيَه يقول: سَمِعْتُ أبا دَاوُد الخَفَّاف يقول: سَمِعْتُ أحْمَد بن حَنْبَل يقول: لم يَعْبُر الجِسْرَ مثل إسْحاق.
وقال ابنُ عَدِيّ (٢): سَمِعْتُ يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء يقول: سَمِعْتُ أبا دَاوُد الخَفَّاف يقول: سَمِعْتُ إسْحاق بن رَاهَوَيْه يقول: كأنِّي أنْظُر إلى مائة ألف حديثٍ في كُتُبي وثَلاثين ألف أسْردها (a).
وقال ابنُ عَدِيّ (٣): حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يُوسُف الفَرَبْرِيّ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن خَشْرَم، قال: حَدَّثَنَا ابن فُضَيْل، عن ابن شُبْرُمَةَ، عن الشَّعْبِيّ، قال: ما كتبْتُ سَوْدَاءَ في بَيْضاءَ إلى يومي هذا، ولا حدَّثَني رَجُل بحديثٍ قَطّ إلَّا حَفِظتُه، ولا أحبَبْتُ (b) أنْ يُعيدَهُ عليَّ، فحدَّثْتُ بهذا الحَدِيْث إسْحاقَ بن رَاهَوَيْه، قال: فعَجبتَ (c) من هذا؟ قُلتُ: نعم، قال: كنتُ لا أسْمَعَ شيئًا إلَّا حَفِظتُهُ، فكأنِّي أنْظُرإلى سَبْعِين ألف حديث -أو قال: أكثر من سَبْعِين ألف- في كُتُبي.
وقال ابنُ عَدِيّ (٤): سَمِعْتُ يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء يقول: سَمِعْتُ أبا دَاوُد الخَفَّاف يقول: أمْلَى علينا إسْحاق بن رَاهَوِيْه أحَدَ عَشر ألف حَدِيث من حِفْظه، ثمّ قرأها علينا، فما زادَ حَرْفًا ولا نَقَصَ حَرْفًا.
أنْبَأنَا الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٥)، قال: أخْبَرَنا رِضْوَانُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن الدِّيْنَورِيُّ.، قال: سَمِعْتُ أبا بَكْرٍ أَحْمَدُ بن عبدِ الرَّحْمن الحافِظ بهَمَذَان يقول: سَمِعْتُ أبا العبَّاس أحْمَد بن سَعيد يقول: سَمِعْتُ
стр. 1683
أبا يَزِيد مُحَمَّد بن يَحْيَى بن خَالِد المَدِيْنِيّ يقول: سَمِعْتُ إسْحاق بن إبْراهيم يقول: أحْفَظُ سَبْعِين ألفَ حَدِيث، وأُذَاكِرُ بمائة ألف حَدِيثٍ.
قال الخَطِيبُ (١): وحَدَّثَنَا أبو بَكْر البَرْقَانِيّ، قال: قَرَأتُ على أبي حَامِدٍ أحْمَد بن عُمَر ابن حَفْص المَرْوَزيّ بها، قال: سَمِعْتُ أبا يَزِيد مُحَمَّد بن يَحْيَى بن خَالِد يقول: سَمِعْتُ إسْحاقَ ابن إبْراهيم الحَنْظَلِيّ يقول: أعْرفُ مكان مائة ألف حَدِيث كأنِّي أنْظُر إليها، وأحْفَظُ سَبْعِينَ ألف حَديث عن ظَهْر قَلْبي، وأحْفَظُ أربَعَة آلاف حَدِيث مُزَوَّرة. فقيل له: ما معنى حِفْظ المُزَوَّرة؟ قال: إذا مَرَّ بي منها حَدِيثٌ في الأحَادِيْث الصَّحيْحَة فَلَيْتُهُ منها فَلْيًا.
قال (٢): وأخْبَرَنا مُحَمَّد بن عليّ بن مَخْلَد الوَرَّاق، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن عِمْران، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن كَامِل، قال: قال عَبْدُ الله بن طَاهِر لإسْحاق بن رَاهَوَيْه: قيلِ لي إنَّكَ تَحْفَظُ مائةَ ألف حديث! قال: مائة ألف حَدْيث ما أدْري ما هو؟ ولكنِّي ما سَمِعْتُ شيئًا إلَّا حَفِظْتُه، ولا حَفِظتُ شيئًا قَطّ فنَسيْتُهُ.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبد الرَّحيم بن يُوسُف بن الطُّفَيْل، قِراءَةً عليهِ بالدِّيَار المِصْرِيَّة، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد، قال: سَمِعْتُ أبا الفَتْح إسْمَاعِيْل بن عَبْد الجَبَّار بن مُحَمَّد المَاكِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا يَعْلَى الخَلِيل بن عَبْدِ الله بن أحْمَد الخَلِيْليّ الحافِظَ يقول (٣): رَوَى عنهُ -يعني سُفْيان بن عُيَيْنَة- وذَكَرَ جَمَاعَةً، ثمّ قال: وإسْحَاق بن رَاهَوَيْه وكان يُسَمَّى شَهَنْشَاه (a) الحَدِيْث.
قال أبو يَعْلَى الخَلِيْليّ (٤): سَمِعْتُ أحْمَد بن مُحَمَّد بن عُمَر الزَّاهِد بنَيْسَابُور يقول: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن إسْحاق الثَّقَفِيّ يقول: حَدَّثَنَا إسْحاق بن رَاهَوَيْه شَاهَانْشَاه العُلَمَاء.
стр. 1684
قُلتُ: ومعنى شَاهَانْشَاه: مَلِكُ المُلُوك.
كَتَبَ إلينا أبو المُظَفَّر عبد الرَّحيم بن عَبْد الكَريم من مَرْو، والقَاسِم بن عَبْد الله ابن عُمَر الصَّفَّار من نَيْسَابُور، قال عبدُ الرَّحيم: أخْبَرَنا أبو البَرَكَاتِ عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن الفَضْلِ، وقال القَاسِم: أخْبَرَتْنا عَمَّةُ أبي عائِشَةُ بنتُ أحْمَد بن مَنْصُور الصَّفَّار، قالا: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بنُ عليّ بن خَلَف، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله الحاكِم (١)، قال: أخْبَرَنا الحُسَين بن مُحَمَّد بن حَكِيم (a) المَرْوَزيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَمْرو نَصْرُ بن زَكَرِيَّاء، قال: حَدَّثَنَا إسْحاقَ بن إبْراهيم، قال: سَألني أحْمَد بن حَنْبَل عن حديث الفَضْل بن مُوسَى حديث ابن عبَّاسٍ: كان النَّبِيُّ ﷺ يَلْحَظُ في صَلَاتِه ولا يَلْوي عُنُقَه خَلْفَ ظَهْره. قال: فحدَّثْتُه، فقال له رَجُلٌ: يا أبا يَعْقُوب، رَوَاهُ وَكِيعٌ بخِلَاف هذا، فقال له أحْمَدُ بن حَنْبَل: اسْكت إذا حَدَّثَكَ أبو يَعْقُوب أَمِيرُ المُؤمِنِين، فتمسَّك (b).
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّامِيّ بنَيْسَابُور، قال: أنْبَأنَا أبو عُثْمان إسْمَاعِيْل بن عبد الرَّحْمن الصَّابُونِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن عَبْدِ الله الحافِظُ، قال: سَمِعْتُ أبا مُحَمَّد الحَسَن بن إبْراهيم بن يَزِيد الأَسْلَميّ يقول: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن إسْحاق بن مَيْمُون الفَارِسِيّ يقول: سَمِعْتُ مُحمَّد بن عَبد الوَهَّاب الفَرَّاء يقولِ: سَمعْتُ الحُسَينَ بن مَنْصُور يقول: كُنْتُ مع يَحْيَى بن يَحْيَى وإسْحَاق بن رَاهَوَيْه يوْمًا نَعُودُ مَرِيْضًا فلمَّا حَاذَيْنا البابَ، تأخَّر إسْحاقُ وقال ليَحْيَى: تَقَدَّم، فقال يَحْيَى لإسْحاق: تَقَدَّم أنْتَ، قال: يا أبا زَكَرِيَّاء، أنْتَ أكْبَرُ منِّي، قال: نَعَم، أنا أكْبَرُ منكَ، وأنْتَ أعْلَم منِّي، فتقدَّم إسْحاقُ.
стр. 1685
أخْبرَنا الإمَامُ الزَّاهِدُ أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان الأسَدِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِمِ بن أبي مُحَمَّد بن هِبَة الله الشَّافِعيّ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحَمَّد بن الحُسَين ابن مُحَمَّد بن إبْراهيم بن الحِنَّائِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ أحْمَد وأبو الحُسَين مُحَمَّد ابْنَا عبدِ الرَّحْمن ابن عُثْمان بن القاسِم بن أَبي نَصْر، قالا: أخْبَرَنا القَاضِي أبو بَكْرِ يُوسُفُ بن القَاسِم بن يُوسُف المَيَانِجِيُّ، قال: أمْلَى علينا أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللهِ بنُ حَمْدَانَ بن وَهْب الحافِظ بالدِّيْنَوَر، قال: أمْلَى علينا أبو زُرْعَة -يعني عُبَيْد الله بن عَبْد الكَريم الرَّازِيّ ﵀ حَدِيْثَ عَبْدِ الله بن نُجَيّ، فلمَّا أنْ فَرَغَ قال لنا: بقي شيءٌ؟ فقلتُ له أنا: نَعَم، قد بَقي عَبْدُ الله بن نُجَيِّ، عنِ عليّ ﵇، عن النَّبِيّ ﷺ : مَنْ كَذبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا. فقال: مَنْ رَوَى هذا؟ فقُلتُ: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَاصِم، قال: حَدَّثَنَا إسْحاق بن رَاهَوَيْه، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن أيُّوبَ الضَّبِّيُّ، عن أبي حَمْزَة السُّكَّرِيّ، عن جَابِر، عن عَبْدِ الله بن نُجَيّ، عن عليّ ﵇. قال: سُبْحَان الله، ما علمْتُ أنْ يكونَ هذا!.
فبينا أنا عنده في بعض الأيَّام، إذ أتاهُ ابن عَاصِمِ زَائِرًا، فقال له: حَدِّثنا حديثَ عَبْدِ الله بن نُجَيّ، عن عليّ ﵇، فاسْتَحْيى وجَعَل يَتأَبَّى، فقال: بحقِّي عليكَ لَمَا حدَّثتني بهِ، فقال له: حَدَّثَنَا إسْحاق بن رَاهَوَيْه كالمُسْتَحْيي، فدَفع أبو زُرْعَة في صَدْره وقال: ارفَعْ صَوْتكَ وقُلْ: حَدَّثَنَا إسْحاقُ بن إبْراهيم الحَنْظَلِيّ فإنَّهُ لا يُسْتَحْيَى من ذِكْره، فقال: حَدَّثَنَا إسْحاقُ بن إبْراهيم الحَنْظَلِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن أَيُّوب الضَّبِّيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو حَمْزَة السُّكَّرِيّ، عن جَابِر، عن عَبْدِ الله بن نُجَيّ، عن عليّ ﵇، والشَّعْبِيّ، عن مَسْرُوق، عن عَبْد الله بن مَسْعُود، قالا: قال رسُول الله ﷺ (٢): مَنْ كذبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا فليَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ
стр. 1686
من النَّار. فجَعَل أبو زُرْعَةَ يَعْجَبُ ويقول: الشَّعْبِيّ عن مَسْرُوق عن عَبْد الله؟ هذا أغْرَب من ذلك!.
أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد المُؤدِّبُ البَغْدَاديُّ، قال: أخْبَرَنا أبوِ القَاسِمِ هِبَةُ الله بن مُحَمَّد بن الحُصَيْن الشَّيْبَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَالِب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن غَيْلان البَزَّازُ، قال: أخْبَرَنا أبو إسْحاق إبْراهيم [بن مُحمَّد] (a) بن يَحْيَى المُزَكِّي النَّيْسَابُوريّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الوَاحِد بن مُحَمَّد بن سَعيد أبو أحْمَدَ، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيمُ بن عليّ، قال: حَدَّثَني الفَضْلُ بن عَبْد الله الحِمْيَرِيُّ، قال: سَألْتُ أحْمَد بن حَنْبَل ﵁ عن رِجَالِ خُرَاسَانَ، فقال: أَمَّا إسْحاق بن رَاهَوَيْه فلم يُرَ مثْلُه، وأمَّا الحُسَين بن عِيسَى البِسْطَامِيِّ فثِقَةٌ، وأمَّا إسْمَاعِيْل بن سَعيد الشَّالَنْجِيّ ففَقِيْهٌ عَالِم، وأمَّا أبو عَبْدِ اللهِ العَطَّارُ (b) فبَصِيْرٌ بالعَرَبِيَّةِ والَنَّحو، وأمَّا مُحَمَّدُ بن أسْلَم لو أمْكَنَني زيارَتُهُ لزُرْتُهُ.
رَوَى أبو بَكْر الخَطِيبُ (١) هذه الحِكايَة عن أبي طَالِب بن غَيْلان، فكأنَّ شَيْخَنا عُمَر سَمِعها من الخَطِيب.
стр. 1687
أنْبَأنَا ابنُ المُقَيِّر، عن أبي الفَضْل بن نَاصِرِ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل بن خَيْرُون وأبو الحُسَين بن الطُّيُورِيّ، وأبو الغَنائِم بن النَّرْسِيّ -واللَّفْظ له- قالوا: أخْبَرَنا أبو أحْمَد الغُنْدجَانِيّ، زَادَ ابنُ خَيْرُونَ: وأبو الحُسَين الأصْبَهَانِيّ، قالا: أخْبَرَنا أحْمَد ابن عَبْدَان، قال: أَخْبَرَنا مُحَمَّد بن سَهْل:، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل، قال: إسْحاقُ بن إبْراهيم بن مَخْلَد أبو يَعْقُوبَ الحَنْظَلِيّ المَرْوَزيّ، سَمِعَ ابن عُيَيْنَة ووَكِيع، سَمِعَ منهُ يَحْيَى بن آدَمَ، ماتَ سَنَة ثمانٍ وثَلاثين ومَائتَيْن لَيْلَة السَّبْت لأرْبَع عشرة خَلَتْ من شَعْبان، وهو ابنُ سَبْعِ وسَبْعِين سَنَةً.
أنْبَأنَا الحَسَن بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي مُحَمَّد (١)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الشَّقَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مَنْصُور بن خَلَف، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عَبْدِ الله بن حَمْدُون، قال: أخْبَرَنا مَكِّيّ بن عَبْدَان، قال: سَمِعْتُ مُسْلم بن الحَجَّاجِ (٢) يقول: أبو يَعْقُوبَ إسْحاق بن إبْراهيم الحَنْظَلِيّ عن عَبْد العَزِيْز بن مُحَمَّد، وعِيسَى بن يُونُس، رَوَى عنهُ يَحْيَى بن آدَم.
أنْبَأنَا الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٣)، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عليّ الصُّوْرِيّ، قال: أخْبَرَنا الخَصِيْبُ بن عَبْد الله، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الكَريم بن أبي عبد الرَّحْمن، قال: قال أبي: أَبو يَعْقُوبَ إسْحاق بن إبْراهيمِ بن مَخْلَد بن إبْراهيم الثِّقَةُ المَأْمُونُ، سَمِعْتُ سَعيد بن ذُؤَيْب يقول: ما أعْلَمُ على وجْهِ الأرْضِ مثْل إسْحاق.
قال (٤): وأخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن أحْمَد بن يَعْقُوبَ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن نُعَيْم، قال: حَدَّثَنَا أبو نَصْر أحْمَد بن سَهْل الفَقِيه ببُخَارَى إمْلاءً، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن الحَسَن
стр. 1688
ابن عَبْدَة، قال: سَمِعْتُ حَاشِدَ بن مالك يقول: سَمِعْتُ وَهْب بن جَرِير يقول: جَزَى اللهُ إسْحاقَ بن رَاهَوَيْه، وصَدَقَة، ويَعْمَر، عن الإسْلَام خَيْرًا؛ أَحْيَوا السُّنَّة بأرْضِ المَشْرِق.
قال أبو بَكْر الخطيبُ (١): أخْبرَني أبو الوَلِيد الحَسَنُ بن مُحَمَّد الدَّربَنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن سُلَيمان الحافِظ ببُخَارَى، قال: حَدَّثَنَا أبو إسْحاق إبْراهيم بن مُحَمَّد بن هَارُون، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر أحْمَد بن عَبْد الوَاحِد بن رُفَيْد، قال: سَمِعْتُ أحْمَد بن الهَيْثَم بن السَّمَيْدَع الشَّاشِيّ يقول: قال لي يَحْيَى بن يَحْيَى: بخُرَاسَان كَنْزَان؛ كَنْزٌ عند مُحَمَّد بن سَلَام البِيْكَنْدِيّ، وكَنْزٌ عند إسْحاق بن رَاهَوَيْه.
أنْبَأنَا أبو رَوْح الهَرَويّ، عن أبي القَاسِم الشَّحَّامِيِّ، قال: أخْبَرَنا سَعيد بن مُحَمَّد البَحِيْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو بن حَمْدَان الحِيْرِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا عَبْد اللهِ مُحَمَّد بن أحْمَد بن نُعَيْمِ يقول: سَمِعْتُ السُّلمَيِّ يقول: سَمِعْتُ يَحْيَى بن يَحْيَى يقول: قالت لي فاطِمَة أُمّ مُحَمَّد: إذا خَرَجْتَ من الطَّارِمَة قدَّمت إسْحاق بين يديكَ، وأنت أكْبر سنًّا منه؟! قال: لأنَّهُ أكْثر عِلْمًا منِّي.
السُّلمِيّ: هو أحْمَد بن يُوسُف، وفاطِمَة: امرأة يَحْيَى بن يَحْيَى.
أنْبَأنَا الحَسَنُ بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحافِظ (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا هَنَّاد بن إبْراهيم النَّسَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد الغُنْجَار، قال: حَدَّثَنَا خَلَفُ بن مُحَمَّد، قال: سَمِعْتُ أبا عليّ الحَسَنَ بن الحُسَين البَزَّاز يقول: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن حُمَيْد (a) بن
стр. 1689
فَرْوَة يقول: سَمِعْتُ أبا رَجَاءً قُتَيْبَةَ (a) بن سَعيد يقول: الحُفَّاظُ بخُرَاسَان إسْحاق بن رَاهَوَيْه، ثُمَّ عَبْد الله بن عبد الرَّحْمن السَّمَرْقَنْديّ، ثمّ مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل.
قال أبو القَاسمِ (١): أخْبَرَنا أبو الفُتُوح عَبْد الخَلَّاق بن عَبْد الوَاسِع بن عَبْد الهَادِي بن عَبْدِ الله بن مُحَمَّد الأنْصَاريّ الهَرَويّ ببَغْدَاد، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ بن عُمَيْر العُمَيْريّ، قال: حَدَّثَنَا أبو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بن عَمَّار بن يَحْيَى بن عَمَّار الشَّيْبَانِيّ إمْلاءً، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ الحُسَين بن أحْمَد بن مُوسَى القَاضِي، قال: حَدَّثَنا جَدِّي، قال: قال أبو الفَضْل أحْمَد بن سَلَمَة: وَجَدْتُ عندي مَكْتُوبًا عن عَبْد الله بن أبي زِيَادٍ القَطَوَانِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا عُبَيْد يقول: انْتَهى -يعني عِلْم الحَدِيْث- إلى أرْبَعة: إلى أحْمَد بن حَنْبَل؛ وهو أفْقَهُهُم فيهِ، وإلى عليّ بن المَدِيْنيِّ، وهو أعْلَمُهُم بهِ، وإلى يَحْيَى بن مَعِيْن؛ وهو أكْتَبُهُم له، وإلى أبي بَكْر بن أبي شَيْبَة، وهو أحْفَظُهُم له.
قال أحْمَد بن سَلمَة: لو عَاين أبو عُبيد إسْحَاق بن إبْراهيم الحَنْظَلِيّ لفَضَّلَهُ عليهم حِفْظًا وعِلْمًا وسَعَةً في العِلْم، وعِلْمًا باخْتِلَاف العُلَمَاءِ.
أخْبَرَنا أبو القَاسمِ عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد القَاضِي إذْنًا، عن أبي المُظَفَّر بن القُشَيْريّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ، قال: سَمِعْتُ أبا عَبْد الرَّحمن السُّلَميِّ يقول: سَمِعْتُ أبا عَمْرو بن مَطَر يقول: سَمِعْتُ مُوسَى بن عبد الرَّحْمن الشَّنّيِّ يقول: وسُئِلَ -يعني أحْمَد بن حَنْبَل- عن إسْحاق بن رَاهَوَيْه: إمَامٌ هو؟ قال: نَعَمْ.
стр. 1690
وقال: أنْبَأنَا أبو المُظَفَّر، عن البَيْهَقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ الحُسَين بن عليّ الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن إسْحاق بن خُزَيْمَة، قال: حَدَّثَنَا أبو عبد الرَّحيم الجُوزْجَانِيّ، قال: سَمِعْتُ أحْمَد بن حَنْبَل -وذَكَرْنا عندَهُ إسْحاق بن إبْراهيم، وما تَنَقَّصَه أهْلُ خُرَاسَان- فقال أحمدُ: لا أعْرِفُ لإسْحاق بالعِرَاق نَظِيرًا.
قال أبو عَبْد الله الحافِظ: وسَمِعْتُ فَتْحَ بن عَبْد الله يقول: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن الشَّاميِّ يقول: سُئِلَ أحْمَد بن حنْبَل عن إسْحاق؟ فقال: ومَنْ مثْلُ إسْحاق، يُسألُ مثْلِي عن مثْل إسْحاق؟.
قال: وسَمِعْتُ أبا زَكَرِيَّاء العَنْبَرِيّ يقول: سَمِعْتُ أبا مُضَر مُحَمَّد بن نَصْر المَرْوَزيّ يقول: سَمِعْتُ عَبْد الله بن أحْمَد بن شَبُّوَيْه يقول: سَمِعْتُ أحْمَدَ بن حَنْبَل يقول: إسْحاق لم يُرَ مثْلَهُ.
أنْبَأنَا عبدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد، عن أبي بَكْر وَجِيْه بن طَاهِر الشَّحَّامِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن الحَسَن بن مُحَمَّد (a)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد المَخْلَدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن مُسْلِم الإسْفَرَاينيِّ، قال: سَمِعْتُ أبا نَصْر يَعْقُوبَ بن يُوسُف ابن أخي أحْمَد بن الخَلِيل يقُول: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن سَهْل بن عَسْكَر يقول: ذكر أحْمَد ابن حَنْبَل، وذُكِرَ يَوْمًا إسْحاق فقال: ذَاكَ الإمَام.
وأخْبَرَنا أبو القَاسِم القَاضِي إذْنًا، عن عَبْد المُنْعِمِ بن عَبْد الكَريم، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن الحَسَن الحافِظ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عَبْد الله الحافِظُ، قال: أخْبرَني أبو مُحَمَّد بن زِيَاد، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن مُسْلمِ، قال: حَدَّثَنَا أَحْمَد ابن سَلَمَة، قال: قُلْتُ لأبي حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس: أراكَ أقْبَلتَ على قَوْل أحْمَد
стр. 1691
ابن حَنْبَل وإسْحَاقَ! فقال: لا أعْلَم في دَهْرٍ ولا عَصْرٍ مثْل هذين الرَّجُلَيْن: رَحَلا، وكَتَبَا، وذَاكَرَا، وصَنَّفا.
قال مُحَمَّد بن عَبْد الله الحافِظ: وحَدَّثَنا عَبْد الله بن مُحَمَّد، قال: سَألْتُ مُحَمَّد ابن الجُنَيْد عن أحْمَد وإسْحَاق قُلتُ: أيُّهما أفْقَهُ؟ قال: كان إسْحاق يَمِيْل إلى قَوْل مَالك، وكان يَحْتَجّ لأهْل المَدِينَة، وكان أحْمَدُ يتَّبِعُ الأثَر.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: أخْبَرَنا ابن يَعْقُوبَ، قال: أخْبَرَنا ابن نُعَيْم، قال: سَمِعْتُ أبا الفَضْل مُحَمَّد بن إبْراهيم يقول: سَمِعْتُ أحْمَد بن سَلَمَة يقول: سَمِعْتُ أبا حَاتِم مُحَمَّد ابن إِدْرِيس الرَّازِيّ يقول: ذكَرْتُ لأبي زُرْعَة إسْحاق بن إبْراهيم الحَنْظَلِيّ وحِفْظَهُ للأسَانِيْد والمُتُون، فقال أبو زُرْعَة: ما رُؤي أحْفَظ من إسْحاق. قال: أبو حَاتِم: والعَجَبُ من إتْقَانه وسَلَامته من الغَلَط مع ما رُزِقَ من الحِفْظ. وقال أحْمَد بن سَلَمَة: قُلتُ لأبي حَاتِم: إنَّهُ أمْلَى التَّفْسِيرَ عن ظَهْر قَلْبهِ، فقال أبو حَاتِم: وهذا أعْجَب، فإنَّ ضَبْطَ الأحَادِيْث المُسْنَدة أسْهَلُ وأهْوَنُ من ضَبْطِ أسَانِيْد التَّفْسِير وألْفَاظها.
قال الخَطِيبُ (٢): وأخْبَرَنا مُحَمَّد بن عليِّ المُقْرِئ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عَبْد الله النَّيْسَابُوريّ الحافِظُ، قال: أخْبرَني أبو مُحَمَّد بن زِيَاد، قال: سَمِعْتُ أبا العبَّاس الأزْهَريّ يقول: سَمِعْتُ عليّ بن سَلَمَة النَّسَفِيّ (٣) يقول: كان إسْحاق عند الأَمِير عَبْد الله بن طَاهر وعنده إبْراهيم بن أبي صالح، فسَأل الأَمِيرُ إسْحاقَ عن مَسْألَةٍ فقال إسْحاق: السُّنَّة فيها كَذَا وكذا، وكذلك يقول مَنْ سَلَك طَرِيقَ أهْلِ السُّنَّة،
стр. 1692
وأمَّا فُلَان (a) وأصْحَابه فإنَّهم قالوا بخِلَاف هذا. فقال إبْراهيم: لم يَقُل فُلَانٌ (b) بخِلَاف هذا، قال إسْحاق: حَفِظتُه من كتاب جَدِّه، وأنا وهو في كُتَّابٍ واحدٍ. فقال إبْراهيم: أصْلَحكَ اللهُ، كَذَبَ إسْحاقُ على جَدِّي، فقال إسْحاقُ: ليَبْعَث الأَمِيرُ إلى جُزء كَذَا وكَذَا من جَامِعِهِ، فأُتي بالكتَابِ، فجعَل الأَمِيرُ يُقَلِّبُ الكتابَ، فقال إسْحاقُ: عُدَّ من الكتاب إحْدَى عَشْرة وَرَقَةً، ثمّ عُدَّ سَبْعَةَ (c) أسْطُر، ففَعَل فإذا المَسْألَةُ على ما قال إسْحاقُ، فقال الأَمِيرُ عَبْدُ الله بن طَاهِر: قد تُحْفَظُ المَسَائِل، ولكنِّي أعْجَبُ لحفْظكَ هذه المُشَاهَدَة! فقال إسْحاقُ: ليوم مثْل هذا، لكي يُخْزِي (d) اللهُ على يَدِي عَدُوًّا مثْلَهُ.
قال الخَطِيبُ (١): وأخْبَرَنا أبو نُعَيْم، قال: سَمِعْتُ أبا عَمْرو بن حَمْدَان يقول: سَمِعْتُ أبا بَكْر أحْمَدَ بن إسْحاق الصِّبْغِيّ (e) يقول: سَمِعْتُ إبْراهيم بن أبي طَالِب يقول: فاتَني عن إسْحاقَ بن إبْراهيِم الحَنْظَلِيّ من مُسْنَده مَجْلِسٌ، وكان يُمِلّهُ (f) حِفْظًا، فتردَّدْتُ إليه مِرَارًا ليُعيْدَه عليَّ فتَعَذَّرَ، فقَصَدْتُه يَوْمًا لأسأَلَهُ إعَادتَهُ وقد حُمِلَ إليه حِنْطَةٌ من الرُّسْتَاق، فقَال لي: تَقُومُ عندَهُم وتكتُبُ وزنَ هذه الحِنْطَةِ، فإذا فرغْتَ أَعَدْتُّ لك الفائتَ. فقال: ففَعَلْتُ ذلك، فلمَّا فَرَغْتُ عرَّفْتُه، وكان خَرَجَ من مَنْزِله، فمَشَيْتُ معه حتَّى بلَغ باب المَنْزِل، فقُلتُ له فيما وَعَدَ من الفائتِ، فسَألَني عن أوَّل حديثٍ من المَجْلِس فذَكَرْتُه له، فاتَّكَأ على عِضَادَتَي البابِ فأعَادَ المَجْلِسَ إلى آخرِه حِفْظًا، وكان قد أمْلَى المُسْنَد كُلَّهُ من حِفْظه وقَرأه أيضًا من حِفْظه ثانيًا كُلَّهُ.
стр. 1693
قال الخَطِيبُ (١): أخْبَرَنا مُحَمَّد بن يَعْقُوب، قال: أخْبَرَنا ابن نُعَيْم، قال: أخْبَرَني مُحَمَّد بن صالح بن هَانئ من أصْل كتابهِ، قال: حَدَّثَنَا أبو سَعيد الحَسَن بن عبد الصَّمَد القُهُنْدُزِيّ، قال: سَمِعْتُ إسْحاق بن إبْراهيم الحَنْظَلِيّ يقول: احْفَظُ سَبْعِين ألفَ حديثٍ كأنَّها نُصْبَ عَيْني.
قال (٢): وحَدَّثَني أبو القَاسِم عَبْد الله بن أحْمَد بن عليّ السُّوذَرْجَانِيّ لَفْظًا بأصْبَهَان، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن المُقْرِئ، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن أحْمَد بن زِيْرَك اليَزْدِيّ يقول: سَمِعْتُ جَعْفَر بن مُحَمَّد بن سَوَّارِ يقول: سَمِعْتُ إسْحاقَ -يعني ابن رَاهَوَيْه- يقول: إنِّي لأدْخُل الحَمَّام وبينَ عَيْنَيَّ سَبْعُون ألفَ حَدِيث.
قال أبو بَكْر الخطيبُ (٣): أخْبَرَني مُحَمَّد بن عليّ الصُّوْرِيّ، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بن القَاسِم القَاضي الهَمَذَانيّ بطَرابُلُس، قال: حَدَّثَنَا أبو عِيسَى عبدُ الرَّحْمن بن إسْمَاعِيْل الخَشَّاب العَرُوضِيِّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عبد الرَّحْمن النَّسَائِيُّ، قال: إسْحاقُ بن إبْراهيم بن (a) رَاهَوَيْه أحَدُ الأئمَّة.
قال (٤): وأخْبَرَني مُحَمَّد بن أحْمَد بن يَعْقُوبَ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن نُعَيْم، قال: سَمِعْتُ أبا عليّ الحُسَين بن عليّ الحافِظَ يقول: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن إسْحاق بن خُزَيْمَة يقول: واللهِ لو أنَّ إسْحاقَ بن إبْراهيم الحَنْظَلِيّ كان في التَّابِعِين لأقَرُّوا له بحفْظِه (b)، وعِلْمِهِ، وفِقْهِه.
стр. 1694
قال (١): وحَدَّثَني أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن عِيسَى الهاشِميّ، قال: هذا كتابُ جَدِّي أبي الفَضْل عِيسَى بن مُوسَى بن أبي مُحَمَّد بن المُتَوَكِّل على الله، فقَرَأتُ فيه: حَدَّثَني أبو بَكْر مُحَمَّد بن دَاوُد النَّيْسَابُوريّ، قال: سَمِعْتُ أحْمَد بن سَلَمَة يقول: سَمِعْتُ إسْحاق يقول: أتَيْتُ وَهْب بن جَرِير، فقال: قد حَلَفْتُ أنْ لا أُحَدِّث إلى كَذَا شَهْرًا، قال: قُلتُ: قد أغْنَى اللهُ عنكَ، وأرَدْتُ أنْ يكون اسْمُك عندي. قال: فقال لي: من أينَ أنْتَ؟ قُلتُ: خُرَاسَانيّ، قال: لعلَّك ابنُ رَاهَوَيْه؟ قال: قُلتُ: نعم، قال: قد اسْتَثْنَيْتُكَ فسَلْنِي.
قال الخَطِيبُ (٢): أخْبَرَنا إبْراهيم بن عُمَر البَرْمَكِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عَبْدِ الله بن خَلَف الدَّقَّاق، قال: حَدَّثَنَا عُمَر بن مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر الأَثْرَم، قال: قلتُ لأبي عَبْدِ الله أحْمَد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل: إسْحاق أبو يَعْقُوبَ -أعني ابن رَاهَوَيْه- ترى لإنْسَان أنْ يقْصِدَ إليهِ فيَتَعَلَّم منهُ الفِقْه، فإنَّهُ رَجُلٌ مُمَكَّن؟ فقال: ما أَفْهَمَهُ، هو كَيِّس.
قال (٣): وأخْبَرَنا عليّ بن أبي عليّ المُعَدَّل، قال: أخْبَرَنا عليّ بن عَبْد الله البَرْذَعِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن أبي حَاتِم، قال: حَدَّثَنَا صالح بن أحْمَد بن حَنْبَل، قال: قال أبي: جَلَسْتُ أنا وإسْحَاقَ بن رَاهَوَيْه يَوْمًا إلى الشَّافِعيّ، فناظَرَهُ إسْحاق في السُّكْنَى بمَكَّة، فعَلَا يَوْمئذٍ إسْحاقُ الشَّافِعيَّ.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبد الرَّحيم بن يُوسُف بن الطُّفَيْل، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الفَتْح القَزْوِينيّ، قال: حَدَّثنا الحَافِظُ أبو يَعْلَى الخِلَيْليّ (٤)، قال: سَمِعْتُ الحاكِمَ أبا عَبْد الله يَحْكي بإسْنَادٍ لا
стр. 1695
يَحْضُرُني: أنَّ إسْحاقَ بن رَاهَوَيْه نَاظَرهُ -عند بعض الأُمَرَاءِ- مَجُوسِيٌّ، فقال: أنتم لا تحْسنُونَ إلى المَوْتى، تُوَارونَهم في التُّراب حتَّى تَنْفَسد أعْضَاؤهم، ونحنُ نُحْسنُ إليهم، نَفْتَحُ عليهم الرِّيَاح، فقال: بيني وبينك مَسْألَةٌ: المَوْلُود إذا ولدَتْهُ أُمُّهُ ثمّ اكترَتْ له ظِئْرًا تُرْضِعُهُ، إذا فُطِمَ، الأُمُّ أوْلَى به أَم الظِّئْر؟ فقال: الأُمُّ، فقال: الأرْضُ أُمُّنَا؛ قال الله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ (١).
أنْبَأنَا أبو اليُمْن، قال: أخْبَرَنا القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ (٢)، قال: أخْبَرَني مُحَمَّد بن أحْمَد بن يَعْقُوبَ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَبْد الله بن نُعَيْم النَّيْسَابُوريّ، قال: سَمِعْتُ أبا عَبْد الله مُحَمَّد بن يَعْقُوبَ يقول: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن إسْحاق بن إبْراهيم الحَنْظَلِيّ يقول: دَخَلْتُ على أحْمَد بن حَنْبَل فقال: أنْتَ ابن أبي يَعْقُوب؟ قُلتُ: بَلَى. فقال: أمَا أنَّكَ لو لَزمْتَهُ كان أكْثر لفائدتكَ، فإنَّك لم تَرَ مثْلَهُ.
قال (٣): وحَدَّثَني عليّ بن أحْمَد الهاشِميّ، قال: هذا كتاب جَدِّي فقَرَأتُ فيه: حَدَّثَني مُحَمَّد بن دَاوُد النَّيْسَابُوريّ، قال: سَمِعْتُ أبا بَكْر بن نُعَيْم يقول: سَمِعْتُ الدَّارِمِيّ يقول: سَادَ إسْحاقُ بن إبْراهيم أهْلَ المَشْرِق والمَغْرب بصِدْقِهِ.
قال مُحَمَّد بنُ داود: وسَمِعْتُ أبا بَكْر يقُول: سَمِعْتُ أبا عبد الرَّحيم الجُوزْجَانِيّ يقول: سَمِعْتُ أحْمَد بن حَنْبَل، وذَكَر إسْحاق، فقال: لا أعْلَم -أو: لا أعْرفُ- لإسْحاق بالعِرَاق نَظِيْرًا.
وقال (٤): سَمِعْتُ أبا بَكْر بن نُعَيْم يقول: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن يَحْيَى الذُّهْلِيّ يقول: وافَقْتُ إسْحاق بن إبْراهيم صَاحِبَنا سَنَة تِسْعٍ وتِسْعِين ببَغْدَاد، اجْتَمعُوا في الرُّصَافَة
стр. 1696
أعلامُ الحَدِيْث، فيهم أحْمَدُ بن حَنْبَل، ويَحْيَى بن مَعِيْن، وغيرهما، فكان صَدْر المَجْلِس لإسْحاق وهو الخَطِيبُ.
أنْبَأنَا أبو رَوْح الهَرَويّ، عن زَاهِر بن طَاهِر، عن أبي بَكْر البَيْهَقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن صالح بنِ هَانئ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن النَّضْر الجَارُودِيّ، قال: حَدَّثَنَا شَيْخُنا، وكَبيرُنا، ومنْ تَعَلَّمنا منهُ، وتَجمَّلْنا بهِ، أبو يَعْقُوب إسْحاق بن إبْراهيم الحَنْظَلِيّ (١).
قال: وسَمِعْتُ مُحَمَّد بن صَالِح بن هَانئ يقول: سَمِعْتُ الفَضْلَ بن مُحَمَّد الشَّعْرَانيّ يقول: حَدَّثَنَا إسْحاقُ بن إبْراهيم الإمام بخُرَاسَان بلا مُدَافَعَة.
أخْبَرَنا عُمَر بن طَبَرْزَد إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا عُمَر بن عُبَيْدِ الله، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين [بن] (a) بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا عُثْمان بن أحْمَد الدَّقَّاق، قال: حَدَّثَنَا حَنْبَل بن إسْحاق بن حَنْبَل، قال: سَمِعْتُ أبا عَبْد الله -وهو أحْمَدُ بن حَنْبَل- وسُئِلَ عن إسْحاقَ بن رَاهَوَيْه فقال: مثْلُ إسْحاق يُسْأل عنهُ؟ إسْحاقُ عندنا إمامٌ من أئمَّة المُسْلمِيْن.
أنْبَأنَا الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٢)، قال: أخْبَرَني عَبْدُ المَلِك بن عُمَر الرَّزَّاز، قال: أخْبَرَنا عُبَيْدُ الله بن سَعيد البَرُوجِرْديّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن وَهْب الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا مَرْوَان (b) بن أحْمَد أبو أحْمَد، قال: سَمِعْتُ أحْمَد بن حَنْبَل يقول: الشَّافِعيُّ عندنا إمامٌ، والحُمَيْدِيُّ عندنا إمامٌ، وإسْحَاقُ بن رَاهَوَيْه عندنا إمامٌ.
стр. 1697
قال الخَطِيبُ (١): وأخْبَرَنا عليّ بن مُحَمَّد بن عَبْدِ الله المُعَدَّل، قال: حَدَّثَنَا دَعْلَج بن أحمد السِّجِسْتَانِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللهِ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن الشَّامِيّ، قال: سُئِلَ أحْمَدُ بن حَنْبَل عن إسْحاق بن إبْراهيم وأنا حاضرٌ، فقال: مَنْ مثْلُ إسْحاق؟ مثْل إسْحاق يُسْأل عنهُ!.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبد الرَّحيم بن يُوسُف بن الطُّفَيْل بالدِّيَار المِصْرِيَّة، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد الأصْبَهَانِيّ، قال: سَمِعْتُ إسْمَاعِيْل ابن عَبْد الجَبَّار المَاكِيّ يقول: سَمِعْتُ أبا يَعْلَى الخَلِيل بن عَبْدِ الله الحافِظ يقول (٢): سَمِعْتُ الحاكِم يقول: سَمِعْتُ أبا زَكَرِيَّاء يَحْيَى بن مُحَمَّد بن العَنْبَرِيّ يقول: سَمِعْتُ مُحَمَّد ابن عَبْد السَّلام الوَرَّاق يقول: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن دَاوُد القُّبِّيّ (a) يقول: سَمِعْتُ مُحَمَّد ابن أسْلَم الطُّوْسيّ حينَ ماتَ إسْحاقُ بن رَاهَوَيْه يقول: ما أعْلَم أحَدًا كان أخْشَى لله تعالى من إسْحاقَ، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣)، وكان أعْلَم النَّاس، فلو كان سُفْيانَ الثَّوْرِيّ حَيًّا لاحْتَاج إلى إسْحاق.
قال مُحَمَّد بن عَبْد السَّلام: فأخْبرتُ بذلك أحْمَد بن سَعيد الرِّبَاطِيّ، فقال: والله لو كان الثَّوْرِيّ وابن عُيَيْنَة والحَمَّادَان واللَّيْث بن سَعْد (b) حتَّى عَدَّ عَشْرةً، لاحْتَاجُوا إلى إسْحاق.
стр. 1698
قال مُحَمَّد بن عَبْد السَّلام: فأخْبَرتُ بذلك مُحَمَّد بن عليّ (a) الصَّفَّار فقال: والله لو كانَ الحَسَنُ البَصْرِيّ في الحَيَاةِ لاحْتَاجَ إلى إسْحاقَ في أشْيَاء كَثِيْرة، ولم أَرَ بَعْده مثْلَ أحْمَد بن سَعيد الرِّبَاطِيّ.
أنْبَأنَا أبو القَاسِم وأبو العبَّاس ابْنَا أبي مُحَمَّد الأسَدِيّ، قالا: كَتَبَ إلينا الحافِظ أبو طَاهِر بن مُحَمَّد أنَّ أبا الحُسَين المُبارَك بن عَبْد الجَبَّار أخْبَرَهُم، إجَازَةً إنْ لمِ يَكُن سَمَاعًا، أنَّهُ سَمِعَ أبا مُسْلِم عُمَر بن عليّ بن أحْمَد بن اللَّيْث يقول - وأنْبَأنَا أبو مُحَمَّد بن رَوَاج، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا الحُسَين بن عَبْد الجَبَّار يقول: سَمِعْتُ أبا مُسْلِم اللَّيْثِيّ يقول: سَمِعْتُ أبا الحَسَن عليّ بن أبي بَكْر الحافِظ الجُرْجَانِيّ يقول: سَمِعْتُ مَسْعُود بن علِيّ السِّجْزِيّ يقول: سَمِعْتُ الحاكِم أبا عَبْدِ الله مُحَمَّد بن عَبْدِ الله الحافِظ يقول: دفنَ مُحَمَّد بن يَحْيَى كُتُبَهُ، وإسْحَاق بن رَاهَوَيْه، ويَحْيَى بن يَحْيَى، وعبد الله بن المبُارَك؛ كُلّهم دَفَنُوا كُتُبَهُم.
أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة الله بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنا أبي أبو الفَضْل هِبَةُ الله، ح.
وأخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قالا: أخْبَرَنا ذو الفَقَار ابن مُحَمَّد بن مَعْبَد المَرْوَزيّ بالمَوْصِل، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحاق الوَزِير بأصْبَهَان، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عبد الرَّحْمن الصَّائِغِ في كتابهِ، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس بن تُرْكَان، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بن مُحَمَّد الفَقِيهُ الشَّافِعيُّ، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد ابن إسْحاق بن رَاهَوَيْه يقول: قال أبي ﵁: قَلّ لَيْلَة إلَّا وأنا أَدْعُو لمَنْ كَتَب عنَّا ولمَن كَتَبْنا عنهُ.
стр. 1699
قال أبو سَعْد السَّمْعَانيّ: أخْبَرناهُ عَاليًا أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللهِ بن أحْمَد بن عُمَر الدِّمَشقيّ في كتابهِ إليَّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن أبي الصَّقْرِ الأنْبارِيّ، قال: أَخْبَرَنا الحُسَين بن مَيْمُون بن مُحَمَّد بن عَبْدِ الغَفَّار المِصْرِيّ بها، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن عَبْدِ الله الفَقِيه الشَّافِعيُّ، قال: سَمِعْتُ ابنَ إسْحاقَ ابن إبْراهيم بن رَاهَوَيْه يقول: قال أبي ﵁، الحِكايَة.
أخْبَرَنا زَيْد بن الحَسَن إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ الخَطِيبُ (١)، قال: إسْحاقُ بن إبْراهيم بن مَخْلَد بن إبْراهيم، أبو يَعْقُوب الحَنْظَلِيُّ المَرْوَزيُّ، المَعْرُوفُ بابنِ رَاهَوَيْه، كان أحَدَ أئمَّةِ المُسْلمِيْن، وعَلَمًا من أعْلَام الدِّين، اجْتَمع له الحَدِيْثُ والفِقْهُ، والحِفْظُ والصِّدْقُ، والوَرَعُ والزُّهْدُ، ورَحَل إلى العِرَاق، والحِجَاز، واليَمَن، والشَّام، فسَمِعَ جَرِيرَ بن عَبْد الحَميْدِ الرَّازِيَّ، وإسْمَاعِيْلَ ابن عُلَيَّة، وسُفْيان بن عُيَيْنَة، ووَكِيع بن الجَرَّاح، وأبا مُعاوِيَة، وأبا أُسامَةَ، ويَحْيَى ابن آدَم، وبَقِيَّة بن الوَلِيدِ، وعَبد الرَّزَّاق بن هَمَّام، والنَّضْر بن شُمَيْل، وعَبْد العَزِيْز الدَّرَاوَرْدِيّ، وعِيسَى بن يُونُس، وعَبْدَة بن سُلَيمان، وأبا بَكْر بن عَيَّاش، وعَبد الوَهَّاب الثَّقَفِيّ، ومُعْتَمِر بن سُلَيمان، ومُحَمَّد بن بَكْر البُرْسَانِيّ، وعبد الله بن وَهْب، ومُحَمَّد بن سَلَمَة الحَرَّانيّ، وسُوَيْد بن عَبْد العَزِيْز، ومُعَاذ بن هِشَام، والوَلِيد بن مُسْلِم.
ووَرَدَ بَغْدَاد غير مَرَّة، وجَالَسَ حُفَّاظ أهْلها، وذَاكَرهُم، وعاد إلى خُرَاسَان فاسْتَوْطَن نَيْسَابُور إلى أنْ تُوفِّي بها، وانْتَشر عِلْمُهُ عند الخُرَاسَانيِّيْنَ.
ورَوَى عنهُ مُحَمَّدُ بن إسْمَاعِيْل البُخاريّ، وإسْحَاقُ بن مَنْصُور الكَوْسَجُ، ومُسْلم ابن الحَجَّاج النَّيْسَابُوريّ، ومُحَمَّد بن نَصْر المَرْوَزِيُّ، وأبو عِيسَى التِّرْمِذيّ، وأحمدُ بن سَلَمَة، وخَلْقٌ يَطُولُ ذِكْرهُم.
стр. 1700
ورَوَى عنهُ من قُدَمَاءِ شُيُوخه: يَحْيَى بن آدم، وبَقِيَّة بن الوَلِيد، ومن أقْرَانهِ أحْمَدُ بن حَنْبَل، ولم أَرَ في أحَادِيْث البَغْدَاديِّيْن شيئًا اسْتَدِلُّ به على أنَّهُ حدَّثَ ببَغْدَاد إلَّا أنْ يكُونَ على سَبيل المُذَاكَرَة، والله أعْلَمُ.
أخْبَرَنا أبو البَرَكَات الحَسَن بن مُحَمَّد بن الحَسَن، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَة اللهِ (١)، قال: إسْحاق بن إبْراهيم بن مَخْلَد بن إبْراهيم بن عَبْدِ الله بن بَكْر -ويقال مَطَر بَدَل بَكْر- ابن عَبْد الله ابن غالب بن عَبْد الوَارِث -ويقال: ابنُ الوَارِث- ابن عَبْد الله بن عَطِيَّة بن مُرَّة ابن كَعْب بن هَمَّام بن أسْمَر -ويُقال: أَسَد بَدَل أسْمَر- ابن مُرَّة بن عَمْرو بن حَنْظَلَة ابن مَالِك بن زَيْد مَنَاة بن تَمِيْم، أبو يَعْقُوبَ التَّمِيْمِيّ الحَنْظَلِيّ المَرْوَزيّ المَعْرُوفُ بابنِ رَاهَوَيْه. أحدُ أئمَّة المُسْلمِيْن، وأعْلَام الدِّين.
سَمِعَ بدِمَشْق والشَّام سُوَيْد بن عَبْد العَزِيْز، وعُمَر بن عَبْد الوَاحِد، ومُحَمَّد بن شُعَيْب بن شَابُور، والوَلِيد بن مُسْلِم، وشُعَيْب بن إسْحاق الدِّمَشقيّينِ، وعَطَاء بن مُسْلِم الخَفَّاف، ومُبَشِّر بن إسْمَاعِيْل الحَلَبِيَّين، وبَقِيَّة بن الوَليْد، ومُحَمَّد بن حَرْبٍ الخَوْلانِيّ، وأبا حَيْوَة شُرَيْح بن يَزِيد، ومُحَمَّد بن حِمْيَر الحِمْصِيِّيْن، وبالرَّيّ جَرِير بن عَبْد الحَميْد، وبالكُوفَة حَفْصَ بن غِيَاث، وعبدَ الله بن إِدْرِيس، ومُحَمَّد بن فُضَيْلِ بن غَزْوَان، وعَبْدَة بن سُلَيمانَ، ووَكِيع بن الجَرَّاحِ، وأبا مُعاوِيَة الضَّرِيْر، وأبا أُسامَة حَمَّاد بن أُسامَة، وأبا خَالِد سُليْمان بن حَيَّان الأحْمر، ويَحْيَى بن آدَمَ، وبالبَصْرَة مُعْتَمِر بن سُلَيمان، وبشر بن المُفَضَّل، وعَبد الوَهَّاب الثَّقَفِيّ، وعَبْد الأعْلَى بن عَبْد الأعْلَى السَّامِيّ، وإسْمَاعِيْل ابن عُلَيَّة، ويَحْيَى بن سَعيد القَطَّان، وعَبْد الرَّحمن بن مَهْدِي، وخَالِد بن الحَارِث الهُجَيْمِيّ، ومُعَاذ بن هِشَامٍ، ومُحَمَّد بن أبي عَدِيٍّ، ومَرْحُوم بن عَبْد العَزِيْز العَطَّار، وبمَكَّة سُفْيان ابن عُيَيْنَة، ويَحْيَى بن سُلَيم، والمُؤَمَّل بن إسْمَاعِيْل، وعبد الله بن يَزِيد المُقْرِئ، وباليَمَن
стр. 1701
أبا قُرَّة مُوسَى بن طَارِق، وعَبد الرَّزَّاق بن هَمَّام، وإبْراهيم بن الحَكَم بن أَبَان، وهِشَام ابن يُوسُف، وبخُرَاسَان عَبْد الله بن المُبارَك، والفَضْل بن مُوسَى السِّيْنَانِيّ، وأبا تُمَيْلَة يَحْيَى ابن وَاضِح، وعليّ بن الحُسَين بن وَاقِد، والنَّضْر بن شُمَيْل، وأحمد بن أَيُّوبَ الضَّبِّيّ، وعُمَر ابن هَارُون البَلْخِيّ، وجَمَاعَةٌ سِوَاهُم.
رَوَى عنهُ يَحْيَى بن آدَم، وبَقِيَّةُ بن الوَلِيد، وهما من شُيُوخِه، وأحمد بن حَنْبَل، ومُحَمَّد بن حُمَيْدٍ الرَّازِيّ، وهما من أقْرَانهِ، ومُحَمَّد بن رَافِع، ومُحَمَّد بن يَحْيَى الذُّهْلِيّ، ويَحْيَى ابن مَعِيْن، ويَحْيَى بن يَحْيَى، وعَبْد الرَّحمن الدَّارِمِيّ، والبُخاريّ، ومُسْلِم، والتِّرْمِذيّ، والنَّسَائِيّ، ومُوسَى بن هَارُون الحَمَّال، وعبد الله بن مُحَمَّد بن شِيْرَوُيه، والحَسَن بن سُفْيان، وجَعْفَر بن مُحَمَّد الفِرْيَابِيّ، وأبو إسْحاق إبْراهيم بن إسْمَاعِيْل العَنْبَرِيّ الطُّوْسيّ، وأبو يَعْقُوب إسْحاق بن إبْراهيم بن نَصْر البُشْتِيّ (a)، وأحمدُ بن سَعيد الدَّارِمِيّ، وأبو يَعْقُوب إسْحاقُ بن أبي عِمْران الإسْفَرَاينِيّ الشَّافِعيّ، وأبو العبَّاس أحْمَدُ بن سَهْل بن بَحْر، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل بن مِهْرَان الإسْمَاعِيْليّ، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن الحُسَين بن الحَسَن البَرْذَعِيّ، وهَارُون بن عبد الصَّمَد بن عُبْدُوْس الرُّخِّيّ (b)، ويَعْقُوب بن يُوسُف بن يَعْقُوب الأخْرَم، ويَعْقُوب بن يُوسُف بن مَعْقِل (c) الوَرَّاق، وأبو العبَّاس السَّرَّاجُ، وهو آخرُ مَنْ حَدَّثَ عنهُ.
قُلتُ: كَذَا قال الحافِظُ أبو القَاسِم أنَّ أحْمَد بن حَنْبَل رَوَى عن إسْحاق بن رَاهَوَيْه، ولم يَذْكر الشَّاهِد على ذلك، كما ذَكَر في يَحْيَى بن آدم، وبَقِيَّة بن الوَلِيد، وأظُنُّه -واللهُ أعْلَمُ- رَأى أبا بَكْر الخَطِيب (١) قد قال في تَرْجَمَةِ إسْحاق: ورَوَى عنهُ من قُدَمَاءِ
стр. 1702
شُيُوخه يَحْيَى بن آدَم وبَقِيَّة بن الوَلِيد، ثمِّ قال: ومن أقْرَانه أحْمَد بن حَنْبَل، وإنَّما أراد الخَطيب الإخْبار عن أحْمَد بن حَنْبَل أنَّهُ من أقْرَان إسْحاق، لا أنَّ أحْمَد رَوَى عنهُ، والدَّلِيْل على أنَّ مُرَاد أبي بَكْر الخَطِيب ذلك قوله بعدَهُ: ولَمِ أرَ في أحَادِيْث البَغْدَاديِّيْن شيئًا أسْتَدلُّ بهِ على أنَّهُ حدَّث ببَغْدَاد، فلو كان أحْمَد روَى عنهُ كفاهُ ذلك دَلِيْلًا على أنَّهُ حَدَّثه إسْحاق ببَغْدَاد، فإنَّ اجْتِمَاعَهُ بأحمد كان ببَغْدَاد في سَنَةِ تِسْعٍ وتِسْعِين على ما ذَكَرناهُ عن مُحَمَّد بن يَحْيَى الذُّهْلِيّ في أثناءِ التَّرْجَمَة، وقَوْل الخَطِيب: ومن أقْرَانه أحْمَد ابن حَنْبَل، اتَّبع في هذا القَوْل أبا يَعْلَى الخلَيل بن عَبْد الله الحافِظَ، وقد ذَكَر إسْحاق بن رَاهَوَيْه في كتاب الإرْشَادِ (١) بما أخْبَرَنا بهِ أبو القَاسِم عبد الرَّحيم بن يُوسُف بن الطُّفَيْل بالقَاهِرَة المُعِزِّيَّةِ، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو طَاهِر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، قال: سَمِعْتُ إسْمَاعِيْل بن عَبْد الجَبَّار المَاكيِّ يقول: سَمِعْتُ أبا يَعْلَى الخلَيلِ بن عَبْد الله الحافِظ يقول: أبو يَعْقُوب إسْحاق بن إبْراهيم الحَنْظَلِيِّ ابن رَاهَوَيْه، الإمَامُ المُتَّفَقُ عليه شَرْقًا وغَرْبًا، كان إمامَ هذا الشَّأْن؛ حِفْظًا وعِلْمًا وفِقْهًا، وفي العُلُوم كُلّها.
سَمِعَ ابن عُيَيْنَة، وعَبد الرَّزَّاق وأقْرَانَهُما من شُيُوخ مَكَّة واليَمَن والعِرَاق وخُرَاسَان، وشُيُوخه أكْثر من أنْ يُعَدُّوا، وكان يُقارن بأحمدَ بن حَنْبَل، أخْرَجَهُ البُخاريّ والأئمَّة كُلّهُم في الصِّحَاح، وآخر مَنْ أكْثر عنهُ مُحَمَّد بن إسْحاق السَّرَّاج، تُوفِّي سَنَة سَبْعٍ وثَلاثين ومَائتَيْن.
على أنَّهُ يُحْتمل أنْ يكُون أحْمَد رَوَى عنهُ على ما هو عَادهَ العُلَمَاء والحُفَّاظ من الرِّوَايَة عمَّن هو فَوْقه، وعمَّن هو مثْلُهُ، وعمَّن هو دُوْنَهُ، واللهُ أعْلَمُ.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٢)، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن الحُسَين القَطَّان، قال: أخْبَرَنا
стр. 1703
عليّ بن إبْراهيم المُسْتَملِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو أحْمَد بن فارس، قال: حَدَّثَنَا البُخاريّ، قال: ماتَ إسْحاقُ بن إبْراهيم بن مَخْلَد أبو يَعْقوب الحَنْظَلِيّ وهو ابنُ سَبعْ وسَبْعِين سَنَةً.
قال الخَطِيبُ (١): وهذا يَدُلُّ على أنَّ مَوْلدَهُ كان في سَنَة إحْدَى وسِتِّين ومائة، قَبْل مَوْلد أحْمَدَ بن حَنْبَل بثلاث سنين.
قال الخَطِيبُ (٢): قرأتُ على الحَسَن بن أبي بَكْر، عن أحْمَد بن كَامِل القَاضِي، قال: أخْبرَني أبو يَحْيَى الشَّعْرَانيّ: أنَّ إسْحاق بن رَاهَوَيْه تُوفِّي في سَنَة ثمانٍ وثَلاثين ومَائتَيْن، وأنَّهُ كان يَخْضِبُ بالحِنَّاءِ. وقال لي: ما رأيتُ بيدِ إسْحاق كِتَابًا قَطّ، وما كان يُحَدِّثُ إلَّا حِفْظًا. قال: كُنْتُ إذا ذاكرتُ إسْحاق في العِلْم وَجَدْتُه فيهِ فَرْدًا، فإذا جئتُ إلى أمر الدُّنْيا رأيتُهُ لا رَأيَ له.
قال الخَطِيبُ (٣): وأخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد العَتِيْقِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عَدِيّ البَصْرِيّ في كتابهِ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُبَيْد مُحَمَّد بن عليّ الآجُرِّيّ، قال: سَمِعْتُ أبا دَاوُد يقول: إسْحاقُ بن رَاهَوَيْه تَغَيَّر قبل أنْ يَمُوتَ بخَمْسِة أشْهُر، وسَمِعْتُ منهُ في تلكَ الأيَّام، ورَمَيْتُ به، وماتَ سنة سَبْعٍ أو ثَمانٍ وثَلاثين ومَائتَيْن.
أنْبَأنَا أبو القَاسِم بن رَوَاحَة، عن الحافِظ أبي طَاهِر، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ البَرَدَانيّ، سَمَاعًا أو إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل بن خَيْرُون، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن العَتِيْقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن المُظَفَّر الحافِظ، قال: قال أبو القَاسِم عَبْد الله بن مُحَمَّد البَغَويّ (٤): ماتَ إسْحاق بن إبْراهيم الحَنْظَلِيّ، وهو ابن رَاهَوَيْه، سَنَة ثَمانٍ وثَلاثين في أوَّلها.
стр. 1704
أخْبَرَنا حَسَنُ بن أحْمَد الأَوَقِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد الحافِظ، قال: أخْبَرَنا المُبارك بن عَبْد الجَبَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الحَرْبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الصَّفَّار، قال: أخْبَرَنا عَبْد البَاقِي بن قَانِعٍ أنَّ إسْحاق بن رَاهَوَيْه ماتَ بنَيْسَابُور في شَعْبان سَنَة ثمانٍ وثَلاثين ومَائتَيْن.
أخْبَرَنا زَيْن الأُمَناء الحَسَن بن مُحَمَّد إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم (١) عَمِّي، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب المَاوَرْدِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عليّ السِّيْرَافيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن إسْحاق النَّهَاوَنْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن عِمْران، قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بن زَكَرِيَّاء، قال: حَدَّثَنَا خَلِيفَةُ بن خَيَّاط (٢)، قال: وإسْحَاقُ بن رَاهَوَيْه من أهْل خُرَاسَان، يعني ماتَ سَنَة ثمانٍ وثَلاثين ومَائتَيْن.
أنْبَأنَا أبو حَفْص المُؤدِّبُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر بنُ أبي الصَّقْر الأنْبارِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر هِبَة الله بن إبْراهيم، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْلِ، قال: حَدَّثَنَا أبو بِشْر الدُّولَابِيّ (٣)، قال: قال مُحَمَّد بن إسْحاق بن رَاهَوَيْه: قال مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل البُخاريّ (٤): ماتَ أبو يَعْقُوب إسْحاقُ بن إبْراهيِم لَيْلَة السَّبْت لأرْبَع عَشرهَ لَيْلَة خَلَتْ من شَعْبان سَنَة ثمانٍ وثَلاثين، وهو ابنُ سَبْعٍ وسَبْعِين سَنَةً.
قال أبوِ القَاسِمِ بن السَّمَرْقَنْديّ: أخْبَرَنا أبو عليّ بن المُسْلِمَة، وأبو القَاسِم عَبْدُ الوَاحِد ابن عليِّ بن مُحَمَّد بن فَهْد العَلَّاف، قالا: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الحَمَّامِيّ، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ ابن مُحَمَّد بن الحَسَن السَّكُونِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَبْدِ الله بن سُلَيمان الحَضْرَميّ، قال: ماتَ إسْحاق بنُ إبْراهيم بن رَاهَوَيْه سَنَة ثمانٍ وثَلاثين ومَائتَيْن.
стр. 1705
أنْبَأنَا ابن الحَسَن اللُّغَويّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ الثَّابِتِيِّ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَرْقَانِيّ، قال: قَرَأتُ على أبي حَامِد أحْمَد بن عُمَر بن حَفْص المَرْوَزيّ بها، قال: سَمِعْتُ أبا يَزِيد مُحَمَّد بن يَحْيَى بن خَالِد يقول: ماتَ إسْحاق بن إبْراهيم لَيْلَة الخَمِيْس سَنَة ثمانٍ وثَلاثين ومَائتَيْن.
قال أحْمَد بن عليّ (٢): وأخْبَرَنا مُحَمَّد بن أحْمَد بن يَعْقُوب، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن نُعَيْم، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن إبْراهيم المُزَكِّي، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بنُ مُحَمَّد بن زِيَادٍ، قال: تُوفِّي إسْحاق بن إبْراهيم الحَنْظَلِيّ لَيْلَةَ النِّصْف من شَعْبان سَنَة ثمانٍ وثَلاثين ومَائتَيْن.
أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن مُحَمَّد الفَقِيه إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن الحَسَن، قال: كَتَبَ إليَّ أبو نَصْر القُشَيْريّ: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَيْهَقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللهِ الحافِظُ، قال: قَرأتُ بخَطِّ أبي عَمْرو المُسْتَمْلِيّ: أخْبَرَني عليّ ابن سَلَمَة ابن عليّ الجُلَابَاذِيُّ الكَرَابِيْسِيُّ -وهو من الصَّالِحين- قال: رأيْتُ لَيْلَة ماتَ إسْحاق ابن إبْراهيم الحَنْظَلِيّ كأنَّ قَمَرًا ارْتفَع من الأرْض إلى السَّماء من سِكَّة إسْحاق بن إبْراهيم، ثمّ نَزَل فسَقَط في المَوضِعِ الّذي دُفِنَ فيهِ إسْحاقُ بن إبْراهيم، ولم أشْعُر أنا بمَوْتِهِ، فلمَّا غَدَوتُ إذا أنا بحفَّارٍ يَحْفرُ قَبْر إسْحاقَ بن إبْراهيم في المَوضِع الّذي رأيتُ القَمَر وقَع فيه! فسَألتُ الحَفَّارَ قُلتُ: قَبْر مَنْ هذا؟ قال: قَبْر إسْحاق ابن إبْراهيم.
قال أبو عَمْرو: وأخْبَرَني عليّ بن سَلَمَة، قال: حَدَّثَنَا شَاذَانُ -وكان وَكيْلًا لآل طَاهِر- قال: رأيْتُ اللَّيْلةَ الّتي ماتَ فيها إسْحاقُ بن إبْراهيم كأنَّ عليه إزَارًا وردَاءًا وهو يتحرَّكُ كأنَّهُ قائم مُسْتَقْبل قَبْره الّذي دُفِنَ فيهِ، ومعهُ رجالٌ كَثِيْرٌ كأنَّهُم قالوا لإسْحاقَ بن إبْراهيم: أين تُرِيدُ؟ فقال إسْحاقُ بن إبْراهيم: أُرِيدُ الحَجَّ.
стр. 1706
إسْحَاقُ بن إبْرَاهيم بن مُصْعَب بن رُزَيْق بن أَسْعَد الخُزَاعِيُّ، مَوْلَاهُم، أبو الحَسَن (١)
وهو ابنُ عَمِّ طَاهِر بن الحُسَين ذي اليَمِيْنين، ومُصْعَبُ بن رُزَيْق مَوْلَى خُزَاعَة، وَلِيَ حَلَبَ والعَوَاصِم بأسْرها والثُّغُور، اسْتَعْمله المَأْمُونُ عليها، وعَزَل ابنَهُ العبَّاس بن المَأْمُون عنها في سَنَة أرْبَع عَشرة ومَائتَيْن.
وقَرَأتُ في تاريخ مُحَمَّد بن أبي الأزْهَر الكَاتِب أنَّ ذلك كان في سَنَة خَمْس عَشْرةَ ومَائتَيْن، قال: ثُمَّ عَزَلَ المَأْمُونُ إسْحاق بن إبْراهيم في السَّنَةِ الّتي وَلَّاهُ، وأعادَ ابنَهُ العبَّاسَ بن المَأْمُون إلى الوِلَايَةِ، وعَقَد لإسْحاق وِلَايَةَ مِصْر.
وقد رُوِيَ عنه إنْشَاد من الشِّعْر، وحَكَى عنه أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن المُدَبِّر، وأبو حَشِيْشَة (٢)، وكان أميرًا عَاقِلًا مُتَميِّزًا مَذْكُورًا وَجِيْهًا، كَريم الأخْلَاق، وعَظُم أمْره عند المُتَوَكِّل حتَّى جَعَل إليه أمْر القَضَاء، فعَزَلَ ووَلَّى.
стр. 1707
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد الله الدِّمَشقيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم ابن بَوْش الأَزَجِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ بن كَادِش، قال: أخْبَرَنا أبو عليِّ الجَازِرِيّ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو الفَرَجِ المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء (١)، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن مُحَمَّد بن الجَهْمِ أبو طَالِب الكَاتِب، قال: حَدَّثَني القَاسِم بن أحْمَد الكَاتِبُ، قال: حَدَّثَنِي أحْمَد بن مُحَمَّد بن مُدَبِّرٍ، قال: حَدَّثني إسْحاقُ بن إبْرَاهيم بن مُصْعَب، قال: تضَمَّنْتُ السَّوَادَ من المَأْمُون لسنَة ثلاث عَشرة ومَائتَيْن بأرْبعمائة ألف كُرّ شَعِيْر مصرفًا بالفَالِج (a) حَاصِلًا، وثَمانية آلاف ألف دِرْهَمٍ سوى مُؤَنِ العَمَل وأرْزَاق العُمَّال وغير ذلك، فارتَفَع لي فيه من الفَضْلِ بعد المُؤَن والأرْزَاق الجَارِيَةِ عشرُون ألف ألف دِرْهَم، قال: فأتيتُ المَأْمُون، فقُلتُ: يا أَمِير المُؤمِنِين، إنِّي قد اسْتَفضَلْتُ في ضَمَان السَّوَادِ عشرين ألف ألف دِرْهَمٍ، قال: قد سَرَرْتَني وقد سَوَّغْتُكَها، ولكن أكْتُبْ إلى عَبْد الله بن طَاهِر فعَرِّفْهُ أنِّي إنَّما ضَمَّنْتُكَ السَّوَادَ له، وسَوَّغتُكَ هذا الفَضْل لمكانهِ ومَحلِّه منِّي، ففَعَلْتُ. قال: فكَتَبَ إليَّ عَبْدُ الله بن طَاهِرٍ: قد سَرَّني ما كتبتَ به من رِبْحِكَ عِشْريَن ألف ألف دِرْهَمٍ، وتَسْويغ أَمِير المُؤمِنِين إيَّاكَ ذلك، وأَمِيرُ المُؤمِنِين أجَلُّ قَدْرًا وأعْظَمُ خَطَرًا أنْ يُسْتَكْثَرَ هذا من فِعْلِهِ، إذ (b) كان أهلًا لِمَا هو أكثرُ منهُ، وليسَ يَنْبَغي أنْ نَقْنَع لك بهذا دُونَ أنْ أُضِيْفَ إليهِ شيئًا آخر من مالي، فاقْبضْ من غلَّةِ ضِيَاعي مائةَ ألْف ألف دِرْهَم.
قَرأتُ بخَطِّ مُحَمَّد بن الحَسَن بن مُحَمَّد الصَّيْرَفِيّ في جُزِءٍ فيه أخْبَارٌ ونَوَادرُ سَمِعَها من أبي مُحَمَّد عليّ بن أَحْمَد المَادَرَائِيّ عن شُيُوخِهِ، قال المَادَرَائِيّ: وأنْشَدَني أبو القَاسِم؛ يعني عليّ بن الحَسَن بن شَمَرْدَل الكَاتِب، قال: أنْشَدَني بعضُ العبَّاسيِّيْنَ ببَغْدَاد، قال: سَمِعْتُ
стр. 1708
إسْحاق بن إبْرهيم بن مُصْعَب الطَّاهِرىِّ يُنْشِدُ (١): [من البسيط]
لو كُنْتُ أَحْمِل خَمْرًا يَوْمَ زُرْتكُم … لم يُنْكِر الكَلْبُ أنّي صَاحِبُ الدَّارِ
لكن أتيتُ ورِيْحُ المِسْك يَفْضَحُني (a) … والعَنْبَرُ الوَرْدُ أُذكيهِ على النَّارِ
فأنْكَر الكَلْبُ ريحي حينَ أبْصَرَني … وكانَ يألَفُ (b) رِيْح الزّقِّ والقَارِ
وقَرأتُ بخَطِّ مُحَمَّد بن الحَسَن بن مُحَمَّد الصَّيْرَفِيّ في هذا المَجْمُوع: قال المَادَرَائِيّ: أخْبَرَني مُحَمَّد؛ يعني أبا الحُسَين مُحَمَّد بنِ حُمَيْد الأنْبارِيّ، قال: أخْبَرَني العبَّاسيّ، قال: حَدَّثَني أبو حَشِيْشَة، قال: كنتُ في منْزِلي بمَدِينَة السَّلام فأتاني رسُول إسْحاق بن إبْراهيِم قبل صَلَاةِ المَغْرب في الحُضُور، فقُلْتُ لرَسُولهِ: ومَنْ عندَهُ؟ فقال: بعَثَ إلى بَدَل الكبيرة وعَمْرو بن بَانَة، قال: فصرتُ إلى داره، فرأَيْتُ آلَةَ الشُّرْب وآنِيَةَ النَّبِيْذِ والفَوَاكِه والرَّياحِين في صَحْن الدَّار، وهو جالِسٌ فىِ قُبَّتِه الّتي كاتَ مُشْرفَةً على دِجْلَة، فدخلْتُ، ووَافَى عَمْرو بنُ بَانَة ووافَتْ بَدَل، فَأَوْمأ إِلينا بالجُلُوسِ، فَجَلَسْنَا وما فينا أحَدٌ يَنْطقُ، وهو في صَدْر المَجْلِس لا يَتَكلَّم، ثمّ حَضر وَقْتُ صَلَاة عِشَاءِ الآخرة، فقام للصَّلَاة وقُمنا، ثمّ عاد إلى مَجْلسه وعُدْنا، فما زلنا جُلُوسًا بينَ يَدَيْهِ لم يَدْعُ بشيءِ ممَّا أُعدَّ له، ولا نَطَقَ بحَرْفٍ، ولا نَطَقْنا، فلمَّا أْن نَادَى المُؤذِّن بصَلَاة الغَدَاةِ، فقام لمَّا سَمِعَ الأذَان، وقُمْنا جَمِيعًا، فعَبَرنا في زَوْرَق، فقالت لنا بَدَل: مُرُّوا بنا إلى منْزِلي لنُقيم اليَوْم فيه ونتعَجَّب ممَّا كُنَّا فيه البَارِحَة، قال: ففَعَلْنا وأقَمْنا عندَها، وما فينا أحدٌ يَدْرِي لِمَ أُحْضِرنا، ولا لِمَ صُنِعَ بنا ما صُنِعِ، حتَّى إذا مَضَى لهذا الحَدِيْث مُدَّةٌ، قالت لي بَدَلٌ؛ وكانت جرِيَّةً على إسْحاق: عَلْمت أنِّي سألتُهُ عِن قِصَّتنا ليلة، فقال لي: نعم كنتُ أشْتَهي منذُ دَخَلْتُ بَغْدَاد أنْ أَصَادِفَ لَيْلَة أرْبَع عَشْرة من الشَّهْر والقَمَر فيها تَامٌّ، وقد مَدَّتْ دِجْلَةُ فأشْرَب على الماءِ والقَمَر، فاتَّفقَ ذلك في اللَّيْلةِ الّتي دعَوتُكُم إليها، وعزَمْتُ على الشُّرْب، فلمَّا تكامَلَ
стр. 1709
لي ما أرَدْتُ، عرَضَ فىِ فِكْرتي أنِّي مَتَى أعْطَيْتُ نَفْسِي شَهْوَتها طالبَتَنْي بذلك في غير هذا الأمر حتَّى تَغْلبَني، فتُفْسِد عليَّ أمْري، فمَنَعْتُها تلك الشَّهْوَةَ لئلَّا أُضَرِّيها على مثْلها.
ذَكَرَ أبو بَكْر أحْمَد بن كَامِل بن خَلَف، قال: وفيها -يعني سَنَة خمَسٍ وثَلاثين ومَائَتَيْن- ماتَ إسْحاقُ بن إبْراهيم المَوْصِلِىِّ وإسْحَاق الطَّاهِريّ المُغَنِّيان، وكان إسْحاق المَوْصِلِّي عَالمًا باللُّغَة والأخْبار.
قُلتُ: إسْحاق الطَّاهِريّ كان أميرًا ولم يكُن يَعْرف بالغِنَاءِ.
أنْبَأنَا ابن طَبَرْزَد، عن أبي غَالِب بن البَنَّاء، عن أبي غَالِب بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين المَرَاعِيشيِّ وأبو العَلَاءِ الوَاسِطِيّ، قالا: أخْبَرَنا إبْراهيم بنٍ مُحَمَّد بن عَرَفَة، قال: وأمَّا دار إسْحاق فَمَنْسُوبَةٌ إلى إسْحاق بن إبْراهيم المُصْعَبِّي، ولم يَزَل يتولَّى الشُّرْطَة من أيَّام المَأْمُون إلى أيَّام المُتَوَكِّل، وماتَ سَنَة خَمْسٍ وثَلاثين ومَائتَيْن، وسِنُّهُ ستّ وخَمْسُونَ سَنَةَ وثَمانية أشْهُر وأحَد عَشر يَوْمًا.
وقال ابنُ عَرَفَة في مَوضِعٍ آخر: وأمَّا إسْحاق بن إبْراهيم فماتَ عن ثمانٍ وخَمْسِين سَنَةً وأرْبَعة أشْهُر.
وقال إبْراهيم بن مُحَمَّد بن عَرَفَة: وفي هذه السَّنَة -وهي سَنَة خَمْسٍ وثَلاثين ومَائتَيْن- ماتَ أبو الحَسَن إسْحاق بن إبْراهيم وسِنُّهُ ثمانٍ وخَمْسونَ سَنَةً وأرْبَعة أشْهُر وأحَد عَشر يَوْمًا.
أنْبَأنَا حَسَن بن أحْمَد الأَوَقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا المبُارَك بن عَبْد الجَبَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الحَرْبِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الصَّفَّار، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ البَاقِي بن قَانِع، قال: سَنَة أرْبَعٍ وثَلاثين ومَائتَيْن، وفيها ماتَ إسْحاقُ بن إبْراهيم صَاحِبُ الشُّرْطَة.
стр. 1710
إسْحَاقُ بن إبْراهيم بن مَيْمُون بن مَاهَان بن بَهْمَن التَّمِيْمِيُّ، مَوْلاهُم، أبو مُحَمَّد المَعْرُوف أبُوه بإبْراهيم المَوْصِلِيُّ (١)
قَدِمَ حلَبَ صُحْبَة الرَّشِيْد حينَ قَدِمَها، ثمّ قَدِمَها صُحْبَةَ ابنهِ عَبْد الله المَأْمُون. وكان أَدِيْبًا فَاضِلًا شَاعِرًا كَرِيْمًا، حَاذقًا بالغِنَاء وصَنْعَتهِ، وَجِيْهًا عند الخُلَفَاء.
أخَذَ الأدَب عن أبي سَعيد الأصْمَعِيِّ، وأبي عُبَيْدَة مَعْمَر بن المُثَنَّى، ووَكِيع ابن الجَرَّاح، وعَبد الرَّزَّاق بن هَمَّام، وأبي تُمَيْلَة، وسَمِعَ مَالِك بن أنَسَ، وسُفْيان ابن عُيَيْنَة، وأبا مُعاوِيَة الضَّرِيْر، وهُشَيْم بن بشِير، والهَيْثَم بن عَدِيّ، وبَقيَّة بن الوَلِيد الحِمْصِيّ، ورَوْح بن عُبَادَة، والحَارِث بن قَيْسِ، وأبا مِسْكِين، وعليّ بن إسْحاق، وسَعْدَ بن مُسلِم، والحَسَن بن عُتْبَة اللَّهَبيِّ، ومُصْعبَ بن عَبْد الله الزُّبَيْرِيّ، وشَدَّاد بن عُقْبَة، وأبا مُحَمَّد يَحْيَى بن المُبارَك اليَزِيْدِيّ، وأبا عَبْد الله أحْمَد بن أبي دُؤَاد القَاضِي.
стр. 1711
رَوَى عنهُ شَيْخُهُ أبو سَعيد الأصْمَعِيّ، والزُّبَيْر بن بَكَّار، وأبو خَالِد يَزِيد بن مُحَمَّد المُهَلَّبيّ، وابنُهُ حَمَّاد بن إسْحاق بن إبْراهيم، وأبو العَيْنَاءِ مُحَمَّد بن القَاسِم بن خَلَّاد، وعليّ بن يَحْيَى المُنَجِّم، ومَيْمُون بن هَارُون الكَاتِب، والحُسَين بن يَحْيَى الكاتِب، وأحمد بن القَاسِم الهاشِميّ، ومُحَمَّد بن عَبْدِ الله بن مالك، وأبو الفَضْل العبَّاس بن الفَضْل الرَّبَعيِّ.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الله بن الحسُين بن عَبْد الله بن رَوَاحَة الحَمَوِيّ بها، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح سَعيد ابن إبْراهيم بن أحْمَد الصَّفَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن القَاسِم بن إبْراهيم المُقْرِئ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحُسَين أحْمَد بن فَارِس بن زَكَرِيَّاء اللُّغَويّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن عَبْد الله الدُّوْرِيّ بمَدِينَة السَّلام، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن الحَسَن بن الهَيْثَم، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن عليّ المِرْدَاسِيِّ، قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن إسْحاق بن إبْراهيِم المَوْصِلِيّ، قال: قال لي أبي: قُلتُ ليَحْيَى بن خَالِد: أُرِيْدُ أنْ تُكَلِّم لي سُفْيان بن عُيَيْنَة ليُحَدِّثني بأحَادِيْث، فقال: نَعَم، إذا جاء فأَذْكِرْني، قال: فجاءَهُ سُفْيان، فلمَّا جَلَسَ أَوْمَأْتُ إلى يَحْيَى، فقال: يا أبا مُحَمَّد، إسْحاق بن إبْراهيم من أهْل العِلْمِ والأدَب، وهو مُكْرَهٌ على ما تَعَلَّمه منه! فقال سُفْيان: ما تُريْد بهذا الكَلَام؟ فقال: تُحَدِّثهُ بأحَادِيْث، قال: أكْرَهُ ذلك، فقال يَحْيَى: أقْسَمْتُ عليك ألَّا فَعَلْت، فقال: نعم، فليُبَكِّر إليَّ. قال: فقُلْتُ ليَحْيَى: افْرض لي عليهِ شيئًا، فقال له: يا أبا مُحَمَّد، افْرض له شيئًا، قال: نعم قد جَعَلْتُ له خَمْسَة أحَادِيْث، قال: زِدْهُ، قال قد جَعَلْتُها سَبْعَةً، قال: هل لك أنْ تَجْعلَها عَشرةً، قال: نعم. قال إسْحاقُ: فبَكَّرْتُ إليه واسْتَأذَنْتُ ودَخَلْتُ، فجلَسْتُ بينَ يَدَيْه، وأخْرج كتابَهُ فأمْلَى عليَّ عَشرة أحَادِيْث، فلمَّا فَرَغَ قُلْتُ لهُ: يا أبا مُحَمَّد، إنَّ المُحَدِّث يَسْهُو، ويَغْفُل، والمُحَدَّثُ أيضًا كذلك، فإنْ رأيتَ أنْ أقرأ عليكَ ما سَمِعتُهُ منكَ، قال: إقْرأ فَديتُكَ، فقَرَأتُ عليه وقُلْتُ له أيْضًا: إنَّ
стр. 1712
القَارِئ رُبَّما أغْفَل طَرْفُهُ الحَرْفَ، والمَقْروءَ عليه رُبَّما ذَهَبَ عنهُ الحَرْفُ، فأنا في حلٍّ أنْ أرْوِي جميع ما سَمِعْته منك؟ قال: نعم فَديْتُكَ، أنتَ والله فَوْقَ أنْ يَسْتَشْفِعَ أو يُشْفَع لك، تعال كُلَّ يَومٍ، فلَوَددْتُ أنَّ سَائر أصْحَاب الحَدِيْثِ كانُوا مثْلَكَ.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: أخْبَرَني أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن يَعْقُوب الكَاتِب، قال: حَدَّثَنِي جَدِّي مُحَمَّد بنُ عُبيدِ الله بن قَفَرْجَل، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا أبو العَيْنَاء، قال: حَدَّثَنَا إسْحاقُ بن إبْراهيم المَوْصِليِّ، قال: جئتُ أبا مُعاوِيَةَ الضَّرِيْر ومعي مائةُ حَديثٍ أُرِيْد أنْ أقْرأها عليه، فوجَدْتُ في دِهْليزه رَجُلًا ضَريرًا، فقال لي: إنَّهُ قد جَعَلَ الأذْنَ عليه اليَوْم إليَّ ليَنْفَعني، وأنتَ رَجُلٌ جَلِيْلٌ، فقُلتُ لَهُ: معي مائةُ حَدِيث، وأنا أهَبُ لك عنها مائةَ دِرْهَم، فقال: قد رَضِيْتُ، ودَخَل فاسْتأْذَنَ لي فدَخَلْتُ، وقرأتُ المائةَ حَدِيْث، فقال لي أبو مُعاوِيَة: الّذي ضَمنْتَهُ لهذا يأخُذُه من أذْنَاب النَّاسِ، وأنتَ من رُؤَسَائهم، وهو ضَعِيفٌ مُعِيْلٌ، وأنا أُحِبُّ منفَعَتَهُ، قُلتُ: قد جَعَلتُها له مائة دِيْنار، فقال: أحْسَنَ اللهُ جَزاءَكَ، فَدَفَعْتُها إليه فأغْنَيْتُه.
قال أبو بَكْرالخطيبُ (٢): حَدَّثَني الحَسَنُ بن عليّ المُقَنَّعِيّ (٣)، عن مُحَمَّد بن مُوسَى الكَاتِب، قال: أخْبَرَني يُوسُف بن يَحْيَى بن عليّ المُنَجِّم، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن إسْحاقَ، قال: بَقِيْتُ دَهْرًا من دَهْري أُغَلِّسُ في كُلِّ يَوْم إلى هُشَيْم أو غيره من المُحَدِّثِيْن، فأَسْمَع منه، ثمّ أصير إلى الكِسَائِيّ أو الفَرَّاءٍ أو ابن غَزَالَة فأقرأُ
стр. 1713
عليه جُزءًا من القُرْآن، ثمّ آتي مَنْصُور زَلْزَل (١) فيُضَارِبُني طَريقتَيْن (a) أو ثلاثةً، ثمّ آتي عَاتِكَة بنتَ شُهْدَة فآخُذ منها صَوْتًا أو صَوتَيْن، ثمّ آتي الأصْمَعِيَّ وأبا عُبَيْدَة فأُنَاشدهمُا وأُحَادِثهما (b) وأسْتَفِيْدُ منهما، ثمّ أصير إلى أبي فأُعْلِمُه ما صنَعْتُ، ومَنْ لَقيْتُ، وما أخَذْتُ، وأتَغَدَّى معه. فإذا كان العَشِي رُحْتُ إلى أَمِير المُؤمِنِين الرَّشِيْد.
أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، عن أبي القَاسِم إسْمَاعِيْل بن أحْمَد بن عُمَر السَّمَرْقَنْديّ، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن سَهْل بن بِشْرَان النَّحْويِّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحيم بن دِيْنار اللُّغَويّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج عليّ بن الحُسَين الأصْبَهَانيِّ، قال: إسْحاق بن إبْراهيمَ بن مَيْمُون بن مَاهَان بن بَهْمَن المَوْصِليِّ، كان يقول: أصْلُنا من فَارِس، ولنا بَيْتٌ شَرِيْفٌ في العَجَم.
قال أبو الفَرَج (٢): مَوضِعُ إسْحاق من العِلْم، ومكانُه من الأدَبِ، ومَحَلُّه في (c) الرِّوَايَة، وتَقَدُّمُهُ في الشِّعْر، ومَنْزِلته في سَائر المَحَاسِن، أشْهَرُ من أنْ يُدَلَّ عليه فيها بوَصْفٍ (d)، فأمَّا الغِنَاءُ فإنَّهُ كان أصْغَرَ عُلُومه، وأَدْنَى ما يُوْسَم له، لم يكن له في الغِنَاء نَظِير، لَحِق بمَنْ مَضَى فيه، وسَبَقَ مَنْ بقي، أوْضَح للنَّاس طَريقه (e)، وسَهَّل عليهم سَبِيْلَهُ، فهو إمامُ أهْل صنَاعته جَمِيعًا، وقُدْوتهم ورَأسُهُم، ومُعَلِّمُهُم، شَهِدَ له
стр. 1714
به المُوَافقُ والمُفَارِقُ، وكان المَأْمُونُ يقُول: لولا ما سبَقَ لإسْحاق على ألْسِنَةِ النَّاسِ من الغِنَاءَ لوَلَّيْتُهُ القَضَاءَ، فإنَّهُ أوْلَى به، وأعَفُّ وأصْدَقُ، وأكثَرُ دِيْنًا وأمَانَةً من هؤلاء القُضَاة.
وقال الوَاثِقُ (١): ما غَنَّاني إسْحاقُ قَطّ إلَّا ظَنَنْتُ أنْ قد زِيْدَ في مُلْكي، وأنَّ إسْحاق نِعْمَةٌ من نِعَم المُلْك الّتي لم يَحْظَ أحدٌ بمثْلها، ولو أنَّ العُمْرَ والشَّبَابَ والنَّشَاط ممَّا يُشْتَرَى لاشْتَريتُهُ لهُنَّ (a) بشَطْرِ مُلْكِي.
وذَكَره مُحَمَّد بن دَاوُد بن الجَرَّاح في كتاب الوَرَقَة (٢)، فقال: إسْحاق بن إبْراهيم المَوْصِلِيّ، أبو مُحَمَّد، مَوْلَى لبني تَمِيْم، كَثِيْر الشِّعْر، حَسَنُهُ، وأكثَرُ أغَانيْهِ في أشْعَاره، وهو أسْتَاذُ النَّاس في صِنَاعَته، وفي عِلْم الأخْبارِ والأشْعَار، وله بالفِقْهِ أيضًا مَعْرفَةٌ، وقال: لي عِشرين سَنَة ما رأيتُ مثْلَهُ قَطّ. قال: وسَألتُه عمَّا عندَهُ من الكُتَب، فقال: عندي مائتَا قِمْطَر (٣).
أنْبَانَا أبو اليُمْن الكِنْدِىِّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٤)، قال: أخْبَرَني الحُسَين بن عليّ الصَّيْمَرِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عِمْران بن مُوسَى الكَاتِب، [قال] (b): أخْبَرَني مُحَمَّد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَني عَوْن ابن مُحَمَّد الكِنْدِيّ: أنَّ مُحَمَّد بن عَطِيَّة العَطَوِيّ الشَّاعِر حدَّثَهُ أنَّهُ كان عند يَحْيَى
стр. 1715
ابن أكْثَم في مَجْلِسٍ له يَجْتَمعُ النَّاسُ فيهِ، فوَافَى إسْحاقُ بنُ إبْراهيِم المَوْصِلِيّ، فأخَذَ يُناظِرُ أهْلَ الكَلَامِ حتَّى انْتَصَفَ منهم، ثمّ تكلَّم في الفِقْه فأحْسنَ، وقَاسَ واحْتَجَّ، وتكلَّم في الشِّعْر واللُّغَة ففَاقَ مَنْ حَضَر، فأقْبل على يَحْيَى، فقال: أعَزَّ اللهُ القَاضِي، أفي شَيءٍ ممَّا ناظَرتُ فيه وحَكَيتُه نَقْصٌ أو مَطْعَنٌ؟ قال: لا، قال: فما بالي أقُومُ بسَائر هذه العُلُوم قيامَ أهْلها، وأُنْسَبُ إلى فَنٍّ واحدٍ قد اقْتَصَر النَّاسُ عليهِ؟ قال العَطَوِيُّ: فالتفَتَ إليَّ يَحْيَى بن أكْثَم، فقال: جَوابُهُ في هذا عليك -قال: وكانَ العَطَوِيُّ من أهْلِ الجَدَل- فقُلتُ: نعم، أعَزَّ اللهُ القَاضِي، الجَوَابُ عليَّ. ثُمَّ أقبلْتُ على إسْحاق: فقُلتُ: يا أبا مُحَمَّد، أنت كالفَرَّاءِ والأخْفَش في النَّحو؟ قال: لا، قُلتُ: أفأَنْتَ في اللُّغَة وعِلْم الشِّعْر كالأصْمَعِيِّ وأبي عُبَيْدَة؟ قال: لا. قلتُ: أفأَنْتَ في الأنْسَابِ كالكَلْبيّ وأبي اليَقْظَان؟ قال: لا، قُلتُ: أفأَنْتَ في الكَلَام كأبي الهُذَيْل والنَّظَّام؟ قال: لا، قُلتُ: أفأَنْتَ في الفِقْه كالقَاضِي؟ قال: لا، قُلتُ: أفأَنْتَ في قَوْل الشِّعْر كأبي العَتَاهِيَة وأبي نُوَاس؟ قال: لا، قُلتُ: فمن هَا هُنا نُسِبْتَ إلى ما نُسِبْتَ إليه لأنَّهُ لا نَظِيرَ لكَ فيه ولا شَبِيهَ، وأنْتَ في غيره دونَ رُؤسَاءَ أهْلِهِ! فضَحِكَ وقامَ فانْصَرف، فقال لي يَحْيَى ابن أكْثَم: لقد وَفَّيْت الحُجَّةَ حقَّها، وفيها ظُلْمٌ قليلٌ لإسْحاق، وإنَّهُ لمَنْ يَقِلُّ في الزَّمان نَظِيرُهُ.
وقال أبو بَكْر الخطيبُ (١): حَدَّثَني عليّ بن المُحَسِّن (٢)، قال: وَجَدْتُ في كتاب جَدِّي عليّ بن مُحَمَّد بن أبي الفَهْم التَّنُوخِيّ: حَدَّثَنَا الحَرَميِّ بن أبي العَلَاء،
стр. 1716
قال: حَدَّثَنَا أبو خَالِد يَزِيد (a) بن مُحَمَّد المُهَلَّبيّ، قال: سَمِعْتُ إسْحاقَ المَوْصِليِّ يقول: لمَّا خَرَجْنا مع الرَّشِيْدِ إلى الرَّقَّة، قال لي الأصْمَعِيُّ: كم حملْتَ معَكَ من كُتُبكَ؟ قُلتُ: تخَفَّفْتُ، فَحَمَلتُ ثمانيةَ أحْمَالٍ؛ ستَّةَ عَشَر صُنْدُوقًا. قال: فعَجِبَ، فقُلتُ: كم معَكَ يا أبا سَعِيد؟ قال: ما معي إلَّا صُنْدُوقٌ واحدٌ، قُلتُ: ليسَ إلَّا؟ قال: وتَسْتَقِلُّ صُنْدُوقًا من حَقٍّ؟!.
قال أبو خَالِدٍ: وسَمِعْتُ إسْحاق بن إبْراهيم المَوْصِليِّ يقول: رأيْتُ في مَنَامِي كأنَّ جَريرًا ناولَني كُبَّةً من شَعرٍ، فأدْخَلْتُها في فَمِي، فقال بعضُ المُعَبِّرِيْن: هذا رَجُلٌ يقُولُ من الشِّعْر ما شَاء.
قال: وجاءَ مَرْوَان بن أبىِ حَفْصَة يَوْمًا إلى أبي، فاسْتَنْشَدَني من شِعْري، فأنْشَدْتُه (١): [من الطويل]
إذا كانَتِ الأحْرَارُ أصْلي ومَنْصبي … ودَافِعَ ضَيْمي خَازِمٌ وابنَ خَازِمِ
عَطَسْتُ بأنْفٍ شَامِخٍ وتَنَاوَلَتْ … يَدَاي السَّمَاءَ (b) قَاعِدًا غيرِ قَائِمِ
قال: فجعل مَرْوَان يَسْتَحْسن ذلك، ويقول لأبي: إنَّكَ لا تَدْرِي ما يقول هذا الغُلَامُ!.
==
(a) في تاريخ بغداد: أبو خالد بن يزيد بن محمد المهلبي، وهو خطأ.
(b) الديوان: الثريا.
стр. 1717
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
أنْبَأنَا الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: قَرِأتُ على الحَسَن بن عليّ الجَوْهَرِيّ، عن أبي عُبَيْدِ الله المَرْزُبانيّ، قال: أخْبَرَني مُحَمَّد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَبْد الله الحَزَنْبَل، قال: ما سَمِعْتُ ابنَ الأعْرَابِيّ يَصِفُ أحدًا بمثْلِ ما يصفُ بهِ إسْحاقَ من العِلْم والصِّدْق والحِفْظ، وكان كَثيرًا ما يقول: أسمعْتُم بأحْسَنَ من ابتدَائهِ في قَوْلهِ (٢): [من الخفيف]
هل إلى أنْ تَنَامَ عَيْنيْ سَبِيْلُ … إنَّ عَهْدِي بالنَّوْم عَهْدٌ طَوِيْلُ
هل تَعْرفُون مَنْ شَكا نَوْمَهُ بمثْل هذا اللَّفْظ الحَسَن؟!.
وقال مُحَمَّد بن يَحْيَى: سَمِعْتُ إبْراهيمَ بن إسْحاقَ الحَرْبيّ يقولُ: كان إسْحاقُ المَوْصِلِيّ ثِقَةً صَدُوقًا عَالمًا، وما سَمعْتُ منه شيئًا، ولوَدَدْتُ أَنِّي سَمِعْتُ، وما كان يَفُوتُني منه شيءٌ لو أردْتُه.
قال مُحَمَّد: وسَمِعْتُ أحْمَد بن يَحْيَى النَّحْوِيّ يقول نحوَ هذا القَوْل.
قال الخَطِيبُ (٣): حَدَّثَني الحَسَنُ بن عليّ المُقَنَّعِيّ، عن مُحَمَّد بن مُوسَى الكَاتِب، قال: أخْبَرَني الصُّوْلِيّ، قال: حَدَّثَني عَبْدُ الله بن المُعْتَزّ، قال: حَدّثَني أبو عَبْد الله الهِشَامِيّ، قال: اعْتَبَرَ أهْلُنا على إسْحاقَ بأنْ دَعَوهُ، ومَدُّوا سِتَارةً، وأقْعَدُوا كاتبَيْن ضَابطَيْن بحيثُ لا يَراهُما إسْحاق، وقالوا: كُلمّا غنَّتِ السِّتَارَةُ صَوْتًا فتكلَّم عليه إسْحاق، فاكْتُبا الصَّوْتَ، واكْتُبا لفظَهُ فيه، وجَعَلَ إسْحاقُ كُلمّا سَمِعَ صَوْتًا
стр. 1718
أخْبَر بالشِّعْر لمَنْ هو، ونَسَبَ الصَّوْتَ، وذَكَرَ جميعَ مَنْ تَغَنَّى فيه، وخَبَرًا إنْ كان له خبرٌ، حتَّى كُتِبَ ذلك كُلُّه وِحُفِظ. ثمّ دَعَوا إسْحاق بعد مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وضَرَبُوا ستَارةً، وأمَرُوا مَنْ خَلْفَها أنْ يُغَنَّين مثْلما كُنَّ غَنَّينَ به ذلك اليوم، فَفَعَلْنَ وابتدأ إسْحاق يَتَكلَّم في الغِنَاء بمثْل ما كان تكلَّم به ما خرَم حَرْفًا. قال: فعَلمُوا وعَلِمَ النَّاسُ أنَّهُ لا يقول إلَّا صَوَابًا وحَقًّا، وعَجِبُوا منهُ.
وقال (١): قَرَأتُ على الحَسَن بن عليّ الجْوهَرِيّ، عن أبي عُبَيْدِ الله المَرْزُبانيّ، قال: أخْبَرَني يُوسُف بن يَحْيَى بن عليّ المُنَجِّم، عن أَبِيهِ، قال: أخْبَرَني أحْمَدُ بن القَاسِم الهاشِميّ، عن إسْحاق بن إبْراهيم، قال: دعَاني المَأْمُونُ وعندهُ إبْراهيم بن المَهْدِيّ، وفي مَجْلِسه عشرون جَارِيَةً قد أقْعَدَ عَشْرًا عن يَمِيْنه، وعَشْرًا عنٍ يَسَاره، معهُنَّ العِيْدَانُ يَضْرِبْنَ بها، فلمَّا دَخَلْتُ سَمِعْتُ من النَّاحِيَةِ اليُسْرى خَطَأ فأنْكَرتُهُ، فقال المَأْمُون: يا إسْحاقُ، أتَسْمَعُ خَطَأً؟ قُلتُ: نَعَم يا أَمِيرَ المُؤمِنِين، فقال لإبْراهيم ابن المَهْدِيّ: هل تَسْمَع خَطأً؟ قال: لا. فأعَادَ عليَّ السُّؤَالَ، فقُلتُ: بَلَى واللهِ يا أَمِير المُؤمِنِين، وإنّهُ لَفِي الجَانِب الأَيْسَر، فأعَاد إبْراهيم سَمْعَه إلى النَّاحِيَة اليُسْرى، ثمّ قال: لا واللهِ يا أَمِير المُؤمِنِين ما في هذه النَّاحِيَة خَطَأٌ، فقُلتُ: يا أَمِير المُؤمِنِين، مُرِ الجَوَارِي اللَّواتي على المَيْمَنَةِ أنْ يُمْسِكنَ، فأمَرَهُنَّ فأمْسَكنَ، ثُمَّ قُلْتُ لإبْراهيم: هل تَسْمَعُ خَطَأَ؟ فتَسَمَّعَ ثمّ قال: ما ها هنا خَطَأٌ، فقُلتُ: يا أَمِير المُؤمِنِينَ، يُمْسِكْنَ وتَضْربُ الثَّامنَةُ، فأمْسَكْن وضَرَبت الثَّامنةُ، فعرفَ إبْراهيم الخَطَأ، فقال: نعم يا أَمِير المُؤمِنِين، ها هُنا خَطَأٌ، فقال عند ذلك المَأْمُونُ: يا إبْراهيمُ، لا تُمَارِ إسْحاقَ بعد اليَوْم؛ فإنَّ رَجُلًا فَهِمَ الخَطَأ بين ثمانين وَتَرًا، وعشرين حَلْقًا، لجَدِيرٌ بألَّا تُماريه، فقال: صَدَقْتَ يا أَمِيرَ المُؤمِنِين.
стр. 1719
أنْبَأنَا أبو القَاسِم عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد، عن عَبْد الكَريم بن حَمْزَة، عن أبي نَصْر بن مَاكُولا (١)، قال: وإسْحَاق بن إبْراهيم المَوْصِلِيّ المُغَنِّي شَاعِرٌ مُتَأدِّبٌ فَاضِلٌ، له رواياتٌ كَثِيْرةٌ، وكتابٌ مُصَنَّفٌ في الأغَانِي.
أنْبَأنَا زَيْد الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت (٢)، قال: إسْحاقُ بن إبْراهيم بن مَيْمُون، أبو مُحَمَّد التَّمِيْمِيُّ المَعْرُوف والدهُ بالمَوْصِليِّ، يُقالُ: إنَّهُ وُلد في سَنَة خَمْسِين ومائة، وقيل: وُلد بعد ذلك، وكَتَبَ الحَدِيْثَ عن سُفْيان بن عُيَيْنَة، وهُشَيْم بن بَشِير، وأبي مُعاوِيَة الضَّرِيْر، وطَبقَتهم. وأخَذَ الأدَب عن أبي سَعيد الأصْمَعِيّ، وأبي عُبَيْدَة، ونَحْوهما. وبَرَع في عِلْمِ الغِنَاءِ، وغَلَبَ عليه فنُسِبَ إليهِ. وكان حَسَنَ المَعْرفَة، حُلو النَّادِرة، مَلِيْحَ المُحاضَرَة، جَيِّد الشِّعْر، مَذْكُورًا بالسَّخَاءِ، مُعَظَّمًا عند الخُلَفَاءِ، وهو صَاحب كتاب الأغَانِي الّذي يَرْويه عنه ابنُهُ حَمَّاد. وقد رَوَى عنهُ أيضًا الزُّبَيْر بن بَكَّار، وأبو العَيْنَاء، ومَيْمُون بن هَارُون، وغيرهُم.
أنْبَأنَا زَيْن الأُمَناءِ الحَسَنُ بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ ابن الحَسَن (٣)، قال: إسْحاقُ بن إبْراهيم بن مَيْمُون، أبو مُحَمَّد التَّمِيْمِيُّ، المَعْرُوف أبُوه بالمَوْصِليِّ، سَمِعَ مَالِك بن أنَس، وسُفْيانَ بن عُيَيْنَةَ، وهُشَيْمَ بن بَشِير، وأبا مُعاوِيَةَ الضَّرِيْر، وأبا سَعيد الأصَمْعيِّ، وأبا عُبَيْدَة مَعْمَر بن المُثَنَّى، وبَقِيَّة بن الوَلِيد، ورَوْح ابن عُبَادَةَ.
رَوَى عنهُ ابنُهُ حَمَّاد، وشَيْخُه أبو سَعيد الأصْمَعيِّ، والزُّبَيْرُ بن بَكَّار، وأبو العَيْنَاءِ مُحَمَّد بن القَاسِم بن خَلَّاد، ومَيْمُون بن هَارُون الكَاتِب، وعليّ بن يَحْيَى
стр. 1720
المُنَجِّمَ، وأبو خَالِد يَزِيد بن مُحَمَّد المُهَلَّبيّ، والحُسَين بن يَحْيَى الكَاتِب، وغيرهم. وقَدِمَ دِمَشْق مع المَأْمُون.
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَبْدُ الله بن عُمَر بن عليّ القُرَشِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو السَّعَادَات بن عبدِ الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن زُرَيْق القَزَّاز، والكَاتبِة شُهْدَةُ بنتُ أحْمَد بن الفَرَجَ الإِبَرِيُّ، ح.
وأخْبَرَنا أبو البَقَاءِ يَعِيْشُ بنُ عليّ بن يَعِيْش، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ أبو الفَضْل عَبْدُ اللهِ بن أحْمَد بن مُحَمَّد الطُّوْسيّ، قالوا: أخْبَرَنا الحَاجِبُ أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد ابن عليّ بن العَلَّاف، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسمِ بنُ بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاس الكنْدِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر الخَرَائِطِيّ (١)، قال: حَدَّثَنَا العبَّاسُ بن الفَضْل، قال: حَدَّثَنَا إسْحاقُ بن إبْراهيم، عن أبي مِسْكِين، قال: ضَلَّتْ ناقةٌ لفَتَىً من بني تَمِيْم، فَخَرَج إلى حَيّ بني شَيْبَان يَنْشُدها، فإنَّهُ لكذلك إذ بَصُرَ بجَارِيَةٍ كأنَّها الشَّمْسُ حُسْنًا وجَمَالًا، فعَشِقَها عِشْقًا مُبَرِّحًا، فرَجَع إلى قَوْمِهِ وقد أذْهَبَتْ عَقْلَهُ، فا تَمَالَكَ أنْ رجَع إلى حَيِّهم، فلمَّا هَدَأ اللَّيْل، قال: لعَلِّي أُسَكِّنُ بالنَّظر إليها بعضَ ما بي، فأتاها وهي جالسَةٌ وأخوَتُها نِيَام حولها، فقال لها: يا قُرَّةَ عَيْني، قد واللهِ أذْهَبَ الشَّوْق عَقْلي، وكَدَّرَ عليَّ عَيْشِي، فقالتْ له: امْض إلى حالكَ وإلَّا أنْبَهْتُ أخوَتي فقَتلُوكَ، فقال لها: إنَّ القَتْل أهْوَنُ عليَّ من الّذي أنا فيه، قالت: وهَلْ يكُون شيء أشَدّ من القَتْل؟ قال: نعم ما أنا فيهِ من حُبِّك، قالت له: فما تَشَاءُ؟ قال: أمْكنيني من يَدك حتَّى أضَعَها على قَلْبي، ولَكِ عَهْدُ الله أنِّي أرْجعُ، ففَعَلَتْ، فرجَع، فلمَّا كانت القابلَة عادَ فوجَدَها على مثْل حالها، فقالت له كقولها الأوَّل، فقال: أمْكنِيْني من شفَتَيْك حتَّى أرشُفَهُما وأنْصَرف، فلمَّا فعَلَتْ ذلك وقعَ في قَلْبها منه كهَيْئَةِ النَّارِ، فأقْبَلَت تلقَاهُ كُلّ ليلةٍ، فنَذِرَ به حَيُّها وأخوَتُها، فقالوا: ما لهذا الكَلْب قد أطال