← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

زُرْتُ بَعَاذِيْنَ ولكنَّني … عَدمْتُ في العَافِيَةِ العَافِيَه أسْعَدُ بن عَمَّار بن سَعْد بن عَمَّار بن عليّ، ابو المَعَالِي الخِلاطِيّ ثمّ المَوْصِليّ، المُلَقَّب بالرَّبِيْب (١) سَمِعَ مُحَمَّدَ بنَ سَعْدِ الله بن نَصْر بن (a) الدَّجَاجيَّ الوَاعِظَ، وأبا الوَقْتِ عَبْد الأوَّل بن شُعَيْبٍ السِّجْزِيّ، وبُرْهَان الدِّين إبْراهيم بن المُظَفَّر بن إبْراهيم المَعْرُوف بابنِ البَرنِيّ. وشَاهدتُ سَماعَ الرَّبِيْبِ أَسْعَد بن عَمَّار على جُزءٍ من حَديث أبي حَفْص عُمَر بن أحْمَد بن شَاهِين على مُحَّمد بن سَعْد الله بن الدَّجَاجِيّ في سَنَة ثَلاثٍ وثَمانين (b) وخَمْسِمائَة، وقد حدَّثَ بهِ عنهُ مُوَفَّقُ الدِّين أبو العبَّاس أحْمَد بن أبي القَاسمِ بن أحْمَد القَيْسِيّ الإسْكَنْدِريّ في سَنَة أرْبعٍ وعشرين وستِّمائة. رَوَى لنا عنْهُ أبو المَحَامِد إسْمَاعِيْل بن حَامِد شَيئًا من شِعْر غيره، خرَّجَهُ عنه في مُعْجَم شُيُوخه. أخْبَرَنا أبو المَحَامِد القُوصِيّ، قال: أنْشَدَني الأَمِير الأجَلّ بَهَاء الدِّين رَبِيْب الدَّوْلَةِ أبو المَعَالِي أَسْعَد بن عَمَّار بن سَعْد بن عَمَّار أبْيَاتًا قيلَتْ في أبي أيُّوب سُليْمان [بن مُحَمَّد المُورِيَانيّ] (c) وَزِير أبي جَعْفَر المنَصُور لمَّا نَكبهُ [ثُمَّ قَتَلَهُ، وأشَار هذا] الشَّاعر في أبْياته إلى قَتْل أخيهِ [السَّفَّاح لَوزيره] أبي سَلَمَة حَفْص بن سُلَيمان

стр. 1927

الخَلَّال ﵀: [من الخفيف] [قد رَأينا] المُلُوك تحسُد مَن قد … قلَّدوه (a) أزمَّةَ التَّدْبِيرِ [وإنَّما] (b) رأوا له الأْمَر والنُّـ … ـهَي رموه من غير فهم (c) بنَكير [شَرِب (d) الكاس بعد حَفْص] سُلَيما … نُ ودَارَت عليه [كفّ المُدِير] [أسْوأ العالمـ]ـين حَالًا لديهم … مَنْ تَسَمَّي بين الوَرَى بالوَزِير (e) قال القُوصِيّ: ومن العَجَائِب والغَرَائِب أنَّني بعد مُفارَقَي له من المَوْصِل، وهو في عزِّه ونَفَاذ حُكْمه [وأمْره ونَهْيه] (f)، وارْتسَام رَسْمه، لم أَصِل إلى مَدِينَة حَرَّان حتَّى بَلَغَني أنَّ أتَابِك المَوْصِل نُور الدِّينِ [ … ] (g) أعْداؤه في فَسادِ أحْوَالهِ (h)، وأنَّهُ قَبَضَ عليه ونَكبه، واسْتأصَل جميعَ أمْوَاله، [ولا زَالَ مُعْتَقَلًا بالمَو] صِل (i) إلى أنْ تُوفِّي ﵀ في اعْتِقَاله. وكان إنْشَادُه في شَعْبان [سَنَة تِسْعٍ وتسْعين] (j). وشَاهَدتُ بخَطِّ الرَّبِيْب أبي المَعَالِي أَسْعَد بن عَمَّار رحْلتَهُ من خِلَاط إلى مَكَّهَ، شَرَّفَها اللهُ، في سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وخَمْسِمائَة، ثمّ أتبعَها برَحيلهِ إلى الشَّام مُتقدِّمًا على عَسْكَر المَوْصِل في سَنَة ستٍّ وثَمانين، وذَكَر في أوَّلها فَصْلًا من أحْوَاله، فأحْبَبتُ نَقْله لِمَا فيه من ذِكْر شيء من أُمُوره، وحَقِيْقَة حاله. وصُوْرته: أمَّا بعد؛ فلمَّا وفَّقَ اللهُ سُبْحَانَهُ وأثْبَتُّ مَنَازِل الحَجّ، وما تأتَّى في تلك السَّفْرَة المَيْمُونة، وكانت حَجَّةَ الإسْلَام، فإنَّني قضَيِتُها في شُهُور سَنَة ثَلاثٍ وستِّين وخَمْسِمائَة، وكنتُ حينئذ في خِدْمَة المَلِكَة (k) شَاهْ بَانُوان ابنَة بيْلدُق بن عليّ بن أبي القَاسِم، وهي يَوْمئذٍ مَلِكَةُ بلادِ الرُّوم، وأرْمانِيَةَ، زوْجَةُ شَاه أرْمَن سُكْمَان بن

стр. 1928

إبْراهيم بن سُكْمَان صاحب خِلَاط وإقْليْمها ﵀، وكنتُ مُتقلِّدًا أُمُورَها، فشَغلَني ذلك الأمْر عن تَحْرير طَريق الحجَّ في تلك السَّفْرَة، فأثْبتُّه في السَّفْرَة الثَّانيَة، وكان لي عدَّة سَفْرات يُسْتحسَن ثَبتُ عَجَائِبها، ويُسْتطرفُ ذِكْر غَرَائِبها من الجِهاد في الجزرِ والسَّنَاسنَة حِتَّى قدَّر اللهُ فتْحَها وتَطْهيرَها من/ الكُفْر في يَوْم الأَحَد عَاشر المُحَرَّم من سَنَة سبْعِين وخَمْسِمائَة، وكان صاحبُ جَيْش الإسْلَام في ذلك الأوَان شَاه أرْمَن سُكْمَان بن إبْراهيم بن سُكْمَان، وكان اسْتخلاصُها بعد حِصَارها ثلاث سنين والجِهاد فيها، والحَمدُ لله على ذلك. ثُمَّ بعد ذلك، انتَقلتُ من خِلَاط إلى المَوْصِل، حَمَاهَا الله؛ إلى خِدْمَة المَوْلى المَلِك العادِل عِزّ الدِّين أبي المُظَفَّر مَسْعُود بن موْدُود بن زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر، فأحْسَنَ إليَّ وقرَّبني، ورَدَّ إليَّ أُمُور مُلكه ومَصَالِح دَوْلَته، فلم أرَ شيئًا أُكافئُ ذلك الإنْعامَ به إلَّا بَذْل المَجْهُود في الشَّفقة، وحِفْظ مَصَالِحه في أمْر دينهِ ودُنْياهُ، وتَقصِيِر الأيدي المُتَطَاولَة والأطْماعَ الفاجِرةِ عن ماله ومُلكْه بوُسْع الطَّاقَة، وهو عَارِفٌ لي بذلك، مُوفّرٌ حُرْمَتي، ويَزِيْدُ في مَعِيْشتِي، وكان كُلَما تجدَّد حالٌ أو حدَثَ أمْرٌ من المهَامّ العِظَامِ اسْتَنْدَبني فيهِ، فلمَّا قدَّر اللهُ فَتْح بَيْت المَقْدِس عَمَّره اللهُ في شُهُور سَنة ثَلاثٍ وثَمانين وخَمْسِمائَة، وطَهَّر اللهُ ذلك البَيْت المُطَهَّر من نَجَسِهم، تَفَرَّقُوا في بلادِ الكُفْر، وجَمَعُوا الجُمُوع من أقْصَى بلادِ الكُفْر، وجاءوا بخَيْلهم ورَجْلِهم، ونزلُوا على عَكَّةَ وحصَرُوها، واسْتَنْجَد المُسْلمُونَ المَوْلَى أتَابِك عِزّ الدِّين فبادر إلى إجابتهم، وتَلبيَة دَعْوتهم، وجَمَعَ الجُمُوع، وجَهَّزَ الجُيُوشَ، وأخْرج الأمْوَال، وجَعَل وَلَدهُ أميرًا عليهم، وهو المَلِكُ السَّعِيْدُ عَلاءُ الدِّين، وجَعلَني مُقدَّمَ جيْشه، ومُربِّي ولدَه، وقلَّدني أُمُورَهُم، وحِفْظ مَصَالِح الدَّوْلَة ومَصَالِحهُم، بحيثُ كان طَريقُ الطَّاعَة والجِهاد في سَبِيْل الله، وزيارةُ بَيْت الله المُقَدَّس عمَّرهُ لله، أحْبَبتُ أنْ أُثْبتَ مَراحلَهُ ومَنَازِلَهُ، وما تجدَّد لنا في تلك السَّفْرَة المُبارَكَة.

стр. 1929

ثمّ ذَكَرَ المَراحل، وأنَّ الحَركة من المَوْصِل يَوْم الثّلاثَاء عاشِر رَبيع الأوَّل سَنَة ستٍّ وثَمانين وخَمْسِمائَة. ثُمَّ ذَكَرَ المَنَازِل إلى أنْ قال: الاثْنَين رَابعَ عَشر -يعني رَبيع الآخر من السَّنَة-: المَنْزلُ في قَرَاحِصَار (١)، وعَرَضْنَا العَسَاكِر. الثّلاثَاء (a) خَامِسَ عَشر رَبيع الآخر: المَنْزل في مَدِينَة حَلَب على شَاطئ قُوَيْق. ثُمَّ ذَكَرَ المَنَازِل من حَلَب إلى أنْ ذَكَر وُصُولهم إلى ظَاهِر عَكَّة، والْتقاءِ المَلِك النَّاصِر لهم. وذَكَرَ الرَّبِيْب في هذا التَّعْلِيق أنَّهُ خَدَم المُقتَفِي بأمْرِ الله مُدَّةَ سَنَتين وستَّة أشْهُر آخرها غُرَّة رَبيع الأوَّل سَنَة أرْبعٍ وخَمْسِين وخَمْسِمائَة. أخْبَرَني عُمَر ابن الرَّبِيْب أسْعَد بن عَمَّار أنَّ ولادةَ أبيهِ سَنَة ثلاثين وخَمْسِمائَة، وخَدَم الخَلِيفَة المُقْتَفِي سنَتَين ونصفًا، وكان في خِدْمَته أيَّام حِصَار السُّلْطان مُحَمَّد بن مَحُمُود بَغْدَاد، وسَمِعَ الحَدِيْث على أبي الوَقْت وغيره، ودَخَلَ حَلَب أيَّام نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، ثمّ في أيَّام صَلاح الدِّين يُوسُف بن أيُّوب ثلاثَ مَرَّاتٍ، كان يأتي مُقدَّمًا على عَسْكَر المَوْصِل إلى خِدْمَته. قَبَضَ عليه صاحبُهُ نُور الدِّين أَرَسْلَان شَاه بن مَسْعُود بن مَوْدُود في ثاني عَشر رَمَضَان سَنَة ستٍّ وسِتمّائة، فماتَ بالسِّجْن بالمَوْصِل.

стр. 1930

أَسْعَدُ بن المُنَجَّا -وقيل: أبي المُنَجَّا- ابن بَرَكات -وقيل: أبي البَرَكَات- ابن المُؤَمَّل، أبو المَعَالِي التَّنُوخيّ المَعَرِّيّ الأصْل، الدِّمَشقيّ المَوْلد والمنْشَأ، الحَنْبَلِيّ (a) القَاضِي (١) وَلي قَضَاءَ حَرَّانَ، وذَكَرَ لي وَلده عُمَر بن أسْعَد، أبو الخَطَّاب، أنَّ اسْمه أسْعَد بن المُنَجَّا بن بَرَكات بن المُؤَمَّل. وذَكَرَ لي أبو الحَجَّاج يُوسف بن خَلِيل (b) أنَّهُ أسْعَد بن أبي المُنَجَّا بن أبي البَرَكَات. قَرَأ الفِقْهَ بدِمَشْقَ على شَرَفِ الإسْلَام عَبد الوَهَّاب بن عَبْد الوَاحِد الحَنْبَلِىّ، ثمّ سَافَرَ إلى بَغْدَادَ، وتَفَقَّهَ بها عِلى أحْمَد الحَرْبِيّ، وقرأ على الشَّيْخ عَبْد القَادِر بن صالح الجِيْلىّ، وسَمِعَ الحَدِيْثَ بدِمشْق من أبي القَاسِم نَصْر بن أحْمَد بن مُقَاتِل بن مَطَّكُوْد السُّوْسِيّ، وببَغْدَاد منِ أبي مَنْصُور أَنُوشْتِكِيْن الرِّضْوَانِيّ، والشَّريف النَّقِيْب أبي جَعْفَر أحْمَد بن مُحَمَّد المَكِّيّ العبَّاسيّ، وأَبي العبَّاس أحْمَد بن بَخْتِيار المَنْدَائِيّ الوَاسِطِيّ، وأبي الفَضْل مُحَمَّد بن عُمَر الأرْمَوِيّ. روى لنا عنهُ أبو الحَجَّاجِ يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد الله الدِّمَشقيّ، وأبو

стр. 1931

المحَامِد (a) إسْمَاعِيْل بن حَامِد بن عبد الرَّحْمن القُوصِيّ. ولمَّا عادَ إلى دِمَشْق، بَنَي له تاجرٌ مَدْرَسَةً بدِمَشْقَ ووَقَفها عليه (١)، وتولَّى القَضَاءَ والخَطَابَة بحَرَّاَن يَوْم الأرْبَعَاء ثامن وعشرين من شَهْر رَجَب من سَنَة سَبْعٍ وسِتِّين وخَمْسِمائَة. وأخْبَرَني ولده أبو الخَطَّابِ عُمَرُ بن أسْعَد أنَّهُ دَخَلَ حَلَب، حَرَسَها اللهُ. وكان شَاعِرًا. أخْبَرَنا أبو الحجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد الله الدِّمَشقيّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ بحَلَب (b)، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو المَعَالِي أسعَدُ بن أبي المُنَجَّا بن أبي البَرَكَات بن المُؤَمَّل المَعَرِّيّ التَّنُوخِيّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ بدِمَشْق، قيل له: أخْبَركم أبو القَاسِم نَصْر بن أحْمَد بن مُقَاتِل بن مَطَّكُوْد السُّوْسِيّ، قِراءَةً عليه وأنت تَسْمَعُ، فأقَرَّ بهِ، قال: أخْبَرَنا عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ الفَقِيه، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الَرَّحْمن بن عُثْمان بن القَاسِم، قال: أخْبَرَنا إبْراهِيم بن مُحَمَّد بن أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن بَكْر، قال: حَدَّثَنَا دَاوُد بن الحَسَن، قال: حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بن فَضَالَة، عن الحَسَن، عن أنسَ بنِ مالِك (٢)، قال: قال رسُول الله ﷺ : مثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ كمثَلِ نهرٍ جارٍ على

стр. 1932

بابِ الرَّجُل يَغْتَسِلُ منه كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فماذا بَقي من دَرَنهِ. أخْبَرَنا أبو المَحَامِد إسْمَاعِيْل بن حَامِد بن عبد الرَّحْمن القُوصِيّ، بقِرَاءَتى عليه بدِمَشْق، قال: أَخْبَرَنا وَجيْهُ الدِيّن أبو المَعَالِىِ أَسْعَد بن المنُجَّا القَاضِي، قال: أخبَرَنا أبو القَاسِم السُّوْسِيَّ، قال: أخْبَرَنا عليّ بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن أبي نَصْر، قال: أخْبَرَنا إبْراهيم بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن أبي ثَابِت، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن بَكْر، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: حَدَّثَنَا الأوْزَاعِيّ، عن الزُّهْرِيّ، عن عبد الرَّحْمن بن حَرْب (a) بن مالك، عن أَبِيهِ، قال (١): جاءَ مُلَاعِبُ الأسِنَّةِ إلى النَّبِيّ ﷺ بهَدِيَّةٍ، فعَرَضَ عليه النَّبِيُّ ﷺ الإسْلَامَ فأبَى أنْ يُسْلِم، فقال النَّبِيُّ ﷺ : فإنِّي لا أقْبلُ هَدِيّةَ مُشْرِك. قَرَأتُ في تاريخ أبي المَحَاسن بن سَلامَة بن خلَيفَة بن غُرَيْر (b) - أهْداهُ إلِىَّ الخَطِيبُ أبو مُحَمَّد عَبْد الغَنِيّ بن مَحَمَّد بن تَيْمِيِّة بخَطِّه، وقال لي: نَقَلْتُهُ من خَطِّ مؤلِّفه: أنْشَدَني عُثْمان بن عُمَر بن علىّ الشَّيَّاح، قال: أنْشَدَ (c) القَاضِي الإمَام وَجيْهُ الدِّين أسْعَدُ بن المُنَجَّا لنَفْسِه (٢): [من الوافر] أراشَ نِبَالَ مُقْلَتِه فأَصْمَى … غَزَالٌ فاتِن (d) اللَّحظات أَلْمَى يُعَلِّلنى بسَوْفَ وهَلْ وحتَّى … وقَدْ وعَسَى ولَيْتَ وأَوْ (e) ولَمَّا فأُوْسِعُه على التَّقْبيح (f) حَمدًا … ويُوسعُنِي على الإحْسان ذَمَّا

стр. 1933

قَرأتُ بخَطِّ شَيْخنا نَاصِحِ الدِّين عبد الرَّحْمن بن نَجْم بن عَبد الوَهَّاب بن الحَنْبَلي في كتاب الاسْتِسْعَادِ بمَن لقيتُ من صَالِحيِ العِبَاد (a) في البِلَادِ؛ من تأليفه: الشَّيْخُ أسْعَد بن المُنَجَّا الفَقِيهُ الحَنْبَلِيّ، يُدْعَى وجِيْهُ الدِّين، كان رحَل إلى بَغْدَاد، وقَرأ على الفَقِيهِ أحْمَد الحَرْبيّ الحَنْبَلِيّ كتابَ الهِدَايَة وكتَب خَطَّهُ له بذلك، وعاد إلى دِمَشْق، وكان رأى الشَّيْخَ شَرَف الإسْلَام جَدِّي وانْتَمى إليه، وطلَبَ الفَقِيهُ حَامِدُ بن حَجَر شَيْخُ حَرَّان قَاضِيًا لحَرَّان (b) من نُور الدِّين -ونُور الدِّين يَوْمئذٍ صاحب دمَشْقَ- فأشَارُوا به، فسُيِّر إلى حَرَّان قَاضِيًا (c)، فأقام مُدَّةً، ثمّ رجع إلى دِمَشْق فأقَام مُدَّةً (d)، ثُمّ رجَع إلى حَرَّان قَاضِيًا. مَرَرْتُ عليه عَوْدي من أصْبَهَان سَنَة إحْدَى وثَمانين، وتأخَّرَ مَوْتُهُ. قَرَأتُ في تاريخ حَرَّان لأبي المَحَاسِن بن سَلامَة بن غُرَيْر: وكانَ مَوْلِدُهُ -يعني أسْعَدَ بن المُنَجَّا- بدِمَشْق سنَة عِشْرين وخَمْسِمائَة، وماتَ بدِمَشْق سَنَة خَمْسٍ وسِتّمائة، وخَطَبَ على مِنْبَر حَرَّان؛ سَمِعْتُه يخْطُب ويَدْعو للإمام المُسْتَضِيء [بالله] (e) ﵁. صَنَّفَ كِتَابَ النِّهايَة في شَرْح الهِدَايَة؛ عِشْرِينَ مُجَلَّدًّا، جَمَعَ فيه المَذَاهِبَ وأدِلَّتها، واخْتَصَرَ كتاب الهِدَايَةِ (١)، وكان له شِعْر حسَنٌ. أخْبَرَنا أبو المَحَامِد إسْمَاعِيْلُ بن حَامِد القُوصِيُّ في مُعْجَم شُيُوخه، بعد أنْ ذَكَر أَسْعَدَ بن المُنَجَّا، وذَكَرَ الحَدِيْث الّذي سُقْناهُ عنه، وقال: وشَيْخُنا هذا القَاضِي وَجِيْه

стр. 1934

الدِّين، ﵀، كان إمَامًا فَاضِلًا في مَذْهَب الإمَام أحْمَد بن حَنْبَل، ووَلِيَ القَضَاءَ بمَدِينَة حَرَّان، فحُمِدَت سيْرَتُهُ في الماضي والحالِ والمُسْتَقْبلِ. ومَوْلدهُ في سَنَة عشرين وخَمْسِمائَة، وتُوفِّيَ في شُهُور سَنة ستٍّ وسِتّمائة بدِمَشْق، رحْمَةُ الله عليه. قَرأتُ بخَطِّ رَفيْقنا أبي عليّ الحَسَن بن مُحَمَّد البَكْرِيّ، وذَكَر أنّهُ نقَلَه من خَطِّ أبي الطَّاهِر إسْمَاعِيْل بن عَبْد المحسِن الأنْمَاطِيّ: ماتَ أبو المَعَالِي بن المُنَجَّا التَّنُوخِيَّ قاضي حَرَّان بدِمَشْق بعد أنْ عَمي مُدَّةً [وانْقَطَع في بَيتْه] (a)، في يَوْمِ الخَمِيْسِ ثاني عَشْرِيّ [شَهْر رَبِيع الأوَّل] سَنَة ستٍّ وسِتّمائة. [أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد] عبد العَظِيْم بن عَبْد القَوِيّ المُنْذِريّ، قال في ذِكْر مَنْ تُوفِّي سَنَة ستٍّ وسِتّمائة في كتاب التَّكْمِلَة لوَفَيَات النَّقَلَة (١): وفي الثَّاني والعشرين من شَهْر رَبيع الأَوَّل تُوفِّي القَاضِي الفَقِيه أبو المَعَالِي أَسْعَدُ بن المُنَجَّا بن بَرَكات بن المُؤَمَّلِ التَّنُوخِيّ، الدِّمَشقيِّ، الحَنْبَلِيّ، بدِمشْق، بعد أنْ كُفَّ بَصَرُه، ومَوْلدُه سَنَةَ تسْعَ عشرة وخَمْسِمائَة. تَفَقَّهَ ببَغْدَاد على مَذْهَب الإمَامِ أحْمَد بن حَنْبَل ﵁ مُدَّة، وحصَّل طرفًا من مَعْرفَة المَذْهَب، وسَمِعَ بها من أبي مَنْصُور أَنُوشْتِكِيْن بن عَبْد الله الرِّضْوَانِيّ، والقَاضِيَيْن أبي الفَضْل مُحَمَّد بن عُمَر الأُرْمَوِيّ، وأبي العبَّاس [أحْمَد] بن بَخْتِيار المَانْدَائِيّ (٢)، والشَّريف النَّقيْب أبي جَعْفَر أحْمَد بن مُحَمَّد العبَّاسيّ، وسَمِعَ بدِمَشْق من أبي القَاسِمِ نَصْر [بن أَحْمَد] بن مُقَاتِل السُّوْسِيّ، وحَدَّثَ بدِمَشْق، سَمعْتُ منه بها، وكان ولي القَضَاء بحَرَّان، ويقال فيه: ابن أبي المُنَجَّا.

стр. 1935

أَسْعَدُ بن يَحْيَى بن مُوسَى بن مَنْصُور بن عَبْد العَزِيْز بن وَهْب بن هِبَّان السُّلَمِيُّ، أبو المَعَالِي، المَعْرُوف بالبَهَاءَ السِّنْجَارِيُّ (١) فقيهٌ شَاعِرٌ، جَيِّد الشِّعْر؛ رَقِيقهُ، كَيِّس الأخْلَاق، حَسَن المَنْظر، وُلد بسِنْجَار، واشْتَغلَ بالفِقْه ببَغْدَاد على أبي القَاسِم بن فَضْلَان، وأبي القَاسِم المُجير البَغْدَاديَّيْن، وبالمَوْصِل على القَاضِي فَخْر الدِّين أبي الرِّضَا بن الشَّهْرَزُورِيّ، والحُسَين بن نَصْر بن خَمِيْس، وسَمِعَ الحَدِيْثَ من أبي الفَرَج عَبْد القَاهِر بن نَصْر بن أسَد بن عَبْسُونَ بسنْجَار. ثمّ اشْتَهَر بالشِّعْر، وسَلك غير مَسْلك الفُقَهَاءِ، وتزيَّا بغير زيِّهم. واتَّصَل بِخدْمَة تَقِيّ الدِّين عُمَر (a) بن شَاهَان شَاه بن أيُّوبَ في أيَّام عمّه المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين يُوسُف بن أَيُّوب ومَدَحَهُما وغيرهما من القُضَاةِ والأكَابِر، ثمّ اتَّصَل بالمَلِك الصَّالِح [مَحمُود بن مُحمَّد بن قرا أرسَلَان] (b) صاحب آمِدَ ونادمَهُ ومَدَحَهُ، ثمّ اتَّصَلَ بخِدْمَة المَلِك المَنْصُورِ مُحَمَّد بن عُمَرِ بن شَاهَان شَاه صَاحب حَمَاة، وأقام عندَهُ بها شَاعِرًا ونَدِيْمًا، وسيَّرهُ من حَمَاة رَسُولًا إلى المَلِك الظَّاهِر غَازِي إلى حَلَبَ رَسُولًا.

стр. 1936

واجْتَمَعْتُ به بحَمَاة في سَنَة تِسْعٍ وسِتّمائة بحَضْرَة والدي، ﵀، وأنْشَدَني عدَّة مَقَاطِيْعَ من شِعْره، وكتَبَها لي في جُزءٍ بخَطِّه، ثم ورَدَ إلينا إلى حَلَبَ في سَنَةِ إحْدى عَشرةَ وسِتّمائة مُنْفَصلًا ومَدَحَ بها المَلِك الظَّاهِر، وأقام بها مُدَّةً، وتَوَجَّه إلى مَارِدين، وتَوَلَّى قَضَاءَ دُنَيْسَر، ئُمَّ توجَّه إلى سِنْجَار فتُوفِّي بها. وسُئِلَ عن مَوْلدِه فقال: في حَادِي عَشر جُمَادَى الأُوْلى سَنَة ثَلاثٍ وثَلاثين وخمسِمائَة بسِنْجَار. أنْشَدَني بَهَاء الدِّين أسْعَد بن يَحْيَى السِّنْجَارِيّ بحَمَاة في شَهْر رَمَضَان من سَنَة تِسْعٍ وسِتّمائة في الغَزَل لنَفْسِه: [من الكامل] عَلِقُ الفُؤَادِ دُمُوعُهُ عَلَقُ … أبدًا على خَدّيهِ تَسْتَبقُ قَلِقُ الضَّمير تَكَادُ أضْلُعُهُ … من لَوْعَةِ التَّفْريق تَفْتَرقُ وَاهِي (a) القُوَى أَوْهَى تجَلُّدَهُ … قمرٌ لسَيْفِ اللَّحظُ مُمْتَشِقُ حُلْوٌ تَناسَبَ في ملَاحَتِهِ … فالنَّاسُ في أوْصَافِهِ نَسَقُ عَاتَبْتُهُ يَوْمًا وقُلْتُ لهُ: … عطْفًا فكَلَّلَ وَجْهَهُ العَرَقُ فَحَسِبْتُهُ شَمْسًا وقد طلَعَتْ … فيها النُّجُومُ أظَلَّها الغَسَقُ عَجَبًا لنارٍ فَوْقَ وَجْنَتِهِ … أبَدًا بماءِ الخَدِّ تَأتَلِقُ والنَّارُ ضِدُّ الماءِ كيفَ تُرَى … جُمِعَا وهذا كيفَ يَتَّفِقُ عَابُوهُ لمَّا لَاحَ عَارِضُهُ … حَسَدًا وقالُوا فيه لا رُزِقُوا غَفَلُوا عن المَعْنَى (b) أمَا عَلِمُوا … أنَّ الغُصُونَ يَزِيْنُها الوَرقُ لله لَيْلَةُ باتَ مُعْتَنِقِي … ويَدَي بفَضْل الصُّدْغ تعْتَلِقُ

стр. 1937

أخْشَى منَ الأنْفَاسِ تُحْرِقُهُ … فأَكفُّ أنْفَاسِي فأَحْتَرِقُ ومَتَى هَمَمْتُ بلَثْم وَجْنَتِهِ … سَلَّتْ عليَّ سُيُوفَهَا الحَدَقُ وحَدَّثَني أسْعَدُ بن يَحْيَى، قال (١): كان صاحبُ آمِد يَهْوَى قَيْنَة، فقال لها يومًا وهو سَكْران: قد سَلَوْتُك، فعَلَّقتْ يَدَها في طَوْقه وقالت مُتَمثِّلةً: [من البسيط] لتَقْرعَنَّ عليَّ السِّنَّ من نَدَمٍ … إذا تذَكَّرتَ يَوْمًا بعضَ أخْلَاقي فوَقَعَ في قَلْبهِ من ذلك شيءٌ عظيم، فدَخَلْتُ عليه، فأخْبَرَني بالقِصَّةِ، فقلتُ ارْتِجَالًا، وضمَّن البَيْتَ المتمثَّل بهِ: [من البسيط] أدرْ كؤوِسَكَ عنِّي أيُّها السَّاقي … وارفُقْ عليَّ فهذا وقْتُ إرْفَاقِ أمَا تَرَى سَوْرَةَ الصَّهْبَاءَ قد سَلَبَتْ … عَقْلي وقد أسْكَرتني خَمْرُ أشْوَاقي نارُ الغَرَام وَمَاءُ الدَّمْع قد جُمِعَا … فاعجَبْ له بينَ إحْراق (a) وإغْرَاقِ لم يُبْق مني هَوَى ليْلَى سِوَى رَمَقٍ … وفي الزُّجَاجةِ باقٍ يَطْلبُ البَاقي قالت وقَد قلتُ في سُكْرٍ أُمَازِحُها: … سلَوْتُ عنكِ فمدّتني بأطْوَاقي (b) لتَقْرعَنَّ عليَّ السِّنَّ من ندَمِ … إذا تذكْرْتَ يَوْمًا بعض أخْلَاقِي وعُدْتُ مُعْتَذرًا مَمَّا جنَيْتُ وقد … قامَتْ وقد قامَتِ الدُّنْيا على سَاق هكذا أنْشَدَنيْهِ: لم يُبْق منِّي هَوَى لَيْلى، وكنَّى بلَيْلَى عن أَيْشِي وهو اسْمُ القَيْنَة. وأنْشَدَني البَهَاء السِّنْجَارِيّ لنفسِه من قَصِيدَة: [من الطويل] أقَامَ وما دُوْنَ العُذَيْب مَقَامُ … وَلِيْمَ فما أجْدَى عليهِ مَلَامُ وظَنَّ النَّوَى يَشْفِي الفُؤَادَ من الجَوَى … وهَيْهاتَ أنْ تشْفِي السَّقَام سَقَامُ

стр. 1938

أيا عَذَباتِ البان مِن أيْمَن الحَمى … سَلَامٌ وهل يُغْني السَّليمَ سَلَامُ أحِنُّ إلى ذَاكَ الأُثَيْل (a) تشَوُّقًا … ودُونَ التَّدَانِي بَرْزَخٌ وإكاَمُ وأقلَقُ إنْ ناحَ الحَمَامُ كأنَّما … بقَلْبيَ مِن نوْح الحَمَامِ حِمَامُ ومنها: إذا لم أفُزْ منكُم بوَعْد ولم يكُن … لِطَيْفِكُمُ وَهْنًا علَيَّ لِمَامُ فلا هَبَّ خَفَّاق النُّسِيم غُدَيَّةً … ولا ضُربَتْ بالأبرقَيْن (b) خِيَامُ وحَدَّثَني قال: كَتَبَ إليَّ ابن التَّابلَان -وكان بعضَ الكُتَّاب بحَلَب حرَسَهَا اللهُ- كُتُبًا لم أجِبْه عنها، فكَتَب يُعَاتِبُني، فكَتَبْتَ إليهِ: [من الكامل] وردَتْ مُبَرّزهً على أقْرَانها … يدْعُو لسَانَ الشُّكْر عَذْبُ لِسَانِها فودَدْتُ أنَّ الطِّرْسَ أبْيَضُ مُقْلَتي … والنِّقْس (c) حينَ تُخَطّ من إنسَانِها ونشَرْتُ نَشْرَ الرَّوْض حين نَشَرتُها … وأجَلْتُ طِرْفَ الطَّرف في مَيْدَانِها ودَخَلْتُ جنَّةَ عبْقَرٍ من حُسْنِها … يا حبَّذا ما كان من رِضْوَانِها ورأيتُ أبْكَارَ المَعَانِي حُورَهَا … وفَصَاحَةَ البلَغاءَ من وُلْدَانِها وخمائلًا بالدُّرِّ أثْمَرَ عُوْدُها … يبدُو عليها ذاكَ من أفْنَانِها وبَعُدْتُ عن لَثْمي أكُفَّ مُجيْدها … فَمَحَوْتُ بالتَّقْبِيل وَشْي بَنَانِها فلو اجْتَلَى عَبْدُ الرَّحيمِ جَمَالَها … لأقَرَّ أنَّكَ عَنْدَلِيْبُ زَمَانِها لم يَأْتِنا فُصَحَاءُ مِصْر بمثْلها … شَرُفَت بها حَلَبٌ على بيْسَانِها يريدُ بعَبد الرَّحيم القَاضِي الفَاضِل ابن البَيْسَانِيّ.

стр. 1939

وأنشدَني أسْعدُ بن يَحْيَى السِّنْجَارِيّ لنَفْسِه عُذْرًا عن الخضَاب (١): [من الوافر] وَلَاح (a) لامَنِي لمَّا رآني … أُسَوِّدُ لَوْنَ شَيْبي بالخضَابِ فقُلتُ لَهُ: جَهلْتَ مكانَ قَصْدِي … وذا حُزْنٌ على عَصْر (b) الشَّبَابِ وأنْشَدَني لنَفْسِه من أبيات (٢): [من البسيط] مَنْ مُنْصِفي من مَلُولٍ لَجَّ في الطَّلَب (c) … يَظَلُّ يَلعَبُ والأشْوَاقُ تلْعَبُ بي مُسْتَعْرب من بني الأتْرَاك ما تركَتْ … أيَّامُ جَفْوته في العَيْشِ (d) من أَرَب مُنَايَ من لذَّة الدُّنْيا بأجْمَعها … تَقْبِيلُ دُرَّيِّ ذاكَ المَبْسِم الشِّنِبِ ومنها: للهِ لَيْلَتُنَا والكأسُ دَائرةٌ على … النَّدَامى ووَجْهُ البَدْر (e) لم يَغِبِ بِكْرٌ إذا قُرِعَتْ بالماءِ أوْلَدَهَا (f) … بِكْرَ السُّرُور فيا فَخْرَا ابنَةِ العِنَبِ كَادَتْ تَطِيرُ وقد طِرْنا بها فَرَحًا (g) … لولا الشِّبَاكُ الّتي صيْغَتْ من الحَبَبِ تَخالُها بيَدِ (h) السَّاقي وقد مُزِجَتْ … مَنْثُورَ دُرٍّ طَفَا في مَائع الذَّهَبِ قال لي (i) لمَّا أنْشَدَني هذه الأبْيَات عند قَوْله: كادَتْ تَطِير … البَيْت: هذا معنىً مُبْتَكر لم أُسْبَق إليهِ. وقال لي أبو الفَتْح النَّقَّاش الحَلَبِيُّ بعد ذلك: هذا البَيْتُ أخذَهُ بعينهِ من بَعْض المَغارِبَةِ لَفْظًا ومعنىً. قال لي عليُّ بنُ إِدْرِيس الحِمْصِيُّ الشَّاعر: تُوفِّي البَهَاء السِّنْجَارِيّ في شَهْر رَبِيع

стр. 1940

الآخر سَنَة ثَلاثٍ وعشرين وسِتّمائة. ثمّ قَرَأتُ في تاريخ عليّ بن أنْجَب البَغْدَاديّ، المَعْرُوف بابنِ السَّاعيّ (١): بَلَغَني أنَّ أَسْعَد بن يَحْيَى السِّنْجَارِيّ هذا تُوفِّي بسِنْجَار في المحرَّم من سَنَة أرْبع وعشرين وسِتّمائة. أَسْفَنْدِيَار أَسْفَنْدِيَار بن المُوَفَّق بن أبي عليّ بن مُحَمَّد بن يَحيَى بن عليّ، أبو الفَضْل البُوْشَنْجيُّ الأصْل، الوَاسِطِيُّ مَوْلدًا (٢) قَدِمَ حلَبَ، وسَمِعَ بها أبا سَعْد عَبْد الله بن مُحَمَّد بن أبي عُصْرُون، وقَرأ القُرْآن بوجُوه القِرَاءَات، ودَرَس الوَعْظَ (a) على أبِي المَجْد عليّ بن المُبارَك الوَاسِطِيّ سِبْط ابن رشَادَةَ، وصَحِبَ الشَّيْخَ صَدَقَة في وَزِير الوَاسِطِيّ الزَّاهِد، وتكلَّم في الوَعْظ، ووَعظ النَّاسَ، وقَرأ الأدَبَ ببَغْدَادَ على أبي مُحَمَّد عَبْد الله بن أحْمَد ابن أحْمَد بن (b) الخَشَّاب، وبعده على أبِي البَرَكَات عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد الأنْبارِيّ النَّحْوِيّ، وسَمِعَ بها أبا الفَتْح مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي بن (c) البطِّيّ، ومُحَمَّد بن مَحْمُود بن حَمُّود، وقاضِي القُضَاة أبا طَالِب رَوْح بن أحْمَد الحَدِيْثِيّ قاضي بَغْدَاد، وأبا المَعَالِي عُمَرِ بن بُنَيْمان الهَمَذَانيّ المُسْتَعمل. ورَوَى عن أبي طَالِب الحَدِيْثِيّ، وأبي عِمْران مُوسى بن يَحْيَى الحَصْكَفِيّ.

стр. 1941

رَوَى عنهُ أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن سَعيد الدُّبَيْثِيّ (a) الوَاسِطِيّ، وذَكَره في ذَيْله (١) الّذي ذَيَّلَ به على المُذيَّل لأبي سَعْد السَّمْعَانيّ. رَوَى لنا عنْهُ الشَّريفُ أبو عليّ المُظَفَّر بن الفَضْل بن يَحْيَى بن جَعْفَر الحُسَيْنيّ البَغْدَاديّ، وأبو السَّعَادَات المُبارَكُ بن أبي بَكْر بن حَمْدَان المَوْصِلِيّ. وأخْبَرَني أبو السَّعَادَات أنَّ أَسْفَنْديَار هذا قَدِمَ حلَبَ، وكان صَاحِب فُكَاهاتٍ ومُحَاضَرَاتٍ، وكان غاليًا في التَّشَيُّع، وله شِعْر حَسَنٌ. قال: وذَكَر لي وَلدهُ أحْمَد بن أَسْفَنْدِيَار أنَّهُ من أوْلادِ عُبَيْد الله بن عُمَر بن الخَطَّاب ﵁. قال لي أبو السَّعَادَات: وأخْبَرَني أَسْفَنْديَار أنَّهُ وُلد بوَاسِط سَنَة سَبْعٍ أو ثَمانٍ وثَلاثين وخَمْسِمائَة مُنْتَصَف رَجَب، وقيل إنَّ له ستِّين مُصَنَّفًا. أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد (b) بن سَعيد الدُّبَيْثِيّ (٢) في كِتَابِهِ إليْنَا من بَغْدَاد، قال: قَرَأتُ على أبي الفَضْلِ أَسْفَنْدِيَار بن المُوَفَّق، قلتُ له: أخْبَركُم قاضِي القُضَاة أبو طَالِب رَوح بن أحْمَد بن مُحَمَّد قِراءَةً عليهِ وأنتَ تَسْمَع، فأقَرَّ بهِ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي بن مُجَالِد، قال: حَدَّثنَا أبو القَاسِم عُبيدُ الله بن عليّ بن أبي قِرْبة (c) العِجْلِيّ، قال: حَدَّثنَا أبو الطَّيِّب مُحَّمَّدُ بن الحُسَين التّيْمُلِيّ (d)، قال: حَدَّثنَا عَبْد الله بن زَيْدَان البَجَليّ، قال: حَدَّثَنَا حُسَين بن زَيْد، قال: حَدَّثنا عَائِذُ (e) بن حَبِيْب، عن

стр. 1942

صالح، عن مُحَمَّد بن كَعْب القُرَظِيّ، عن ابن عبَّاس (١)، قال: قال رسُول الله ﷺ : أشرفُ المَجَالِس ما اسْتُقْبِلَ بها القِبْلَة (a). أنْشَدَنا أبو عليّ المُظَفَّر بن الفَضْل بن يَحْيَى بن جَعْفَر الحُسَيْنيّ بحَلَبَ، قال: أنْشَدَنا أَسْفَنْدِيَار بن المُوَفَّق الوَاعِظ ببَغْدَاد، قال: أنْشَدَني أبو عِمْران مُوسَى بن أبي الفَضْل يَحْيَى الحَصْكَفيّ بمَيَّافَارقِين لوالده أبي الفَضْل المذكُور في كُتَّاب آمِد من جُمْلَةِ قَصِيدَة: [من السريع] قد مَلأوا الدنيا بألقابهِمْ … ونَافَسُوا فيها السَّلَاطيْنَا توَزَّعُوا الدَّوْلَةَ والمُلْكَ وِالـ …

стр. 1943

أرَى كُلَّ مَنْ طارحْتُه الوُدَّ صَاحِبًا … ولكنَّهُ مَعْ دَوْلَةِ الدَّهْر مَائلُ ورُبَّ أُنَاسٍ كنْتُ أمحَضُ (a) وُدَّهم … وما نالني منهم سِوَى المَذْقِ طَائلُ تَعَاطَوْا وَلَائي ثمّ حَالُوا سَآمةً … وحَالُ بني الأيَّام لا شَكَّ حَائلُ وأَعْدَمُ شيءٍ سامَهُ المرءُ دَهْرَهُ … حَبيبٌ مُصَافٍ أو خَلِيلٌ مُوَاصِلُ أسَادتَنا قد كنْتُ أحْظَى بأُنْسِكم … وأجْني ثَمار العَيْشِ والدَّهْرُ غَافِلُ وما خِلْتُ أنَّ البَيْنَ يصْدَعُ شَمْلَنا … ولا أنَّني عنكُم مَدَى الدَّهْرِ رَاحِلُ وتاللهِ ما فَارقتُكُم عن مَلَالةٍ … ولكِنْ نَبَتْ بي بالمقَامِ المَنَازِلُ قطَعْتُ الفلَا (b) عنهُنَّ حتَّى أَضَعْنَني … فأَقْفَرْنَ عن مثْلِي وهُنَّ أوَاهِلُ وإنِّي إذا لم يَعْلُ جَدّي ببلْدَةٍ … هَدَتْني إلىِ أُخرى السُّرَى والعَوَامِلُ إذا الحُرُّ لم يَظْمَأْ لوِرْدٍ مُكَدَّرٍ … فلابُدَّ يوْمًا أنْ تَرُوقَ المَنَاهِلُ سَيَعْلَم قَوْمي قَدْرَ ما بانَ عنهُمُ … وتَذكرُني إنْ عشْتُ تلك المَعَاقِلُ قال لي أبو السَّعَادَات: وأنْشَدَني أَسْفَنْدِيَار لنَفْسِه (١): [من الرجز] الدَّهْرُ بَحرٌ والزَّمانُ سَاحِلُ … والنَّاسُ رَكْبٌ راحِلٌ ونَازلُ كأنَّهُمْ سيَّارةٌ في مَهْمَه … مكَارهُ الدَّهْر لهم مَنَاهِلُ أنْبَانَا أبو عَبْد الله بن الدُّبَيْثِيّ (٢)، قال: أَسْفَنْديَار بن المُوَفَّق بن أبي عليّ البُوْشَنْجيُّ (c) الأصْل، الوَاسِطِيُّ المَوْلد، البَغْدَاديّ الدَّار، أبو الفَضْل الكَاتِب الوَاعِظ، قرأ القُرْآن المَجِيْد بوَاسِط بالقِرَاءَاتِ الكَثِيْرة على جَمَاعَةٍ منهم أبو الفَتْح المُبارَك (d) بن أحْمَد بن زُرَيْق (c) الحَدَّاد، ثمّ قَدِمَ بَغْدَاد واسْتَوْطَنها، وصَحِبَ الشَّيْخ

стр. 1944

صَدَقَة بن وَزِير، وسَمِعَ معه بها من جَمَاعَةٍ منهم: أبو الفَتْح مُحمَّد بن عَبْد البَاقِي بن سَلْمَان، وأبو المَعَالِي عُمَر بن بُنَيْمان، وأبو الأزْهَر مُحَمَّد بن مَحْمُود بن حَمُّود، وقاضِي القُضَاة أبو طَالِب رَوْح بن أحْمَد الحَدِيْثِيّ وغيرهم، وتكلَّم في الوَعْظ مُدَّةً (a)، وتولَّى كتابةَ دِيْوَان الإنْشَاءَ في مُحَرِّم سَنَة أرْبَعٍ وثَمانين وخَمْسمائة، وصُرف عنه في شَهْر رَمَضَان من السَّنَة المَذْكُورة، وكان وَافر الفَضْل، حَسَن الخَطّ، مَلِيْحَ العِبَارَة، جَيِّد التَّرَسُّلِ، يقُول الشِّعْر الجَيِّد، ويُنْشئ الفُصُول الحَسَنة. سَمِعْنا منه. قال لي أبو السَّعَادَات بن حَمْدَان: تُوفِّي أَسْفَنْدِيَار ببَغْدَاد في اللَّيْلَة الّتي صَبِيْحَتُها يَوْم الخَمِيْس تاسع رَبيع الأوَّل سَنَة خَمْسٍ وعشرين وسِتّمائة. وسَألتُ حَفِيْدَهُ عليّ بن عليّ بن أَسْفَنْدِيَار عن وَفَاةِ جَدِّه، فقال: تُوفِّي ببَغْدَادَ بالرِّباطِ العَتِيق المَعْرُوف بالقيسَاريَّة في ذِي الحِجَّة من سَنَة أرْبَعٍ وعشرين وسِتّمائة، ودُفِنَ بمَشْهَد عُبَيْدِ الله. والصَّحيِحُ هو الأوَّل، وقد أنْبَأنَا الحافِظُ أبو مُحَمَّد عبد العَظِيْم بن عَبْد القَوِيّ، قال في ذِكْر منْ ماتَ سَنَة خَمْسٍ وعشرين وسِتِمائة في كتاب التَّكْمِلَة لوَفَيَات النَّقَلَة (١): وفي لَيْلَةِ التَّاسِعِ من شَهْر رَبيع الأوَّل تُوفِّي الشَّيْخُ الأجَلُّ الفَاضِلُ أبَو الفَضْل أَسْفَنْديَار بن مُوفَّق بن أبي (b) عليّ البُوْشَنْجيُّ الأصْل، الوَاسِطِيُّ المَوْلد، البَغْدَاديّ الدَّار (c)، المُقْرِئُ، الوَاعِظُ، الكَاتِبُ، ببَغْدَاد، ودُفِنَ من الغَدِ بمَشْهَد عُبَيْدِ الله. قَرأ القُرْآنَ الكَريمَ بوَاسِطَ على جَمَاعَة منهم: أبو الفَتْح المُبارَك بن أحْمَد بن زُرَيْق الحَدَّاد، وقرأ الوَعْظ على أبي المَجْد عليّ بن المُبارَك، وسَمِعَ ببَغْدَاد من أبي

стр. 1945

الفَتْح مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي بن أحمد، وأبي المَعَالِي عُمَر بن بُنَيْمان، وأبي الأزْهَر مُحَمَّد بن مَحْمُود بن حَمُّود، وقاضِي القُضَاة أبي طَالِب روْح بن أحْمَد الحَدِيْثيّ (a)، وغيرهم. وحدَّثَ وتكلَّم في الوَعْظ مُدَّةً، وكان وَافرَ الفَضْلِ، مَلِيْحَ العِبَارَة (b)، حَسَنَ الخَطّ، وله شِعْرٌ جَيِّدٌ، وتَرسُّلٌ جَيِّد، ومَوْلدُه في رَجب سَنَة ثَمانٍ وثَلاثين وخَمْسِمائَة.

стр. 1946

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقي الإسْكَنْدَرُ المَلِكُ ذو القَرْنَيْن ابن فلغيُوس - وقيل: فليْقُوس - ابن الإسْكَنْدَر المَقَدُونِيّ اليُونَانِيّ (١) وقيل (٢): الإسْكَنْدَرُ بن فِلِيفُوس المَقَدُونِيّ (a). وقال بعضُهم إنّهُ رُوميّ، وأنَّهُ ابن دَارَا بن بَهْمَنَ المَلكِ ابنِ أَسْفَنْدباذَ الشَّدِيدِ بن نَشْتَاسب المَلِك. وقال بعضُهم: هو من الرُّوم واسْمه فيلفُوس بن مصْرَيْم بن هِرْمِس بن هَرْديس (b) بن ميطُون بن رُومي بن ليطي (c) بن يُوْنَان بن يَافِث بن ثوبه (d) بن

стр. 1947

سرجُون (a) بن رُومية بن بريط (b) بن تُوفِيْل (c) بن رُومي بن الأصْفَر بن اليفن بن العِيْص بن إسْحاق بن إبْراهيم النَّبِيّ ﷺ . وقيل: اسْمُه مَرْزَبَّا بن مرْدَفَه اليُونَانِيّ، من ولد يَوْنَن بن يَافِث بن نُوح ﵇. وقيل: هو ابن مكنُوس بن مطرنُوس (d). وقيل: اسْمُه هِرْمس - وقيل: هرديس - بن قَيطُون بن رُومي بن ليطي (e) بن كسُلُوخس. وقيل: اسْمه الصَّعْب بن القَرير (f) ذي يَرْعُوْش (g) بن همُان، واللهُ أعْلَمُ. تأدَّب بأَرُسْطُوطَالِيْس، وكان مُعلِّمَهُ. وإنَّما سُمِّي ذو القَرْنَيْن لأنَّهُ بلغَ المَشْرِقَ والمَغْربَ، وهو الّذي غَزَا دَارا بن دارا بن بهْمَن بن أسْفَندباد (h) بن نَشْتَاسف، وقيل إنَّهُ اجْتاز بحَلَبَ وفي صُحْبَتِه أَرُسْطَاطَالِسُ الحَكِيمُ، وقد ذَكَرنا ذلك فيما تقدَّم عن أَرُسْطُو في هذا الكتاب (١)، وكان اجْتيَازه لقِتَال دَارَا، وقيل إنَّهُ هو الّذي بن مَدِينَة مَلَطْيَة، ويُقال إنَّ قبرَهُ بقَرْيَةٍ من بَلَدِ كَفَرْ طَاب من عَمَل حَلَب يقال لها شَحْشَحَبُو (i)، وهو ظَاهِر عندَهم يَتَداولُ الخَلفُ عن السَّلَف ذلك، ويُقالُ إنَّهُ

стр. 1948

تُوفِّي بهذا المكان، وأنَّهُ أُخْرجت أمعَاؤُه وجميع ما في بَطْنه، فدُفِنَ في هذه القَرْيَة، ونُقِلَت جُثَّته في تَابُوِت إلى أُمِّه إلى الإسْكَنْدَرِيَّة (a)، وَسَنَذْكُر هَا هُنا شَيئًا من أمْره، ثمّ نَذْكر في حرْف الذَّال (١)، في ذي القَرْنيْن، نُبْذة من حَدِيثه، لأنَّ الله تعالَى سمَّاهُ في كتابهِ العزيز ذا القَرْنَيْن، في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ (٢) إلى آخر الآيات الّتي ضَمَّها الله تعالى ذِكْرَهُ، ونَذْكر هذه القِصَّة في مَوضِعها (٣) إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى. أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُرجَّا بن أبي الحَسَن بن هِبَةِ الله بن غَزَال الوَاسِطِيّ التَّاجِر، قال: أخْبَرَنا أبو طَالب مُحَمَّد بن عليّ بن أحْمَد الكَتَّانِيّ قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُحَمَّد بن أَحْمَد بن عَبْد الله العَجَمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَخْلَد البزَّاز (b)، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن الحَسَن الصِّلْحِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عُثْمان بن سَمْعَان الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن أسْلَم بن سَهْل بن أسْلَم الرَّزَّاز، قال: حدَّثنا مُحَمَّد بن وَزِير، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن صالح البِطِّيْخِيّ (c) الوَاسِطِيّ، قال: حَدَّثنا العبَّاسُ بن الفَضْل، عن القَاسِم بن عبد الرَّحْمن، عن مُحَمَّد بن عليّ، قال: كان لذي القَرْنَيْن صَدِيْقُ من المَلائِكَة يقال له زرفيَائِيْل، وكان لا يزالُ يتعَهَّدُهُ بالسَّلام، فقال له ذو القَرْنَيْن: هل تَعْلَوُ شيئًا يَزِيد في طُول العُمر فأزْدَادُ شُكْرًا وعِبادةً؟ فقال: ما لي بذلك من عِلْم، ولكن

стр. 1949

سأسْأل عن ذلك في السَّماء، فعَرجَ إلى السَّماءِ فلبثَ مَا شَاء الله أنْ يلبَثَ ثُمَّ هَبَطَ، فقال: إنّي سَألْتُ ممَّا سَألتَني فأُخْبرتُ أنَّ للهِ عَيْنًا في ظُلمْةٍ هي أشَدُّ بياضًا من اللَّبَن وأَحْلَى من الشُّهْد، مَنْ شَرب منها شَرْبةً لم يَمُت حتَّى يكون هو الّذي يَسألُ اللّهَ تعالَى المَوْتَ (a). أخْبَرَنا أبو الفَضْل بن أبي الحَسَن التَّاجر، قال: أخْبَرَنا أبو طَالِب الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُحَمَّد بن أحْمَد بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن مَخْلَد، قال: أخْبَرَنا أبو الحسَن الصِّلْحِيّ، قال: أَخْبَرَنا أبو بَكْر الحافظ، قال: حَدَّثَنَا يُوسُف بن يَعْقُوب، قال: حَدَّثَنَا سَعيد بن مَنْصُور، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْم، عن الفَضْل بن عَطِيَّة، عن عَطَاء، عن ابن عبَّاسٍ ﵁ أنَّ إبْراهيم صلَّى اللهُ عليه لقي ذَا القَرْنَيْن فصَافحَهُ. قَراتُ على تَاج الدِّين أبي اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْديّ بداره بدِمَشق، قلت له: أخْبرك الشَّيخ أبو مُحَمَّد عبد الله بن علي بن مُحَمَّد المُقْرِئ، فأقَرَّ بهِ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن الحُسَين بن عَبْد العَزِيْز، قال: أخْبَرَنا أبو الطَّيِّب مُحَمَّد بن أحْمَد بن خَلَف بن خَاقَان، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن الحَسَن بن دُرَيْد، ح. قال أبو مَنْصور: وحَدَّثَنَا القَاضِي أبو مُحَمَّد عبد اللهِ بن عليّ بن أيوب، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن الجَرَّاح الخَزَّازُ، واللَّفْظُ له، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن دُرَيْد، قال: وقيل للإسْكَندَر بِمَ نلْتَ هذه المَمْلكة العَظِيمَة على حَدَاثَةِ سنَّك؟ قال: باسْتمالَةِ الأعْدَاء وتَصْييرِهم أصْدِقَاءَ، وبتَعاهُدِ الأصْدِقَاء بالإحْسان إليهم. وقال ابنُ دُرَيْد: قَصد الإسْكَنْدَرُ مَوضِعًا ليُحاربَ أهلَهُ، فحاربَه النِّسَاءُ،

стр. 1950

فكفَّ عنهُنَّ وعن مُحاربتهنّ، وقال: هذا جَيْشٌ إنْ غَلبْناهُ لم يكُن لنا فيه فَخْر، وإنْ غَلَبننا (a) كانت الفَضِيحةَ آخرَ الدَّهْر. قال: وقال الإسْكَنْدَرُ: انتفَعْت بأعْدَائي أكثر ممَّا انتَفَعْتُ بِأصْدِقائي؛ لأنَّ أعْدائي كانُوا يُعيِّرونَني بالخَطَأ ويُنبِهونني عليه، وكان أصْدقائى يُزَيِّنُونَ لى الخَطَأ ويُشَجِّعونني عليه. أخْبَرَنا عَتِيق السَّلَمانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحافِظ (١)، ح. وحدَّثنا أبو الحَسَن بن أحْمَد، عن أبي المَعَالِي بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم النَّسِيب، قال: أخْبَرَنا رَشَاء بن نَظِيف، ح. وأخْبَرَنا أبو القَاسِم بن سُلَيمان بن بَنِيْن، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِمِ البُوْصِيرِي، وأبو عَبْد الله بن حَمْد (b)، قالا: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الفَرَّاء - قال ابنُ حمْد: إجَازَهً - قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيْز بن الحَسَن، قالا: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مَرْوَان (٢)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن مُوسَى القَطَّانُ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن جَعْفَر الرَّقِّيّ، قال: وَشَى وَاشٍ برَجُل إلى الإسْكَنْدَر، فمَال له: أَتُحبُّ أنْ نَقْبلَ منك فيه ما قلْتَ فيه على أنَّا نقبَلُ منه ما قال فيك؟ فقال: لا، فقال له: فكُفّ عن الشَّرِّ يُكَفُّ الشَّرُّ عنكَ. قَرَأتُ في كتاب التَّعْرِيْف (٣)، في ذِكْر اليُونَانِيِّين (c)، وهذا الكتاب تأليف صَاعِد بن أحْمَد بن صَاعِد الأنْدَلُسِيِّ، قال فيه: منهم الإسْكَنْدَرُ بن فيْلفُوس (d)

стр. 1951

المَقَدُونِيُّ، المَعْرُوفُ بذي القَرْنَيْن الّذي غَزَا دَارا بن دارَا مَلِكَ الفُرْس في عُقْرِ دَاره، فَثَلَّ عَرْشَهُ، ومزَّق مُلْكه، وفرَّق جَمْعَهُ، ثمّ تخَطَّاهُ قَاصِدًا إلى مُلُوك المَشْرِق من الهِنْد، والتُّرْكِ، والصِّيْنِ، فتغلَّبَ على بَعْضِهم، وانْقادَ له جميعُهم، وتلقَّوه بالهَدَايا الفَخْمَة، واسْتَكَفُّوه بالأتَاواتِ الجَزْلَة، ولم يزل مُتَردِّدًا في أقاصِي الهِنْد، وتُخُوم الصِّيْن، وسَائرِ أكْنافِ المَشْرِق (a)، حتَّى أجْمعَ (b) مُلُوكُ الأرْضِ طرًّا على الطَّاعَة (c) لسُلْطَانه، والخضُوع لعزَّتهِ، والإقْرار بأنَّهُ مَلِكُ الأقَاليْم، والاعْتراف بأنّهُ رَئيس الأرْض. وقَرأتُ بخَطِّ عَبْد السَّلام بن الحُسَين البَصْرِيّ المَعْرُوف بالوَاجْكَا من كتاب في ذِكْر فَضَائِلِ الفُرْس، وأنْسَابِ حُكَمائهم لم يُسَمّ مُؤَلِّفه، ولعلَّه من تأليفه، قال فيهِ: وقيل إنَّ رَجُلَين من أصْحَاب دَارَا من أهْل هَمَذَان طعنا دَارَا من خلْفه في الحرب، ثمّ هَرَبا إلى الإسْكَنْدَر فأخْبَراهُ، فقَتَلَهُما بقَتْلهما دَارَا، وصلَبَهُما لأنْ لا يُجْتَرَأَ على المُلُوك (١). قال: ثُمّ مَلَك الإسْكَنْدَر الرُّوميِّ، وقد قال بعضُ الفُرْس إنَّهُ ابنُ دَارَا بن بَهْمَن المَلِك بن أَسْفَنْدبَاذ الشَّدِيد بن نَشْتَاسب المَلِك، والفُرْس تُسَمِّيه الإسْكَنْدَر. قال مؤلِّف الكتاب: ولكنَّ الثَّبتَ عندنا أنَّ ذا القَرْنَيْن الإسْكَنْدَر كان من الرُّوم، وأنَّهُ فيْلفُوس بن مصْريم بن هِرْمس بن هردس (d) بن ميطُون بن رُومِي بن ليطي بن يُوْنَان بن يَافِث بن ثوبه (ح) بن سرجُون بن رومية بن بريط (f) بن تُوفِيْل بن رُوْمِي بن الأصْفَر بن اليفَن بن العِيْص بن إسْحاقَ بن إبْراهيم النَّبِيّ ﵇.

стр. 1952

قال: وكان الإسْكَنْدَرُ مُؤْمنًا، فبَلَغنا أنَّه لَم يَزَل يقتُلُ المُلُوكَ وأبناءَهُم والأشْرَافَ حتَّى دخَل بَابِل، فرأىَ أجْسَامَ أهل السَّوَاد وعقُولَهم، فكتَبَ إلى أُمِّه وإلى مُؤَدِّبهِ أرُسْطَاطِيلس (a) يُخْبرهمُا أنّهُ رَأى قَوْمًا لم يُرَ مثلهُم، فكتَبا إليهِ: إنَّ مثل هؤلاء لا يقتَل، ولكن كُفَّ عنهم، ومزِّق مُلْكَهم، فبلغَنا أنَّ الإسْكَنْدَر مَلَّكَ على السَّوَادِ ثَمانين مَلِكًا، وكذلك صنع بسَائر البِلَاد، وجعَل على مُلُوكِ السَّواد جَمِيعًا رجُلًا، وجَعَل على الجِبَال رَجُلًا، وعلى الرُّوم رَجُلًا، وعلى المَشْرِق رَجُلًا. قال: وبلَغنا أنَّ الإسْكَنْدَر كان جَوَّالًا في البِلاد لا دار له إلَّا أنّه لمَّا قتَلَ دَارَا المَلِكَ تزوَّج روسْتَك (b) ابنَتَهُ، وجلَسَ على سَريه ببَابِلَ، وهَدَم حُصُونَ الفُرْس ومُدنَهم وبيُوتَ النِّيْرَان، وأحْرَقَ دَوَاوين دَارَا، وقَتَل الهرَابِذَة، وأحْرَقَ كُتُب المجوسِيَّة. قال: وبَني الإسْكَنْدَرُ مَلَطْيَةَ، وماتَ الإسْكَنْدَرُ ببَابِل، فطُلِيَتْ جُثَّتُهُ بعَسَلٍ، وحُمِلَ إلى الإسْكَنْدَرِيَّةِ في تَابُوتِ ذَهَب فدُفِنَ، وإنَّما طُلِي بالعَسَل لأنْ لا يُنْتِن، وكان مُلكه أرْبَعَ عَشْرةَ سَنَةً، ولم يُعْقِب. قال: وبَني الإسْكَنْدَرُ الرُّوميُّ المَلِكُ مَدِينَةَ سَمَرْقندَ، ومَدِينَةَ هَرَاةَ، ومَدِينَةَ مَرْوٍ، والإسْكَنْدَرِيَّةَ الّتِي بمِصْرَ، وسرنْدِيْب الّتي على سَاحِل البَحْر، ومَدِينَة لروسْتَك امْرأته بناهَا ببَابِل، وبن ببَابِل (c) أيضًا مَدِينَة أخْرى، وبَن جَيّ مَدِينَة أصْبَهَان على تمْثالِ حَيَّةٍ، ومَدِينَة مَلَطْيَة وهي بأرض اليُونَانيِّيْن، وبني مَدِينَتَين بأرْض اليُونَانَيِّيْن، ومَدينَتَيْن في مَوضعٍ، ولا نعْلَم أنَّ أحدًا من مُلُوك الطَّوَائف بني شيئًا. وقَرَأتُ في كتاب تَوَارِيْخ الأُمَم، تأليف أبي عَبْد اللّهِ حَمْزَة بن الحَسَن

стр. 1953

الأصْبَهَانِيّ (١)، وذَكَر دَارَا بن دَارَا، فقال: في زَمان مُلْكِه تحرَّك بأرْض المَغْربِ الإسْكَنْدَر، وكانت لمُلُوكِ الفُرْس أتَاوة على مَنْ بالمَغْرب من القِبْط، والبَرْبَر، ومنْ بالشَّمَال من الرُّوم والسَّقْلب (a)، ومَنْ بِالشَّام وفِلَسْطين من الجَرَامقَة والجَرَاجم (b)، فلمَّا اسْتَوْلَى الإسْكَنْدَر على المُلْك، ووَرَدَ عليه من قِبَل دَارَا مَنْ يتَقَاضَاهُ الأتاوة، قال: قولُوا له: إنَّ الدَّجَاجةَ الّتي كانت إلى الآن تَبِيْضُ قد انقطَعَتْ عن البَيْضِ، فصار ذلك سَبَبًا لالْتِحام الشَّرّ بين دَارا والإسْكَنْدَر حتَّى قُتِلَ فيه دَارَا، وبَني - يعْني دَارَا - فَوْق نَصِيبِيْن مَدِينَة باسْمِه، وسمَّاها دَاران، وقد بقيَتْ إلى الآن وهي تُسمَّى دَارا (c). وقال (٢): لمَّا فرَغ الإسْكَنْدَرُ من قتل دَارَا، واسْتَولَى على بلادِ فارس، أسَاءَ السِّيْرَةَ، وأسْرَف في هراقَة الدِّماء، واجْتَمع في مُعْسَكره (d) من وجُوهِ الفُرْس وأشرَافها سَبْعةُ آلاف أسير مُقَرَّنين في الأصْفَادِ، يدعُو بهم (e) كُلّ يَوْمٍ، وَيقتُل منهم واحدًا وعشْرين أسِيْرًا، حتَّى بلغَ كَاشْغَر فأقامَ بها زُمَيِّنًا (f)، ثمّ قَفَل رَاجِعًا نحو بَابِل، فلمَّا بلغَ قُوْمِسَ مَرِضَ بها، وتَمادَتْ به (g) علَّتُه في طَريقه، فمات قَبْل أنْ يَصِل إلى بَابِل، وقد كان جَعَلَها تَلَّ تُرَاب. قال (٣): وفيما (h) ولَّدَهُ القُصَّاصُ من الأخْبار أنَّهُ فَي بأرْض إِيْرَانشَهْر (i) اثْنَتي عَشْرةَ مَدِينَةً سمَّاها كلّها الإسْكَنْدَرِيَّة، واحدةً بأصْبَهَان، وواحدةً بهَرَاة، وواحدةً بمَرْو، وواحدةً بسَمَرْقند، وواحدةً بالصُّغْد، وواحدةً ببَابِل، وواحدة بَمْيسَان، وأرْبَعًا

стр. 1954

بالسَّوَادِ. وليس للحَدِيْث أصْلٌ، لأنَّ الرَّجُل كان (a) مُخَرِّبًا ليس بنَّاءً. وقال (١): لمَّا فرَغ الإسْكَنْدَرُ من قَتْلِ الأشرَافِ وذوي الأقْدَارِ من الفُرْس، واسْتَولَى على تَخْريبِ المُدن والحُصُون، ووصَلَ إلى ما أراد، كَتَب إلى أَرُسْطَاطَالِيْس: إنِّي وَتَرْتُ جميعَ مَنْ بالمَشْرِق بقَتْلي مُلُوكَهم، وتَخْرِيبي معَاقلَهُم وحُصُونَهُم، وقد خَشِيْتُ أنْ يتَضَافَروا (b) من بَعْدي على قَصْدِ بلادِ المَغْرب، فهَمَمْتُ أنْ أتتَبَّع أوْلَادَ مَنْ قَتلْتُ من المُلُوك فأجْمَعَهُم وأُلْحقَهم بآبائهم، فما الرَّأيُ قِبَلَكَ؟ نَخَبَ إليهِ: إنَّك إنْ قَتَلْتَ أبناءَ المُلُوك أفْضَى (c) المُلْكُ إلى السِّفَلِ والأنذَالِ، والسِّفَلُ إذا مَلكُوا قَدَرُوا، وإذا قَدَرُوا طَغَوا وبَغَوا وظَلَوا واعْتَدَوا، وما يُخْشَى من معرَّتهم أفْظَعُ، والرَّأيُ أنْ تَجْمعَ أبناءَ المُلُوك فتُمَلِّك كُلّ واحدٍ منهم بَلَدًا واحِدًا، وكُورَةً (d) واحدةً من البُلْدان، فإنَّ كُلّ واحدٍ منهم يُشَاحُّ الآخرَ على ما في يَده، فيتوَلَّدُ (e) من أجْلِهِ العَدَاوَةُ والبَغْضَاءُ بينهم، فيقَعُ لهم من الشُّغْلِ بأنْفُسِهم ما لا يتفرَّغُونَ عنهُ إلى مَنْ نَأى عنهم من أهل المَغْرب. فعندها قسم الإسْكَنْدَر بلاد المَشْرِق على مُلُوك الطَّوَائف، ونَقَل عن بُلْدانهم عِلْمَ النُّجُوم والطِّبّ والفَلْسَفَة والحرَاثَة إلى بُلْدان المَغْرب، بعد أنْ حوَّلَها إلى اليُونانيَّةِ والقِبْطيَّةِ. فلمَّا هَلَك الإسْكَنْدَرُ، وحَصَلَت البِلادُ في أيْدي الطَّوَائف، رَفَعُوا الحَرْبَ والتَّجاذُبَ عمَّا (f) بينهم، فكان الواحدُ منهم (g) إنَّما يَغلبُ الآخر بالمَسَائِلِ العَويصَةِ، ففي أيَّامِهم وُضعَتِ الكُتُبُ الّتي هي في أيْدي النَّاس مثلُ: كتابِ مَرْوَكَ، وكتابِ

стр. 1955

سِنْدبَاذَ (a)، وكتابِ برسنيفاسَ (b)، وكتابِ شنماسَ (c)، وما أشْبَهَهَا (d) من الكُتُب الَّتي بَلَغَ عَدَدُها قَريبًا من سَبْعِين كتَابًا. فبَقُوا على هذا المِنْهَاج إلى أنْ مَلك منهم نيّفٌ وعشرون نَفرًا، خرَج في عدادهم مَنْ سَمَتْ به هِمَّتُه إلى الغَزْو، وكان عددُ أولئك الطَّوَائف تسعين مَلكًا، فكانوا كُلّهم يُعَظِّمُونَ مَنْ يمَلكُ العِرَاق، ويَنْزل طَيْسَفُون، وهى المَدَائِن، وكان إذا كاتبهم يبدأُ بنَفْسهِ. وقال حَمْزَة الأصْبَهَانِيّ (١): قَرَاتُ في كتاب مُصَنَّفٍ في أخْبَارِ اليُونَانيِّيْن، قد نسُبَ نقْلُه إلى حَبِيْبِ بن بهْرِيز (e) مِطْرَان المَوْصِل، أنَّ اليُونَانِيِّيْن كانوا يُؤرِّخُون في القَديم من وَقْتِ (f) خُرُوج يُوْنَان بن تُورس (g) عن أرضِ بَابِل إلى جانب المَغْرب، فبقُوا على هذا التَّأريْخ إلى أنْ ظَهَر الإسْكَنْدَر وغلَب المُلُوكَ، فذهَبَتْ يُوْنَان (h) وصَاروا حُشْوَةً (i) في الرُّوم. وكان سَبَبُ ظهُور الإسْكَنْدَر على المُلُوك أنَّهُ لمَّا مَضَى من مَوْلده ستُّ سِنين، خَرَج من بَلَدِه، ورَكب البَحْرَ، وفَتَح الجَزَائر، إلى أنْ بلغَ أرْضَ إفْرَنْجَة في أقْصَى المَغْرب، ثمّ رجَعَ من وجْهته تلكَ على طَريقِ إفْرِيقِيَّة مُنْحَطًّا على أرْض مِصْر، ومنها على (j) أرْض الشَّام، فقدَّر أنَّهُ لَم

стр. 1956

يَعْمل عَمَلًا، وسَمَت به (a) هِمَّتُه إلى جَانِب المَشْرِق (b)، وطَمعَ في الظَّفَر بمَمْلَكَةِ (c) الفُرْس، فلمَّا (d) قَرُب منها اتَّفَق له قتْل مَلِكها بوثُوب بعض حُمَاةِ ظَهْره عليه، فاسْتَولَى على مَمْلَكَة الفُرْس (e)، ثمّ تَجَرَّأ منها على قَصْدِ ما وراءها من أرْض الهِنْد، وأقاصِي المَشْرِق، فظَفر بالمواضع الّتي صَار إِليها، ثمّ رَجَعَ منها عائدًا إلى مَدِينَة بَابِل (f) العَتِيقة على (g) أنْ يُعيدها إلى العِمَارَة بعدما خرَّبها، وكانت في زَمان عمرانها (h) مَنْزِل مُلُوك الكَلْدَانيِّيْن، فلمَّا قَرُب منها ماتَ بسمّ سقَوْهُ إيَّاهُ وله اثْنَتان وثلاثُونَ سنةً فحَسْب، وقد كان في حياته تقدَّم إلى أهْل زمانهِ أنْ يُؤرِّخُوا بسني مُلْكه ويجعَلُوا ابتداءَهَا من أوَّل سَنَة سَبِع وعشرين من سِنيّ عُمره، ومنه كانوا يُؤرِّخُونَ كُتُبَهم، ثمّ أرَّخُوها بعد وفاته بسَنة ستٍّ من سِنيّ الإسْكَنْدَر وذلك من ابتْداءِ حرَكَته. وقَرَأتُ في جمُوع عَتِيق بخَطِّ بعضِ الأُدَبَاءِ خَبَرَ وَفَاةِ الإسْكَنْدَر مُخْتصَرًا، قال فيهِ: لمَّا اعْتَلَّ العِلَّة الّتي أَيِسَ فيها من نَفْسِه كتبَ إلى وَالدتهِ: اصْنعَي صَنِيْعًا وادْعِي إليه مَنْ لم تُصِبْهُ مُصِيْبَةٌ، فلمَّا وصَل الكتابُ بذلك إليها قالت: لقد عزَّاني الإسْكَنْدَرُ عن نَفْسهِ. ولمَّا مَضَى لسَبيله رثَاهُ النَّاسُ؛ فممَّا قالت الفَلَاسِفَةُ: قال أحَدُهُم: حرَّكَنا الإسْكَنْدَرُ بسُكُونه. وقال أَرُسْطُوطَالِيْس: صدرَ عنَّا الإسْكَنْدَرُ نَاطِقًا، وقَدِمَ علينا صَامتًا. وقال آخرُ: خَرَجنا إلى الدُّنْيا جَاهِلين، وأقمنا فيها غَافِلين، ونخرُج منها كارهيْنَ.

стр. 1957

وقال ميلَاطُوس: أيُّها السَّاعي المُعْتَصِبُ (١)، جَمَعْتَ ما خَانكَ عند الاحْتجاج، وتركَكَ عند الاحْتِياج، فلا قَرَابَةَ يزُورُكَ، ولا وَزِيرٌ يُنْقذُكَ. وقال فِيْلِيْمُونَ (a): هذا يَوْمٌ عظيمٌ أقْبلَ من شَرِّه ما كان مُدْبرًا، وأدْبَر (b) من خَيْره ما كان مُقْبِلًا، فَمن كان باكيًا على زَوَالِ مُلْكه فليَبْكِ. وحُمِلَ في تَابُوت من ذَهَب، فلمَّا رآهُ بعضُ الفَلَاسِفَةِ، قال: جَمَعْتَهُ حيًّا وجَمَعَكَ مَيْتًا. وقيل: إنَّ الّذي قال هذا أُمُّه. وقال آخر ما أزْهَدَ النَّاسَ فيك، وأرْغَبهم فيما أنْتَ فيهِ. ودُفِنَ بحِمْص ﵀. قُلتُ: وهذا يُوكِّدُ ما يتعَارفُه أهْلُ بِلَادِنا أنَّهُ مَقْبُور بشَحْشَبُو، قَرْيَةٌ من بَلَد كَفَرْ طَاب، لأنَّ كَفَرْ طَاب وحَلَبَ وناحيتها كانت مُضافَة إلى حِمْص من قديم الزَّمان إلى أنْ عَزَل يَزِيدُ بن مُعاوِيَة قِنَّسْرِيْن وعَمَلها وجَعَلهُ جُنْدًا على حدَة، وأفْرَده عن حِمْص (c). وقيل: إنَّ الّذي فَعَل ذلك مُعاوِيَة أبوه (٢)، واللهُ أعْلَمُ. ذِكْر مَن اسْمُهُ أسْلَمُ أسْلَمُ بِن حَرْبِ بن سُفْيان بن سَهْم بن مَالِك بن عَدِيّ بن الأَسْود بن جُشَم بن سَامَة بن لُؤَي بن غَالِب الجُشَمِيُّ كان بحَلَبَ، وله ذِكْرٌ.

стр. 1958

ذَكَرهُ ابن الكَلْبيّ في نَسَب بني جُشَم بن سَامَةَ (١)، فقال: منهم أسْلَمُ بن حَرْب بن سُفْيان بن سَهْم بن مَالِك بن عَدِيّ بن الأسْوَد بن جُشَم بن سَامَة بن لُؤَيّ أبو غَالِب، بحَلَبَ. أسْلَمُ بن كَرْب الشَّامِيُّ كان بحَلَبَ، وكان رَجُلًا صَالِحًا مُجابَ الدَّعْوَةِ. قَرأتُ بخَطِّ أبي الحُسَين بن المُهَذَّب بن مُحَمَّد بن هَمَّام المَعَرِّيّ: وحَدَّثَنَا القَاضِي - يعني أبا سَعيد (a) بن بُلْبُل قاضي المَعَرَّة - قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عُبيد الله الأسَديّ، قال: حَدَّثنا الفُضَيْل بن عُبَيْد اللهِ الهاشِميّ، عن جَدّه عُبَيْدِ الله (b)، قال: وحَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الصَّقْر الشَّامِيِّ، عن أَبِيهِ، كلاهمُا عن أبي النَّضْر، قال: خرَجَ عَبْدُ الله بن مُحَمَّد المنصُور فذكَر حِكايَةً نُوردُها فيما يأتي من هذا الكتاب إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى في تَرْجَمَةِ المُسْتَهل بن الكُمَيْت بن زَيْدٍ (٢)، وأنَّ المنَصُورَ أمَرَه أنْ يتَقَرَّى مَنَابِرَ الشَّامِ فيَذكُرَ مَنَاقِبَ بني هاشِمٍ وما فضَّلهُم اللهُ بهِ، ومَثَالِبَ بني أُمَيَّة وما كانوا عليه، ففَعَل ذلك، وتقرَّى مَنابِرَ الشَّام مَدِينَةً مَدِينَهً إلى حَلَب، فرقَى مِنْبَرها فذَكَرَ فَضَائِلَ بني هاشِم ومَثَالِبَ بني أُمَيَّة رَجُلًا رجُلًا حتَّى انْتَهى إلى عُمَرَ بن عَبْدِ العَزِيْز، فقال: وإنَّما كان مَثَلُه مثلَ بَغي بني إسْرَائِيل الّتي كانت تَزْني بحَبِّ رُمَّانٍ وتتَصَدَّق بهِ على المَرْضَى، فقام إليه أسْلَمُ بن كَرْب الشَّامِيّ فقال: إنْ كُنتَ كاذبًا فأعْمَى اللهُ بَصَرك، فعَمِي في موضعه، وانْحَدر من المِنْبَر يُقادُ، فكان أسْلَم بن كَرْب يَطْرَحُ التُّرابَ إلى فيْهِ ويقُول: تَبًّا له سُمعَ دُعَاؤُهُ، يزري على نَفْسِه.

стр. 1959

أسْلَمُ، أبو عِمْران الكِنْدِيُّ، مَوْلاهُم (١) رَوَى عن عُقْبَة بن عَامِر الجُهَنِيّ، وأبي أَيُّوبَ الأنْصَاريّ صاحبَي رسُولِ الله ﷺ . رَوَى عنهُ يَزِيد بن أبي حَبِيْب، ودخَل بلادَ الرُّوم غَازِيًا في الجَيْش الّذي كان فيه أبو أَيُّوب الأنْصَاريّ. أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْدِ الله الدِّمَشقيّ، قال: أخْبَرَنا ناصر بن مُحَمَّد، ح. وأخْبَرَنا أبو رَوْح عَبْد المُعِزّ بن مُحَمَّد الهَرَوِيّ في كتابهِ، قالا: أخْبَرَنا سَعيدُ بن أبي الرَّجَاءَ الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن النُّعْمان، وإبْراهيم بن مَنْصُور سِبْط بَحْرُوَيه، قالا: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن المُقْرِئ، قال: حَدَّثَنَا أبو يَعْلَى المَوْصِلِيّ، قال: حَدَّثنا عَمْرو بن الضَّحَّاكِ بن مَخْلَد، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثنا حَيْوَةُ بن شُرَيْج، قال: سَمِعْتُ يَزِيد بن أبي حَبِيْب يقُول: حَدَّثَني أسْلَمُ أبو عِمْران مَوْلَى لكِنْدَة، قال: كُنَّا بمَدينَةِ الرُّوم فأخْرجوا إلينا صفًّا عَظيْمًا من الرُّوم، وخرَجَ إليهم مثْلُه أو أكثَر، وعلى أَهل مِصْرَ عُقْبَةُ بن عَامِر صاحبُ رسُول الله ﷺ ، فحمَل رَجُل من المُسْلمِيْن على صَفّ الرُّوم حتَّى دخَل فيهم، فصَاح بهِ النَّاسُ وقالوا: سُبْحَانَ اللهِ يُلْقي بيده إلى التَّهْلكُة، فقام أبو أَيُّوبَ الأنْصَاريُّ صاحبُ رسُول الله ﷺ فقال: أيُّها النَّاسُ، إنَّكم تُؤوّلونَ هذه الآيةَ على هذا التأويْل، وإنَّما نزَلت (a) هذه الآيةُ فينا مَعاشِرَ الأنْصَار، إنَّما لمَّا أعَزَّ اللهُ الإسْلَامَ

стр. 1960

وكثَّر نَاصِريهِ، قُلْنا بعضُنا (a) لبعضٍ سرًّا من رسُول الله ﷺ : إنَّ أمْوَالنَا قد ضاعَت، وإنَّ الله قد أعَزَّ الإسْلَامَ وكثَّر نَاصِريه، فلو أقَمنا (b) في أمْوَالنا فأصْلَحنا ما ضَاع منها، فأنزَل اللهُ على نبيِّهِ ﷺ يردُّ علينا ما قُلنا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)، فكانت التَّهلكَة: الإقامةُ في أمْوَالنا وإصْلاحُها وترْكُنا الغَزْو. قال: وما زال أبو أيُّوبَ شَاخِصًا في سَبِيْل الله حتَّى دُفِنَ بأرض الرُّوم. أسْلَمُ، أبو رَافِع (٢) وقيل اسْمه إبْراهيم، مَوْلَى النَّبِيّ ﷺ ، وَسَنَذْكُره في باب الكُنَى لشُهْرته بأبي رَافعٍ (٣) وللاخْتِلَاف (c) في اسْمه، شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ ﵁. أسْماءُ أسْماءُ بن الحَكَم الفَزَارِيُّ (٤) شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليّ رِضْوَان الله عليه، ورَوَى عنهُ، وحَكَى عن وَقْعَة

стр. 1961

صِفِّيْن، رَوَى عنهُ زَيْد بن أبي رَجَاء، وعليّ بن رَبِيْعَة الأسَدِيّ. أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد البَرّ (a) بن أبي العَلَاء الحافِظ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو المَحَاسِن نَصْرُ بن المُظَفَّر البَرْمَكِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الإسْمَاعِيْليّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم السَّهْمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد بن عَدِيّ الحافِظ (١)، قال: أخْبَرَنا الفَضْلُ - هو ابن الحُبَاب - قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، قال: حَدَّثَنَا أبو عَوَانَة، عن عُثْمان بن المُغِيرَة الثَّقَفِيّ، ح. قال: وأخْبَرَنا الفَضْلُ، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن بَشَّار (b) الرَّمَادِيّ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عن مِسْعَر، عن عُثْمان بن المُغِيرَة، عن عليّ بن رَبِيْعَة، عن أسْماءَ بن الحَكَم الفَزَارِيّ، عن عليّ، قال (٢): كُنْتُ إذا سَمِعْت من رسُولِ الله ﷺ حَدِيثًا ينفَعُني اللهُ بما شاءَ أنْ يَنْفعني، حتَّى حَدَّثَني أبو بَكْر، وكان إذا حَدَّثَني عن النَّبِيّ ﷺ بعضُ أصْحَابهِ اسْتَحْلَفْتُهُ، فإذا حَلَفَ صَدَّقْتُه، وإنَّه حَدَّثَني أبو بَكْر، وصَدَقَ أبو بَكْر، عن النَّبِيّ ﷺ أنَّهُ قال (c): ما من عَبْدٍ يُذْنبُ ذَنْبًا ثمّ يتوَضَّأُ ويُصَلِّي رَكْعَتَيْن ثمّ يَسْتَغفِر اللهَ لذلك الذَّنْبَ إلَّا غفَر اللهُ له (d). قال ابنُ عَديٍّ (٣): وهذا الحَدِيْثُ مدَارُهُ على عُثْمان بن المُغِيرَة رَوَاهُ عنهُ غيرُ مَنْ ذَكَرتُ: الثَّوْرِيُّ، وشُعْبَة، وزَائِدَةُ، وإِسْرَائِيل وغيرهم. وقد رُوي عن غير

стр. 1962

عُثْمانَ بن المُغِيرَة، عن عليّ بن رَبِيْعَة. قال (١): حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن أبي دَاوُد، قال: أخْبَرَنا أَيُّوب الوَزَّان، قال: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، قال: حَدَّثَنَا مُعاوِيَةُ بن أبي العبَّاسِ القَيْسيِّ، عن عليّ بن رَبِيْعَة الأسَدِيّ، عن أسْماءَ بن الحَكَم الفَزَارِيّ، قال: قال عليُّ بن أبي طَالِب: كان الرَّجُلُ إذا حَدَّثَني عن رسُول الله ﷺ بحديثٍ اسْتَحْلفْتهُ، فإذا حلَفَ لي صَدَّقتُه، وحَدَّثَني أبو بَكْر، وصَدَقَ أبو بَكْر، أنَّهُ قال: ما من عَبْدٍ يُذْنبُ ذَنبًا ويُصَلِّي رَكْعَتَين ثمّ يَسْتغفِرُ منهُ إلَّا غُفِرَ له. قال الشَّيْخُ ابن عَدِيّ (٢): وهذا الحَدِيْثُ طَريقُه حَسَنٌ وأرْجُو أنْ يكُونَ صَحيحًا، ولا أعْلَم له حَدِيثًا آخر، وأسْماءُ بن الحَكَم هذا لا يُعْرَفُ إلَّا بهذا الحَدِيْث. وقال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد بن عَدِيّ (٣)، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن أحْمَد بن حَمَّاد يَقُول: قال البُخاريّ (٤): وأسْماء بن الحَكَم الفَزَارِيّ سَمِعَ عليًّا، رَوَى عنهُ عليّ بن رَبِيْعَة قال: كُنْتُ إذا حَدَّثَني رَجُلٌ من أصْحَاب النَّبِيّ ﷺ استَحْلَفْتُه، فإذا حَلفَ لي صدَّقْتُه. قال ابنُ عَدِيّ (٥): ولم يُروَ هذا (a) عن أسْماءَ غيرُ هذا الحَدِيْثِ الواحد، ويُقَالُ: إنَّهُ قد رَوَى عنه حَدِيثًا آخر لم يُتَابَعْ عليه. أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَريم الجَزَرِيّ، وأبو البَقَاءِ يَعِيْشُ بن عليّ بن يَعِيْش، قراءةً عليهما بحَلَب، قالا: أخْبَرَنا أبو الفَضْل [عَبْد الله] (b) بن أحْمَد بن مُحَمَّد الخَطِيبُ الطُّوْسيّ، ح.

стр. 1963

وأخْبَرَنا أبو عَبْد الله [مُحَمَّد] (a) بن إبْراهيم بن سَلْمَان الإرْبِلِيّ: أخْبَرَنا أبو الفَتْح مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي بن البَطِّيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد جَعْفَر بن أحْمَد بن الحُسَين السَّرَّاجُ، قال: أخْبَرَنا عُبَيْدُ الله بن عُمَر، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن إبْراهيم، قال: حَدَّثَنَا القَاضِي مُوسَى بن إسْحاق بن مُوسَى قراءةً، قال: حَدَّثَنَا خَالِد - يعني ابن يَزِيد العُمَريّ - قال: حَدَّثنا الثَّوْرِيّ، قال: أخْبَرَني عُثْمانُ بن المُغِيرَة الثَّقَفِيّ (b)، عن عليّ بن رَبِيْعَة، عن أسْماء بن الحَكَم الفَزَارِيّ، قال: سَمِعْتُ عليّ بن أبي طَالِب ﵁، قال: كُنْتُ إذا سَمعْتُ من رسُول الله ﷺ يعني حَديثًا - نفَعني الله بما شَاءَ منه، وكان إذا حَدَّثَني عنه غيري اسْتَحْلفْتُهُ فإذا حَلَفَ صَدَّقْتُه، وحَدَّثَني أبو بَكْر ﵁، وصَدَقَ أبو بَكْر، قال: سَمِعْتُ رسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: ما من عَبْدٍ مُسْلِم يُذْنبُ ذَنبًا ثمّ يتوضَّأُ فيُحْسنُ الوُضُوءَ، ثُمّ يُصَلِّي رَكْعَتين، ثمّ يَسْتغفِرُ اللهَ إلَّا غَفر اللهُ له . قال السَّرَّاجُ: مَحْفُوظ من حديث عُثْمان بن المُغِيرَة - وهو عُثمان بن أبي زُرْعَة، وعُثْمان الأعْشَى - عن عليّ بن [رَبِيْعَة] (c) الوَالِبِيّ، عن أسْماء بن الحَكَم الفَزَاِرِيّ، عن أَمِير المُؤْمنِيْن عليّ بن أبي طَالِب، وافق سُفْيان الثَّوْرِيّ على روايته مِسْعَر بن كِدَام، وإِسْرَائِيل بن يُونُس، وأبو عَوَانَة، وشُعْبَة، والحَسَن بن عُمَارَة، وقَيْس بن الرَّبِيْع، وشَرِيك بن عَبْد الله، فرووه كُلّهم عن عُثْمان بن المُغِيرَة، إلَّا أنَّ شُعْبَة شَكَّ في أسْماء بن الحَكَم، فقال: عن أسْماء، أو أبي أسْمَاء، أو ابن أسْماء. ورَوَاهُ عليّ بن عَابِس، عن عُثْمان بن المُغِيرَة، عن أبي صَادِق، عن رَبِيْعَة بن نَاجِذ (d)، عن عليّ بن أبي طَالِب، ووَهم عليّ بن عَابِس في ذلك، واللهُ أعْلَمُ. نَقَلْتُ من خَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، وأنْبَأنَا به عنه أبو القَاسِم عَبْد

стр. 1964

الله بن الحُسَين وغيره، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخ الإمَام أبو القَاسِم يُوسُف بن إبْراهيم بن يُوسُف بن بَكْرَان السَّمَّان النَّشَويّ، قال: أخْبَرَنا إبْراهيم بن حَمْكَان (a) النَّشَويّ، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: سَمِعْتُ مَكِّيّ بن هَارُون الزَّنْجَانِيّ يَقُول: أسْماء بن الحَكَم الفَزَارِيّ لا يُعْرف إلَّا بهذا الحَدِيْث، يعني حَدِيثه عن عليّ عن أبي بَكْر ﵄، ويُقالُ إنَّهُ قد رَوَى أيضًا حَدِيثًا لم يُتَابَع عليه، ولا أحْفظُه، وهذا الحَدِيْثُ مَدَارُه على عُثْمانَ بن المُغِيرَة، رَوَاهُ عنهُ الثَّوْرِيُّ، وشُعْبَةُ، ومِسْعَرُ، وزَائِدَةُ، وإِسْرَائِيلُ، وأبو عَوَانَة، وعند الحُفَّاظ أجْمع وأهل المَعْرفَة بهذا الشَّأْن أنَّهُ لم يَرْوه عن عليّ بن رَبِيْعَة غير عُثْمَان لأنَّ عليه المَدَار. وقد تابعهُ مُعَاويَةُ بن أبي العَبَّاس القَيْسيّ وهو طَريق غَرِيْب عَجيب. ذِكْرُ مَن اسْمُهُ إسْمَاعِيْل ذِكْرُ مَن اسْمُ أبيْهِ إبْراهيم ممَّن اسْمُه إسْمَاعِيْل إسْمَاعِيْلُ بنُ إبْراهيم بن أحْمَد الشَّيْبَانِيُّ، أبو الفَضْل القَاضِي الحَنَفِيّ المَعْرُوف بابنِ المَوْصِلِيّ (١) وقد قدَّمنا ذِكْر أبيهِ (٢)، تولَّى القَضَاءَ نِيَابَةً، يَحكُمُ على مَذْهَب أبي حَنِيْفَة ﵁ بدِمَشْقَ إلى أنْ مات، وكان قد حَكَم بالمَوْصِل قبل ذلك، ثمّ خَرَجَ

стр. 1965

منها وتَوَجَّه إلى دِمَشْقِ، واجْتازَ في طَريقهِ بحَلَب، وأقام بها مُدَّةً يَسِيْرةً، وحَكَم بمِصْر، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى دِمَشْق، وكان فَقِيَهًا فَاضِلًا، حَنَفيّ المَذْهَب، مَشْكُور السِّيْرَة، حَدَّثَ عن أبي الفَضْل مُحَمَّد بن يُوسُف بن عليّ الغَزْنَوِيّ، وأبي مُحَمَّد هِبَة الله بن مُحَمَّد بن مَمِّيْل (a) الشِّيْرَازيّ، ورَوَى عن أبي المُظَفَّر أُسامَة بن مُرْشِد بن مُنْقِذ. رَوَى عنهُ جَمَاعَةٌ من أهل الحَدِيْث منهم: أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن يُوسُف البِرْزَاليّ، وأبو المَحَامِد إسْمَاعِيْل بن حَامِد القُوصِيّ، وخرَّجا عنه في مُعْجَم شُيُوخهما. وقال القُوصِيّ عند ذِكْره: تولَّى الحُكْمَ نِيَابَةً بدِمَشْقَ فحُمِدَ نَافِذ حُكْمهِ، وشُكِرَت فَتَاويهِ. وكانَ مَوْلدُهُ ببُصْرى في رَابعَ (b) عَشرَ رَبِيع الآخر سَنَة أرْبَعٍ وأرْبَعين وخَمْسِمائَة، وتُوفِّيَ ﵀ بدِمَشْقَ في (c) يَوْم الأرْبَعَاء تاسع جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة تِسْعٍ وعشرين وسِتّمائة، وأخْبَرَني بذلك غَيْرُه. إسْمَاعِيْل بن إبْراهيم بن شَاكِر بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَبْد الله بن سُلَيمان، أبو مُحَمَّد بن أبي إسْحاق بن أبي اليُسْر المَعَرِّيّ الأصْل، الدِّمَشقيّ المَوْلد والدَّار (١) كاتِبٌ مُجِيْدٌ، وشَاعِرٌ مُحْسِنٌ، من بَيْت العِلْم والفَضْل والأدَب، وقد قدَّمْنا
следующие страницы →